باب "في التوحيد وغربة الدين"
قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ.
وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ 1 الآية.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ 2 الآية................................................................................................... قوله: باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ.
وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ 3.
وهذا مما احتج به تعالى على المشركين لما وقع منهم من اتخاذ الشفعاء والشركاء في العبادة؛ لأنهم مخلوقون فلا يصلح أن يكونوا هم شركاء لمن هم خلقه وعبيده، وأخبر أنهم مع ذلك لا يستطيعون لهم نصرا أي لمن سألهم النصرة "ولا أنفسهم ينصرون"، فإذا كان المدعو لا يقدر أن ينصر نفسه فلأن لا ينصر غيره من باب الأولى، فبطل تعلق المشرك بغير الله بهذين الدليلين العظيمين، وهو كونهم عبيدا لمن خلقهم لعبادته والعبد لا يكون معبودا، "الدليل الثاني " أنه لا قدرة لهم على نفع أنفسهم فكيف يرجى منهم أن ينفعوا غيرهم، فتدبر هذه الآية وأمثالها في القرآن العظيم، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ
وفي " الصحيح " عن أنس قال: " شج النبي صلي الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت.................................................................................................. وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ 1إلى قوله- ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ 2 ابتدأ تعالى هذه الآيات بقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ 3 يخبر الخبير أن الملك له وحده والملوك وجميع الخلق تحت تصرفه وتدبيره، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ 4 فإن من كانت هذه صفته فلا يجوز أن يرغب في طلب نفع أو دفع ضر إلى أحد سوى الله تعالى وتقدس، بل يجب إخلاص الدعاء له الذي هو من أعظم أنواع العبادة، وأخبر تعالى أن ما يدعوه أهل الشرك لا يملك شيئا وأنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو فرض أنهم يسمعون فلا يستجيبون لداعيهم، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم أي ينكرونه ويتبرءون ممن فعله معهم، فهذا الذي أخبر به الخبير ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ 5 وأخبر أن ذلك الدعاء شرك به وأنه لا يغفره لمن لقيه به، فأهل الشرك ما صدقوا الخبير ولا أطاعوه فيما حكم به وشرع، بل قالوا: إن الميت يسمع، ومع سماعه ينفع، فتركوا الإسلام والإيمان رأسا كما ترى عليه الأكثرين من جهلة هذه الأمة.
قوله في الصحيح عن أنس قال: " شج النبي صلي الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت رباعيته فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ "6 فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ 7 الآية وفيه عن ابن عمر رضي الله عنه أنه " سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد "فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ 8 الآية.
وفي رواية: " يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام "فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وأسلم هؤلاء وحسن إسلامهم.
قوله: "في الصحيح " أي الصحيحين علقه البخاري عن حميد عن ثابت عن أنس، ووصله أحمد والترمذي والشافعي عن حميد عن أنس، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ 9، وقال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ 10.
والآيات في هذا المعنى كثيرة، والمقصود أن الذي له الأمر كله والملك كله لا يستحق غيره شيئا من العبادة، ولهذا المعنى قال لنبيه صلي الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ 11، فالذي ليس له من الأمر شيء هو وخيرة الله من خلقه ما زال يدعو الناس أن يخلصوا العبادة للذي له الأمر كله وهو الله تعالى، فهذا دينه صلي الله عليه وسلم الذي بعث به وأمر أن يبلغه أمته ويدعوهم إليه، كما تقدم في باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإياك أن تتبع سبيلا غير سبيل المؤمنين الذي شرعه الله ورسوله لهم وخصهم به.
رباعيته، فقال: " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ "1 فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ 2 3. و"فيه" عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه " سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: " اللهم العن فلانا وفلانا" بعدما يقول: " سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد " "4 فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
وفي رواية: " يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ 5 و"فيه" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلي الله عليه وسلم حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ 6 قال: " يا معشر قريش- أو.................................................................................................. قوله: "وفيه عن أبي هريرة " أي في صحيح البخاري، واختلف في اسم أبي هريرة وصححه النووي أن اسمه عبد الرحمن بن صخر، وهو دوسي من حفاظ الصحابة، حفظ من الحديث ما لم يحفظه غيره، كما في صحيح البخاري عن وهب بن منبه عن أخيه: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: " ما من أحد من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب "7 مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة.
وهذا الحديث له طرق كثيرة في الصحيحين والمسند والسنن وغيرها.
قوله "يا معشر قريش" أو كلمة نحوها "اشتروا أنفسكم "،
كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله صلي الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا " 1................................................................................................... أي بالإيمان بالله ورسوله واتباعه فيما جاءكم به، مما أنزل عليه من توحيد الله تعالى في العبادة، وترك ما كنتم تعبدونه من دونه من الأوثان والأصنام، فإنهم بعد ذلك الشرك صاروا عبيدا لمن لا يضر ولا ينفع، ولا يستجيب ولا يسمع إلا هو، وهم قد عرفوا أن ما كانوا يفعلونه من عبادة غير الله شرك بالله، فإنهم كانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك".
فسبحان الله كيف جاز في عقولهم أن المملوك يكون شريكا لمالكه، وقد قال تعالى:.
﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ قوله: "لا أغني عنكم من الله شيئا" هذا هو معنى ما تقدم من أنه تعالى هو المتصرف في خلقه بما شاء مما اقتضته حكمته في خلقه وعلمه بهم، والعبد لا يعلم إلا ما علمه الله، ولا ينجو أحد من عذابه وعقابه إلا بإخلاص العبادة له وحده والبراءة من عبادة ما سواه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ 2، والنبي صلي الله عليه وسلم في هذا الحديث أنذر الأقربين نذارة خاصة، وأخبر أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، وبلغهم وأعذر إليهم، فأنذر قريشا ببطونها وقبائل العرب في مواسمها، وأنذر عمه وعمته وابنته وهم أقرب الناس إليه، وأخبر أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، إذا لم يؤمنوا به ويقبلوا ما جاء به من التوحيد وترك الشرك به.
فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين.
الثانية: قصة أحد.
الثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمنون في الصلاة.
الرابعة: أن المدعو عليهم كفار.
الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار.
منها: شجهم نبيهم وحرصهم على قتله، ومنها التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم.
السادسة: أنزل الله عليه في ذلك ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ 1 السابعة: قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ 2 فتاب عليهم فآمنوا.
الثامنة: القنوت في النوازل.
التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم.
العاشرة: لعنة المعين في القنوت................................................................................................... قوله: "سليني من مالي ما شئت " لأن هذا هو الذي يقدر عليه صلي الله عليه وسلم وما كان أمره إلى الله سبحانه فلا قدرة لأحد عليه كما في هذا الحديث.
ولما مات أبو طالب وكان يحوط رسول الله صلي الله عليه وسلم ويحميه ولم ينكر ملة عبد المطلب من الشرك بالله.
وقال صلي الله عليه وسلم: " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك "3، فأنزل الله تعالى: ﴿ما كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ 4، فأخبر أن أبا طالب من أصحاب النار لما مات على غير شهادة أن لا إله إلا الله فلم ينفعه حمايته النبي صلي الله عليه وسلم من أن يكون من المشركين ولا الاعتراف بأن النبي صلي الله عليه وسلم على الحق بدون البراءة من الشرك؛ لأنه لم يبرأ من ملة أبيه، فكل تعلق على غير الله من طلب لشفاعة أو غيرها شرك بالله يكون عليه وبالا في الدنيا والآخرة، والشفاعة لا تكون إلا لأهل الإخلاص خاصة كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ 5 والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكذلك الأحاديث.، والله أعلم، وسيأتي في باب الشفاعة إن شاء الله تعالى.
الحادية عشرة: قصته صلي الله عليه وسلم لما أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ 1.
الثانية عشرة: جده صلي الله عليه وسلم في هذا الأمر، بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.
الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: " لا أغني عنك من الله شيئا حتى قال: " يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا " 2 فإذا صرح صلي الله عليه وسلم وهو سيد المرسلين أنه لا يغني عن سيدة نساء العالمين، وأمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس الآن، تبين له التوحيد وغربة الدين.
16-