» ومما يبيّن الفرق بينه وبين غيره مع ما تقدّم: أنّا مأمورون أن نسلّم عليه في كل صلاة، فنقول: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» وليس هذا لغيره، ومأمورون أن نصلّي عليه إذا دعونا، نقدمه في الدعاء على أنفسنا، فإنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وفي الصحيح عنه أنه قال: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا أَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] ». فقد بيّن أنه أولى بكلّ مؤمن من نفسه في الدنيا والآخرة، ولا يؤمن عبد /28ب/ حتى يكون أحبّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين، أخرجاه في الصحيحين.
وقال له عمر: لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ: «لَا يَا عُمَرُ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ» فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ نَفْسِي، قَالَ: «الْآنَ يَا عُمَرُ».
رواه البخاري.
ونحن أيضًا مأمورون بأن نسأل له الوسيلة عند الأذان، كما في الصحيح لمسلم أنه قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ
سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْعَبْدُ، فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وفي صحيح البخاري أنه قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، إِلَّا حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فهذه الأنواع من الأدعية هي حقّ له علينا نفعله في كل صلاة، وعند كل أذان، وفي كل مكان، وليس هذا لغيره من الأنبياء والصالحين، والمشروع عند القبر إنما هو السّلام عليه، فإن هذا مشروع لمن كان يصل إلى قبره، لما كانوا يدخلون على عائشة، كما يشرع السّلام على سائر موتى المؤمنين، وأما من لم يدخل إلى قبره، فإن كان بعيدًا فقد تعذر عليه هذا السّلام، ثم قيل: كل من خرج /29أ/ عن الحجرة فهو بعيد، وقيل: بل القريب إليها كالداخل فيها.1
و