أهل الأثرالأرشيف العلمي

» ولم يكن أحد من الصحابة والتابعين يسافر إلى قبرٍ، لا قبر نبي، ولا غيره، بل كان عامتهم يأتون المدينة النبوية، ويصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة، ويَرَون ذلك هو غايةُ المطلوب، فلم يكونوا يذهبون إلى قبره، لم يكن أحد منهم يدخل إلى قبره، لا للسلام، ولا للصلاة، ولا للدعاء، ولا غير ذلك، إلا من دخل على عائشة لأنه بيتها، فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يردّ عليه، كما جاء في الحديث.
وأما السلام عليه في المسجد، فهو مثل الصلاة عليه في المسجد1، يفعل في جميع جوانب المسجد، وفي جميع الأرض، واستقبال القبلة به أولى.
وقد اتفق العلماء على أن أهل المدينة /18أ/ لا يُستحبُّ لهم ذلك2إذا دخلوا و3خرجوا أن يأتوا لقبره4، ولكن هل يُستحب لهم ذلك إذا قدموا من سفر5، أو يستحب للغرباء، عند الدخول والخروج؟ هذا فيه قولان، لكن قد ساغ بعده6؛ لأن ابن عمر فَعَلَه، وتابعه على ذلك كثيرٌ من علماء السلف والخلف، وإن [لم]7يكن هذا عندهم من السنن المشهورة، إذ كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم به كما أمرهم أن يسلموا عليه في الصلاة، بل أخبرهم أنه من سلم عليه ردّ عليه السلام، وهذا يتناول من8سلم عليه من القرب

في بيته، وأما البعيد فلا يدخل فيه بالاتفاق، لكن من كان في المسجد عند الحائط، هل هو قريب أو بعيد؟ على قولين.1
وهكذا أخبرهم عن سائر المؤمنين فقال: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهُ السَّلَامَ».
وكان هو صلى الله عليه وسلم مدفونًا في حجرة عائشة، وقد قالت عائشة إنه قال في مرضه الذي مات فيه2: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» قالت عائشةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ وَلَكِنْ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
فبينَتْ أنه دُفن في الحجرة ولم يظهر قبرُهُ؛ لئلا يتخذ مسجدًا يُصلى عنده، وإن كان المصلي إنما يصلي لله، ويدعو الله، فإنه لعن من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، ونهى أمته أن يتخذوا القبور مساجد، فإذا كان /18ب/ هو صلى الله عليه وسلم لعن من يصلي عندها لله، ويدعو الله //149أ// - لأن ذلك ذريعة إلى الشرك - فكيف بمن يصلي لها، ويسجد لها، أو يدعوها3، ويستغيث بها، ويطلب منها ما يطلب من ربّ العالمين، فإن هذا من أعظم الشرك، وجعلها أوثانًا وأندادًا لله رب العالمين، كما فعل قوم نوح، ومن ضاهاهم من مشركي أهل الكتاب.
ف

فصول الكتاب · 31 فصل · 157 صفحة
الانتقال إلى صفحة
قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق
تأليف ابن تيمية
الثانية 1418هـ / 1997م
تقدّمك في الكتاب: فصل — 17 من 31
فصول قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق · 157 صفحة
مقدمة الكتابفصلتنوع الشرائعكل الأنبياء كانوا على الإسلام، كما ذكر الله عن نوح أنه قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72].فصلدين أهل الشرك، ومبتدعة أهل الكتاب، فهو دين لم ينزل الله به سلطانًا، إما أن يدعوا مع الله غيره من المخلوقات، أو يقولوا1: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.فصلالضُّلاَّل يدعون إلى دين مجهول،شيوخ أهل المعرفة يوصون باتباع الشرع والعلم، /6ب/ ويذمّون أهل العبادات الذين لا يتبعون الشرع والعلم، كما قال [تعالى]1: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: 71].فصلفصلفصلأصل الشركسد النبي صلى الله عليه وسلم ذريعة الشرك، ففي صحيح مسلم عن أبي هيّاج1الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَمَرَنِي أَنْ لَا أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتُهُ، وَلَا تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتُهُ».قبر دانيال، وعنده مصحف، قال أبو العالية: أنا قرأته، /13ب/ وفيه أخباركم، وكان أهل المكان يستسقون به، فكتب فيه أبو موسى إلى عمر، فكتب إليه عمر يقول: احفر بالنهار ثلاثة عشر قبرًا، وادفنه بالليل في واحد منها؛ لئلا يفتتن به الناس.فصلفصلمقصودُهُ صلى الله عليه وسلم بقوله: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ4» بيان حياتِه، وأنه يَسمع السلام من القريب،فصللا يستطيع أحد أن يزور قبره كما تُزار سائر القبور،فصلالسّلام عليه في الصّلاة أفضل،فصلفصلالسفر إلى غير المساجد الثلاثة غير مشروع، كما اتفق على ذلك السلف والأئمة، فإن قوله: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» استثناء مفرغ، فإما أن يكون التقدير: لا تشد إلى مسجد إلا إلى هذه الثلاثة، وإما أن يكون التقدير: لا تشد إلى مكان مطلقًا /36ب/ من الأمكنة التي تقصد، وتعظم، ويسافر لأجلها.فصلالناس إذا فعلوا ما أمروا به فتح الله عليهم أبواب رحمتهشرك القائلين بقدم العالمالغلاة في هذه الأمة يشبهون النصارى، كالغلاة في بعض أهل البيت، ومن يدعي أنه من أهل البيت، كالإسماعيلية، وكالغلاة في بعض المشايخ، فهؤلاء، وهؤلاء، فيهم شبه بالنصارى، يجعلون قول الحق والعدل الذي دلّ عليه الكتاب والسنة فيمن يغلون فيه: سبًّا، وشتمًا،أهل البدع، لا يميزون بين الحديث الصحيح وغير الصحيح،أنفع ما للإنسان: الاعتصام بالكتاب والسنة،
جارٍ التحميل