التنبيه في الفقه الشافعيصفحات 127-150

باب المسابقة

: المسابقة على عوضٍ كالإجارة في أحد القولين, وتصحّ ممن تصحّ منه الإجارة، ولا يجوز فسخها بعد لزومها، ولا الزيادة فيها, ولا الامتناع من إتمامها، وحكمها في خيار الشرط وخيار المجلس حكم الإجارة، ويجوز أخذ الرهن والضمين فيها، وكالجعالة في القول الآخر، فيجوز فسخها والزيادة فيها والامتناع من إتمامها، ويفسخها متى شاء، ولا يأخذ فيها الرهن والضمين، ويجوز ذلك على الرمي بالنشاب والرماح والزانات 1 وما أشبهها من آلة الحرب، ويجوز على الخيل والإبل، وفي الحمار والبغل قولان، وفي الفيل وجهان، ويجوز على الأقدام والزبازب 2 والطير في ظاهر المذاهب.
وقيل: يجوز ذلك، وفي الصراع وجهان.
ولا تجوز المسابقة بين الجنسين؛ كالخيل والإبل، وتجوز على نوعين؛ كالعربي والبرذون, ولا تجوز إلا على فرسين معروفين، ولا تجوز إلا على مسافةٍ معلومة الابتداء والانتهاء، ولا تجوز إلا على عوضٍ معلوم، ويجوز أن يكون العوض منهما ومن غيرهما، فإن أخرج أحدهما السبق على أن من سبق أحرزه جاز، وإن أخرجا السبق على أن من سبق منهما أخذ الجميع لم يجز إلا أن يكون معهما محلل، وهو ثالث على فرس كفيء لفرسيهما لا يخرج شيئًا، فإن سبقهما أحرز سبقهما، وإن سبقاه أحرز كل واحد منهما سبقه, وإن سبق أحدهما مع المحلل أحرز السبق المتأخر، وإن سبق أحدهما أخذ السبقين، وإن أخرج الإمام من بيت المال أو أحد الرعية من ماله سبقًا بين اثنين، فشرط أنّ من سبق منهما فهو له جاز، فإن سبق أحدهما استحق, وإن جاءا معًا لم يستحقا، وإن شرط للسابق وللآخر لم يجز، وإن كانوا ثلاثة فشرط لاثنين دون الثالث أو أربعة فشرط لثلاثة دون الرابع جاز، وإن شرط للجميع وسوّى بينهم لم يجز، وإن فاضل فجعل للسابق عشرة، وللمجلي تسعة، وللمصلي

ثمانية؛ فقد قيل: يجوز.
وقيل: لا يجوز.
وإن شرط أنه إذا سبق أحدهما أطعم السبق أصحابه لم تصح المسابقة على ظاهر المذهب.
وقيل: تصح إلا أنه يسقط المسمى, ويجب عوض المثل.
وقيل: تصح، ولا يستحق شيئًا.
والسبق في الخيل إن استوت أعناقها أن يسبق أحدهما بجزء من الرأس من الأذن وغيره, فإن اختلفا في طول العنق، أو كان ذلك في الإبل؛ اعتبر السبق بالكاهل، فإن مات أحد المركوبين قبل الغاية بطل العقد, وإن مات أحد الراكبين قام مقامه، فإن لم يكن له وارث استأجر الحاكم من يقوم مقامه, وإن كانت المسابقة على الرمي لم يجز إخراج السبق منهما أو من غيرهما إلا على ما ذكرناه في الخيل, ولا يجوز حتى يتعين الرماة، فإن كانوا حزبيْن لم يجز حتى يعرف كل واحد من رأس الحزبين أصحابه قبل العقد, ولا يجوز إلا ممن يحسن الرمي، فإن خرج في أحد الحزبين من لا يحسن الرمي بطل العقد فيه، وسقط من الحزب الآخر بإزائه واحد، ثم الرماة بالخيار بين فسخ العقد وبين الإمضاء.
ولا يجوز إلا على عدد من الرشق معلوم، وأن يكون عدد الإصابة معلومًا، فإن شرطا إصابة تسعة من تسعة، أو تسعة من عشرة، أو عشرة من عشرة؛ لم يجز في أصحّ القولين، وأن يكون مدى الغرض معلومًا، فإن شرط دون مائتي ذراع جاز، وفيما زاد قيل: يجوز إلى مائتين وخمسين ذراعًا.
وقيل: يجوز إلى ثلاثمائة وخمسين ذراعًا، فإن شرط الرمي إلى غير غرض وأن يكون السبق لأبعدهما رميًا لم يصح، وأن يكون الغرض في نفسه معلوم الصفة، معلوم الطول والعرض والارتفاع والانخفاض في الأرض، وأن يعلم أنّ الرمي: محاطة، أو مبادرة، أو مناضلة؛ فالمحاطة: أن يحط أكثرهما إصابة من عدد الآخر، فيفضل له عدد معلوم يتفقان عليه فينضله.
والمبادرة: أن يشترطا إصابة عشرة من عشرين، فيبدر أحدهما إلى إصابة العشرة، فينضل صاحبه.
والمناضلة: أن يشترطا إصابة عشرة من عشرين على أن يستوفيا جميعا، فيرميان معًا جميع ذلك، فإن أصاب كل واحد منهما العشرة أو أكثر أو أقل أحرز أسبقهما، وإن أصاب أحدهما دون العشرة، وأصاب الآخر العشرة أو فوقها؛ فقد نضله، وأن يكون البادئ منهما معلومًا.
وقيل: إن شرط ذلك وجب الوفاء، وإن لم يشرط جاز، وإن تشاحا أقرع بينهما، ويرميان سهمًا سهمًا، فإن

شرط أحدهما أن يرمي بجميع سهامه حملا على الشرط.
وأن تكون صفة الرمي معلومة من القرع، والخذق، والخسق، والمرق، والخرم؛ فالقرع: هو إثابة الشن.
والخزق: أن يخدش الشن، ولا يثبت فيه.
والخسق: أن يثبت فيه.
والمرق: أن ينفذ فيه.
والخرم: أن يقطع طرف الشن، ويكون بعض النصل في الشن وبعضه خارجا منه، فيحملان على ما شرطا، فإن شرطا إصابة حوالي الشن، فأصاب الشن، أو بعيدا منه؛ لم يحتسب له، وإن شرطا الخسق وفي الغرض حصاة منعت من الخسق فخزق السهم وسقط حسب له خاسقًا، وإن انقطع الوتر، أو انكسر القوس، أو استغرق في المد، فسقط، أو عرضت في يده ريح، أو هبّت ريح شديدة، فرمى فأخطأ؛ لم يحسب عليه, وإن هبّت ريح شديدة فأصاب لم يحسب له، وإن انتقل الغرض بالريح، فأصاب موضعه، والشرط هو القرع؛ حسب له, وإن كان الشرط هو الخسق فثبت السهم والموضع في صلابة الغرض حُسب له، وإن أصاب السهم الأرض فازدلف وأصاب الغرض حسب له في أحد القولين, ولم يحسب له ولا عليه في القول الآخر.
وإن شرطا الرمي بالقسي العربية أو الفارسية، أو أحدهما يرمي بالعربية والآخر بالفارسية؛ حملا عليه، فإن أطلق العقد حملا على نوع واحد، وإن تلف القوس أبدل، وإن مات الرامي بطل العقد، وإن عرض عذر من مطر أو ريح أو ليل جاز قطع الرمي.

باب إحياء الموات، وتملك المباحات

: من جاز أن يملك الأموال جاز أن يملك الموات بالإحياء, ولا يجوز للكافر أن يملك بالإحياء في دار الإسلام، ويملك في دار الشرك.
وكل موات لم يجر عليه أثر ملك ولم يتعلق بمصلحة عامر جاز تملكه بالإحياء.
وما جرى عليه أثر ملك ولا يعرف له مالك؛ فإن كان في دار الإسلام لم يملك بالإحياء، وإن كان في دار الشرك فقد قيل: يملك.
وقيل: لا يملك.
والإحياء: أن يهيئ الأرض لما يريد، فإن

كان دارًا فبأنْ يبني ويسقف، وإن كان حظيرة فبأن يحوط عليها، وينصب عليها الباب، وإن كان مزرعة فبأن يصلح ترابها، ويسوق إليها الماء، ويزرع في ظاهر المذهب.
وقيل: يملك وإن لم يزرع، وإن كان بئرًا أو عينًا فبأن يحفرها حتى يصل إلى الماء، فيملك المحيا وما فيه من المعادن والشجر والكلأ وما ينبت فيه وينبع، ويملك معه ما يحتاج إليه من حريمه ومرافقة.
وقيل: لا يملك الماء، والمذهب الأول، ولا يجب عليه بذل شيء من ذلك إلا الماء؛ فإنه يجب عليه بذل فضله للبهائم دون الزرع، وإن تحجر شيئًا من الموات بأن شرع في إحيائه ولم يتمم فهو أحق به، فإن نقله إلى غيره صار الثاني أحق به، وإن مات قام وارثه مقامه فيه، وإن باع لم يصحّ بيعه.
وقيل: يصح، وإن لم يحيي وطالت المدة قيل له: إما أن تحيي، وإما أن تخليه لغيرك، فإن استمهل أمهل مدة قريبة، فإن لم يحيي جاز لغيره أن يحييه، وإن أقطع الإمام مواتًا صار المقطع كالمتحجر، وما بين العامر من الشوارع والرحاب ومقاعد الأسواق لا يجوز تملكها بالإحياء، ولا يجوز فيها البناء، ولا البيع، ولا الشراء، ومن سبق إلى شيء منها جاز له أن يرتفق بالقعود فيه ما لم يضرّ بالمارة، فإن قام ونقل عنه قماشه كان لغيره أن يقعد فيه، وإن طال مقامه وهناك غيره أقرع بينهما.
وقيل: يقدم الإمام أحدهما، فإن أقطع الإمام شيئًا من ذلك صار المقطع أحق بالارتفاق به، وإن نقل عنه قماشه لم يكن لغيره أن يقعد فيه.
ومن حفر معدنًا باطنًا لا يتوصل إلى نيله إلا بالعمل كمعدن الذهب والفضة والحديد وغيرها فوصل إلى نيله ملك نيله، وفي المعدن قولان: أحدهما: يملكه إلى القرار.
والثاني: أنه لا يملكه، فإذا انصرف كان غيره أحق به، وإن طال مقامه وهناك غيره، أو سبق اثنان إليه؛ أقرع بينهما.
وقيل: يقدم الإمام أحدهما، وإن أقطع شيئًا من ذلك؛ فإن قلنا: إنه يملك المعدن بالعمل صحّ الإقطاع، وصار المقطع أحق به من غيره، وإن قلنا: لا يملك ففي الإقطاع قولان: أحدهما: لا يصح.
والثاني: يصح فيما يقدر على العمل فيه.
ومن سبق إلى معدن ظاهر يتوصل إلى ما فيه بغير عمل -كالقار 1 ,

والنفط، والمومياء (1)، والياقوت، والبلور، والبرام (2)، والملح، والكحل، والجص، والمدر (3) -، أو إلى شيء من المباحات -كالصيد، والسمك، وما يؤخذ من البحر من اللؤلؤ والصدف، وما ينبت في الموات من الكلأ والحطب، وما ينبع من المياه في الموات، وما يسقط من الثلوج، وما يرميه الناس رغبة عنه, أو انتثر من الزروع والثمار وتركوه رغبة عنه، فأخذ شيئًا منه-؛ ملكه.
وإن سبق اثنان إلى ذلك, وضاق عنهما؛ فإن كانا يأخذان للتجارة قسم بينهما، وإن كانا يأخذان القليل للاستعمال فقد قيل: يقرع بينهما.
وقيل: يقسم الإمام بينهما.
وقيل: يقدم أحدهما.
وإن أقطع الإمام شيئًا من ذلك لم يصح إقطاعه، فإن كان من ذلك ما يلزم عليه مؤنة -بأن يكون بقرب الساحل موضع إذا حصل فيه الماء حصل منه ملح- جاز أن يملك بالإحياء، وجاز للإمام إقطاعه، وإن حمى الإمام أرضًا لترعى فيها إبل الصدقة ونعم الجزية وخيل المقاتلة وأموال الحَشْرية ومال من يضعف عن الإبعاد في طلب النجعة (4) ولم يضر ذلك بالناس جاز في أصح القولين، ولم يجز في الآخر، فإن زالت الحاجة جاز أن يعاد إلى ما كان.
وقيل: ما حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز تغييره بحال.

باب اللقطة

: إذا وجد الحرّ الرشيد لقطة في غير الحرم في موضعٍ يأمن عليها فالأولى أن يأخذها، وإن كانت في موضعٍ لا يأمن عليها لزمه أن يأخذها، وقيل: فيه قولان في الحالين: أحدهما: يجب الأخذ.
والثاني: يستحب، ثم يتعرف وعاءها وعفاصها,1234

ووكاءها وجنسها وصفتها وقدرها, ويستحب أن يشهد عليها.
وقيل: يجب، فإن أراد حفظها على صاحبها لم يلزمه التعريف، وإن أراد أن يملكها عرّفها سنة على أبواب المساجد والأسواق وفي الموضع الذي وجدها فيه، ويقول: من ضاع منه شيء، أو من ضاع منه دنانير.
وقيل: إن كان قليلا كفاه أن يعرّفه في الحال ثم يملكه.
وقدر القليل بالدينار، وقُدّر بالدرهم، وقدر بما لا يقطع فيه السارق، وظاهر المذهب أنه لا فرق بين القليل والكثير.
ويجوز التعريف في سنة متفرقة.
وقيل: لا يجوز، والأول أظهر، فإذا عرف واختار التملك ملك.
وقيل: يدخل في ملكه بالتعريف.
وإن هلك قبل أن يملك لم يضمن, وإن هلك بعد ما ملك ضمن، وإن جاء صاحبها قبل التملك أخذها مع زيادتها، وإن جاء بعد التملك أخذها مع الزيادة المتصلة دون الزيادة المنفصلة، وإن جاء من يدعيها ووصفها وغلب على ظنه صدقه جاز أن يدفع إليه، ولا يلزمه إلا ببينة.
وإن وجد اللقطة في الحرم لم يجز أن يلتقطها إلا للحفظ على ظاهر المذهب.
وقيل: يجوز أن يلتقط للتملك، وإن كان الواجد عبدًا ففيه قولان: أحدهما: يجوز التقاطه، ويملكه السيد بعد الحول؛ إما بتعريفه، أو تعريف العبد.
والثاني: لا يجوز، فإن تلفت في يده ضمنها في رقبته، وإن دفعها إلى السيد زال عنه الضمان، وإن كان نصفه حرًّا ونصفه عبدًا فهو كالحرّ على المنصوص، فيكون بينه وبين مولاه يعرفان ويملكان إن لم يكن بينهما مهايأة، فإن كان بينهما مهايأة فهل تدخل اللقطة فيها؟ قولان: أحدهما: أنها تدخل، فإن وجدها في يومه كانت له، وإن وجدها في يوم السيد فهي له.
والثاني: لا تدخل، فتكون بينهما، وخرج فيه قول آخر أنه كالعبد، وإن كان مكاتبًا ففيه قولان: أحدهما: أنه كالحر؛ يعرف ويملك.
والثاني: أنه لا يلتقط، فإذا أخذ انتزع الحاكم من يده وعرّفه، ثم يتملك المكاتب، وإن كان فاسقًا كره له أن يلتقط، فإن التقط أقرّ في يده في أحد القولين، وينتزع في الآخر، ويسلّم إلى ثقة، وهل ينفرد بالتعريف؟ فيه قولان: أحدهما: ينفرد به.
والثاني: أنه يُضم إليه من يشرف عليه، فإذا عرف تملكه، وإن كان كافرًا فقد قيل: يلتقط ويملك، وهو الأصح، وقيل:

لا يلتقط في دار الإسلام, ولا يملك، وإن وجد جارية تحلّ له لم يجز أن يلتقطها للتملك، بل يأخذها للحفظ، وإن وجد ضالة تمتنع من صغار السباع بقوّته -كالإبل والبقر-، أو لسرعته -كالظبي-، أو بطيرانه -كالحمام-؛ فإن كان في مهلكة لم يلتقطها للتملك، فإن التقط لذلك ضمن، وإن سلّمه إلى الحاكم برئ من الضمان، وإن التقط للحفظ؛ فإن كان حاكمًا جاز, وإن كان غيره فقد قيل: يجوز.
وقيل: لا يجوز.
وإن كان مما لا يمتنع -كالغنم وصغار الإبل والبقر- جاز التقاطه، فإذا التقطه فهو بالخيار بين أن يحفظها على صاحبها ويتبرع بالإنفاق عليها، وبين أن يعرفها سنة ثم يتملكها، وبين أن يأكلها ويغرم قيمتها إذا جاء صاحبها أو يبيعها في الحال ويحفط ثمنها على صاحبها ويعرفه سنة ثم يتملكه، فإن وجد في البلد فهو لقطة يعرفها سنة إلا أنه إذا وجدها في البلد لا يأكل, وفي الصحراء يأكل.
وقيل: هو كما لو وجده في الصحراء؛ لا يأخذ الممتنع، ويأخذ غير الممتنع، إلا أنه ليس له الأكل في البلد، وله الأكل في الصحراء، وإن كان ما وجده مما لا يمكن حفظه -كالهريسة وغيرها- فهو مخيّر بين أن يأكل وبين أن يبيع، فإن أكل عزل قيمته مدة التعريف وعرف سنة ثم يتصرف فيها.
وقيل: يعرف ولا يعزل القيمة.
وإذا أراد البيع دفع إلى الحاكم، وإن لم يكن الحاكم باع بنفسه وحبس ثمنه، وإن كان ما وجده يمكن إصلاحه -كالرطب-؛ فإن كان الحظّ في بيعه باعه، وإن كان في تجفيفه جفّفه.

باب اللقيط

: والتقاط المنبوذ فرض على الكفاية, فإذا وجد لقيط حكم بحريته، فإن كان معه مال متصل به أو تحت رأسه فهو له 1، وإن كان مدفونًا تحته لم يكن له، وإن كان بقربه فقد قيل: هو له.
وقيل: ليس له, وإن وجد في بلد المسلمين وفيه مسلمون، أو في بلدٍ كان لهم ثم أخذه الكفار فهو مسلم، وإن وجد في بلد فتحه المسلمون ولا مسلم فيه، أو في بلد الكفار ولا مسلم فيه؛ فهو كافر,

وإن وجد في بلد الكفار وفيه مسلمون فقد قيل: هو مسلم.
وقيل: هو كافر.
فإن التقطه حر مسلم أمين مقيم أقرّ في يده، ويستحب أن يشهد عليه على ما معه.
وقيل: يجب ذلك، فإن كان له مال كان نفقته في ماله، ولا ينفق عليه الملتقط من ماله بغير إذن الحاكم، فإن أنفق بغير إذنه ضمن، فإن أذن له الحاكم جاز.
وقيل: على قولين: أصحهما: أنه يجوز.
وإن لم يكن حاكم وأنفق عليه من غير إشهاد ضمن، وإن أشهد ففيه قولان: وقيل: وجهان: أحدهما: يضمن.
والثاني: لا يضمن، وإن لم يكن له مال وجبت نفقته في بيت المال، فإن لم يكن ففيه قولان: أحدهما: يستقرض له في ذمته, والثاني: يقسط على المسلمين من غير عوض، وإن أخذه عبد أو فاسق لم يقرّ في يده، وإن أخذه كافر؛ فإن كان اللقيط محكومًا بإسلامه لم يقرّ في يده, وإن كان محكومًا بكفره أقر في يده، وإن أخذه ظاعن؛ فإن لم يختبر أمانته لم يقرّ في يده، وإن اختبر نظر؛ فإن كان ظاعنًا إلى البادية واللقيط في حضر لم يقرّ في يده، وإن كان ظاعنًا إلى بلد آخر ففيه وجهان، وإن كان اللقيط في البادية فأخذه حضري يريد حمله إلى الحضر جاز، وإن كان بدويًا؛ فإن كان له موضع راتب أقرّ في يده، وإن كان ينتقل من موضع إلى موضع فقد قيل: يقرّ.
وقيل: لا يقرّ، وإن التقطه رجلان من أهل الحضانة وأحدهما موسر والآخر معسر فالموسر أولى، وإن كان أحدهما مقيمًا والآخر ظاعنًا فالمقيم أولى، وإن تساويا وتشاحا أقرع بينهما، فإن ترك أحدهما حقه أقرّ في يد الآخر.
وقيل: يرفع الأمر إلى الحاكم 1 حتى يقرّ في يد الآخر، وليس بشيء، وإن ادّعى كل واحد منهما أنه الملتقط؛ فإن كان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه، وإن كان في يدهما أقرع بينهما، وإن لم يكن في يد واحد منهما سلّمه الحاكم إلى من يرى منهما أو من غيرهما، وإن أقام أحدهما بينة حُكم له، وإن أقاما بينتين مختلفتي التاريخ قدّم أقدمهما تاريخًا، وإن كانتا متعارضتين سقطتا في أحد القولين، وصار كما لو لم تكن لهما بينة، وإن ادّعى نسبه مسلم لحق به، وتبعه في الإسلام، فإن كان هو الملتقط استحب أن يقال له: من أين هو ابنك؟ فإن ادّعاه كافر لحق به، فإن أقام البينة على ذلك تبعه الولد في الكفر، وسلّم إليه، وإن لم يقم البينة لم يتبعه في

الكفر ولم يسلم إليه.
وقيل: إن أقام البينة جعل كافرًا قولًا واحدًا، وإن لم يقم البينة ففيه قولان، وإن ادّعت امرأة نسبه لم يقبل في ظاهر النص إلا ببينة.
وقيل: يقبل.
وقيل: إن كان لها زوج لم يقبل، وإن لم يكن لها قُبل, وإن ادّعاه اثنان ولأحدهما بينة قُضي له، وإن لم يكن لواحد منهما بيّنة أو لكل واحد منهما بيّنة عرض على القافة 1، فإن كان لأحدهما يد لم تقدم بينته باليد، فإن ألحقته القافة بأحدهما لحق به، وإن ألحقته بهما، أو نفته عنهما، أو أشكل عليها، أو لم تكن قافة؛ تُرك حتى يبلغ، فينتسب إلى من تميل نفسه إليه، وإن ادّعى رجل رقّه لم يقبل إلا ببينة تشهد بأنّ أمته ولدته، وفيه قول آخر: أنه لا يقبل حتى يشهد بأن أمته ولدته في ملكه، وإن قتل اللقيط عمدًا فللإمام أن يقتص من القاتل إن رأى ذلك، وله أن يأخذ الدية إن رأى ذلك، وإن قطع طرفه عمدًا وهو موسر انتظر حتى يبلغ وإن كان فقيرًا، فإن كان معتوهًا كان للإمام أن يعفو على مال يأخذه وينفقه عليه، وإن كان عاقلًا انتظر حتى يبلغ، وإن بلغ فقذفه رجل وادّعى أنه عبد وقال اللقيط: بل أنا حر ففيه قولان: أصحهما: أنّ القول قول القاذف، وإن جنى عليه حر فقال: أنت عبد، وقال: بل أنا حرّ؛ فالقول قول اللقيط، فيحلف ويقتص منه.
وقيل: فيه قولان كالقذف، وإن بلغ اللقيط ووصف الكفر؛ فإن كان حكم بإسلامه تبعًا لأبيه فالمنصوص أنه لا يقرّ عليه، وخرج فيه قول آخر أنه يقر عليه، وإن حكم بإسلامه بالدار ثم بلغ ووصف الكفر فالمنصوص أن يقال له: لا نقبل منك إلا الإسلام ويفزعه، فإن أقام على الكفر قبل منه، وخرج فيه قول آخر: أنه كالمحكوم بإسلامه بأبيه، وإن بلغ وسكت فقتله مسلم فقد قيل: لا قود عليه.
وقيل: يجب.
وقيل: إن حكم بإسلامه بأبيه فعليه القود.
وإن حكم بإسلامه بالدار فلا قود 2 عليه، وإن بلغ وباع واشترى ونكح وطلق وجنى وجُني عليه ثم أقر بالرق فقد قيل: فيه قولان: أحدهما: إقراره.
والثاني: لا يقبل.
وقيل: يقبل إقراره قولًا واحدًا، وفي حكمه قولان: أحدهما: يقبل في جميع الأحكام.
والثاني: يفصل، فيقبل فيما عليه، ولا يقبل فيما له.

باب الوقف

: والوقف قربة مندوب إليه.
ولا يصح إلا ممن يجوز تصرفه في ماله، ولايصح إلا في عين معينة، فإن وقف شيئًا في الذمة -بأن قال: وقفت فرسًا أو عبدًّا- لم يصح.
ولا يصح إلا في عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها على الدوام؛ كالعقار، والحيوان، والأثاث، فإن وقف مالًا ينتفع به مع بقائه -كالأثمان، والطعام-، أو مالًا ينتفع به على الدوام -كالمشموم- لم يجز.
ولا يجوز إلا على معروف وبرّ؛ كالوقف على الأقارب والفقراء والقناطر وسبل الخير، فإن وقف على قاطع الطريق، أو على حربي، أو مرتد؛ لم يجز، وإن وقف على ذمي جاز، ولا يجوز أن يقف على نفسه، ولا على مجهول؛ كرجل غير معين، ولا على من لا يملك الغلّة؛ كالعبد والحمل، فإن وقف على من يجوز ثم على من لا يجوز بطل في أحد القولين، وصحّ في الآخر، ويرجع إلى أقرب الناس إلى الواقف، وهل يختص به فقراءهم، أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء؟ فيه قولان.
وقيل: يختص به الفقراء قولًا واحدًا، فإن وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز فقد قيل: يبطل قولًا واحدًا.
وقيل: فيه قولان: أحدهما: يبطل.
والثاني: يصحّ، فإن كان ممن لا يجوز الوقف عليه ممن لا يمكن اعتبار انقراضه -كالمجهول- صرف الغلة إلى من يصحّ، وإن كان ممن يمكن اعتبار انقراضه -كالعبد- فقد قيل: يصرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه.
وقيل: لا يصرف إليه إلى أن ينقرض.
وقيل: يكون لأقرباء الواقف إلى أن ينقرض ثم يصرف إلى من يجوز الوقف عليه، وإن وقف على رجل بعينه ثم على الفقراء فرد الرجل بطل في حقه، وفي حق الفقراء قولان؛ فإن وقف وسكت عن السبل 1 بطل في أحد القولين، ويصح في الآخر؛ فيصرف إلى أقرب

الناس إلى الواقف، ولا يصح الوقف إلا بالقول, وألفاظه: وقفت، وحبّست، وسبّلت، وفي قوله: حرّمت، وأبدّت وجهان، وإن قال تصدقت لم يصح الوقف حتى ينويه أو يقرن به ما يدل عليه؛ كقوله: صدقة محرمة، أو مؤبدة، أو صدقة لا تباع، وما أشبهها.
وإذا صح الوقف لزم، فإن شرط فيه الخيار أو شرط أن يبيعه متى شاء بطل، ولا يجوز أن يعلّق ابتداءه على شرط، فإن علّقه على شرط بطل، وإن علّق انتهاءه -بأن قال: وقفت هذا إلى سنة- بطل في أحد القولين، ويصح في الآخر، ويصرف بعد السنة إلى أقرب الناس إلى الواقف، وينتقل الملك في الرقبة بالوقف عن الواقف في ظاهر المذهب؛ فقد قيل: ينتقل إلى الله تعالى, وقيل: إلى الموقوف عليه.
وقيل: فيه قولان.
ويملك الموقوف عليه غلة الوقف ومنفعته وصوفه ولبنه، فإن كان جارية لم يملك وطئها، وفي التزويج أوجه: أحدها: لا يجوز بحال.
والثاني يجوز للموقوف عليه.
والثالث: يجوز للحاكم، فإن وطئت أخذ الموقوف عليه المهر، وإن أتت بولد فقد قيل: يملكه الموقوف عليه ملكا يملك التصرف فيه بالبيع وغيره, وقيل: هو وقف كالأم، وإن أتلف اشترى بقيمته ما يقوم مقامه.
وقيل: إن قلنا: إنه للموقوف عليه فهي له، وإن قلنا: إنه لله تعالى اشترى بها ما يقوم مقامه، وإن جنى خطأ وقلنا: هو له؛ فالإرش عليه، وإن قلنا: لله تعالى؛ فقد قيل: في ملك الواقف.
وقيل: في بيت المال.
وقيل: في كسبه، وينظر في الوقف من شرطه الواقف؛ فإن شرط النظر لنفسه جاز، وإن لم يشرط نظر فيه الموقوف عليه في أحد القولين، والحاكم في القول الآخر.
ولا يتصرف الناظر فيه إلا على وجه النظر والاحتياط، فإن احتاج إلى نفقة أنفق عليه من حيث شرط الواقف، فإن لم يشرط أنفق عليه من الغلة، ويصرف الباقي إلى الموقوف عليه.
والمستحب أن لا يؤجر الوقف أكثر من ثلاث سنين، فإن مات الموقوف عليه في أثناء المدة انفسخت الإجارة.
وقيل: لا تنفسخ، ويصرف أجرة ما مضى إلى البطن الأول، وما بقي إلى البطن الثاني، ويصرف الغلة على شرط الواقف والتقديم والتأخير والجمع والترتيب وإخراج من شاء بصفة واحدة وإدخاله بصفة، فإن وقف على الفقراء جاز أن يصرف إلى ثلاثة منهم، وإن وقف

على قبيلة كثيرة بطل الوقف في أحد القولين، وصح في الآخر، ويجوز أن يصرف إلى ثلاثة منهم، وإن وقف على مواليه له موال من أعلى وموال من أسفل فقد قيل: يبطل.
وقيل: يصحّ ويصرف إلى الموالي من أعلى.
وقيل: يقسم بينهما، وهو الأصح، وإن وقف على زيد وعمرو وبكر ثم على الفقراء فمات زيد صرف الغلة إلى من بقي من أهل الوقف، فإذا انقرضوا صرفت إلى الفقراء.

باب الهبة

: الهبة مندب إليها، وللأقارب أفضل.
ويستحب لمن وهب لأولاده أن يسوّي بينهم.
ولا تصح إلا من جائز التصرف في ماله غير محجور عليه.
ولا يجوز هبة المجهول, ولا هبة ما لا يقدر على تسليمه، وما لا يتم ملكه عليه؛ كالمبيع قبل القبض، ولا يجوز تعليقه على شرط مستقبل, ولا بشرط ينافي مقتضاه، فإن قال: أعمرتك هذه الدار وجعلتها لك حياتك ولعقبك من بعدك صحّ, وإن لم يذكر العقب صحّ أيضًا، وتكون له في حياته ولعقبه من بعد موته.
وقيل: فيه قول آخر: أنه باطل.
وفيه قول آخر: أنه يصح، ويكون للمعمر في حياته، فإذا مات رجع إلى المعمر، أو إلى ورثته إن كان قد مات, وإن قال: جعلتها لك حياتك، فإذا مت رجعت إليّ بطل في أحد الوجهين، ويصح في الآخر، ويرجع إليه بعد موته, وإن قال: أرقبتك هذه الدار؛ فإن مت قبلي عادت إليّ، وإن متّ قبلك استقرت لك صحّ، ويكون حكمه حكم العمرى.
ولا يصح شيء من الهبات إلا بالإيجاب والقبول، ولا يملك المال فيه إلا بالقبض، ولا يصح القبض إلا بإذن الواهب، فإن وهب منه شيئًا في يده أو رهنه عنده لم يصح القبض حتى يأذن فيه, ويمضي زمان يتأتّى فيه القبض.
وقيل: في الرهن لا يصح إلا بالإذن، وفي الهبة يصح من غير إذن.
وقيل: فيهما قولان.
وإن مات الواهب قبل القبض قام الوارث مقامه؛ إن شاء أقبض، وإن شاء لم يقبض.
وقيل: ينفسخ العقد، وليس بشيء.
وإن وهب الأب أو الأم أو أبوهما أوجدهما شيئًا للولد وأقبضه إياه جاز له أن يرجع فيه، وإن تصدّق عليه فالمنصوص أن له أن يرجع.
وقيل: لا يرجع، فإن زاد

الموهوب زيادة مميزة -كالولد والثمرة- رجع فيه دون الزيادة، وإن أفلس الموهوب له وحجر قيل: يرجع.
وقيل: لا يرجع.
وإن كاتب الموهوب أو رهنه لم يرجع فيه حتى تنفسخ الكتابة وينفك الرهن، وإن باعه أو وهبه لم يرجع في الحال.
وقيل: إن وهب ممن يملك الواهب الرجوع في هبته جاز له أن يرجع عليه، فإن عاد المبيع أو الموهوب فقد قيل: لا يرجع.
وقيل: يرجع.
وإن وطأ الواهب الجارية الموهوبة كان ذلك رجوعًا.
وقيل: لا يكون رجوعًا.
ومن وهب شيئًا ممن هو أعلى منه ففيه قولان: أحدهما: لا يلزمه الثواب.
والثاني: يلزمه, وفي قدر الثواب أقوال: أحدها: يثيبه إلى أن يرضى.
والثاني: يلزمه قدر الموهوب.
والثالث: يلزمه ما يكون ثوابًا لمثله في العادة، فإن لم يثبه ثبت للواهب الرجوع.
وإن قلنا: لا يلزمه الثواب؛ فشرط ثوابا مجهولًا بطل, وإن شرط ثوابًا معلومًا ففيه قولان، وإن قلنا: يلزمه الثواب؛ فشرط ثوابًا مجهولًا جاز، وإن شرط ثوابًا معلومًا ففيه قولان: أحدهما: أنه يبطل، ويكون حكمه حكم البيع الباطل.
والثاني: أنه يصح، ويكون حكمه حكم البيع الصحيح.

باب الوصية

: من جاز تصرفه في ماله جازت وصيته، ومن لا يجوز تصرفه -كالمعتوه والمبرسم 1 - لا يصح وصيته، وفي الصبي المميز والمبذّر قولان.
ولا تصح الوصية إلا إلى حرّ مسلم بالغ عاقل عدل، فإن وصى إليه وهو على غير هذه الصفات فصار عند الموت على هذه الصفات جاز.
وقيل: لا يجوز، وإن وصى إلى أعمى فقد قيل: تصح.
وقيل: لا تصح.
ويجوز أن يوصي إلى نفسين؛ فإن أشرك بينهما في النظر لم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف، وإن وصى إليه في شيء لم يصر وصيًّا في غيره.
وللوصي أن يوكل فيما لا يتولى مثله بنفسه، وليس له أن يوصي، فإن جعل إليه أن يوصي ففيه قولان، وإن وصى إلى رجل ثم بعده إلى آخر جاز، ولا تتم الوصية إليه إلا بالقبول، وله أن يقبل في الحال، وله أن يقبل

في الثاني.
وللموصي أن يعزله متى شاء، وللوصي أن يعزل نفسه متى شاء.
ولا يجوز الوصية إلا في معروف؛ من قضاء دين، وأداء حج، والنظر في أمر الصغار، وتفرقة الثلث، وما أشبه ذلك، فإن وصى بمعصية -كبناء كنيسة، أو كتب التوراة-، أو بما لا قربة فيه -كالبيع من غير محاباة-؛ لم تصحّ, وإن وصى لوارث عند الموت لم تصح الوصية في أحد القولين, وتصح في الآخر، ويقف على الإجازة، وهو الأصح.
وإن وصى للقاتل بطلت الوصية في أحد القولين، وصحّت في الآخر, وهو الأصح.
وإن وصى لحربي فقد قيل: تصح.
وقيل: لا تصح.
وإن وصى لقبيلة كثيرة أو لمواليه وله موال من أعلى وموال من أسفل فعلى ما ذكرناه في الوقف.
وإن وصى لما تحمل هذه المرأة فقد قيل: تصح.
وقيل: لا تصح.
ويستحق الوصية بالموت إن كانت لغير معين، وإن كانت لمعين ففيه أقوال: أحدها: يملكه بالموت.
والثاني: بالموت والقبرل.
والثالث -وهو الأصح-: أنه موقوف، فإن قبل حكم له بالملك من حين الموت، وإن رد حكم بأنها ملك الوارث، وإن لم يقبل ولم يرد وطالب الورثة خيّره الحاكم بين القبول والرد، فإن لم يفعل حكم عليه بالإبطال، وإن قبل الوصية وقبض ثم ردّ لم يصح الرد، وإن رد بعد القبول وقبل القبض فقد قيل: يبطل.
وقيل: لا يبطل، والأول أصحّ.
وإن مات الموصى له قبل الموصي بطلت الوصية، وإن مات بعد موته قام وارثه مقامه في القبول والرد.
وتجوز الوصية بثلث المال، وإن كان ورثته أغنياء استحب أن يستوفي الثلث، وإن كانوا فقراء استحب أن لا يستوفي في الثلث، فإن أوصى بأكثر من الثلث ولا وارث له بطلت الوصية فيما زاد على الثلث، وإن كان له وارث ففيه قولان: أحدهما: تبطل الوصية.
والثاني: تصح وتقف على إجازة الوارث، فإن أجاز صح، وإن رد بطل، ولا يصح الرد والإجازة إلا بعد الموت، فإن أجاز ثم قال: أجزت لأني ظننت أن المال قليل وقد بان خلافه فالقول قوله مع يمينه أنه لم يعلم، وإن قال: ظننت أن المال قليل وقد بان خلافه فالقول قوله مع يمينه أنه لم يعلم، وإن قال: ظننت أن المال كثير وقد بان خلافه ففيه قولان أحدهما: يقبل.
والثاني: لا يقبل.
وما وصى به من التبرعات يعتبر من الثلث سواء وصى به في الصحة أو المرض.
وما وصى به من الواجبات إن قُيّد بالثلث اعتبر من

الثلث، وإن أطلق فالأظهر أنه لا يعتبر من الثلث.
وقيل: يعتبر.
وقيل: إن كان قد قرن بما يعتبر من الثلث، وإن لم يقرن بذلك لم يعتبر، وما تبرّع به في حياته -كالهبة, والعتق، والوقف، والمحاباة، والكتابة، وصدقات التطوع-؛ إن كان قد فعله في الصحة لم يعتبر من الثلث، وإن كان فعله في مرض مخوف -كالبرسام، والرعاف 1 الدائم، والزحير 2 المتواتر، وطلق الحامل، وما أشبه ذلك- واتصل بالموت؛ اعتبر من الثلث, وإن فعله في حال التحام الحرب، أو تموج البحر, أو التقديم للقتل ففيه قولان: أحدهما: يعتبر من الثلث.
والثاني: لا يعتبر.
وإن وصى بخدمة عبد اعتبرت قيمته من الثلث على المنصوص.
وقيل: يعتبر المنفعة من الثلث، فإذا عجز الثلث عن التبرعات المنجزة في حال المرض بدئ بالأول فالأول، فإن وقعت دفعة واحدة أو وصى وصايا متفرقة أو دفعة واحدة؛ فإن لم يكن عتقا ولا معها عتق قسم الثلث بين الجميع، وإن كان فيها عتق وغير عتق ففيه قولان: أحدهما: يقدّم العتق.
والثاني: يسوي بين الكل، فإن كان الجميع عتقا ولم تجز الورثة جزؤا ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم، فيكتب ثلاث رقاع في كل رقعة اسم، ويترك في ثلاث بنادق طين متساوية، وتوضع في جحر رجل لم يحضر ذلك، ويؤمر بإخراج واحد منها على الحرية، فيعتق من خرج اسمه، ويرق الباقون، وإن كان له مال حاضر ومال غائب، أو عين ودين؛ دفع إلى الموصى له ثلث الحاضر وثلث العين، وإلى الورثة من ذلك ثلثاه، وكلما نض من الدين شيء، أو حضر من العائب بشيء؛ قسم بين الورثة وبين الموصى له.
وإن وصى بثلث عبد فاستحق ثلثاه؛ فإن احتمل ثلث المال الباقي نفذت الوصية، وإن لم يحتمل نفذت في القدر الذي يحتمل.
وقيل: لا تصح الوصية إلا في ثلثه، وليس بشيء.
وتجوز الوصية بالمعدوم؛ كالوصية بما تحمله الشجرة، أو الجارية، وبالمجهول؛ كالوصية بالأعيان الغائبة، وبما لا يقدر على تسليمه؛ كالطير

الطائر والعبد الآبق، وما لا يملكه؛ كالوصية بألف درهم لا يملكه.
وقيل: إن لم يملك شيئًا أصلا لم تصح، وليس بشيء.
ويجوز تعليقها على شرط في الحياة وعلى شرط بعد الموت، ويجوز بالمنافع والأعيان، وما يجوز الانتفاع به من النجاسات؛ كالسماد والسرجين والكلب والزيت النجس, ولا يجوز بما لا يجوز الانتفاع به؛ كالخمر والخنزير.
وإن أوصى لأقارب فلان دفع إلى من يعرف بقرابته، ويسوى بين الأقرب والأبعد منهم، وإن وصى لأقرب الناس إليه لم يدفع إلى الأبعد مع وجود الأقرب، فإن اجتمع الأب والابن قدم الابن في أحد القولين، وسوى بينهما في الآخر, وإن اجتمع الجد والأخ قدّم الأخ في أحد القولين، وسوّى بينهما في الآخر.
وإن وصى لجيرانه صرف إلى أربعين دارًا من كل جانب.
وإن أوصى لفقراء بلد استحب أن يعمهم، فإن اقتصر على ثلاثة منهم جاز، وإن أوصى بالثلث لزيد وللفقراء فهو كأحدهم.
وقيل: يدفع إليه نصف الثلث.
وإن أوصى لحمل هذه المرأة دفع إلى من يعلم أنه كان موسرًا عند الوصية.
وإن وصى للرقاب إلى المكاتبين، أو إن أوصى لسبيل الله؛ صرف إلى الغزاة من أهل الصدقات، وإن وصى لعبد وقبل دفع إلى سيده، وإن وصى بعتق عبد أعتق عنه ما يقع عليه الاسم.
وقيل: لا يجزئه إلا ما يجزئ في الكفارة, وإن قال: أعطوه رأسًا من رقيقي ولا رقيق له عند الموت بطلت الوصية، وإن قال: أعطوه عبدًا من مالي اشتري ودفع إليه، وإن قال: أعطوه رأسًا من رقيق فماتوا كلهم أو قتلوا إلا واحدًا تعينت فيه الوصية, وإن قتلوا كلهم دفعت إليه قيمة أحدهم، وإن وصى له برقبة عبد دون منفعته أعطى الرقبة، فإن أراد عتقها جاز، وإن أراد بيعها لم يجز.
وقيل: يجوز.
وقيل: إن أراد بيعها من مالك المنفعة جاز، وإن أراد بيعها من غيره لم يجز، وفي نفقته وجهان: أحدهما: على الموصى له بالرقبة.
والثاني: أنه على مالك المنفعة.
فإن قتل العبد اشترى بقيمته عبد يقوم مقامه.
وقيل: قيمته للموصى له بالرقبة، وإن قال: أعطوه ثورًا لم يعط بقرة، وإن قال: أعطوه جملًا لم يعط ناقة على المنصوص.
وقيل: يعطى، وإن قال: أعطوه دابة دفع إليه فرس أو بغل أو حمار على المنصوص.
وقيل: إن قال هذا في غير مصر لم

يدفع إليه إلا فرس، وإن قال: أعطوه كلبًا من كلابي وله ثلاثة أكلب دفع إليه واحد, وإن كان له كلب دفع إليه ثلثه، وإن قال: أعطوه كلبًا ولا كلب له بطلت الوصية, وإن قال: أعطوه طبلًا أو عودًا أو مزمارًا؛ فإن كان ما يصلح منه للهو ويصلح لمنفعة مباحة دفع إليه, وإن قال: أعطوه قوسًا دفع إليه قوس ندف أو قوس رمي إلا ما يقرن به ما يدل على أحدهما فيحمل عليه, وإن وصى بأن يحج عنه؛ فإن كان ذلك من رأس المال حج عنه من الميقات، وإن كان من الثلث فقد قيل: يحج عنه من الميقات.
وقيل: إن كان قد صرّح بأنه من الثلث حج من بلده، وإن لم يصرّح حجّ من الميقات، وإن قال: اعطوه جزءًا من مالي أو سهمًا من مالي أعطي أقل جزء، وإن قال: أعطوه مثل نصيب أحد وراثي أعطي مثل نصيب أقلهم, وإن قال: أعطوه مثل نصيب ابني ولا وارث له غيره كانت الوصية بالنصف، وإن قال: أعطوه ضعف نصيب ابني كانت الوصية بالثلثين, وإن قال: ضعفي نصيب ابني كانت الوصية بثلاثة أرباعه, وإن قال: أعطوه نصيب ابني فالوصية باطلة.
وقيل: هو كما لو قال: مثل نصيب ابني، وإن وصى لرجل بالنصف وللآخر بالثلث, وأجاز الورثة؛ أخذ كل منهما وصيته، وإن لم يجيزوا كما كان للموصى له بالنصف ثلاثة أسهم من خمسة وللآخر سهمان من الثلث, وإن وصى بشيء رجع في وصيته صح الرجوع، وإن وصى لزيد بجميع ماله أو بثلثه أو بعبد ثم وصى بذلك لعمرو سوى بينهما، وإن قال: وصيت لعمرو بما وصيت به لزيد جعل ذلك رجوعًا عن وصية زيد، وإن وصى لرجل بشيء ثم أزال الملك فيه ببيع، أوهبة، أو عرضه لزوال الملك -بأن دبّره, أو كاتبه-، أو عرضه على البيع، أو وصى ببيعه؛ كان ذلك رجوعًا، وإن وصّى به ثم رهنه فقد قيل: هو رجوع.
وقيل: ليس برجوع، وإن آجره أو كانت جارية فزوجها لم يكن رجوعا, وإن وصى بشيء ثم أزال اسمه -بأن كان قمحًا فطحنه، أو دقيقًا فعجنه، أو عجينًا فخبزه- كان ذلك رجوعًا, وإن كان غزلا فنسجه، أو نقرة فضربها دراهم، أو ساجًا فجعله بابًا؛ فقد قيل: هو رجوع.
وقيل: ليس برجوع، وإن وصى بدار فانهدمت وبقيت عرصتها فقد قيل: تبطل الوصية.
وقيل: لا

تبطل، وإن كان طعامًا بعينه فخلطه بغيره كان رجوعًا، وإن كان قفيزًا من صبرة فخلطه بأجود منه كان رجوعًا، وإن خلطه بمثله أو بما هو دونه لم يكن رجوعًا.

باب العتق

: العتق قربة مندوبٌ إليه.
ولا يصحّ إلا من مطلقِ التصرف في ماله.
ويصحّ بالصريح والكناية.
وصريحه: العتق، والحرية.
والكناية: قوله: لا ملك لي عليك، ولا سلطان لي عليك, ولا سبيل لي عليك، وأنت لله، وأنت طالق، وأنت حرام، وحبلُك على غاربك، وما أشبه ذلك.
وفي قوله: فككتُ رقبتك وجهان: أحدهما: أنه صريح.
والثاني: أنه كناية.
ويقع العتق بالصريح من غير نية, ولا يقع بالكناية إلا بالنية.
ويجوز أن يعلّق العتق على الأخطار والصفات كمجيء الأمطار، وهبوب الرياح، وغير ذلك من الصفات، وإذا علّق العتق على صفةٍ لم يملك الرجوع فيها بالقول، ويملك بالتصرف بالبيع وغيره، فإن باعه ثم اشتراه لم تعد الصفة، وإن علّق العتق على صفةٍ مطلقة فمات السيد بطلت الصفة، وإن أتت الجارية التي علّق عتقها على صفةٍ بولدٍ تبعها الولد في أحد القولين، ولا يتبعها في الآخر، وهو الأصحّ.
ويجوز العتق في العبد وفي بعضه، فإن أعتق بعض عبده عُتق جميعه، وإن أعتق شِرْكًا له في عبدٍ؛ فإن كان معسرًا عُتق نصيبه ورقّ الباقي، وإن كان موسرًا قوّم عليه نصيب شريكه يوم العتق، ومتى يعتق حصة الشريك؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يُعتق في الحال، فإن اختلفا في القيمة فالقول قول المعتق.
والثاني: يُعتق بدفع القيمة، فإن اختلفا في القيمة فالقول قول الشريك.
والثالث: أنه موقوف، فإن دفع القيمة حكمنا بأنه عتق في الحال، وإن لم يدفع حكمنا بأنه لم يعتق، وإن كان المعتق موسرًا ببعض القيمة

عتق منه بقدره, وإن قال لغيره: أعتق عبدك عني فأعتقه عنه دخل في ملك السائل, وعتق عليه، وإن أعتق أحدٌ عبديْه أو إحدى أمتيه عيّن العتق فيمن شاء، فإن مات قام وارثه مقامه.
وقيل: لا يقوم، وليس بشيء، فإن وطئ إحدى الأمتين كان ذلك تعيينًا للعتق في الأخرى.
وقيل: لا يكون تعيينًا، وإن أعتق أحدهما بعينه ثم أشكل ترك حتى يتذكر، فإن مات قام الوارث مقامه، فإن قال الوارث: لا أعرف أقرع بينهما في أحد القولين، فمن خرجت عليه القرعة عتق، ووقف الأمر في القول الآخر، ومن ملك أحدًا من الوالدين وإن علوا، أو من المولودين وإن سفلوا؛ عتق عليه، فإن ملك بعضه؛ فإن كان برضاه وهو موسر قُوّم عليه الباقي وعتق، وإن كان بغير رضاه لم يُقوّم عليه، ومن وجد من يعتق عليه مملوكًا استحبّ له أن يتملكه ليعتق عليه، وإن أوصى لمولى عليه بمن يعتق عليه وإن كان معسرًا لزم الناظر في أمره أن يقبله، وإن كان موسرًا؛ فإن كان ممن لا تلزمه نفقته وجب قبوله، وإن كان ممن تلزمه نفقته لم يجب قبوله، وإن وصّى له ببعضه وهو معسر لزمه قبوله، فإن كان موسرًا وهو ممن تلزمه نفقته لم يجز القبول، وإن لم تلزمه نفقته ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز القبول.
والثاني: يلزمه، ولكن لا يقوم عليه.

باب التدبير

: التدبير قربة، يُعتبر من الثلث.
يصحّ من كل من يجوز تصرفه، وفي الصبى المميز والمبذّر قولان: أحدهما: يصحّ تدبيره.
والثاني: لا يصحّ.
والتدبير أن يقول: أنت حرٌّ بعد موتي، أو إن مت من مرضي هذا, أو في هذا البلد فأنت حرٌّ، فإن قال: دبّرتك، أو أنت مدبّر؛ ففيه قولان.
ويجوز أن يُعلّق التدبير على صفة؛ بأن يقول: إن دخلت الدار فأنت حرٌّ بعد موتي، ويجوز في بعض العبد, فإن دبّر البعض لم يسر إلى الباقي، وإن دبّر شركًا له في عبدٍ لم يقوّم عليه على ظاهر المذهب.
وقيل: يقوّم عليه، وإن كان عبد بين اثنين فدبّراه ثم أعتق أحدهما

نصيبَه لم يقوّم عليه نصيب شريكه في أصحّ القولين, ويقوّم في الآخر.
ويجوز الرجوع في التدبير بالتصرف بالبيع وغيره، وهل يجوز بالقول؟ فيه قولان: أصحهما: أنه لا يجوز، فإن وهبه ولم يقبضه بطل التدبير.
وقيل: لا يبطل.
وإن دبّر جارية ثم أحبلها بطل التدبير, وإن كاتب عبدًا ثم دبّره صحّ التدبير، فإن أدّى المال عتق، وبطل التدبير، وإن لم يؤدّ حتى مات السيد عتق وبطلت الكتابة، فإن لم يحتمل الثلث جميعه عتق الثلث، وبقي ما زاد على الكتابة، وإن دبّر عبدًا ثم كاتبه بطل التدبير في أحد القولين، ولم يبطل في الآخر، ويكون مدبَّرًا مكاتبًا، فإن أتت المدبرة بولدٍ من نكاحٍ أو زنى لم يتبعها في أصح القولين، ويتبعها في الآخر، وإن دبّر الكافر عبده الكافر فأسلم العبد؛ فإن رجع في التدبير بيع عليه، وإن لم يرجع لم يقرّ في يده، فإن خارجه جاز، وإن لم يخارجه سلّم إلى عدل، وينفق عليه إلى أن يرجع عن التدبير فيباع أو يموت فيعتق.

باب الكتابة

: الكتابة قُربة، تعتبر في الصحة من رأس المال, ومن الثلث في المرض.
ولا يجوز إلا من جائز التصرف في ماله، ولا يجوز أن يكاتب إلا عبدًا بالغًا عاقلًا.
ولا يستحب إلا لمن عرف كسبه وأمانته.
ولا يجوز إلا على عوضٍ في الذمة معلوم الصفة.
ولا يجوز على أقل من نجمين 1 يعلم ما يؤدي في كل نجم، فإن كاتبه على عملٍ ومالٍ قدّم العمل على المال، وجعل المال في نجمٍ بعده، وإن كاتبه على عملين ولم يذكر مالًا لم يجز.
ولا يصحّ حتى يقول: كاتبتك على كذا، فإن أديت فأنت حرٌّ.
ولا تصحّ إلا بالقبول.
ولا يجوز عقدها على صفةٍ مستقبلة، ولا على شرط

خيار.
ولا يجوز على بعضِ عبد إلا أن يكون باقيه حرًّا, وإن كان عبدٌ بين اثنين فكاتبه أحدهما في نصيبه بغير إذن شريكه لم يجز، وإن كان بإذنه ففيه قولان, وإن كاتباه لم يجز إلا على مالٍ بينهما على قدر الملكين، وعلى نجومٍ واحدة.
وللمكاتب أن يفسخ العقد متى شاء, وليس للسيد أن يفسخ إلا أن يعجز العبد المكاتب عن الأداء.
وإن مات العبد انفسخت الكتابة, وإن مات السيد لم تنفسخ.
وعلى السيد أن يحطّ عن المكاتب بعض ما عليه، فإن لم يفعل حتى قبض المال ردّ عليه بعضه.
ولا يعتق المكاتب ولا شيء منه ما بقي عليه درهم.
فإن كان عبدٌ بين اثنين فكاتباه وأبرأه أحدهما عن حقه, أو مات فأبرأه أحد الوارثين عن حقه؛ عتق نصيبه، وقوّم عليه نصيب شريكه في أحد القولين, ولا يقوّم في الآخر.
ويملك المكاتب بالعقد منافعه وأكسابه، وله أن يبيع ويشتري ويستأجر ويكري، وهو مع السيد كالأجنبي مع الأجنبى في البيع والشراء والأخذ بالشفعة وبذل المنافع، وله أن يسافر في أحد القولين دون الآخر, ولا يتزوّج إلا بإذن المولى، ولا يحابي، ولا يهب، ولا يعتق، ولا يكاتب، ولا يضارب، ولا يرهن, ولا يكفر بالطعام والكسوة، ولا ينفق على أقاربه غير ولده من أمته، ولا يشتري من يعتق عليه، فإن أذن له السيد في شيء من ذلك ففيه قولان, وإن وصى له بمن يعتق عليه وله كسب يفي بنفقته جاز أن يقبل ويقف عتقه على عتقه، وإن أحبل جاريته فالولد مملوك يعتق بعتقه، وفي الجارية قولان: أحدهما: أنها تصير أم ولد له.
والثاني: لا تصير, وإن أتت المكاتبة بولدٍ من نكاح أو زنى ففيه قولان: أحدهما: أنه ملك للمولى يتصرف فيه.
والثاني: أنه موقوف على عتق الأم.
ولا يجوز للمولى بيع المكاتب في أصح القولين، ولا بيع ما في ذمته في أصح القولين, ويجوز أن يوصي بما في ذمته، فإن عجز عن أداء المال إلى الموصى له كان للورثة فسخ الكتابة.
وإن كاتب أمة لم يملك تزويجها إلا بإذنها، ولا يجوز له وطؤها، فإن وطئها لزمه المهر, وإن أحبلها صارت أم ولد له، فإن أدّت المال عتقت وصحبها كسبها، وإن مات السيد قبل أن تؤدي عتقت بالاستيلاء, وعاد الكسب إلى السيد، وإن حبس المكاتب مدّة لزمه أجرة المثل في

أحد القولين، وتخليته مثل تلك المدة في القول الآخر.
وإن جنى عليه لزمه أرش الجناية، وإن جنى المكاتب عليه جناية خطأ فدى نفسه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية في أحد القولين، وبأرش الجناية بالغًا ما بلغ في الآخر، فإن لم يفد نفسه كان للمولى أن يعجزه، وإن جنى على أجنبي فدى نفسه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية، فإن لم يفد بيع في الجناية، وانفسخت الكتابة.
وإن كاتبه على عوضٍ محرّمٍ أو شرطٍ فاسدٍ فسدت الكتابة، وبقيت الصفة، وللسيد فسخها، فإن دفع المال قبل الفسخ إلى الوكيل أو الوارث لم يعتق، وإن دفعه إلى المالك عتق، ورجع المولى عليه بالقيمة، ورجع هو على المولى بما دفع، فإن كانا من جنسٍ واحدٍ سقط أحدهما بالآخر في أحد الأقوال، ولا يسقط في الثاني، ولا يسقط في الثالث إلا برضا أحدهما، ولا يسقط في الرابع إلا برضاهما.
وإن وصى بالمكاتب وهو لا يعلم بفساد الكتابة ففيه قولان: أحدهما: يصح.
والثاني: لا يصح.
وإن أسلم عبدٌ لكافر أمر بإزالة الملك فيه، فإن كاتبه ففيه قولان: أحدهما: يجوز.
والثاني: لا يجوز.

باب عتق أم الولد

: إذا وطئ جاريته أو جاريةً يملك بعضها فأولدها فالولد حرٌّ، والجارية أم ولد له, وإن أولد جارية ابنه فالولد حرٌّ وفي الجارية قولان: أصحهما: أنها أم ولد له.
وإن أولد جارية أجنبي بنكاح أو زنى فالولد مملوك لصاحب الجارية، ولا تصير الجارية أم ولد له.
وإن أولد جارية أجنبي بشبهة فالولد حرّ، والجارية ليست بأم ولدٍ له في الحال، فإن ملكها ففيه قولان: أحدهما: أنها تصير أم ولد له.
والثاني: لا تصير.
وإن وطئ جاريته فوضعت ما لم يتصور فيه خلق آدمي فيشهد أربع من القوابل أنه لو ترك لكان آدميًّا ففيه قولان: أحدهما: أنها تصير أمّ ولد.
والثاني: أنها لا تصير.
ولا يجوز بيعُ أم ولد، ولا هبتها، ولا الوصية بها.
ويجوز استخدامها وإجارتها.
ويجوز وطئها.
وفي تزويجها ثلاثة أقوال: أصحها:

أنه يجوز له (1). والثاني: لا يجوز.
والثالث: يجوز له برضاها.
وتُعتق أم الولد بموت السيد من رأس المال، فإن جنت أم الولد فداها المولى بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش الجناية، فإن فداها بقيمتها ثم جنت جناية أخرى ففيه قولان: أحدهما: يفديها في الثانية أيضًا بأقل الأمرين.
والثاني: أنه يشارك المجني عليه ثانيًا المجني عليه أولًا فيما أخذ، ويشتركان فيه على قدر الجنايتين، وإن أسلمت أم ولد نصراني حيل بينه وبينها، وأنفق عليها إلى أن يموت فتعتق.

باب الولاء

: ومن عتق عليه مملوك بملك، أو بإعتاقه، أو بإعتاق غيره عنه بإذنه، أو بتدبيره، أو بكتابته, أو باستيلاده؛ فولاؤه له, وإن أعتق على المكاتب عبد ففي ولائه قولان: أحدهما: أنه لمولاه.
والثاني: أنه موقوف على عتقه، فإن عتق فهو له، وإن عجز نفسه فالولاء لمولاه.
وإن تزوّج عبد لرجل بمعتقة لرجل فأتت منه بولد كان ولاء الولد لمعتق الأمة، فإن أعتق أب الولد انجرّ الولاء من مولى الأم إلى مولى الأب, وإن أعتق جده والأب مملوك فقد قيل: لا ينجرّ من مولى الأم إلى مولى الجد.
وقيل: ينجرّ، فإن أعتق الأب بعد ذلك انجرّ من مولى الجد إلى مولى الأب.
ومن ثبت له الولاء فمات انتقل ذلك إلى عصباته دون سائر الورثة، يقدّم الأقرب فالأقرب، فإن كان له ابن وأب فالولاء للابن، وإن كان له أخ وأب فالولاء للأب، وإن كان له أخ من الأب والأم وأخ من الأب فالولاء للأخ من الأب والأم، وإن كان له أخ وجدّ فيه قولان: أحدهما: الولاء للأخ.
والثاني: بينهما، وإن كان له ابن أخ وعم فالولاء لابن الأخ، وإن كان له عم وابن عم فالولاء للعم، وإن لم تكن له عصبة انتقل إلى مواليه، ثم إلى عصبتهم على ما ذكرت، وإن أعتق عبدًا ثم مات وترك ابنين، ثم مات أحدهما وترك ابنًا، ثم مات العبد المعتق؛ فما له للكبير من العصبة، وهو ابن المولى دون ابن ابن المولى، وإن مات ابناه بعده وخلّف أحدهما ابنًا والآخر تسعة ثم مات1

العبد المعتق كان ماله بينهم على عددهم، لكل ابن عشر.
ولا ترث النساء بالولاء إلا من أعتقن، أو أعتق من أعتقن، أو جرّ الولاء إليهن من أعتقن، فإذا ماتت المرأة المعتقة انتقل حقها من الولاء إلى أقرب الناس إليها من عصاباتها على ما ذكرت.

جارٍ التحميل