باب من الشرك: لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ 1 الآية................................................................................................... باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء ودفعه أي لرفعه إذا نزل ودفعه قبل أن ينزل، يعني إذا كان هذا هو القصد فتعلق قلبه في دفع ضر مما قد نزل ومما لم ينزل، قد صرحت الأحاديث بأن هذا من الشرك بالله.
قوله: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ 2 قال مقاتل: فسألهم النبي صلي الله عليه وسلم فسكتوا لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها.
"قلت ": فإذا كانت آلهتهم التي يدعون من دون الله لا قدرة لها على كشف ضر أراده الله بعبده، أو تمسك رحمة أنزلها على عبده فيلزمهم بذلك أن يكون الله تعالى هو معبودهم وحده لزوما لا محيد لهم عنه.
وذكر تعالى مثل هذا السؤال عن خليله إبراهيم لمن حاجه في الله فقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ 3، فأقام تعالى الحجة على المشركين بما يبطل شركهم بالله وتسويتهم غيره به في العبادة بضرب الأمثال وغير ذلك، وهذا في القرآن كثير كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ 4، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ 5، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ.
أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ 6.
عن عمران بن حصين - رضي الله عنهما - " أن النبي صلي الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر، فقال: " ما هذا؟ " قال: من الواهنة.
فقال: " انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا " 1 رواه أحمد بسند لا بأس به................................................................................................... ذكر العماد ابن كثير - رحمه الله تعالى - في هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس مرفوعا " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، جفت الصحف ورفعت الأقلام، واعمل لله بالشكر في اليقين، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا " 2 قوله: "عمران بن حصين " أي ابن عبيد بن خلف الخزاعي أبو نجيد بنون وجيم مصغر، صحابي ابن صحابي أسلم عام خيبر ومات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة.
قوله: "رأى رجلا " في رواية الحاكم: " دخلت على رسول الله صلي الله عليه وسلم وفي عضدي حلقة صفر فقال ما هذه؟ " الحديث، فالمبهم في رواية أحمد هو عمران راوي الحديث.
قوله: "ما هذه؟ " الظاهر أنه للإنكار عليه.
قوله: "من الواهنة " قال أبو السعادات: الواهنة عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها فيرقى منها، وقيل هو مرض يأخذ في العضد، وهي تأخذ الرجال دون النساء، وإنما نهاه عنها لكونه يظن أنها تمنع عنه هذا الداء أو ترفعه، فأمره صلي الله عليه وسلم بنزعها لذلك وأخبر أنها لا تزيده
وله عن عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعا: " من تعلق تميمة فلا أتم الله.................................................................................................. إلا وهنا، فإن المشرك يعامل بنقيض قصده؛ لأنه علق قلبه بما لا ينفعه ولا يدفع عنه، فإذا كان هذا بحلقة صفر فما الظن بما هو أطم وأعظم كما وقع من عبادة القبور والمشاهد والطواغيت وغيرها كما لا يخفى على من له أدنى مسكة من عقل، قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "فيه شاهد لكلام بعض الصحابة أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، وأنه لم يعذر بالجهالة".
لقوله: "فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا "، والفلاح هو الفوز والظفر والسعادة.
قوله: "رواه أحمد بسند لا بأس به " هو الإمام أحمد بن محمد بن هلال بن أسد الشيباني أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي، إمام أهل عصره وأعلمهم بالفقه والحديث وأشدهم ورعا، وهو الذي يقول فيه بعض أهل السنة: عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته الدنيا فأباها، والشبه فنفاها.
روى عن الشافعي وزيد بن هارون وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان وابن عيينة وعبد الرزاق وخلق لا يحصون، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة - رحمه الله تعالى -. قوله: "وله عن عقبة بن عامر مرفوعا: " من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له ". وفي رواية: " من علق تميمة فقد أشرك ". عقبة بن عامر صحابي مشهور ففيه فاضل، ولي إمارة مصر لمعاوية ثلاث سنين، ومات قريبا من الستين.
وهذا الحديث فيه التصريح بأن تعليق التمائم شرك لما يقصده من علقها لدفع ما يضره أو جلب ما ينفعه، وهذا أيضا ينافي كمال الإخلاص الذي هو معنى لا إله إلا الله؛ لأن المخلص لا يلتفت قلبه لطلب نفع أو دفع ضر من سوى الله، كما تقدم في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ 1، فكمال التوحيد لا يحصل إلا بترك ذلك، وإن كان من الشرك الأصغر فهو عظيم، فإذا كان قد خفي على بعض الصحابة - رضي الله عنهم - في عهد النبوة فكيف لا يخفى على من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب بعدما حدث من البدع والشرك؟ كما في الأحاديث الصحيحة، وتقدمت الإشارة إلى ذلك.
وهذا مما يبين معنى لا إله إلا الله أيضا، فإنها نفت كل الشرك قليله وكثيره، كما قال تعالى:
له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له ". وفي رواية: " من تعلق تميمة فقد أشرك " 1................................................................................................... ولابن أبي حاتم عن حذيفة، أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ 2.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ 3 قوله: "فلا أتم الله له " دعاء عليه، وكذلك قوله: "فلا ودع الله له " أي لا جعله في دعة وسكون.
قوله: " ولابن أبي حاتم أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه "، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ 4.
ابن أبي حاتم هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس المرادي التميمي الحنظلي صاحب الجرح والتعديل والتفسير وغيرها، مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
وحذيفة هو ابن اليمان واسم اليمان حسيل بمهملتين مصغر، ويقال حسل بكسر ثم سكون، العبسي بالموحدة، حليف الأنصار صحابي جليل من السابقين، ويقال له صاحب السر، وأبوه صحابي أيضا.
مات حذيفة في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين.
قوله: "رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ 5.
فيه مسائل: الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك.
الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح.
فيه شاهد لكلام.................................................................................................. فيه دليل على أن هذا شرك، وأن الصحابة رضي الله عنهم يستدلون بالآيات التي نزلت في الشرك الأكبر على الأصغر لدخوله في الشرك المنهي عنه في الآيات والأحاديث عموما وخصوصا لما قد عرفت أنه ينافي كمال الإخلاص.
إذا كان مثل هذا، وقد خافه صلي الله عليه وسلم على الصحابة، كما تقدم في قوله: " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " 1، فإذا كان يقع مثل هذا في تلك القرون المفضلة، فكيف يؤمن أن يقع ما هو أعظم منه؟ لكن لغلبة الجهل به وقع منهم أعظم مما وقع من مشركي العرب وغيرهم في الجاهلية، مما قد تقدم التنبيه عليه حتى إن كثيرا من العلماء في هذه القرون اشتد نكيرهم على ما أنكر الشرك الأكبر، فصاروا هم والصحابة - رضي الله عنهم - في طرفي نقيض، فالصحابة ينكرون القليل من الشرك، وهؤلاء ينكرون على من أنكر الشرك الأكبر، ويجعلون النهي عن هذا الشرك بدعة وضلالة، وكذلك كانت حال الأمم مع الأنبياء والرسل جميعهم فيما بعثوا به من توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له وحده، والنهي عن الشرك به، وقد بعث الله تعالى خاتم رسله محمدا صلي الله عليه وسلم بذلك كما بعث به من قبله، فعكس هؤلاء المتأخرون ما دعا إليه رسول الله صلي الله عليه وسلم مشركي العرب وغيرهم، فنصر هؤلاء ما نهى عنه من الشرك غاية النصرة، وأنكروا التوحيد الذي بعث به غاية الإنكار، فإنه صلي الله عليه وسلم لما قال لقريش: " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا "2 عرفوا معناها الذي وضعت له وأريد منها فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ 3 الآيات.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ 4، وفي صحيح البخاري وغيره في سؤال هرقل لأبي سفيان عن النبي صلي الله عليه وسلم قال له: فماذا يأمركم؟ قلت: يقول: "اعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم".
ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة.5
الصحابة: إن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة.
الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة بل تضر؛ لقوله: " لا تزيدك إلا وهنا".
الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.
السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئا وكل إليه.
السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك.
الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك.
التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر، كما ذكر ابن عباس في آية البقرة.
العاشرة: أن تعليق الودع عن العين من ذلك.
الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، أي لا ترك الله له.
8- باب ما جاء في الرقى والتمائم في " الصحيح " عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع.................................................................................................. قوله
##: "باب ما جاء في الرقى والتمائم "
أي من النهي عما لا يجوز من ذلك.
قوله: في الصحيح " عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع النبي صلي الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت "هذا الحديث في الصحيحين واسم أبي بشير قيس بن عبيد قاله ابن سعد.
وقال ابن عبد البر: لا يوقف له على اسم صحيح، وهو صحابي شهد الخندق ومات بعد الستين، ويقال إنه جاوز المائة.
قوله: "فأرسل رسولا " هو زيد بن حارثة، روى ذلك الحارث بن أبي أسامة في مسنده، قال الحافظ.
قوله: "أن لا يبقين " بفتح الياء والقاف ويحتمل أن يكون بضم الياء
رسول الله صلي الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت.1
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك "2 رواه أحمد وأبو داود................................................................................................... المثناة وكسر القاف، والوتر بفتحتين واحد أوتار القوس، وكان أهل الجاهلية إذا اخلولق الوتر أبدلوه بغيره، وقلدوا به الدواب اعتقادا منهم بهذا أنه يدفع عن الدابة العين، ولهذا أمر صلي الله عليه وسلم بقطع الأوتار التي علقت على الإبل، لما كان أهل الجاهلية يعتقدون ذلك فيها.
قوله: "أو قلادة إلا قطعت " يحتمل أن ذلك شك من الراوي، ولأبي داود "ولا قلادة" بغير شك، فعلى هذه الرواية تكون أو بمعنى الواو.
قال البغوي في شرح السنة: "تأول مالك أمره عليه السلام بقطع القلائد على أنه من أجل العين، وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد ويعلقون عليها العوذ يظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي صلي الله عليه وسلم عنها وأعلمهم أن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئا".
قال أبو عبيد: "كانوا يقلدون الإبل أوتارا لئلا تصيبها العين، فأمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بإزالتها إعلاما لهم بأن الأوتار لا ترد شيئا".
قوله: وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك " رواه أحمد وأبو داود " ولفظ أبي داود عن زينب امرأة عبد الله
وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: " من تعلق شيئا وكل إليه " 1 رواه أحمد والترمذي.
التمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن، فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه.
الرقى: هي التي تسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم من العين والحمى.
والتولة: شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته................................................................................................... ابن مسعود أن عبد الله رأى في عنقي خيطا فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه فقطعه ثم قال: أنتم آل عبد الله الأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك "، قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود - رضي الله عنه - ". والمقصود بيان أن هذه الأمور الشركية وإن خفيت فقد نهى عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم وأصحابه لكمال علمهم بما دلت عليه لا إله إلا الله من نفي الشرك قليله وكثيره؛ لتعلق القلب بغير الله في دفع ضر أو جلب نفع، وقد عمت البلوى بما هو أعظم من ذلك بأضعاف مضاعفة، فمن عرف هذه الأمور الشركية المذكورة في هذين البابين عرف ما وقع مما هو أعظم من ذلك كما تقدم بيانه، وفيه ما كان عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم من التحذير من الشرك والتغليظ في إنكاره، وإن كان من الشرك الأصغر فهو أكبر من الكبائر، وقد تقدم دليله في الباب قبل هذا.
وقوله: "وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا " من تعلق شيئا وكل إليه "رواه أحمد والترمذي " وعبد الله بن عكيم بضم المهملة مصغرا ويكنى أبا معبد الجهني الكوفي.
قال
وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم: "يا رويفع! لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدا بريء منه " 1................................................................................................... الخطيب: سكن الكوفة وقدم المدائن في حياة حذيفة وكان ثقة.
قوله: " من تعلق شيئا وكل إليه " 2 التعلق يكون بالقلب وينشأ عنه القول والفعل، وهو التفاف القلب عن الله إلى شيء يعتقد أنه ينفعه أو يدفع عنه كما تقدم بيانه في الأحاديث في هذا الباب والذي قبله، وهو ينافي قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ 3، فإن كان من الشرك الأصغر فهو ينافي كمال التوحيد، وإن كان من الشرك الأكبر كعبادة أرباب القبور والمشاهد والطواغيت ونحو ذلك فهو كفر بالله، وخروج من دين الإسلام، ولا يصح معه قول ولا عمل.
قوله: "وكل إليه " أي وكله الله إليه، إلى ما علق قلبه به من دون الله، ومن وكله الله إلى غيره ضل وهلك، قال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن قاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت فقلت: حدثني بحديث أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز، قال: نعم، أوحى الله إلى داود - عليه السلام - " يا داود أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم بي عبد من عبيدي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له من بينهن فرجا ومخرجا، أما وعزتي وعظمتي ما يعتصم عبد من عبيدي بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء من يده وأسخت الأرض من تحت قدميه ثم لا أبالي بأي واد هلك "وشاهد هذا في القرآن فتدبر.
قوله: وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله:صلي الله عليه وسلم " يا رويفع لعل الحياة تطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمدا بريء منه ". رويفع هو ابن ثابت بن السكن بن عدي بن الحارث الأنصاري نزل
مصر وولي برقة، له ثمانية أحاديث.
قال عبد الغني: ولي طرابلس فافتتح أفريقية سنة سبع وأربعين.
وقال ابن يونس: توفي ببرقة سنة ست وخمسين.
قوله: "لعل الحياة تطول بك " فقد طالت حياته رضي الله عنه كما أخبر النبي صلي الله عليه وسلم.
قوله: "فأخبر الناس أن من عقد لحيته ". قال الخطابي: "أما نهيه عن عقد اللحية فيفسر على وجهين: "أحدهما " ما كانوا يفعلونه في الحرب، كانوا يعقدون لحاهم، وذلك من زي بعض الأعاجم يفتلونها ويعقدونها، قال أبو السعادات: تكبرا أو عجبا.
"ثانيهما " أن معناه معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد" انتهى.
قلت: ويشبه هذا ما يفعله كثير من فتل أطراف الشارب فيترك أطرافه لذلك وهي بعضه، وفي حديث زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " من لم يأخذ من شاربه فليس منا " 1رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال: صحيح.
وفي الصحيح: " خالفوا المشركين احفوا الشوارب واعفوا اللحى " 2. وذلك يدل على الوجوب، وذكر ابن حزم الإجماع على أنه فرض فيتعين النهي عن ذلك.
قوله: "أو تقلد وترا " فيه مع ما تقدم أنه شرك لما كانوا يقصدونه بتعليقه على الدواب وغيرها.
قوله: " أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه " هذا دليل على أن هذا والذي قبله من الكبائر؛ لأن قوله: "إن محمدا بريء منه " يدل على ذلك، وقال النووي رحمه الله تعالى: أي بريء من فعله فهذا التأويل بعيد لعود الضمير إلى "من "، وقد ورد النهي عن الاستنجاء بالروث والعظام في أحاديث صحيحة كما لا يخفى، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود مرفوعا: " لا تستنجوا بالروث ولا العظام فإنه زاد إخوانكم من الجن "3 ولما روى ابن خزيمة والدارقطني عن أبي هريرة:" نهى أن يستنجى
وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة "رواه وكيع.
وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها، من القرآن وغير القرآن............................................................................................ بعظم أو روث وقال: إنهما لا يطهران" 1، وعنه: لا يجزي الاستنجاء بهما كما هو ظاهر مذهب أحمد.
قوله: "وعن سعيد بن جبير قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة "رواه وكيع " هذا عند أهل العلم له حكم الرفع؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي فيكون هذا مرسلا؛ لأن سعيدا تابعي، فعلى هذا يجب النهي عن تعليق التمائم والترغيب في قطعها وأن ذلك مما يجب، وفيه مع ما تقدم أنه شرك، وبيان حال السلف - رضي الله عنهم - من تعظيم الشرك قليله وكثيره والنهي عنه، فلما اشتدت غربة الإسلام في أواخر هذه الأمة صار إنكار هذا وما هو أعظم منه أعظم المنكرات حتى عند من ينتسب إلى العلم كما لا يخفى، ووكيع هو ابن الجراح بن وكيع الكوفي ثقة إمام صاحب تصانيف منها الجامع وغيره، روى عنه الإمام أحمد وطبقته مات سنه سبع وتسعين ومائة.
قوله: "وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن " إبراهيم هو الإمام إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي يكنى أبا عمران ثقة من كبار الفقهاء مات سنة ست وتسعين وله خمسون سنة أو نحوها قوله: "كانوا يكرهون " أراد أصحاب عبد الله ابن مسعود كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد وعبيدة السلماني ومسروق والربيع بن خثيم وسويد بن غفلة وغيرهم وهم من سادات التابعين، وفي زمانهم كانوا يطلقون الكراهة على المحرم، وهذا القول الصحيح؛ لأن ما كان من غير القرآن قد تقدم النهي عنه بلا ريب، وأما إذا كان من القرآن فيتعين النهي عنه لأمور ثلاثة: "منها " دخوله في عموم المنهي عنه.
"ومنها " كونه ذريعة إلى تعليق ما ليس من القرآن فيفضي إلى عدم إنكارها.
"الثالث " أن تعليق القرآن يكون سببا في امتهانه فلا بد أن يدخل به الخلاء ونحوه.
قال المصنف - رحمه الله تعالى -: والرقى هي التي تسمى العزائم وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم من العين والحمة، والتولة هي شيء يصنعونه يزعمون
فيه مسائل: الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمى ليس من ذلك.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء: هل هي من ذلك أم لا؟.
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
التاسعة: أن كلام إبراهيم" النخعي "لا يخالف ما تقدم من الاختلاف، لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود.
9-