شرح السنة للبربهاريصفحات 93-105

خير هذه الأمة بعد وفاة نبيها

صفحات 93-105

[92] واعرف لبني هاشم فضلهم؛ لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعرف فضل قريش والعرب وجميع الأفخاذ، فاعرف قدرهم [وحقوقهم] في الإسلام، ومولى القوم منهم، وتعرف لسائر الناس

حقهم في الإسلام و [تعرف فضل] الأنصار، ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، وآل الرسول فلا تنساهم، تعرف فضلهم، وجيرانه من أهل المدينة، فاعرف فضلهم.
[93] واعلم – رحمك الله - أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية حتى كان في خلافة بني فلان تكلم الرويبضة في أمر العامة،

وطعنوا على آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوا بالقياس والرأي، وكفروا من خالفهم، فدخل في قولهم الجاهل والمغفل والذي لا علم له، حتى كفروا من حيث لا يعلمون، فهلكت الأمة من وجوه، وكفرت من وجوه، وتزندقت من وجوه، وضلت من وجوه، [وتفرقت] وابتدعت من وجوه، إلا من ثبت على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره وأمر أصحابه، ولم يخطئ أحدا منهم، ولم [يجاوز] أمرهم، ووسعه ما وسعهم، ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم، وعلم أنهم كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح، فقلدهم دينه [واستراح]، وعلم أن الدين إنما هو بالتقليد، والتقليد لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
[94] واعلم أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو مبتدع، ومن سكت فلم يقل: مخلوق ولا غير مخلوق، فهو جهمي.
هكذا قال أحمد بن حنبل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، وعليكم بسنتي»

«وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ».
[95] واعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية أنهم [فكروا] في الرب، فأدخلوا لم وكيف، وتركوا الأثر، ووضعوا القياس، وقاسوا الدين على رأيهم فجاءوا بالكفر عيانا لا يخفي أنه كفر، وأكفروا الخلق واضطرهم الأمر حتى قالوا بالتعطيل.
وقال بعض العلماء - منهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه -: الجهمي كافر، ليس من أهل القبلة، حلال الدم، لا يرث ولا يورث؛ لأنه قال: لا جمعة ولا جماعة، [ولا عيدين] ولا صدقة، وقالوا: إن من لم يقل: القرآن مخلوق فهو كافر، واستحلوا السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وخالفوا من كان قبلهم، وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من أصحابه، وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع، وأوهنوا الإسلام، وعطلوا الجهاد، وعملوا في

الفرقة، وخالفوا الآثار، وتكلموا بالمنسوخ، واحتجوا بالمتشابه، فشككوا الناس في آرائهم وأديانهم، واختصموا في ربهم، وقالوا: ليس عذاب قبر، ولا حوض ولا شفاعة، والجنة والنار لم يخلقا، وأنكروا كثيرا مما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحل من استحل تكفيرهم ودماءهم من هذا الوجه؛ لأن من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد أثرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رد الأثر كله، وهو كافر بالله العظيم، فدامت لهم المدة، ووجدوا من السلطان معونة على ذلك، ووضعوا السيف والسوط دون ذلك، فدرس علم السنة والجماعة [وأوهنوهما] وصارتا مكتومين؛ لإظهار البدع والكلام فيها ولكثرتهم، واتخذوا المجالس، وأظهروا رأيهم، ووضعوا فيها الكتب، وأطمعوا الناس، وطلبوا لهم الرياسة، فكانت فتنة عظيمة لم ينج منها إلا من عصم الله، فأدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم أن يشك في دينه، أو يتابعهم أو يزعم أنهم على الحق، ولا يدري أنه على الحق أو على الباطل، فصار شاكا، فهلك الخلق، حتى كان أيام جعفر - الذي يقال له المتوكل - فأطفأ الله به البدع، وأظهر به

الحق، وأظهر به أهل السنة، وطالت ألسنتهم، مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا [هذا] والرسم وأعلام الضلالة قد بقي قوم يعملون بها، ويدعون إليها، لا مانع يمنعهم، ولا أحد يحجزهم عما يقولون ويعملون.
[96] واعلم أنه لم تجئ بدعة قط إلا من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، فمن كان هكذا فلا دين له، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وهم علماء السوء، أصحاب الطمع والبدع.
[97] واعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من أهل الحق والسنة، يهديهم الله ويهدي بهم غيرهم، ويحيي بهم السنن، فهم الذين وصفهم الله مع قلتهم عند الاختلاف، وقال: ﴿الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ فاستثناهم فقال: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا [تزال عصابة] من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله».
[98] واعلم – رحمك الله - أن العلم ليس بكثرة الرواية [والكتب]، إنما العالم من اتبع العلم والسنن، وإن كان قليل العلم [والكتب] ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم [والكتب].
[99] واعلم – رحمك الله - أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله من غير حجة من السنة والجماعة فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم، فهو من المتكلفين، والحق ما جاء من عند الله، والسنة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجماعة ما اجتمع عليه

أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر وعمر [وعثمان] ومن اقتصر على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه [أصحابه و] الجماعة فلج على أهل البدع كلها، واستراح بدنه وسلم له دينه إن شاء الله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستفترق أمتي» وبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناجي منها فقال: «ما كنت أنا عليه اليوم وأصحابي».
فهذا هو الشفاء والبيان والأمر الواضح والمنار المستنير.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والتعمق، وإياكم والتنطع، وعليكم بدينكم العتيق».
[100] واعلم أن العتيق ما كان من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى

قتل عثمان بن عفان وكان قتله أول الفُرقة، وأول الاختلاف، فتحاربت الأمة وتفرقت واتبعت الطمع والأهواء والميل إلى الدنيا، فليس لأحد رخصة في شيء أحدثه مما لم يكن عليه أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يكون [رجل] يدعو إلى شيء أحدثه من قبله [أو من قبل رجل] من أهل البدع، فهو كمن أحدثه، فمن زعم ذلك أو قال به، فقد رد السنة وخالف [الحق و] الجماعة، وأباح البدع، وهو أضر على هذه الأمة من إبليس.
ومن عرف ما ترك أصحاب البدع من السنة، وما فارقوا فيه فتمسك به فهو صاحب سنة وصاحب جماعة، وحقيق أن يتبع وأن يعان، وأن يحفظ، وهو ممن أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[101] واعلموا – رحمكم الله - أن أصول البدع أربعة أبواب،

انشعب من هذه الأربعة اثنان [وسبعون] هوًى، ثم يصير كل واحد من البدع [يتشعب] حتى تصير كلها [إلى] ألفين وثمان مائة [مقالة]، وكلها ضلالة، وكلها في النار إلا واحدة، وهو من آمن بما في هذا الكتاب، واعتقده من غير ريبة في قلبه، ولا شكوك، فهو صاحب سنة، وهو الناجي إن شاء الله.
[102] واعلم – رحمك الله – لو أن الناس وقفوا عند محدثات الأمور ولم يتجاوزوها بشيء [ولم] يولدوا كلاما مما لم يجئ فيه أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه لم تكن بدعة.
[103] واعلم – رحمك الله – أنه ليس بين العبد وبين أن يكون مؤمنا حتى يصير كافرا إلا أن يجحد شيئا مما أنزله الله تعالى، أو يزيد في كلام الله، أو ينقص، أو ينكر شيئا مما قال الله، أو شيئا مما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتق الله – رحمك الله – وانظر لنفسك، وإياك والغلو في الدين، فإنه ليس من طريق الحق في شيء.

[104] وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب، فهو عن الله، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه وعن التابعين، والقرن الثالث إلى القرن الرابع، فاتق الله يا عبد الله، وعليك بالتصديق والتسليم والتفويض [والرضى] لما في هذا الكتاب، ولا تكتم هذا الكتاب أحدا من أهل القبلة، فعسى يرد الله به [حيرانا] عن حيرته، أو صاحب بدعة من بدعته، أو ضالا عن ضلالته، فينجو به.
فاتق الله، وعليك بالأمر الأول العتيق، وهو ما وصفت لك في هذا الكتاب، فرحم الله عبدا، ورحم والديه قرأ هذا الكتاب، وبثه وعمل به ودعا إليه، واحتج به، فإنه دين الله ودين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه من انتحل شيئا خلاف ما في هذا الكتاب، فإنه ليس يدين لله بدين، وقد رده كله، كما لو أن عبدا آمن بجميع ما قال الله تبارك وتعالى، إلا أنه شك في حرف فقد رد جميع ما قال الله تعالى، وهو كافر، كما أن شهادة أن لا إله إلا الله لا تقبل من صاحبها إلا بصدق النية وخالص اليقين، كذلك لا يقبل الله شيئا

من السنة في ترك بعض، ومن ترك من السنة شيئا فقد ترك السنة كلها.
فعليك بالقبول، ودع عنك المحك واللجاجة، فإنه ليس من دين الله في شيء، وزمانك خاصة زمان سوء، فاتق الله.
[105] وإذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك، وفر من جوار الفتنة، وإياك والعصبية، وكل ما كان من قتال بين المسلمين على الدنيا فهو فتنة، فاتق الله وحده لا شريك له، ولا تخرج

فيها، ولا تقاتل فيها، ولا تهو، ولا تشايع، ولا تمايل، ولا تحب شيئا من أمورهم، فإنه يقال: من أحب فعال قوم - خيرا كان أو شرا - كان كمن عمله.
وفقنا الله وإياكم لمرضاته، وجنبنا وإياكم معصيته.
[106] وأقل النظر في النجوم إلا ما تستعين به على مواقيت الصلاة، واله عما سوى ذلك، فإنه يدعو إلى الزندقة.
[107] وإياك والنظر في الكلام والجلوس إلى أصحاب الكلام، وعليك بالآثار، وأهل الآثار، وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس.

[108] واعلم أنه ما عبد الله بمثل

جارٍ التحميل