باب الأفعال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- حسن حفظي
- الكتاب
- شرح الآجرومية
- المؤلف
- د حسن بن محمد الحفظي [الكتاب مرقم آليا]
، فقال (الأفعالُ ثلاثة: ماضٍ، ومُضارعٌ، وأمر، نحو: ضَرَبَ، ويَضرِبُ، واضرِبْ) ، وقد سبق أن ذكرنا لكم يا أيها الأحباب أن الكلام أو الكلمة أو الكلم ثلاثة أقسام، إما اسم، وقد ذكرنا لكم علاماته وانتهينا منه، وإما فعل، وذكرنا لكم أيضًا علامة الفعل الماضي وعلامة الفعل المضارع وعلامة فعل الأمر، ولسنا بحاجة إلى إعادتها، والنوع الثالث وهي الحروف وأنها لا علامة لها، وإنما يُجرب عليها علامات الأفعال وعلامات الأسماء فإن قبلتها فهي واحدٌ منهما وإن لم تقبل فهي حرفٌ.
فعندنا الفعل الماضي "ضرب" والفعل المضارع "يضرب" وفعل الأمر "اضرب"، وعلى كل حال فهذا حديثه في باب الأفعال.
قال المصنف رحمنا الله وإياه (فالماضي مفتوحُ الآخر أبدا) ، هنا الآن بدأ يتحدث في تفصيلات أحكام الأفعال، أيها الإخوة إن الأصل في الأفعال أن تكون مبنية، وإن كان صاحبنا هنا سيذكر أن فعل الأمر مُعربٌ وليس مبنيًّا لأنه حكم عليه بأنه مجزومٌ دائمًا، وهذا رأيُ الكوفيين واتبعه لأنه كثيرًا ما يتبع آراء الكوفيين، لكننا نرى أن الأصل في الأفعال أنها مبنية، لذلك الفعل الماضي عند الجميع مبنيٌّ، والفعل المضارع مُعربٌ عند الجميع ما لم يتصل به نون التوكيد أو تتصل به نون النسوة، وفعل الأمر الصحيح أو الأقوى فيه أنه مبنيٌّ، وإن كان صاحبنا كما سيذكر بعد قليل أنه مُعرب، ولكنه قال هو مجزومٌ أبدًا، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الأفعال كلها تدل على أمرين، تدل على الحدث والزمان، فإن دل على الزمن الماضي فهو ماضٍ، وإن كان مُحتملا للدلالة على الحاضر أو المستقبل فهو مضارع، وإن دل على المستقبل فقط فهو أمرٌ، لكنه في الوقت نفسه يدل على أمرين هما الحدث والزمان، أنت إذا قلت "ضرب" فهي متضمنةٌ لأمرين هما الحدث وهو الضرب والزمان وهو وقوعه في الزمن الماضي، وكذلك في "يضرب" تدل على أمرين وهما الحدث أيضًا والزمن، والزمن هنا صالحٌ للآن أو للمستقبل، وكذلك في "اضرب" تدل على حدث الضرب وتدل على أنه مأمورٌ به في الوقت المستقبل.
ويقول المصنف (فالماضي مفتوحُ الآخر أبدا) ، هذا هو الصواب، وإن كان بعضهم يرى أن الفعل الماضي إذا اتصل به ضمير الرفع المتحرك كله، يعني سواء تاء المتكلم أو تاء الغائب.. إلخ، أو "نا" أو نون النسوة، متى ما تصل به ضمير الرفع المتحرك فإنه يُبنى على السكون، بعضهم يرى ذلك، وبعضهم يرى أيضًا أن الفعل الماضي إذا اتصلت به واو الجماعة بُني على الضمة، لكن الصواب في هذه المسألة أن الفعل الماضي حقه أن يكون مبنيًا على الفتح، فإذا اتصلت به التاء مثلا فإنه يكون مبنيًّا على الفتح لكن سُكِّن آخره لاتصاله بهذا الضمير، سُكّن فقط وإلا فهو على الفتح المقدر، وكذلك في "ضربوا" أو "أكرموا" فهي مبينة على فتحٍ مقدر وإنما ضُم لمناسبة واو الجماعة.
قال المصنف (فالماضي مفتوحُ الآخر أبدا) ، إذًا نعتمد قول المصنف في هذه القضية وهو أن حق الفعل الماضي أن يكون مبنيًّا على الفتح، أما إذا اتصلت به واو الجماعة فيُضم آخره لمناسبة الواو، وإن اتصل به ضمير الرفع المتحرك وهو تاء المتكلم وتاء المخاطب وتاء المخاطبة ونون النسوة و"نا" الفاعلين، فإنه حينئذٍ يُسكن آخره، ولكنه أيضًا يُحكم عليه بأنه مبنيٌّ على الفتح، والمسألة في هذا سهلة، إن قلت إنه مبنيّ على الضم فلا إشكال قد قالها غيرك، وإن قلت إنه مبنيٌّ على السكون فلا إشكال، وإن قلت إنه مبنيٌّ على الفتح فهو أولى فقط، لكن الثاني جائز وليس فيه إشكال، وقد قاله غيرنا.
قال المصنف أيضًا (والأمر مجزومٌ أبدا) ، تعبير المجزوم يا إخواني يعني أن الكلمة معربة، وهو يرى أن فعل الأمر معرب بناءً على ما يره الكوفيون، الكوفيون يرون أنه مجزوم بلام أمر مقدرة، فأنت إذا قلت "جلس" فكأنك قلت "لتجلس"، يعني كأنك تقدر قبله لامًا لتكون هذه اللام هي التي جزمته، لام أمر مقدرة، لكن البصريون لا يرون ذلك، ويرون أنه مبنيٌّ دائمًا، لكن مبني على ماذا؟ مبنيٌّ على ما يُجزم به مضارعه، فإن كان مضارعه يٌجزم بالسكون بُني على السكون، يُجزم بحذف النون بُني على حذف النون، يُجزم بحذف حرف العلة يُبنى على حذف حرف العلة، قال الله عزّ وجلّ ? ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ? [النحل: 125] ، ? ادْعُ ? فعل أمر مبنيٌّ على حذف حرف العلة، لأنه لو كان مضارعًا لقلنا "لم يدع" فحذفنا آخره، وكذلك تقول "اجلس" مثل ما تقول "لم يجلس"، فتبنيه على السكون، وهكذا، وتقول "لم يحضروا"، وتقول "احضروا"، فيكون مبنيًّا على حذف النون، فهذا هو فعل الأمر.
ثم قال المصنف رحمن الله وإياه (والمضارع ما كان في أوله إحدى الزوائدِ الأربعِ
التي يجمَعُهَا قولُك: أنَيتُ، وهو مرفوعٌ أبدا، حتى يدخُلَ عليه ناصِبٌ أو جازِم) ، إذًا الفعل المضارع معرب باتفاق، هذه لا خلاف فيها، هل يُبنى الفعل المضارع؟ الجواب نعم، في حالتين هما: أن تتصل به نون التوكيد المباشرة، هذا الأول، الموضع الثاني أن تتصل به نون النسوة، إذا اتصلت به نون التوكيد بُني على الفتح، قال الله عزّ وجلّ ? لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ ? [يوسف: 32] ، وقال
سبحانه ? وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ? [يوسف: 228] ، أما إذا لم يتصل به نون التوكيد ولا نون النسوة فهو مُعربٌ، يعني يُرفع بالضمة وينصب بالفتحة ويُجزم بالسكون أو نحو ذلك كما سيتبين لنا إن شاء الله تعالى.
يقول (والمضارع ما كان في أوله إحدى الزوائدِ الأربعِ التي يجمَعُهَا قولُك: أنَيتُ) ، طبعًا لابد أن يكون الفعل المضارع مبدوءً بواحد من هذه الزوائد الأربع، إما الهمزة نحو "أكرم" أو "أجلس"، وإما النون نحو "نكتب" أو "نذهب"، وإما الياء نحو "يكتب" أو "يلعب"، وإما التاء نحو "تقوم هندٌ" أو "أنت تقوم"، فهذا لابد أن يكون مبدوءً بواحدٍ من هذه الأربع، وأيضًا علامته كما ذكرنا فيما مضى أن يصح دخول لام عليه، فإن لم يصح دخول لام عليه، فإنه لا يكون فعلًا مضارعًا؛ لأنك تجد في بعض الأحيان بعض الكلمات مبدوءة بواحد من هذه الأحرف مثل "محمدٌ أكرم من عليٍّ" مثلا، هذه "أكرم" صيغة تفضيل ومع ذلك مبدوءة بالهمزة، لكن ما تصلح أن تجعل قبلها كلمة "لم"، معناها أن العلامة الأصلية للفعل المضارع "لم" لم تصح أن تدخل عليها.
ويقول (وهو مرفوعٌ أبدا، حتى يدخُلَ عليه ناصِبٌ أو جازِم) إذًا حق الفعل المضارع أن يكون مرفوعًا، ولذلك يُقال في الفعل المضارع إنه مرفوعٌ لأنه لم يسبقه ناصبٌ ولا جازم، هذه علة رفعه، يعني ما يحتاج إلى علة، أما إذا دخل عليه ناصبٌ أو جازمٌ فإنه يُنصب أو يُجزم بحسب الداخل عليه.
نذكر النواصب، قال (فالنَّواصبُ عَشَرَة، وهي: أَنْ، ولَنْ، وإذنْ، وكَيْ، ولام كي، ولام الجُحُود، وحتى، والجوابُ بالفاء والواو وأو) ، وهذه كل واحدةٍ منها تحتاج إلى شرحٍ وبيانٍ وأمثلة، أما مثل "أنْ" وهي أم الباب، لم جعلوها أم الباب؟ قالوا لأنها تعمل ظاهرةً ومضمرة، ظاهرة نحو قول الرسول صلى الله عليه وسلم (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه) ، هذا حينما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان، قال (الإحسان أن تعبد) ، فـ (تعبد) فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة، بسبب
تقدم "أنْ" عليه، هذا بالنسبة لـ "أنْ"، "أنْ" أول النواصب.
ثم بعد هذا "لن"، قال الله عزّ وجلّ ? قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ? [طه:91] ، "لن" تقدمت على الفعل ? نَبْرَحَ ? فنصبته، فهي من النواصب، نواصب الفعل المضارع، و"لن" هذه يا أيها الأحباب دائمًا وأبدًا تنصب الفعل المضارع، "أن" أحيانًا يُنصب الفعل المضارع بعدها، طبعًا هو الغالب، لكن أحيانًا تكون مخففة من الثقيلة فلا يُنصب، قال الله عزّ وجلّ ? عَلِمَ
أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى ? [المزمل: 20] ، فـ "يكون" هنا فعل مضارع، مع أنها تقدمت عليها "أن" هنا، لكنها ليست أن الناصبة، وإنما هي أن التي أصلها "أنَّ"، لأن التقدير -والله أعلم- "علم أنّه سيكون منكم مرضى".
أما حتى فشاهدها قول الله عزّ وجلّ ? حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ? [طه: 91] ، فـ ? يَرْجِعَ ? فعل مضارع منصوب، هل هو منصوب بـ "حتى"؟ هذا قول الكوفيين، هل هو منصوب بـ "أن" مضمرة بعد "حتى" هذا قول البصريين، وأنتم أحرار، لو قلت "حتى" ما فيه مشكلة، وهذا أخف وأيسر، أيسر أن تقول إنه منصوبٌ بـ "حتى"، ولا إشكال فيه، وهذا ظاهرٌ في هذا المجال فلا نحتاج إلى تقدير، ولكن لو قلت فهذا رأيٌّ قد سُبقت إليه.
قال الله عزّ وجلّ ? قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ? [القصص: 17] ، ? أَكُونَ ? هنا فعل مضارع منصوب بـ "لن".
أما "إذًا" يا أيها الأحباب فليست تنصب الفعل المضارع مطلقًا، يعني تنصبه أحيانًا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن تكون متصدرةً في جملتها.
الشرط الثاني: أن تكون دالة على المستقبل، يعني يجيئك شخص فيقول "آتيك غدًا"، فتقول له "أنت إذًا أكرمَك"، يعني أنت إذا جئتني غدًا أكرمتك، هذه دلت على المستقبل فنصبت الفعل المضارع.
هذان شرطان، الشرط الأول أن تكون متصدرة، الشرط الثاني أن تكون دالة على المستقبل.
الشرط الثالث: ألا يُفصل بينها وبين الفعل المضارع بأي فاصلٍ غير القسم، القسم ليس فيه مانع "إذًا والله أكرمَك" "إذًا" هنا تنصب الفعل المضارع، لكن لو قلت "إذًَا محمدٌ" فتقول "يُكرمُك" لأنك فصلت بغير القسم.
فثلاثة شروط لإعمال إذًا.
يستشهدون للفصل بالقسم مع إعمال إذًا بقول الشاعر:
إذًا والله نرميَهم بحربٍ تُشيب الطفل من قبل المشيب
"إذًا" متصدرة في جملتها، ودالة على المستقبل، وقد فُصل بينها وبين الفعل نرمي بالقسم، هذا يجوز ولا إشكال فيه.
ونكتفي في هذه الحلقة بهذا القدر، ونستمع إلى أسئلتكم إلى أردتم أو أسألكم أنا.
سأل أحد الطلبة:
لماذا يوضع ألف مكان النون عند حذف النون في الفعل المضارع، مثل "يكونواْ"؟
أجاب الشيخ:
الألف هذه ما تُكتب إلا مع واو الجماعة، وهذه تُسمى الألف الفارقة بين الفعل الذي الواو من أصل الكلمة مثل "يعفو" مثلا، والواو التي هي واو الجماعة، إذا كانت الواو للجماعة فإنه يُكتب بعدها ألف عندما يكون الفعل منصوبًا أو مجزومًا، ولا يُكتب بعدها ألف إذا كانت الواو هذه ليست واو الجماعة وإنما هي واو الفعل من أصل الكلمة، مثل "يدعو"، تقول "محمدٌ يدعو"، فهذه ما تُكتب بعدها ألف، لكن "المحمدون لن يحضروا"، الواو هذه للجماع، أو "لن يدعوا" مثلا، هذه تُكتب بعدها واو، لكن هذه الألف تُسمى بالألف الفارقة.
لكن أنا ظننتك تسأل عن كتابة الألف في إذًا، تكتب بالنون أم تكتب بالألف هذه فيها
خلاف، ولكن المبرد لقد قال "أشتهي أن أكوي يد من يكتب إذًا بدون نون"، هو يشتهي ذلك، لكننا لا نوافقه، ويرى بعضهم أن المسألة فيها تفصيل، فإن كانت إذًا عاملة داخلة على الفعل المضارع فإنها تُكتب بالنون، وإذا كانت "إذًا" ليست عاملةً أو "إذا" الشرطية التي جاءها التنوين في آخرها مثل قول الله عزّ وجلّ ? وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ? [الإسراء: 76] ، فإنها لا تُكتب بالنون، والمسألة في هذا فيها سعةٌ، والحمد لله.
والذي نراه أن "إذًا" تُكتب بالنون إذا كان بعدها فعلٌ مضارع سواء أعملت أم لم تعمل.
سأل الشيخ:
الفعل المضارع يُبنى في حالتين، فما هما؟
أجاب أحد الطلبة:
يُبنى الفعل المضارع إذا اتصلت به نون النسوة أو نون التوكيد الخفيفة أو الثقيلة.
علق الشيخ:
بارك الله فيك، صحيح، يُبنى إذا اتصلت به نون النسوة، على ماذا؟
أجاب أحد الطلبة:
على السكون.
علق الشيخ:
على السكون، صحيح، وإذا اتصلت به نون التوكيد؟
أجاب أحد الطلبة:
على الفتح.
علق الشيخ:
بُني على الفتح، بارك الله فيك، هذا كلامٌ حق.
سأل الشيخ:
نواصب الفعل المضارع مر بنا الحديث عن بعضها، وتحدثنا عن "إذًا" وتحدثنا عن "أنْ" وتحدثنا عن "لن"، واشترطنا للنصب بعد إذًا ثلاثة شروط، أريد ذكر بعضها.
أجاب أحد الطلبة:
1- أن تكون متصدرةً في جملتها.
2- ألا يفصل بينها وبين الفعل بفاصل غير القسم، فإنه يجوز الفصل به.
3- أن يكون الفعل الذي بعدها دالا على المستقبل، وهذا كلامٌ حقٌ، وبارك الله فيك.
سأل الشيخ:
أيضًا ذكرنا مما ذكرنا أنّ "أنْ" أحيانًا لا يُنصب الفعل المضارع بعدها، فمتى يكون ذلك؟
أجاب أحد الطلبة:
عندما تكون "أنّ" المخففة.
علق الشيخ:
صحيح، إذا كان أصلها "أنّ" ثم خففناها فصارت "أنْ" فإن الفعل المضارع بعدها لا يُنصب بها، فإن تكون مخففة من الثقيلة ولا تكون عاملةً، ويكون اسمها محذوفًا أو مقدرًا، ومنه قول الله عزّ وجلّ ? عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى ? [المزمل: 20] ، فإن "أن" هنا لم تنصب الفعل المضارع لهذا السبب.
سأل الشيخ:
الفعل الماضي مبنيٌ دائمًا على الفتح، هذه العبارة صحيحة أم غير صحيحة؟
أجاب أحد الطلبة:
العبارة صحيحة، ولكن ممكن في بعض الأقوال يُبنى على الضم متى أُلحقت به واو الجماعة، لكن هو الأصح والأفضل أنه مبنيٌّ على الفتح، وإنما ضُمّ آخره بسبب مناسبة واو الجماعة.
علق الشيخ:
صحيح بارك الله فيك، وأيضًا يُبنى على صورة أخرى، فما هي؟
أجاب أحد الطلبة:
يُبنى أيضًا على السكون إذا اتصلت به بعض التاءات مثل تاء المتكلم أو المخاطب أو المخاطبة أو نا الفاعلين أو نون النسوة.
علق الشيخ:
بارك الله فيك، هذا كلامٌ حقٌ، هذا كلامٌ صحيح، وأحسنت جزاك الله خيرًا.
سأل الشيخ:
يقول المصنف إن للمثنى علامتين إعرابيتين فقط، فما هما؟
أجاب أحد الطلبة:
للمثنى علامتين إعرابيتين فقط، يُنصب ويُجر بالياء ويُرفع بالألف.
علق الشيخ:
يُرفع المثنى بالألف ويُنصب ويُجر بالياء، هذا كلامٌ حقٌ.
ونكتفي بهذا القدر من الأسئلة، وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحابته أجمعين.
الدرس الثامن
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، اللهم صلي وسلم وبارك على من أرسلته رحمةً للعالمين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحابته أجمعين.
أيها الإخوة الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نواصل الحديث في شرح ما يتيسر من الآجرومية، وقد وصلنا إلى حديث المصنف رحمه الله عن نواصب الفعل المضارع، ومثلنا بكلمة "أنْ" و"لنْ"، وذكرنا شروط "إذًا" وما يتعلق بها، ومثلنا لها أيضًا.
قال المصنف (وكي) ، "كي" حرفٌ يدل على التعليل، وهو ينصب الفعل المضارع لكن بشرط أن تكون "كي" هذه مصدرية، ما معنى كونها مصدرية؟ قال تؤول مع ما بعدها بمصدر، فإن لم تكن مصدريةًً كأن كانت تعليلية فإنها لا تنصب الفعل المضارع، تقول "جئتُ لكي أتعلم"، و"جئتُ كي أن أتعلم"، و"جئتُ لكي أن أتعلم"، و"جئت كي أتعلم"، بعضها ينصب الفعل المضارع، وبعضها لا ينصب الفعل المضارع، الفعل المضارع منصوبٌ في الأحوال كلها، لكن ما الذي نصبه سننظر إن شاء الله؟ أما قولك "جئت لكي أتعلم" فكي هنا مصدرية لأن تأويل الكلام "جئتُ للتعلم" فهي الناصبة للفعل المضارع، أما قولك "جئت كي أن أتعلم" ففي هاتين الصورتين ليست هي الناصبة للفعل المضارع، الناصب في قولك "جئتُ كي لأتعلم" أو "كي أن أتعلم" ففي هاتين الصورتين ليست هي الناصبة للفعل المضارع، الناصب في قولك "كي لأتعلم" هو "أنْ" المضمرة، والناصب في قولك "كي أن أتعلم" هو "أنْ" الظاهرة هذه، وليست "كي" لأنها تعليلية ولا تنصب الفعل المضارع.
هناك صورتان يُحتمل أنها هي الناصبة ويُحتمل أنها غير الناصبة، الصورتان هما ألا تسبقها اللام ولا تتلوها أن كقولك "جئتُ كي أتعلم"، هنا يجوز أن تكون مصدرية فتكون هي الناصبة، ويجوز أن تكون تعليلية فيكون الناصب هو "أنْ" مقدرة بعدها.
الصورة الخامسة هي أن تسبقها اللام وتتلوها "أنْ"، في هذه الصورة يجوز لك أن تجعلها هي الناصبة، ويجوز لك أن تجعلها غير ناصبةٍ، وذلك كقولك "جئتُ لكي أن أتعلم"، صحيح أن استعمال هذا قليل، لكنه لو ورد فأنت حينئذٍ تعربه بهذا الإعراب، لك أن تجعلها هي الناصبة، ولك أن تجعل الناصب هو "أنْ" المذكورة بعدها، والأولى أن يكون الناصب هو "أنْ" وليست "كي" هي التي نصبت الفعل المضارع.
قال المصنف رحمه الله (ولام كي) ، أيضًا هذه تنصب الفعل المضارع عند الكوفيين، أما البصريون فإنهم يرون أن ناصب الفعل المضارع بعد اللام هو "أنْ" مقدرة، وقد يكون لهم بعض العلة، ذلك أنهم يقولون اللام الأصل فيها أنها حرف جر، فهل تعمل اللام في الأسماء وتعمل بنفس العمل في الأفعال أو بعملٍ آخر في الأفعال، تجر الأسماء وتنصب الأفعال؟!، هذا هو السبب الذي منع البصريين من إعمال اللام، فقالوا ننصب الفعل المضارع بـ "أنْ" مضمرة بعد اللام، أحيانًا يكون إضمارًا واجبًا وأحيانًا يكون إضمارًا جائزًا، في قول الله عزّ وجلّ ? وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ? [الأنفال: 33] ، ? لِيُعَذِّبَهُمْ ? يقولون "أنْ" مضمرة بعد اللام وجوبًا هنا، لأن هذه تُسمّى لام الجحود، قال الله عزّ وجلّ ? وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ? [الأنعام: 71] ، قالوا "أنْ" هنا مضمرة جوازًا، لماذا؟ قال لأنها ظهرت في بعض الآيات، قال الله تعالى ? وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ? [الزمر: 12] ، فمادام أنها ظهرت فيجوز إظهارها وإضمارها.
والذي نعتد به أنّ "أنْ" تُقدر بعد اللام لتكون ناصبةً للفعل المضارع، حتى ما يكون للام عملان، عمل في الأسماء وهو الجر وعمل في الأفعال وهو النصب، لكن صاحبنا هو اعتبر لام "كي" وهي اللام الدالة على التعليل ولام الجحود، اعتبرها أو عدّاهما هما الناصبتان للفعل المضارع، وله ذلك، وقد قال به غيره، وأنتم لكم أن تقولوا ذلك إذا أردتم من باب التخفيف، وإن أرتم من باب الدقة فيما أرى فهو أن تقولوا إن اللام إما لام الجحود أو لام التعليل، إن الفعل المضارع بعدها منصوبٌ بأن مضمرة، وتكون "أن"
وما دخلت عليه مؤولة بمصدر، ويكون هذا المصدر مجرورًا باللام، والله أعلم بالصواب.
قال المصنف أيضًا (وحتى) ، أما "حتى" قد قال الفرّاء رحمه الله "أموتُ وفي نفسي شيءٌ من حتى"، ومعه حقٌ، أو ومعه بعض الحق، يا أيها الأحباب اسمعوا إلى قول الله عزّ وجلّ ? سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ? [القدر: 5] ، جاءت هنا جارةً للأسماء، واسمعوا إلى قول الله عزّ وجلّ ? قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ? [طه: 91] ، وانظروا إلى قول العرب "مرض زيدٌ حتى لا يرجونه"، "يرجون" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، يعني جاء بعد "حتى" فعل مضارع مرفوع، جاء بعد "حتى"فعل مضارع منصوب، جاء بعد "حتى" اسمٌ مجرور، فما لكم لا تقولون رحم الله الفراء إذ مات وفي نفسه شيءٌ من حتى؟!، لكنكم إن شاء الله ما تموتون وفي أنفسكم شيءٌ من "حتى"، لأن المسألة في هذا سهلة، إني أخيركم بين أن تجعلوها ناصبةً للفعل المضارع ولا تُعملوها في الأسماء، أو أن تقدروا بعدها "أنْ" وتريحوا أنفسكم، إذا نصبت الفعل المضارع فهو منصوبٌ بأن مضمرة بعدها، وإذا لم تنصبه فلا إشكال، لأنها لا تعمل شيئًا، أما عملها في الأسماء فهو واضح جدًا في نحو قول الله عزّ وجلّ ? سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ? [القدر: 5] . لكم الخيار أن تأخذوا رأي الفرّاء فتموتوا وفي أنفسكم شيءٌ من "حتى"، لكم ذلك، ما أردتم فاجعلوا الكلام الذي قلتُ لكم نبراسًا، وهو أنها إذا دخلت على الأسماء الظاهرة تجرها، تجر الأسماء الظاهرة كقول الله عزّ وجلّ ? سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ? [القدر: 5] ، وأنها إن دخلت على الأفعال فإن عملت فيها فالنصب ليس بها وإنما هو بـ "أنْ" مضمرة وجوبًا بعدها، وإن لم تعمل شيئًا فلا إشكال، الحمدلله، لأن الأصل فيها أنها تعمل في الأسماء فقط، هذا الذي نريد أن نقوله عن حتى.
أما قول المصنف (والجواب بالفاء والواو وأو) ، فالفاء المقصودة هنا هي الفاء السببية، والواو المقصودة هنا هي واو المعية، و"أو" هنا هي "أو" التي تأتي بمعنى "إلا" أو تأتي بمعنى "حتى"، يعني ليس يُنصب الفعل المضارع مطلقًا بعد هذه الحروف، بل لابد أن تكون الواو واو المعية، والفاء فاء السببية، و"أو" "أو" التي بمعنى "إلا" أو التي بمعنى "حتى".
لاستسهلن الصعب أو أدرك المنى…… فما انقادت الآمال إلا لصابر
"أو" هنا بمعنى "حتى"، "لاستسهلن الصعب حتى أدرك المنى"، هنا يُنصب الفعل المضارع بـ "أنْ" مضمرة وجوبًا بعد "أو".
وكنت إذا غمزتُ فتاة قوم..... كسرت كعوبها أو تستقيم
"أو" هنا بمعنى "إلا"، والتقدير "إلا أن تستقيما"، إذا استقامت انتهينا، هذه "أو".
أما الفاء فالفاء السببية لا يُنصب الفعل المضارع بعدها مطلقًا، بل لابد أن يكون مسبوقًا إما بنفيٍّ خالصٍ أو بطلبٍ بالفعل، قال الله عزّ وجلّ ? وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ? [طه: 81] ، ?فَيَحِلَّ? فعل مضارع منصوب بعد الفاء السببية المسبوقة بالطلب وهو النهي ? وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ?، وقال الله عزّ وجلّ ? لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ? [فاطر: 36] ، "يموتوا" فعل مضارع منصوب بعد الفاء السببية المسبوقة بالنفي الخالص.
ما أنواع الطلب التي يُنصب الفعل المضارع بعدها؟ أنواع الطلب هي: الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والتمني والترجي والعرض والتحضيض، إذا سُبقت الفاء السببيّة بواحدٍ من هذه الثمانية فإنك تنصب الفعل المضارع بعدها بـ "أنْ" مضمرة وجوبًا، وكذلك إذا سُبقت بالنفي، ومثلها تمامًا واو المعية، واو المعية يقولون من شواهدها قول الشاعر:
فقلتُ ادعي وأدعوَ إن أندى...... لصوتٍ أن ينادي داعيان
"أدعو" هنا الواو الذي سبقته هي واو المعية، و"أدعو" فعل مضارع منصوب بـ "أنْ" مضمرة وجوبًا بعد واو المعية، وهي مسبوقة بطلب وهو الأمر، ومنه قول الشاعر "رب وفقني فلا أعدل" الفاء سببية، وجاءت باء مسبوقة بالأمر، ومنه قول الشاعر أيضًا:
يا ناق سيري عنقا فسيحا..... إلى سليمان فنستريح
"نستريح" فعل مضارع منصوب بعد الفاء السببية، قال الله عزّ وجلّ ? وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ?36? أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى ? [غافر: 36، 37] ، الفاء
سببية ومسبوقة بـ ? لَعَلِّي ?، وهو يدل على الترجي، وقال الله عزّ وجلّ ? يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ? [النساء: 73] ، هذه أيضًا مسبوقة بالتمني وهو كلمة "ليت"، وقال الله عزّ وجلّ ? وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ? [المنافقون: 10] ، ? لَوْلَا ? هذه تدل على التحضيض، ? فَأَصَّدَّقَ ? جاءت بعد ما يدل على التحضيض، والله أعلم بالصواب.
وقال الله عزّ وجلّ ? أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ? [آل عمران: 142] ، هذه واو المعية ومسبوقة بالنفي وهو قوله ? لَمَّا يَعْلَمِ ?، وقال الله عزّ وجلّ ? وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ ? [الأنعام: 27] ، ? يَا لَيْتَنَا ? هنا تدل على
التمني، والواو للمعية، و ? نُكَذِّبَ ? فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الواو، وقول الشاعر:
ألم أك جاركم ويكون بيني وبينكم المودة والإخاء
هنا الواو للمعية، و"ألم" تدل على الاستفهام، وقول الشاعر:
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم "تأتي" هنا مسبوقٌ بواو المعية، وواو المعية مسبوقة بقوله "لا تنه" وهذه أيضًا مسبوقة بالطلب، مما يذكرون في هذا الباب يقولون "لا تأكل السمكة وتشربَ اللبن" أو "وتشربُ اللبن" أو "وتشربْ اللبن"، يجوز لك الأوجه الثلاثة، "لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، يجوز في كلمة "تشرب" ثلاثة أوجه، إن قلت "لا تأكلِ السمك وتشربُ اللبن"، فأنت حينئذٍ نهيته عن أكل السمك وأجزت له شرب اللبن، هذه الصورة الأولى، الصورة الثانية "لا تأكلِ السمك وتشربِ اللبن"، باعتبار أنك حركتها هنا لالتقاء الساكنين، وأصلها "تشربْ" بالسكون، معنى هذا أنك حرّمت عليه أكل السمك وشرب اللبن، أما قولك "لا تأكل السمك وتشربَ اللبن" فالواو للمعية، يعني يجوز لك أن تأكل السمك وحده أو تشرب اللبن وحده، لكن الممنوع هو الجمع بينهما، وانظر بارك الله فيك إلى هذه الدقة في هذه الحركات الثلاث، مرة منعه من أكل السمك وأجاز له شرب اللبن لما تكون مرفوعة، لأنها تكون واو استئنافية ويكون تقدير الكلام "ولك شرب اللبن"، ومرة منعه من الاثنين فقال له "لا تأكلِ السمك وتشربِ اللبن"، يعني لأنه جزم الأول وجزم الثاني بالعطف، عطفه على الحكم الأول، ومرة أجاز له أكل السمك وحده أو شرب اللبن وحده، والذي منعه هو أن يجمع بينهما، وذلك إذا جعلت الواو للمعية، هذا مما يُقال في هذا الجانب.
بعد هذا انتقل المصنف إلى الحديث عن جوازم الفعل المضارع فقال (والجوازِمُ ثمانيةَ عَشَر، وهي: لَمْ، لَمَّا، ألَمْ، ألَمَّا، ولام الأمر والدعاء، ولا في النَّهيِ والدعاء، واِنْ، ومَنْ، ومهما، واِذْما، وأَيُّ، ومتى، وأَيَّانَ، وأينَ، وأَنَّى، وحَيثُمَا، وكيفما، وإذا في الشِّعر خاصة) ، هذه هي المسائل التي ذكرها المصنف، وفي كلامه بعض التفصيلات التي نريد أن نذكرها لكم، منها أنه جمع بين الأدوات التي تجزم فعلا واحدًا والتي تجزم فعلين، لأن أدوات الشرط تجزم فعلين، والأدوات الأخرى وهي: لَمْ، لَمَّا، ألَمْ، ألَمَّا، ولام الأمر والدعاء، و"لا" في النَّهيِ والدعاء كذلك، أيضًا مما يمكن أن يُتحدث فيه في هذا الموضوع أنه جعل "لَمْ" و"َأَلَمْ" حرفين، وهما حرف واحدٌ، لأن "ألم" هي نفس "لم" لكن زيدت عليها همزة الاستفهام، فالعمل لـ"لم" وليس لهمزة الاستفهام، وكذلك فعل مع "لمّا"، فإنه قال فيها (لَمَّا، ألَمَّا) ، والحقيقة أنهما واحد، وعند عد هذه الأدوات التي ذكرها ربما كانت أقل أو أكثر إذا حسبنا أن "لم" نفس "ألم" و"ألمْ" هي نفس "ألمّا"، فسيكون فيه بعض الكلام.
على كل حال له في منهجه أن يفعل ما يشاء، لكنه لو فصل بينهما فقال هذه الأدوات تجزم فعلا واحدًا وهذه الأدوات تجزم فعلين لكان أولى، أما أمثلتها وشواهدها فكثيرة والحمد لله رب العالمين، أولا استشهد لـ"لم"، ومنها قول الله عزّ وجلّ ? وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ? [البقرة: 164] ، فـ "لم" هنا جازمة، ونقصص فعل مضارع مجزوم، أما "ألم" فنحو قول الله عزّ وجلّ ? أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ? [الفيل: 1] ، أما "لمّا" فنحو قول الله عزّ وجلّ ? كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ? [عبس: 23] ، فـ "لمّا" هنا هي الجازمة، ويقض هذا فعلٌ مضارعٌ مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة.
وعلى كل حال "لمّا" لها استعمالات أخرى لكن ليس هذا مجال ذكرها، ومما جُزم به في "لمّا" قول الله عزّ وجلّ ? وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ? [الجمعة: 3] ، فـ "لمّا" هنا جازمةٌ للفعل يلحقوا، وعلامة جزمه حذف النون.
الجازم الرابع وهو "ألمّا"، ولم يرد شيءٌ في القرآن الكريم جُزم فيه الفعل المضارع بهذا الحرف، ولكن أورد الشيخ أحمد الرملي في كتابه شرح الآجرومية بعض الشواهد، ومنها قول الشاعر:
إليكم يا بني بكر إليكم ألما تعرفوا منا اليقين
فـ "تعرفوا" هنا فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بـ "ألمّا"، وعلامة جزمه حذف النون.
أما الجازم الخامس فهو لام الأمر ولام الدعاء، ويُفرق بينهما بأن لام الأمر تكون من الأعلى للأدنى، ولام الدعاء تكون من الأدنى للأعلى، في نحو قول الله عزّ وجلّ ? وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ? [الزخرف: 77] ، هذه تُسمّى بلام الدعاء لأنها من الأدنى إلى الأعلى، أما إذا كانت من الأدنى إلى الأعلى فكقولك لابنك مثلا "لتقم"، "لتذهب"، "لتفعل كذا"، "لتركب"، "لتجلس"، وهكذا، هذه هي لام الأمر، ومنها قول الله عزّ وجلّ ? لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ? [الطلاق: 7] ، فاللام هنا هي لام الأمر.
وكذلك يُقال في "لا" الناهية والدعائية، لأن "لا" الناهية هي التي يكون الأمر فيها من الأعلى إلى الأدنى، وأما "لا" الدعائية فهي بعكسها، يكون من الأدنى إلى الأعلى، يعني "لا" الناهية هي من الأعلى إلى الأدنى، و"لا" الدعائية بالعكس، من الأدنى إلى الأعلى، منها قول الله عزّ وجلّ ? فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ? [هود: 81] ، فـ "لا" هنا ناهية لأنها من الأعلى إلى الأدنى، ومنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه) .
أما "لا" الدعائية فمن شواهدها قول الله عزّ وجلّ ? رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ? [البقرة: 286] ، ومنه قوله سبحانه ? رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ? [آل عمران: 8] ، وهكذا.
الأداة السابعة من أدوات الجزم هي "إنْ"، وطبعًا الآن سنبدأ في أدوات الشرط، وقد انتهينا من الأدوات التي تجزم فعلا واحدًا، نعيدها مرة ثانية، هي "لم" و"لمّا"، وكما قال صاحبنا "ألم" و"ألمّا"، وهما واحد مثل "لم" و"لمّا"، لكنه زادت عليهما همزة الاستفهام، وكذلك الأداة الخامسة هي لام الطلب، وتُطلق على لام الأمر ولام الدعاء، وأيضًا لا الناهية ولا الدعائية، وقد انتهينا من هذه الست جميعًا.
أما الأداة السابعة فهي تجزم فعلين، الأول فعل الشرط والثاني جواب الشرط، وهي أم الباب وهي "إن" الشرطية، وقبل الحديث عن أدوات الشرط أذكر لكم أنها ثلاثة أقسام، قسمٌ منها مُتفق على أنه حرف، وقسم منها مُتفق على أنه اسم، وقسم منها مُختلف فيه أهو اسمٌ أم حرف، فأما المتفق على حرفيته فهو "إن" التي هي أم الباب، وأما المختلف فيه فهو حرف أو اسم فكلمةٌ واحدة وهي "إذما"، وبعضهم يُضيف إليها "مهما"، لكن أكثر كلامهم عن كلمة "إذما" أهي حرفٌ أم اسم؟ والصواب أنها اسم، بقية الأدوات الشرطية كلها أسماء، فنبدأ بأم الباب وهي "إنْ"، قال الله عزّ وجلّ ? إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ? [آل عمران: 120] ، "إنْ" أداة شرط، "تمسس" هذا فعل الشرط وهو مجزوم، "تسؤ" هذا جواب الشرط، وهو مجزوم.
بعد هذا "من" الشرطية، وكما ذكرت لكم هذه مُتفق على أنها اسم، قال الله عزّ وجلّ ? وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَ ? [آل عمران: 161] ، ? يَغْلُلْ ? فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه السكون، ? يَأْتِ ? مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة.
الأداة التاسعة هي "مهما"، وهي من الأدوات التي قلت لكم قبل قليل إنه حصل فيها خلاف أهي اسم أم حرف، وعلى كل حال ترى هذا لا يؤثر في عملها شيئًا، عملها تجزم فعلين، سواء أكانت اسمًا أم كانت حرفًا، من شواهدها قول الله عزّ وجلّ ? وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ? [آل عمران: 132] ، "تأتِ" فعل مضارع مجزوم -وهو فعل الشرط-، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ? فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ? كل الكلام هذا في محل جزم جواب الشرط، والفاء الموجودة هذه فيه تقترن في مثل هذه الحالة، واقترانها واجب، يعني اقترانها بجواب الشرط واجب، لكن متى يكون ذلك؟ يجب اقتران جواب الشرط بالفاء يا أيها الأحباب في مواضع متعددة يجمعها عنوان واحد، العنوان هو ألا يصلح جواب الشرط لأن يقع فعلا للشرط، ما يصلح أن تنقل جواب الشرط وتجعله فعلا للشرط، حينئذٍ يجب اقتران الجواب بالفاء، أما الفروع فهي أن يكون الجواب جملة اسمية، أو جملة فعلية طلبية، أو جملة فعلية فعلها جامد، أو جملة فعلية مسبوقة بـ"لن"، أو جملة فعلية مسبوقة بـ "ما"، وهكذا، وسنذكر لكم بعض الأمثلة لها إن شاء الله تعالى.
قال الله عزّ وجلّ ? وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ? [الأنعام: 17] ، الفاء هنا واجبة لأن الجواب هنا جملة اسمية، قال الله عزّ وجلّ ? قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ? [آل
عمران: 31] ، جواب الشرط هنا جملة فعلية طلبية، قال الله عزّ وجلّ ? فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ ? [الكهف: 40] ، عسى هنا فعل ماضي جامد يجب اقترانه بالفاء، قال الله عزّ وجلّ ? قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ? [يوسف: 77] ، إذا كانت الجملة مبدوءة بـ "قد" وجب اقترانها بالفاء، قال الله عزّ وجلّ ? وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ? [التوبة: 28] ، كذلك إذا كانت الجملة مبدوءة بكلمة "سوف" فإنه يجب اقترانها بالفاء، وقال الله عزّ وجلّ ? وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ? [آل عمران: 115] ، وهذه الجملة الواقعة جوابًا للشرط هنا مبدوءة بـ "لن"، وقال الله عزّ وجلّ ? فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ? [يونس: 72] ، بدأت جملة الجواب بـ "ما"، فيجب اقترانها بالفاء، وقد تُحذف هذه الفاء جوازًا، لكنه ليس الكثير، الكثير أن تكون ثابتة في هذه المواضع التي ذكرتها، ومما وردت فيه محذوفة قول الشاعر "من يفعل الحسنات الله يشكرها "، "الله" مبتدأ، "يشكرها" جملة خبرية، والجملة هنا الواقعة جوابًا للشرط جملة اسمية، ومع ذلك لم تقترن بالفاء، ولكن الكلام كما ترون شعر، فلا بأس بأن يكون خاليًا من الفاء، ولكنه خاصٌّ بالشعر.
هذا المواضع التي يجب فيها اقتران جواب الشرط بالفاء، وقد جاءت عرضًا لأننا ذكرنا الآية التي استشهدنا بها في الحرف الذي قبل قليل.
الآن ننتقل إلى كلمةٍ جديدة من أدوات الشرط، وهي كلمة "إذما"، وقد ذكرت لكم أيضًا إنها من المواضع المختلف فيه أهو اسمٌ أم حرف، "إذما" لم ترد في القرآن الكريم، ولكنها وردت في قول الشاعر:
وإنك إذما تأتي ما أنت آمرٌ به تُلفي من إيّاه تأمر آتي
هذا شبيهٌ في المعنى بقول الله عزّ وجلّ ? أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ? [البقرة: 44] ، هذا إذا أمرت شيئًا وأردت أن يُنفذ فابدأ بنفسك، فهذا مضمون هذا البيت، يقول:
وإنك إذما تأتي ما أنت آمرٌ...... به تُلفي من إيّاه تأمر آتي
إذا فعلت ما تأمر به فسوف تجد من تأمره قائمًا به.
الأداة الأخرى والجديدة هي "أي" الشرطية، وهي الأداة الحادية عشرة، وهي كما ذكرتُ لك في حلقة ماضية معربة دون بقية أدوات الشرط، أدوات الشرط كلها مبنية إلا كلمة "أي" فإنها معربة، من شواهدها قول الله عزّ وجلّ ? أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ? [الإسراء: 110] ، فعل الشرط هنا هو قوله ? تَدْعُوا ?، و ? مَا ? زائدة، وقوله عزّ وجلّ ? فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى? هذه الجملة واقعة في جواب الشرط.
الأداة الثانية عشرة هي "متى"، وهي وكلمة "أي" وكلمة "أيّان"، وكلمة "أنّى" ترد أحيانًا أسماء استفهام وترد أحيانًا جازمةً، مرة ثانية، "متى" تأتي استفهامًا وتأتي شرطًا، "أيّ" تأتي استفهامًا وشرطًا، "أين" تأتي استفهامًا وتأتي شرطًا، "أيّان" كذلك، "أنّ" كذلك، والذي يُميز لك الشرطية عن الاستفهامية السياق، قال الله عزّ وجلّ ? وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ? [السجدة: 28] ، بدون شك أن متى هنا استفهامية، وقال الشاعر:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا....... متى أضع العمامة تعرفوني
هذه بدون شك أنها شرطية.
الأداة الثالثة عشرة، هي كلمة "أين" وأيضًا لم ترد شرطية في القرآن الكريم، وفي كثيرٍ من الأحيان يقرنون بها "ما" فيقولون "أينما"، أما كونها مقرونة بـ "ما" فقد وردت في القرآن الكريم، لكن مجردة من "ما" لم ترد شرطية في القرآن الكريم، ومما وردت فيه قول الله عزّ وجلّ ? أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ ? [النساء: 78] ، ? تَكُونُوا ? هو فعل الشرط، وهو مجزوم وعلامة جزمه حذف النون، و ? يُدْرِكُكُمُ ? جواب الشرط، ومن ورود "أين" الاستفهامية قول الله عزّ وجلّ ? يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ? [القيامة: 10] ، فهذه استفهامية.
الأداة الرابعة عشرة هي "أيّان"، من ورودها استفهامية قول الله عزّ وجلّ ? يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ? [الأعراف: 187] ، هذه استفهامية، أما ورودها شرطية فلم ترد في القرآن الكريم شرطية، ومنه قول الشاعر "فأيّان ما تعدل به الريح ينزل"، فـ "تعدل" هو فعل الشرط، وينزل هو جواب الشرط، ومثله قول الشرط "أيّان نؤمنك تأمن غيرنا"، "نؤمنك" هو فعل الشرط، و"تأمن غيرنا هو جواب الشرط".
أما الأداة الخامسة عشرة فهي "أنّا"، وهي اسم شرطٍ، وتأتي كثيرًا اسم استفهام، وفيها دلالة على الظرفية، ومما وردت فيه قول الله عزّ وجلّ ? أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ? [البقرة: 259] ، هذه استفهام، وقوله عزّ وجلّ ? قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ? [آل عمران: 37] ، أما ورودها شرطية ففي قول
الشاعر:
فأصبحت أنّى تأتها تستجر بها...... تجد حطبًا حزلا ونازًا تأجج
"تأتها" هذا فعل الشرط، و"تجد حطبًا" هذا جواب الشرط، ونقف عند جواب الشرط هذا، ونتقبل الأسئلة منكم إذا كان لديكم أسئلة.
سأل أحد الطلبة:
جزاكم الله خيرًا فضيلة الشيخ، قلتم أن "لم" و"لمّا" بنفس.......
قاطع الشيخ الطالب:
بالمناسبة يا أخ شريف همزة "إن" تُكسر بعد القول مطلقًا، بعد القول ومشتقاته، "قول" "يقول" "قال" "قل"، كلها اكسر همزة "إن" فيه موضع سنذكره إذا وصلنا باب "إن" وأخواتها إذا يسّر الله سبحانه وتعالى ذلك.
أكمل الطالب سؤاله:
جزاكم الله خيرًا فضيلة الشيخ، قلتم إن "لم" و"لمّا" بنفس المعنى، ولكن علمنا أن "لم" حرف نفي وجزم وقلب، و"لما" نفي وجزم وقلب، ولكن هناك فرق أن "لما" تفيد أنه لم يحدث هذا الفعل حتى القول، حتى قول هذه الكلمة،......، فنرجو التفصيل.
أجاب الشيخ:
أولا أنا لم أوازن بين "لم" و"لما"، وإنما قلت إن "لم" و"ألم" واحد، وإن "لمّا" و"ألمّا" واحد، فهمتني يا بني، هذا الذي قلته، هذا الذي أذكره، أما الموازنة بين "لم" و"لمّا" فيقولون بينها أربعة أوجه من الشبه وبينها أربعة أوجه من الاختلاف، فأما أوجه الشبه فهي:
1- أن كل واحدةٍ منهما حرف.
2- وأن كل واحدةٍ منهما للنفي.
3- وأن كل واحدة منهما للجزم.
4- وأن كل واحدة منهما تقلب معنى الفعل المضارع من الدلالة على الحال والاستقبال إلى الدلالة على الماضي.
أما الاختلاف بينهما فاثنان خاصّان بـ "لم"، واثنان خاصّان بـ "لمّا":
فأما "لم" تختص بجواز مصاحبتها للشرط:
1- ومنه قول الله عزّ وجلّ ? وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ? [المائدة: 67] ، ? وَإِنْ لَمْ ? ولا يجوز أن تقول "وإنْ لمّا"، هذه واحدة.
2- الثاني مما تختص به "لم" أنه يجوز انقطاع مجزومها قبل النطق بها، ومنه قول الله عزّ وجلّ ? هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ? [الإنسان: 1] ، ثم كان، يعني هو لمّا كان في بطن أمه لم يكن شيئًا مذكورًا، ثم خرج إلى الدنيا وصار شيئًا مذكورًا، ثم لما كبر صار ملكًا، صار كذا، صار كذا، صار كبيرً،......، هذه ما تختص به لم.
أما ما تختص به "لمّا" يا أيها الأحباب فهو أمران:
1- الأمر الأول أنه يجوز حذف مجزومها، فتقول "قاربتُ المدينة ولمّا"، إذا كان في الكلام ما يدل عليه، يعني ولما أدخلها، ولا يجوز ذلك في "لم".
2- والأمر الثاني الذي تختص به "لمّا" هو أنّه يُتوقع حدوث مدخولها، ومنه قول الله عزّ وجلّ ? قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ? [الحجرات: 14] ، يعني وسيدخل إن شاء الله، المهم أنه يُتوقع حدوث ما تدخل عليه، بعكس "لمّ".
هاتان ميزتان لـ "لم"، وهاتان ميزتان للـ "لمّا"، ولم أرد أن أتحدث عنهما، ولكن مادام سألت عنهما فهذا هو الجواب، وغفر الله لي ولك.
سأل أحد الطلبة:
هل يُوافق أهل البصرة أهل الكوفة في عدد النواصب؟
أجاب الشيخ:
لا، ما يُوافقونهم لأنهم لا يعتبرون الفاء ولا الواو ولا اللام ولا "حتى"، لا يعدونها ناصبة، وإنما يقولون الناصب هو "أن" مضمرة بعد كل واحدة من هذه الأدوات، معناه أنه يختلف العدد عندهم.
سأل أحد الطلبة:
جزاكم الله خيرًا، لم يذكر المؤلف "منْ" في الجوازم، فهل هي عند البصريين دون الكوفيين، أم غير ذلك؟
أجاب الشيخ:
"من" هذه ذكرها، هي مذكورة بارك الله فيك وقد مثلنا لها، ? وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَ ? [آل عمران: 161] .
سأل أحد الطلبة:
فضيلة الشيخ، المؤلف لماذا قدّم النواصب على الجوازم؟
أجاب الشيخ:
وهذا أمرٌ عاديٌّ، وفيما أعلم أن كل المؤلفين يقدمون النواصب على الجوازم، مع أنه كان الأصل فعلا أن يُقدم الجازم مع الفعل لكون الجازم هو الأصل في الأفعال، الأصل في الأفعال أن الجزم مُختصٌّ بها، فكان الأصل أن تُقدم الجوازم، هذا سؤالٌ جميلٌ بارك الله فيك.
نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحابته أجمعين.
الدرس التاسع
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أيها الإخوة الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لازلنا نواصل الحديث في شرح مقدمة ابن آجروم النحوية، وقد وصلنا في اللقاءات الماضية إلى الحديث في جوازم الفعل المضارع، وأنهينا الحديث في بعضها، ونعيد ذكر الجوازم حتى نتذكرها، وبعدها إن شاء الله تعالى نتحدث في الحرف أو في الكلمة التي وصلنا إليها من أدوات الشرط، إذ يقول ابن آجروم (والجوازِمُ ثمانيةَ عَشَر، وهي: لَمْ، لَمَّا، ألَمْ، ألَمَّا، ولام الأمر والدعاء، ولا في النَّهيِ والدعاء، وإِنْ، ومَنْ، ومهما، وإِذْما، وأَيُّ، ومتى، وأَيَّانَ، وأينَ، وأَنَّى، وحَيثُمَا، وكيفما، وإذا في الشِّعر خاصة) ، وقد وصل الحديث بنا إلى "أنَّى"، وقلنا إن كلمة "أنّى" لم ترد في القرآن الكريم شرطية، وإنما وردت استفهامية، ومما وردت فيه استفهاميةً قول الله عزّ وجلّ ? قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ? [البقرة: 259] ، ومنه قوله سبحانه ? يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ? [آل عمران: 37] ، وأما ورودها شرطية فقد ورد في الشعر، ومنه قول الشاعر:
فأصبحت أنّى تأتها تستجر بها تجد حطبًا جزلا ونارًا تأجج
فعندنا "أنّى" هنا، وقد اتفقنا فيما مضى على أنها اسم، فـ "أنّى" هذه أداة الشرط، وهي اسمٌ، و"تأتِ" هذا هو فعل الشرط، ومجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، و"تستجر" هذا بدلٌ من فعل الشرط "أنّى تأتها تستجر بها تجد حطبًا"، لأن الجواب في قوله "تجد حطبًا"، ومنه قول الشاعر أيضًا:
خليليَّ أنّى تأتياني تأتيا أخاً غير ما ... يرضيكما لا يُحاوِلُ"أنّى تأتياني تأتيا"،
فـ "تأتياني" هذا هو فعل الشرط، أما النون الموجودة هذه فليست نون الرفع في الفعل المضارع، وإنما هي نون الوقاية، وقد ذكرتُ لكم أن ياء المتكلم يجب أن يكون ما قبلها مكسورًا، ولذلك حتى يسلم الفعل من الكسر أتوا له بنون الوقاية حتى تقيه من الكسر، فالنون الموجودة هنا هي نون الوقاية، بقي أن نعرف أن جواب الشرط هو قوله "تأتيا"، وهو مجزوم وعلامة جزمه حذف النون.
الأداة السابعة عشرة هي "حيثما"، وهي اسم شرطٍ قولا واحدًا لا خلاف في ذلك، وهي متضمنةٌ للظرفية المكانية، ومما وردت فيه في القرآن الكريم شرطية قول الله عزّ وجلّ ? وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ? [البقرة: 150] ، فـ "حيثما" هي الأداة، و"كان" هو فعل الشرط، وجملة ? فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ? هي جواب الشرط.
أما الأداة الثامنة عشرة هي "كيفما"، وقد تبع المصنف رأي الكوفيين في عد كيفما من أدوات الشرط، وبعضهم لا يعدها أداة شرطٍ، ولم ترد شرطية في القرآن الكريم، وإنما وردت بدون ما ـ في القرآن الكريم ـ استفهامية، ومن ذلك قول الله عزّ وجلّ ? قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ? [النمل: 69] ، أما ورودها شرطية فيمكن أن تمثل له بقولك "كيفما تكن أكن معك"، فـ "كيفما" هي الأداة، و"تكن" هو فعل الشرط، و"أكن" هو جواب الشرط.
بقيت الأداة الأخيرة التي ذكرها المصنف، وكثيرٌ من النحويين لا يذكرها، وهي "إذا"، لأن الأصل في "إذا" أنها ظرفٌ لما يُستقبل من الزمان، وأنها أداة شرطٍ غير جازمة، لكنه أوردها لأنه يرد الجزم بها لكن في الشعر خاصة، لا تأتي جازمة إلا في الشعر، بل هو نص في كتابه على أنها لا تجزم الأفعال إلا في الشعر خاصة، والنحويون حينما يعربونها يقولون "إذا" ظرفٌ لما يُستقبل من الزمان، خافضٌ لشرطه، منصوبٌ بجوابه، معنى هذا أنها تحتاج إلى جملة شرطية وتحتاج إلى جملة جوابية، فأما جملة الشرط فهي في محل جر مضاف إليه، لم؟ لأن إذا من الأدوات التي تحتاج دائمًا إلى أن تكون مضافةً إلى جملة، فتُضاف إلى جملة الشرط، وهي ظرف والظرف يحتاج إلى مُتعلق، فمتعلقه هو جواب الشرط.
هذا في إعراب النحويين، أن "إذا" ظرف لما يُستقبل من الزمان، خافضٌ لشرطه، منصوبٌ لجوابه، وبعضهم يقول "إذا" شرطية غير جازمة، ولم يرد جزمها لفعل الشرط إلا في الشعر، وقد يكون هذا من باب الضرورة، ومنه ما ورد في قول الشاعر:
استغني ما أغناك ربك بالغنى...... وإذا تصبك خصاصةٌ فتجمل
هنا "تُصب" أصله "تُصيب"، ولكن لمّا دخلت عليه "إذا" هنا واحتاج في الوزن حذف الياء هذه وسكّن الباء فصارت مجزومة، صار فعلا مضارعًا مجزومًا بـ "إذا" الشرطية، وهي لا تجزم ـ كما قلت أكثر من مرة ـ إلا في الشعر خاصة.
وهذا هو الحديث عن آخر أداة ذكرها المصنف في الأدوات التي تجزم الأفعال المضارعة.
وبعد هذا ننتقل إلى باب جديد، وإلى منحًى آخر، وهو الحديث عن الجمل، وقد بدأ بالحديث عن الجمل الاسمية، ذلك أنه تحدث عن