كتاب العلم وفضله وما يتعلق به
قال الله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩].
وقال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١] قال ابن عباس رضي الله عنهما: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام، وقال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨].
وفى "الصحيحين" من حديث معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين".
وعن أبى أمامة رضي الله عنه قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلان: أحدهما: عابد، والآخر: عالم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض، حتى النملة فى جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير" رواه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح.
وفى حديث آخر: "فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر".
وعن صفوان بن عسال رضي الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب" رواه الإمام أحمد، وابن ماجة.
قال الخطابي: في معنى وضعها أجنحتها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه بسط الأجنحة.
الثاني: أنه بمعنى التواضع لطالب العلم.
الثالث: أن المراد به النزول عند مجالس العلم وترك الطيران.
وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة" رواه مسلم.
وروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، كان بينه وبين الأنبياء فى الجنة درجة واحدة" (١)، وفيه أخبار كثيرة.
وكان بعض الحكماء يقول: ليت شعري، أي شىء أدرك من فاته العلم، وأي شىء فات من أدرك العلم.
ومن فضائل التعليم ما أخرجاه فى "الصحيحين" عن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلى رضي الله عنه: "لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر النعم".
وقال ابن عباس: "إن الذى يعلم الناس الخير تستغفر له كل دابة حتى الحوت فى البحر".
وروى نحو ذلك فى حديث مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم.
فإن قيل: ما وجه استغفار الحوت للمعلم؟
فالجواب: أن نفع العلم يعم كل شىء حتى الحوت، فإن العلماء عرفوا بالعلم ما يحل ويحرم، وأوصوا بالإحسان إلى كل شىء حتى إلى المذبوح (٢) والحوت، فألهم الله تعالى الكل الاستغفار لهم جزاءا لحسن صنيعهم.
وعن أبى موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب (٣) أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي
(١) حديث ضعيف رواه الدارمي ١/ ١٠٠ عن الحسن مرسلا، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس مرفوعا بنحوه، وفيه محمد بن الجعد وهو متروك.
(٢) في الهامش: كما في حديث "إن الله كتب الإحسان على كل شيء".
(٣) جمع أجدب وهى الأرض التي لا تنبت.
قيعان (١) لا تمسك ماء ولاتنبت كلأ، فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه الله بما بعثنى به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به" أخرجاه فى "الصحيحين".
فانظر رحمك الله إلى هذا الحديث ما أوقعه على الخلق، فإن الفقهاء أولي الفهم، كمثل البقاع التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ، لأنهم علموا وفهموا، وفرعوا وعلموا.
وغاية الناقلين من المحدثين الذين لم يرزقوا الفقه والفهم، أنهم كمثل الأجادب التي حفظت الماء فانتفع بما عندهم، وأما الذين سمعوا ولم يتعلموا ولم يحفظوا، فهم العوام الجهلة.
وقال الحسن رحمه الله: لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم.
وقال معاذ بن جبل رضى الله تعالى عنه: تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاده، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقه، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس فى الوحدة، والصاحب فى الخلوة.
وقال كعب رحمه الله: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أن تعلم يا موسى الخير وعلمه للناس، فإني منور لمعلم الخير ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا بمكانهم.
١ - فصل [طلب العلم فريضة]
قد روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" رواه أحمد فى "العلل" (٢).
قال المصنف رحمه الله تعالى: اختلف الناس فى ذلك.
فقال الفقهاء: هو علم الفقه، إذ به يعرف الحلال والحرام.
وقال المفسرون والمحدثون: هو علم الكتاب والسنة، إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها.
(١) جمع قاع وهى الأرض المستوية.
(٢) وابن ماجه في "سننه" رقم (٢٢٤) وهو حديث حسن بطرقه كما قال الحافظ المزي.
وقالت الصوفية: هو علم الإخلاص وآفات النفوس.
وقال المتكلمون: هو علم الكلام.
إلى غير ذلك من الأقوال التي ليس فيها قول مرضى، والصحيح أنه علم معاملة العبد لربه.
والمعاملة التي كلفها على ثلاثة أقسام:
اعتقاد، وفعل، وترك.
فإذا بلغ الصبى، فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناها وإن لم يحصل ذلك بالنظر والدليل، لأن النبى صلى الله عليه وآله وسلم اكتفى من أجلاف العرب بالتصديق من غير تعلم دليل، فذلك فرض الوقت، ثم يجب عليه النظر والاستدلال.
فإذا جاء وقت الصلاة وجب عليه تعلم الطهارة والصلاة، فإذا عاش إلى رمضان وجب عليه تعلم الصوم، فإن كان له مال وحال عليه الحول وجب عليه تعلم الزكاة، وإن جاء وقت الحج وهو مستطيع وجب عليه تعلم المناسك.
وأما التروك: فهو بحسب ما يتجدد من الأحوال، إذ لا يجب على الأعمى تعلم ما يحرم النظر إليه، ولا على الأبكم تعلم ما يحرم من الكلام، فإن كان فى بلد يتعاطى فيه شرب الخمر ولبس الحرير، وجب عليه أن يعرف تحريم ذلك.
وأما الاعتقادات: فيجب علمها بحسب الخواطر، فإن خطر له شك فى المعاني التي تدل عليها كلمتا الشهادة، وجب عليه تعلم ما يصل به إلى إزالة الشك.
وإن كان فى بلد قد كثرت فيه البدع، وجب عليه أن يتلقن الحق، كما لو كان تاجرا فى بلد شاع فيه الربا، وجب عليه أن يتعلم الحذر منه.
وينبغى أن يتعلم الإيمان بالبعث والجنة والنار.
فبان بما ذكرنا أن المراد بطلب العلم الذى هو فرض عين: ما يتعين وجوبه على الشخص.
فأما فرض الكفاية: فهو علم لا يستغنى عنه فى قوام أمور الدنيا، كالطب إذ هو ضروري فى حاجة بقاء الأبدان على الصحة، والحساب، فإنه ضروري فى قسمة المواريث والوصايا وغيرها.
فهذه العلوم لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الباقين.
ولا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفاية، فإن أصول الصناعات أيضا من فروض الكفاية، كالفلاحة والحياكة، بل الحجامة فإنه لو خلا البلد عن حجام لأسرع الهلاك إليهم، فإن الذى أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله.
وأما التعمق فى دقائق الحساب، ودقائق الطب وغير ذلك، فهذا يعد فضله، لأنه يستغنى عنه (١).
وقد يكون بعض العلوم مباحا، كالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها، وتواريخ الأخبار.
وقد يكون بعضها مذموما، كعلم السحر، والطلسمات، والتلبيسات.
فأما العلوم الشرعية فكلها محمودة، وتنقسم إلى أصول، وفروع، ومقدمات ومتممات.
فالأصول: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإجماع الأمة، وآثار الصحابة.
والفروع: ما فهم من هذه الأصول من معان تنبهت لها العقول حتى فهم من اللفظ الملفوظ وغيره، كما فهم من قوله: "لا يقضى القاضي وهو غضبان" أنه لا يقضى جائعا.
والمقدمات: هي التي تجرى مجرى الآلات، كعلم النحو واللغة، فإنهما آلة لعلم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
والمتممات: كعلم القراءات، ومخارج الحروف، وكالعلم بأسماء رجال الحديث وعدالتهم وأحوالهم، فهذه دهى العلوم الشرعية، وكلها محمودة.
(١) بل هو من الفروض الكفائية التي يجب على المسلمين أن يتقنوها، ولا تقوى شوكة المسلمين، ولا تقوم لهم قائمة إلا بالإسلام والعلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
٢ - فصل [في علم المعاملة]
فأما علم المعاملة وهو علم أحوال القلب، كالخوف، والرجاء، والرضى، والصدق، والإخلاص وغير ذلك، فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء، وبتحقيقه اشتهرت أذكارهم، كسفيان [الثوري]، وأبى حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
وإنما انحطت رتبة المسمين بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات، لتشاغلهم بصورة العلم من غير أخذ على النفس أن تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه.
وأنت تجد الفقيه يتكلم فى الظهار، واللعان، والسبع، والرمى، ويفرع التفريعات التي تمضى الدهور فيها ولا يحتاج إلى مسألة منها، ولا يتكلم فى الإخلاص، ولا يحذر من الرياء، وهذا عليه فرض عين، لأن في إهماله هلاكه، والأول فرض كفاية.
ولو أنه سئل عن علة ترك المناقشة للنفس فى الإخلاص والرياء لم يكن له جواب.
ولو سئل عن علة تشاغله بمسائل اللعان والرمى، لقال: هذا فرض كفاية، ولقد صدق، ولكن خفي عليه أن الحساب فرض كفاية أيضا، فهلا تشاغل به، وإنما تبهرج عليه النفس، لأن مقصودها من الرياء والسمعة يحصل بالمناظرة، لا بالحساب.
واعلم: أنه بدلت ألفاظ وحرفت، ونقلت إلى معان لم يردها السلف الصالح.
فمن ذلك: الفقه، فإنهم تصرفوا فيه بالتخصيص، فخصوه بمعرفة الفروع وعللها، ولقد كان اسم الفقه فى العصر الأول منطلقا على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب.
ولذلك قال الحسن [البصري] رحمه الله: إنما الفقيه الزاهد فى الدنيا، الراغب فى الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكاف عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لهم.
فكان إطلاقهم اسم الفقه على علم الآخرة أكثر، لأنه لم يكن متناولا للفتاوى، ولكن كان متناولا لذلك بطريق العموم والشمول، فثار من هذا التخصيص تلبيس بعث الناس على التجرد لعلم الفتاوى الظاهرة، والإعراض عن علم المعاملة للآخرة.
اللفظ الثاني: العلم.
فقد كان ذلك يطلق على العلم بالله تعالى وبآياته، آي: نعمه وأفعاله فى عباده، فخصوه وسموا به الغالب المناظر فى مسائل الفقه وإن كان جاهلا بالتفسير والأخبار.
اللفظ الثالث: التوحيد: وقد كان ذلك إشارة إلى أن ترى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، فيثمر ذلك التوكل والرضى وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام فى الأصول، وذلك من المنكرات عند السلف.
اللفظ الرابع: التذكير والذكر.
قال تعالى: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ [الذاريات: ٥٥].
وقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر" فتقلوا ذلك إلى القصص وما يحتوى عليه اليوم مجلس القاص من الشطح والطامات.
ومن تشاغل فى وعظة بذكر قصص الأولين، فليعلم أن اكثر ما يحكى فى ذلك لا يثبت، كما ينقلون أن يوسف عليه السلام حل تكته، وأنه رأى يعقوب عاضا على يده، وأن داود جهز أوريا حتى قتل، فمثل هذا يضر سماعه.
وأما الشطح والطامات: فمن أشد ما يؤذى العوام، لأنها تشمل على ذكر المحبة والوصال وألم الفراق، وعامة الحاضرين أجلاف، بواطنهم محشوة بالشهوات وحب الصور، فلا يحرك ذلك من قلوبهم إلا ما هو مستكن فى نفوسهم، فيشتعل فيها نار الشهوة، فيصيحون، وكل ذلك فساد.
وربما احتوى الشطح على الدعاوى العريضة فى محبة الله تعالى، وفى هذا ضرر عظيم.
وقد ترك جماعة من الفلاحين فلاحتهم، وأظهروا مثل هذه الدعاوى.
اللفظ الخامس: الحكمة.
والحكمة: العلم والعمل به.
قال ابن قتيبة رحمة الله: لا يكون الرجل حكيما حتى يجمع العلم والعمل.
وقد صار هذا الاسم يطلق فى هذا الزمان على الطبيب والمنجم.
٣ - فصل [في العلوم المحمودة]
وأعلم أن العلوم المحمودة تنقسم إلى قسمين:
الأول: محمود إلى أقصى غاياته، وكلما كان أكثر كان أحسن وأفضل.
وهو العلم بالله تعالى، وبصفاته، وأفعاله، وحكمته فى ترتيب الآخرة على الدنيا، فان هذا علم مطلوب لذاته، والتوصل به إلى سعادة الآخرة، وهو البحر الذى لا يدرك غوره وانما يحوم المحومون على سواحله وأطرافه بقدر ما تيسر لهم.
والقسم الثاني: العلوم التي لا يحمد منها إلا مقدار مخصوص، وهى التي ذكرناها من فروض الكفايات، فان فى كل منها افتقارا واقتصارا واستقصاءا.
فكن أحد رجلين: إما مشغولا بنفسك، وإما متفرغا لغيرك بعد الفراغ من نفسك.
وإياك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل إصلاح نفسك، واشتعل بإصلاح باطنك وتطهيره من الصفات الذميمة، كالحرص، والحسد، والرياء، والعجب، قبل إصلاح ظاهرك، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى فى ربع المهلكات.
فان لم تتفرغ من ذلك فلا تشتغل بفروض الكفايات، فان فى الخلق كثيرا يقومون بذلك، فإن مهلك نفسه فى طلب صلاح غيره سفيه، ومثله مثل من دخلت العقارب تحت ثيابه وهو يذب الذباب عن غيره.
فإن تفرغت من نفسك وتطهيرها، وما أبعد ذلك، فاشتغل بفروض الكفايات وراع التدريج فى ذلك.
فابتدأ بكتاب الله عز وجل، ثم بسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم بعلوم القرآن: من التفسير، ومن ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، إلى غير ذلك.
وكذلك فى السنة، ثم اشتغل بالفروع، وأصول الفقه وهكذا بقية العلوم على ما يتسع العمر ويساعد فيه الوقت.
ولا تستغرق عمرك فى فن واحد منها طلبا للاستقصاء، فان العلم كثير، والعمر قصير، وهذه العلوم آلات يراد بها غيرها، وكل شىء يطلب لغيره فلا ينبغي أن ينسى فيه المطلوب.
٤ - فصل [في عالم لم ينفعه علمه]
واعلم: أن المناظرة الموضوعة لقصد المغالبة والمباهاة منبع الأخلاق المذمومة، ولا يسلم صاحبها من كبر، لاحتقار المقصرين عنه، وعجب بنفسه لارتفاعه على كثير من نظرائه، ولا يسلم من الرياء، لأن جمهور مقصود المناظر اليوم علم الناس بغلبته، وإطلاق ألسنتهم بشكره ومدحه، فهو يذهب عمره فى العلوم التي تعين على المناظرة مما لا ينفع فى الآخرة، كحسن اللفظ، وحفظ النوادر.
وقد روى فى الحديث عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه" (١).
٥ - باب فى آداب المعلم والمتعلم وآفات العلم وبيان علماء السوء وعلماء الآخرة
أما المتعلم فينبغي له تقديم طهارة النفسعن رذائل الأخلاق ومذموم الصفات.
إذ العلم عبادة القلب.
وينبغى له قطع العلائق الشاغلة، فان الفكرة متى توزعت قصرت عن إدراك الحقائق.
وقد كان السلف يؤثرون العلم على كل شىء، فروى عن الإمام أحمد رحمه الله أنه لم يتزوج إلا بعد الأربعين.
وأهديت إلى أبى بكر الأنبارى جارية، فلما دخلت عليه تفكر فى استخراج مسألة فعزبت عنه، فقال: أخرجوها إلى النخاس، فقالت: هل من ذنب؟ قال: لا، إلا أن قلبي اشتغل بك، وما قدر مثلك أن يمنعني علمي.
وعلى المتعلم أن يلقى زمامه إلي المعلم اللقاء المريض زمامه إلي الطبيب، فيتواضع له، ويبالغ فى خدمته.
وقد كان ابن عباس رضي الله عنه يأخذ بركاب زيد بن ثابت رضي الله عنه ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء.
(١) رواه الطبراني في "الأوسط" وابن عدي في "الكامل" والبيهقي في "شعب الإيمان" وهو ضعيف جدا.
ومتى تكبر المتعلم أن يستفيد من غير موصوف بالتقدم فهو جاهل، لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها، وليدع رأيه لرأى معلمه فان خطأ المعلم أنفع للمتعلم من صواب نفسه.
قال على رضي الله عنه: إن من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة، وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشير عنده بيدك، ولا تغمزن بعينك، ولا تكثر عليه السؤال، ولا تعينه فى الجواب، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تراجعه إذا امتنع، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشى له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تطلبن عثرته، وان زل قبلت معذرته، ولا تقولن له: سمعت فلانا يقول كذا، ولا أن فلانا يقول خلافك.
ولا تصفن عنده عالما، ولا تعرض من طول صحبته، ولا ترفع نفسك عن خدمته، وإذا عرضت له حاجة سبقت القوم إليها، فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شئ.
وينبغى أن يحترز الخائض فى العلم فى مبدأ الأمر من الإصغاء إلى اختلاف الناس، فإن ذلك يحير عقله ويفتر ذهنه.
وينبغى له أن يأخذ من كل شئ أحسنه.
لأن العمر لا يتسع لجميع العلوم، ثم يصرف جمام قوته إلى أشرف العلوم، وهو العلم المتعلق بالآخرة، الذى به يكتسب اليقين الذى حصله
أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حتى شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر فى صدره" (١) فهذه وظائف المتعلم.
وأما المعلم فعليه وظائف أيضا:
من ذلك الشفقة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه، ولا يطلب على إفاضة العلم أجرا، ولا يقصد به جزاءا ولا شكرا، بل يعلم لوجه الله تعالى، ولايرى لنفسه منة على المتعلمين، بل يرى الفضل لهم إذ هيؤوا قلوبهم للتقرب إلى الله تعالى بزارعة العلم فيها، فهم كالذي يعير الأرض لمن يزرع فيها
(١) خبر موضوع أورده ابن القيم رحمه الله في "المنار المنيف" ص ١١٥ تحت قوله: ومما وضعه جهلة المنتسبين إلى السنة في فضائل الصديق رضي الله عنه.
وقال: وهذا من كلام أبي بكر بن عياش، ونقله عنه ملا علي القاري في "الأسرار المرفوعة" ص ٤٧٦ وأقره.
وجاء في "المقاصد الحسنة" للسخاوي وغيره من كتب الموضوعات أنه من قول بكر بن عبدالله المزني.
فلا ينبغي أن يطلب المعلم الأجر إلا من الله تعالى.
وقد كان السلف يمتنعون من قبول هدية المتعلم.
ومنها أن لا يدخر من نصح المتعلم شيئا، وأن يزجره عن سوء الأخلاق بطريق التعريض مهما أمكن، لا على وجه التوبيخ، فإن التوبيخ يهتك حجاب الهيبة.
ومنها: أن ينظر فى فهم المتعلم ومقدار عقله، فلا يلقي إليه مالا يدركه فهمه ولا يحيط به عقله.
فقد روي عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم" (١).
وقال علي رضي الله عنه: إن هاهنا علما لو وجدت له حملته.
وقال الشافعي رحمه الله:
أأنثر درا بين سارحة النعم ... أأنظم منثورا لراعية الغنم
ومن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم
ومنها: أن يكون المعلم عاملا بعلمه.
ولا يكذب قوله فعله.
قال الله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب﴾ [البقرة: ٤٤]
وقال علي رضي الله عنه: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك.
٦ - فصل في آفات العلم وبيان علماء السوء وعلماء الآخرة
علماء السوء: هم الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا، والتوصل إلى المنزلة عند أهلها.
وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من
(١) لم يثبت شئ من هذا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم، وقد روى البخاري في "صحيحه" ١/ ١٩٩ تعليقا فى العلم: باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا قول علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله، قال الحافظ: وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قول: عبد الله بن مسعود فيما رواه الإمام مسلم فى "صحيحه" ١/ ٧٦ بشرح النووي: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" يعنى ريحها.
وفى حديث آخر أنه قال: "من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فهو في النار" رواه الترمذي.
وفى ذلك أحاديث كثيرة.
وقال بعض السلف: أشد الناس ندامة عند الموت عالم مفرط.
واعلم: أن المأخوذ على العالم أن يقوم بالأوامر والنواهي، وليس عليه أن يكون زاهدا ولا معرضا عن المباحات، إلا أنه ينبغي له أن يتقلل من الدنيا مهما استطاع، لأنه ليس كل جسم يقبل التعلل، فإن الناس يتفاوتون.
وروى أن سفيان الثوري رحمه الله كان حسن المطعم.
وكان يقول: إن الدابة إذا لم يحسن إليها في العلف لم تعمل.
وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يصبر من خشونة العيش على أمر عظيم والطباع تتفاوت.
ومن صفات علماء الآخرة أن يعلموا أن الدنيا حقيرة، وأن الآخرة شريفة.
وأنهما كالضرتين، فهم يؤثرون الآخرة، ولا تخالف أفعالهم أقوالهم، ويكون ميلهم إلى العلم النافع فى الآخرة، ويجتنبون العلوم التي يقل نفعها إيثارا لما يعظم نفعه، كما روي عن شقيق البلخي رحمه الله أنه قال لحاتم: قد صحبتني مدة، فماذا تعلمت؟
قال: ثمانية مسائل:
أما الأولى: فإني نظرت إلى الخلق، فإذا كل شخص له محبوب، فإذا وصل إلى القبر فارقه محبوبه، فجعلت محبوبي حسناتي لتكون في القبر معي.
وأما الثانية: فإني نظرت إلى قوله تعالى: ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ [النازعات: ٤٠] فأجهدتها فى دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى.
وأما الثالثة: فإني رأيت كل من معه شئ له قيمة عنده يحفظه، ثم نظرت فى قوله سبحانه وتعالى: ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ [النحل: ٩٦] فكلما وقع معي شئ له قيمة، وجهته إليه ليبقى لي عنده.
وأما الرابعة: فإني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف، وليست
بشئ، فنظرت فى قوله الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] فعملت فى التقوى لأكون عنده كريما.
وأما الخامسة: فأنى رأيت الناس يتحاسدون، فنظرت فى قوله تعالى: ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم﴾ [الزخرف: ٣٢] فتركت الحسد.
والسادسة: رأيتهم يتعادون، فنظرت فى قول الله تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾ [فاطر: ٦] فتركت عدواتهم واتخذت الشيطان وحده عدوا.
والسابعة: رأيتهم يذلون أنفسهم، فنظرت فى قول تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود: ٦] فاشتغلت بما له علي وتركت ما لى عنده.
والثامنة: رأيتهم متوكلين على تجارتهم وصنائعهم وصحة أبدانهم، فتوكلت على الله تعالى.
...
ومن صفات علماء الآخرة: أن يكونوا منقبضين عن السلاطين، محترزين من مخالطتهم.
قال حذيفة رضي الله عنه: إياكم ومواقف الفتن.
قيل: وما هي؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه.
وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء، فاحذروا منه فإنه لص.
وقال بعض السلف: إنك لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك أفضل منه.
ومن صفات علماء الآخرة: أن لا يسترعوا إلى الفتوى، وأن لا يفتوا إلا بما يتيقنون صحته.
وقد كان السلف يتدافعون الفتوى حتى ترجع إلى الأول.
وقال عبد الرحمن بن أبى ليلى رحمه الله: أدركت فى هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما أحد يسأل عن حديث أو فتوى إلا ود أن أخاه كفاه ذلك.
ثم قال آل الأمر إلى إقدام أقوام يدعون العلم اليوم، يقدمون على
الجواب في مسائل لو عرضت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع أهل بدر.
واستشارهم.
ومن صفاتهم: أن يكون أكثر بحثهم فى علم الأعمال عما يفسدها ويكدر القلوب ويهيج الوساوس، فإن صور الأعمال قريبة سهلة، وإنما التعب فى تصفيتها.
وأصل الدين: التوقي من الشر، ولا يصح أن يتوقى حتى يعرف.
ومن صفاتهم: البحث عن أسرار الأعمال الشرعية، والملاحظة لحكمها.
فان عجز عن الاطلاع على العلة كفاه التسليم للشرع.
ومن صفاتهم: اتباع الصحابة وخيار التابعين، وتوقى كل محدث.
كتاب: الطهارة وأسرارها والصلاة وما يتعلق بها
اعلم: أن الطهارة لها أربع مراتب:
الأولى: تطهير الظاهر من الأحداث والأنجاس والفضلات.
والثانية: تطهير الجوارح من الذنوب والآثام.
والثالثة: تطهير القلب من الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة.
والرابعة: تطهير السر عما سوى الله تعالى، وهذا هو الغاية القصوى، فمن قويت بصيرته سمت إلى هذا المطلوب، ومن عميت بصيرته لم يفهم من مراتب الطهارة إلا المرتبة الأولى، فتراه يضيع أكثر زمانه الشريف فى المبالغة فى الاستنجاء وغسل الثياب، ظنا منه بحكم الوسوسة وقلة العلم أن الطهارة المطلوبة هي هذه فقط، وجهلا بسير المتقدمين الذين كانوا يستغرقون الزمان فى تطهير القلوب ويتساهلون فى أمر الظاهر، كما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه توضأ من جرة نصرانية، وكانوا لا يكادون يغسلون أيديهم من الزهم (١) ويصلون على الأرض، ويمشون حفاة، ويقتصرون فى الاستجمار على الأحجار.
وقد انتهى الأمر إلى قوم يسمون الرعونة (٢) نظافة، فترى أكثر زمانهم يمضى فى تزيين الظواهر، وبواطنهم خراب محشوة بخبائث الكبر، والعجب، والجهل، والرياء والنفاق.
ولو رأوا مقتصرا فى الاستجمار على الحجر، أو حافيا يمشى على الأرض، أو من يصلى عليها من غير حائل، أو متوضأ من آنية عجوز، لأنكروا عليه أشد الإنكار، ولقبوه بالقذر، واستنكفوا من مؤاكلته.
فانظر كيف جعلوا البذاذة (٣) التي هي من الإيمان قذارة، والرعونة نظافة، وصيروا المنكر معروفا، والمعروف منكرا.
لكن من قصد بهذه الطهارة النظافة ولم يسرف فى الماء، ولم يعتقد أن استعمال الماء الكثير أصل الدين، فليس ذلك بمنكر، بل هو فعل حسن.
وليرجع فى معرفة الأنجاس والأحداث إلى كتب الفقه، فإن المقصود من هذا الكتاب الآداب.
(١) الوسخ الدسم.
(٢) الحماقة.
(٣) رثاثة الهيئة، أراد التواضع فى اللباس وترك التبجح.
وأما إزالة الفضلات فهي نوعان:
[النوع الأول]: أوساخ تزال، كالذي يجتمع فى الرأس من الوسخ والدرن، فيستحب تنظيفه بالغسل والترجيل (١) والتدهين لإزالة الشعث، وكذلك ما يجتمع فى الأذن من الوسخ يستحب إزالته.
ويستحب التسوك والمضمضة لإزالة ما على الاثنان واللسان من القلح (٢)،وكذلك وسخ البراجم (٣) والدرن الذى يجتمع على جميع البدن برشح العرق وغبار الطريق، وذلك يزيله الغسل.
ولا بأس بدخول الحمام، فانه أبلغ فى الإزالة، وقد دخله جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن على داخله صيانة عورته من نظر الغير إليها ولمسه إياها.
وينبغى للداخل إليه أن يتذكر بحرارته حر النار، فان فكرة المؤمن لا تزال تجول فى كل شئ من أمور الدنيا فيذكر به أمور الآخرة، لأن الغالب على المؤمن أمر الآخرة، وكل إناء ينضح بما فيه.
ألا ترى أنه لو دخل إلى دار -معمورة- بزاز، ونجار، وبناء، وحائك، رأيت البزاز ينظر إلى الفرش يتأمل قيمتها، والحائك ينظر إلى نسج الثياب، والنجار ينظر إلى سقف الدار والبناء ينظر إلى الحائط، فكذلك المؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر، وإن سمع صوتا هائلا تذكر نفخة الصور، وإن رأى نعيما تذكر نعيم الجنة، وإن رأى عذابا ذكر النار.
ويكره دخول الحمام قريبا من الغروب وبين العشاءين، فانه وقت انتشار الشياطين.
النوع الثاني من إزالة الفضلات: أجزاء تحذف، مثل قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظافر.
ويكره نتف الشيب، ويستحب خضابه.
وبأبقى مراتب الطهارة يأتى فى ربع المهلكات والمنجيات إن شاء الله تعالى.
١ - فصل [في فضائل الصلاة]
وأما الصلاة فإنها عماد الدين وغرة الطاعات.
وقد ورد فى فضائل الصلاة أخبار
(١) ترجيل الشعر، إرساله بمشط.
(٢) وسخ الأسنان.
(٣) عقد أصابع اليدين.
كثيرة مشهورة، ومن أحسن آدابها الخشوع.
وقد روى عن عثمان [بن عفان] رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ما من امرئ تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله".
وله فى حديث أيضا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه".
وكان [عبد الله] ابن الزبير رضي الله عنهما إذا قام فى الصلاة كأنه عود من الخشوع، وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذع حائط، وصلى يوما فى الحجر (١) فجاء حجر قذافة (٢) فذهب ببعض ثوبه فما انفتل.
وقال ميمون بن مهران: ما رأيت مسلم ين يسار ملتفتا فى صلاة قط، ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدتها، وإنه لفى المسجد يصلى فما التفت، وكان أهل بيته إذا دخل المنزل سكتوا، فإذا قام إلى الصلاة تكلموا وضحكوا.
وكان على بن الحسن رضي الله عنهما إذا توضأ اصفر لونه، فقيل له: ما هذا الذى يعتادك عند الوضوء؟ فقال: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟
وأعلم: أن للصلاة أركانا وواجبات وسننا، وروحها النية والإخلاص والخشوع وحضور القلب، فان الصلاة تشتمل على أذكار ومناجاة وأفعال، ومع عدم حضور القلب لا يحصل المقصود بالأذكار والمناجاة، لأن النطق إذا لم يعرب عما فى الضمير كان بمنزلة الهذيان، وكذلك لا يحصل المقصود من الأفعال، لأنه إذا كان المقصود من القيام الخدمة، ومن الركوع والسجود الذل والتعظيم، ولم يكن القلب حاضرا، لم يحصل المقصود، فان الفعل متى خرج عن مقصوده بقى صورة لا اعتبار بها، قال الله تعالى: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾ [الحج: ٣٧] والمقصود أن الواصل إلى الله سبحانه وتعالى هو الوصف الذى استولى على القلب حتى حمل على امتثال الأوامر المطلوبة، فلا بد من حضور القلب فى الصلاة، ولكن سامح الشارع فى غفلة تطرأ لأن حضور القلب فى أولها ينسحب حكمه على باقيها.
(١) الحجر: حطيم الكعبة.
(٢) القذافة: المنجنيق.
والمعاني التي تتم بها حياة الصلاة كثيرة.
المعنى الأول: حضور القلبكما ذكرنا، ومعناه أن يفرغ القلب من غير ما هو ملابس له، وسبب ذلك الهمة، فإنه متى أهمك أمر حضر قلبك ضرورة فلا علاج لإحضاره إلا صرف الهمة إلى الصلاة، وانصراف الهمة يقوى ويضعف بحسب قوة الإيمان بالآخرة واحتقار الدنيا، فمتى رأيت قلبك لا يحضر فى الصلاة، فاعلم أن سببه ضعف الإيمان، فاجتهد فى تقويته.
والمعنى الثاني: التفهم لمعنى الكلام فإنه أمر وراء حضور القلب، لأنه ربما كان القلب حاضرا مع اللفظ دون المعنى، فينبغي صرف الذهن إلى إدراك المعنى بدفع الخواطر الشاغلة وقطع موادها، فان المواد إذا لم تنقطع لم تنصرف الخواطر عنها.
والمواد، إما ظاهرة: وهى ما يشغل السمع والبصر، وإما باطنة: وهو أشد كمن تشعبت به الهموم فى أودية الدنيا، فإنه لا ينحصر فكره فى فن واحد، ولم يغنه غض البصر، لأن ما وقع فى القلب كاف فى الاشتغال به.
وعلاج ذلك إن كان من المواد الظاهرة، بقطع ما يشغل السمع والبصر، وهو القرب من القبلة، والنظر إلى موضع سجوده، والاحتراز فى الصلاة من المواضع المنقوشة، وأن لا يترك عنده ما يشغل حسه، فإن النبى صلى الله عليه وآله وسلم لما صلى فى انبجانية (١) لها أعلام نزعها وقال: "إنها ألهتني آنفا عن صلاتي".
وإن كان من المواد الباطنة، فطريق علاجه أن يرد النفس قهرا إلى ما يقرأ فى الصلاة ويشغلها به عن غيره، ويستعد لذلك قبل الدخول فى الصلاة، بأن يقضى أشغاله، ويجتهد فى تفريغ قلبه ويجدد على نفسه ذكر الآخرة وخطر القيام بين يدي الله عز وجل وهول المطلع، فان لم تسكن الأفكار بذلك، فليعلم أنه إنما يتفكر فيما أهمه واشتهاه، فليترك تلك الشهوات وليقطع تكل العلائق.
واعلم: أن العلة متى تمكنت لا ينفعها إلا الدواء القوى، والعلة إذا قويت جاذبت المصلى وجاذبها إلى أن تنقضي الصلاة فى المجاذبة، ومثل ذلك كمثل رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره، وكانت أصوات العصافير تشوش عليه وفى يده
(١) بكسر الياء ويروى بفتحها: كساء منسوب إلى منبج بكسر الياء: مدينة من أعمال حلب، وفتحت فى النسب وقيل: إلى موضع اسمه انبجان.
خشبة يطيرها بها، فما يستقر فكره حتى تعود العصافير فيشتغل بها، فقيل له: هذا شئ لا ينقطع، فإن أردت الخلاص فاقطع الشجرة، فكذلك شجرة الشهوة إذا علت وتفرقت أغصانها انجذبت أليها الأفكار كانجذاب العصافير إلى الأشجار والذباب إلى الأقذار، فذهب العمر النفيس فى دفع ما لا يندفع، وسبب هذه الشهوات التي توجب هذه الأفكار حب الدنيا.
قيل لعامر بن عبد قيس رحمه الله: هل تحدثك نفسك بشيء من أمور الدنيا فى الصلاة؟ فقال: لأن تختلف الأسنة في أحب إلي من أجد هذا.
واعلم: أن قطع حب الدنيا من القلب أمر صعب وزواله بالكلية عزيز، فليقع الاجتهاد فى الممكن منه، والله الموفق والمعين.
المعنى الثالث: التعظيم لله والهيبة، وذلك يتولد من شيئين: معرفة جلال الله تعالى وعظمته، ومعرفة حقارة النفس وأنها مستعبدة، فيتولد من المعرفتين: الاستكانة، والخشوع.
ومن ذلك الرجاء: فانه زائد على الخوف، فكم من معظم ملكا يهابه لخوف سطوته كما يرجو بره.
والمصلى ينبغي أن يكون راجيا بصلاته الثواب، كما يخاف من تقصيره العقاب.
وينبغى للمصلى أن يحضر قلبه عند كل شئ من الصلاة، فإذا سمع نداء المؤذن فليمثل النداء للقيامة ويشمر للاجابة، ولينظر ماذا يجيب، وبأي بدن يحضر.
وإذا ستر عورته فليعلم أن المراد من ذلك تغطية فضائح بدنه عن الخلق، فليذكر عورات باطنه وفضائح سره التي لا يطلع عليها إلا الخالق، وليس لها عنه ساتر، وأنها يكفرها الندم، والحياء، والخوف.
وإذا استقبل القبلة فقد صرف وجهه عن الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، فصرف قلبه إلى الله تعالى أولى من ذلك، فكما أنه لا يتوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها، كذلك القلب لا ينصرف إلى الله تعالى إلا بالانصراف عما سواه.
إذا كبرت أيها المصلى، فلا يكذبن قلبك لسانك، لأنه إذا كان فى قلبك أكبر من الله تعالى قد كذبت، فاحذر أن يكون الهوى عندك أكبر بدليل إيثارك موافقته على طاعة الله تعالى.
فإذا استعذت، فاعلم أن الاستعاذة هي لجأ إلى لله سبحانه، فإذا لم تلجأ بقلبك كان كلامك لغوا، وتفهم معنى ما تتلو، وأحضر التفهم بقلبك عند قولك: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، واستحضر لطفه عند قولك: ﴿الرحمن الرحيم﴾، وعظمته عند قولك: ﴿مالك يوم الدين﴾، وكذلك فى جميع ما تتلو.
وقد روينا عن زرارة بن أبى أوفى رضي الله عنه أنه قرأ فى صلاته: ﴿فإذا نقر في الناقور﴾ [المدثر: ٨] فخر ميتا، وما ذاك إلا لأنه صور تلك الحال فأثرت عنده التلف.
واستشعر فى ركوعك التواضع، وفى سجودك الذل، لأنك وضعت النفس موضعها، ورددت الفرع إلى أصله بالسجود على التراب الذى خلقت منه وتفهم منه معنى الأذكار بالذوق.
واعلم: أن أداء الصلاة بهذه الشروط الباطنة سبب لجلاء القلب من الصدأ، وحصول الأنوار فيه التي بها تتلمح عظمى المعبود، وتطلع على أسراره وما يعقلها إلا العالمون.
فأما من هو قائم بصورة الصلاة دون معانيها، فانه لا يطلع على شئ من ذلك بل ينكر وجوده.
٢ - فصل في آداب تتعلق بصلاة الجمعة ويوم الجمعة
وهى نحو من خمسة عشر:
أحدها: أن يستعد لها من يوم الخميس وفى ليلة الجمعة، بالتنظيف، وغسل الثياب، وإعداد ما يصلح لها.
الثاني: الاغتسال فى يومها، كما فى الأحاديث فى "الصحيحين" وغيرهما.
والأفضل فى الاغتسال أن يكون قبيل الرواح إليها.
الثالث: التزين بتنظيف البدن، وقص الأظفار، والسواك، وغير ذلك مما تقدم من إزالة الفضلات، ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه.
الرابع: التبكير إليها ماشيا.
وينبغى للساعى إلى الجامع أن يمشى بسكون وخشوع، وينوى الاعتكاف في
المسجد إلى وقت خروجه.
الخامس: أن لا يتخطى رقاب الناس ولا يفرق بين اثنين إلا أن يرى فرجة فيتخطى إليها.
السادس: أن لا يمر بين يدي المصلى.
السابع: أن يطلب الصف الأول، إلا أن يرى منكرا أو يسمعه فيكون له فى التأخر عذرا.
الثامن: أن يقطع النفل من الصلاة والذكر عند خروج الإمام، ويشتغل بإجابة المؤذن، ثم بسماع الخطبة.
التاسع: أن يصلى السنة بعد الجمعة إن شاء ركعتين، وإن شاء أربعا، وإن شاء ستا.
العاشر: أن يقيم فى المسجد حتى يصلى العصر، وإن أقام إلى المغرب فهو أفضل.
الحادى عشر: أن يراقب الساعة الشريفة التي فى يوم الجمعة بإحضار القلب وملازمة الذكر.
واختلف في هذه الساعة، ففى أفراد مسلم من حديث أبى موسى رضي الله عنه: أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة.
وفى حديث آخر: هي ما بين فراغ الإمام من الخطبة إلى أن تقضى الصلاة (١). وفى حديث جابر رضي الله عنه: أنها آخر ساعة بعد العصر.
وفى حديث أنس رضي الله عنه قال: التمسوها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقال أبو بكر الأثرم رحمه الله: لا تخلو هذه الأحاديث من وجهين: إما أن يكون بعضها أصح من بعض، وإما أن تكون هذه الساعة تنتقل فى الأوقات كتنقل ليلة القدر فى ليالي العشر.
(١) أخرجه مسلم (٨٥٢) فى الجمعة: باب فى الساعة التي فى يوم الجمعة من حديث بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبى بردة بن أبى موسى، عن أبى موسى.
وقد أعل بالانقطاع والاضطراب، أما الانقطاع، فلأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبية ... وأما الإضطراب، فقد رواه أبو إسحاق وواصل الأحدب ومعاوية بن قرة وغيرهم عن أبى بردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة وأبو بردة كوفى، فهم أعلم بحديثه من بكير المدني، وهم عدد وهو واحد، ولذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب، وحديث جابر أنها أخر ساعة بعدى العصر أخرجه أبو داود (١٠٤٨) والنسائي ٣/ ٩٣،١٠٠ وسنده جيد، وصححه الحاكم ١/ ٢٧٩ ووافقه الذهبى، وصححه أيضا النووي وحسنه الحافظ ابن حجر، ويشهد له حديث أنس الذى أورده المؤلف بعده.
الثاني عشر: أن يكثر من الصلاة على النبى صلى الله عليه وآله وسلم في هذا اليوم، فقد روى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من صلى على فى يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله ذنوب ثمانين سنة" (١).
وإن أحب زاد فى الصلاة عليه الدعاء له، كقوله: "اللهم آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه المقام المحمود الذى وعدته، اللهم اجز نبينا عنا ما هو أهله".
وليضف إلى الصلاة الاستغفار، فانه مستحب فى ذلك اليوم.
الثالث عشر: أن يقرأ سورة الكهف، فقد جاء فى حديث من رواية عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا أحدثكم بسورة ملأ عظمها ما بين السماء والأرض، ولكاتبها من الأجر مثل ذلك، ومن قرأها يوم الجمعة غفر له ما بينها وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، ومن قرأ الخمس الأواخر منها عند نومه بعثه الله تعالى أي الليل (٢) شاء" قالوا: بلى يا رسول الله: قال "سورة الكهف" (٣).
وروى فى حديث آخر: "أن من قرأها فى يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وفى الفتنة".
ويستحب أن يكثر من قراءة القرآن فى يوم الجمعة، وأن يختم فيه أو فى ليلة الجمعة إن قدر.
(١) أورده السخاوي في "القول البديع" ص ١٩٤ ونسبه للتيمي في "ترغيبه" وأبي الشيخ ابن حبان في بعض أجزائه، والديلمي في "مسنده" وسنده ضعيف ويغني عنه حديث أوس بن أوس مرفوعا "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي" أخرجه أبو داود (١٠٤٧) وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٥٥٠) والحاكم ١/ ٢٧٨، ووافقه الذهبي.
وحديث أبى بن كعب قلت: "يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعلك لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قلت: الربع؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير، قلت: النصف، قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير، قلت: الثلثين، قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير، قلت: النصف، قال ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذا تكفى همك.
ويغفر لك ذنبك" أخرجه الترمذى (٢٤٥٩) وهو حديث صحيح خرجناه فى "جلاء الأفهام فى الصلاة على خير الأنام" لابن القيم طبع مكتبة دار البيان بدمشق.
صفحة (٤٥).
(٢) أي جزء من الليل.
(٣) قال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" ص ٣١١ بعد أن ذكره: وهو حديث طويل موضوع.
ويغني عنه الحديث الذي بعده.
الرابع عشر: أن يتصدق فى يوم الجمعة بما أمكن، ولتكن صدقته خارج المسجد.
ويستحب أن يصلى صلاة التسبيح فى يوم الجمعة.
الخامس عشر: يستحب أن يجعل يوم الجمعة لأعمال الآخرة، ويكف عن جميع أشغال الدنيا.
٣ - فصل فى ذكر النوافل
اعلم: أن ما عدا الفرائض من الصلاة ثلاثة أقسام:
سنن، ومستحبات، وتطوعات.
ونعنى بالسنة: ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المواظبة عليه، كالرواتب عقيب الفرائض والوتر والضحى.
ونعنى بالمستحب: ما ورد الخبر بفضله ولم ينقل بالمواظبة عليه، كالصلاة عند دخول المنزل والخروج منه.
ونعنى بالتطوعات: ما وراء ذلك مما لم يرد به خبر، لكن العبد يتطوع بفعله، وتسمى هذه الأقسام الثلاثة: نوافل، لأن النفل هو زيادة، وهذه زيادة على الفرائض.
واعلم: أن أفضل تطوعات البدن: الصلاة.
وأقسام النوافل وفضائلها مشهورة مذكورة فى كتب الفقه وغيرها، لكن نذكر منها صلاة التسبيح، لأنها قد تخفى صفتها على بعض الناس.
فروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للعباس "يا عماه: ألا أعطيك، ألا أعلمك -وذكر الحديث إلى أن قال-: "تصلى أربع ركعات، تقرأ فى كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة فى أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرا، ثم ترفع رأسك عن الركوع فتقولها عشرا، ثم تهوى ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا قبل أن تقوم، فذلك خمس وسبعون، تفعل ذلك فى أربع ركعات إن استطعت أن تصليها
في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل، ففى كل جمعة مرة، فإن لم تفعل، ففى كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففى كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففى عمرك مرة".
٤ - فصل [فى أوقات النهي عن الصلاة]
ولا يتطوع فى أوقات النهى بصلاة لا سبب لها كصلاة التسبيح، لأن النهى مؤكد فيها عن الصلاة، وهذه الأشياء ضعيفة فلا تقاومه.
وأما ما له سبب، كتحية المسجد، وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها، فعلى روايتين.
واعلم: أن النهى عن الصلاة فى الأوقات الثلاثة له ثلاثة أسرار.
أحدها: ترك التشبه بعباد الشمس.
الثاني: التحذير من السجود لقرن الشيطان، فإن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زلت الشمس فارقها، فإذا تضيفت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها.
الثالث: إن سالكي طريق الآخرة مواظبون على العبادات، والمواظبة على نمط واحد يورث الملل، فإذا وقع المنع زاد النشاط، لأن النفس حريصة على ما منعت منه، فمنع الإنسان من الصلاة فى أوقات النهى، ولم يمنع من نوع آخر من التعبد، كالقراءة، والتسبيح لينتقل العابد من حال إلى حال، كما جعلت الصلاة متنوعة بين قيام وقعود وركوع وسجود، والله أعلم.