مقصودُهُ صلى الله عليه وسلم بقوله: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ4» بيان حياتِه، وأنه يَسمع السلام من القريب،
ويبلَّغ السلامَ من البعيد، ليس مقصودُهُ أمر الأمة بأن يأتوا إلى القبر ليسلموا عليه عند قبره1، فإنه لم يأمرهم بذلك، إنما أمرهم بالسلام عليه في الصلاة، وذلك أفضل وأكمل له ولهم؛ وذلك لأن سلام التحية مشروع لمن أتى لحاجة كما كانوا يأتونه في حياته فيسلّمون عليه، وكذلك من دخل2إلى بيته يسلّم3عليه، وأما أن يقصد إتيانه لأجل ردّه، فهذا غير مشروع، لا في حياته، ولا بعد موته.
ولهذا اتفقوا على أنه لا يشرع لأهل المدينة إذا دخلوا وخرجوا، ولو كان4هذا كالسلام في الصلاة لكان مستحبًّا لأهل المدينة، ولكن السلام عليه لمن قدم جائزٌ مشروعٌ باتفاق العلماء، وإنما النزاع: هل يستقبل به الحجرة، أو القبلة؟ وهل هو السلام المأمور به في القرآن كالصلاة عليه، أو هو سلام /19أ/ التحية، الذي يشترك فيه جميع المؤمنين، الأحياء، والأموات؟ وقد تنازع العلماء: هل يُكره أن يُقال: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ على قولين: فكره ذلك مالك وغيرُهُ، بل وكره أن يقال: طواف الزيارة.
وللناس في تعليل ذلك أقوال: قيل: لأن الزائر أفضل5، وقيل: لكراهة زيارة القبور، وقيل: يكره أن يُقال: زرت قبره، ولا يكره أن يقال: زرته، وقيل: لأن زيارة قبره ممتنعةٌ، فإن زيارة قبره إنما تكون إذا دخل إلى بيته، حيث دفن، وهذا ممتنع، وإنما الممكن أن يأتي مسجده، ومسجده يؤتَى لكونه مسجدًا، لا لأجل القبر، لكن يسلّم عليه في مسجده كما كان يُسلّم عليه في مسجده في حياته؛
كان1يسلم عليه [فيه]2في الصلاة ويسلّم3عليه سلام التحية، فالسلام المأمور به مشروع فيه باتفاق العلماء، وسلام التحية فيه قولان.
وهل يستقبل القبر أو القبلة؟ [فيه]4قولان، ومالك يرى استقبال القبر، وأبو حنيفة يرى استقبال القبلة.
#
«