مكارم الأخلاقصفحات 131-149
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما جاء في المكافأة بالصنائع

صفحات 131-149

٤٣٥ - أخبرني العباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي محمد عبد الله بن سفيان، مولى لمعاوية بن أبي سفيان، عن أبيه، عن جده قال: " كنا عند هشام بن عبد الملك، فقدم عليه خطباء أهل الحجاز من قريش وغيرها.
قال: فحضرت كلامهم رجلا رجلا، حتى قام ابن أبي جهم بن حذيفة العدوي من قريش، وكان أعظم القوم قدرا، وأكبرهم سنا، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، إن خطباء قريش قد قالت فيك فاحتفلت، وأثنت فأطنبت، فوالله ما بلغ قائلهم قدرك، ولا أحصى مطنبهم فضلك، أفأطيل أم أوجز؟ قال: «بل أوجز» قال: تولاك الله بالحسنى، وزينك بالتقوى، وجمع لك خير الآخرة والأولى، إن لي حوائج أفأذكرها؟ قال: «اذكرها» . قال: كبرت سني، ورق عظمي، ونال الدهر مني، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري، وأن ينفي فقري فعل.
قال: «وما الذي يجبر كسرك، وينفي فقرك»، قال: ألف دينار، وألف دينار، وألف دينار.
قال: «هيهات يا ابن أبي جهم رمت مراما صعبا.
بيت المال لا يحتمل ما سألت» . ثم أطرق هشام طويلا، ثم قال: «هيه» . قال: ما هيه والله لكأنك آليت لا تقضي لي حاجة في موقفي هذا، أما والله إن الأمر لواحد، ولكن الله عز وجل آثرك بمجلسك هذا، فإن تعط فحقا أديت، وإن تمنع فإني أسأل الذي بيده ما حويت.
إن الله جعل العطاء محبة، والمنع مبغضة، والله لأن أحبك أحب إلي من أن أبغضك.
قال: «وألف دينار لماذا؟» قال: أقضي بها دينا قد أحم قضاؤه، وقد فدحني حمله، وأضر بي أهله.
قال هشام: «فلا بأس تنفس كربة مع أداء أمانة» . «وألف دينار لماذا؟» قال: أزوج بها من بلغ من ولدي.
قال: «نعم المسلك سلكت، أغضضت بصرا، وأعففت فرجا، ورجوت نسلا.
وألف دينار لماذا؟» قال: أشتري بها أرضا يعيش فيها ولدي، وتكون أصلا لمن بعدي.
قال: «فإنا قد أمرنا لك بما سألت» . قال: فالمحمود على ذلك الله عز وجل قال: ثم أدبر فأتبعه هشام بصره قال: «إذا كان القرشي فليكن مثل هذا.
ما رأيت رجلا أبلغ وأوجز في مقاله، ولا أبلغ في ثناء منه.
أما والله إنا لنعرف الحق إذا نزل، ونكره الإسراف والبخل، فما نعطي تبذيرا، ولا نمنع تقترا، وما نحن إلا خزان الله عز وجل في بلاده، وأمناؤه على عباده، فإذا شاء أعطينا، وإذا منع أبينا، ولو أن كل قائل يصدق، وكل سائل يستحق، ما جبهنا قائلا، ولا رددنا سائلا، فسلوا الذي بيده ما استحفظنا أن نجريه لكم على أيدينا، فإنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه بعباده خبير بصير» . قالوا: والله يا أمير المؤمنين، لقد أبلغت، وما بلغ في قدر عجبك به ما كان منك في الرد عليه، وذكر نعمة الله عليه.
قال: «إنه المبتدي وليس المبتدي كالمقتدي»

٤٣٦ - أخبرني أبو زيد النميري قال: حدثني عمر بن محمد بن أقيصر السلمي قال: حدثني يحيى بن عروة بن أذينة قال: أتى أبي وجماعة من الشعراء هشام بن عبد الملك فأنشدوه فنسبهم، فلما عرف أبي قال: " ألست القائل:

[البحر البسيط]

لقد علمت وما الإشراف في طمعي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني

أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني

فهلا جلست حتى يأتيك؟ "، فلما خرجوا من عنده جلس أبي على راحلته حتى أتى المدينة، وتنبه هشام عليهم، فأمر بجوائزهم، ففقد أبي، فسأل عنه، فأخبر بانصرافه، فقال: «لا جرم، والله ليعلمن أن ذلك سيأتيه في بيته»، ثم أضعف له ما أعطى واحدا من أصحابه، وكتب له فريضتين، فكنت أنا آخذهما

٤٣٧ - حدثني محمد بن صالح القرشي قال: حدثني محمد بن عمر الأسلمي، قال: نا ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: أنا بالرصافة حين قدم ابن أذينة على هشام، فلما دخل عليه قال له: " ألست الذي يقول:

[البحر البسيط]

ولو قعدت أتاني لا يعنيني؟ "

فقال: قد خرجت وأنا أعلم أن ذلك كذاك، قال محمد بن عمر: قال بعضهم: أتبعه هشام حين انصرف أربعمائة دينار، وقالوا: أقل، واختلفوا في ذلك

٤٣٨ - أخبرني أبو زيد النميري قال: حدثني عبد الملك الماجشون قال: نا أبو السائب قال: أرسلت إلى محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أسأله لقحة لبعض أهلنا، فإني لجالس إذا بإبل تدخل، ثم إذا بعبد أسود معتم، فقلت: يا صاحب الإبل، ليس هذا طريقك، قال: فناولني كتابا، فإذا فيه: «إنك سألتنا لقحة فجمعت لك ما حضرني، فإذا تسع عشرة وراعيها، وهي بدن إن رددت منها شيئا» . قال: فبعت منها ثماني عشرة، وتأثلت منها مالا

٤٣٩ - وحدثني أبو زيد، نا أبو عاصم قال: حدثني أبي، قال: سأل سائل عبد الأعلى بن عبد الله بن عبد الله بن عامر بن كريز، وليس عليه إلا إزار، فقال: «الزم بطرف الإزار، ثم اجذبه إليك»، ففعل، وتوارى عبد الأعلى بباب بيته، وأغلقه على نفسه

٤٤٠ - وحدثنا أبو زيد، نا أبو عاصم قال: أخبرني أبي، قال: أخذ عبد الأعلى عطاءه ومعه غلام له وعليه مطرف، فعدل إلى بيت امرأة من بني غدانة فبال في بيتها، فقال: «يا غلام، ادفع إليها عطاءنا» . قالت: والمطرف جعلني الله فداءك؟ قال: «والمطرف»

٤٤١ - وحدثني أبو زيد قال: حدثني أبو غسان محمد بن يحيى بن علي قال: أخبرني إسماعيل بن الحسن بن زيد قال: كان أبي يغلس بصلاة الفجر، فأتاه مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير وابنه عبد الله بن مصعب يوما حين انصرف من صلاة الغداة وهو يريد الركوب إلى الغابة إلى ماله، فقال: اسمع مني شعرا.
قال: «ليست هذه ساعة ذاك، أهذه ساعة شعر؟» فقال: أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا سمعته، قال: «فأنشده لنفسه»:

ورد أيضاً في: قضاء الحوائج

[البحر المديد]

يا ابن بنت النبي وابن علي ... أنت أنت المجير من ذا الزمان

من زمان ألح ليس بناج منه ... من لم يجرهم الخافقان

من ديون حفزننا معضلات ... بيد الشيخ من بني ثوبان

في صكاك مكتبات علينا ... بمئين إذا عددن ثمان

بأبي أنت إن أخذن وأمي ... ضاق عيش النسوان والصبيان

قال: فأرسل إلى ابن ثوبان فسأله، فقال: لي على الشيخ سبعمائة وعلى ابنه مائة، فقضى عنهما وأعطاهما مائتي دينار سوى ذلك

٤٤٢ - وحدثني محمد بن الحسين، ومحمد بن عباد العكلي، قالا: نا إسحاق بن سليمان الرازي، قال: سمعت أبا سنان يذكر عن حبيب بن أبي ثابت قال: قدم أبو أيوب الأنصاري البصرة، ونزل على ابن عباس ففرغ له بيته الذي كان فيه، وقال: «لأصنعن بك كما صنعت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»، وقال: «كم عليك من الدين؟» قال: عشرون ألفا، قال: فأعطاه أربعين ألفا، وعشرين مملوكا، وقال: «لك ما في البيت كله»

٤٤٣ - حدثني محمد بن الحسين، نا سليمان بن حرب، قال: نا أبو هلال الراسبي، عن حميد بن هلال قال: تفاخر رجلان من قريش: رجل من بني هاشم، ورجل من بني أمية، فقال هذا: قومي أسخى من قومك، وقال هذا: قومي أسخى من قومك، قال: سل في قومك، حتى أسأل في قومي، فافترقا على ذلك.
فسأل الأموي عشرة من قومه، فأعطوه مائة ألف عشرة آلاف عشرة آلاف.
قال: وجاء الهاشمي إلى عبيد الله بن العباس، فسأله، فأعطاه مائة ألف، ثم أتى الحسن بن علي رضوان الله عليهما، فسأله فقال له: «هل أتيت أحدا من قومي؟» قال: نعم، عبيد الله بن العباس فأعطاني مائة ألف، فأعطاه الحسن بن علي مائة ألف وثلاثين ألفا، ثم أتى الحسين بن علي رضوان الله عليهما، فسأله فقال: هل أتيت أحدا قبل أن تأتيني؟ قال: نعم، أخاك الحسن بن علي، فأعطاني مائة ألف وثلاثين ألفا، قال: «لو أتيتني قبل أن تأتيه لأعطيتك أكثر من ذلك، ولكن لم أكن لأزيد على سيدي»، فأعطاه مائة ألف وثلاثين ألفا.
قال: فجاء الأموي بمائة ألف من عشرة، وجاء الهاشمي بثلاثمائة ألف وستين ألفا من ثلاثة، فقال الأموي: سألت عشرة من قومي فأعطوني مائة ألف، وقال الهاشمي: سألت ثلاثة من قومي فأعطوني ثلاثمائة ألف وستين ألفا، ففخر الهاشمي الأموي.
قال: فرجع الأموي إلى قومه، فأخبرهم الخبر ورد عليهم المال فقبلوه، ورجع الهاشمي إلى قومه، فأخبرهم الخبر ورد عليهم المال، فأبوا أن يقبلوه، وقالوا: «لم نكن لنأخذ شيئا قد أعطيناه»

٤٤٤ - حدثني سليمان بن منصور الخزاعي، نا أبو سفيان الحميري، عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، قال: قدم أعرابي المدينة يطلب في أربع ديات حملها، فقيل له: عليك بالحسن بن علي رضوان الله عليهما، عليك بعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما، عليك بسعيد بن العاص رضي الله عنه، عليك بعبيد الله بن العباس رضي الله عنهما، فدخل المسجد فرأى رجلا يخرج معه جماعة، فقال: من هذا؟ فقيل: سعيد بن العاص، قال: هذا أحد أصحابي الذين ذكروا لي، فمشى معه فأخبره بالذي قدم له، ومن ذكر له، وأنه أحدهم وهو ساكت عنه لا يجيبه، فلما بلغ باب منزله قال لخازنه: «قل لهذا الأعرابي فليأت بمن يحمل له»، فقيل له: ائت بمن يحمل لك، قال: عافا الله سعيدا، إنما سألناه ورقا، ولم نسأله تمرا، قال: «ويحك، ائت بمن يحمل لك»، فأخرج إليه أربعين ألفا، فاحتملها الأعرابي، فمضى إلى البادية ولم يلق غيره

٤٤٥ - حدثني سليمان، نا يحيى بن سعيد الأموي، عن أبيه، قال: دخل قوم من بني أسد على عيسى بن علي يتكلمون في حمالات، وكان خطيبهم عون بن جابر، وكان له لسان جيد، فتكلم عون وذكر بني أسد وقرابتهم من قريش، فقال له الحسن بن زيد بن الحسن، وكان عند عيسى: يا بني أسد، إنكم لتكلمون كأنكم نزلتم من السماء، فأقبل عليه عون بن جابر فقال: «لو نزل قوم من السماء جودا أو كرما لكنا النازلين من السماء، نحن بنو خزيمة، ونحن بنو برة يعني ابنة مر وهي أم أسد وإن كنت لجديرا أن تكون معنا في حاجتنا، فألا - إذ لم تفعل - تركتنا والأمير»؟ قال: وجعل عيسى يسر بما يوبخ به الحسن ويكلمه، ثم أمر لهم عيسى بالمال الذي طلبوه للحمالات، وكان أربعين ألفا "

٤٤٦ - وحدثني سليمان بن منصور، قال: حدثني محمد بن الحكم، عن عوانة بن الحكم، قال: دخل سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص على سليمان بن عبد الملك، فلما رآه داخلا تمثل سليمان: "

[البحر الكامل]

إني سمعت مع الصباح مناديا ... يا من يعين على الفتى المعوان،

هذا والله الفتى فمن يعين عليه، ثم قال: «حاجتك يا أبا خالد؟» قال: ديني تقضيه عني، قال: «وكم دينك؟» قال: علي ثلاثون ألف دينار، قال: «فقد قضيتها عنك»، قال: وكان سعيد بن خالد تصيبه موتة نصف السنة، فيكون فيها مطروحا، ويصح نصف السنة، فإذا صح أعطى وأطعم، فإن لم يكن عنده وأتاه من يطلب نيله، قال له: ليس عندي، ولكن اكتب علي صكا بكذا وكذا، فيكتب عليه الرجل ويشهد له، فدخل بنو سعيد على هشام بن عبد الملك وهو خليفة، فقالوا له: إن أبانا يتلف ماله، فإذا لم يكن عنده كتب على نفسه الصكاك لمن يسأله، فاحجر عليه، فحجر عليه، وقال لبنيه: «اجعلوا له شيئا لمائدته»، فجعلوا له شاة في كل يوم وما يصلحها، فجعل يقول لبنيه: يا بني، إنما هي شاة في اليوم ويستقلها، وقبل ذلك ما أرادوا أن يعالجوه، فعزموا عليه، فتكلمت امرأة على لسانه فقالت: أنا رقية بنت ملحان سيد الجن، والله لئن عالجتموه لأقتلنه، فإني لو وجدت من الإنس أكرم منه لعلقته

٤٤٧ - حدثني سليمان قال: حدثني محمد بن عباد بن عباد بن حبيب بن المهلب، قال: بعث مروان وهو على المدينة ابنه عبد الملك إلى معاوية، فدخل عليه فقال: إن لنا مالا إلى جنب مالك بموضع كذا وكذا من الحجاز، لا يصلح مالنا إلا بمالك، ومالك إلا بمالنا، فإما تركت لنا مالك فأصلحنا به مالنا، وإما تركنا لك مالنا فأصلحت به مالك، فقال له: «يا ابن مروان إني لا أخدع عن القليل، ولا يتعاظمني ترك الكثير، وقد تركنا لكم مالنا فأصلحوا به مالكم»

٤٤٨ - قال سليمان: وحدثني محمد بن الحكم، عن عوانة بن الحكم، قال: دخل الوليد بن عقبة على معاوية فجلس معه على السرير، ثم سأله فأعطاه مائة ألف درهم، ثم قال له معاوية: عف عني، فقال الوليد: «

[البحر الطويل]

أعف وأستغني كما قد أمرتني ... فأعط إذا ما مت بعدي أو ابخل

فإني امرؤ في الدار مني ثروة ... وليس شبا عجز علي بمقفل

سأصرف عنك العيس إن سجيتي ... إذا رابها ريب كسلة منصل»

٤٤٩ - قال: قال سليمان: وحدثنا محمد بن الحكم، عن عوانة، قال: أقام الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بباب عبد الملك بن مروان سنة، ثم انصرف وهو يقول:

[البحر الطويل]

تبعتك إذ عيني عليها غباوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها

رددت عليك النفس حتى كأنما ... بكفيك بؤسي أو لديك نعيمها

فما بي وإن أقصيتني من ضراعة ... ولا افتقرت نفسي إلى من يسومها

فأرسل عبد الملك رسولا يرده، وقال: «اتبعه حتى ترده علي، وإن بلغت مكة»، فلما دخل على عبد الملك قال: «أنفت من المقام ببابي؟» قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما أنفت من المقام ببابك، وما عنك مرغب، ولكني أطلت المقام ولي ضيعة وعلي دين، قال: «كم دينك؟» قال: ثلاثون ألف دينار، قال: «إن شئت قضيت دينك، وإن شئت استعملتك على مكة سنة»، قال: استعملني على مكة سنة فاستعمله ثم عزله

٤٥٠ - حدثني سليمان بن أبي شيخ، نا أحمد بن بشير، قال: قدم على عمر بن عبد العزيز رحمه الله رجل من حضرموت، فناداه:

[البحر البسيط]

دعوت حران ملهوفا ليأتيكم ... فقد أتاك بعيد الدار مظلوم

قال: «من ظلمك؟» قال: الوليد بن سليمان، أخذ أرضا لي باليمن، فقال: «اكتبوا له إلى عامل اليمن إن أقام عندك شاهدين ذوي عدل فاردد عليه أرضه»، ثم قال له: «إني أراك قد كلفت في وجهك هذا»، قال: كلفت زادا وراحلة، فأمر له بثلاثين دينارا

٤٥١ - حدثني سليمان، نا أبو سفيان، عن هشيم، قال: قدم الزبير الكوفة وعليها سعيد بن العاص عاملا لعثمان، فبعث إلى الزبير بسبعمائة ألف، فقال: «لو كان في بيت المال أكثر من هذا بعثت به إليك»، فقبلها قال سليمان: فحدثت به مصعبا الزبيري، فقال: " ما كنا نرى الذي أعطاه المال إلا الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكنا نقول: خمسمائة ألف وهشيم أعلم "

٤٥٢ - قال: قال أبو عبد الله العجلي، نا يونس بن بكير، نا ابن إسحاق، قال: حدثني والدي إسحاق بن يسار، قال: أخبرني شيخ من بني سعد بن بكر، قال: قدم علي ابن عم لي من أهل البادية، فقال: إن ابن أخ لي أصاب دما عمدا، فطلبت إلى أهل الدم أن يقبلوا مني العقل ففعلوا، فأسلمتني عشيرتي وأبوا أن يحملوا معي، وقالوا: إنما نحمل الخطأ، فأما العمد فلا، فقدمت ألتمس المعونة من هذا الحي من قريش، فأمرت له بخزيرة فصنعت فغديناه منها، ثم قلت له: انطلق بنا إلى خير القوم وسيدهم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسين بن علي رضوان الله عليهما فخرجنا نلتمسه في بيته فلم نجده، فخرجنا فلقيناه بالبلاط، فقلت: عندك الرجل، فاستوقفناه، فوقف واستند إلى الجدار، فقلت: يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن ابن أخ لي أصاب دما - فقص قصته - وقدمت أستعين هذا الحي من قريش على ديته، فرأيت أن أبدأ بك، فقال: «والله الذي نفس حسين بيده، ما أصبح في بيتي دينار ولا درهم، وما غدوت إلى السوق إلا لألتمس العينة في بعض نفقاتنا وما لا بد منه، ولكني أراك رجلا جلدا وقد حان حصاد مالي بذي المروة عين يحنس، فاخرج إليها، فقم عليها بعمالها، ثم احصد ودق وبع، فإنها مودية عنك، ولا تسأل أحدا شيئا» . فقال: أفعل بأبي وأمي، وكتب إلى قيمه: «انظر فلان بن فلان فخل بينه وبين حصاد أرضك، فإني قد أعطيته إياه»، فخرج فحصدها، فباع منها بعشرين ألف درهم، فأدى اثني عشر ألفا، واستفضل ثمانية آلاف

٤٥٣ - فقال المقنع مقنع الأنصاري يبكي حسينا عليه السلام حين قتل: «

[البحر السريع]

كان إذا شب له ناره ... يرفعها بالسند الماثل،

كيما يراها قابس مرمل ... أو فرد قوم ليس بالآهل،

مفارغ الشيزى على بابه ... مثل حياض النعم الناهل،

لا تستري شفرا على مثله ... في الناس من حاف ولا ناعل،

ابن النبي المرسل المصطفى ... وابن ابن عم المصطفى الفاضل»

٤٥٤ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، نا يحيى بن يعلى، عن يونس بن خباب، عن مجاهد، قال: جاء رجل إلى الحسن والحسين رضي الله عنهما فسألهما فقالا: " إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: حاجة مجحفة، أو حمالة مثقلة، أو دين فادح "، وأعطياه، ثم أتى ابن عمر رضي الله عنه فأعطاه ولم يسأله عن شيء، فقال: أتيت ابني عمك، وهما أصغر سنا منك، فسألاني وقالا لي، وأنت لم تسألني عن شيء، فقال: ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إنهما كانا يغران بالعلم غرا

٤٥٥ - حدثني أبو حفص الصيرفي قال: حدثني ابن زائدة البندار قال: حدثني محمد بن علي، عن شيخ من قريش، قال: بينا أبان بن عثمان وعبد الله بن الزبير جالسان إذ وقف عليهما أعرابي فسألهما، فلم يعطياه شيئا، وقالا: اذهب إلى ذينك الفتيين، وأشارا إلى الحسن، والحسين رضوان الله عليهما وهما جالسان، فجاء الأعرابي حتى وقف عليهما فسألهما، فقالا: «إن كنت تسأل في دم موجع، أو فقر مدقع، أو أمر مفظع، فقد وجب حقك»، فقال: أسأل وأخذني الثلاث، فأعطاه كل واحد منهما خمسمائة خمسمائة، فانصرف الأعرابي فمر على ابن الزبير وأبان وهما جالسان، فقالا: ما أعطاك الفتيان، فأنشأ الأعرابي يقول:

[البحر المتقارب]

أعطياني وأقنياني جميعا ... إذ تواكلتما فلم تعطياني،

جعل الله من وجوهكما نعلين ... سبتا يطاهما الفتيان،

حسن والحسين خير بني حواء ... صيغا من الأغر الهجان

فدعا سنة المكارم والمجد ... فما منكما لها من مداني

٤٥٦ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني كثير بن هشام، قال: نا عيسى بن إبراهيم القرشي، قال: أخبرني رجل من أهل البصرة، قال: قدمت المدينة فنزلت على معاوية بن عبد الله بن جعفر، فسألته عما كان يصنع أبوه من أخلاقه، فقال: كان قد جبل على شيء لا يقدر على غيره، قال: فأتاه أعرابي يسأله، فقال: «تمن علي واجتهد في الأماني»، فقال: بكرا يحمل رحلي إلى أهلي، وحلة ألبسها يوم قدومي على الحي، وبردة أمتهنها في سفري، ونفقة تبلغني إليهم.
قال: «لقد قصرت بك نفسك، فهلا سألتني ما أملك فأخرج لك عينه» . قال: فأمر له بمائة حلة، ومائة ناقة، ومائة ألف درهم "، فقال الأعرابي: أما الأحجار - يعني المال - فلا حاجة لي بها، وأما الحلل فواحدة من ذلك تكفيني، وأما الإبل فأسوقها والله إلى أهلي، قال: فساق الإبل، وترك المال والحلل، فأمر به عبد الله فقسم على فقراء أهل المدينة

٤٥٧ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني جعفر بن عون، عن خالد الزيات، عن رجل، من أهل البيت، أن عبد الله بن جعفر كان له على رجل مال، فتحمل عليه بابن عباس ليؤخره، فقال عبد الله بن جعفر: «هي له يا ابن عم»، قال: ما أردت هذا كله، قال ابن جعفر: «لكني أنا أردته»

٤٥٨ - حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني أبو عبد الرحمن الطائي، قال: حدثني المجالد بن سعيد، عن الشعبي، قال: دخل أمية بن أبي الصلت على عبد الله بن جدعان التيمي، وقد أخذت الخمر من عبد الله، فأنشأ يقول:

[البحر الوافر]

أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء،

وعلمك بالأمور وأنت فرع ... لك الحسب المهذب والسناء،

كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الكريم ولا مساء،

إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء

قال: وعند ابن جدعان قينتان له، فقال: «انظر أعجبهما إليك فخذ بيدها»، قال: وكانتا أحب ماله إليه، فأخذ أمية إحداهما وخرج، فلقيه فتية من قريش، فقالوا له: ما صنعت؟ دخلت إلى شيخنا وسيدنا وقد عمل فيه الشراب، فأخذت إحدى حظيتيه وأحب ماله إليه، ارجع فارددها عليه، فإنه سيعوضك أضعافها، قال: فرجع إليه، فقال: «ما الذي ردك إلينا يا أمية؟» قال: أحبت أن تؤنس أختها، قال: «لا، ولكن قيل لك فرقت بين الشيخ وأحب ماله إليه، والله لتأخذن بيد الأخرى» فأخذهما جميعا وخرج، وهو يقول:

[البحر الطويل]

عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... بفضل وما كل العطاء يزين،

وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين

٤٥٩ - حدثني أبو زيد النميري، نا أبو عاصم، قال: أخبرني أبو عمار، رجل من بني زهرة، قال: مر ابن الزبير بناس من قريش مجتمعين في مجلس، فقال: «ما تذاكرون؟»، قالوا: أمر الجاهلية، قال: «دعوه فإن هذا شيء هدمه الله، فإن كنتم لا بد فاعلين فعليكم بابن جدعان، فوالله ما تقسم الشرف إلا من بعده»

٤٦٠ - حدثني أبو زيد النميري، قال: حدثني بدر بن سعيد، قال: سمعت عيسى بن يزيد بن بكر، قال: سأل الوليد بن عقبة مروان وهو على المدينة، فاعتل عليه، فقدم على المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة، فأمر له بعشرين ألفا، فأبى أن يقبلها، فأتى ابن عامر فشكا إليه دينه، فقال: كم هو؟ قال: مائة ألف، «فقضاه عنه، وأعطاه مائة ألف أخرى»، فقال الوليد:

[البحر الطويل]

ألا جعل الله المغيرة وابنه ... ومروان نعلي بذلة لابن عامر،

لكي تقياه الحر والقر والأذى ... ولسع الأفاعي واحتدام الهواجر،

يفيض الفرات للذين يلونه ... وسيبك يأتي كل باد وحاضر،

إذا عبد شمس قدموا رفد خيرهم ... سما فعلا بالمجد فخر المفاخر

وإن دنست أحساب قوم وجدته ... إذا ما بلوه طاهرا وابن طاهر

قال أبو زيد: " البيتان الأخيران ليس مما سمعت من بدر، وقد قيل: صاحب هذا الشعر عبد الرحمن بن الحكم "

٤٦١ - حدثني أبو زيد النميري قال: حدثني شهاب بن عباد، قال: مدح ابن قيس الرقيات بشر بن مروان، فقال:

[البحر الكامل]

يا بشر يا ابن الجعفرية ما ... خلق الإله يديك للبخل،

جاءت به عجز مقابلة

... ما هن من جرم ولا عكل

قال: فقال له بشر: «احتكم» . قال: عشرين ألفا، قال: «قبحك الله لك عشرون وعشرون حتى بلغ مائة ألف»

٤٦٢ - وحدثني أبو زيد قال: حدثني عبد الله بن محمد بن حكيم، عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبيه، قال: " قحط الناس في زمن بشر بن مروان، فخرجوا فاستسقوا وبشر معهم، فرجعوا وقد مطروا.
ووافق ذلك سيلا من الليل، فغرقت ناحية بارق وبني سليم، فخرج بشر من الغد ينظر إلى آثار المطر حتى انتهى إلى بارق، فإذا الماء في دار سراقة بن مرداس البارقي وسراقة قائم في الماء، فقال: أصلح الله الأمير، إنك دعوت أمس ولم ترفع يديك، فجاء ما ترى، ولو كنت رفعت يديك لجاء الطوفان، فضحك بشر، فأنشأ سراقة يقول:

[البحر الوافر]

دعا الرحمن بشر فاستجابا ... لدعوته فأسقانا السحابا،

وكان دعاء بشر صوب غيث ... يعاش به ويحيي ما أصابا،

أغر بوجهه نسقى ونحيى ... ونستجلي بغرته الضبابا "

٤٦٣ - حدثنا عمر بن أبي معاذ، قال: حدثني أبو الحسن الأرطباني، شيخ من مزينة، قال: حدثني أبو البيداء، عمن رأى الفرزدق يسير في جنازة بشر بن مروان يقود فرسا كان بشر حمله عليه، حتى إذا فرغ من دفنه عقر الفرس وأنشأ يقول: «

[البحر الطويل]

أقول لمحبوك السراة معاود ... سباق الجياد قد أمر على شزر،

ألست شحيحا إن ركبتك بعده ... ليوم رهان أو غدوت معي تجري،

حلفت بأن لا تركب الدهر بعده ... صحيح الشوى حتى تكوس على القبر»

٤٦٤ - حدثني محمد بن صالح القرشي قال: حدثني محمد بن الخطاب الأزدي، قال: حدثني أبو مسكين محرر بن جعفر بن زياد مولى أبي هريرة: أنه رأى الفرزدق وقد عرض لطلحة الندى بن عبد الله بن عوف أخي عبد الرحمن بن عوف، وكان جوادا، وهو خارج من المسجد، فقال:

[البحر الطويل]

ولما رأت أن الفراتين نضبا ... فأصبح مكدرا عبابهما ضحلا،

رجت في لقائك النوار وأهلها ... ربيع فرات لا بكيا ولا وحلا،

يداك تفيضان السماحة والندى ... إذا ما يد كانت على مالها قفلا،

فأخذ طلحة بيد الفرزدق حتى أدخله داره، فقال: «خذ بيد هذه الأمة، خذ بيد هذا العبد زوجها، خذ بيد هذه الوصيفة ابنتها، ثلاثة أرؤس بثلاثة أبيات»

٤٦٥ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثني موسى بن أخي، عن علي بن المنذر، عن الزبير بن موسى المخزومي قال: كان الوليد بن عبد الملك رجلا حسودا لقومه، فدخلوا عليه، فكان أول من بدر إليه عويف القوافي، فقال: كما أنت وما بقيت لنا بعد ما قلت لأخي بني زهرة؟ ألم تقم علينا الساعة يوم قامت عليه؟ ألست الذي يقول:

[البحر الوافر]

إذا ما جاء يومك يا ابن عوف ... فلا مطرت على الأرض السماء،

ولا سار البريد بغنم جيش ... ولا حملت على الطهر النساء،

تساقى الناس بعدك يا ابن عوف ... ذريع الموت ليس له شفاء

ثم قال: اصرفه، فانصرف، فلقيه القرشيون والشاميون، فقالوا: رجل من أهل الحجاز يلي صدقاتها، ما الذي استخرج به منك هذا؟ قال: " والله لقد أعطاني غيره أكثر مما أعطاني، ولكن والله ما أعطاني أحد قط عطية أبقى عندي شكرا، ولا أدوم في قلبي لذة من عطية أعطانيها، وذلك أني قدمت المدينة أريد أن أبتاع قعودا من قعدان الصدقة، ومعي بضاعة لا تبلغ العشرة الدنانير، فإذا رجل بصحن السوق، جالس على طنفسة بين يديه إبل معطونة - أي محبوسة في العطن - فظننته حين رأيته عامل السوق، فسلمت عليه، فأثبتني وجهلته فقلت: «رحمك الله، هل أنت معيني ببصرك على قعود من هذه القعدان تبتاعه لي؟» قال: نعم، أمعك ثمنه؟ قلت: نعم، فأعطيته إياه وجلست طويلا، ثم قمت إليه، فقلت: «رحمك الله، انظر في حاجتي»، قال: ما منعني منك إلا النسيان أمعك حبل؟ قلت: «نعم،» قال: هكذا افرجوا، فتوسع الناس له، فقال: «اقترن هذه وهذه»، فما نزع حتى «أمر لي بثلاثين فريضة أدنى فريضة منها خير من بضاعتي»، فقلت: أي رحمك الله، أتدري ما تقول؟ فما بقي أحد إلا وهزني وشتمني، ثم رفع طنفسته وقال: «شأنك ببضاعتك فاستعن بها على من ترجع إليه»، والله لا أنساه ما كنت حيا أبدا، وقال عويف القوافي يمدحه، وهو طلحة بن عبد الله بن عوف:

[البحر الكامل]

يا طلح أنت أخو الندى وعقيده ... إن الندى إن مات طلحة ماتا

إن الفعال إليك أطلق رحله ... فبحيث بت من المنازل باتا

٤٦٦ - حدثني محمد بن صالح القرشي قال: حدثني أبو اليقظان، عن جويرية، قال: جاء نصيب الشاعر أبو محجن إلى عبد الله بن جعفر، فحمله وكساه وأعطاه، فقال قائل له: يا أبا جعفر أعطيت هذا الحبشي هذه العطايا؟ قال: «وما ذاك؟ إنما هي رواحل تنضى، وثياب تبلى، وثناء يبقى»

٤٦٧ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثني هشام بن محمد، عن خالد بن سعيد، عن أبيه، قال: لقيني إياس بن الحطيئة، فقال: «يا أبا عثمان، مات والله الحطيئة وفي كسر البيت ثلاثون ألفا أعطاها أبوك سعيد بن العاص أبي فذهبت، وبقي ما قلنا فيكم، وذهب ما أعطيتمونا»

٤٦٨ - حدثني محمد بن صالح، عن سحيم بن حفص، قال: علق موسى شهوات جارية بالمدينة، فطلب إليهم أن يبيعوها إياه فباعوها إياه بأربعة آلاف، وأجلوه فيها أجلا، فخرج إلى الشام، وكان صديقه سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فأتاه فحدثه بقصة الجارية، فقال: إنما خرجت إلى الشام ثقة بالله ثم بك، فقال: يرزقنا الله وإياك، فانطلق وقد انقطع ظهره، فأتى سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فأخبره، فقال: «ثمنها علي، وما يصلحك من النفقة والمئونة في السفر علي»، فقال موسى:

[البحر الطويل]

فدى للكريم العبشمي ابن خالد ... بني ومالي طارفي وتليدي

أبا خالد أعني سعيد بن خالد ... أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد

ولكنني أعني ابن عائشة الذي ... أبو أبويه خالد بن أسيد

عقيد الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لم يرضى الندى بعقيد

دعوه دعوه إنكم قد رقدتم ... وما هو عن أحسابكم برقود

يعطي ولا يعطى ويغشى ويجتدى ... وما بابه للمجتدي بسديد

فاستعدى عليه عند سليمان بن عبد الملك، فقال: عبد من أهل المدينة هجاني، فبعث إلى موسى، فسأله فحدثه بقول العثماني وقوله: يرزقنا الله وإياك، فقال سليمان: لا رزقك الله ولا إياه

٤٦٩ - حدثني محمد بن صالح، عن أبي عبيدة، قال: حدثني الحارث بن سليم، قال: حججت فمررت بالمدينة فوافقت بها سليمان بن عبد الملك، فجاء سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان حتى جلس بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين، أعدني على موسى شهوات هجاني، فقام سعيد بن خالد بن عبد الله حتى جلس معه مجلس الخصم، فقال: إنه لم يهجه ولكنه مدحني، فقال سليمان: أنشدوني ما قال، فأنشدوه، فقال: ما أسمعه هجاك، ثم قال لسعيد بن خالد بن عبد الله: «ارفع حوائجك» فرفع إليه فيها ألف ألف «فأمر له بها» فاستكثرها القهرمان، فجاء يوامر سليمان، فقال: أردت أن تبخلني؟ أو أستكثرها لفتى من قريش

٤٧٠ - وأخبرني أبو زيد النميري قال: حدثني أبو غسان محمد بن يحيى الكناني قال: حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت، عن الحكم بن القاسم الأويسي، من بني عامر بن لؤي، قال: أخبرني أبي، قال: قدم على سليمان بن عبد الملك رجل من بني سهم، وكان له صديقا، فحياه، ثم قدم عليه فحياه، ثم قدم عليه الثالثة فحياه، ثم قدم عليه الرابعة فتأذى به سليمان، وقال:

وشفاء من المعيشة كور ... فوق أصلاب بازل خنشليل

فاتحا فاك للمعيشة تلقى ... كل يوم على شراك سبيل

قال السهمي: أما والله يا أمير المؤمنين، إن أولى الناس بسد ذلك الفم، وحل ذلك الرحل، وكشف ذلك الغم لأنت.
قال سليمان: «أما والله لأصلن رحمك ولأعودن لك إلى ما كنت عليه» قال عبد العزيز: وأخبرني الحكم، أن أباه أخبره أن سليمان قال البيتين

٤٧١ - حدثني محمد بن عباد بن موسى العكلي قال: نا محمد بن عبد الله الخزاعي قال ⦗١٤٧⦘: حدثني رجل من بني سليم، قال: كان عمرو بن مسعود، رجل من بني سليم ثم أحد بني ذكوان، نزل الطائف وكان صديقا لأبي سفيان وأخا، وكان له مال وولد، فذهب ماله، ودرج ولده، وأتى للشيخ عمر، حتى إذا استخلف معاوية أتاه بالخلة التي كانت بينه وبين أبي سفيان، فقام ببابه سنة وبعض أخرى لا يصل إليه، قال: ثم إن معاوية رحمه الله ظهر يوما للناس، فكتب إليه في رقعة:

[البحر البسيط]

يا أيها الملك المبدي بنا ضجرا ... لو كان صخر بعرض الأرض ما ضجرا

ما بال شيخك مخنوقا بجرته ... طال الطيال به دهرا وقد ضجرا

ومر حول ونصف ما يرى طمعا ... يدنيه منك وهذا الموت قد حضرا

قد جاء ترعش كفاه بمحجنه ... لم يترك الدهر من أولاده ذكرا

قد قسرته أمور فاقسأن لها ... وقد حنى ظهره دهر وقد كبرا

نادى وكلكل هذا الدهر يعركه ... قد كنت بابن أبي سفيان معتصرا

فاذكر أباك أبا سفيان إن لنا ... حقا عليه وقد ضيعتنا عصرا

فلما قرأ كتابه دعا به، فقال: كيف أنت وكيف عيالك وحالك؟ فقال: ما يسأل أمير المؤمنين عمن ذبلت بشرته، وقطعت ثمرته، فابيض الشعر، وانحنى الظهر، فقد كثر مني ما كنت أحب أن يقل، وصعب مني ما كنت أحب أن يذل، فأجمت النساء وكن الشفاء، وكرهت المطعم وكان المنعم، وقصر خطوي، وكثر سهوي، فسحلت مريرتي بالنقض، وثقلت على وجه الأرض، وقرب بعضي من بعض، فنحف وضعف، وذل وكل، فقل انحياشه، وكثر ارتعاشه، وقلي معاشه، فنومه سبات، وفهمه تارات، وليله هفات، كمثل قول عمك:

أصبحت شيخا كبيرا هامة لغد ... تزقو لدى جدثي أو لا فبعد غد

أردى الزمان حلوباتي وما جمعت ... كفاي من سبد الأموال واللبد

حتى إذا صرت من مالي ومن ولدي ... مثل الخلية سبروتا بلا عدد

أرسى يكد صفاتي حد معوله ... يا دهر قدني مما تبتغيه قدي

والله لو كان يا خير الخلائف ما ... قاسيت في أحد دكت ذرا أحد

أو كان بالفرد الحولي لانصدعت ... من دونه كبد المستعصم الوحد

لما رأى يا أمير المؤمنين به ... تقلب الدهر من جمع إلى بدد

وأبصر الشيخ في حيزومه نقعت ... منه الحشاشة بين الصدر والكبد

رام الرحيل وفي كفيه محجنه ... يؤامر النفس في ظعن وفي قعد

إما جوار إذا ما غاب ضيعها ... أو المقام بدار الهون والفند

فأسمحت نفسه بالسير معتزما ... ولو تجرثم في ناموسه الأسد

فقلبه فرق ومأقه شرق ... ودمعه غسق من شدة الكمد

لنسوة عرب أولادها سغب ... كأفرخ زغب حلوا على ضمد

رام الرحيل فداروا حول شيخهم ... يسترجعون له إن خاض في البلد

ينعى أصيبية فقدان والدهم ... ووالها وضعت كفا على كبد

قالوا: أبانا إذا ما غبت كيف لنا ... بمثل والدنا في القرب والبعد

قد كنت ترضعنا إن درة بكؤت ... عنا وتكلؤنا بالروح والجسد

فغرغر الشيخ في عينيه عبرته ... أنفاسه من شجي الوجد في صعد

وقال يودع صبيانا ونسوته ... أوصيكم باتقاء الله يا ولدي

فإن أعش فإياب من حلوبتكم ... أو مت فاعتصموا بالواحد الصمد

فبكى معاوية بكاء شديدا، «وأمر له بمائة ألف وكسى وعروض وحمله»، فوافى الطائف بعشرة أيام من دمشق قال أبو بكر: «وأربعة أبيات من هذا الشعر أنشدنيها أبي رحمه الله»

٤٧٢ - حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب الأصمعي، قال: حدثني عمي قال: نا رجل من بني زهرة، قال: دخل أعرابي على هشام بن عبد الملك في غمار الناس، فشق على هشام حين دخل من غير إذن، فقام الأعرابي فقال: أصابتنا ثلاثة أعوام: فعام أكل الشحم، وعام أكل اللحم، وعام انتقى العظم، وعندكم فضول من أموال، فإن كانت لله فاقسموها بين عباد الله، وإن كانت لعباد الله فبما تحبسها عنهم، وإن كانت لكم فتصدقوا، ﴿إن الله يجزي المتصدقين﴾ [يوسف: ٨٨]، فقال له هشام: «ما حاجتك؟» قال: ليس لي حاجة، فكتب هشام إلى عامله بالمدينة: «أنفق على مقحمي المدينة» فرفع مائة ألف دينار

٤٧٣ - وحدثنا أبو محمد الباهلي قال: نا عمي عبد الملك بن قريب الأصمعي، قال: سمعت أصحابنا، يتحدثون، قالوا: سمعنا علي بن أصمع، يقول: قال لي ابن عامر: «إذا طلبت إلي حاجة فاجعل بيني وبينك سترا، فإن يكن منع لم يلقك، وإن يكن نجح أتاك»

٤٧٤ - وقال لي زياد: «لا تشرك في معروفي غيري، فإني إن أعطيتك هنأتك، وإن منعتك أحسنت المنع، وأرصدت لك حاجة أخرى»

فصول الكتاب · 6 فصل · 155 صفحة
جارٍ التحميل