باب "من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر"
قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ 1 الآية.
وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ 2.
عن أنس أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب............................................................................................... قوله: باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ قال في شرح المنازل: "أخبر تعالى أن من أحب شيئا من دون الله كما يحب الله فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدا من أهل الأرض لا يثبت هذا الند بخلاف ند المحبة فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في المحبة والتعظيم" اهـ. "قلت ": وقد وقع الشرك في الربوبية أيضا في كثير من الخاصة والعامة في آخر هذه الأمة فاعتقدوا أن لهؤلاء الأموات تصرفا في الكون ونحو ذلك.
قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية.
قال ابن كثير: "إن كانت هذه الأشياء أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا أي انتظروا ماذا يحل بكم من عقابه".
قوله: "لا يؤمن " أي الإيمان الواجب، والمراد كماله حتى يكون الرسول صلي الله عليه وسلم أحب إلى العبد من ولده ووالده والناس أجمعين، وذلك يقتضي تعظيم أمره ونهيه واتباعه في ذلك دون من سواه، ومن كان كذلك فقد أحب الله كما في آية المحبة.
قوله: أخرجاه أي البخاري ومسلم.
إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " 1 أخرجاه.
و"لهما" عنه قال: قال رسول الله:صلي الله عليه وسلم " ثلاث من كن فيه وجد بهن.................................................................................................... قوله: "ولهما عنه " أي البخاري ومسلم عن أنس - قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم الحديث.
قوله: "ثلاث " أي خصال، - قال شيخ الإسلام: أخبر النبي صلي الله عليه وسلم أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئا واشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى.
قال: فحلاوة الإيمان المتضمنة للذة والفرح تتبع كمال محبة العبد لله وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة وتفريغها ودفع ضدها، فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
"قلت ": ومن لازم محبة الله محبة أنبيائه ورسله وملائكته وكتبه والصالحين من
حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار "وفي رواية: " لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى... "1 إلى آخره.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: " من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد......................................................................................... عباده، وكراهة ما يكره سبحانه ومعاداة أعدائه، وموالاة أوليائه، فلا يحصل كمال محبة الله الواجبة إلا بكمال ذلك وإيثاره على ما تهواه النفوس مما يخالف ذلك.
قوله: " أحب إليه مما سواهما " ثنى الضمير هنا لتلازم المحبتين والله أعلم.
قوله: " كما يكره أن يقذف في النار " أي يستوي عنده الأمران.
قوله: "وفي رواية: "لا يجد" " هي عند البخاري في الأدب المفرد ولفظه: " لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه.
وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما " 2. قوله: "من أحب في الله " أي أحب أهل الإيمان بالله وطاعته من أجل ذلك.
قوله: "وأبغض في الله " أي أبغض من كفر بالله وأشرك به وعصاه لارتكابه ما يسخط الله، وإن كان أقرب الناس إليه، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ 3.
قوله: "ووالى في الله " بالمحبة والنصرة بحسب القدرة.
قوله: " وعادى في الله " من كان عدوا لله ممن أشرك وكفر وظاهر بالمعاصي، فتجب عداوته بما يقدر عليه.
قوله: " فإنما تنال ولاية الله بذلك " أي توليه لعبده، وولاية بفتح الواو.
وفي
عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك.
وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا.
وذلك لا يجدي على أهله شيئا "1 رواه ابن جرير.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ 2 قال: المودة.3.................................................................................................. الحديث " أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله عز وجل "4 رواه الطبراني.
قوله: " ولن يجد عبد طعم الإيمان... "إلى آخره، أي لا يحصل له ذوق الإيمان وبهجته ولذته وسروره والفرح به، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك.
قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ 5.
قوله: "وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا "، يعني أنه إذا ضعف داعي الإيمان أحب دنياه، وأحب لها وواخى لأجلها، وهذا هو الغالب على أكثر الخلق محبة دنياهم وإيثار ما يهوونه على ما يحبه الله ورسوله، وذلك لا يجدي على أهله شيئا، بل يضر في العاجل والآجل فالله المستعان.
قوله: "وقال ابن عباس في قوله ﴿ِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ﴾ 6 قال: المودة "، أي التي كانت بينهم خانتهم أحوج ما كانوا إليها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: وجوب محبته صلي الله عليه وسلم وتقديمها على النفس والأهل والمال.
الرابعة: أن نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام.
الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها.
السادسة: أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها.
السابعة: فهم الصحابي للواقع: أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا.
الثامنة: تفسير: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ 1.
التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبا شديدا.
العاشرة: الوعيد على من كانت الثمانية أحب إليه من دينه.
الحادية عشرة: أن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر.
32-