كتاب الحج
:
الحج فرض، وفي العمرة قولان: أصحهما: أنها فرض.
ولا يجب في العمر إلا مرة إلا أن ينذر، أو يدخل إلى مكة لحاجةٍ لا تتكرر من تجارة أو زيارة؛ فيلزمه الإحرام بالحج أو العمرة في أحد القولين، ولا يلزمه ذلك في الآخر.
ولا يجب ذلك إلا على مسلم، عاقل، بالغ، حر، مستطيع.
فأمّا الكافر الأصلي فلا يجب عليه، ولا يصح منه، وأمّا المرتد فإنه يجب عليه، ولا يصح منه.
وأمّا المجنون فلا يجب عليه، ولا يصح منه.
وأمّا الصبي فإنه لا يجب عليه، ويصح، فإن كان مميزًا أحرم بإذن الولي، وإن كان غير مميز أحرم عنه أحدُ أبويه، وفعل عنه وليه ما لا يتأتى منه، ونفقته في الحج وما يلزمه من الكفارة في ماله في أحد القولين، وفي مال الولي في القول الآخر.
وأمّا العبد فلا يجب عليه الحج، ويصح منه.
فإن بلغ الصبي، وعتق العبد قبل الوقوف في الحج وقبل الطواف في العمرة؛ أجزأهما عن حجة الإسلام وعمرته.
والمستطيع اثنان: مستطيع بنفسه، ومستطيع بغيره؛ فالمستطيع بنفسه أن يكون صحيحًا، واجدًا للزاد والماء بثمن المثل في المواضع التي جرت العادة أن يكون فيها في ذهابه ورجوعه، وأن يكون واجدًا لراحلةٍ تصلح لمثله إن كان بينه وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة، وأن يكون ذلك فاضلًا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم إن احتاج إليه، وقضاء دين إن كان عليه، وأن يجد طريقًا آمنًا من غير خفارة 1، وأن يكون عليه من الوقت ما يتمكن
الجزء: 1 - الصفحة: 69
فيه من السير لأدائه، وإن كانت امرأة؛ بأن يكون معها من تأمن معه على نفسها.
والمستطيع بغيره أن يجد من لا يقدر على الثبوت على الراحلة -لزمانة أو كبر- مالًا يُدفع إلى من يحجُّ عنه، أو له من يطيعه؛ فيلزمه فرض الحج.
والمستحب لمن وجب عليه الحج أو العمرة أن لا يؤخر ذلك، فإن أخّره وفعل قبل أن يموت لم يأثم، ومن وجب عليه ذلك وتمكّن من فعله فلم يفعل حتى مات وجب قضاؤه من تركته؛ كالزكاة.
ولا يحج ولا يعتمر عن غيره وعليه فرضه، ولا يتنفّل بالحج عن نفسه وعليه فرضه، ولا يؤدي نذر الحاج وعليه حجة الإسلام، فإن أحرم عن غيره، أو تنفّل وعليه فرضه؛ انصرف إلى الفرض، وكذلك لو أحرم بنذر الحج وعليه فرض الإسلام انصرف إلى فرض الإسلام.
ولا تجوز النيابة في حج التطوع في أحد القولين، وتجوز في الآخر.
ويجوز الإحرام بالعمرة وفعلها في جميع السنة، ولا يجوز الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، وهي شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، فإن أحرم بالحج في غير أشهره انعقد إحرامه بالعمرة.
ويجوز إفراد الحج عن العمرة، ويجوز القران بينهما، ويجوز التمتع بالعمرة إلى الحج.
وأفضلها الإفراد، ثم التمتع، ثم القران.
والإفراد: أن يحجّ، ثم يخرج إلى أدنى الحل ويحرم بالعمرة.
والتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحجّ من عامه.
والقران: أن يجمع بينهما في الإحرام، أو يهل بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف، ثم يقتصر على أفعال الحج، وإن أهلّ بالحج ثم أدخل عليه العمرة ففيه قولان: أحدهما: يصح، ويصير قارنًا.
والثاني: لا يصح.
ويجب على المتمتع والقارن دم، ولا يجب ذلك على القارن إلا أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام، ولا على المتمتع إلا أن لا يعود لإحرام الحج إلى الميقات، وأن لا يكون من غير حاضري المسجد الحرام، وحاضر المسجد الحرام أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، والأفضل أن يذبح دم التمتع والقران يوم النحر، فإن ذبح المتمتع بعد الفراغ من العمرة، والقارن بعد الإحرام بالحج؛ جاز على ظاهر المذهب.
وقيل: لا يجوز دم التمتع حتى يفرغ من العمرة ويحرم بالحج، فإن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع
إلى أهله في أصح القولين، وإذا فرغ من الحج في القول الآخر.
الجزء: 1 - الصفحة: 70
باب المواقيت
:
ميقات أهل المدينة: ذو الحليفة.
وميقات أهل اليمن: يلملم.
وميقات أهل نجد: قرن.
وميقات أهل الشام ومصر: الجحفة.
وميقات أهل العراق: ذات عرق.
وإن أهلُّوا من العتيق فهو أفضل.
وهذه المواقيت لأهلها، ولكل من مرّ بها من غير أهلها، ومن كان أهلُه دون الميقات أو في الحرم فميقاته موضعه، ومن سلك طريقًا لا ميقات فيه أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه, ومن كان داره فوق الميقات فالأفضل أن لا يحرم إلا من الميقات في أصح القولين، ومن (1) دويرة أهله في القول الآخر، ومن جاوز الميقات غير مريد للنسك، ثم أراد أن يحرم؛ أهلَّ من موضعه، ومن جاوز الميقات مريدًا للنسك وأحرم دونه فعليه دم، فإن عاد إلى الميقات قبل التلبس بالنسك سقط عنه الدم.
باب الإحرام، وما يحرم فيه
:
إذا أراد أن يحرم اغتسل، فإن لم يجد الماء تيمّم، وتجرد عن المخيط في إزار ورداء أبيضين جديدين، أو نظيفين، ويتنظّف، ويتطيب، ويصلي ركعتين، فإذا بدأ بالسير أحرم في أصح القولين، وفي القول الثاني: يحرم عقيب الصلاة، وينوي الإحرام بقلبه، ويلبي، فإن لم يلب أجزأه.
وقيل: لا يجزئه حتى يلبي.
والمستحب أن يعين ما أحرم به، فإن أحرم مطلقًا، ثم صرفه إلى حجٍّ أو عمرة جاز، وإن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد إحداهما، فإن أحرم بنسك ثم نسيه ففيه قولان: أحدهما: أنه يصير قارنًا.
والثاني: أنه يتحرّى، ويصرف إحرامه إلى ما يغلب على ظنه منهما، ولا يستحب أن يذكر ما أحرم به في تلبيته.
والتلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، ويرفع صوته بالتلبية، والمرأة تخفض صوتها، ويستحب أن يكثر من التلبية، ويستحب ذلك في المساجد وإقبال الليل والنهار، وعند2
الجزء: 1 - الصفحة: 71
اجتماع الرفاق، وإذا رأى شيئًا يعجبه قال: لبيك إنّ العيش عيش الآخرة، وإذا لبّى صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأل الله تعالى ما أحبّ، ولا يلبي في الطواف.
وإذا أحرم حرُم عليه لبس المخيط في جميع بدنه، فإن فعل ذلك لزمته الفدية، فإن لم يجد إزارًا جاز أن يلبس السراويل، ولا فدية عليه، ويحرم عليه لبس الخفّ، فإن لبس لزمته الفدية، فإن لم يجد نعلين جاز له أن يلبس خفين مقطوعين من أسفل الكعبين، ولا فدية عليه، ويحرم عليه ستر الرأس بالمخيط وغيره، فإن ستره لزمته الفدية.
ويحرم عليه الطيب في ثيابه وبدنه.
ويحرم عليه شمّ الأدهان المطيبة، وأكل ما فيه طيب ظاهر، وشمّ الرياحين؛ كالورد، والياسمين، والورس، والزعفران، ويجوز له شمّ النيلوفر والبنفسج، وفي الريحان الفارسي قولان، فإن استعمل شيئًا من ذلك لزمته الفدية، ويحرم عليه أن يدهن رأسه ولحيته، فإن فعل ذلك لزمته الفدية.
ويحرم عليه تقليم الأظفار، وحلق الشعر، فإن فعل ذلك لزمته الفدية.
ويحرم عليه أن يتزوج، وأن يُزوِّج، فإن فعل ذلك فالعقد باطل، وتكره له الخطبة والشهادة على النكاح.
ويحرم عليه الجماع في الفرج، والمباشرة فيما دون الفرج بشهوة، والاستمناء، فإن فعل ذلك لزمته الكفارة.
ويحرم عليه الصيد المأكول، وما تولّد من مأكول وغير مأكول، فإن مات في يده، أو أتلفه، أو أتلف جزءًا منه؛ لزمه 3 الجزاء.
ويحرم عليه لحم ما صيد له، أو أعان على ذبحه، أو كان له أثر في ذبحه، فإن ذبح الصيد حرُم عليه أكله، وهل يحرم على غيره؟ فيه قولان.
ولا يملك الصيد بالبيع والهبة، وهل يملك بالإرث؟ فقد قيل: إنه يملك.
وقيل: لا يملك.
وإن كان في ملكه صيد فأحرم زال ملكه عنه في أحد القولين دون الآخر.
وإن احتاج إلى اللبس لحرٍّ أو برد، أو إلى الطيب والحلق للمرض، أو إلى ذبح صيد للمجاعة؛ جاز له ذلك، وعليه الكفارة.
وإن صال عليه الصيد جاز له قتله للدفع، ولا جزاء عليه.
وإن افترش الجراد في طريقه فقتله ففيه قولان.
وإن نبتت في عينه شعرة فقلعها لم يلزمه شيء.
وإن تطيب، أو لبس، أو ادّهن ناسيًا؛ لم تلزمه الكفارة.
وإن قتل الصيد، أو حلق الشعر، أو قلّم الظفر ناسيًا؛ لزمته الكفارة.
وقيل في الحلق والتقليم قول
الجزء: 1 - الصفحة: 72
آخر: أنه لا تلزمه.
فإن جامع ناسيًا ففيه قولان: أصحهما: أنه لا تلزمه كفارة.
وإن حلق رأسه مكرهًا، أو نائمًا؛ وجبت الفدية على الحالق (1) في أحد القولين، وعلى المحلوق في الآخر، ويرجع على الحالق.
ويجوز للمرأة القميص، والسراويل، والخمار، والخف، وفي لبس القفازين قولان: أصحهما: أنه لا يجوز لها ذلك.
ولا يجوز لها ستر وجهها، فإن أرادت الستر عن الناس سدلت على وجهها ما يستره، ولا يقع على البَشَرِ.
باب كفارة الإحرام
:
إذا تطيب، أو لبس، أو باشر فيما دون الفرج بشهوة، أو ادّهن رأسه، أو حلق ثلاث شعرات، أو قلّم ثلاثة أظفار؛ لزمه 5 دم، وهو مخيّر بين أن يذبح شاة وبين أن يطعم ثلاثة آصُع، لكل مسكين نصف صاع، وبين أن يصوم ثلاثة أيام.
فإن قلّم ظفرًا، أو حلق شعرة؛ ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: يجب ثلث دم.
والثاني: درهم.
والثالث: مُدّ.
وإن لبس وتطيب لزمه لكل واحد كفارة، فإن لبس، ثم لبس، أو تطيب، ثم تطيب في مجالس قبل أن يكفر عن الأول؛ كفاه عنهما كفارة واحدة في أحد القولين، ويلزمه لكل واحد كفارة في الثاني.
وإن جامع في الفرج في العمرة أو في الحج قبل التحلل الأول فسد نسكه، وعليه أن يمضي في فاسده، ويجب عليه القضاء من حيث أحرم، ويكون القضاء على الفور.
وقيل: لا يجب على الفور، ويجب عليه نفقة المرأة وفي القضاء.
وقيل: عليها النفقة.
وإن قضى الحج وهي معه فالمستحب أن يفترقا في الموضع الذي جامعها فيه.
وقيل: يجب ذلك.
ويجب عليه بالجماع بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فسبعة من الغنم، فإن لم يجد قَوَّم البدنة دراهم، والدراهم طعامًا، وتصدق به، فإن لم يجد صام عن كل مد يومًا، وإن تكرّر منه الجماع ولم يكفّر عن الأول كفاه عنهما كفارة واحدة في أحد الأقوال، وتلزمه بدنة في القول الثاني، وشاة في القول الثالث.
فإن جامع بعد التحلل الأول لم يفسد حجه، وعليه بدنة في أحد القولين، وشاة في الآخر، وإن أفسد القضاء؛ فإن قتل صيدًا له مثلٌ من النعم وجب فيه مثله من4
الجزء: 1 - الصفحة: 73
الغنم، فيجب في النعامة: بدنة، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش: بقرة، وفي الضبع: كبش، وفي الغزال: عنز، وفي الأرنب: عناق، وفي اليربوع: جفرة، وفي الصغير: صغير، وفي الكبير: كبير، وفي الذكر: ذكر، وفي الأنثى: أنثى، وفي الصحيح: صحيح، وفي المكسور: مكسور، فإن فدى الذكر بالأنثى فهو أفضل على المنصوص.
وقيل: إن أراد تفريق اللحم لم يجز الأنثى عن الذكر، وإن فدى الأعور من اليمين بالأعور من اليسار جاز، ثم هو بالخيار إن شاء أخرج المثل، وإن شاء اشترى بقيمته طعامًا وتصدق به، وإن شاء صام عن كل مد يومًا، وإن أتلف ظبيًا ماخضًا ضمنه بقيمة شاة ماخض، وإن قتل صيدًا لا مثل له من النعم وجبت فيه القيمة، ثم هو بالخيار بين أن يخرج الطعام وبين أن يصوم، إلا الحمام وكل ما عبَّ وهدر؛ فإنه يجب فيه شاة، وهو بالخيار بين الشاة وبين الطعام وبين الصيام، ويرجع في معرفة المثل والقيمة إلى عدلين.
وإن جرح صيدًا له مثل فنقص عشر قيمته لزمه عشر ثمن المثل.
وقيل: يجب عليه عشر المثل، إلا أن لا يجد عشر المثل.
وإن جرح صيدًا فأزال امتناعه ضمنه بكمال الجزاء.
وقيل: يلزمه أرش ما نقص.
وإن كسر بيض صيد لزمه القيمة.
وإن اشترك جماعة في قتل صيد لزمهم جزاء واحد.
وإن أمسكه محرم فَقَتَلَهُ حلالٌ وجب الجزاء على المحرم، وإن قتله محرم آخر وجب الجزاء بينهما نصفين.
وصيد الحرم حرام على الحلال والمحرم، فمن قتله منهما وجب عليه ما يجب على المحرم في صيد الإحرام، ويحرم على الحلال والمحرم قلع شجر الحرم.
وقيل: لا يحرم قلع ما أنبته الآدمي.
والأول هو المنصوص، وإن قلعه ضمنه، فإن كانت كبيرة ضمنها ببقرة، وإن كانت صغيرة ضمنها بشاة، وإن قطع غصنًا منها ضمن ما نقص، فإن عاد الغصن سقط الضمان في أحد القولين، ولم يسقط في الآخر، فإن أخذ أوراقها لم يضمن.
ويحرم قطع حشيش الحرم إلا الإذخر 6، والعوسج 7، فإن قطع الحشيش ضمنه
الجزء: 1 - الصفحة: 74
بالقيمة، وإن استخلف سقط عنه الضمان، ويجوز رعي الحشيش.
ويحرم صيد المدينة كما يحرم صيد الحرم، إلا أنه لا يضمن.
وفيه قول آخر: أنه يسلب القاتل وما وجب على المحرم من طعام وجب تفرقته على مساكين الحرم، وما وجب من هدي وجب ذبحه في الحرم وتفرقته على فقراء الحرم.
وإن أحصر جاز أن يذبح، ويفرّق حيث أحصر.
باب صفة الحج
:
إذا أراد المحرم دخول مكة اغتسل، ويدخل من ثنية كَدَاء من أعلى مكة، فإذا خرج خرج من ثنية كُدًى من أسفل مكة، فإذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهمّ زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة، وزد من شرّفه وعظّمه ممن حجّه واعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا، اللهمّ أنت السلام ومنك السلام؛ فحينا ربنا بالسلام، ويبتدئ بطواف القدوم، ويضطبع؛ فيجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، ويطرح طرفيه على عاتقه الأيسر، ويبتدئ من الحجر الأسود؛ فيستلمه بيده، ويقبّله، ويحاذيه، فإن لم يمكنه استلمه، فإن لم يمكنه أشار إليه بيده، ثم يجعل البيت على يساره، ويطوف، فإذا بلغ الركن اليماني استلمه، وقبّل يده، ولا يقبله.
ويقول عند ابتداء الطواف: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.
ويطوف سبعًا، ويرمل في الثلاثة الأولى منها، ويمشي في الأربعة، وكلما حاذى الحجر الأسود استلمه وقبّله، وكلما حاذى الركن اليماني استلمه، وفي كل وترٍ أحبُّ، ويقول في رمله كلما حاذى الحجر الأسود: الله أكبر، اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، ويقول في الأربعة: رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، أو يدعو فيما بين ذلك بما أحبّ، ولا ترمل المرأة، ولا تضطبع.
والأفضل أن يطوف راجلًا، وإن طاف راكبًا جاز، وإن حمله محرم ونويا جميعًا ففيه قولان: أحدهما: أنّ الطواف للحامل.
والثاني:
الجزء: 1 - الصفحة: 75
أنه للمحمول.
وإن طاف محدثًا، أو نجسًا، أو مكشوف العورة، أو طاف على جدار الحجر، أو على شاذروان الكعبة؛ لم يجزئه.
وإن طاف من غير نية فقد قيل: يصح.
وقيل: لا يصح.
ثم يصلي ركعتي الطواف، والأفضل أن يكون خلف المقام، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية: قل هو الله أحد، وهل تجب هذه الصلاة؟ ففيه قولان: أصحهما: أنها لا تجب.
ثم يعود إلى الركن ويستلمه، ثم يخرج من باب الصفا، ويسعى، يبدأ بالصفا، والأولى أن يرقى عليها حتى يرى البيت، والمرأة لا ترقى، ويكبر ثلاثا، ويقول: الحمد لله على ما هدانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، ذو الجلال والإكرام، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، ثم يدعو بما أحبّ، ثم يدعو ثانيًا وثالثًا، ثم ينزل من الصفا، ويمشي حتى يكون بينه وبين الميل الأخضر المعلّق بفناء المسجد نحو ستة أذرع، فيسعى سعيًا شديدًا حتى يحاذى الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد وحذاء دار العباس، ثم يمشي حتى يصعد المروة، ويفعل مثل ما فعل على الصفا، ثم ينزل ويمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه حتى يأتي الصفا، ثم يفعل ذلك سبعًا، فإن بدأ بالمروة لم يعتدّ بذلك حتى يأتي الصفا فيبدأ به، والمرأة تمشي ولا تسعى.
فإن كان يوم السابع من ذي الحجة خطب الإمام بعد الظهر بمكة، وأمر الناس بالغدو إلى منى من الغد، ثم يخرج إلى منى في اليوم الثامن، فيصلي بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ويبيت بها، ويصلي بها الصبح، فإذا طلعت الشمس على ثبير 8 سار إلى الموقف، واغتسل للوقوف، وأقام بنمرة، فإذا زالت الشمس خطب الإمام خطبة خفيفة، وجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم، ويأمر بالأذان، ويخطب الخطبة الثانية، ويفرغ منها مع فراغ المؤذن، ثم يقيم، ويصلي الظهر والعصر، ثم يروح إلى الموقف، والأفضل
الجزء: 1 - الصفحة: 76
أن يقف عند الصخرات بقرب الإمام، وأن يستقبل القبلة، وأن يكون راكبًا في أحد القولين، وفيه قول آخر: أنّ الراكب وغيره سواء، ويكثر من الدعاء، ويكون أكثر قوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
ووقت الوقوف: من الزوال يوم عرفة إلى الفجر الثاني من يوم النحر، فمن حصل بعرفة في شيء من هذا الوقت وهو عاقل فقد أدرك الحج، ومن فاته ذلك، أو وقف وهو مغمى عليه؛ فقد فاته الحج، ومن أدرك الوقوف بالنهار وقف حتى تغرب الشمس، فإن دفع قبل الغروب لزمه دم في أحد القولين.
ثم يدفع بعد الغروب إلى المزدلفة على طريق المأزِمَيْنِ، ويمشي وعليه السكينة والوقار، فإذا وجد فرجة أسرع، ويصلي بها المغرب والعشاء، ويبيت بها إلى أن يطلع الفجر الثاني، ويأخذ منها حصى الجمار، ومن حيث أخذ جاز، فإن دفع قبل نصف الليل لزمه دم في أحد القولين، ثم يصلي الصبح في أول الوقت، ثم يقف على قزح -وهو المشعر الحرام- فيدعو، ويذكر الله تعالى إلى أن يسفر النهار، ويكون من دعائه: اللهم كما وفقتنا فيه، وأريتنا إياه؛ فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك -وقولك الحق-: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ إلى قوله: ﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾، ثم يدفع قبل طلوع الشمس، فإذا وجد فرجة أسرع، فإذا بلغ وادي محسر أسرع، أو حرّك دابته قدر رمية حجر، فإذا وصل إلى منى بدأ بجمرة العقبة، فيرمي إليها سبع حصيات؛ واحدة واحدة، لا يجزئه غيره، يكبّر مع كل حصاة، ويرفع يده حتى يرى بياض إبطه، والأولى أن يكون راكبًا؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقطع التلبية مع أول حصاة، وإن رمى بعد نصف الليل أجزأه، فإذا رمى ذبح هديًا 9 إن كان معه، وحلق أو قصّر، وأقل ما يجزئ ثلاث شعرات، والأفضل أن يحلق جميع رأسه، فإن لم يكن له شعر استحب أن يمرّ الموسى على رأسه، والمرأة تقصّر، ولا تحلق.
وهل الحلق نسك أم لا؟
فيه قولان: أحدهما: أنه نسك.
والثاني: أنه استباحة محظور.
ويخطب الإمام بعد الظهر بمنى، ويعلّم الناس النحر، والرمي,
الجزء: 1 - الصفحة: 77
والإفاضة.
ثم يفيض إلى مكة، ويغتسل، ويطوف طواف الزيارة أول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر، والمستحب أن يكون في يوم النحر، فإن أخّره عنه جاز، فإذا فرغ من الطواف؛ فإن كان قد سعى مع طواف القدوم لم يسع، وإن لم يكن سعى أتى بالسعي، فإن قلنا: إن الحلق نسك حصل له التحلل الأول باثنين من ثلاثة، وهي الرمي، والحلق، والطواف، وحصل له التحلل الثاني بالثالث.
وإن قلنا: إن الحلق ليس بنسك حصل له التحلل الأول بواحد من الاثنين: الرمي، والطواف، وحصل له التحلل الثاني بالثاني، وفيما يحل بالتحلل الأول والثاني قولان: أصحهما: أنه يحل بالأول ما سوى النساء، وبالثاني تحل النساء.
والقول الثاني: يحل بالأول لبس المخيط، والحلق، وقلم الأظفار، وبالثاني يحل الباقي.
ثم يعود بعد الطواف إلى منى، ويرمي في أيام التشريق في كل يومٍ الجمرات الثلاث، كل جمرة سبع حصيات كما وصفنا، فيرمي الجمرة الأولى -وهي التي تلي مسجد الخيف-، ويقف قدر سورة البقرة يدعو الله تعالى، ثم يرمي الجمرة الوسطى، ويقف ويدعو كما ذكرنا، ثم يرمي الجمرة الثالثة -وهي جمرة العقبة-، ولا يقف عندها.
ومن عجز عن الرمي استناب من يرمي عنه، ويكبّر هو، ولا يجوز الرمي إلا بالحجر، والأولى أن يكون بحصى الخذف، ولا يجوز رمي الجمار إلا مرتبًا، ولا يجوز إلا بعد الزوال، فإن ترك الرمي حتى مضت أيام التشريق لزمه دم، وإن ترك حصاة ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: يلزمه ثلث دم.
والثاني: مد.
والثالث: درهم.
ويبيت بها في أيام الرمي، فإن ترك المبيت في الليالي الثلاث لزمه دم في أحد القولين، وفي ليلة الأقوال الثلاثة التي في الحصاة.
ويجوز لأهل سقاية العباس عليه السلام رعاء الإبل أن يَدَعُوا المبيت ليالي منى، ويرموا يومًا، ويَدَعُوا يومًا، ثم يرموا ما فاتهم، فإن أقام الرعاء حتى غربت الشمس لم يجز لهم أن يخرجوا حتى يبيتوا.
ويجوز لأهل سقاية العباس أن يَدَعُوا المبيت بمنى وإن أقاموا إلى الغروب.
ومن ترك المبيت لعبدٍ أبق، أو لأمرٍ يخاف فوته؛ كان كالرعاء وأهل السقاية على المنصوص.
ثم يخطب الإمام يوم الثاني من أيام التشريق بعد صلاة الظهر، ويودع الحاج، ويعلمهم جواز النفر، فمن نفر قبل غروب
الجزء: 1 - الصفحة: 78
الشمس سقط عنه الرمي في اليوم الثالث، ومن لم ينفر حتى غربت الشمس لم يسقط عنه الرمي، فإن نفر قبل الغروب ثم عاد زائرًا أو مارًّا لم يلزمه الرمي.
ويستحب لمن حج أن يدخل البيت حافيًا، ويصلي فيه، ويشرب من ماء زمزم لما أحب، ويتنفس ثلاثا، ويتضلع (1) منه، وأن يكثر الاعتمار والنظر إلى البيت، ويكون آخر عهده بالبيت إذا خرج أدمن النظر إليه إلى أن يغيب عنه، وإذا أراد الخروج بعد قضاء النسك طاف للوداع، ولم يقم بعده، فإن أقام لم يعتد بطوافه عن الوداع، ومن ترك طواف الوداع لزمه دم في أحد القولين، وإن نفرت الحائض بلا وداع لم يلزمها دم، وإذا فرغ من الوداع وقف في الملتزم بين الركن والباب ويقول: اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك حتى سيرتني في بلادك، وبلغتني بنعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضًا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري هذا أو انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فاصحبني العافية في بدني والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي خير الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.
باب صفة العمرة
:
إذا أراد العمرة أحرم من الميقات، فإن كان من أهل مكة خرج إلى أدنى الحل، والأفضل أن يحرم من التنعيم، فإن أحرم بها ولم يخرج إلى أدنى الحل ففيه قولان: أحدهما: لا يجزئه.
والثاني: يجزئه.
وعليه دم، ثم يطوف، ويسعى، ويحلق، وقد حلّ.10
الجزء: 1 - الصفحة: 79
باب فروض الحج والعمرة، وسننهما
:
وأركان الحج أربعة: الإحرام, والوقوف, والطواف, والسعي.
وواجباته: الإحرام من الميقات، والرمي، والوقوف بعرفة إلى الليل في أحد القولين، والمبيت بالمزدلفة في أحد القولين، والمبيت ليالي منى في أحد القولين، والحلق في أحد القولين، وطواف الوداع في أحد القولين.
وسننه: الغسل، وطواف القدوم، والرمل، والاضطباع في الطواف، والسعي، والاستلام، والتقبيل، والارتقاء على الصفا.
وقيل: إنه واجب، والمبيت بمنى ليلة عرفة، والوقوف على المشعر الحرام، والخطب، والأذكار، والإسراع في موضع الإسراع، والمشي في موضع المشي.
وأفعال العمرة كلها أركان إلا الحلق.
ومن ترك ركنًا لم يحل من إحرامه حتى يأتي به.
ومن ترك واجبًا لزمه دم.
ومن ترك سنة لم يلزمه شيء.
باب الفوات والإحصار
:
ومن فاته الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج، ويتحلّل بأفعال عمرة، وهو الطواف، والسعي، والحلق، وعليه القضاء ودم التمتع في الحال.
وقيل: يجب الدم في القضاء، وإن أخطأ الناس في العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك، وإن وقع ذلك لنفر لم يجزئهم، وعليهم القضاء كما وصفت، ومن أحصره عدو وهو محرم ولم يكن له طريق غيره ذبح هديًا، وتحلّل، وإن لم يكن معه هدي ففيه قولان: أحدهما: لا بدل للهدي.
والثاني: أنّ له بدلًا، وهو الصوم، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: صوم التمتع.
والثاني: صوم الحلق.
والثالث: صوم التعديل عن كل مد يوم، وفي تحلله قبل أن يصوم في أحد القولين وقبل أن يهدي في القول الآخر قولان.
ومن أحصره مرض لم يتحلل إلا أن يكون قد شرط ذلك في الإحرام.
فإن أحرم العبد بغير إذن مولاه جاز له أن يحلله.
وإن أحرمت المرأة بحج التطوع بغير إذن زوجها جاز له أن يحللها، وفي حج الإسلام قولان.
ومن تحلل بالإحصار لم يلزمه القضاء، وفيه قول آخر: أنه يجب
الجزء: 1 - الصفحة: 80
القضاء إذا لم يكن الحصر عامًّا.
باب الأضحية
:
الأضحية سنة إلا أن ينذر.
ويدخل وقتها إذا انبسطت الشمس يوم النحر، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، ويخرج وقتها بخروج أيام التشريق، فمن لم يضح حتى مضى الوقت؛ فإن كان تطوعًا لم يضح، وإن كان منذورًا لزمه أن يضحي.
والمستحب لمن دخل عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي أن لا يحلق شعره، ولا يقلّم ظفره حتى يضحي.
ويجزئ في الأضحية: الجذعة من الضأن، وهي التي لها ستة أشهر، أو الثنية من المعز والإبل والبقر، والثنية من المعز: ما لها سنة تامة.
ومن البقر ما لها سنتان.
ومن الإبل ما لها خمس سنين.
وتجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وإن كان بعضهم يريد اللحم وبعضهم يريد القربة جاز، وأفضلها البدنة، ثم البقرة، ثم الجذعة من الضأن، ثم الثنية من المعز، وأفضلها البيضاء، ثم الصفراء، ثم السوداء.
ولا يجزئ فيها معيبة بعيب ينقص اللحم.
والأفضل أن يذبحها بنفسه، فإن لم يحسن فالأفضل أن يشهد ذبحها.
والمستحب له أن يأكل الثلث، ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث في أحد القولين، وفيه قول آخر: أنّه يأكل النصف، ويتصدق بالنصف، فإن أكل الكل فقد قيل: لا يضمن.
والمذهب أنّه يضمن القدر الذي يجزئه، وهو أدنى جزء.
وقيل: يضمن القدر المستحب، وهو النصف أو الثلث.
وإن نذر أضحية معينة زال ملكه عنها، ولم يجز بيعها، وله أن يركبها، فإن ولدت ذبح معها ولدها، وله أن يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها، وإن كان صوفها يضرُّ بها إلى وقت الذبح جاز له أن يجزه، وينتفع به، ولا يأكل من لحمها شيئا.
وقيل: يجوز أن يأكل، فإن تلفت لم يضمنها، وان أتلفها ضمنها بأكثر الأمرين من قيمتها، أو أضحية مثلها، فإن زادت القيمة على مثلها تصدّق بالفضل.
وقيل: يشتري به اللحم، ويتصدق به.
وقيل: يشارك به في ذبيحة، وإن لم يذبحها حتى فات الوقت لزمه أن يذبحها.
الجزء: 1 - الصفحة: 81
باب العقيقة
(1):
المستحب لمن وُلِد له ولد أن يحلق رأسه يوم السابع، فإن كان غلامًا ذبح عنه شاتين، وإن كانت جارية ذبح عنها شاة.
ويستحب نزع اللحم من غير أن يكسر العظم، ويفرق على الفقراء.
باب الصيد والذبائح
:
ولا يحل من الحيوان المأكول شيء من غير ذكاة إلا السمك والجراد.
ولا يحلّ ذكاة المجوسي، والمرتد، ونصارى العرب، وعبدة الأوثان.
ويُكره ذكاة المجنون، والسكران.
ويجوز الذبح بكل ما له حدٌّ يقطع إلا السن والظفر، فإن ذبح بهما لم يحل، ولا يذبح بسكين كالّ، فإن ذبح به حلّ، وما قدر على ذبحه لم يحل إلا بقطع الحلقوم والمريء.
ويستحب أن يوجّه الذبيحة إلى القبلة، ويسمّي الله تعالى عليها، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يقطع الأوداج كلها، وأن ينحر الإبل معقولة من قيام، ويذبح البقر والغنم مضطجعة، ولا يكسر عنقها، ولا يسلخ جلدها حتى تبرد، وإن علم جارحة بحيث إذا أغراه على الصيد طلبه، وإذا أشلاه استشلى 12 , وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه، وخلّى بينه وبينه، ثم أرسله من هو من أهل الزكاة فقتل الصيد بظفره أو نابه أو تركه ولم تبق فيه حياة مستقرة، أو بقيت فيه حياة مستقرة إلا أنّه لم يبق من الزمان ما يمكن ذبحه فيه حتى مات؛ حلّ.
وإن أرسله مجوسي، أو شارك المسلم في الإرسال، أو شارك الجارح 13 جارحة أرسلها مجوسي في قتل الصيد؛ لم يحل.
وإن قتل الجارح 14 الصيد بثقلها ففيه قولان.
وإن رمى سهمًا أو غيره فقتل الصيد بثقله لم يحل.
وإن أكل الجارحة من الصيد ففيه قولان.
وإن كان11
الجزء: 1 - الصفحة: 82
الجارحة كلبًا غسل موضع الظفر والناب من الصيد.
وقيل: يُعفى عنه.
وإن رمى طيرًا فأصابه السهم فوقع في ماء أو على جبل فتردّى منه فمات لم يحل.
وإن أصاب صيدًا فجرحه جرحًا لم يقتله، ثم غاب عنه فوجده ميتًا؛ حلّ في أحد القولين، ولا يحل في الآخر.
وإن أرسل سهمًا أو كلبًا على صيد فقتل غيره حلّ.
وإن أرسل على غير صيد فقتل صيدًا لم يحل.
وقيل: يحل في السهم دون الكلب.
وإن رمى شيئًا يحسبه حجرًا فكان صيدًا فقتله حلّ أكله.
وإن أرسل عليه كلبًا فقد قيل: يحل.
وقيل: لا يحل.
وإن نضب سكينا فوقع به صيد فجرحه فمات لم يحل.
ومن أخذ صيدًا، أو أزال امتناعه؛ مَلَكَهُ.
ومن ملك صيدًا ثم أرسله لم يزل ملكه عنه في أصح الوجهين.
باب الأطعمة
:
ويؤكل من دوابّ الإنس: الإبل، والبقر، والغنم، والخيل.
ولا يؤكل: الكلب، والخنزير، والبغل، والحمار، والسنور.
ويؤكل من دواب الوحش: البقر، والحمار، والظبي، والضبع، والثعلب، والأرنب، واليربوع، والقنفذ، والوبر 15، وابن عرس، والضب، وسنور البر؛ فقد قيل: إنه يؤكل.
وقيل: لا يؤكل.
ولا يؤكل ما استخبثه العرب من الحشرات؛ كالحية، والعقرب، والوزغ، وسام أبرص 16، والخنفساء، والزنبور، والذباب، وبنت وردان، وحمار قبان 17، وما أشبهها.
وكذلك لا يؤكل ما يتقوّى بنابه؛ كالأسد، والفهد، والنمر، والذئب، والدب، والفيل، والقرد، والتمساح، والزرافة، وابن أوى.
ويؤكل من الطير: النعامة، والديك، والدجاج، والبط، والأوز، والحمام، والعصفور، وما أشبهها.
ولا يؤكل ما يصطاد بالمخلب؛ كالنسر، والصقر، والشاهين، والباز،
الجزء: 1 - الصفحة: 83
والحدأة.
ولا ما يأكل الجيف؛ كالغراب الأبقع (1)، والغراب الأسود الكبير، وأما غراب الزرع والغداف (2)؛ فقد قيل: إنهما يؤكلان.
وقيل: لا يؤكلان.
وما تولّد من مأكول وغير مأكول لا يحل أكله؛ كالسبع وغيره.
وتكره الشاة الجلّالة (3)، وإن أطعم الجلّالة فطاب لحمها لم يكره.
ويؤكل من صيد البحر السمك.
ولا يؤكل الضفدع وما سواهما.
فقد قيل: إنه يؤكل.
وقيل: لا يؤكل.
وقيل: ما أكل شبهه من البر أكل، وما لا يؤكل شبهه لم يؤكل.
وكل طاهر لا ضرر في أكله يحل أكله إلا جلد ما يؤكل إذا مات ودبغ؛ فإنه لا يجوز أكله في أحد القولين، ويجوز في الآخر.
وما ضرّ أكله -كالسم وغيره- لا يحل أكله.
ولا يحل أكل شيء نجس.
فإن اضطر إلى الميتة أكل منها ما يسد به الرمق (4) في أحد القولين، وقدر الشبع في الآخر، وإن وجد المضطر ميتة وطعام الغير أكل طعام الغير، وضمن بدله.
وقيل: يأكل الميتة، فإن وجد صيدًا وميتة وهو محرم ففيه قولان: أحدهما: يأكل الميتة.
والثاني: يأكل الصيد.
ومن اضطر إلى شرب الخمر جاز له شربها.
وقيل: لا يجوز.
وقيل: يجوز للتداوي، ولا يجوز للعطش.
ولا يحرم كسبُ الحجّام، والأولى أن يتنزه الحرُّ من أكله.
باب النذر
:
لا يصح النذر إلا من مسلم، بالغ، عاقل.
وقيل: يصح من الكافر.
ولا يصح النذر إلا في قربة.
ويصح النذر بالقول، وهو أن يقول: لله عليّ كذا، أو عليّ كذا.
وقيل: يصح بالنية وحدها.
ومن علّق النذر على أمرٍ يطلبه -كشفاء المريض، وقدوم الغائب- لزمه الوفاء به عند وجود الشرط، ومن نذر شيئًا ولم18192021
الجزء: 1 - الصفحة: 84
يعلقه على شيء فقد قيل: لا يصح.
والمذهب أنه يصح.
ومن نذر شيئًا على وجه اللجاج -بأن قال: إن كلمت فلانا فعليّ كذا- فهو بالخيار عند وجود الشرط بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين.
وقيل: إن نذر حجًّا لزمه، وليس بشيء.
ومن نذر الحج راكبًا فحج ماشيًا لزمه دم، ومن نذر الحج ماشيًا لزمه الحج ماشيًا من دويرة أهله.
وقيل: من الميقات.
ولا يجوز أن يترك المشي إلى أن يرمي في الحج ويفرغ من العمرة، فإن حجّ راكبًا من غير عذر فقد أساء، وعليه دم، وإن حج راكبًا لعذر جاز، وعليه دم في أصح القولين.
ومن نذر المضي إلى مكة، أو إلى الكعبة؛ لزمه قصدها بحج أو عمرة.
وإن نذر المشي إلى بيت الله تعالى، ولم يقل: الحرام؛ لم يلزمه المشي على ظاهر المذهب.
وقيل: يلزمه.
وإن نذر المشي إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى المسجد الأقصى؛ لزمه ذلك في أحد القولين دون الآخر.
وإن نذر المشي إلى ما سواهما من المساجد لم يلزمه المشي.
ومن نذر النحر بمكة لزمه النحر بها، وتفرقة اللحم على أهل الحرم، وإن نذر النحر والتفرقة في بلد آخر لزمه، وإن نذر النحر وحده فقد قيل: يلزمه النحر والتفرقة.
وقيل: لا يلزمه.
ومن نذر أن يهدي شيئًا معينًا إلى الحرم نقله إليه إن كان مما يُنقل، وإن لم يكن نقله باعه ونقل ثمنه، فإن نذر الهدي وأطلق لزمه الجذع من الضأن، أو الثني من المعز والإبل والبقر، وإن نذر أن يهدي لزمه ما ذكرنا في أحد القولين، وما يقع عليه الاسم في القول الآخر، وإن نذر بدنة في الذمة لزمه ما نذر، فإن أعوزه الإبل أخرج بقرة، وإن أعوزه البقرة أخرج سبعًا من الغنم.
وقيل: هو مخيّر بين الثلاثة.
والمستحب لمن أهدى شيئا من البدن أن يشعرها بحديدة في صفحة سنامها الأيمن، وأن يقلّدها خرب القرب ونحوها من الخيوط المفتولة والجلود، ويقلّد البقر والغنم ولا يشعرها.
وإن عطب منها شيء قبل المحل نحره، وغمس نعله في دمه، وضرب صفحته، وخلّى بينه وبين المساكين.
ومن نذر صوم سنة بعينها لم يقض أيام العيد والتشريق وشهر رمضان، وإن كانت امرأة فحاضت قضت أيام الحيض في أصح القولين.
وإن نذر أنه يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان لم يصح نذره في أحد القولين، ويصح في الآخر، وإن قدم في أثناء
الجزء: 1 - الصفحة: 85
النهار نوى صومه ويجزئه، وإن كان مفطرًا لزمه القضاء، وإن وافق ذلك شهر رمضان لم يقض، وإن وافق يوم العيد قضاه في أصح القولين.
ومن نذر صلاة لزمه ركعتان في أصح القولين، وركعة في الآخر.
ومن نذر عتق رقبة أجزأه ما يقع عليه الاسم.
وقيل: لا يجزئه إلا ما يجزئ في الكفارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 86