كتاب الصلاة
:
ويجب فرض الصلاة على كل بالغ، عاقل، طاهر، مسلم، فأمّا الصبي، ومن زال عقله بجنون أو مرض، والحائض، والنفساء؛ فلا يجب عليهم، ويؤمر الصبي بالصلاة لسبع، ويضرب على تركها لعشر، فإن بلغ في أثناء الصلاة، أو صلى في أول الوقت وبلغ في آخره؛ أجزأه ذلك الفرض، وأما الكافر؛ فإن كان أصليا لم يجب عليه، وإن كان مرتدًّا وجب عليه.
ولا يعذر أحدٌ من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن الوقت إلا نائم، أو ناسٍ، أو معذور بسفر أو مطر؛ فإنه يؤخرها بنية الجمع، أو من أكره على تأخيرها.
ومن امتنع من فعلها جاحدًا لوجوبها كفر، وقُتل بكفره، ومن امتنع غير جاحد حتى خرج الوقت قتل في ظاهر المذهب.
وقيل: يقتل بترك الصلاة الرابعة.
وقيل: يقتل بترك الصلاة الثانية إلى أن يضيق وقتها.
ويستتاب كما يستتاب المرتد، ثم يُقتل، ويُصلّى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين.
باب مواقيت الصلاة
:
الصلاة المكتوبة خمس:
الظهر، وأول وقته: إذا زالت الشمس.
وآخره: إذا صار ظل كل شيء مثله.
والعصر، وأول وقته: إذا صار ظل كل شيء مثله، وزاد أدنى زيادة.
وآخره: إذا صار كل شيء مثليه، ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى الغروب.
والمغرب، وأول وقتها: إذا غابت الشمس، ولا وقت لها إلا وقت واحد في
الجزء: 1 - الصفحة: 25
أظهر القولين، وهو بمقدار ما يتوضأ، ويستر العورة، ويؤذن، ويقيم، وله أن يستديمها إلى أن يغيب الشفق.
والعشاء، ويكره أن يُقال لها: العتمة.
وأول وقتها: إذا غاب الشفق الأحمر.
وآخره: إذا ذهب ثلث الليل في أحد القولين، ونصفه في الآخر، ثم يذهب الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني.
والصبح، وأول وقتها: إذا طلع الفجر الثاني.
وآخره: إذا أسفر الصبح، ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس.
ومن أدرك من الصلاة ركعة قبل خروج الوقت فقد أدركها، ومن شكّ في دخول الوقت فأخبره ثقة عن علمٍ عمل به، وإن أخبره عن اجتهادٍ لم يقلده، بل يجتهد، ويعمل على الأغلب عنده.
والأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت إلا الظهر في الحرّ لمن يمضي إلى الجماعة؛ فإنه يبرد بها، وفي العشاء قولان: أصحهما: أن تقديمها أفضل.
ومن أدرك من وقت الصلاة قدر ما يؤدي فيه الفرض، ثم جُنّ، أو كانت امرأة فحاضت؛ وجب عليهما القضاء.
وإن بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو طهرت حائض أو نفساء، أو أفاق مجنون أو مغمى عليه قبل طلوع الشمس بركعة؛ لزمهم الصبح، وإن كان بدون ركعة ففيه قولان.
وإن كان ذلك قبل الغروب أو قبل طلوع الفجر بركعة لزمهم العصر والعشاء، وفي الظهر والمغرب قولان: أحدهما: يلزم بما يلزم به العصر والعشاء.
والثاني: يلزم بقدر خمس ركعات.
ومن لم يصل حتى فات الوقت وهو من أهل الفرض بعذر أو غير عذر لزمه القضاء، والأولى أن يقضيها مرتبا، إلا أن يخشى فوات الحاضرة؛ فيلزمه البداية بها، والأولى أن يقضيها على الفور، فإن أخّرها جاز.
وقيل: إن فاتت بغير عذر لزمه قضاؤها على الفور.
ومن نسي صلاة من الخمس ولم يعرف عينها لزمه أن يصلي الخمس.
باب الأذان
: الأذان والإقامة سنة في الصلوات المكتوبة، وهو أفضل من الإمامة.
الجزء: 1 - الصفحة: 26
وقيل: هو فرض على الكفاية، فإن اتفق أهل بلد على تركه قاتلهم الإمام.
والأذان تسع 1 عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنّ محمدًا رسول الله، أشهد أنّ محمدًا رسول الله، ثم يرجع فيمد صوته فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنّ محمدًا رسول الله، أشهد أنّ محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فإن كان في أذان الصبح قال بعد الحيعلة: الصلاة خير من النوم مرتين.
والإقامة إحدى عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنّ محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
ويستحب أن يرتل الأذان، ويدرج الإقامة، وتكون الإقامة أخفض صوتًا من الأذان، وأن يؤذن ويقيم على طهارة، ويستقبل القبلة، فإذا بلغ الحيعلة التفت يمينا وشمالا، ولا يستدير 2، وأن يؤذن على موضع عالٍ، وأن يجعل إصبعيه في صماخي أذنيه، وأن يكون المؤذن حسن الصوت، وأن لا يقطع الأذان بكلام ولا غيره، وأن يكون من أقرباء مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون ثقة, وأن يقول بعد الفراغ منه: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، يا أرحم الراحمين، ويستحب لمن سمعه أن يقول كما يقول المؤذن إلا في الحيعلة؛ فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول في كلمة الإقامة: أقامها الله وأدامها ما دامت السموات والأرض.
ولا يجوز الأذان إلا مرتبا, ولا يجوز قبل دخول الوقت إلا الصبح؛ فإنه يؤذن له بعد نصف الليل.
وتقيم المرأة، ولا تؤذن.
ومن فاتته صلوات، أو جمع بين صلاتين؛ أذّن، وأقام للأولى وحدها، وأقام للتي بعدها في أصح الأقوال، وفي القول الثاني: لا يؤذن، ولا يقيم، وفي القول الثالث: أذّن وأقام لكل واحدة 3 على حدة.
وإذا لم يوجد من يتطوع بالأذان رزق الإمام من يقوم به.
وإن استأجر عليه جاز.
وقيل: لا يجوز.
الجزء: 1 - الصفحة: 27
باب ستر العورة
:
ويجب ستر العورة عن العيون بما لا يصف (1) البشرة, وهو شرط في صحة الصلاة.
وعورة الرجل: ما بين سرته وركبته.
وعورة الحرة: جميع بدنها إلا الوجه والكفين.
وعورة الأمة: ما بين السرة والركبة.
والمستحب أن يصلي الرجل في ثوبين: قميص، ورداء، فإن اقتصر على ستر العورة جاز، إلا أن المستحب أن يطرح على عاتقه شيئًا.
ويستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وسراويل.
ويستحب لها أن تكثف جلبابها.
ومن لا يجد إلا ما يستر بعض العورة سَتَرَ السوأتين، وإن وجد ما يكفي أحدهما (2) سَتَرَ به القبل.
وقيل: يستر به الدبر، وإن بُذل له سترة لزمه قبولها، ومن لم يجد صلّى عريانًا، ولا إعادة عليه، وإن وجد السترة في أثناء الصلاة وهي بقربه ستر، وبنى، وإن كانت بالبعد ستر، واستأنف.
باب طهارة البدن، والثوب، وموضع الصلاة
:
واجتناب النجاسات شرط في صحة الصلاة، فإن حمل نجاسة في صلاته، أو لاقاها ببدنه، أو ثيابه؛ لم تصح صلاته.
وقال في القديم: إن صلّى ثم رأى في ثوبه نجاسة كانت في الصلاة لم يعلم بها قبل الدخول أجزأته صلاته، وإن أصاب أسفل الخف نجاسة فمسحه على الأرض فصلّى فيه ففيه قولان: أحدهما: يجزئه.
والثاني: لا يجزئه.
وإن أصاب الأرض نجاسة فذهب أثرها بالشمس والريح فصلّى عليها ففيه قولان: أحدهما: يجزئه.
والثاني: لا يجزئه.
وإن صلّى في مقبرة منبوشة لم تصح صلاته، وإن صلّى في مقبرة غير منبوشة كُرهت، وأجزأه، وإن شكّ في نبشها صحت صلاته.
وقيل: لا تصح.
وإن جبر عظمه بعظم نجس، وخاف التلف من نزعه، فصلى فيه؛ أجزأته صلاته.
وإن صلّى وفي ثوبه دم البراغيث، أو اليسير من سائر الدماء، أو سلس البول، أو الاستحاضة؛ جازت صلاته.
وإن كان على ثوبه، أو على بدنه مما لا45
الجزء: 1 - الصفحة: 28
يدركه الطرْف من غير الدماء؛ فقد قيل: يصح.
وقيل: لا يصح.
وقيل: فيه قولان.
وإن كان على قرحه دمٌ يخاف من غسله صلّى فيه، وأعاد.
وتكره الصلاة في: الحمّام، وقارعة الطريق، وأعطان (1) الإبل.
ولا تكره في مراح الغنم.
ولا تحل الصلاة في أرض مغصوبة، ولا ثوب مغصوب، ولا ثوب حرير، فإن صلّى لم يُعد، وإن اشتبه عليه ثوب طاهر وثوب نجس صلّى في الطاهر على الأغلب عنده، وإن خفي عليه موضع النجاسة من الثوب غسله كله.
باب استقبال القبلة
:
واستقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، إلا في شدة الخوف، وفي النافلة في السفر؛ فإنه يصليها حيث توجّه، فإن كان ماشيًا، أو على دابة يمكنه توجيهها إلى القبلة؛ لم يجز حتى يستقبل القبلة في الإحرام والركوع والسجود.
والفرض في القبلة إصابة العين، فمن قرب منها لزمه ذلك بيقين، ومن بعد منها لزمه بالظن في أحد القولين.
وفي القول الآخر: الفرض لمن بعُد الجهة، ومن صلّى في الكعبة، أو على ظهرها وبين يديه سترة متصلة؛ جازت صلاته، ومن غاب عنها فأخبره ثقة عن علمٍ صلّى بقوله، ولم يجتهد، وكذلك إن رأى محاريبَ المسلمين في بلد صلّى إليها، ولم يجتهد، وإن كان في بريّة واشتبهت عليه القبلة اجتهد في طلبها بالدلائل، فإن لم يعرف الدلائل، أو كان أعمى؛ قلّد بصيرًا يعرفه، وإن لم يجد من يقلّده صلّى على حسب حاله، وأعاد، ومن صلّى بالاجتهاد أعاد الاجتهاد للصلاة الأخرى، فإن تغيّر اجتهاده عمل بالاجتهاد الثاني فيما يستقبل، ولا يعيد ما صلّى بالاجتهاد الأول، وإن تيقن الخطأ لزمه الإعادة في أصح القولين.6
الجزء: 1 - الصفحة: 29
باب صفة الصلاة
:
إذا أراد الصلاة قام إليها بعد فراغ المؤذن من الإقامة، ثم يُسوي الصفوف إن كان إمامًا، ثم ينوي الصلاة بعينها إن كانت الصلاة مكتوبة، أو سنة راتبة, وإن كانت نافلة غير راتبة أجزأته نية الصلاة، وتكون النية مقارنة للتكبير، لا يجزئه غيره.
والتكبير أن يقول: الله أكبر، أو الله الأكبر، لا يجزئه غير ذلك، ومن لا يحسن التكبير بالعربية كبّر بلسانه، وعليه أن يتعلم، ويجهر بالتكبير إن كان إمامًا.
ويرفع يديه مع التكبير حذو منكبيه، ويفرّق أصابعه، فإذا انقضى التكبير حطّ يديه، وأخذ كوعه الأيسر بكفه الأيمن، وجعلهما تحت صدره، وجعل نظره إلى موضع سجوده، ثم يقرأ: وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلمًا، وما أنا من المشركين، إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين، ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقرأ فاتحة الكتاب، أولها: بسم الله الرحمن الرحيم، ويرتل القراءة، ويرتبها، ويأتي بها على الولاء، فإن ترك ترتيبها، أو فرقها؛ لزمه إعادتها.
وإذا قال: ولا الضالين، قال: آمين.
ويجهر بها الإمام فيما يجهر فيها.
وفي المأموم قولان: أصحهما: أنه يجهر بها، ثم يقرأ السورة يبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم، فإن كان مأمومًا في الصلاة يجهر فيها، ولم يقرأ السورة، وفي الفاتحة قولان: أصحهما: أنّه يقرأها.
والمستحب أن تكون السورة في الصبح والظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساط المفصل، وفي المغرب من قصار المفصل.
ويجهر الإمام المنفرد بالقراءة في الصبح، والأوليين 7 من المغرب والعشاء، ومن لا يحسن الفاتحة وضاق الوقت عن التعلم قرأ بقدرها من غيرها، وإن كان يحسن آية ففيه قولان: أحدهما: يقرؤها، ثم يضيف إليها من الذكر ما يتم به قدر الفاتحة.
والثاني: أنه يكرر ذلك سبعًا، وإن لم يحسن شيئًا من القرآن لزمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ويضيف إليه كلمتين من
الجزء: 1 - الصفحة: 30
الذكر.
وقيل: يجوز هذا وغيره، فإن لم يحسن شيئًا وقف بقدر القراءة.
ثم يركع مكبرًا رافعًا يديه، وأدنى الركوع أن ينحني حتى يبلغ يداه ركبيته، والمستحب أن يضع يديه على ركبتيه، ويفرّق أصابعه، ويمدّ ظهره وعنقه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه، وتضمّ المرأة بعضها إلى بعض، ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثا، وذلك أدنى الكمال، فإن قال مع ذلك: اللهمّ لك ركعتُ، ولك أسلمت، وبك آمنت، وأنت ربي، خشع لك سمعي وبصري وعظامي وشعري وبشَري وما استقل به قدمي لله رب العالمين كان أكمل.
ثم يرفع رأسه قائلا: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه، فإذا استوى قائمًا قال: ربنا لك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، وذلك أدنى الكمال، فإن قال معه: أهل الثناء والمجد حق ما قاله العبد، كلنا لك عبد، لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد 8 كان أكمل.
ثم يكبر، ويهوي ساجدًا، فيضع ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، وأدنى السجود أن يباشر 9 بجبهته المصلَّى، وفي وضع اليدين والركبتين والقدمين قولان: أحدهما: يجب.
والثاني: لا يجب.
وفي مباشرة المصلَّى بالكف قولان: أصحهما: أنه لا يجب.
والمستحب أن يجافي 10 مرفقيه عن جنبيه, ويقل 11 بطنه عن فخذيه.
وتضمّ المرأة بعضها إلى بعض، ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، وذلك أدنى الكمال، فإن قال معه: اللهمّ لك سجدتُ، ولك أسلمت، وبك آمنت، أنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشقّ سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين كان أكمل، وإن سأل الله تعالى في سجوده ما شاء كان حسنًا.
ثم يرفع رأسه مكبرًا, ويجلس مفترشًا، ويفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويقول: اللهمّ اغفر لي، وارحمني، وارزقني، وعافني، واعف عني، ثم يسجد السجدة الثانية مكبرًا، ثم يرفع رأسه مكبرًا، ويجلس
الجزء: 1 - الصفحة: 31
جلسة الاستراحة في أصح القولين.
ثم ينهض قائمًا معتمدًا على يديه، ويمدّ التكبير إلى أن يقوم.
ثم يصلي الركعة الثانية مثل الأولى، إلا في النية، والاستفتاح، والتعوّذ.
فإن كان في صلاة هي ركعتان جلس متوركًا، يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ويخرجهما من تحته، ويُفضي بوركه إلى الأرض، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض أصابعه إلا المسبحة؛ فإنه يشير بها متشهدًا، ويبسط اليد اليسرى على الفخذ اليسرى، ويتشهد فيقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
والواجب منه خمس كلمات: وهي التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: اللهمّ صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل ابراهيم، إنك حميد مجيد.
والواجب منه: اللهمّ صل على محمد، ويدعو بما يجوز من أمر الدين والدنيا.
والمستحب أن يدعو بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهمّ اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت.
ثم يسلم تسليمتين: إحداهما عن يمينه، ينوي بها الخروج من الصلاة والسلام على الحاضرين، والأخرى عن يساره، ينوي بها السلام على الحاضرين، ثم يدعو سرًّا، إلا أن يريد تعليم الحاضرين فيجهر، وإن كان في صلاة هي ثلاث ركعات أو أربع جلس بعد الركعتين مفترشًا وتشهد، وصلّى على النبي صلى الله عليه وسلم وحده في أحد القولين، ولا يصلي في الآخر، ثم يصلي ما بقي من صلاته مثل الثانية، إلا أنّه لا يقرأ السورة في أحد القولين، ويقرأ في الآخر.
ويجلس في آخر الصلاة متوركا، فإن
الجزء: 1 - الصفحة: 32
كان في الصبح فالسنة أن يقنت بعد الرفع من الركوع فيقول: اللهمّ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعزّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، وصل اللهمّ على النبي محمد وآله.
ويؤمن المأموم على الدعاء، ويشاركه في الثناء.
وإن نزل بالمسلمين نازلة قنتوا في جميع الصلاة.
باب فروض الصلاة، وسننها
:
وفروض الصلاة ثمانية عشر: النية، وتكبيرة، الإحرام، والقيام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والطمأنينة فيه، والاعتدال، والطمأنينة فيه، والسجود، والطمأنينة فيه، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة فيه، والجلوس في آخر الصلاة، والتشهد فيه، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والتسليمة الأولى، ونية الخروج.
وقيل: لا يجب ذلك، وترتيبها على ما ذكرناه.
وسننها أربع وثلاثون: رفع اليدين في تكبير الإحرام والركوع والرفع منه، ووضع اليمين على الشمال، والنظر إلى موضع سجوده، ودعاء الاستفتاح، والتعوذ، والتأمين، وقراءة السورة، والجهر، والإسرار، والتكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، والتسميع، والتحميد في الرفع من الركوع، والتسبيح في الركوع، والتسبيح في السجود، ووضع اليد على الركبة في الركوع، ومدّ الظهر والعنق فيه، والبداية بالركبة ثم باليد في السجود، ووضع الأنف في السجود، ومجافاة المرفق عن الجنب في الركوع والسجود، وإقلال البطن عن الفخذ في السجود، والدعاء في الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة، والافتراش في سائر الجلسات، والتورك في آخر الصلاة، ووضع اليد اليُمنى على الفخذ مقبوضة، والإشارة بالمسبحة، ووضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة، والتشهد الأول، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، والصلاة على آله في التشهد الأخير، والدعاء في آخر الصلاة، والقنوت في الصبح، والتسليمة الثانية، ونية السلام على الحاضرين.
الجزء: 1 - الصفحة: 33
فإن ترك فرضًا ساهيًا وهو في الصلاة لم يعتد بما فعله بعد (1) المتروك حتى يأتي بما تركه، ثم يأتي بما بعده، وإن لم يعرف موضعه بنى الأمر على أسوأ الأحوال، فإن كان المتروك سجدة من أربع ركعات جعلها من غير الأخيرة، ثم يأتي بركعة، فإن كان سجدتين جعل واحدة من الأولى وواحدة من الثالثة، ويأتي بركعتين، وإن كان ثلاث سجدات جعل سجدة من الأولى وسجدة من الثالثة وسجدة من الرابعة، ويأتي بركعتي، ن وإن كان أربع سجدات جعل سجدة من الأولى وسجدة من الثالثة وسجدتين من الرابعة، ويأتي بسجدة وركعتين، وإن ذكر ذلك بعد السلام ففيه قولان: أحدهما: أنه يبني على صلاته ما لم يتطاول الفصل.
والثاني: يبني ما لم يقم من المجلس.
وإن ذكر بعد ذلك استأنف.
وإن ترك سنة؛ فإن ذكر قبل (2) التلبس بفرض عاد إليه، وإن تلبس بفرض لم يعد إليه.
باب صلاة التطوع
:
أفضل عبادات البدن الصلاة، وتطوعها أفضل التطوع، وأفضل التطوع ما شُرع له الجماعة، وهو العيد، والكسوف، والاستسقاء، وفي الوتر وركعتي الفجر قولان: أصحهما: أنّ الوتر أفضل.
والسنة أن يواظب على السنن مع الفرائض، وهي ركعتا الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وأربع قبل العصر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، والوتر، وأقله: ركعة.
وأكثره: إحدى عشرة ركعة.
يسلم من كل ركعتين، وأدنى الكمال ثلاث ركعات بتسليمتين، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: سبّح، وفي الثانية: قل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة: قل هو الله أحد والمعوذتين، ويقنت في الأخيرة منها في النصف الأخير من شهر رمضان.
ويصلي الضحى ثماني ركعات، وأدناها: ركعتان.
ويقوم شهر رمضان بعشرين ركعة في الجماعة؛ التراويح، ويوتر بعدها في الجماعة إلا أن يكون له تهجد فيجعل الوتر بعده.
ومن فاته من هذه السنن الراتبة شيء قضاه في أصح القولين.
ويسن التهجد، والنصف الأخير من الليل أفضل من النصف1213
الجزء: 1 - الصفحة: 34
الأول، والثلث الأوسط أفضل من الأول والأخير، وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار، وفعله في البيت أفضل من فعله في المسجد.
والأفضل أن يسلّم من كل ركعتين، وإن جمع ركعات بتسليمة، أو تطوع بركعة واحدة؛ جاز.
ويسن لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين تحية المسجد، إلا أن يدخل وقد حضر الجماعة؛ فالفريضة أولى.
ويجوز فعل النوافل قاعدًا.
باب سجود التلاوة
:
وسجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع، وهي أربعة عشر سجدة: سجدة في الأعراف، وسجدة في الرعد، وسجدة في النحل، وسجدة في سبحان، وسجدة في مريم، وسجدتان في الحج، وسجدة في الفرقان، وسجدة في النمل، وسجدة في ألم تنزيل، وسجدة في حم السجدة، وسجدة في النجم، وسجدة في إذا السماء انشقت، وسجدة في اقرأ.
وسجدة ص سجدة شكر، ليست من عزائم السجود، فإن قرأها في الصلاة لم يسجد.
وقيل: يسجد شكرًا.
ومن تجددت عنده نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة؛ استحب له أن يسجد شكرًا لله عز وجل.
ومن سجد للتلاوة في الصلاة كبّر للسجود والرفع، ومن سجد في غير الصلاة كبّر للإحرام رافعًا يديه، ثم يكبر للسجود، ويكبر للرفع.
وقيل: يتشهد، ويسلم.
وقيل: يسلم، ولا يتشهد.
والمنصوص أنه لا يتشهد، ولا يسلم.
وحكم سجود التلاوة حكم صلاة النفل في القبلة وسائر الشروط.
باب ما يفسد الصلاة وما لا يفسدها
:
إذا أحدث في صلاته بطلت، وإن سبقه الحدث ففيه قولان: أحدهما: لا تبطل، ويتوضأ، ويبني على صلاته.
والثاني: أنها تبطل.
وإن لاقى نجاسة غير معفو عنها بطلت صلاته، وإن وقع عليه نجاسة يابسة فنحّاها في الحال لم تبطل صلاته.
وإن كشفت عورته بطلت صلاته، وإن كشفها الريح لم تبطل
الجزء: 1 - الصفحة: 35
صلاته.
وإن قطع النية، أو عزم على قطعها، أو شكّ هل يقطعها؟ أو ترك فرضًا من فروضها؛ بطلت صلاته.
وإن ترك القراءة ناسيًا ففيه قولان: أصحهما: أنها تبطل.
وإن زاد في صلاته ركوعًا أو سجودًا أو قيامًا أو قعودًا عامدًا بطلت صلاته.
وإن قرأ الفاتحة مرتين لم تبطل صلاته على المنصوص.
وإن تكلم عامدًا، أو قهقه عامدًا؛ بطلت صلاته، وإن كان ذلك ساهيًا، أو جاهلًا بالتحريم، أو مغلوبًا، ولم يطل الفصل؛ لم تبطل صلاته، وإن أطال فقد قيل: تبطل.
وقيل: لا تبطل.
وإن نفخ ولم يبن منه حرفان لم تبطل صلاته.
وإن خطا ثلاث خطوات متواليات، أو ضرب ثلاث ضربات متواليات؛ بطلت صلاته.
وإن أكل عامدًا بطلت صلاته، وإن كان ساهيًا لم تبطل صلاته.
وإن فكّر في الصلاة، أو التفت فيها؛ كُره، ولم تبطل صلاته.
ولا يصلي وهو يدافع الأخبثين.
ولا يدخل فيها وقد حضر العَشَاء ونفسه تتوق إليه، فإن فعل أجزأته صلاته.
وإن كلّمه إنسان، أو استأذن عليه وهو في الصلاة؛ سبّح إن كان رجلًا، وصفّقت إن كانت امرأة.
وإن سلّم عليه ردّ بالإشارة.
وإن بدره البُصاق وهو في المسجد بصق في ثوبه، وحكّ بعضه ببعض، وإن كان في غير المسجد بصق على يساره، أو تحت قدمه.
وإن مرّ بين يديه مار وبينهما سُترة أو عصا بقدر عظم الذراع لم يكره، وكذلك إن لم يكن عصا وخطّ بين يديه على ثلاثة أذرع خطًّا لم يكره، وإن لم يكن شيء من ذلك كره، وأجزأته صلاته.
باب سجود السهو
:
إذا شكّ في عدد الركعات وهو في الصلاة بنى على اليقين، وهو الأقل، ويأتي بما بقي، ويسجد للسهو، وكذلك إذا شكّ في فرضٍ من فروضها؛ بنى الأمر على اليقين، وهو أنّه لم يفعل فيأتي به، ويسجد للسهو.
وإن زاد في صلاته سجودًا أو ركوعا أو قياما أو قعودا على وجه السهو سجد للسهو.
وإن تكلّم، أو سلّم ناسيًا، أو قرأ في غير موضع القراءة؛ سجد للسهو.
وإن فعل ما لا
الجزء: 1 - الصفحة: 36
يبطل عمده الصلاة -كالالتفات، والخطوة، والخطوتين- لم يسجد للسهو.
وإن نهض للقيام في موضع القعود، ولم ينتصب قائمًا فعاد إلى القعود؛ ففيه قولان: أحدهما: يسجد.
والثاني: لا يسجد.
وإن ترك التشهد الأول، أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، وقلنا: إنها سنة، أو ترك القنوت؛ سجد للسهو.
وقيل: إن ترك ذلك عمدًا لم يسجد.
وإن سها سهوين أو أكثر كفاه للجميع سجدتان.
وإن سها خلف الإمام لم يسجد.
وإن سها إمامه تابعه في السجود.
وإن ترك الإمام سجد المأموم.
وإن سبقه الإمام بركعة، وسجد معه؛ أعاد في آخر صلاته في قوله الجديد، ولا يعيد في القديم.
وإن ترك إمامه فرضًا نوى مفارقته، ولم يتابعه، وإن ترك فعلا مسنونًا تابعه، ولم يشتغل بفعله.
وسجود السهو سنة، فإن ترك جاز، ومحله قبل السلام.
وقال في موضع آخر: إن كان السهو زيادة فمحله بعد السلام.
والأول هو الأصح، فإن لم يسجد حتى سلّم ولم يطل الفصل سجد، وإن طال ففيه قولان: أصحهما أنه لا يسجد.
باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها
: وهي خمسة أوقات: عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح, وعند الاستواء حتى تزول, وعند الاصفرار حتى تغرب, وبعد صلاة الصبح, وبعد صلاة العصر, ولا يُكره فيها ما لها سبب؛ كصلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وقضاء الفائتة، ولا يكره شيء من الصلاة في هذه الساعات بمكة، ولا عند الاستواء يوم الجمعة.
باب صلاة الجماعة
:
والجماعة سنة في الصلوات الخمس, وقيل: هي فرض على الكفاية؛ فإن اتفق أهل بلد على تركها قوتلوا.
وأقل الجماعة: اثنان، ولا تصح الجماعة حتى ينوي المأموم.
وفعلها فيما كثُر فيه الجمع من المساجد أفضل، فإن كان في جوار
الجزء: 1 - الصفحة: 37
مسجدٍ ليس فيه جماعة كان فعلها في مسجد الجوار أفضل، وإن كان للمسجد إمام راتب كُره لغيره إقامة الجماعة فيه.
ومن صلّى منفردًا ثم أدرك جماعة يصلون استحب له أن يصليها معهم.
ويُعذر في ترك الجماعة: المريض، ومن يتأذّى بالمطر والوحل والريح الباردة في الليلة المظلمة، ومن له مريض يخاف ضياعه، أو قريب يخاف موته، ومن حضره الطعام ونفسه تتوق إليه، أو يدافع الأخبثين، أو يخاف ضررًا في نفسه أو ماله.
ومن أحرم منفردًا ثم نوى متابعة الإمام جاز في أحد القولين.
ومن أحرم ثم أخرج نفسه من الجماعة لعذر، وأتم منفردًا؛ جاز، وإن كان لغير عذر ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يجوز.
وإن أحدث الإمام فاستخلف مأمومًا جاز في أصح القولين، إلا أنه لا يستخلف إلا من لا يخالفه في ترتيب الصلاة.
وقيل: لا يجوز أن يستخلف في صلاة الجمعة إلا من كان معه في الركعة الأولى، والمنصوص أنه يجوز.
ويستحب للإمام أن يخفف في الأذكار، إلا أن يعلم من حال المأمومين أنهم يؤثرون التطويل.
وإذا أحسّ الإمام بداخلٍ وهو راكع استحب له أن ينتظر في أصح القولين، ويكره في القول الآخر.
ومن أدرك الإمام قبل أن يسلّم فقد أدرك الجماعة، ومن أدركه راكعًا فقد أدرك الركعة، وإن أدرك في الركعة الأخيرة فهو أوّل صلاته، وما يقضيه فهو آخر صلاته، يعيد فيها القنوت.
ومن أدرك قائمًا، فقرأ بعض الفاتحة، ثم ركع الإمام؛ فقد قيل: يقرأ، ثم يركع.
وقيل: يركع، ولا يقرأ.
ويُكره أن يسبق الإمام بركن، وإن سبقه بركن عاد إلى متابعته، ولا يجوز أن يسبقه بركنين، فإن سبقه بركنين -بأن ركع قبله، فلمّا أراد أن يركع رفع، فلما أراد أن يرفع سجد-، فإن فعل ذلك مع العلم بتحريمه بطلت صلاته، وإن فعل مع الجهل لم تبطل صلاته، ولم يعتد له بتلك الركعة.
ومن حضر وقد أقيمت الصلاة لم يشتغل عنها بنافلة، وإن أقيمت وهو في النافلة ولم يخش فوات الجماعة أتمها.
باب صفة الأئمة
: السنة أن يؤم القوم أقرؤهم وأفقههم، فإن زاد واحد في الفقه والقراءة
الجزء: 1 - الصفحة: 38
فهو أولى، وإن زاد واحد بالفقه، وزاد آخر بالقراءة؛ فالأفقه أولى، فإن استويا في ذلك قُدِّم أشرفهما وأسنهما، فإن استويا في ذلك قُدِّم أقدمهما هجرة، فإن استويا في ذلك قُدِّم أورعهما، وإن استويا في ذلك أُقرع بينهما.
وصاحبُ البيت أحقُّ من غيره، وإمام المسجد أحقُّ من غيره، والسلطان أحقُّ من صاحبِ المنزل وإمامِ المسجد، والبالغ أولى من الصبي، والحاضر أولى من المسافر، والحرّ أولى من العبد، والعدل أولى من الفاسق، وغير ولد الزنى أولى من ولد الزنى، والبصير أولى عندي من الأعمى.
وقيل: هو والبصير سواء.
ويكره أن يؤم الرجل قومًا وأكثرهم له كارهون.
ولا تجوز الصلاة خلف كافر، ولا مجنون، ولا محدث، ولا نجس، ولا صلاة رجل ولا خنثى خلف امرأة، ولا خنثى خلف الخنثى، ولا طاهر خلف المستحاضة.
وقيل: يجوز ذلك.
ولا يجوز صلاة قارئ خلف أمي ولا أخرس ولا أرت ولا ألثغ في أحد القولين.
ولا يجوز صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر، وفي جوازها خلف صبي أو متنفل قولان.
ولا يجوز صلاة خلف من يصلي صلاة يخالفها في الأفعال الظاهرة؛ كالصبح خلف من يصلي الكسوف، والكسوف خلف من يصلي الصبح، فإن صلّى أحدُ هؤلاء خلف أحد هؤلاء ولم يعلم ثم علم أعاد، إلا من صلى خلف المحدث؛ فإنه لا إعادة عليه في غير الجمعة، ويجب في الجمعة.
باب موقف الإمام والمأموم
:
السنة أن يقف الرجل الواحد عن يمين الإمام، والخنثى خلفهما، والمرأة خلف الخنثى، وإن حضر رجلان، أو رجل وصبي؛ اصطفّا خلفه، فإن كانوا عُراة وقف الإمام وسطهم، فإن حضر رجال وصبيان وخناثى ونساء تقدّم الرجال 14، ثم الصبيان، ثم الخناثى، ثم النساء.
ومن حضر ولم يجد في الصف فُرجة جذب واحدًا واصطفّ معه، فإن لم يفعل وصلى وحده كُره ذلك.
وإن 15 حضر ومع الإمام واحد عن يمينه أحرم عن يساره، ثم يتقدّم الإمام، أو يتأخر المأمومان.
والمستحب أن لا يكون موضع الإمام أعلى من موضع
الجزء: 1 - الصفحة: 39
المأمومين، إلا أن يريد تعليمهم أفعال الصلاة؛ فالمستحب أن يقف الإمام على موضع عالٍ؛ كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإن تقدّم المأموم على الإمام لم تصح صلاته في أصح القولين.
وإن صلّت المرأة بنسوة قامت وسط الصف.
ومن صلّى مع الإمام في المسجد جازت صلاته إذا علم بصلاته، وإن صلّى به خارج المسجد واتصلت به الصفوف جازت صلاته، وإن انقطعت ولم يكن دونه حائل جازت صلاته إذا لم يزد ما بينه وبين آخر الصف على ثلاثمائة ذراع، فإن حال بينهما حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة لم تصح صلاته.
وإن منع الاستطراق دون المشاهدة -بأن يكون بينهما شباك- فقد قيل: يجوز.
وقيل: لا يجوز.
باب صلاة المريض
: إذا عجز عن القيام صلّى قاعدًا، ويقعد متربعًا في أحد القولين، ومفترشًا في الآخر، وإن عجز عن القعود صلّى مضطجعًا على جنبه الأيمن، يستقبل القبلة بوجهه، ويومئ بالركوع والسجود، ويكون سجوده أخفض من الركوع، فإن عجز عن ذلك أومأ بطرفه، ونوى بقلبه، ولا يترك الصلاة ما دام عقله ثابتًا، فإن قدر على القيام في أثناء الصلاة أو القعود انتقل إليه، وأتمّ صلاته، وإن كان به وجع العين فقيل له: إن صليتَ مستلقيًا أمكن مداواتك وهو قادر على القيام احتمل أن يجوز له ترك القيام، واحتمل أن لا يجوز.
باب صلاة المسافر
: إذا سافر في غير معصية سفرًا يبلغ ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي فله أن يصلّي الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين إذا فارق بنيان البلد، أو خيام قومه إن كان من أهل الخيام، والأفضل أن لا يقصر إلا في سفرٍ يبلغ مسيرة ثلاثة أيام، فإذا بلغ سفره ذلك كان القصر أفضل من الإتمام، وإن كان للبلد الذي يقصده طريقان؛ يُقصر في أحدهما، ولا يُقصر في الآخر، فسلك الأبعد لغير غرض؛ لم
الجزء: 1 - الصفحة: 40
يقصر في أحد القولين، ويقصر في الآخر، فإن أحرم في البلد ثم سافر، أو أحرم في السفر ثم أقام، أو شكّ في ذلك، أو لم ينو القصر، أو ائتم بمقيم في جزءٍ من صلاته، أو بمن لا يعرف أنه مسافر أو مقيم؛ لزمه أن يتمّ.
وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج أتمّ.
وإن أقام في بلدٍ لقضاء حاجة ولم ينو الإقامة قصر إلى ثمانية عشر يومًا في أحد القولين، ويقصر أبدًا في القول الآخر.
وإن فاتته صلاة في الحضر فقضاها في السفر أتمّ، وإن فاتته في السفر فقضاها في السفر أو الحضر ففيه قولان: أصحهما: أنه يتمّ، ويجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما في السفر الطويل، وفي السفر القصير قولان.
والمستحب لمن هو في المنزل في وقت الأولى أن يقدّم الثانية إلى الأولى، ولمن هو سائر أن يؤخّر الأولى إلى الثانية؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أراد الجمع في وقت الأولى لم يجز إلا بثلاثة شروط: أن يقدّم الأولى منهما، وأن ينوي الجمع عند الإحرام بالأولى في أحد القولين، ويجوز في القول الثاني قبل الفراغ من الأولى، وأن لا يفرق بينهما، وإن أراد الجمع في وقت الثانية كفا نية الجمع قبل خروج وقت الأولى بقدر ما يصلي فرض الوقت، والأفضل أن يقدّم الأولى، وأن لا يفرق بينهما.
ويجوز للمقيم الجمع في المطر في وقت الأولى منهما إن كان يصلي في موضعٍ يصيبه المطر وتبتل ثيابه ويكون المطر موجودًا عند افتتاح الأولى وعند الفراغ منها وافتتاح الثانية، وفي جواز الجمع في وقت الثانية قولان.
باب صلاة الخوف
: إن كان العدو في غير جهة القبلة ولم يؤمنوا وقتالهم غير محظور فرّق الإمام الناس فرقتين: فرقة في وجه العدو، وفرقة خلفه؛ فيصلي بالفرقة التي خلفه ركعة، فإذا أقام إلى الثانية فارقته، وأتمت الركعة الثانية لنفسها، ثم تخرج إلى وجه العدو، وتجيء الطائفة الأخرى,
الجزء: 1 - الصفحة: 41
فيصلي معها الركعة الثانية، ويجلس، وتصلي الطائفة الركعة الثانية، ثم يسلم بهم.
وهل يقرأ في حال الانتظار ويتشهد أم لا؟
فيه قولان.
وقيل: يتشهد قولا واحدًا، فإن كانت الصلاة مغربًا صلّى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة في أحد القولين، وفي القول الآخر: يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين، وإن كانت صلاة رباعية صلّى بكل طائفة ركعتين، فإن فرّقهم أربع فرق؛ فصلى بكل فرقة ركعة؛ ففي صلاة الإمام قولان: أحدهما: أنها صحيحة، وهو الأصح، وفي صلاة المأموم قولان: أحدهما: أنها تصح.
والثاني: تصح صلاة الطائفة الأخيرة، وتبطل صلاة الباقين.
والقول الثاني: أنّ صلاة الإمام باطلة، وتصح صلاة الطائفة الأولى والثانية، وتبطل صلاة الطائفة الثالثة والرابعة، وإن كان العدو في جهة القبلة يشاهدون في الصلاة وفي المسلمين كثرة؛ أحرم بالطائقتين، وسجد معه الصف الذي يليه، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد الصف الآخر، فإذا سجد في الثانية حرس الصف الذي سجد في الأولى، وسجد الصف الآخر، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد الصف الآخر.
ويُستحب أن يحمل السلاح في صلاة الخوف في أحد القولين، ويجب في الآخر.
وإن اشتدّ الخوف والتحم القتال صلوا رجالًا وركبانًا إلى القبلة وغير القبلة، وإن لم يقدروا على الركوع والسجود أومئوا، وإن اضطروا إلى الضرب المتتابع ضربوا، ولا إعادة عليهم.
وقيل: عليهم الإعادة، وإن أمن وهو راكب فنزل بنى، وإن كان راجلًا فركب استأنف على المنصوص.
وقيل: إن اضطر إلى الركوب فركب لم يستأنف.
وقيل: فيه قولان.
وإن رأوا سوادًا فظنوهم عدوًّا فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان لهم أنّه لم يكن عدوًّا؛ أجزأتهم الصلاة في أصح القولين.
وإن رأوا عدوا فخافوهم فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان أنه كان بينهم خندق أعادوا.
وقيل: فيه قولان.
الجزء: 1 - الصفحة: 42
باب ما يكره لبسه وما لا يكره
:
يحرم على الرجل استعمال ثياب الإبريسم (1) أو ما أكثره إبريسم، وكذلك يحرم عليه المنسوج بالذهب والمموّه به إلا أن يكون قد صدئ.
ويجوز للمحارب لبس الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح، ولبس المنسوج بالذهب إذا فاجأته الحرب ولم يجد غيره.
ويجوز شدّ السن بالذهب للضرورة.
ويجوز لبس الحرير للحكة.
وقيل: لا يجوز.
ويجوز أن يُلبس دابته الجلد النجس سوى جلد الكلب والخنزير.
باب صلاة الجمعة
:
ومن لزمه الظهر لزمه الجمعة، إلا العبد، والمرأة، والمسافر، والمقيم في موضع لا يسمع فيه النداء من المواضع الذي تصح فيه الجمعة، والمريض، والمقيم بمريضٍ يخاف ضياعه، ومن له قريب يخاف موته، ومن يبتلّ ثيابه بالمطر في طريقه، ومن يخاف من ظالم؛ فلا جمعة عليهم وإن حضروا، إلا المريض ومن في طريقه مطر؛ فإنهما إذا حضرا لزمهما الجمعة.
ومن لا جمعة عليه مخيّرٌ بين الظهر والجمعة، والأفضل أن لا يصلي الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة.
ومن يلزمه فرض الجمعة لا يصلي الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة، فإن صلّاها قبل فوات الجمعة لم تصح في أصح القولين.
ومن لزمه فرض الجمعة لم يجز له أن يسافر سفرًا لا يصلي 17 فيه الجمعة بعد الزوال.
وهل يجوز قبل الزوال؟ فيه قولان.
ولا تصح الجمعة إلا بشروط:
أحدها: أن تكون في أبنية مجتمعة.
والثاني: أن تكون في جماعة.
والثالث: أن تقام بأربعين رجلًا أحرارًا، بالغين، عقلاء، مقيمين في موضعٍ لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفًا إلا ظعن حاجة من أولّ الصلاة إلى أن16
الجزء: 1 - الصفحة: 43
تقام الجمعة، فإن انفضُّوا عنه وبقي الإمام وحده أتمّها ظهرًا، وإن نقصوا عن الأربعين أتمها ظهرًا في أصح الأقوال، وإن بقي معه اثنان أتمها جمعة في الثاني، وإن بقي معه واحد أتمها جمعة في الثالث.
والرابع: أن يكون وقت الظهر باقيًا، فإن فاتهم الوقت وهم في الصلاة أتموها ظهرا.
والخامس: أن لا تكون قبلها ولا معها جمعة أخرى، فإن كان قبلها جمعة فالجمعة هي الأولى، فالثانية باطلة، وإن كان معها ولم يعلم السابق منهما، ولم تنفرد إحداهما عن الأخرى بإمام؛ فهما باطلتان، وإن كان الإمام مع الثانية ففيه قولان: أحدهما: أنّ الجمعة جمعة الإمام.
والثاني: أنّ الجمعة هي السابقة.
والسادس: أن يتقدّمها خطبتان.
ومن شروط صحتهما: الطهارة، والستارة (1) في أحد القولين، والقيام، والقعود بينهما، والعدد الذي ينعقد به الجمعة.
وفرضها: أن يحمد الله تعالى، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويوصي بتقوى الله فيهما، والدعاء للمؤمنين، ويقرأ في الأولى شيئًا من القرآن.
وقيل: القراءة فيهما.
وسنتهما: أن يكون على منبر وموضعٍ عال، وأن يسلّم على الناس إذا أقبل عليهم، وأن يجلس إلى أن يؤذّن المؤذن، ويعتمد على قوسٍ أو سيف أو عصا، وأن يقصد قصد وجهه، وأن يدعو للمسلمين، وأن يقصر الخطبة، والجمعة ركعتان، إلا أنّه يسن أن يجهر فيهما بالقراءة، وأن يقرأ بعد الفاتحة في الأولى سورة الجمعة، وفي الثانية المنافقين.
باب هيئة الجمعة
: السنة لمن أراد الجمعة أن يغتسل لها عند الرواح 19، فإن اغتسل لها بعد الفجر أجزأه، وأن يتنظف بسواك، وأخذ ظفر وشعر، وقطع رائحة، وأن يتطيب، ويلبس أحسن ثيابه، وأفضلها البياض، ويزيد الإمام على سائر الناس في الزينة، ويبكّر بعد طلوع الشمس، ويمشي إليها وعليه السكينة والوقار، ولا يركب,18
الجزء: 1 - الصفحة: 44
ويدنو من الإمام، ويشتغل بذكر الله تعالى والتلاوة، ويستحبّ أن يقرأ سورة الكهف يوم الجمعة، وأن يكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في يومها وليلتها، ويكثر في يومها من الدعاء رجاء أن يُصادف ساعة الإجابة.
وإن حضر والإمام يخطب لم يتخطّ رقاب الناس، ولا يزيد على تحية المسجد بركعتين يتجوّز فيهما, ويستمع الخطبة إن كان يسمعها, ويذكر الله تعالى إن لم يسمعها، ولا يتكلم، فإن تكلّم لم يأثم في أصح القولين.
وإن أدرك الإمام راكعًا في الثانية أتمّ الجمعة، وإن أدركه بعد الركوع أتم الظهر، وإن زوحم عن السجود وأمكنه أن يسجد على ظهر إنسان فعل، فإن لم يمكنه انتظر حتى يزول الزحام، ثم يسجد، فإن أدرك الإمام قبل السلام أتمّ الجمعة، وإن لم يدرك السلام أتمّ الظهر، وإن لم يزل الزحام حتى ركع الإمام في الثانية ففيه قولان: أحدهما: يقضي ما عليه.
والثاني: أنه يتبع الإمام.
باب صلاة العيدين
:
وصلاة العيدين سنة مؤكدة.
وقيل: هي فرض على الكفاية، فإن اتفقّ أهل بلدٍ على تركها من غير عذر قُوتلوا.
ووقتها: ما بين أن ترتفع الشمس إلى الزوال.
ويسنّ تقديم صلاة الأضحى، وتأخير صلاة الفطر، فإن فاتته قضاها في أصح القولين.
والسنة أن يمسك في عيد الأضحى إلى أن يصلي، ويأكل في الفطر قبل الصلاة، وتقام الصلاة في الجامع، فإن ضاق بهم صلوا في الصحراء، ويستخلف الإمام من يصلي في الجامع بضعفة الناس.
ويحضرها الرجال والنساء والصبيان، ويظهرون الزينة، ويغتسل لها بعد الفجر، فإن اغتسل قبل الفجر جاز في أحد القولين.
ويبكر الناس بعد الصبح.
ويتأخر الإمام إلى الوقت الذي يصلي بهم، ولا يركب في المضي إليها، ويمضون إليها في طريق ويرجعون في طريق آخر؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
والسنة أن تُصلّى جماعة، ويُنادى لها: الصلاة جامعة، ويصلي ركعتين، إلا أنه يكبر في الأولى بعد دعاء الافتتاح وقبل التعوذ سبع
الجزء: 1 - الصفحة: 45
تكبيرات، وفي الثانية قبل القراءة خمس تكبيرات، يرفع فيها اليد، ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة: سورة ق، وفي الثانية: اقتربت الساعة.
ويخطب بهم خطبتين كخطبتي الجمعة، إلا أنّه يستفتح الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع تكبيرات.
ويعلمهم في الفطر زكاة الفطر، وفي الأضحى الأضحية.
ويجوز أن يخطب من قعود.
والسنة أن يبتدئ في عيد الفطر بالتكبير بعد الغروب من ليلة الفطر خلف الصلوات وفي غيرها من الأحوال، وخاصة عند ازدحام الناس إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد، وفي عيد الأضحى يبتدئ يوم النحر بعد صلاة الظهر، ويكبر خلف الفرائض وخلف النوافل في أصح القولين إلى أن يصلي من آخر أيام التشريق في أصح الأقوال.
وفيه قول ثان: أنّه يكبر من المغرب ليلة العيد إلى صلاة الصبح آخر أيام التشريق.
وفيه قول ثالث: أنّه يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى أن يصلي العصر آخر أيام التشريق، وإن رأى شيئًا من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات -وهي العشر الأول من ذي الحجة- كبّر.
باب صلاة الكسوف
:
وهي سنة مؤكدة.
ووقتها: من حين الكسوف إلى حين تجلى، فإن فاتت لم تقض.
والسنة أن يغتسل لها، وأن تقام في جماعة حيث تصلى الجمعة، ويُنادى لها: الصلاة جامعة، وهي ركعتان في كل ركعة: قيامان، وقراءتان، وركوعان، وسجودان.
ويستحبّ أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة طويلة؛ كالبقرة، ثم يركع، ويدعو بقدر مائة آية، ثم يرفع، ويقرأ بعد الفاتحة بقدر آل عمران، ويركع، ويدعو بقدر سبعين آية، ثم يسجد كما يسجد في غيرها، ثم يقوم في الثانية فيقرأ بعد الفاتحة نحو مائة وخمسين آية، ثم يركع، ويدعو بقدر سبعين آية، ثم يرفع فيقرأ بعد الفاتحة نحوًا من مائة آية، ثم يركع، ويدعو بقدر خمسين آية، ثم يسجد كما يسجد في غيرها، فإن كانت في كسوف الشمس أسرّ، وإن كان في خسوف القمر جهر، ثم يخطب خطبتين يخوفهم فيهما بالله، فإن لم يصل
الجزء: 1 - الصفحة: 46
حتى تجلّت لم يصل، فإن لم يصل لكسوف الشمس حتى غابت كاسفة لم يصل، وإن لم يصل لخسوف القمر حتى غاب خاسفًا قبل طلوع الشمس صلّى، وإن اجتمع صلاتان مختلفتان بدأ بأخوفهما فوتًا، ثم يصلي الأخرى، ثم يخطب؛ كالمكتوبة والكسوف في أول الوقت؛ يبدأ بالكسوف، ثم يصلي المكتوبة، ثم يخطب.
فإن استويا في الفوات بدأ بآكدهما؛ كالوتر والكسوف، يبدأ بالكسوف.
باب صلاة الاستسقاء
:
إذا أجدبت الأرض وانقطع الغيث, أو انقطع ماء العين؛ وعظ الإمام الناس، وأمرهم بالخروج من المظالم، والتوبة من المعاصي، ومصالحة الأعداء، والصدقة, وصيام ثلاثة أيام، ثم خرج بهم إلى المصلّى في اليوم الرابع بعد غسل وتنظف، في ثياب بذلة، ويخرج معه الشيوخ والعجائز والصبيان, فإن أخرجوا البهائم لم يكره، وإن خرج أهل الذمة لم يمنعوا، لكن لا يختلطون بالمسلمين.
ويصلي بهم ركعتين كصلاة العيد، ويُستحب أن يقرأ فيها سورة نوح، ويخطب خطبتين، يستغفر الله في افتتاح الأولى تسعًا، وفي الثانية سبعًا، ويكثر فيها من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الاستغفار، ويقرأ فيها: ﴿استغفروا ربكم .. الآية﴾، ويرفع يديه، ويدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم سُقيا رحمة، ولا سقيا عذاب، ولا محق 20، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق، اللهم على الظِّرَاب 21 ومنابت الشجر، اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا هنيئا مريعا غدقا محللا سحا عاما طبقا 22 دائمًا، اللهم اسقنا
الجزء: 1 - الصفحة: 47
الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنّ بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك، اللهمّ أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك؛ إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا، ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة الثانية.
ويحوّل رداءه من يمينه إلى شماله، ومن شماله إلى يمينه، ويجعل أعلاه أسفله، ويتركه إلى أن ينزعه مع ثيابه، ويفعل الناس مثل ذلك، فإن لم يُسقو أعادوا ثانيا وثالثا، فإن تأهبوا للصلاة فَسُقُوا قبل الصلاة صلوا، وشكروا الله تعالى، وسألوه الزيادة.
ويستحب الاستسقاء خلف الصلوات بالدعاء، ويستحبّ لأهل الخصب أن يدعو لأهل 23 الجدب، ويستحبّ أن يقف في أول المطر 24 ليصيبه، وأن يغتسل في الوادي إذا سال، ويسبح للرعد والبرق.
الجزء: 1 - الصفحة: 48