التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهابشفاعة الرسل
أهل الأثرالأرشيف العلمي

: (وأما قولكم والشفاعة حق وبعثة الرسل بالمعجزات حق من آدم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).
فنقول: أما الشفاعة فقد قال أهل المعاني أنها مأخوذة من الشفع المقابل للوتر، فاستعملت في الشفيع باعتبارين: الأول: كونه شافعاً لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسئلة.
الثاني: كونه شافعاً للمسئول منه قضاء الحاجة في قضائها إذ هي لم تقض إلا بسبب شفاعته فكأنه شاركه وشفعه فيها.
فمن الأول قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ

شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
ثم ان الشفاعة من حيث هي قد افترق الناس فيها ثلاث فرق: طرفان ووسط.
فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب كالنصارى ومبتدعة هذه الأمة قد أثبتوا الشفاعة التي نفاها الله وذلك أنهم اتخذوا وسائط ووسائل من الخلق شفعاء لهم يسمونهم آلهة ومنه قول صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لكن هؤلاء الباقون نفوا بألسنتهم اسم الإله عما سوى الله وأثبتوا معناه في معتقدهم وقولهم الذي يسمونه واسطتهم ووسيلتهم من الخلق في تفريج كربهم وكشف شدائدهم.
كما تكون الوسائط والوسائل بين السلطان ورعيته فشبهوا الحالق تعالى بالمخلوق.
وصريح القرآن من أوله إلى آخره راداً عليهم إذ السلاطين جاهلون أحوال الخلق إلا بمنبه ومفطن، والله تعالى عالم يعلم ما في السموات وما في الأرض كما أن له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
والملوك عاجزون عن تدبير الخلق إلا بمعين ومظاهر والله تعالى هو المدبر للأشياء كلها ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ والملوك محتاجون إلى محرك خارجي يحركهم بالموعظة ونحوها والله تعالى لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، بل هو الخالق للسبب والمسبب وليس في الأسباب ما هو مستقل بل هي جميعها من الله وحده لا شريك له لا قيام لها إلا بمشيئته وقدرته، فلا حول وهى الحركة والتحول من حال إلى حال ولا قوّة كل ذلك الحلول إلا به تعالى وسواء في ذلك الحول والقوّة الموجود في السماء والأرض والآدميين والملائكة والجن وسائر الدواب وغيره ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ

زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له فليس لغيره ملك ولا شرك في ملك غيره ولا شريك له.
وهذان الصنفان هما اللذان لهما ملك إما كامل وإما مشاع، ومن ليس له ملك فإما أن يكون عوناً للمالك كالوكلاء والإجراء والغلمان والجند والأولياء.
وإما أن يكون سائلاً طالباً منه لأنه إما أن ينفع المالك فيكون له عليه حق وإما أن لا ينفع لكن يسأله فأخبر سبحانه أنه ليس له من المخلوقات من ظهير.
وأما مسئلة الشفاعة فلم ينفها لكن أخبر أنها لا تكون ولا تنفع إلا لمن أذن له، فالشفاعة بعد رضائه تعالى عن المشفوع فيه وهذا بخلاف الشفعاء للمخلوقين فإنهم قد يشفعون لمن لم يؤذن لهم في الشفاعة له وقبل استئذان المشفوع إليه.
وهكذا كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وهذا يوجب انقطاع تعلق القلوب بغيره ولو كان ملكاً أو نبياً فكيف بالمشايخ والعلماء والملوك فإن غاية الراجي لهم المعتمد عليهم أن يقول هم يشفعون لي فقد أخبر سبحانه أنه ما من شفيع إلا من بعد إذنه وأنكر أن يشفع أحد إلا بإذنه وأخبر أن الشفاعة لا تنفع إلا لمن أذن له.
ولهذا إذا جاء سيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إلى ربه ورآه سجد وحمد بمحامد يفتحها عليه ولا يبتدئ بالشفاعة حتى يقال له: أي محمد أرفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع.
وبهذا تتبين الشفاعة المنفية يوم القيامة كما قال جل ذكره: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وذلك ان الإنسان في الدنيا يحصل ما ينفعه، تارة يكون بمعاوضة حسية، وتارة معنوية، والله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقيراً إليه بخلاف الخلق فإنهم محتاجون إلى ظهير يظاهرهم ويعاونهم فهذه الوسائط في الحقيقة شركاؤهم والله سبحانه ليس له شريك في الملك كما ليس له شريك في استحقاق العبادة بل هو المختص بها ولا تليق إلا لجلاله وعظمته فلا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله

الحمد وهو على كل شيء قدير، ولهذا حسم مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذن الإله فلا أحد يشفع عنده إلا بإذنه لا ملك ولا نبي ولا غيرهما لأن من شفع عنده غيره بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب لأنه أثر فيه بشفاعته لاسيما إن كانت من غير إذنه فجعله يفعل ما طلب منه والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه، وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه، ولهذا قال عز من قائل: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ والآيات في ذلك كثيرة جداً رادة على المشركين قولهم وعقيدتهم.

فصول الكتاب · 66 فصل · 501 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب · 501 صفحة
مقدمة...ما ورد إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الرسائلسبب تأليف الرسالةترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وذكر من أخذ عنه العلمتعصب الراوي وكبرهما ذكره الراوي في شأن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهابرسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونقد الراوي لهارد الشيخ على قول الخصمتعريف المرتدحكم التوسل بالأعمال الصالحة وبأسماء الله وصفاتهتعريف الدليل لغة واصطلاحاقصائد في مدح الشيخ من علماء الأقطاررد قول الخصم أن الشيخ أخذ علمه من كتب ابن تيميةتعريف التقليدتعريف الإجماعرجوع إسماعيل بن اسحق الأشعري عن معتقداتهتعريف السلفحدوث العالم وأنه لا خالق سوى اللهالمعاد الجسماني والمجازاةجواز العفو عن المذنبينشفاعة الرسلإنكار الخوارج والمعتزلة للشفاعة:عقيدة السلف الصالح في الشفاعةبعثة الرسل بالمعجزات حقأهل الشجرة وأهل بدر من أهل الجنةوجوب نصب الإمام على المكلفينالإمام الحق بعد الرسول أبو بكر ورد قول الرافضةالأفضلية على ترتيب الخلافةعدم تكفير أحد من أهل القبلةالتوحيد وما يتعلق بهالاعتقاد المكفر أقسامتارك الصلاة كافر، وإقامة الدليل عليهالأدلة على كفر تارك الصلاةالأحاديث الواردة في نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرةمسائل الإيمان والإسلام والفرق الضالةحكم الفاسقكفر دون كفرالحكم بغير ما أنزل الله كفر عمليالجمع بين حديثي "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " وبين حديث " لا يزني الزاني... ":النفاق نفاقانحكم ما يفعله العوام من الدعاء والهتفحمل نصوص القرآن وغيرها على ظواهرهاتعريف العبادةحمل المؤمن عل الصلاحوجوب الاستغفار والترضي لمن سلفزيارة القبور الشرعية وما ورد في ذلكالشفاعة الثابتة والمنفية والمنهي عنهاالدعاء عند الموتى أو بهم ليس من الوسائل المشروعةمسألة شد الرحال إلى زيارة القبور...حكم المتهاون بصلاتهالمسابقة مع الإمام يبطل الصلاة وكلام الإمام أحد فيهالبس الخلقة والخيط لدفع البلاء أو رفعه من الشركحكم التبرك بالشجر والحجرالدلائل القائمة على ألوهية الخالقتعريف النذر لغة وشرعاً وحكم النذر لغير اللهالاستعاذة بغير الله وتفصيل الكلام فيهانداء غير الله هو الدعاء الذي هو العبادةالاستغاثة بغير الله وتفصيل الكلام فيهامن الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنياقول البوصيري يا أكرم الخلق وحديث بن مظعون وتزكية الناس ورد قول الخصم فيما يتعلق بقول البوصيريبحث قوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾الكلام في العبادة والعبوديةقول الخصم لا يلزم من دعاء الغير أن يكون شركاً في العبادة والجواب عنهقول الخصم كيف يقال طلب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إشراك والجواب عنهالشفاعة ومعناها ورد قول المخالفالاعتصام بالكتاب والسنة
جارٍ التحميل