٤٧٥ - وحدثني أبو محمد الباهلي، عن عمه، قال: دخل الفرزدق على عمرو بن عتبة وهو في داره بالزاوية، فجعل يسلت العرق عن وجهه، وقال: «
[البحر البسيط]
لولا ابن عتبة عمرو والرجاء له ... ما كانت البصرة الحمقاء لي وطنا
أعطاني المال حتى قلت يودعني ... أو قلت أودع لي مالا رآه لنا
فجوده مكسب شكرا ومنته ... وكلما ازددت شكرا زادني مننا
يرمي بهمته أقصى مسافتها ... ولا يريد على معروفه ثمنا»
٤٧٦ - حدثني أبو القاسم السلمي هارون بن أبي الحسين، عن محمد بن عبد الله القرشي، قال: قيل لنصيب: هرم شعرك، قال: «لا والله ولكن هرم الجود، لقد مدحت الحكم بن المطلب بقصيدة، فأعطاني أربعمائة ناقة، وأربعمائة شاة، وأربعمائة دينار» قال: وسأل أعرابي الحكم بن المطلب فأعطاه مالا، فبكى الأعرابي، فقال الحكم: «ما يبكيك؟» قال: والله إني أنفس على الأرض أن تأكل مثلك إذا مت
٤٧٧ - أخبرني أبو زيد النميري، قال: حدثني أبو غسان محمد بن يحيى الكناني قال: أخبرني الحارث بن إسحاق، قال: استعمل بعض ولاة المدينة الحكم بن المطلب بن حنطب على بعض المساعي فلم يرفع شيئا، فقال له الوالي: أين الإبل والغنم؟ قال: «أكلنا لحومها بالخبز» قال: فأين الدنانير والدراهم؟ قال: «اعتقدنا بها الصنائع في رقاب الرجال» فحبسه، فأتاه وهو في السجن بعض ولد نهيك بن يساف الأنصاري فمدحه، فقال:
[البحر الطويل]
خليلي، إن الجود في السجن فابكيا ... على الجود إذ سدت علينا مرافقه
ترى عارض المعروف كل عشية ... وكل ضحى يستن في السجن بارقه
إذا صاح كبلاه طما فيض بحره ... لزواره حتى تحوم غرانقه « فأمر له بثلاثة آلاف درهم وهو محبوس»
٤٧٨ - قال أبو بكر: قال مصعب بن عبد الله الزبيري: حدثني مصعب بن عثمان، عن نوفل بن عمارة، أن رجلا من قريش من بني أمية بن عبد شمس له قدر وخطر لحقه دين، وكان له مال من نخل وزرع، فخاف أن يباع عليه، فشخص من المدينة يريد الكوفة ويعمد خالد بن عبد الله القسري، وكان يلي لهشام بن عبد الملك العراق، وكان يبر من قدم عليه من قريش، فخرج الرجل يريده، وأعد له هدايا من طرف المدينة، حتى قدم فيد، فأصبح بها ونظر إلى فسطاط عنده جماعة، فسأل عنه، فقيل: الحكم بن المطلب، فلبس نعليه ثم خرج حتى دخل عليه، فلما رآه قام إليه فتلقاه، فسلم عليه، ثم أجلسه في صدر فراشه، ثم سأله عن مخرجه، فأخبره بدينه وما أراد من إتيان خالد بن عبد الله، فقال له الحكم: «انطلق بنا إلى منزلك، فلو علمت بمقدمك لسبقتك إلى إتيانك»، فمضى معه حتى أتى منزله، فرأى الهدايا التي أعد لخالد، فتحدث معه ساعة، ثم قال له: «إن منزلنا أحضر عدة، وأنت مسافر ونحن مقيمون، فأقسمت عليك إلا قمت معي إلى المنزل، وجعلت لنا من هذه الهدايا نصيبا»، فقام الرجل معه، فقال: خذ منها ما أحببت، فأمر بها فحملت كلها إلى منزله، وجعل يستحيي أن يمنعه منها شيئا حتى إذا صار معه إلى المنزل، فدعا بالغداء وأمر بالهدايا ففتحت، فأكل منها، وأكل منها من حضره، ثم أمر ببقيتها ترفع إلى خزانته، فقام وقام الناس، ثم أقبل على الرجل، فقال: «أنا أولى بك من خالد وأقرب منك رحما ومنزلا، وها هنا مال للغارمين أنت أولى الناس به، ليس لأحد عليك فيه منة إلا لله، تقضي به دينك، ثم دعا له بكيس فيه ثلاثة آلاف دينار فدفعه إليه»، وقال: «لقد قرب الله عليك الخطوة فانصرف إلى أهلك مصاحبا محفوظا» فقام الرجل من عنده يدعو له ويتشكر، فلم يكن له همة إلا الرجوع إلى أهله، وانطلق الحكم يشيعه فسار معه شيئا، ثم قال له: لكأني بزوجتك قد قالت لك: أين طرائف العراق، بزها وخزها وعراضاتها؟ أما كان لنا معك نصيب؟ ثم أخرج صرة قد حملها معه فيها خمسمائة دينار، فقال: أقسمت عليك إلا جعلت هذه لها عوضا من هدايا العراق وودعه وانصرف قال مصعب بن عثمان: جهدت بنوفل بن عمارة أن يخبرني بالرجل فأبى
٤٧٩ - قال زبير بن أبي بكر فيما أجاز لنا: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري، عن عميه موسى وإسماعيل ابني عبد العزيز، قالا: كان القرشي إذا انقطع شسعه خلع النعل الأخرى، فانقطع شسع الحكم بن المطلب فخلع النعل الأخرى ومضى، فأخذ نعليه إنسان نوبي فسوى الشسع وجاءه بالنعلين في منزله، فقال له: «سويت الشسع؟» قال: نعم، «فدعا جاريته بثلاثين دينارا فدفعها إلى النوبي»، وقال: «ارجع بالنعلين فهما لك»
٤٨٠ - قال: وفيما أجاز لنا زبير قال: وأخبرني نوفل بن ميمون، قال: أنشدني أبو مالك محمد بن مالك بن علي بن هرمة لعمه إبراهيم بن علي بن هرمة يمدح الحكم بن المطلب: «
[البحر الطويل]
تصبح أقوام عن المجد، والعلى ... فأضحوا نياما وهو لم يتصبح
إذا كدحت أعراض قوم بلؤمهم ... نجا سالما من لؤمهم لم يكدح
ليمنك إن المجد أطلق رحله ... لديك على خصب خصيب ومسرح»
٤٨١ - وزعم محمد بن إسحاق المسيبي، قال: حدثني إبراهيم بن أبي ضمرة، قال: مر الحكم بن المطلب بسوق الغنم أيام العيد، فعرض له حرس السوق فسلموا عليه، فوقف عليهم فرد عليهم السلام وسألهم عن أثمان الضحايا، فذكروا أنها غالية وأنها بثلاثين ثلاثين.
فالتفت إلى مولى أبيه، عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب فقال: «اشتر لكل رجل منهم شاتين مما يشيرون لك إليه» ثم حرك دابته فمضى
٤٨٢ - وقال محمد بن إسحاق، حدثني القاسم بن محمد بن المعتمر بن عياض بن حمنن بن عوف ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثني حميد بن معيوف الحمصي، عن أبيه، قال: كنت فيمن حضر الحكم بن المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم وهو يجود بنفسه بمنبج، قال: ولقي من الموت شدة، فقلت - أو قال رجل ممن حضر - وهو في غشيته: اللهم هون عليه فإنه كان، يثني عليه، فأفاق، فقال: «من المتكلم؟» فقال المتكلم: أنا، قال: " فإن ملك الموت يقول لك: إني بكل سخي رفيق " قال: فكأنما كانت فتيلة أطفئت قال القاسم: فلما بلغ موته ابن هرمة قال شعرا:
[البحر البسيط]
سالا عن الجود والمعروف أين هما ... فقلت إنهما ماتا مع الحكم
ماتا مع الرجل الموفي بذمته ... يوم الحفاظ إذا لم يوف بالذمم
ماذا بمنبج لو تنبش مقابرها ... من التهدم بالمعروف والكرم
٤٨٣ - وأخبرني عمر بن أبي معاذ البصري قال: حدثني محمد بن يحيى بن علي الكناني، قال: قدم ابن سلم الشاعر على حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية، فقال يمدحه:
فلما دفعت لأبوابهم ... ولاقيت حربا لقيت النجاحا
وجدناه يخبطه السائلون ... ويأبى على العسر إلا سماحا
يزارون حتى ترى كلبهم ... يهاب الهرير وينسى النباحا
قال ابن سلم: «فأرسل إلي برزمة ثياب وبكيس»، فوضع رسوله الرزمة، وعذره بقلة ما أرسل، وقال: إني لأستحيي منك أن أعلمك ما بعث به، فإذا نهضت فخذه من تحت فراشك، ثم وضع تحت فراشي ألف دينار
٤٨٤ - حدثني أبو جعفر المديني، عن محمد بن حرب الهلالي، قال: حج عتبة بن أبي سفيان سنة إحدى وأربعين، فصعد المنبر، فحمد الله، ثم قال: «أيها الناس، إنا قد ولينا هذا المقام الذي يضاعف للمحسن فيه الأجر وعلى المسيء الوزر، ونحن على طريق ما قصدنا، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا، فإنها تقطع دوننا، ورب متمن حتفه في أمنيته، فاقبلوا العافية منا ما قبلناها منكم، وإياكم وقول لو، فإنها قد أتعبت من قبلكم، ولن تريح من بعدكم، نسأل الله أن يعين كلا على كل»، فاعترضه أعرابي، فقال: أيها الخليفة، فقال: «لست به ولم تبعد»، قال: فيا أخاه، قال: «قد أسمعت فقل»، قال: لعمري، أن تحسنوا وقد أسأنا خير من أن تسيئوا وقد أحسنا، فإن كان الإحسان منكم فما أحقكم باستتمامه، وإن كان منا فما أحقنا بمكافأتكم، قال له عتبة: «من أنت؟» قال: رجل من بني عامر بن صعصعة يلقاكم بالعمومة، ويختص إليكم بالخؤولة، كثره عيال، ووطئه زمان، وبه فقر، وعنده شكر.
فقال عتبة: «أستغفر الله منك، وأستعين بالله عليك، وقد أمرت لك بغناك، فليت إسراعي إليك يقوم بإبطائي عنك»
٤٨٥ - أخبرني العباس بن هشام بن محمد، عن أبيه، عن خالد بن سعيد بن عمرو الأموي، قال: دخل كثير على عبد الملك بن مروان، فقال: يا أمير المؤمنين، أرض لك يقال لها غرب، ربما أتيتها وخرجت إليها بولدي وعيالي، فأصبنا من رطبها ومن تمرها شراء مرة، وطعمة مرة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعرينيها فعل، فقال له عبد الملك: «ذاك لك»، فندمه الناس، وقالوا: أنت شاعر الخليفة ولك منه منزلة عظيمة، هلا كنت سألته الأرض قطيعة؟ فأتى الوليد، فقال: إن لي إلى أمير المؤمنين حاجة، قال: إنك لا تستمكن منه، إنما يؤتى برذونه فيركبه إذا انصرف عن مكة، وكان بمكة.
قال: أجلسني قريبا من البرذون، فأجلسه قريبا منه، فلما استوى عبد الملك على البرذون قام، فقال له عبد الملك: «إيه»، وعرف أن له حاجة، فقال:
[البحر الطويل]
جزتك الجوازي عن صديقك نضرة ... وأدناك ربي في الرفيق المقرب
فإنك لا تعطي عليك ظلامة ... عدوا ولا تأبى من المتقرب
وإنك ما تمنع فإنك مانع ... بحق وما أعطيت لم يتعقب
قال: «لعلك أردت غربا؟» قال: نعم، يا أمير المؤمنين، قال: «اكتبوا له بها كتابا»، ففعلوا
٤٨٦ - وأخبرني العباس بن هشام، عن أبيه، عن خالد بن سعيد، قال: دخل كثير على عبد العزيز بن مروان، فأنشده:
إذا ابتدر الناس المكارم بذها ... عراضة أخلاق ابن ليلى وطولها
حتى فرغ منها، فأعجب بذلك عبد العزيز، وقال: «حكمك يا أبا صخر» قال: أحتكم أن أكون مكان ابن رمانة، وكان ابن رمانة كاتبه وصاحب أمره، فقال عبد العزيز: «ترحا لك، وما أردت إلى هذا ولا علم لك بخراجه ولا بكتابه؟ اخرج عني» فندم كثير ثم لم يزل حتى دخل عليه، فقال:
[البحر الطويل]
عجبت لأخذي خطة الغي بعدما ... بدا لي من عبد العزيز قبولها
وأمي صعبات الأمور أروضها ... وقد أمكنتني قبل ذاك ذلولها
وأنت امرؤ من أهل بيت عمارة ... أمور بخيرات الأمور فعولها
فلم أر ركبا جاءنا لك حاذيا ... ولا خلة يزري عليك دخيلها
ذرا الله في أرض ابن ليلى بناتها ... فأمرع جوفاها وبورك نيلها
فقال: «أما الحكم فلا، وقد أمرنا لك بعشرين ألفا»
٤٨٧ - وأخبرني العباس بن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن عليم، عن أبيه، قال: قدم الأخطل الشام على بعض بني أمية فامتدحه، فأخبر بعبد الله بن سعيد بن العاص، متبديا فيما بين المدينة والشام، وكانت جدته - أم أمه - تغلبية، وعبد الله يومئذ غلام، فأتاه الأخطل فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
[البحر الوافر]
فمن يك سائلا ببني سعيد ... فعبد الله أكرمهم نصابا « وأمر له بخمسة آلاف درهم وناقة برحلها»، فقيل له: أعطيت أعرابيا نصرانيا ما أعطيته ولم تستمدحه، وإنما كان يرضيه اليسير، فقال عبد الله: «علي بالأخطل»، فجاء فقال: «إني أعطيتك ولم آمرك بشيء، فهي لك في كل سنة، فإذا بدا لك فتعال»
٤٨٨ - حدثني المفضل بن غسان، قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو عمر القرشي المكي، قال: " خرج قوم من قريش يريدون بعض الخلفاء بالشام، فمروا قريبا من أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقالوا: لو ملنا إلى أبي بكر، فمالوا إليه فحبسهم «ثم أرسل إليهم بثوب فيه مال تحمله عدة» وقال: «لو كان عندنا أكثر من هذا أرسلنا به إليكم»، فلما رأوا ذلك قالوا: ما نحتاج إلى الذهاب في وجهنا، في هذا ما نكتفي به، فارتحلوا، فلم يدن منهم أحد من غلمانه وحشمه يعينهم على رحلتهم.
فلما ودعوه قالوا: لقد رأينا من برك وإكرامك وصنيعك ما أعجبنا، ولكنا رأينا شيئا أنكرناه عند رحلتنا، لم يدن منا أحد من غلمانك وحشمك فيعيننا على رحلتنا حتى تكلفنا نحن ذلك، فضحك، وقال: «إنهم لا يعينون أحدا على ١ - رحلتهم عنا»