مقدمة الكتاب
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم رب يسر وأعن يَا كريم الْحَمد لله رب الْعَالمين وَأفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم على رَسُوله سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْكَرِيم وعَلى آله وَأَصْحَابه أَجْمَعِينَ وَبعد فَهَذَا سُؤال أرسل بِهِ إِلَيّ بعض فُقَهَاء الزيدية مُشْتَمل على بعض الْمسَائِل الخلافية مِمَّا يتَعَلَّق بأصول الدّين وَشَيْء من شبه الْمُعْتَزلَة المبتدعين وَهَذَا لَفظه مَا يرى الشَّيْخ فَخر الْإِسْلَام وسيط عقد النظام وَصدر الْمجَالِس وَنور الحنادس فِي نفي الثَّانِي عَن الله تَعَالَى بِظَاهِر النَّص فِي قَوْله تَعَالَى فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله وَلما يعلم من دين الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم ضَرُورَة هَل هُوَ مترتب على معرفَة الله تَعَالَى أَو معرفَة الله مترتبة عَلَيْهِ فَإِن قلت نفي الثَّانِي مترتب على معرفَة الله تَعَالَى فَمَا الطَّرِيق إِلَيْهَا على مذهبك فَإِن قلت الطَّرِيق إِلَيْهَا السّمع كَمَا تذهبون إِلَيْهِ فَهِيَ مشوشة عَلَيْك من وُجُوه أَحدهَا أَن السّمع مفتقر إِلَى معرفَة الله تَعَالَى وَمَعْرِفَة الله تَعَالَى مفتقرة إِلَى السّمع وَهَذَا دور مَحْض لأَنا لَا نَعْرِف السّمع حَتَّى نَعْرِف الله تَعَالَى وَلَا نَعْرِف الله تَعَالَى حَتَّى نَعْرِف السّمع فَلَا يحصلان وَلَا وَاحِد مِنْهُمَا فبأيهما نعترف وَمن أَيهمَا نعتذر لعمر الله أَنَّهَا مسئلة مجمجمة الذَّوْق مجمجمة الشوق تعتروها الْعُقُول وتتناحر فِيهَا الفحول فأجب بفتق صميمها وقشر أديمها الثَّانِي أَنما يَصح الِاسْتِدْلَال بِكَلَام الله تَعَالَى مهما كَانَ عدل حَكِيم لَا يفعل الْقَبِيح وَلَا يُريدهُ (قلت هَكَذَا لفظ السَّائِل بِالرَّفْع وَصَوَابه بِالنّصب عدلا حكيما) فَأَما مَا تجوزيكم الْقَبِيح عَلَيْهِ وإرادته بِكُل الكائنات من وُجُوه الْفساد من كفر وظلم وسواه.
فَمَا الثِّقَة بِكَلَامِهِ وَمن هَاهُنَا انسد عَلَيْكُم بالنبوات من حَيْثُ جوز شيخكم أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ على الله تَعَالَى إِظْهَار المعجز على الْكَذَّابين وَمَا اعتذر بِهِ شيخكم ابْن الْخَطِيب الرَّازِيّ من
﴿قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ﴾ فَهُوَ المعذب الموجد للعذاب.
فَمَا أجري على أَيدي السادات الصحاب، وَقَالُوا بِهِ الْمجد وَالثَّوَاب، بالهمم العوالي والاكتساب - وَكَذَلِكَ قَوْله عز وَجل لنَبيه الْكَرِيم المبجل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم [قل هَل تربصون بِنَا إِلَّا إِحْدَى الحسنيين وَنحن نتربص بكم أَن يُصِيبكُم الله بِعَذَاب من عِنْده أَو بِأَيْدِينَا] أَي بِعَذَاب ينزله من السَّمَاء أَو يظهره فِي الأَرْض بِغَيْر وَاسِطَة سَبَب بصاعقة أَو خسف أَو غير ذَلِك مِمَّا بِهِ العطب أَو بِوَاسِطَة أَيْدِينَا رميا وَضرب وطعنا بالقذاء وَيكون هُوَ المعذب.
كَمَا قَالَ جلّ وعل ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ وَقد صرح بِمَا ذكرنَا من الْخلق وَالْكَسْب قَول الْبَارِي قَالَ ﴿فَإنَّا قد فتنا قَوْمك من بعْدك وأضلهم السامري﴾ فيا لَيْت شعري مَا جَوَاب الْمُعْتَزلَة عَن هَذَا وَأَمْثَاله وماذا عَسى أَن يجيبوا فيا ليتهم فَهموا قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا﴾ فيرجعوا عَن اعْتِقَادهم الْبَاطِل وَإِلَى الْحق ينيبوا ويتحققوا الْحق فِي قَول الْحق حاكيا عَن الكليم الَّذِي فَضله [فتنا إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء] وعَلى الْجُمْلَة فَلَيْسَ يُؤثر فِي جَمِيع الْوُجُود إِلَّا قدرَة الموجد لحل مَوْجُود وَلَا يَقع من جَمِيع الْأَشْيَاء فِي ملكه مَا لَا يَشَاء فَلَو لم يرد من أحد عصيانا لما خلق لكل إِنْسَان شَيْطَانا.
بل مَا كَانَ يخلق للعتاب نَارا وَلَا يُسَمِّي نَفسه غفارًا.
مرهم الْعِلَل المعضلة فِي الرَّد على أَئِمَّة الْمُعْتَزلَة