كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أعلم: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب العظم في الدين، وهو المهم الذي بعث الله به النبيين، ولو طوى بساطه، لاضمحلت الديانة، وظهر الفساد، وخربت البلاد.
قال الله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾.
[آل عمران: ١٠٤]، وفى هذه الآية بيان أنه فرض على الكفاية لا فرض عين، لأنه قال: ﴿ولتكن منكم أمة﴾، ولم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف، فإذا قام به من يكفى سقط عن الباقين، واختص الفلاح بالقائمين المباشرين له.
وفى القرآن العظيم آيات كثيرة في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها مثل قوم ركبوا سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو خرقنا في نصينا خرقا فاستقينا منه، ولم نؤذى من فوقنا، فإن تركوها وأمرهم هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا".
١ - فصل في مراتب الإنكار وبعض ما ورد فيه
فقد جاء في الحديث المشهور من رواية مسلم، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
وفى حديث آخر: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
وفي حديث آخر: "إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: أنت ظالم، فقد تودع منهم".
وقام أبو بكر رضي الله عنه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس،
إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروا أوشك أن يعمهم الله بعذاب".
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله شراركم على خياركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم".
٢ - فصل في أركانه وشروطه ودرجاته وآدابه ونحو ذلك
اعلم: أن أركان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أربعة:
أحدها: أن يكون المنكر مكلفا مسلما قادرا، وهذا شرط لوجوب الإنكار.
فإن الصبي المميز، له إنكار المنكر، ويثاب على ذلك، لكن لا يجب عليه.
وأما عدالة المنكر، فاعتبرها قوم وقالوا: ليس للفساق أن يحتسب، وإنما استدلوا بقوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ [البقرة: ٤٤] وليس لهم في ذلك حجة.
واشترط قوم كون المنكر مأذونا فيه من جهة الإمام أو الوالي، ولم يجيزوا لآحاد الرعية الحسبة، وهذا فاسد، لأن الآيات والأخبار عامة تدل على أن كل من رأى منكرا فسكت عنه عصى، فالتخصيص بإذن الإمام تحكم.
ومن العجب أن الروافض زادوا على هذا فقالوا: لا يجوز الأمر بالمعروف ما لم يخرج الإمام المعصوم، وهؤلاء أخس رتبة من أن يتكلموا، لكن جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القاضي طالبين حقوقهم: نصرتكم أمر بالمعروف، واستخراج حقوقكم من يد من ظلمكم نهى عن المنكر، ولم يجئ زمان ذلك لأن الإمام لم يخرج بعد.
فإن قيل: بى الأمر بالمعروف إثبات سلطنة وولاية على المحكوم عليه، ولذلك لم يثبت للكافر على المسلم، مع كونه حقا، فينبغي أن لا يثبت لآحاد الرعية إلا بتفويض من السلطان.
قلنا: أما الكافر فممنوع من ذلك لما فيه من السلطة والعز، وأما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين والمعرفة.
واعلم أن الحسبة لها خمس مراتب:
١ـ التعريف:
٢ـ والوعظ بالكلام اللطيف.
الثالثة: السب والتعنيف، ولسنا نعنى بالسب الفاحشة، بل نقول له: يا جاهل يا أحمق، ألا تخاف من الله تعالى! ونحو ذلك.
والرابعة: المنع بالقهر، ككسر الملاهي وإراقة الخمر.
والخامسة: التخويف والتهديد بالضرب، أو مباشرة الضرب له حتى يمتنع عما هو عليه، فهذه المرتبة تحتاج إلى الإمام دون ما قبلها، لأنه ربما جر إلى فتنة.
واستمرار عادات السلف على الحسبة للولد على الوالد، والعبد على السيد، والزوجة على الزوج، والرعية على الوالي؟.
قلنا: أصل الولاية ثابت للكل، وقد رتبنا للحسبة خمس مراتب.
فللولد من ذلك الحسبة بالتعريف، ثم بالوعظ والنصح باللطف.
وله من الرتبة الخامسة: أن يكسر العود، ويريق الخمر، ونحو ذلك، وهذا الترتيب ينبغي أن يجرى في العبد والزوجة.
وأما الرعية مع السلطان، فالأمر فيه أشد من الولد، فليس معه إلا التعريف والنصح.
ويشترط كون المنكر قادرا على الإنكار، فأما العاجز، فليس عليه إنكار إلا بقلبه، ولا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي، بل يلتحق به خوف مكروه يناله، فذلك في معنى العجز.
وكذلك إذا علم أن إنكاره لا ينفع، فيقسم إلى أربعة أحوال:
أحدها: أن يعلم أن المنكر يزول بقوله أو فعله من غير مكروه يلحقه، فيجب عليه الإنكار
الحالة الثانية: أن يعلم أن كلامه لا ينفع وأنه إن تكلم ضرب، فيرتفع الوجوب عنه.
الحالة الثالثة: أن يعلم إن إنكاره لا يفيد، لكنه لا يخاف مكروها، فلا يجب عليه الأمر لعدم الفائدة، لكن يستحب لإظهار شعائر الإسلام والتذكير بالدين.
الحالة الرابعة: أن يعلم أنه يصاب بمكروه، ولكن يبطل المنكر بفعله، مثل أن يكسر العود، ويريق الخمر، ويعلم أنه يضرب عقيب ذلك، فيرتفع الوجوب عنه، ويبقى مستحبا لقوله في الحديث: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
ولا خلاف أنه يجوز للمسلم الواحد أن يهجم على صفوف الكفار ويقاتل، وإن علم أنه يقتل، لكن إن علم أنه لا نكاية له في الكفار، كالأعمى يطرح نفسه على الصف، حرم ذلك، وكذلك لو رأى فاسقا وحده وعنده قدح خمر وبيده سيف، وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب الخمر لضرب عنقه، لم يجز له الإقدام على ذلك، لأن هذا لا يؤثر في الدين أثرا يفديه بنفسه، وإنما يستحب له الإنكار إذا قدر على إبطال المنكر، وظهر لفعله فائدة، كمن يحمل في صف الكفار ونحوه.
وإن علم المنكر أنه يضرب معه غيره من أصحابه، لم تجزله الحسبة، لأنه عجز عن دفع المنكر إلا بإفضائه إلى منكر آخر، ليس ذلك من القدرة في شىء.
ولسنا نعنى بالعلم في هذه المواضيع إلا غلبة الظن، فمن غلب على ظنه أنه يصيبه مكروه، لم يجب عليه الإنكار، وإن غلب على ظنه أنه لا يصيبه وجب، ولا اعتبار بحالة الجبان، ولا الشجاع المتهور، بل الاعتبار بالمعتدل الطبع، السليم المزاج.
ونعنى بالمكروه: الضرب أو القتل، وكذلك نهب المال، والإشهار في البلد مع تسويد الوجه، فأما السب والشتم، فليس بعذر في السكوت، لأن الآمر بالمعروف يلقى ذلك في الغالب.
الركن الثاني: أن يكون ما فيه الحسبة منكرا موجودا في الحال ظاهرا، فمعنى كونه منكرا أن يكون محذور الوقوع في الشرع، والمنكر أعم من المعصية، إذ من رأى صبيا أو مجنونا يزنى بمجنونة أو بهيمة، فعليه أن يمنعه.
وقولنا: موجودا في الحال، احتراز ممن شرب الخمر وفرغ من شربها، ونحو
ذلك، فإن ذلك ليس إلى الآحاد، وفيه أيضا احتراز عما سيوجد في ثاني الحال، كمن يعلم بقرينه حاله أنه عازم على الشرب الليلة، فلا حسبة عليه إلا بالوعظ.
وقولنا: ظاهرا، احتراز ممن تستر بالمعصية في داره وأغلق بابه، فإنه لا يجوز أن يتجسس عليه، إلا أن يظهر ما يعرفه من هو خارج الدار، كأصوات المزامير والعيدان، فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي، فإن فاحت رائحة الخمر، فالأظهر جواز الإنكار.
ويشترط في إنكار المنكر أن يكون معلوما كونه منكرا بغير اجتهاد، فكل ما هو في محل الاجتهاد، فلا حسبة فيه، فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله متروك التسمية، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه يسير النبيذ الذي ليس بمسكر.
الركن الثالث: في المنكر عليه، ويكفى في صفته أن يكون إنسانا، ولا يشترط كونه مكلفا كما بينا قبله من أنه ينكر على الصبي والمجنون.
الركن الرابع: نفس الاحتساب، وله درجات وآداب.
الدرجة الأولى: أن يعرف المنكر، فلا ينبغي له أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع صوت الأوتار، ولا يتعرض للشم ليدرك رائحة الخمر، ولا أن يمس ما قد ستر بثوب ليعرف شكل المزمار، ولا أن يستخبر جيرانه بما يجرى، بل لو أخبره عدلان ابتداء أن فلانا يشرب الخمر، فله إذ ذاك أن يدخل وينكر.
الدرجة الثانية: التعريف، فإن الجاهل يقدم على الشيء لا يظنه منكرا، فإذا عرف أقلع عنه، فيجب تعريفه باللطف، فيقال له: إن الإنسان لا يولد عالما، ولقد كنا جاهلين بأمور الشرع حتى علمنا العلماء، فلعل قريتك خالية من أهل العلم.
فكهذا يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء.
ومن اجتنب محذور السكوت عن المنكر، واستبدل عنه محذور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه، فقد غسل الدم بالبول.
الدرجة الثالثة: النهى بالوعظ والنصح والتخويف بالله، ويورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد، ويحكي له سيرة السلف، ويكون ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب، وها هنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها، وهو أن العالم يرى عند التعريف عز نفسه بالعلم، وذل غيره بالجهل.
ومثال ذلك مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه، وهو غاية الجهل، ومذلة عظيمة، وغرور من الشيطان، ولذلك محك ومعيار، فينبغي أن يمتحن به المحتسب نفسه، أو باحتساب غيره عليه، أحب إليه من امتناعه باحتسابه، فإن كانت الحسبة شاقة عليه، ثقيلة على نفسه، وهو يود أن يكفى بغيره، فليحتسب، فإن باعثه هو الدين، وإن كان الأمر بالعكس، فهو متبع هوى نفسه، متوسل إلى إظهار جاهه بواسطة انكاره، فليتق الله وليحتسب أولا على نفسه.
وقيل لداود الطائي: أرأيت رجلا دخل على هؤلاء الأمراء فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر؟ قال: أخاف عليه السوط.
قيل: هو يقوى على ذلك، قال أخاف عليه السيف، قيل: هو يقوى على ذلك، قال أخاف عليه الداء الدفين: العجب.
الدرجة الرابعة: السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن، وإنما يعدل إلى هذا عند العجز عن المنع باللطف، وظهور مبادئ الإصرار، والاستهزاء بالوعظ والنصح، ولسنا نعنى بالسب: الفحش والكذب، بل نقول له: يا فاسق، يا أحمق، يا جاهل، ألا تخاف الله، قال الله تعالى حاكية عن إبراهيم عليه السلام: ﴿أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون﴾ [الأنبياء: ٦٧].
الدرجة الخامسة: التغيير باليد، ككسر الملاهى، وإراقة الخمر، وإخراجه من الدار المغصوبة، وفي الدرجة أدبان:
أحدهما: أن لا يباشر التغيير ما لم يعجز عن تكليف المنكر علي ذلك، فإذا أمكنه أن يكلفه الخروج عن الأرض المغصوبة، فلا ينبغي أن يجره ولا يدفعه.
والثاني: أن يكسر الملاهي كسرا يبطل صلاحيتها للفساد، ولا يزيد على ذلك ويتوقى في إراقة الخمور كسر الأواني إن وجد إليه سبيلا، وإن لم يقدر إلا بأن يرمى ظروفها بحجر أو نحوه، فله ذلك، وتسقط قيمة الظرف، ولو ستر الخمر بيديه، فإنه يقصد بيديه بالضرب ليتوصل إلى إراقة الخمر، ولو كانت الخمر في قوارير ضيقة الرؤوس، بحيث أنه إذا اشتغل بإراقتها طال الزمان وأدركه الفساق فمنعوه، فله كسرها، لأن هذا عذر وكذلك إن كان يضيع الزمان في صبها، وتتعطل أشغاله، فله كسرها ولو لم يحذر من الفساق.
فإن قيل: فهلا يجوز الكسر زجرا، وكذلك الجر بالرجل في الإخراج من الدار المغصوبة زجرا؟
قلنا: إنما يجوز مثل ذلك للولاة، ولا يجوز لآحاد الرعية، لخفاء وجه الاجتهاد فيه.
الدرجة السادسة: التهديد والتخويفكقوله: دع عنك هذا وإلا فعلت بك كذا وكذا، وينبغى أن يقدم هذا على تحقيق الضرب إذا أمكن تقديمه.
والأدب في هذه الرتبة أن لا يهدد بوعيد لا يجوز تحقيقه، كقوله: لأنهبن دارك، ولأسبين زوجتك، لأنه إن قال ذلك عن عزم، فهو حرام، وإن قاله عن غير عزم، فهو كذب.
الدرجة السابعة: مباشرة الضرب باليد والرجلوغير ذلك مما ليس فيه إشهار سلاح، وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة، فإذا اندفع المنكر فينبغي أن يكف.
الدرجة الثامنة: أن لا يقدر على الإنكار بنفسه ويحتاج إلى أعوان يشهرون السلاح، فإنه ربما يستمد الفاسق أيضا بأعوانه ويؤدى إلى القتال، فالصحيح أن ذلك يحتاج إلى إذن الإمام، لأنه يؤدى إلى الفتن وهيجان الفساد.
وقيل: لا يشترط في ذلك إذن الإمام.
٤ - فصل [في صفات المحتسب]
(١)
وقد ذكرنا آداب المحتسب مفصلة، وجملتها ثلاث صفات في المحتسب.
العلم بمواقع الحسبة وحدودها ومواقعها، ليقتصر على حد الشرع.
والثاني: الورع، فانه قد يعلم شيئا ولا يعمل به لغرض من الأغراض.
والثالث: حسن الخلق، وهو أصل ليتمكن من الكف، فإن الغضب إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع في قمعه ما لم يكن في الطبع خلق حسن.
قال بعض السلف: لا يأمر بالمعروف إلا رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به، فقيه فيما ينهى عنه.
(١) انظر "الحسبة في الإسلام" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من منشورات مكتبة دار البيان بدمشق.
ومن الآداب: تقليل العلائق، وقطع الطمع عن الخلق لتزول المداهنة، فقد حكى عن بعض السلف أنه كان له سنور، وكان يأخذ لسنوره في كل يوم من قصاب في جواره شيئا من الغدد.
فرأى على القصاب منكرا، فدخل الدار فأخرج السنور، ثم جاءه فأنكر على القصاب، فقال: لا أعطيك بعد هذا شيئا لسنورك، فقال: ما أنكرت عليك إلا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك، وهذا صحيح، فإن لم يقطع الطمع من الناس من شيئين لم يقدر على الإنكار عليهم.
أحدهما: من لطف ينالونه به.
والثاني: من رضاهم عنه وثنائهم عليه.
وأما الرفق في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فمتعين، قال الله تعالى: ﴿فقولا له قولا لينا﴾ [طه: ٤٤].
وروى أن أبا الدرداء رضي الله عنه مر على رجل قد أصاب ذنبا والناس يسبونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافكم، فقالوا: أفلا تبغضه؟ فقال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه، فهو أخي.
ومر فتى يجر ثوبه، فهم أصحاب صلة بن أشيم أن يأخذوه بألسنتهم أخذا شديدا، فقال صلة: دعوني أكفكم أمره، ثم قال: يا ابن أخي، إن لى إليك حاجة.
قال ما هي؟ قال: أحب أن ترفع إزارك، قال نعم ونعمى عين (١)، فرفع إزاره، فقال صلة، لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم، فإنكم لو شتمتموه وآذيتموه لشتمكم.
ودعي الحسن إلى عرس، فجئ بجام من فضة فيه خبيص، فتناوله وقلبه على رغيف، فأصاب منه، فقال رجل: هذا نهى في سكون.
...
(١) أي قرة عين، يعني: أقر عينك بطاعتك واتباع أمرك.
باب المنكرات المألوفة في العادات وفى الإنكار على الأمراء والسلاطين، وأمرهم بالمعروف
ولنذكر في ذلك فصلين:
الفصل الأول:
اعلم: أن المنكرات المألوفة في العادات لا يمكن حصرها، لكنا نشير إلى جمل يستدل بها على أمثالها، فمن ذلك:
منكرات المساجد:
مما يشاهد كثيرا في المساجد إساءة الصلاة بترك الطمأنينة في الركوع والسجود وكذلك كل ما يقدح في صحة الصلاة، من نجاسة على ثوب المصلى لايراها، أو انحراف عن القبلة بسبب عمى أو ظلام.
ومن ذلك اللحن في القراءة.
واشتغال المعتكف بإنكار هذه الأشياء وتعريفها أفضل له من نافلة يقتصر عليها.
ومن ذلك: تراسيل (١) المؤذنين وتطويلهم مد كلماته.
ومن ذلك: أن يكون على الخطيب ثوب حرير، أو بيده سيف مذهب.
ومن ذلك: ما يجرى من القصاص في المساجد من الكذب، والأشياء المنهى عنها، كالخوض في الكلام الموجب للفتن، ونحو ذلك.
ومن ذلك أن يكون الرجال مختلطين بالنساء، فينبغى إنكار ذلك عليهم.
ومنها: الحلق يوم الجمعة لبيع الأدوية والأطعمة، والتعويذات، وقيام السؤال، وإنشادهم الأشعار، ونحو ذلك.
فهذه منها ما هو حرام، ومنها ما هو مكروه.
منكرات الأسواق:
ومن ذلك: الكذب في المرابحة: وإخفاء العيب، فمن قال: اشتريت هذه السلعة بعشرة، ورابح درها، وكان كاذبا، فهو فاسق.
(١) أي: إطالة ومط.
ويجب على من عرف ذلك أن يخبر المشترى بكذبه، فإن سكت مراعاة للبائع، كان شريكا له في الخيانة.
وكذلك إذا علم العيب، لزمه أن يبينه للمشترى، وكذلك التفاوت في الميزان والذراع، يجب على كل من عرفه تغييره، إما بنفسه، أو برفعه إلى الوالى حتى يغيره.
ومنها: الشروط الفاسدة، واستعمال الربا، وبيع الملاهى، والصور المجسمة، ونحو ذلك.
منكرات الشوراع:
ومن ذلك بناء دكان متصلة بالأبنية المملوكة، وإخراج الأجنحة، وغرس الأشجار إذا كان ذلك يؤدى إلى تضييق الطريق والإضرار بالمارة، فأما وضع الحطب والطعام في الطريق بمقدار ما ينقل إلى البيوت فجائز، فإن ذلك يشترك الكافة في الحاجة إليه.
ومن المنكرات: ربط الدواب على الطريق بحيث تضيق وتؤذى الناس، فيجب المنع من ذلك، إلا إذا كان بمقدار الحاجة للنزول والركوب.
ومن ذلك: تحميل الدواب من الأحمال ما لا تطيق، وكذلك طرح الكناسة على جواد الطريق، وتبديد قشور البطيخ، أو رش الماء بحيث يخشى منه الزلق، والماء الذي يجتمع في ميزاب معين.
فأما إن كان من المطر، فذلك على الولاة، وليس للآحاد في ذلك إلا الوعظ.
منكرات الحمامات:
من ذلك: صور الحيوانات على باب الحمام أو داخله، ويكفى في زوال ذلك أن تشوه وجوه الصور، بحيث يبطل تصويرها.
ومن لم يقدر على الإنكار، لم يجزله الدخول إلا لضرورة، وليعدل إلى حمام آخر.
ومن ذلك: كشف العورات، والنظر إليها، وكشف المدلك عن الفخذ، وما تحت السرة، لتنحيه الوسخ أو مس العورة.
ومنها: غمس اليد والأواني النجسة في المياه القليلة، فإن فعل ذلك مالكى، لم ينكر عليه، بل يتلطف به، ويقول له: يمكنك أن لا تؤذينى بتفويت الطهارة علي.
منكرات الضيافة:
من ذلك: فرش الحرير للرجال، والبخور في مجمررة فضة أو ذهب، والشرب فيهما، استعمال ماء الورد منهما، وكذلك تعليق الستور وفيها الصور، وسماع القينات والأوتار، واطلاع النساء على الشباب الذين تخاف فتنتهم، فكل ذلك منكر يجب تغييره، ومن عجز عن تغييره لزمه الخروج.
وأما الصور على النمارق والبسط، فليس بمنكر، وكذلك الفرش والحرير، والذهب للنساء، فانه جائز، ولا رخصة في تثقيب آذان الصبية لأجل تعليق حلق الذهب، فإن ذلك جرح مؤلم لا يجوز، وفى المخانق والأسورة كفاية عن ذلك والاستئجار على ذلك غير صحيح، والأجرة المأخوذة عليه حرام.
ومن ذلك أن يكون في الضيافة مبتدع يتكلم في بدعته، فلا يجوز الحضور معه إلا لمن يقدر على الرد عليه، وإن لم يتكلم المبتدع جاز الحضور مع إظهار الكراهة له والإعراض عنه، وإن كان هناك مضحك بالفحش والكذب، لم يجز الحضور، ويجب الإنكار، فإن كان مزحا لا كذب فيه ولا فحش، أبيح ما لم يقل من ذلك، فأما اتخاذه صناعة وعادة فيمنع منه.
المنكرات العامة:
من تيقن أن في السوق منكرا يجرى على الدوام، أو في وقت معين وهو قادر على تغييره، لم يجز له أن يسقط ذلك عنه بالقعود في بيته، بل يلزمه الخروج، فإن قدر على تغيير البعض لزمه.
وحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه، فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات، ثم يعلم ذلك أهله وأقاربه، ثم يتعدى إلي جيرانه وأهل محلته، ثم إلي أهل بلده، ثم إلي السواد كذلك إلي أقصى العالم، فإن قام بذلك الأقرب، سقط عن الأبعد، وإلا خرج به كل قادر عليه.
الفصل الثاني: في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر
.
وقد ذكرنا درجات الأمر بالمعروف، والجائز من ذلك مع السلاطين القسمان الأولان وهما: التعريف والوعظ، فأما تخشين القول، نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف
الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرها إلى الغير، لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه، فهو جائز عند جمهور العلماء، والذى أراه المنع من ذلك، لأن المقصود إزالة المنكر، وحمل السلطان بالانبساط عليه على فعل المنكر أكبر من المنكر الذي قصد إزالته، وذلك أن أقرب السلاطين التعظيم، فان سمعو من آحاد الرعية: يا ظالم، يا فاسق، رأوا غاية الذل، لم يصبروا على ذلك.
قال الإمام أحمد رحمه الله: لا تتعرضن بالسلطان، فان سيفه مسلول، فأما ما جرى من السلف من التعرض لأمرائهم، فانهم كانوا يهابون العلماء، فإذا انبسطوا عليهم احتملوهم في الأغلب.
وقد جمعت مواعظ السلف للخلفاء والأمراء في كتاب " المصباح المضئ " وأنا أنتخب منه ها هنا حكايات.
قال سعيد بن عامر لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنى موصيك بكلمات من جوامع الآلام ومعالمه: اخش الله في الناس، ولا تخش الناس في الله، ولا يخالف قولك فعلك، فإن خير القول ما صدقه الفعل، وأحب لقريب المسلمين وبعيدهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، وخض الغمرات إلى الحق حيث علمته، ولا تخف في الله لومة لائم.
قال: ومن يستطع ذلك يا أبا سعيد؟ قال: من ركب في عنقه مثل الذي ركب في عنقك.
...
وقال قتادة: خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المسجد ومعه الجارود، فإذا امرأة برزة على الطريق، فسلم عليها، فردت عليه، أو سلمت عليه، فرد عليها، فقال: هيه يا عمر، عهدتك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ تصارع الصبيان، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الموت خشى الفوت، فبكى عمر رضي الله عنه، فقال الجارود: هيه، لقد تجرأت على أمير المؤمنين وأبكيتيه.
فقال عمر: دعها، أما تعرف هذه؟ هى خولة بن حكيم التى سمع الله قولها من فوق سماواته، فعمر والله أحرى أن يسمع كلامها.
...
ودخل شيخ من الأزد على معاوية، فقال: اتق الله يا معاوية، واعلم أنك كل يوم
يخرج عنك، وفى كل ليلة تأتى عليك لا تزداد من الدنيا إلا بعدا، ومن الآخرة إلا قربا، وعلى إثرك طالب لا تفوته، وقد نصب لك علم لا تجوزه، فما أسرع ما تبلغ العلم، وما أوشك أن لحقك الطالب، وإنا وما نحن فيه وأنت زائل، والذى نحن صائرون إليه باق، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
...
ودخل سليمان بن عبد الملك المدينة، فأقام بها ثلاثا، فقال: ما هاهنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدثنا؟
فقيل له: ها هنا رجل يقال له أبو حازم، فبعث إليه فجاء.
فقال سليمان: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: وأى جفاء رأيت منى؟ فقال له: أتاني وجوه المدينة كلهم ولم تأتنى؟! فقال: ما جرى بينى وبينك معرفة آتيك عليها.
قال صدق الشيخ.
يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلو من العمران إلى الخراب.
قال: صدقت يا أبا حازم، فكيف القدوم على الله تعالى؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله فرحا مسرورا، وأما المسئ فكالآبق يقدم على مولاه خائفا محزونا.
فبكى سليمان وقال: ليت شعرى، ما لنا عند الله يا أبا حازم، فقال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله؟ قال: عند قوله ﴿إن الأبرار لفي نعيم (١٣) وإن الفجار لفي جحيم (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]. قال: يا أبا حازم، فأين رحمة الله؟ قال: ﴿قريب من المحسنين﴾ [الأعراف: ٥٦] قال: يا أبا حازم، من أعقل الناس؟ قال: من تعلم الحكمة وعلمها الناس.
قال: فمن أحمق الناس؟ قال: من حط نفسه في هوى رجل وهو ظالم، فباع أخرته بدنيا غيره.
قال: يا أبا حازم فما أسمع الدعاء؟ قال: دعاء المخبتين.
قال: فما أزكى الصدقة؟ قال: جهد المقل.
قال يا أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أعفني من هذا.
قال سليمان نصيحة تلقيها.
قال أبو حازم: إن ناسا أخذوا هذا الأمر عنوة من غير مشاورة المسلمين، ولا إجماع عن رأيهم، فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا، ثم ارتحلوا عنه، فليت شعرى، ما قالوا؟ وما قيل لهم؟ فقال بعض جلسائهم؟ بئس ما قلت يا
شيخ، فقال أبو حازم: كذبت، إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه.
قال سليمان: يا أبا حازم، أصبحنا تصيب منا ونصيب منك.
قال: أعود بالله من ذلك.
قال: ولم؟ قال: أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلا، فيذيقنى ضعف الحياة، وضعف الممات.
قال.
فأشر على، قال: اتق الله أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك.
قال: يا أبا حازم، ادع لنا بخير.
فقال: اللهم إن كان سليمان وليك فيسره للخير، وإن كان غير ذلك، فخذ إلى الخير بناصيته، فقال: يا غلام، هات مائة دينار ثم قال: خذ يا أبا حازم.
قال لا حاجة لى به، لى ولغيرى في هذا المال أسوة، فإن واسيت بيننا وإلا فلا حاجة لى فيها، إنى أخاف أن يكون لما سمعت من كلامى.
فكأن سليمان أعجب بأبى حازم، فقال الزهرى: إنه لجارى منذ ثلاثين سنة، ما كلمته قط، فقال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتنى.
قال الزهرى: أتشتمنى؟ قال سليمان: بل أنت شتمت نفسك، أما علمت أن للجار على الجار حقا؟ قال أبو حازم: إن بنى إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء، وكانت العلماء تفر بدينها منهم، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا العلم، وأتوا به الأمراء، واجتمع القوم على المعصية، فسقطوا وانتكسوا، ولو كان العلماء يصونون دينهم وعلمهم، لم تزل الأمراء تهابهم.
قال الزهرى: كأنك إياى تريد وبى تعرض؟ قال: هو ما تسمع.
...
وحكى أن أعرابيا دخل على سليمان بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، إنى مكلمك بكلام فاحتمله وإن كرهته، فإن وراءه ما تحب إن قبلته.
قال: قل، قال: يا أمير المؤمنين، إنه قد أكتنفك رجال ابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوه فيك، خربوا الآخرة وعمروا الدنيا، فهم حرب للآخرة، سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فانهم لم يألو الأمانة تضييعا والأمة خسفا، وأنت مسؤول عما اجترحوا، وليسوا بمسؤولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فان أعظم الناس غبنا بائع آخرته بدنيا غيره.
فقال سليمان: أما أنت فقد سللت لسانك، وهو أقطع من سيفك.
فقال: أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك.
قال: فهل من حاجة في ذات نفسك؟ قال: أما خاصة دون عامة فلا، ثم قام
فخرج.
فقال سليمان: لله دره ما أشرف أصله، وأجمع قلبه، وأذرب لسانه، وأصدق نيته، وأروع نفسه، هكذا فليكن الشرف والعقل.
...
وقيل: قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لأبى حازم: عظنى.
فقال: اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فخذ فيه الآن، وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن.
...
وقال محمد بن كعب لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، إنما الدنيا سوق من الأسواق، منها خرج الناس بما يضرهم وما ينفعهم، وكم من قوم غرهم منها مثل الذي أصبحنا فيه، حتى أتاهم الموت فاستوعبهم فخرجوا منها ملومين لم يأخذوا منها لما أحبوا من الآخرة عدة، ولا لما كرهوا منها جنة، اقتسم ما جمعوا من لم يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم فنحن محققون يا أمير المؤمنين أن ننظر إلى تلك الأعمال التى نغبطهم بها فنخلفهم فيها، وإلى الأعمال التى نتخوف عليهم فيها فنكف عنها، فاتق الله، وافتح الأبواب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، ورد الظالم.
ثلاث من كن فيه استكمل الأيمان بالله عز وجل: إذا رضى لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له.
...
ودخل عطاء بن أبى رباح على هشام، فرحب به وقال: ما حاجتك يا أبا محمد؟ وكان عنده أشراف الناس يتحدثون، فسكتوا، فذكره عطاء بأرزاق أهل الحرمين وعطياتهم.
فقال: نعم يا غلام اكتب لأهل المدينة وأهل مكة بعطاء أرزاقهم، ثم قال: يا أبا محمد هل من حاجة غيرها؟ فقال: نعم فذكره بأهل الحجاز، وأهل نجد، وأهل الثغور، ففعل مثل ذلك، حتى ذكره بأهل الذمة أن لا يكلفوا مالا يطيقون، فأجابه إلى ذلك، ثم قال له في آخر ذلك: هل من حاجة غيرها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، اتق الله في نفسك، فإنك خلقت وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، لا والله ما معك ممن ترى أحد.
قال: فأكب هشام يبكى، وقام عطاء.
فلما كان عند الباب إذا رجل قد تبعه بكيس
ما تدرى ما فيه، أدراهم أم دنانير؟ وقال: إن أمير المؤمنين قد أمر لك بهذا، فقال: ﴿ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين﴾ ثم خرج ولا والله ما شرب عندهم حسوة ماء فما فوقها.
...
وعن محمد بن على قال: إنى لحاضر مجلس المنصور، وفيه ابن أبى ذئب، وكان والى المدينة والحسن بن زيد، فأتى الغفاريون فشكوا إلى أبى جعفر المنصور شيئا من أمر الحسن بن زيد، فقال الحسن: يا أمير المؤمنين، سل عنهم ابن أبى ذئب.
قال: فسأله عنهم، فقال: أشهد أنهم أهل الحطم في أعراض الناس.
فقال أبو جعفر: قد سمعتم؟ فقال الغفاريون: يا أمير المؤمنين، فسله عن الحسن بن زيد.
فسأله، فقال: أشهد أنه يحكم بغير الحق.
فقال: قد سمعت يا حسن.
قال يا أمير المؤمنين، سله عن نفسك.
فقال: ما تقول في؟ قال: أو يعفينى أمير المؤمنين؟ فقال والله لتخبرنى.
فقال أشهد أنك أخذت هذا المال من غير حقه، وجعلته في غير أهله.
فوضع يده في قفا ابن أبى ذئب، وجعل يقول له: أما والله ولا أنا لأخذت أبناء فارس والروم والدليم والترك بهذا المكان منك.
فقال ابن أبى ذئب: قد ولى أبو بكر وعمر فأخذا بالحق وقسما بالسوية، وأخذا بأقفاء فارس والروم، فخلاه أبو جعفر، وقال: والله لولا أنى أعلم أنك صادق لقتلتك، فقال: والله يا أمير المؤمنين إنى أنصح لك من ابنك المهدي.
...
وعن الأوزاعي رحمه الله قال: بعث إلى المنصور وأنا بالساحل فأتيته، فلما وصلت إليه وسلمت عليه استجلسنى، ثم قال: ما الذي أبطأ بك يا أوزاعي؟
قلت: وما الذي تريد يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم.
قلت: فانظر يا أمير المؤمنين أن تسمع شيئا ثم لا تعمل به، فصاح بى الربيع وأهوى بيده إلى السيف، فانتهزه المنصور وقال: هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة، فطابت نفسى وانبسطت في الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين، حدثنى مكحول عن عطية بن بشر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أيما وال مات غاشا
لرعيته حرم الله عليه الجنة".
يا أمير المؤمنين، كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم، أحمرهم، وأسودهم ومسلمهم، وكافرهم، وكل له عليك نصيب من العدل، فكيف بك إذا انبعث منهم فئام وراء فئام (١)، ليس منهم أحد إلا هو يشكو بلية أدخلتها عليه، أو ظلامة سقتها إليه.
يا أمير المؤمنين، حدثنى مكحول عن زياد بن حارثة عن حبيب بن سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا إلى القصاص نفسه في خدش خدشه أعرابيا لم يتعمده، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، إن الله تعالى لم يبعثك جبارا ولا متكبرا، فدعا؟ الأعرابي، فقال: "اقتص مني"، فقال الأعرابي: قد أحللتك، بأبي أنت وأمى، وما كنت لأفعل ذلك أبدا، ولو أتيت على نفسى.
فدعا له بخير.
يا أمير المؤمنين، رض نفسك لنفسك، وخذ لها الأمان من ربك.
يا أمير المؤمنين، إن الملك لو بقى لمن قبلك لم يصل إليك، وكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك.
يا أمير المؤمنين، جاء في تأويل هذه الآية عن جدك ﴿مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ [الكهف: ٤٩]، قال الصغيرة: التبسم، والكبيرة الضحك، فكيف بما عملته الأيدى، وحصدته الألسن.
يا أمير المؤمنين، بلغنى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة، لخشيت أن أسأل عنها، فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك؟
يا أمير المؤمنين، جاء في تأويل هذه الآية عن جدك: ﴿يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى﴾ [ص: ٢٦] قال: إذا قعد الخصمان بين يديك، وكان لك في أحدهما هوى، فلا تتمنين في نفسك أن يكون الحق له فيفلج على صاحبه، فأمحوك من نبوتى، ثم لا تكون خليفتى، يا داود: إنما جعلت رسلى إلي عبادى رعاء كرعاء الإبل لعلمهم بالرعاية، ورفقهم بالسياسة،
(١) الفئام: الجماعة الكثيرة من الناس، وتقول: بنو فلان فئام إلا أنهم لئام.
ليجبروا الكسر، ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء.
يا أمير المؤمنين، إنك قد بليت بأمر لو عرض على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه.
يا أمير المؤمنين: حدثني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الأنصاري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل رجلا من الأنصار على الصدقة: فرآه بعد أيام مقيما، فقال له: ما منعك من الخروج إلى عملك؟ أما علمت أن لك مثل أجر المجاهدين في سبيل الله؟ قال: لا.
قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما من وال يلي شيئا من أمور الناس، إلا أتى يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه، يوقف على جسر جهنم، ينتفض به ذلك الجسر انتفاضة تزيل كل عضو منه عن موضعه، ثم يعاد فيحاسب، فإن كان محسنا نجا بإحسانه، وإن كان مسيئا انخرق به ذلك الجسر فهوى به في النار سبعين خريفا".
فقال له: ممن سمعت هذا؟ فقال: من أبي ذر وسلمان رضي الله عنهما، فأرسل إليهما عمر فسألهما، فقالا: نعم، سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال عمر: واعمراه من يتولاها (١) بما فيها؟ فقال أبو ذر رضي الله عنه: من سلت (٢) الله أنفه، وألصق خده بالأرض، فأخذ المنديل -يعني المنصور- فوضعه على وجهه ثم بكى وانتحب حتى أبكاني.
ثم قلت: يا أمير المؤمنين، قد سأل جدك العباس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمارة على مكة والطائف أو اليمن، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يا عم نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها" (٣) نصيحة منه لعمه وشفقة منه عليه، وأخبره أنه لا يغنى عنه من الله شيئا إذا أوحى إليه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] فقال: يا عباس، ويا صفية، ويا فاطمة، إنى لست أغنى عنكم من الله شيئا، لى عملى ولكم عملكم، وقد قال عمر بن الخطاب: لا يقيم أمر الناس إلا حصيف العقل، لا تأخذه في الله لومة لائم، وذكر تمام كلامه للمنصور، ثم قال: فهى نصيحة، والسلام عليك.
ثم نهض فقال: إلى أين؟ فقال: إلى الوطن بأذن أمير المؤمنين.
فقال: أذنت
(١) أي الأمارة والولاية بسبب ما فيها من الخطر.
(٢) سلت أنفه.
أجدعه.
(٣) انظر كتاب التوابين صفحة (١٦٧) بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط من منشورات دار البيان بدمشق.
لك، وشكرت لك نصيحتك، وقبلتها بقبولها، والله الموفق للخير، والمعين عليه، وبه أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبى ونعم الوكيل، فلا تخلنى من مطالعتك إياى بمثلها، فإنك المقبول القول غير المتهم في النصيحة.
قلت: أفعل إن شاء الله.
فأمر له بمال يستعين به على خروجه، فلم يقبله، وقال: أنا في غنى عنه، وما كنت لأبيع نصيحتى بعرض الدنيا كلها، وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه في رده.
...
ولما حج الرشيد قيل له: يا أمير المؤمنين، قد حج شيبان.
قال: اطلبوه لى، فأتوه به، فقال: يا شيبان، عظنى، قال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل ألكن، لا أفصح بالعربية، فجئنى بمن يفهم كلامى حتى أكلمه.
فأتى برجل يفهم كلامه، فقال له بالنبطية: قل له: يا أمير المؤمنين، إن الذي يخوفك قبل أن تبلغ المأمن، أنصح لك من الذي يؤمنك قبل أن تبلغ الخوف، قال له: أى شىء تفسير هذا؟ قال: قله: الذي يقول لك: اتق الله فإنك رجل مسؤول عن هذه الأمة، استرعاك الله عليها، وقلدك أمورها، وأنت مسؤول عنها، فاعدل في الرعية، واقسم بالسوية، وانفذ في السرية، واتق الله في نفسك، هذا الذي يخوفك، فإذا بلغت المأمن أمنت، هذا أنصح لك ممن يقول: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وأنتم قرابة نبيكم وفى شفاعته، فلا يزال يؤمنك حتى إذا بلغت الخوف عطبت، قال: فبكى هارون حتى رحمه من حوله، ثم قال: زدنى، قال: حسبك.
...
وعن علقمة بن أبى مرثد، قال: لما قدم عمر بن هبيرة العراق، أرسل إلى الحسن وإلى الشعبى، فأمر لهما ببيت، فكانا فيه نحوا من شهر، ثم دخل عليهما وجلس معظما لهما، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يكتب إلى كتبا، أعرف أن في إنقاذها الهلكة، فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله، فهل تريان في متابعتى إياه فرجا؟ فقال الحسن: يا أبا عمرو، أجب الأمير.
فتكلم الشعبى، فانحط في أمر ابن هبيرة، كأنه عذره، فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟ قال: أيها الأمير، فقد قال الشعبى ما قد سمعت.
فقال: ما تقول أنت؟ قال: أقول: يا عمر بن هبيرة، ويوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى فظ غليظ لا يعصى الله ما أمره، فيخرجك
من سعة قصرك إلى ضيق قبرك.
يا عمر بن هبيرة، إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك، ولن يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله تعالى.
يا عمر بن هبيرة، لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك، فيغلق به باب المغفرة دونك.
يا عمر بن هبيرة، لقد أدركت ناسا من صدر هذه الأمة، كانوا عن الدنيا وهى مقبلة عليهم أشد إدبارا من إقبالكم عليها وهى مدبرة عنكم.
يا عمر بن هبيرة، إنى أخوفك مقاما خوفكه الله تعالى فقال: ﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ [إبراهيم: ١٤].
يا عمر بن هبيرة، إن تك مع الله في طاعته، كفاك يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصى الله وكلك الله إليه.
فبكى عمر بن هبيرة وقام بعبرته.
فلما كان من الغد أرسل إليهما باذنهما وجوائزهما، وأكثر فيها للحسن، وكان في جائزة الشعبى بعض الإقتار، فخرج الشعبى إلى المسجد، فقال: أيها الناس، من استطاع منكم أن يؤثر الله تعالى على خلقه، فليفعل، فوالذى نفسى بيده، ما علم الحسن شيئا منه فجهلته، ولكنى أردت وجه ابن هبيرة، فأقصانى الله منه.
...
ودخل محمد بن واسع رحمه الله على بلال بن أبى بردة في يوم حار وبلال في حبشة، وعنده الثلج، فقال له: يا أبا عبد الله، كيف ترى بيتنا هذا؟ قال: إن بيتك لطيب، والجنة أطيب منه، وذكر النار يلهى عنه.
قال: ما تقول في القدر؟ قال: جيرانك أهل القبور، ففكر فيهم، فإن فيهم شغلا عن القدر.
قال: ادع الله لى.
قال: وما نصنع بدعائى؟ وعلى بابك كذا وكذا يقولون: إنك ظلمتهم، يرفع دعاؤهم قبل دعائى، لا تظلم، ولا تحتاج لدعائى.
...
فهذا مختصر من أخبار من وعظ الأمراء، فمن أراد الزيادة، فلينظر في "المصباح المضيء".
وهذه كانت سير العلماء وعاداتهم في الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وقلة مبالاتهم بسطوات السلاطين إيثارا لإقامة حق الله تعالى على تقاتهم (١)، إلا أن السلاطين كانوا يعرفون حق العلم وفضله فيصبرون على مضض مواعظ هؤلاء.
والذى أراه الآن الهرب من السلاطين، فهو الأولى، فإن قدر لقاء، أقتنع بلطف الموعظة حسب.
ولذلك سببان:
أحدهما: يتعلق بالواعظ، وهو سوء قصده وميله إلى الدنيا والرياء، فلا يخلص له وعظه.
والثانى: يتعلق بالموعوظ، فإن حب الدنيا قد شغل الأكثرين عن ذكر الآخرة، وتعظيمهم الدنيا أنساهم تعظيم العلماء، وليس لمؤمن أن يذل نفسه.
...
آخر كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وذكر المصنف قبل ذلك كتابا في السماع والوجد، فلنذكر شيئا منه ها هنا مختصرا.
فصل في حكم السماع
اعلم: أن السماع الذي نعنى به الغناء من أكبر ما تطرق به إبليس إلى فساد القلوب، وغر به خلقا لا يحصون من العلماء والزهاد، فضلا عن العوام، حتى ادعوا حضور القلب مع الله عند سماع الأغانى المطربة، وظنوا أن ما أوجبه السماع من طرب القلوب وانزعاجها، وجد يتعلق بالآخرة.
وإذا أردت أن تعرف الحق، فانظر في القرن الأول، هل فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا من ذلك أو أصحابه، ثم انظر إلى أقوال التابعين وتابعيهم، وفقهاء الأمة، كمالك، وأبى حنيفة، والشافعى، وأحمد رحمهم الله، فكل القوم ذموا الغناء، حتى قال مالك: إذا اشترى جارية، فوجدها مغنية، كان له ردها، وسئل عن الغناء، قال: إنما يفعله الفساق.
(١) كذا في الأصلين، ولعل الصواب: على أنفسهم أو حياتهم.
وسئل الإمام أحمد عن رجل مات وخلف ولدا وجارية مغنية، فاحتاج الصبي إلى بيعها، فقال: تباع على أنها ساذجة لا مغنية، فقيل له: إنها تساوى ثلاثين ألفا إذا كانت مغنية، وإذا بيعت ساذجة ربما ساوت عشرين دينارا، فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة.
وقد أطبق الفقهاء على الزجر عن الغناء.
ومن المتأخرين أبو الطيب الطبرى من كبار أصحاب الشافعى، وصنف كتابا، وبالغ في النهى عنه، وإنما تعلق بإباحته قوم مفتونون، قالوا: قد أجازه قوم من السلف.
وقد سمع أحمد بن حنبل قول قوال، فقال: لا بأس بهذا، فينبغى أن يتأمل الذي أفتى بجوازه ماهو، وليس إلا الأشعار الزهدية وما يشبهها، من غير ضرب بقضيب، أو آلة تطرب، ولا ضم إلى ذلك تصفيق ولا رقص.
وعلى هذا يحمل حديث عائشة في الجاريتين المغنيتين لما غنتا بما تقاولته الأنصار يوم بعاث فإن ذلك لا يطرب.
ومعلوم أنه لم يكن للأوائل ما أحدثه الأواخر من الدف والصنج والشبابة والشعر الرقيق، فإن هذه الأشياء تثير دفائن الهوى الكامنة في النفوس وتزعج، فيحسب الجاهل هذا الانزعاج معلقا بالأبخرة، وهيهات.
وليتهم قالوا: إن هذا مباح من اللهو فنستريح إليه، وإنما يظنونه قربة، ويسمون الطرب المخرج عن حد العقل وجدا، وربما أوجد الطرب مالا يحل، من تمزيق الثياب، والتخبط، وكل هذا بمعزل عن طريق السلف، وغير خاف أنه ضلال عن الجادة، فلا ينبغى للإنسان أن يغالط نفسه، وإنما الوجد الصحيح وجد القلب عند سماع القرآن والوعظ، فحينئذ يثور من الباطن خوف من الوعيد، وشوق من الوعد، وندم على التفريط، وجميع هذه الحركات الباطنة توجب سكون الظاهر، لا الجمز والتصفيق، ولم يضق علينا القرآن والوعظ وأشعار الزهد، حتى نحتاج في إحضار القلوب إلى باب الله تعالى أن نذكر سلمى وسعدى، ولا ننكر أنه قد يتفق في بعض تلك الأشعار ما يصح أن يوجد إشارة، إلا أن الأغلب منها إمالة القلوب إلى الهوى الدنيوى.
ومثل من أراد أن يأخذ منها للآخرة، كمثل من قال: أنا أنظر إلى الأمرد المستحسن لأتعجب من صنعة القادر، فإنه قد أخطأ الطريق، لأن ما تستلبه الشهوة والطبع عند النظر يكدر طريق الفكر ويشغل عنه، فلذلك نمنعه ونقول: انظر إلى مالا مكدر فيه قوله تعالى: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها﴾ [ق: ٦].
ومن قال: إنه لا يؤثر عندى ما يؤثر عند غيرى من انجذاب الطبع إلى الهوى، كان مدعيا ما يخالف
الجبلة، فلا يلتفت إلى دعواه، وقد بالغت في الكشف عن هذا كله في كتابى المسمى بـ " تلبيس إبليس " فلم أر التطويل هاهنا، والله أعلم.
باب آداب المعيشة وأخلاق النبوة
اعلم: أن آداب الظواهر عنوان آداب البواطن، وحركات الجوارح ثمرات الخواطر، والأعمال نتائج الأخلاق، والآداب رشح المعارف، وسرائر القلوب هى مغارس الأفعال ومنابعها، وأنوار السرائر هى التى تشرق على الظواهر فتزينها وتحليها.
ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه، ومن لم يكن صدره مشكاة الأنوار الإلهية، لم يفض على ظاهره جمال الآداب النبوية.
وقد أسلفنا جملة من الآداببما يغنى عن إعادتها هاهنا، لكن نقتصر في هذا الباب على شىء من آداب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخلاقه لنجمع مع جمع الآداب تأكيد الإيمان بمشاهدة أخلاقه الكريمة التى يشهد آحادها بأنه أكرم الخلق وأعلاهم مرتبة وأجلهم قدرا، فكيف بمجموعها؟.
سئلت عائشة رضي الله عنه الله، عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه، ولما كمل الله تعالى خلقه أثنى عليه فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٥] فسبحان من أعطى ثم أثنى.
وهذه جملة من محاسن أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم، وصفته:
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحلم الناس، واسخي الناس، وأعطف الناس.
وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله.
وكان أشد حياء من العذراء في خدرها.
وكان يجيب دعوة المملوك، ويعود المرضى، ويمشى وحده، ويردف خلفه، ويقبل الهدية، ويأكلها، ويكافئ عليها، ولا يأكل الصدقة، ولا يجد من الدقل (١) ما يملأ بطنه، ولم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام تباعا.
وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع.
(١) الدقل: أراد التمر.
وكان يأكل ما حضر، وما عاب طعاما قط.
وكان لا يأكل متكئا، ويأكل مما يليه.
وكان أحب الطعام إليه اللحم، ومن الشاة الكتف، ومن البقول الدباء، ومن الصبغ الخل، ومن التمر العجوة.
وكان يلبس ما وجد، مرة برد حبرة، ومرة جبة صوف.
ويركب تارة بعيرا وتارة بغلة، وتارة حمارا، ويمشى مرة راجلا حافيا.
وكان يحب الطيب، ويكره الريح الخبيثة.
ويكرم أهل الفضل، ويتألف أهل الشرف.
ولا يجفو على أحد، ويقبل معذرة المعتذر إليه.
يمزح ولا يقول إلا حقا، يضحك في غير قهقهة، لا يمضى عليه وقت في غير عمل لله تعالى، أو فيما لابد منه من صلاح نفسه.
وما لعن امرأة ولا خادما قط.
وما ضرب أحدا بيده قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله.
وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله.
وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون مأثما أو قطيعة رحم، فيكون أبعد الناس منه.
وقال أنس رضي الله عنه: خدمته عشر سنين، فما قال لى: أف قط، ولا قال لشىء فعلته: لم فعلته، ولا لشىء لم أفعله: لا فعلت كذا؟
ومن صفته في التوراة: محمد رسول الله، عبدى المختار، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.
وكان من خلقه أنه يبدأ بالسلام من لقيه، ومن فاره بحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف.
وما أخذ أحد يده فأرسل يده حتى يرسلها الآخذ.
وكان يجلس حيث ينتهى به المجلس مختلطا بأصحابه كأنه أحدهم، فيأتى الغريب فلا يدرى أيهم هو حتى يسأل عنه.
وكان طويل السكوت، فإذا تلكم لم يسرد كلامه، بل يتثبت فيه ويكرره ليفهم.
وكان يعفو مع القدرة، ولا يواجه أحدا بما يكره.
وكان أصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، ومن رآه بديهة هابة، ومن خالطه معرفة أحبه، وكان أصحابه إذا تكلموا في أمر الدنيا تحدث
معهم، وكانوا يتذاكرون أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم.
وكان أشجع الناس.
قال بعض أصحابه: البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير، كان ربعه من القوم.
وكان أزهر اللون ولم يكن بالآدم.
وكان رجل الشعر، ليس بالبسط ولا الجعد القطط، وكان شعره إلى شحمة أذنه.
وكان واسع الجبهة، أزج الحواجب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، أقنى العرنين، سهل الخدين، كث اللحية، كأن عنقه جيد دمية، عريض الصدر، سواء البطن والصدر، رحب الراحة، طويل الزندين، كفه ألين من الحرير صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم:
فإن من شاهد أحواله وسمع أخباره المشتملة على أخلاقه وأفعاله وآدابه وبدائع تدبيره لمصالح الخلق ومحاسن إشارته في تفصيل ظاهر الشرع الذي تعجز العقلاء والفصحاء عن إدراك أوائل دقائقها في طول أعمارهم، لم يبق عنده ريب في أن ذلك لم يكن محتسبا بحيلة وأنه لا يتصور ذلك إلا بالاستمداد من تأييد سماوى وقوة إلهية، وأن ذلك لا يصح لملبس ولا كذاب، بل كانت شمائله وأحواله شواهد قاطعة بصدقة.
ومن أعظم معجزاته، وأوضح دلالته القرآن العزيز الذي عجز الخلائق عن الإتيان بمثله، ومعجز كل نبي انقضى بذهابه، وهذا المعجز باق أبدا.
ومن معجزاته انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وإطعامه الخلق الكثير من الطعام اليسير، ورميه بحصيات يسيرة فوصلت إلى أعين الخلق الكثير، وحنين الجذع إليه كما يحن العشار، وإخباره بالغائبات فكانت كما قال، ورد عين قتادة بيده فكانت أحسن عينيه، وتفل في عين على رضي الله عنه وهو أرمد فصح من وقته، إلى غير ذلك من المعجزات التى شاعت ولم يوجد سبيل إلى كتمانها، نسأل الله أن يوفقنا للاقتداء بأخلاقه وصفاته، إنه كريم مجيب، والحمد لله رب العالمين.