14 -
مسألة
من شرط وجوب الحج وجود الزاد والراحلة:
نص عليهما في رواية حنبل، فقال: السبيل: الزاد والراحلة, وليس عليه أن يحج راجلاً, إلا أن يتطوع بنفسه.
وكذلك نقل صالح.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك وداود: الراحلة غير معتبرة، فمن قدر على المشي، لزمه ذلك، ولم يقف وجوبه على وجود الراحلة.
وأما الزاد: فلا يعتبر ملكه، وإنما تعتبر القدرة عليه؛ فإن كان ذا صنعة يمكنه الاكتساب بها، لزمه، وإن لم يكن له صنعة- وكان يحسن السؤال، وجرت عادته به- لزمه، وإن لم تجر عادته بذلك، لم يلزمه.
الحديث: 14 - الجزء: 1 - الصفحة: 53
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97].
فيهما دليلان:
أحدهما: من جهة الاستنباط.
والثاني: من جهة التفسير.
وأما الاستنباط: فهو أن كل عبادة أمر بفعلها، اقتضى ذلك القدرة على الفعل، كالصوم والصلاة وغيرهما، فلما اشترط في الحج استطاعة السبيل، اقتضى ذلك زيادة على القدر (ة)، والتي اعتبرها مالك، وليس ذلك إلا الاستطاعة التي نعتبرها.
وأما التفسير: فروى أبو بكر بإسناده عن الحسن قال: لما نزلت ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قال: قيل: يا رسول الله!
ما السبيل؟ قال: ((من وجد زاداً وراحلة)).
وروى الدارقطني بإسناده عن ابن مسعود، وابن عمر، وعمرو ابن شعيب، (عن أبيه، عن جده)، وعائشة، وأنس: أن النبي "صل الله عليه وسلم" قيل له:
ما السبيل؟ قال: ((الزاد والراحلة)).
فإن قيل: يحتمل أن يكون الرجل الذي سأله ممن لا يحجب عليه
الجزء: 1 - الصفحة: 54
الحج إلا بوجود زاد وراحلة، فبين له السبيل المشروط في حقه.
قيل له: النبي "صلى الله عليه وسلم" ذكر (السبيل) بالألف واللام، وإنما يكون المراد بذلك جنس السبيل، أو المعهود- هو المذكور في الآية- فلا يمكن حمل الخبر على غير هذين.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون هذا بياناً للسبيل المذكور في الآية؛ لأن الشرط يعتبر في حق عامة الناس، والزاد والراحلة غير معتبر في حق المكي، ومن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
قيل له: الظاهر اقتضى اعتبار ذلك في حق جميع الناس غير أن الدليل خصه في الوضع الذي ذكروه.
فإن قيل: فقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] عام في كل مستطيع، وهذا مستطيع.
قيل له: قد (بينا من) الاستنباط والتفسير ما يمنع العموم، (وأيضاً) ما روى الدارقطني بإسناده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال رجل: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: ((الزاد والراحلة)).
وفي لفظ آخر عن النبي "صل الله عليه وسلم" قال: ((السبيل إلى البيت)) الزاد
الجزء: 1 - الصفحة: 55
والراحلة))، وهذا خرج مخرج البيان.
والقياس أنها عبادة (بدنية) بقطع مسافة بعيدة، فكان من شرط وجوبها زاد وراحلة، كالجهاد.
وإن لم يسلموا أن الزاد والراحلة معتبران في وجوب الجهاد.
دليلنا عليه: قوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 92]
فأخبر أنه لا حرج على من لم يجد محملاً في ترك الجهاد.
ولآن كل من لم يمكنه أداء الحج إلا بقطع مسافة تقصر فيها الصلاة، فإذا لم يكن واجداً للزاد والراحلة، لم يلزمه فرض الحج.
دليله: من لا صنعة له، ولا يحسن السؤال.
واحتج المخالف بقوله: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج: 27]؛ يعني: مشاة وقرئ: (رجالاً) يعني: رجالاً.
فثبت: أنه يجب المشي إليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 56
والجواب: أن الآية فيها: أن الناس يأتون الحج مشاة، ونحن نقول بذلك، وهم من كان بمكة، ومنها على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، يبين هذا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ يعني: على كل مركوب ﴿يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق﴾ [الحج: 27]؛يعني: بعيد، فاعتبر المركوب في البعيد، فثبت أن المراد ما ذكرنا.
واحتج بأنها عبادة على البدن، فلم يعتبر فيها زاد وراحلة، كالصوم والصلاة.
والجواب: أنه ينتقض [... .] وبمن لم يحسن السؤال، ولا له حرفة.
على أن المعني في الأصل: أنه لا مشقة في قطعه من عدم الزاد والراحلة، فلم يعتبر ذلك فيها، والحج بخلافه.
واحتج بأنه قادر على الحج من غير خروج عن عادة، ولا بد له، فلزمه، كما لو كان واجداً للزاد والراحلة، أو كان بمكة، أو عل مسافة قريبة.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه لا مشقة في ذلك، وليس كذلك هاهنا؛ لأن عليه فيه مشقة.
الجزء: 1 - الصفحة: 57
واحتج بأن القدرة على الكسب قد أقيمت مقام القدرة على المال، بدلالة أن من قدر على الكسب حرم عليه أخذ الصدقة، كما حرم عليه إذا كان له مال، وكذلك الفقير المعتمل يلزمه أداء الجزية، كما يلزم من معه مال، وكذلك [الأب إذا كان يكتسب] يلزمه نفقة ولده، وكذلك الابن، وكذلك المفلس إذا كانت له حرفة لزمه أن يؤجر نفسه، ويقضي دينه، كما يلزمه مع وجود المال، كذلك هاهنا.
والجواب: أن حرمان الصدقة يعتبر بحصول الغنى، وهو غنى بالحرفة، كما هو غني بالمال، وليس كذلك الراحلة، إذ كأنما اعتبرت لنفي المشقة، والمشقة تلحقه بعدمها.
وأما إيجاب النفقة على الأب، وإيجاب الجزية على الكافر، والإجازة على المفلس؛ لأنه لا مشقة في ذلك؛ لأنه مخاطب بالنفقة يوماً بيوم، فإذا عجز عنها في الثاني لم تلزمه مشقة في المستقبل، وكذلك المفلس؛ متى عجز سقطت المطالبة.
وليس كذلك [... .] بما عجز في سفره عن الكسب، فتلحقه
الجزء: 1 - الصفحة: 58
مشقة في الرجوع (.....)، فالزكاة والكفارة لا تجب بالكسب [... .]، كذلك الحج.
15 - مسألة
المعضوب [إذا كان عنده مال] يحج به عن نفسه، لزمه ذلك
:
نص عليه في رواية أبي طالب فقال: إذا كان الرجل والمرأة لا يقدران على الحج، وقد وجب عليهما الحج -حج عنهما وليهما.
وهو قول الشافعي.
وقال مالك وداود: لا يلزمه أن يحج غيره من ماله.
كذلك روى أبو داود بإسناده عن ابن عباس فال: كان الفضل بن العباس ردف النبي "صل الله عليه وسلم" فجاءت امرأة من خثعم؛ لتستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل الرسول "صل الله عليه وسلم" يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت
الحديث: 15 - الجزء: 1 - الصفحة: 59
أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: ((نعم)).
وروى أحمد بإسناده عن ابن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى النبي "صل الله عليه وسلم" فقال: يا رسول الله! أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ فقال: ((أنت أكبر ولده؟)) فقال: نعم، قال: ((أرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته عنه، أكان ذلك يجزئ عنه؟) قال: نعم، قال: ((فاحجج عنه)).
وروى أبو داود بإسناده عن أبي رزين العقيلي: (أنه) قال لرسول الله "صل الله عليه وسلم": إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة، ولا الظعن، فقال: ((احجج عن أبيك واعتمر)).
فمن هذه الأخبار دليلان:
أحدهما: قول المرأة: فريضة الله على عباده أدركت أباها، ولم ينكر عليها ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 60
والثاني: أنه أمر بالقضاء، وشبهه بالدين، والأمر يدل على الوجوب، ولأن الحج من فرائض الإيمان، فجاز أن يجب على المغضوب، كالصوان والصيام.
وإن شئت قلت: عبادة تجب على إفسادها كفارة، فجاز أن تجب على المغضوب، كالصوم.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:97]، فأوجب الحج على من استطاع السبيل، والمعضوب لا يستطيع.
والجواب: أنه إنما اعتبر السبيل في وجوب الحج على الإنسان نفسه، وهاهنا لا يجب على المعضوب بنفسه، فلم تعتبر استطاعته.
وعلى أنا قد روينا: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) فسر السبيل بالزاد والراحلة، فاقتضى الظاهر: أن المعضوب إذا وجد الزاد والراحلة، لزمه الحج، فكانت الآية حجة لنا من هذا الوجه.
واحتج بأن كل عبادةٍ لم تدخلها النيابة مع القدرة، لم تدخلها مع العجز، كالصلاة، وعكسه الزكاة.
والجواب: أن الصلاة عبادة لا يدخل في جبرانها المال، فلم تدخل النيابة [مع القدرة]، والحج بخلافه.
أو نقول: الصلاة لما لم تدخل النيابة فيها بعد الوفاة، لم تدخلها
الجزء: 1 - الصفحة: 61
في حال الحياة، والحج لما دخلته النيابة بعد الوفاة، دخلته في حال الحياة.
[وهذا يقال في الصوم؛ فإنه] لا تدخله النيابة بالإطعام في حال القدرة، وتدخله مع العجز في حق الشيخ [الهرم].
16 -
مسألة
[لو بذل غيره] الطاعة في الحج عنه، لم يلزمه فرض الحج، سواء كان المبذول له صحيحًا، أو [زمنًا] كان، أو معسرًا:
هكذا ذكر شيخنا، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي داود وصالح، وقد سئل: على من يجب الحج؟ قال: إذا وجد زادًا وراحلة.
فاعتبر وجود ذلك في ملكه، وهذا لا يجد.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: إن كان المبذول له زمنًا معسرًا، والباذل واجدًا
الحديث: 16 - الجزء: 1 - الصفحة: 62
للزاد والراحلة، وقد حج عن نفسه، ويوثق بطاعته، وهو ممن يجب عليه الحج، مثل أن يكون حرًا بالغًا عاقلًا، لزم المبذول له فرض الحج، وعليه أن يأمر الباذل بأداء الحج عنه، فإن لم يأمره به، ومات لقي الله (عز وجل) وعليه حجة الإسلام، كالزمن إذا كان له مال، ولم يحج عن نفسه حتى مات، ولا فرق بين أن يكون الباذل ولدًا، أو أجنبيًا.
فإن بذل له المال، ففيه وجهان:
أحدهما- وهو الصحيح-: أنه لا يلزمه قبوله.
والثاني: يلزمه.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:97]، وفسر النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك بالزاد والراحلة، وظاهر هذا مقتضى الوجوب بذلك.
فإن قيل: إذا كان يأمر بمثل، سمي مستطيعًا، ألا ترى أن الإنسان يقول: أنا مستطيع أن أبني دارًا، بمعنى: آمر ببنائها؟
قيل له: يقول ذلك إذا كان يأمر من يجب عليه أن يفعل، فأما إذا قدر على أمر من لا يجب عليه العمل، قيل: هو مستطيع للأمر، لا للبناء.
وعندهم أن للابن أن يرجع فيما بذل ما لم يدخل في الإحرام، فكيف يكون الآمر مستطيعًا، والمأمور لا يلزمه فعله؟
الجزء: 1 - الصفحة: 63
ولأن الحج عبادة تراد لنفسها، فوجب أن لا تؤثر طاعة غيره في وجودها.
دليله: الصوم والصلاة.
ولا تلزم عليه الطهارة؛ فإذا بذل له الماء، وبذل له من يوضئه: أنه يلزمها؛ لأنها لا تراد لنفسها.
ولو حذفنا قولنا: (تراد لنفسها) لم يضر؛ لأن الضوء يجب عند بذل الماء بالحدث السابق، فإذا لم تؤثر طاعة غيره في الوجوب.
فإن قيل: الصوم والصلاة لا تصح النيابة فيهما، فلهذا لم يجبا بوجود من ينوب عنه، وليس كذلك الحج؛ لأنه تصح فيه النيابة.
قيل له: فالزكاة تصح فيها النيابة، ومع هذا لا تؤثر طاعة غيره فيها، وكذلك الكفارات.
وأيضًا لا خلاف أنه لو بذل له الإطعام في كفارة اليمن، والكسوة، أو الرقبة، والمبذول له معسر، يلزمه قبوله للعلة التي ذكرنا، كذلك إذا بذل له الطاعة في الحج.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن فيه تمليك مال: وتلحقه بقبوله منه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه من عمل البدن، ولا تلحقه به منة،
الجزء: 1 - الصفحة: 64
ألا ترى أن الإنسان قد يمتنع من قبول المال من غيره، ولا يمتنع من استخدامه وتصريفه حوائجه؛ لأنه تلحقه بقبول المال منه، ولا تلحقه باستخدامه؟
ولهذا لو قلنا: لو بذل المال، وهو معسر زمن، لم يلزمه الحج؛ لأنه يحصل بقبوله منة، فلا يلزمه قبوله.
قيل له: المنة تحصل للأجنبي بعمل البدن، كما تحصل ببذل الإطعام ولا تحصل للولد في واحد منهما.
على أنه يلزمه أن يفرق بين بذل الطاعة في الصوم والصلاة، وبين الإطعام والكسوة بهذا المعنى.
فإن قيل: في قبول الرقبة والإطعام تسبب إلى تملكه ما يجب به العتق والإطعام، وليس على المكفر أن يتسبب إلى ذلك، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه ليس فيه تسبب إلى تملك ما يجب به الحج؛ لأن الحج يلزم المبذول له الطاعة بنفس البذل من غير قبول، وإنما يحتاج إلى أن يأمر الباذل بأدائه عنه؛ ليصح أداؤه عنه.
قيل له: قد يلزم المكفر أن يتسبب إلى تمليك الرقبة بالشراء إذا كان معه ثمنها.
فإن قيل: ترك قبول الطعام والرقبة لا يؤدي إلى إسقاط الكفارة
الجزء: 1 - الصفحة: 65
جملة؛ لأنه ينتقل إلى البذل، وهو الصوم، وليس كذلك الحج؛ لأنه ليس بدل يرجع إليه، فلو قلنا: إنه لا يجب عليه، لسقط جملة.
قيل: فيلزمه أن يقول: لو بذل له المال يلزمه قبوله؛ لأنه لو لم يلزمه لسقط جملة.
ثم نقول له: أفرق بين الصلاة والإطعام في الكفارة بهذا المعنى.
ولأن المبذول له غير مالك للزاد والراحلة، فوجب أن لا يكون بذل غيره بمنزلة وجود الاستطاعة، كما لو بذل له المال.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:97]، ولم يفرق بين أن يستطيع بنفسه، وبين أن يستطيع بغيره.
والجواب: أنا قد جعلنا ذلك حجة لنا، وأنه لا يكون مستطيعًا لغيره.
علي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سئل عن الاستطاعة فقال: الزاد والراحلة، وهذا غير مالك لهما، فلا تتناوله الآية.
واحتج بما روي: أن الخثعمية قال للنبي (صلى الله عليه وسلم): يا رسول الله! إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج، وهو شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال لها: "حجي عن أبيك".
فوجه الدلالة منه: أنه لم يجر ذكر [الاستطاعة]، وقد أخبرت أنه
الجزء: 1 - الصفحة: 66
عاجز عن أداء الحج بنفسه، وأن فريضة الله أدركته، ولم ينكر النبي (صلي الله عليه وسلم) عليها ذلك، وأمرها أن تحج عنه.
نعم إن وجوبه عليه تعلق ببذلها له الطاعة.
والجواب: أن الخثعمية أخبرت بوجوب الحج على أبيها، والحج إنما يجب بوجود المال، ثم سألت عن جواز أدائها عنه، فأجاز النبي (صلي الله عليه وسلم) لها ذلك، فدل على: أن الحج كان واجبًا عليه قبل أن يبذل له بالطاعة في أدائه عنه.
واحتج بأنه سبب يتوصل به إلى الحج عن نفسه، فجاز أن يلزمه فرض الحج.
دليله: الزمن إذا كان له زاد وراحلة.
والجواب: أنه ينتقض ببذل المال.
على أن المعنى في الأصل: أنه مالك للزاد والراحلة، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه غير مالك لهما، فوجب أن لا يعتبر بطاعة غيره في حكم المستطيع [إذا] بذل له المال.
واحتج بأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فجاز وجوبها على المعضوب المعسر.
دليله: الصوم.
الجزء: 1 - الصفحة: 67
والجواب: إنما نفصل عليه فنقول: فوجب عليه أن يستوي حكمه بعد البذل وقبله.
دليله: الصوم.
أو نقول: بوجود المستطيع لا يوجبها عليها، ولأن الغضب ليس [له] تأثير في أداء الصوم، والصحيح والمعضوب سواء، ولما كان الغضب يمنع وجوب الحج مع الفقر، لم تؤثر الطاعة في إيجابه، كما لا تؤثر في الإيجاب على الشيخ الهرم.
واحتج بأن الناس في الحج على ضربين:.
ضرب يؤديه بمباشرة.
وضرب يؤديه بالنيابة.
فمن يؤدي بمباشرة يلزمه بوجود المال، وهو إذا كان غائبًا عن البيت، ومرة يلزمه بغير مال، وهو إذا كان قريبًا من البيت، كذلك من [يحج عنه] بالنيابة يجب أن يلزمه مرة بوجود المال، ومرة بغيره، وعندكم: أن المعضوب لا يلزمه [بغير المال].
الجزء: 1 - الصفحة: 68
والجواب: أن من يؤديه بمباشرة لا تلزمه استطاعة غيره، ومخالفنا يقول: إن المبذول له يلزمه الحج باستطاعة في الباذل.
17 -
مسألة
إذا حج المعضوب أو الصحيح عن نفسه حجة تطوع أجزأه:
نص عليه في رواية الأثرم، وقد سئل عن الصحيح؛ هل له أن يعطي من يحج عنه بعد الفريضة يتطوع بذلك؟ فقال: إنما جاء الحديث في الذي لا يستطيع، ولكن إن أحج عنه الصحيح أرجو أن لا يضره.
وهو قول لأبي حنيفة.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: لا يجوز.
وهذا في المعضوب، فأما في الصحيح، فلا يجوز قولًا واحدًا.
وقد انتقل أبو جعفر محمد بن أبي حرب الجر جرائي نحو هذا، فقال: سألته عمن قد حج الفريضة يعطي دراهم يحج عنه، فقال: أيش يكون له؟! ليس عليه شئ.
رأي أنه ليس له أن يحج عنه بعد الفريضة.
الحديث: 17 - الجزء: 1 - الصفحة: 69
وعلى هذا: أنه لا تصح النيابة في نقل الحج؛ لأنه كان ليس له أن يحج بعد الفرض، ويجعل العلة: أنه ليس عليه.
وقال في موضع آخر من "مسائلة": وقد سأله: الرجل [يعطي المال للحج]، قال: لا، لا يأخذ.
هذا محمول على الاستبانة في حجة التطوع، فأما في حجة الفرض، فقد نص في موضع آخر: أنها تخرج عنه، فقال: سألته عن الرجل يحج عنه، قال: إذا لم يكن حج فمن جميع المال، وكذلك جميع ما يلزمه من الزكاة وغيره، والزكاة أشد.
فقد نص في حجة الفرض.
وقوله: "الزكاة أشد" لم يرد أنها تقدم على الحج، أو أنها تقضي دون الحج، وإنما أراد أنهما- وإن كانا يقضيان- فإن الزكاة أكد؛ لأنه يتعلق بها حق الله- تعالى- وحق الآدمي، وهم الفقراء، والحج يتعلق به حق الله فقط، والدين يتعلق به حق آدمي فقط.
فالدلالة على أنه تصح الاستبانة في حجة التطوع: أن كل ما صحت النيابة في فرضه، صحت في نقله، كالصدقة؛ لما جاز أن يقول لغيره: (خذ [من] مالي خمسة دراهم، وأد الزكاة الواجبة علي) جاز أن يقول له: (خذ من مالي خمسة دراهم، تصدق بها صدقة التطوع).
الجزء: 1 - الصفحة: 70
ولأن الفرض آكد من التطوع، وإذا صحت النيابة في الفرض، ففي التطوع أولى.
واحتج المخالف بأنها عبادة على البدن، فلا تصح النيابة فيها عند عدم الضرورة في الأًصل.
وعلى أنه لما لم تصح النيابة في الصلاة، استوي في ذلك حكم الفرض والنقل، فلو كان الحج كذلك، لاستوى حكم فرضه ونفله.
واحتج بأن النيابة إنما جازت فيها للحاجة، بدليل: أن الصحيح لا [يستنيب فيها]، ولا حاجة في الاستبانة في التطوع.
والجواب: أن النيابة إنما جازت؛ لأن فعلها بنفسه غير واجب، وهذا موجود في النقل.
وعلى أنا لا نسلم: أنه لا حاجة به إلى النقل؛ لأن الإنسان به حاجة إلى فعل الطاعات بعد موته، كما به حاجة إلى إسقاط الفرض.
18 -
مسألة
إذا كان مرضه يرجى زواله، لم يجز له أن يحج عن نفسه:
نص عليه في رواية أبي طالب فقال: إذا كان شيخًا كبيرًا
الحديث: 18 - الجزء: 1 - الصفحة: 71
[....] [لا] يستمسك على الراحلة، يحج عنه وليه، وإذا كانت المرأة ثقيلة لا يقدر مثلها [أن] يركب، والمريض الذي أيس منه أن يبرأ، والمرأة التي قد أيس من أن تقدر على الحج.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يحج عن نفسه إذا كان عاجزًا، سواء أكان يرجى زواله، أو لا يرجى، وكذلك المحبوس عنده.
دليلنا: أنه غير ميئوس منه أن يحج بنفسه، فلا يجوز أن يحج غيره عنه.
دليله: الصحيح.
أو نقول: لأنه يرجى برؤه، فأشبه إذا كان صداع يسير.
واحتج المخالف: أنه غير قادر على أداء الحج بنفسه في الحال، فله أن يستنيب فيه غيره، قياسًا على المريض الذي لا يرجى برؤه.
والجواب: أنه يبطل بمن تلف جميع ماله، ولم يبق له زاد وراحلة؛ فإنه غير قادر على أداء الحج بنفسه في الحال، ومع هذا لا يجوز له أن يستنيب فيه.
وعلى أنه ليس الاعتبار عند المخالف بالعجز في الحال، وإنما
الجزء: 1 - الصفحة: 72
الاعتبار في الثاني، ألا ترى لو أنه أحج المغضوب عن نفسه، ثم برئ بعده، لزمه الحج ثانيًا، فبطل ما قاله.
ثم المعنى في الأصل: أنه ما يئس منه أشبه من به صداع يسير.
واحتج بأن ما أثر المرض في تعيين صفة وجوبه، استوي فيه المرض الذي لا يرجى برؤه- في جواز الانتقال إلى الإطعام- وبين ملا يرجى، ثم الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن الصلاة يتكرر وجوبها، والحج لا يتكرر [وجوبه ... صفاته].
والثاني: أنه لو صلى على [جنبه في حالة، ثم زال مرضه]، لم يعد، وإن حج، ثم زال مرضه، أعاد عندهم.
19 -
مسألة
وإذا حج المعضوب عن نفسه، أو الشيخ الكبير، ثم برئ من غضبه، أو أحدث الله- تعالى- في الشيخ قوة، فإن تصور ذلك، فإنه يجزئه، ولا إعادة عليه:
نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد وابن منصور:
الحديث: 19 - الجزء: 1 - الصفحة: 73
فقال في رواية إسماعيل: إن الرجل يحج عمه، وهو ضعيف لا يستمسك على راحلته، ثم تماثل من علته، يجزئه، ولا إعادة.
وفي رواية ابن منصور: إذا كان لا يقدر على الحج، فحجوا عنه، ثم صح بعد ذلك، فقد قضى ما عليه.
قال أبو حنيفة: يعيد.
دليلنا: أنه أحج ن نفسه في حالة أيس من الحج بنفسه، أو في حالة لا يرجى برؤه، فيجب أنه يجزئه.
دليله: إذا اتصل به الموت.
يبين صحة هذا أصلنا: أن الاعتبار حالة الابتداء دون حالة الانتهاء، ولهذا نقول: إذا كان مرضه يرجى زواله، فأحج عن نفسه، لم يجزئه- وإن اتصل به الموت- اعتبارًا بحالة الابتداء، وأنه لم يجزئه أن يحج عن نفسه.
وهاهنا أحج عن نفسه في حالة يجوز له ذلك، فيجب أن يجزئه.
واحتج المخالف بأن الموت لم يتصل بالمرض، فيجب ألا يجزئه.
دليله: لو كان مرضه يرجى زواله، فأحج عن نفسه.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لا يجوز له أن يحج عن نفسه عندنا، فلهذا لم يجزئه، ألا ترى أنا نقول: لو اتصل الموت بذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 74
المرض لم يجزئه، وليس كذلك هاهنا، لأنه أحج عن نفسه في حالةٍ جاز له أن يحج، فأجزئه، كما لو اتصل به الموت.
20 -
مسألة
من كان البحر بينه وبين طريق مكة، والغالب منه السلامة، فعليه الحج:
ذكره أبو بكر في كتاب "الخلاف"، وهو قول أبي حنيفة ومالك.
قال أصحاب الشافعي: فيها قولان.
دليلنا: قول النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا يركب البحر إلا حاج، أو معتمر، [أو غاز في سبيل الله] "
[ولأن] الغالب منه السلامة، فهو كالبر.
ولأنه طريق جاز سلوكه للتجارة، فجاز سلوكه للحج والعمرة.
ولأنه أحد المركبين، فجاز وجوب الحج بالقدرة عليه، كالبر.
واحتج المخالف بأن الغالب على البحر الخطر؛ لأنه لا يخلو من
الحديث: 20 - الجزء: 1 - الصفحة: 75
هبوب الريح والعوارض.
والجواب: أنه إنما يشترط في الوجوب: أن يغلب عليه السلامة، وما يعرض غير غالب، فلا يعتد به.
[واحتج بأن عوارض] البحر من جهة الله تعالى، [والبر عوارضه من جهة الآدمي].
والجواب: أنه يعرض على البر العطش والبرد والحر، وذلك من جهة الله تعالى، فلا فرق بينهما.
21 -
مسألة
الأعمى إذا وجد زادًا وراحلة وقائدًا يقوده، لزمه الخروج بنفسه:
أومأ إليه أحمد في رواية المر وذي، وقد سئل عن رجل له أم ضريرة، ولها مال، أيحج عنها؟ فقال: يحج عنها إذا لم تقدر على الركوب.
فلم يجعل العمى مسقطًا لفرض الحج بنفسه، واعتبر عدم الثبوت على الراحلة.
وقد حكاه أبو حفص عن ابن بطة فقال: استطاعة الضرير: الزاد،
الحديث: 21 - الجزء: 1 - الصفحة: 76
والراحلة، ومن يقوده.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الحج بنفسه، ويلزمه في ماله.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:97].
وفسر النبي (صلى الله عليه وسلم) السبيل بالزاد والراحلة.
والظاهر: أن كل من وجد زادًا أو راحلة، وجب عليه الحج، فوجب عمل الآية على ظاهرها.
فإن قيل: الآية تقتضي وجوب الحج عليه، ونحن نقول: يجب عليه الحج، وليس فيه أن يفعله بنفسه، [أو] بماله.
قيل له: قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ يقتضي قصد البيت، فيجب أن يكون على كل واحد من الناس قصد البيت بنفسه؛ لأن الحج هو القصد.
ولأن الأعمى لا تلحقه مشقة في الثبات على المراكب، وهو كالمبصر الصحيح.
فإن قيل: البصير الصحيح يمكنه [أن] يتصرف بنفسه، والأعمى لا يقدر على التصرف بنفسه.
الجزء: 1 - الصفحة: 77
قيل له: إذا كان معه [من يقوده] فأنه يتمكن من ذلك.
[و] لأنه فقد حاسة، فلا تمنع من وجوب الحج عليه بنفسه.
دليله: الصمم.
ولا يلزم عليه الغضب والكبر؛ لأنه فقد قدرة.
يبين هذا: أن الحاسة مأخوذة من الحس بالأشياء، ولهذا حدها المتكلمون بالحواس الخمس.
فإن قيل: الصمم لا يمنع من التصرف بنفسه، والعمى يمنه من ذلك.
قيل له: الصمم يمنع من مخاطبه الحمال، ومن يبيع منه ويشتري.
وعلى أنه إذا كان معه قائد يرشده ويسدده، فلا يتعذر عليه ذلك، كما لا يتعذر على البصير.
فالأعمى لم يفته إلا العلم بالطريق، ومواضع النسك، وإذا وجد قائدًا يوصل إلى العلم به، فيلزمه، كالبصير إذا كان لا يهتدي الطريق، ولا يعرف المواضع التي تؤدي بها المناسك، وأنه إذا وجد من يهديه ويرشده، لزمه ذلك.
واحتج المخالف بأن الأعمى لا يمكنه أن يتصرف في سفره بنفسه، ألا ترى أنه يحتاج إلى من يركبه، وينزله، ويعينه على قطع المسافة، فهو كالزمن، بل الأعمى أسوأ حالًا من الزمن والمقعد؛ لأن الزمن إذا ركب قدر على أداء فرض الحج راكبًا، والأعمى لا يقدر على أدائه وإن
الجزء: 1 - الصفحة: 78
ركب، حتى يقوده غيره.
والجواب: أن الزمن والمقعد لا يتمكن من النزول والركوب والثبوت على الراحلة، ومباشرة المناسك بنفسه، والأعمى يمكنه ذلك، وإنما يفقد الهداية إلى الجهة التي يحتاج إليها، فإذا أرشده غيره اهتدى، وقام بالنسك، فأتي به، فهو كالبصير الصحيح الذي لا يهتدي النسك، فإنه لا يسقط عنه، كذلك الأعمى.
واحتج بأن الحج عبادة تحتاج في أدائها إلي قطع مسافة، فوجب أن لا يلزم الأعمى قياسًا على الجهاد.
والجواب: أن هذا لا يصح؛ لأن الأعمى يجب عليه الحج بالإجماع، فالوصف غير صحيح.
فإن قيل: يريد به أنه لا يلزمه الحج بنفسه.
قيل له: لا يؤثر في الأصل؛ لأنه لا يلزمه في ماله، ولا في نفسه.
ثم المعنى في الجهاد: أن القصد منه القتال، وهذا لا يحصل من الأعمى، وليس كذلك الحج؛ لأن المقصود منه حضور مواضع النسك، وهذا يمكن للأعمى مع القائد، كما يحصل من البصير.
الجزء: 1 - الصفحة: 79
22 -
مسألة
إذا مات وعليه حجة الإسلام، لزم الورثة أن يحجوا عنه من صلب المال من دورية أهله، سواء وصى بذلك، أو لم يوص:
نص عليه في رواية حنبل وابن إبراهيم، فقال: إذا مات، وقد وجب عليه الحج، فهو من جميع المال بمنزلة الدين.
وقال- أيضًا- في رواية الأثرم: يحج عنه من حيث وجب عليه، من حيث أيسر، قيل له: فرجل من أهل بغداد، خرج إلى خراسان فأيسر، ثم يحج عنه؟ فذكر له أن رجلًا قال: يحج عنه من الميقات، فأنكره.
قيل له: فرجل من أهل خراسان، أو من أهل بغداد، خرج إلى البصرة، ومات بها، قال: يحج عنه من حيث وجب عليه.
وقال- أيضًا- في رواية أبي داود في رجل من أهل الري، وجب عليه الحج ببغداد، ومات بنيسابور: يحج عنه من بغداد.
فقد نص على ما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يلزم الورثة أن يحجوا عنه إلا أن يوصي بها.
وقال الشافعي: يحج من الميقات.
وقال داود: الحج لا يسقط بالموت.
فالدلالة على وجوب الحج- وإن لم يوص- ما تقدم من حديث ابن الزبير الذي رواه أحمد: أن رجلًا من خثعم أتى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: إن
الحديث: 22 - الجزء: 1 - الصفحة: 80
أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ قال: "أنت أكبر أولاده؟ " قال: نعم، قال: "أرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته، أكان ذلك يجزئ عنه؟ " قال: نعم، قال: "فاحجج عن أبيك".
فشبه قضاء الحج بقضاء الدين، وقد ثبت أن الدين يقضي عنه حيًا وميتًا، الحج لظاهر الخير.
وقوله: "احجج عنه" أمر، وذلك يقتضي الوجوب.
فإن قيل: إنما شبهه بالدين في الجواز، [....]، ونحن نقول بذلك.
قيل له: من حكم الدين إيجاب القضاء، فيجب أن يكون حكم المشبه به كذلك.
وروى الأثرم بإسناده عن ابن عباس: أن امرأة جاءت إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: "نعم، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم، قال:"اقضي الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء".
الجزء: 1 - الصفحة: 81
وقوله: "أقضي" أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وتشبيهه بالدين يدل على وجوب القضاء.
وقوله: "أحق" يدل على أنه أولى بالقضاء من الدين.
فإن قيل: الخبر يقتضي جواز القضاء، ونحن كذلك نقول، وإنما خلافنا في الإيجاب في التركة.
قيل له: الحج قد سقط عندك بالموت، وإذا فعل أحد عن أحد لا يكون قضاء، فلا يصح هذا التأويل.
مع أن قوله: "احجج عن أبيك" وقوله: "فاقض" أمر، والأمر يدل على الوجوب.
والقياس: أن الحج حق واجب تصح الوصية به، فوجب ألا يسقط قضاؤه بموته.
دليله: دين الآدمي.
وفيه احتراز من الصلاة والصيام والمال الذي على المكاتب لمولاه؛ لأن الوصية لا تصح بشئ من ذلك.
وفيه احتراز من [الزكاة]؛ لأنه قبل الحول غير واجب، وإذا حال الحول وجب، ولم يسقط.
الجزء: 1 - الصفحة: 82
ولا يلزم عليه الجزية؛ لأنه لا تعرف الرواية فيها، وكان شيخنا يقول: لا تسقط.
وإن شئت احترزت عن الجزية فقلت: حق مستقر تصح الوصية به، والجزية غير مستقرة؛ لأنه يماك إسقاطها بالإسلام، والمستقر ما لا يملك إسقاطه.
فإن قيل: لا نسلم أنه تصح الوصية بالحج الذي كان عليه؛ لأنه يسقط بموته، والذي يجب إخراجه بالوصية غير الذي كان عليه، وإنما الوصية بحج تطوع.
قيل له: نحن أدعين صحة الوصية بالحج في الجملة، وهذا مسلم، فعندنا بالواجب والتطوع، وعندكم بالتطوع.
فإن قيل: المعنى في الديون: أن استيفاها في حياته لا يتعلق برضاه وإذنه، ألا ترى أن صاحب الحق لو أخذ من ماله مقدار حقه من جنس ما عليه جاز؟ فلم يفت بموته إلا أذنه، وذلك غير معتبر، فجاز أن يستوفى يعد موته، وليس كذلك الحج؛ لأنه لو أخرج من ماله في حياته مقدار نفقة الحج بغير إذنه، كذلك بعد موته.
قيل له: علة الأصل تبطل بصدفة الفطر؛ فإن الأب يؤديها عن
الجزء: 1 - الصفحة: 83
ابنه في حال حياته من غير اعتبار إذنه ورضاه، [ومع هذا] تسقط بالموت عندهم.
وعلة الفرع تبطل بالعشر؛ فإنه لو أخرج عنه من ماله في حياته [حياته مقدار] العشر بغير إذنه لم يجز، ومع هذا لا يسقط بموته عندهم على الرواية المشهورة.
وكذلك [....] الشهيد إذا قتل، وهو جنب، ولم يجد الماء، فإنه [....]، ولا يسقط ذلك بموته، وإن كان لا يصح فعله في حال حياته بغير إذنه.
وعلى أنه إنما يصح إخراجه في حال حياته بغير إذنه [....] الإذن من جهته، وبعد الموت قد تعذر ذلك، فلا يمنع ذلك من الإيجاب، كالحي إذا أمتنع من أداء الزكاة، فإنها تؤخذ منه، وإن لم يوجد الإذن؛ لتعذره من جهته.
ولأنه إنما احتيج إلى إذنه في حال حياته؛ ليحصل التمييز بين
الجزء: 1 - الصفحة: 84
الفرض والتطوع، وبعد الوفاة لا يخرج من رأس المال إلا الفرض الذي وجب عليه في حال الحياة، فاستغنى عن إذنه ونيته.
وإن شئت قلت: حق تدخله النيابة، استقر عليه في حال الحياة، فلم يسقط عنه في موته.
دليله: ما ذكرنا.
وفيه احتراز من الصلاة والصيام؛ لأن النيابة لا تدخل في ذلك.
وفيه احتراز من المال على المكاتب، ومن الدية؛ لأن الحق غير مستقر، وفي الجزية نطق.
فإن قيل: لا نسلم أنه مستقر، بل هو مراعي، فإن حج تبينًا استقراره، وإن مات تبينًا عدم الاستقرار.
قيل له: الدلالة على أنه مستقر: أن من وجب عليه الحق لا يمكنه [....]، فهذا معنى الاستقرار، والحج بهذه الصفة.
فإن قيل: ولا نسلم: أن الحج تدخله النيابة؛ لأن الحج يقع عن الحاج عندنا، ويكون للمحجوج [عنه] ثواب النفقة.
قيل له: الدلالة على أنه يصح منه: أن تصح فيه الاستبانة، وهو أن يدفع إلى غيره مالًا؛ لينوي عنه، ويلبي عنه، ولا يجوز أن يكون هذا إلا فيما تقع فيه النيابة، ألا ترى أن الصلاة والصيام لما لم تصحَّ النِّيابة
الجزء: 1 - الصفحة: 85
فيهما، لم تصح فيهما الاستبانة؟ ولأن ما صحت الوصية به إذا لم يكن مستحقًا عليه، لم يسقط بموته إذا كان مستحقًا عليه، قياسًا على حقوق الآدميين؛ لأنه إذا أوصى بعبد له لإنسان- وهو لا يستحقه عليه- صحت الوصية، وإذا كان في يده عبد مغصوب يستحق عليه، لم يسقط عنه بموته، ووجب رده على صاحبه.
واحتج المخالف بأن كل من وجبت عليه عبادة، لم يلزم غيره أن يؤديها عنه بعد موته.
دليله: الصلاة.
والجواب: أنه يبطل بالعشر، والغسل إذا وجب عليه قبل القتل.
ثم المعنى في الصلاة: أنه لا تصح الوصية بها، أو لا تنفذ النيابة فيها في حال الحياة، وليس كذلك الحج؛ لأنه تصح الوصية به، ولأن النيابة تدخله، فهو كالدين.
واحتج بأن الحج وجب في حياته على أن يكون عبادة عليه وقربة له، ولا يمكن أداؤه بعد موته على الوجه الذي وجب، فوجب أن يسقط كالصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 86
والجواب: أن العبادة قد يسقط فرضها، وإن لم تكن قربة له، ولا ثواب له فيها، وهو الصلاة في الدار المغصوبة، عندهم هي صلاة صحيحة، وكذلك الزكاة تؤخذ من الممتنع، ويجبر على إعطائها، وإن لم يكن ذلك قربة إلا بنية وإخلاص.
ثم المعنى في الصلاة ما تقدم.
واحتج بأن هذه حجة لم يأذن بفعلها من وجبت عليه، فوجب أن لا تلزم غيره إذا أداها عنه؛ قياسًا على حال الحياة.
والجواب: أن حالة الحياة إنما تمنع الحج عنه بغير إذنه؛ لإمكان أدائه بإذنه، وإذا مات فقد تعذر إذنه، ألا ترى لو أنه كان صحيحًا وجب أن يؤدي الحج، فلو عجز عنه بزمانه، أو موت، قام فعل غيره مقام فعله؟
واحتج بأنه لا تحاص بالحج ديون، فوجب أن لا يجب إخراجه بغير وصيه، كسائر العطايا.
والجواب: أنا لا نسلم هذا، بل نقول: تحاص بالحج ديون الآدميين.
نص عليه في الزكاة في رواية ابن القاسم: إذا مات، وعليه دين وزكاة، تحاص الغرماء من الزكاة نصفين.
وعلى أنه ليس إذا لم يحاص يجب أن يسقط بالموت، بدليل أنه
الجزء: 1 - الصفحة: 87
إذا اجتمع غرماء الصحة وغرماء المرض، وضاق المال، فيقدم غرماء الصحة، فلم تسقط حقوق غرماء المرض، بل الدين في الذمة، فلو أبرأه عنه، أو قضاه أجنبي عنه، صح، كذلك هاهنا.
واحتج بأن الحج عبادة يفتقر في أدائها إلى قطع مسافة، فوجب أن تسقط بالموت، كالجهاد.
والجواب: أن الجهاد لا تصح النيابة فيه، وليس ذلك هاهنا؛ لأنه تصح النيابة فيه، وينويه عن صاحب المال، ويلبي عنه.
- فصل:
والدلالة على أنه يجب إخراج الحج عنه من دويرة أهله، كالنيابة عن المعضوب.
ولأن السبب إلى العبادة يجري مجراها في الوجوب، ولهذا يلزم من تعذرت داره من الجامع أن يتسبب إليها، ويأثم بتركها، كما يأثم بتركها.
واحتج المخالف بأن هذه المسافة غير مقصودة، وإنما هو توصل
الجزء: 1 - الصفحة: 88
إلى الواجب، فهو في حال الحياة لا يمكن التوصل إلا بقطعها، وبعد الموت يمكن التوصل عنه من الميقات، فلهذا فرقنا بينهما.
والجواب: أنه يجب أن نقول في المعضوب إذا حج عن نفسه: أن يخرج من الميقات ... إلى من يحج عنه من الميقات.
وعلى أن الطهارة غير مقصودة في نفسها، ويجب فعلها.
23 -
مسألة
الحج يقع عن المحجوج عنه:
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: الحج يقع عن الحاج، وللمحجوج عنه ثواب النفقة.
وفائدة هذا: أن على قولنا تصح [النيابة عنه، لكن من جهته مال]، فيكون له ثوابه.
وقد قال أحمد في رواية حنبل: لا يعجبني أن يأخذ دراهم، فيحج بها إلا أن يكون متبرعًا يحج عن أبيه، أو ابنه، أو أخيه.
الحديث: 23 - الجزء: 1 - الصفحة: 89
وكذلك نقل أحمد بن الحسين ويوسف بن موسى عنه في الرجل يريد أن يحج عن أبويه: يبدأ بالأم، إلا أن يكون الأب قد وجب عليه.
وكذلك نقل أبو الحارث، وقد سئل: يحج الرجل عن أبيه، أو عن أمه؟ فقال: إن حج من مال نفسه متبرعًا، وإن كان من مال الميت، فلا يحج وارث عن وارثه.
كأنه يرى أنها وصيه لوارث.
وكذلك نقل أبو داود- وقد سئل: يحج عن أمه؟ - قال: نعم، يقضي عنها دينًا عليها، قيل له: فينفق من ماله، وينوي عنها؟ قال: جائز، قيل له: فالمرأة تحج عن الرجل؟ قال: نعم، إذا كانت محتاجة.
فقد نص على جواز النيابة، وإن لم يكن من جهة المناب عنه مال.
والدلالة على ذلك: ما تقدم من حديث ابن الزبير.
وقول النبي (صلى الله عليه وسلم) للسائل: "احجج عن أبيك" وشبهه بالدين، فلو كان الحج عن القائل لم يكن حاجًا عن أبيه، وإنما كان حاجًا عن نفسه.
ولأن النبي (صلى الله عليه وسلم) شبه قضاء الحج عن أبيه بقضائه الدين عنه، كما كان قضاء الدين يسقط عنه فرضه، ويقع عنه، كذلك قضاء الحج.
فإن قيل: يحمل قوله: "فحج عنه" على إخراج المال عنه.
ولأن ظاهر الخبر يقتضي جواز حجه عنه بماله وبغير ماله، وعندهم: إن لم يكن له مال، لا يصح الحج عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 90
والقياس: ما صحت الاستنابة فيه، صحت النيابة فيه.
دليله: قضاء الدين، و [الوقوف] بعرفة.
أو نقول: ما صحت الاستنابة فيه، فإذا فعله المستناب، وقع عن المستنيب.
دليله: ما ذكرته.
وفد بينا أنه يستنيب من ينوي عنه، ويلبي عنه، فلولا أنه يقع عن النائب فيه ما صحت النية والنيابة عنه، كما لا يصح أن ينوي فيما يقع عن نفسه عن غيره.
واحتج المخالف بأن كل من لزمه أداء [ما] يوجب الإحرام، كان الإحرام عنه، كمن حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه.
والجواب: أنه إذا] استأجره لتفرقة [الزكاة، كان العمل مستحقاً عليه، وتكون الزكاة واقعة عن المزكى عنه، [....]، فلو استأجره لذبح هديه كان الذبح مستحقاً عليه، والهدي واقع عن غيره.
وكذلك [....] يستحق العمل على الأخير، ويكون العمل للمستأجر.
الجزء: 1 - الصفحة: 91
وأما من لم يحج عن نفسه، فإنما وقع الحج عنه؛ لأنه لم يسقط الفرض عن نفسه، وهذا قد أسقط الفرض عن نفسه، ألا ترى أن الطواف لا تصح النيابة فيه، وعليه فرضه، وتصح النيابة فيه، [....] أسقط فرضه [....] لو أفسده [....] في الابتداء لنفسه.
والجواب: أن إذا أفسده تبينا أنه لم يكن عن المحجوج عنه؛ لأنه على خلاف ما يتناوله إذنه، وهذا كما لو أمره بشراء شيء على صفة، فاشتراه بخلاف صفته، فيكون لازماً للوكيل.
واحتج بأن الكفارة التي تجب في الإحرام تلزمه، فيجب أن يكون الحج عنه واقعاً، كما لو أحرم عن نفسه في الابتداء.
والجواب: أن ذلك جناية من جهة الحاج لم يتناولها إذن المحجوج عنه، فكان ما يجب في ماله، يدل على ذلك أن هدي الإحصار يجب في مال المحجوج عنه؛ لأنه ليس بجناية من جهة الحاج.
فإن قيل: هدي الإحصار يخلص به من السفر، فيشبه نفقة الرجوع، وذلك في مال المحجوج عنه، كذلك هدي الإحصار.
قيل له: فيجب أن تقول- إذا نوى المقام هناك-: أن يسقط
الجزء: 1 - الصفحة: 92
هدي الإحصار عن المحجوج عنه، كما تسقط نفقة الرجوع، وقد قلت: إنه لا يسقط.
على أن ابن منصور روى عن أحمد في رجل أمر رجلاً أن يرمي عنه، وهو مريض، فنسي الذي أمر حتى رجع إلى مصره: قد أساء المأمور، لكن الدم على الآمر، ذكرها أبو حفص البرمكي في ((مجموعه)).
واحتج بأنه يفتقر في أدائه إلى قطع مسافة، أشبه إذا جاهد عن غيره: أنه يقع عنه، ويلحق الآمر أجر النفقة.
والجواب: أن الجهاد لا تصح الاستنابة فيه، فلهذا لم تصح النيابة، والحج بخلافه.
24 -
مسألة
لا يجوز الاستئجار على الحج، ولا على الطاعات، كالإمامة، والأذان، وتعليم القرآن:
وإنما تصح النيابة في الحج بنفقة يأخذها من غيره، فإن فضل منها شيء رده.
وقد نص على ذلك في الأذان، وذكرناه في كتاب الصلاة، وكذلك الإمامة، ونص على تعليم القرآن، ويأتي ذكره في كتاب
الحديث: 24 - الجزء: 1 - الصفحة: 93
الإجارات، إن شاء الله.
ونص في الحج- أيضاً- في رواية أبي طالب، وقد سئل عن الأجراء الذين يحجون عن الناس، فقال: ما سمعنا أحداً استأجر من يحج عن الميت.
وقال في رواية ابن منصور- وذكر له قول سفيان: أكره أن يستأجر الرجل عن والديه يحج عنهما- فقال أحمد: نحن نكره هذا، إلا أن يعينه في الحج.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وذكر أبو إسحاق في ((تعاليقه)) كلاماً يدل على جواز أخذ الأجرة، فقال: لا يجوز أن يؤخذ على الخير أجر.
ثم قال: فإن قيل: على هذا فالحج عن الغير يجوز أن يؤخذ عليه الأجر.
فالجواب: أن أفعال الخير على ضربين:
ما كان فرضاً على العامة وغيرهم، مثل الأذان، والصلاة، وما أشبه ذلك، لا يجوز أن يجوز أن يؤخذ عليه أجر.
الجزء: 1 - الصفحة: 94
وما انفرد به من يحج عنه، فهو جائز، مثل فعل البناء لبني المسجد، يجوز أن يأخذ عليه الأجرة؛ لأنه ليس بواجب على الذي يبني بناء المسجد.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية عبد لله، وقد سأله فيمن يكري نفسه للحج، ويحج: لا بأس.
ونقل الكوسج عنه: يكري نفسه ويحج، ذكر ذلك أبو حفص البرمكي في ((مجموعة)).
وبهذا قال مالك والشافعي.
وجه الأولى: قوله تعالى:} مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ {[الشورى:20] الآية.
والآخذ إنما يريد حرث الدنيا، فيبطل ذلك القربة.
ولأنه أخذ العوض، فتبطل القربة المقصودة بالعمل، بدلالة العتق على مال لا يجوز عن الكفارة.
ولأنها عبادة على البدن، فلا يجوز الاستئجار على فعلها.
دليله: الصلاة والصيام، وعكسه: الزكاة.
فإن قيل: المعني في الأصل: أنه لا تصح النيابة فيه، وليس كذلك الحج؛ لأنه تصح النيابة فيه.
قيل: إذا جاز أن ينوي في الحج، جاز الاستئجار عليه؛ لأن الإمام يستنيب القاضي في الأحكام، ولا يجوز أن يستأجره، والأعمال المجهولة
الجزء: 1 - الصفحة: 95
تصحُّ النيابة فيها، ولا يصح الاستئجار، ويستخلف الإمام في الصلاة إذا أحدث، ولا يجوز أن يستأجر على ذلك.
ولأن من شرط الحج أن يكون قربة لفاعله، فلا يجو الاستئجار عليه.
دليله: ما ذكرنا.
وعكسه: تفرقة الزكاة، وليس من شرطه أن يكون قربة لفاعله؛ لأنه لو استناب كافراً يفرق زكاة ماله على الفقراء، أجزأ عنه على اختلاف في المذهب، كما إذا ستناب الذمي في ذبح أضحيته، صح على اختلاف الروايتين.
فإن قيل: إنما لم يصح من الكافر؛ لأن من شرط صحة الحج أن يقع على وجه القربة، ولا تحصل القربة بفعل الكافر، وليس كذلك المسلم؛ فإنه من أهل القربة، فالقربة تقع بفعله.
قيل له: إذا أخذ الأجرة خرج عن أن يكون فربة، كالعتق بعوض يخرج عن أن يكون قربة.
فإن قيل: أخذ العوض] لا يخرجه عن [أن يكون قربة، كما لم يسلبه أخذ الرزق عن أن يكون قربة، وكما لم تخرج الزكاة عن أن تكون قربة بالاستئجار على فعلها، وذبح الهدي.
الجزء: 1 - الصفحة: 96
قيل له:] أخذ الرزق لا يصح [في الحج، وإنما صح في الأذان والقرآن؛ لأن ذلك الرزق ليس في مقابلة العلم، وإنما يأخذه؛ لأنه له حق في بيت المال، ولهذا المعنى يستحقه الغني والفقير.
[ويبين صحة] هذا، وأنه ليس بمعاوضة: أنه لا يختص بزمان معلوم، ولا بمقدار من الأجرة معلوم، ولو كان عوضاً اختصه.
وأما أخذ الأجرة على تفرقة الزكاة وذبح الأضحية فلما بينا، وهو أنه لا تختص أن تكون قربة لفاعلها، ولهذا يصح أن يفعلها الكافر.
واحتج المخالف بأنه عمل تدخله النيابة، فجاز عقد الإجارة عليه.
أصله: بناء المساجد، وعقد القناطر، والرباطات، وغير ذلك من الأعمال.
والجواب: أن الأعمال المجهولة تدخلها النيابة، ولا يصح عقد الإجارة عليها.
ثم المعنى في تلك الأشياء: أنه ليس من شرطها أن تكون قربة لفاعلها، ولهذا يجوز أن يتولاها الكافر، وفي مسألتنا من شرط الحج أن يكن قربة لفاعله، فلم يجز الاستئجار عليه.
دليله: ما ذكرنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 97
واحتج بأن ما جاز أن يفعله الغير تطوعاً، جاز أن يفعله بعقد إجارة.
دليله: تفرقة الزكاة، والأضحية.
والجواب: أن عسيب الفحل يجوز أن يفعله الغير عن الغير تطوعاً، ولا يفعله بعقد إجارة، وكذلك الإمامة الكبرى.
ثم المعني في الأصل- وهو الزكاة والأضحية- ما ذكرنا، وهو أنها ليس من شرطها أن تكون قربة لفاعلها، وهذا بخلافه.
25 -
مسألة
فإن أخذ نفقة؛ ليحج بها عن غيره، فصد الآخذ بعذر، أو موت في بعض الطريق، لم يلزمه ضمان ما أنفق:
نص عليه غي رواية ابن منصور في رجل أعطي دراهم يحج بها عن إنسان، فمات في بعض الطريق، فليس عليه شيء مما أنفق، ويحجون بالباقي من حيث بلغ هذا الميت.
وقال في رواية المأموني وأحمد بن الحسين فيمن أخذ مالاً ليحج به، فضاع منه، أو قطع عليه الطريق: لا يغرم.
الحديث: 25 - الجزء: 1 - الصفحة: 98
وقال مالك: ما أخذه على وجه الإجارة، فله من الأجرة بحساب ذلك.
وقال الشافعي: إن لم يأت بشيء من المقصود- الذي هو الحج- لا يستحق شيئاً.
وإن مات بعد أن أتى ببعض أركانه فهل يستحق، أو لا؟ على قولين.
دليلنا: أن النفقة دفعت إليه ليقطع بها المسافة التي لا ينفك الحج منها، وجميع أفعال الحج،] صح أن لا يضمن [ما أنفق في بعض المسافة، ويحسب به، كما لو حصل المقصود.
] يبين صحة هذا: أن [النفقة تختلف باختلاف المسافة؛ طولها وقصرها، فعلم أن النفقة على مقابلها، ومقابلة ما يليها من الأفعال.
فإن قيل: المسافة غير مقصودة، وإنما هي سبب إلى العمل المقصود، فهو كما استأجره ليخبز له، فأحضر الدقي والماء والحطب، وسجر التنور، ولم يخبز، لم يستحق شيئاً من الأجرة، وكذلك لو استأجره لبناء دار، فقدم الآلة وما يحتاج إليه للبناء، ولم يبن، لم يستحق شيئاً، كذلك هاهنا، إنما دفع إليه النفقة؛
الجزء: 1 - الصفحة: 99
ليحصل المقصود [وما حصله].
قيل: قطع المسافة مقصود عندنا، ولهذا نقول: إذا مات قبل أن يحج وجب إخراج نفقة من يحج عنه من دويرة أهله، لا من الميقات، فإذا أنفق في بعض الطريق، فقد حصل بعض المقصود الذي كان يلزمه فعله من ماله.
ثم مثال الحج من الخبز والبناء أن يتأهب للخروج والسير بالذهاب والمجيء من بلده، ويشتري ما يحتاج إليه، فلا يحسب له شيء من النفقة، فأما إذا شرع في السير، فمثاله أن يلصق الخبز في التنور قبل نضاجه، فيستحق الأجرة، أو يبني بعض البناء، فينهدم، أو يمتنع، فيستحق الأجرة.
26 -
مسألة
فإن أخذ مالاً؛ ليحج به عن ميت، فقرن، لم يضمن النفقة، وكان دم القران في مال الحاج:
نص عليه في رواية حنبل: إذا قرن أو تمتع، فالدم في ماله، والحج والعمرة عن صاحب المال.
الحديث: 26 - الجزء: 1 - الصفحة: 100
قال أبو حنيفة: يضمن النفقة.
دليلنا: أنه قد أتى بالمأمور به وزيادة، فلم يضمن، كما لو أفرد الحج والعمرة.
فإن قيل: إنما ضمن؛ لأنه خالف ما أمره به.
قيل: قد أتى بالمأمور وزاد، فهو كما [لو] قال له: بع بعشرين ديناراً، فباع بزيادة على ذلك.
27 -
مسألة
إذا أمره أن يحج عنه، وأمره آخر بمثل ذلك، فأهل بحجة عن أحدهما، لا ينوي واحداً منهما بعينه، وقع إحرامه عن نفسه، وليس له أن يصرفه إلى واحد منهما:
وهذا ظاهر كلامه في رواية بكر بن محمد: إذا حج عن رجل يقول في أول ما يلبي: عن فلان، فاعتبر التعيين.
وكذلك نقل حرب عنه فيمن أخذ حجة عن اثنين، فهو ضامن، وإن كان نوى أحدهما وسمى، فهو الذي نواه، وعليه الأخذ.
وقال - أيضاً - في رجل أخذ حجة من رجل، وحمله آخر؛ ليحج عن أمه: لم يجز، إلا أن يكون قد نوى.
الحديث: 27 - الجزء: 1 - الصفحة: 101
وقال أبو حنيفة والشافعي: له صرفه إلى أحدهما.
دليلنا: أنه لم يعين الإحرام عن أحدهما، فلم يكن له صرفه إلى أحدهما.
دليله: لو أحرم طلقاً، لا عن أحدهما، فإنه يقع عن نفسه، ولا يصرفه إلى أحدهما.
ولأنه لو [أذنا له في] شراء سلعة، فاشترى لأحدهما لا يعينه، لم يكن له تعيينه.
واحتج المخالف بأن [الجهالة لا تمنع صحة] الإحرام، بدلالة أنه لو أحرم لا ينوي به حجاً ولا عمرة، انعقد إحرامه، وله [أن يصرفه إلى أيهما شاء، كذلك] إذا أحرم عن أحدهما لا ينوي واحداً بعينه.
والجواب: أنه ليس [من حيث صح إحرامه] بالمجهول، صح أن يحرم عن المجهول، ألا ترى أن الإقرار، يصح بالمجهول، ولا يصح [لمجهول؟ وكذلك] الوصية [تصح] بالمجهول، ولا تصح لمجهول.
الجزء: 1 - الصفحة: 102
وعلى أنه لا يمتنع أن يقع الإحرام [مطلقاً، ويعينه] بحج، أو عمرة، ولا يعينه لأحدهما، كما لو أحرم مطلقاً كان له أن يعينه بحج، أو عمرة، ولا [يكون له صرفه] إلى أحدهما.
28 -
مسألة
إذا حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه لم يجز عن الغير:
نص عليه [في رواية صالح وإسماعيل بن سعيد]:
فقال في رواية صالح: لا يحج أحد عن أحد لم يحج عن نفسه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة».
وقال في رواية إسماعيل - وقد سئل عن الصرورة أهل بالحج عن غيره - قال: لا يحج فإن فعل لا يجزئه ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن لبى عن غيره، وهو صرورة: «اجعلها عن نفسك».
فقد نص: أنه لا يجزئ عن الغير، واختلف أصحابنا: هل يقع
الحديث: 28 - الجزء: 1 - الصفحة: 103
عن نفسه، أم لا؟
فقال ألخرقي: يقع عن نفسه.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو بكر في كتاب «الخلاف»: لا يقع عن نفسه، ولا عن غيره.
فعلى قوله لا ينعقد الإحرام.
وقال أبو حفص العكبري في «شرح ألخرقي «: ينعقد الإحرام عن المحجوج عنه، ثم يقلبه الحاج عن نفسه.
ونقل محمد بن ماهان في رجل عليه دين، وليس له مال: يحج الحج عن غيره حتى يقضي دينه؟ قال: نعم.
وظاهر هذا: جواز الحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه.
وقال أبو حنيفة ومالك وداود: يجزئ عن الغير.
فالدلالة: أنه لا يجرئ عن الغير: ما روى عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: «من شبرمة؟» قال: أخي، أو قريب لي، قال: «[هل] حججت قط؟» قال: لا، قال: «اجعل هذه عنك، ثم حج عن شبرمة».
وروي في لفظ آخر: «فعن نفسك فلب»
الجزء: 1 - الصفحة: 104
وفي لفظ آخر رواه أبو إسحاق الشالنجي قال: «لب - أو حج - عن نفسك، ثم عن شبرمة»
وروي في لفظ آخر: «أيها الملبي عن فلان! لب عن نفسك، ثم عن فلان».
وروي [. . . .]: «هذه عنك، ثم حج عن شبرمة».
وهذه الألفاظ كلها نصوص؛ لأنه منعه من الحج عن غيره، وعليه فرض الحج.
فإن قيل: قوله: «حج عن نفسك» يقتضي وجوب استئناف الحج عن نفسه، وعندكم أنه كان حاجا عن نفسه.
قيل له: قوله: «حج عن نفسك» معناه: استدمة عن نفسك؛ لأنه إذا قيل لمن هو متلبس بالحج: حج، معناه: استدم، كما قيل للمؤمن: آمن، معناه: استدم الإيمان.
فان قيل: قوله: «اجعلها عنك» يدل على: أن الإحرام كان واقعاً عن شبرمة؛ لأنه لو كان انعقد عنه لما احتاج أن يجعله عن نفسه.
قيل له: قوله: «اجعلها» كناية عن التلبية، وإشارة إليها؛ لأنه رآه
الجزء: 1 - الصفحة: 105
يلبي عن شبرمة، فقال: اجعل هذه التلبية عن نفسك؛ فإن الإحرام واقع عنك.
فإن قيل: فلم لا يون كناية عن الحجة؟ وقد تقدم ذكرها أيضاً؛ لأن في الخبر: «هل حججت عن نفسك؟» قال: لا، قال: «اجعلها عن نفسك».
قيل: إنه إنما وجب حمله على التلبية؛ لأنه قد صرح به في لفظ آخر، فقال: «أيها الملبي عن فلان! لب عن نفسك، ثم عن فلان».
وجواب آخر، وهو: أنه لو كان المراد صرف الإحرام عن شبرمة بعد انعقاده [عنه إلى نفسه]، لكان فيه فسخ حج إلى حج، وذلك غير جائز، فعلم أن المراد به: التلبية، أو المراد به: استدامة الإحرام عن نفسك.
فإن قيل: فسخ الإحرام كان جائزاً في ذلك الوقت، وهذه القصة كانت في حجة الودع، وقد أمر أصحابه بالفسخ لمن لم يسق الهدي.
قيل له: فسخ الإحرام كان ثابتاً على وجه مخصوص، وهو أن يفسخه إلى عمرة، فأما فسخ الحج إلى حج آخر، وفعله شخص عن شخص، فلم يكن ذلك جائزاً في الشرع، فلم يجز حمل الخبر عليه.
فإن قيل: قوله: «هذه عنك» فيه إضمار، يحتمل أن يريد: اجعل
الجزء: 1 - الصفحة: 106
هذه عنك، ويحتمل: هذه واقعة عنك.
قيل له: قوله:» هذه» إشارة إلى موجود، وهي الحجة التي أحرم بها، وعندك لا تكون هذه عنه، وإنما يكون مثلها عنه بإحرام مستأنف.
فإن قيل: فقد روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يلبي عن نبيشة فقال له: «هل حججت قط؟» قال: لا، فقال: «هذه عن نبيشة، ثم حج عن نفسك».
قيل: هذا غير صحيح.
قال: كان الحسن بن عمارة يروي هذا الحديث، عن عبد الملك ابن ميسرة، عن طاووس، عن ابن عباس، وكان وهم الحسن بن عمارة، ثم رجع في آخر عمره إلى الصواب من حديث شبرمة، وترك رواية حديث نبيشة.
والحسن بن عمارة ضعيف في الجملة.
وعلى أنهما لو تعارضا كان تقديم المشهور المتفق على صحته أولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 107
والقياس: أنه لم يؤد فرض الحج عن نفسه، فلا يجوز أن يؤديه عن غيره، كالمراهق.
فإن قيل: المراهق لا ينعقد إحرامه، وحجه ليس بحج صحيح، ألا ترى أنه لو حج عن نفسه لم يجز؟
قيل له: لا نسلم هذا، بل عندنا أن حجه صحيح، كالبالغ.
فإن قيل: فالمعنى: أنه لا ينعقد نذره، وليس كذلك الصرورة؛ فإنه ينعقد نذره، فانعقد إحرامه عن غيره.
قيل له: علة الفرع تبطل بالمحرم؛ فإنه ينعقد نذره بالحج، ولا ينعقد إحرامه.
وعلى أنه إذا نذر لا يجب إحضاره مواضع النسك لتأديته، وليس كذلك الإحرام؛ فإنه يجب إحضاره مواضع النسك، وأمره بتأديته.
ولأنه لا ينعقد نذره، وينعقد لم سلامه، كذلك لا ينعقد نذره، وينعقد إحرامه.
[وأيضاً فإنه إذا حضر ذلك الموضع] تعين عليه أداء الفرض عن نفسه، فلا يجوز أن يؤدي عن غيره، كما لو حضر الوقعة، ووقف في صف القتال، ونوى أن يقاتل عن غيره، كان عن نفسه.
الجزء: 1 - الصفحة: 108
فإن قيل: لمَّا لم يجز أن ينوي القتال عن غره استوي فيه حكم المرة الأولى والثانية، وليس كذلك الحج؛ لأنه له أن ينوي عن غيره بعدما يحج عن نفسه مرة، كذلك الابتداء.
قيل له: إنما لم يجز أن ينوي بالقتال عن غيره في المرة الثانية؛ لأنه يتعين عليه بالحضور في الدفعة الثانية، وليس كذلك في الحج في الدفعة الثانية؛ لأنه لا يتعين عليه بالحضور، وفي الدفعة الأولى يتعين فكانت بمثابة كل حضور ينوى به الجهاد.
وأيضاً فإن الإحرام ركن من أركان الحج، فبقاؤه عليه يمنع أداءه عن غيره، كطواف الزيارة.
فإن قيل: الطواف موجب بالإحرام، والأصول فرقت بين موجبات الإحرام وبين الإحرام نفسه في أن حكم موجباته لا يتعين بالنية، ويتعين حكم الإحرام، ألا ترى أن موجبات الصلاة لا تتعين بالنية، ويتعين الإحرام؟
وبيان هذا: أنه لو أحرم بالصلاة بنيه النفل لم يجز صرف موجباتها - وهو الركوع والسجود - إلى الفرض، ولو أراد صرفها إلى الفرض قبل الإحرام بها صح، كذلك الطواف لا يجوز صرفه إلى غيره بعد أن تلبس بالإحرام عن نفسه، ويجوز قبل التلبس به.
قيل له: موجبات الصلاة تابعة لإحرامها، ألا ترى أنها لا تنفرد بنية، ولا بوقت، ولا بمكان؟ فجاز أن يكون الاعتبار بإحرام الصلاة، وليس
الجزء: 1 - الصفحة: 109
كذلك الطواف وغيره من أركان الحج؛ لأنه ليس في حكم التابع للإحرام، ألا ترى أنه ينفرد الطواف بنية؟ فلو طاف حول البيت لطلب غريم له لم يجزه، وكذلك ينفرد بوقت يخالف وقت الإحرام، وبمكان، فجرى في ذلك مجرى الإحرام، فلما لم يجز أداؤه عن غيره، وعليه فرضه، كذلك الإحرام به.
واحتج المخالف بما روى ابن عباس: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي مات ولم يحج، أفأ حج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟» قال: نعم، قال: «فدين الله أحق».
قال: فوجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأله: أحججت عن نفسك، أو لا؟ ولو كان الحكم يختلف لسأله.
والثاني: أنه شبهه بالدين، ومعلوم أن من كان عليه دين جاز أن يؤدى دين غيره.
وروي عن علي - عليه السلام - قال: استقبلت النبي صلى الله عليه وسلم جارية شابة من خثعم فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: «حجي عن أبيك».
ولم يسألها: أحججت عن نفسك، أم لا؟
والجواب: أنه يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم من حال السائل أنه
الجزء: 1 - الصفحة: 110
قد حج عن نفسه، فلهذا أجاز له النيابة عن أبيه.
وهذا هو الظاهر من حال الخثعمية، لأنها [سالت النبي صلى الله عليه وسلم بعد] منصرفه من المزدلفة إلى منى حيث كان الفضل رديفه، والظاهر من حال من يكون في ذلك الموضع: أنه قد حج، فلذلك لم يستفصل.
وعلى أن الخبر اقتضى السؤال عن جواز النيابة في الجملة، فأما مواضعه فغير مقصود بيانها به.
وأما تشبيهه بالدين، فإنما شبهه بقضاء الدين في حق من كان قد حج عن نفسه، والتشبيه في ذلك الموضع صحيح.
وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه النفع الحاصل بقضاء الحج بالنفع الحاصل بقضاء الدين، فيحتاج أن يثبت قضاء الحج حتى يكون نفعه كنفع قضاء الديون.
واحتج بأن هذا مما تصح فيه النيابة، فوجب أن يجوز أداؤه عن غيره قبل أدائه عن نفسه، كالدين والزكاة.
ولا يلزم عليه طواف الزيارة، لأن التعليل لجواز أدائه من غيره قبل أدائه عن نفسه بحال، وهذا مستمر في الطواف، ولأنه إذا لم يكن محرمًا جاز له أن يحرم عن غيره، ويطوف عنه.
والجواب: أن [قوله]: (هذا مما تصح فيه النيابة) رجوع عن كلامه
الجزء: 1 - الصفحة: 111
في المسألة التي قبلها، وان الحج لا تدخله النيابة، وإنما يكون له ثواب النفقة، ونسأل الله حسن التوفيق.
مع أن الفرق بين الحج وبين الزكاة والكفارة والدين واضح، وذلك أن الاستنابة تصح في هذه الأفعال في جميع أحوال من وجب عليه، سواء عجز عن فعلها في نفسه، أو لم يعجز، كذلك لا تختص بحال للنائب دون حال، وليس كذلك الحج، فإنه لا يجوز أن يستنيب فيه مع قدرته عليه، ويجوز مع عجزه عن نفسه، فلما اختص بحال دون حال لمن وجب عليه، جاز أن يختص بحال للنائب دون حال.
ولأنه إذا نوع إحرامًا مطلقًا- وعليه فرضه- انصرف إليه، ولو أخرج صدقة إلى الفقراء، أو أعتق رقبة، لم ينصرف بإطلاقه إلى الزكاة والكفارة.
ولأن بقاء بعض الدين والزكاة لا يمنع أداء دين غيره، كذلك بقاء جميعه، وليس كذلك الحج، لأن بقاء بعضه عليه، يمنع أداءه من غيره، كذلك بقاء جميعه.
فإن قيل: على هذا كل جزء من الدين والزكاة له حكٌم قائم بنفسه، لأنه لو أدى جزءًا من الزكاة وقع موقعه، وإن لم يؤد الباقي، وكذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 112
الدين، وليس كذلك الحج، لأن بعضه لا يثبت حكمه بنفسه، بدليل أنه لو أفسد بعضه، فسد جميعه.
قيل له: لا فرق بينهما، وذلك أنه قد ثبت حكم بعضه بنفسه، ألا ترى أنه لو أحرم، ووقف بعرفة، وأخر طواف الزيارة إلى أن عاد إلى بلده، لم يفسد ما عمله، بل يثبت حكمه؟ وكذلك لو أفسد الطواف، ولم يفسد ما تقدم، فهو كالزكاة والكفارة.
واحتج بأنه لو أحرم عن نفسه في هذه الحال صح إحرامه، كذلك إذا أحرم عن غيره قياسًا على من حج مرة.
[والجواب: أنه] لا يجوز اعتبار من حج مرة بمن لم يحج، كما لم يجز اعتبار من طاف مرة بمن لم يطف في جواز النيابة.
ولأنه إذا حج مرة لم يتعين عليه الحج، وإذا لم يحج يتعين عليه الحج بالحضور، فلم تصح النيابة فيه كالجهاد.
ولأن المعنى في الأصل: أنه أسقط فرض الحج عن نفسه، وليس كذلك في مسألتنا، لأنه لم يسقط فرض الحج عن نفسه، فهو كالمراهق.
الجزء: 1 - الصفحة: 113
29 -
مسألة
إذا كان عليه حجة الإسلام، فأحرم به ينوي تطوعًا، وقع عن حجة الإسلام في أصح الروايتين:
وهذا ظاهر كلام الخرقي، لأنه قال في المسألة التي قبلها: لأنه إذا حج عن غيره من لم يحج عن نفسه انعقدت الحجة عنه، وإن لم ينوها عن نفسه.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور وعبد الله فيمن نذر أن يحج- وما حج حجة الإسلام: لا يجزئه حتى يبدأ بفريضة الله، ثم يقضي ما أوجب على نفسه.
وظاهر هذا: أنه لا يصح منه فعل حجٍة ير الفريضة، سواء أحرم بغيرها، أو أراد الإحرام بغيرها.
وهو قول الشافعي.
وفي رواية أخرى: أنه إذا أحرم ينوي به تطوعًا أجزأه عما نواه.
أومأ إليه أحمد في رواية ابن القاسم في الرجل يحج ينوي التطوع: فالحج والصوم سواء، لا يجزئ إلا بينة.
وظاهر هذا: أنه تعين أن نية الفرض شرط في صحة ذلك، وهو ظاهر كلام أبي بكر ذكره في "كتاب الخلاف" فقال: وكيف يجزئ فرض، وقد قصد به نافلة؟! وكيف يجزئ إحرام عن زيد لعمرو؟! فلا
الحديث: 29 - الجزء: 1 - الصفحة: 114
يجزئه إلا أن يعقده بقصد منه، كما لا يجزئ الصائم [إلا] عن قصد منه له.
وهو قول أبي حنيفة.
فالدلالة على أن لا ينعقد نفلًا: أنه أحرم بالحج وعليه فرضه، فوجب أن يقع عن الفرض قياسًا على مطلقه، وذلك أنه لو أحرم إحرامًا مطلقًا لا ينوي فرضًا، ولا تطوعًا، انصرف إلى الفرض، كذلك هاهنا.
يبين صحة هذا الاعتبار: أن الدخول في العبادة بنية النفل بمنزلة الدخول فيها بنية مطلقة، ألا ترى أن من دخل في الصوم بنية النفل، كان بمنزلة من دخل فيه بينة مطلقة؟ عندنا لا يجزئ عن الفرض في الموضعين، وعندهم يجزئ فيهما، كذلك وجب أن يكون الدخول فيها بنية النفل بمنزلة الدخول فيها بنية مطلقة، وقد ثبت أنه إذا أطلق النية- وعليه الفرض- انصرف إليه، وكذلك إذا نوى النفل.
فإن قيل: روى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز حتى ينوي الفرض، وأن النية المطلقة لا تجزئ.
قيل له: روى محمد عنه: أنه يجوز استحبابًا، ورواية محمد أصح.
الجزء: 1 - الصفحة: 115
فإن قيل: هذا يبطل بالكفارة، لأنه لو أعتق رقبة، ونوى بها الكفارة فقط، أجزأ عما عليه، سواء كانت الكفارة من جنس واحد، أو من جنسين، ولو نوى بها تطوعًا لم يقع عما عليه.
فقيل له: لا يلزم هذا، لأن نية الكفارة فيه الفرض، فإن الكفارة لا تكون إلا فرضًا، وإن أعتق ينوي عتقًا انصرف إلى التطوع، وإن نوى تطوعًا انصرف إليه، وإن نوى كفارة كان عن فرضه.
وقياس آخر، وهو: أن الحج عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب ألا يصح نفلها ممن يصح منه فرضها قياسًا على الصوم عن شهر رمضان.
فإن قيل: عندنا يصح نفل الصوم ممن يصح منه فرضه، وهو المسافر.
قيل له: تلك رواية ضعيفة.
فإن قيل: [وقته لا يصح للنفل.
قيل له]: يصلح عندنا، لأن الصبي يصوم فيه، وهو متنفل، وإنما [لا يصح من البالغ، لأنه من أهل الفرض، ولا يصح منه التنفل.
واحتج المخالف بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم] قال: "إنما الأعمال
الجزء: 1 - الصفحة: 116
بالنية، وإنما لا مريٍء ما نوى"، وهذا نوى النافلة.
والجواب: أن المراد به: أن النية شرط في كونه قربة وطاعة، وأنه لا يكون قربًة بغير نية.
وعلى أنا لا نجمله، ونخصه على غير الحج بما ذكرنا.
واحتج بأنها عبادة تفعل في وقت مخصوص، والوقت يصلح للنفل والفرض، لأن واحدًا يؤدي في وقته فرضًا، والآخر نفلًا، فهي كالصلاة، ولا خلاف أنه لو افتتح الصلاة، ونوى بها تطوعًا- وعليه صلاة فريضة- أنها تكون تطوعًا، كذلك هذا، وليس كذلك الصوم، لأن الوقت لا يصلح للنفل والفرض جميعًا.
ولا يلزم عليه الطواف، لأنه له أن يطوف تطوعًا، وعليه طواف، وهو أن يحج تطوعًا، وعليه حجة الإسلام.
وربما عبروا عنه بأن الحج عبادة تشتمل على أفعال متغايرة، أشبهت الصلاة.
وإن شئت قلت: عبادة لها تحليل وتحريم، أشبهت الصلاة.
والجواب: أن نية الصلاة إذا كانت مطلقة ترجع إلى النفل دون
الجزء: 1 - الصفحة: 117
الفرض، كذلك النية المقيدة بالنفل، وليس كذلك نية الحج المطلقة، فإنها ترجع إلى فرض إذا كان من أهل الفرض، وكذلك النية المقيدة بالنفل، لأنا قد بينا: أن الإطلاق يجري مجرى التقييد.
ولأن الإحرام للصلاة أضعف من إحرام الحج، لأنه إذا أفسد الصلاة بطل عقدها، وخرج منها، وإذا أفسد الحج لم يبطل، ولم يخرج منه، ويمضي في فاسده، فلم يجز اعتبار الحج بالصلاة.
واحتج بأنه لو أحرم بعمرة- وعليه حجة الإسلام- أجزأ عما نوى، فنقول: كل فرض لم يمنع بقاؤه إحرام غير التطوع، لم يمنع إحرام التطوع.
دليله: الصلاة.
والجواب: أنه ليس إذا لم يمنع بقاؤه الإحرام بعبادة أخرى، يجب أن لا يمنع الإحرام بعبادة من جنس ما عليه، كصوم رمضان في وقته، يمنع الإحرام بصوم من جنسه، وإن لم يمنع الإحرام بعبادة أخرى.
وأما الصلاة فالمعنى فيها: أنه لو أحرم بها مطلقًا لم تقع عن الفرض، فجاز أن يحرم بنية التطوع عليه فرضه، وليس كذلك الحج، فإنه لو أحرمه مطلقًا، وقع عن فرضه، فإذا أحرم بنية التطوع انصرف إليه.
واحتج بأن الإحرام ركٌن من أركان الحج، فبقاؤه عليه لا يمنع أداء التطوع كالطواف، وذلك أنه إذا كان عليه طواف الزيارة وطاف تطوُّعًا
الجزء: 1 - الصفحة: 118
جاز، ولم يقع عن طواف الزيارة.
نص عليه في رواية ابن منصور فيمن طاف للوداع، ولم يطف طواف الزيارة: لم يجزه ذلك عن طواف الزيارة، لأنه لم ينوه.
وكذلك نقل إبراهيم فقال: لا يجزئه، وكيف يجزئه التطوع من الفرض؟ ولو تطوع رجل، فنوى بتطوعه الظهر والعصر، أيجزئه ذلك؟ فلا يجزئه حتى يطوف طواف الزيارة.
وقال- أيضًا- في رواية أبي طالب في المتمتع إذا تحلل من عمرته، ووقف بعرفة، وأراد الطواف: فإنه يطوف ويسعى قبل طواف الزيارة، ثم يطوف طواف الزيارة، ويكون الأول طواف القدوم، كما يكون ذلك في حق المفرد بالحج إذا دخل مكة قبل الوقوف، كذلك الإحرام.
والجواب: أن هذا لا يصح على أصل أبي حنيفة، لأن عنده: أنه لا يصح التطوع بالطواف وعليه فرضه، وهذا أصل اعتمد عليه من خالفه في هذه المسألة من أصحاب الشافعي.
وأما على أصلنا نحن، فالفرق بين الطواف والإحرام هو: أن الطواف يختص البيت، [ويتعلق به، فهو] كالصلاة، والصلاة تفتقر إلى تعيين
الجزء: 1 - الصفحة: 119
النية، ولهذا لا يجوز عندنا طواف الزيارة بنية مطلقة، كالصلاة.
ويبين صحة الجمع بينهما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الطواف بالبيت صلاٌة".
وليس كذلك الإحرام، لأنه لا يتعلق بالبيت، فلم يفتقر إلى نية الفرض، كالوقوف.
وجواب آخر أكشف من هذا، وهو: أن الطواف يجري مجرى الصلاة من وجهين:
أحدهما: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الطواف بالبيت صلاٌة".
والثاني: أن الطواف يختص البيت، كالصلاة.
ثم ثبت أن الصلاة يصح التنفل بها ممن عليه فرضها، كذلك الطواف.
وليس كذلك الإحرام، لأنه يجري مجرى الصوم، بدليل أنه يجب بإفساده الكفارة كالصوم، ثم ثبت أنه لا يصح التنفل ممن عليه فرضه، كذلك الإحرام.
30 -
مسألة
الحج على الفور، ذكره أبو بكر في "كتاب الخلاف":
وقد أومأ إليه أحمد في رواية عبد الله وابن إبراهيم فيمن استطاع
الحديث: 30 - الجزء: 1 - الصفحة: 120
الحج، وكان موسرًا، ولم تحسبه علة، ولا سبب: لم تجز شهادته.
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب مالك، وداود.
وقال الشافعي: وجوب الحج على التراخي.
دليلنا: ما روى ابن بطة بإسناده عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ملك زادًا وراحلًة تبلغه إلى البيت، فلم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا، أو نصرانيًا، ومن كفر فإن الله غنٌي عن العالمين".
فإن قيل: إذا أخره حتى مات أثم بالاتفاق.
قيل له: لو جاز له التأخير، لم يأثم بالموت إذا فاجأه من غير أمارة، ولا عليه ظٌن، والخبر يقتضي أنه أثم بكل حال.
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "من أراد الحج فليتعجل"، ذكره شيخنا.
فإن قيل: علقه بإدارته.
قيل له: هذه الإرادة التي يخرج بها من حيز الساهي إلى حيز القاصد، لا إرادة تخيير، ولا يتعلق الأمر بها.
الجزء: 1 - الصفحة: 121
وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام: "من أراد الجمعة فليغتسل"ز
وكقولنا: من أراد الصلاة فليتوضأ.
وروى ابن بطة في "سننه" بإسناده، عن الحجاج بن عمرو السلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من [قابٍل".
فأوجب الحج] على الفور.
وروى عبد الله في كتاب الإيمان من "مسائله": أنا أبي، أنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن ابن سابط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات، ولم يحج، لم يمنعه من ذلك مرٌض حابٌس، أو سلطاٌن ظالٌم، أو حاجٌة ظاهرٌة، فليمت على أي حاٍل شاء، إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا".
قال: وحدثني أبي قال: ثنا هشيم قال: ثنا منصور، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه
الجزء: 1 - الصفحة: 122
الأمصار، فينظروا كل رجل ذا جدٍة لم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم مسلمون! ما هم مسلمون!
والقياس: أن لو كان على التراخي لم يخل المأمور به من وجهين:
إما أن يكون له تأخيره أبدًا حتى لا يحلقه التفريط، ولا يستحق اللوم، وإن مات قبل فعله.
أو يكون مفرطًا مستحقًا اللوم إذا تركه حتى مات.
فإن قلنا: إنه لا يكون مفرطًا بتركه في حياته، خرج عن حد الوجوب، وصار في حيز النوافل، لأن ما كان المأمور مخيرًا بين فعله وتركه، فهو نافلة، أو مباح.
ولا خلاف أن الحج واجب، فبطل هذا القسم.
وإن قلنا: إنه يلحقه التفريط بالموت، أدى ذلك إلى أن يكون الله- تعالى- ألزمه إتيان عبادة في وقٍت، لم ينصب له عليه دليلًا يوصله إلى العلم به، ونهاه عن تأخيرها عنه.
ولا يجوز أن يتعبده الله بعبادة في وقت مجهول، كما لا يجوز أن يتعبده بعبادة مجهولة.
فإذا بطل هذان القسمان صح القسم الذي ذهبنا إليه، وهو أنه على الفور.
الجزء: 1 - الصفحة: 123
ولا يلزم على هذا الزكوات، والنذور، والكفارات، فإن ذلك على الفور، وقد نص على ذلك في الزكاة فيما تقدم.
ولا يلزم عليه قضاء رمضان، فإنه مؤقت بما بين رمضانين، ويأثم بتأخيره عن ذلك، فلا يؤدي إلى جعله في حد النَّوافل، ولا إلى أن يكون متعبدًا بعبادة في وقت مجهول.
فإن قيل: لا يمتنع أن يتعبد الله بعبادة في وقت مجهول، ألا ترى أنه قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:180]؟
قيل له: وجوب الوصية متعلق بشرط، وهو حضور الموت، [وللموت أمارٌة يغلب معها في الظن وجوده، وهو أن يشتد مرضه، فإذا وجدت الأمارة وجبت، ولم يجز له تأخيرها، ويصير الوقت الذي يتعين وجوبها فيه معلومًا.
فإن قيل: قيل في الحج مثله.
قيل له: لا يغلب في ظنه أنه يموت إلا في وقت يكون عاجزًا عن أداء الحج بنفسه، وهو إذا اشتد مرضه، ولا يجوز أن يتوجه إليه الخطاب بأدائه في حال لا يقدر عليه، وليس كذلك الوصية، لأن وجود الأمارة التي يغلب معها في ظنه وجود الموت، لا يوجب عجزه عن الوصية، فجاز تعليق وجوبها بوجود تلك الأمارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 124
فإن قيل: يجوز أن يوجب الله- تعالى- صلاة، ويعلق أداءها باختيار المأمور]، يؤديها أي وقت شاء.
قيل له: لا يجوز أن [لا] يكون آخر وقتها معلومًا عند المخاطب.
وحكم عن أبي إسحاق المروزي: أنه كان يقول: إذا كان قادرًا على أداء الحج في السنة التي هي من آخر عمره، فلم يؤده فيها، صار عاصيًا بتأخره عنها، لأنا إنما جعلنا له التأخير بشرط السلامة، فأي سنة تبينا أنه لم يمكنه الحج بعدها، علمنا أن وجوب أدائه متعين في تلك السنة.
وقد بينا فساد هذا القول بما قدمنا.
وروى عن أبي هريرة: أنه كان يقول: إن أخره، وهو عازم على فعله في الثاني، ومات، لم يكن عاصيًا، وإن اشتغل باللهو، ولم يعزم على فعله، كان عاصيًا بتأخيره.
وهذا لا معنى له، لأنه قد سلم أنه يصير بتركه وترك ما يقوم مقامه عاصيًا، إلا أنه ادعى: أن العزم بدل عنه، وهذا فاسد، لأن البدل ما قام مقام المبدل، وسقط الفرض به، والعزم لا يسقط الفرض به.
ووجه آخر، وهو: أن وجوه بتعلق بشرط، وهو وجود الاستطاعة، فإذا وجد الشرط لم يجز أن يتأخر ما علق به، كقوله: (أنت طالق إن دخلت الدار) ونحو ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 125
فإن قيل: نحن نقول بأن الحج يجب بوجود الشرط، ولكن كلامنا في الأداء.
قيل له: وجوب الأداء متعلق بالشرط، لأن قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:97] معناه: فعل الحج، يقال: حج يحج حجًا.
ولأن الحج عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب ألا يجوز تأخيرها بعد وجوبها عن حال الإمكان.
دليله: صوم رمضان.
ولأنها عبادة تجب بقطع مسافة، أو تجب بزاد وراحلة، وكان وجوبها على الفور، كالجهاد.
ولأن وجوبه غير مؤقت، فوجب أن يلزم أداؤه على الفور.
دليله: حقوق الآدميين.
واحتج المخالف بأن فريضة الحج نزلت سنة سٍّت، وحج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر، فلو كان وجوبه مضيفًا لما أخره عن أول أحوال الإمكان.
والجواب: أنه لم يثبت عندنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخره عن وقت وجوبه، لأن وجوب الحج ثبت بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾.
وروى: أنه نزل في سنة عشر، وروى: في سنة تسع، فإن كان في سنة عشر، فلم يؤخره، وإن كان في سنة تسع، فجائٌز أن يكون نزل بعد مضي وقت الحج، فلم يجب فعله إلا في سنة عشر.
الجزء: 1 - الصفحة: 126
وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن حبيب البصري المعروف بالحاكم في تاريخه "لوامع الأمور وحوادث الدهور": أن ضمام بن ثعلبة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع، فسأله عن الفرائض، وذكر من جملتها الحج.
فإن قيل: فالدلالة على أن فريضة الحج نزلت سنة سًّت: أن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:196] [نزل سنة سًّت من الهجرة]، [حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم] معتمرًا، فصده المشركون عن البيت، فصالحهم على أن يرجع إلى المدينة، ويعود في القابل، ويقضي تلك العمرة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196].
فرجع، ثم خرج في السنة السابعة لعمرة القضاء، فلما فرغ منها عاد إلى المدينة.
وخرج لعشر مضين من رمضان في سنة ثمان من الهجرة، وفتح مكة، ودخلها، وانصرف إلى المدينة في شوال، واستخلف عليها عتاب ابن أسيد، ثم أمر أبا بكر في السنة التاسعة، فحج بالناس، وبعث خلفه عليًا، ليقرأ عليهم سورة (براءة) وحج في سنة عشر حجة الوداع، وعاش بعد ذلك شهرين، وقبض صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 127
روي أن ضمام بن ثعلبة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في سنة تسع، فسأله عن أشياء منها أن قال: آلله أمرك أن تحج هذا البيت؟ فقال: نعم.
ولأنه أنفذ أبا بكر سنة تسع، ليحج بالناس، وهذا يدل على أن وجوبه كان قبل سنة عشر.
قيل: أما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإنه يقتضي وجوب إتمامه بعد الدخول فيه، وكلامنا في وجوبه ابتداًء قبل الدخول فيه، لأن هذا اللفظ يستعمل في العرف بعد الدخول في الشيء، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187] عقل منه وجوب المضي فيه والفراغ منه بعد ابتدائه.
وكذلك [إذا] قيل: (أتم هذا الكتاب) يعقل منه الفراغ بعد الدخول فيه.
كذلك اقتضى قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وجوب الإتمام بعد الدخول فيهما، وهكذا نقول.
فإن قيل: الآية اقتضت أمرًا بالابتداء بهما، يدل عليه ما روى عن عمر وعلي رضي الله عنهما: أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 128
فحملا البناء على الابتداء.
وروى أن عبد الله بن مسعود كان يقرؤها: (وأقيموا الحج والعمرة لله)، لأنه لم يكن بالحديبية [من كان] محرمًا بالحج، وإنما كانوا محرمين بالعمرة، فدل على: أن المراد بها الابتداء.
قيل له: أما ما روى عن عمر وعلي، فلم يقصدا بذلك بيان معنى الإتمام، وأنه عبارة عن ابتداء الإحرام، وإنما قصدا إلى أن يبينا: أن النقصان ينتفي عنهما، والكمال يحصل لهما بالإحرام قبل الميقات، ولهذا قال قوم: الإحرام بهما قبل الميقات أفضل.
وعلى أن الإحرام من دويرة الأهل مستحٌب، فكأنهما حملا الأمر على الاستحباب دون الوجوب، وهذا ترك الظاهر، فصار هذا دلالة على المخالف.
وأما قراءة ابن مسعود، فيحتمل أن يريد به: أقيموا بعد الدخول فيهما، بدليل ما ذكرنا.
وأما قوله: (إنه لم يكن بالحديبية من كان محرمًا بالحج، إنما كانوا
الجزء: 1 - الصفحة: 129
محرمين بالعمرة) فلا يمتنع أن يبين حكم الحج والعمرة، وإن كان التلبس بأحدهما.
وأما حديث ضمام بن ثعلبة، فنحمله على وجوب كان تامًا في شريعة إبراهيم عليه السلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مأمورًا بإتباعه فيما لم يثبت نسخه، فقوله: "نعم" يحتمل أن يريد به: أنه أمر على هذا الوجه، وكلامنا في نزول فرض الحج في شريعته.
فإن قيل: هذا يؤكد السؤال، لأنه إذا كان ثبت وجوبه في شريعة إبراهيم، ولم يثبت نسخه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان متعبدًا به، وقد أخره إلى سنة عشر، دل على أن وجوبه لم يكن مضيقًا.
قيل له: لم يثبت أن وجوبه في شريعة إبراهيم كان بلفظ يقتضي الفور، وكلامنا في حكم الأمر المقتضي لوجوبه في شريعة نبينا عليه السلام.
وهكذا الجواب عن إنفاذه أبا بكر إنما كان على موجب شريعة إبراهيم عليه السلام.
وجواب آخر، وهو: أنا لو سلمنا أنه أخر الحج عن وقت وجوبه، فيحتمل أن يكون تأخيره لعذر، ونحن لا نأبى ذلك، والخلاف في تأخيره لغير عذر.
الجزء: 1 - الصفحة: 130
الدليل على صحة هذا: أنه لا يترك الأفضل، ويداوم على تركه فيما لا يتكرر فعله من جهته إلا لعذر، والعذر الذي ترك به الأفضلية عندهم، هو المعنى الذي جوز له تأخير الواجب عندنا.
فإن قيل: الأصل عدم العذر.
قيل له: ما يلزمنا من هذا في تأخير الواجب، يلزمك مثله في ترك الفضيلة.
فإن قيل: أخره ليبين جواز التأخير.
قيل له: كان يكفي أن يؤخر سنة واحدة.
وجواب أخر، وهو: أنه إذا كان وجب في سنة ست، فلوجوبه شرائط لا يعلم أنها حصلت له، ألا ترى أن الحج يحتاج في وجوبه إلى الزاد، والراحلة، ونفقة الأهل، وأمن الطريق، ويحتاج (صلى الله عليه وسلم) إلى أصحاب يكفونه غزو الطريق؟ فيجوز أن تكون هذه الشرائط التي بها يحصل الوجوب لم تكمل إلا في سنة عشر.
فإن قيل: فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) اعتمر سنة ست، فلا بد أن يكون حصل له الشرائط؛ لأنه كان معه عام الحديبية سبعون بدنه، وفي سنة ثمان اتسع من سبي هوازن حتى قال صفوان بن أمية حين أعطاه" هذا عطاء من لا يخاف الفقر، وفي سنة ثمان فتح مكة، وفرغ من هوازن والطائف، ولم يبق له مانع.
الجزء: 1 - الصفحة: 131
قيل له: يحتمل أن تكون الاستطاعة حصلت له في وقت العمرة، وزالت في وقت الحج؛ لأن قريشاً صالحوه في عمرة القضاء على العمرة، ولسنا نعلم أنهم مكنوه من الحج، وقد كانوا صالحوه على ثلاثة أيام، فأراد أن يقيم بها ليولم [...]، فمنعوه.
فإن قيل: فقد كان في أصحابه أغنياء
قيل له: شرط الاستطاعة ليس هو مجرد الغنى، بل يحتاج إلى ما ذكرناه من الشروط.
وجواب أخر، أنه أخر بعد الوجوب؛ لأنهم كانوا يؤخرون الحج تارة، ويقدمونه أخرى، فيقع في غير وقته، فأراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يحج في وقت يستقر فيه الحج؛ ليقع الاقتداء به من بعده، فلما وافق سنة عشر وقت الحج قال: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته خلق [الله] السماوات والأرض.
ولهذا فعل العمرة؛ لأن وقتها لا يتخصص.
فإن قيل: فكيف أنفذ أبا بكر سنة تسع؟
قيل له: من حج على ما كانوا عليه لم يسقط فرضه، فأراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يحج على جهة يقع بها الأجزاء، ويكون إمامًا في المستقبل يقتدى به.
الجزء: 1 - الصفحة: 132
وجواب آخر، وهو" أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويظهرون الكفر في التلبية، ويقولون: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك*، فلما أنفذ أبا بكر سنة تسع، [و] نبذ إلى المشركين عهدهم، ونادي: (ألا لا يطوف بالبيت مشرك، ولا عريان) حج.
فإن قيل: فكيف اعتمر؟
قيل: لأنهم أخلوا له مكة.
فإن قيل: فكيف أمر أبا بكر بالحج؟
قيل: لأن حرمته لا تضاهي حرمة النبي (صلى الله عليه وسلم).
وجواب آخر، وهو: أنه أخر حتى أمن كيد الأعداء.
فإن قيل: كيف اعتمر؟
قيل له: يجوز أن يكون أمن ذلك في غير وقت الحج، ولم يأمن في وقت الحج.
واحتج بما روى أبو بصرة، عن أبي سعيد: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في حجة الوداع: "من أحب أن يرجع بعمرة قبل الحج، فليفعل".
الجزء: 1 - الصفحة: 133
وروي أنه لما خرج من العمرة قال: "من أراد أن يقيم للحج معنا فليقم، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف".
والجواب: أنه يحتمل أن يكون قال ذلك لمن كان قد حج في سنة تسع مع أبي بكر.
واحتج بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، والتحلل منه بالعمرة، فلو كان على الفور ما أمرهم بفسخه، وتأخيره إلى وقت آخر.
والجواب: أنه لما فسخوا الحج، وجعلوه عمرة، أحرموا بالحج في تلك السنة يوم التروية، فحصل لهم التمتع بذلك، [يدل] على ذلك: ما روي عن أبي سعيد ألخدري: أنه قال: قدمنا نصرخ بالحج صراخاً، فلما طفنا بالبيت قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "اجعلوها عمرة"، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج.
واحتج بأنه فعله في وقت لم يزل عنه اسم الأداء، فوجب أن لا يكون عاصياً، قياساً على السنة الأولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 134
وعبارة أخرى: أن هذه عبادة مقصودة في نفسها، أتى بها في وقت لم يزل عنها اسم الأداء، فوجب أن لا يكون بتأخيرها عاصياً، قياساً على فعل الصلاة في الوقت الثاني.
ولا يلزم عليه إذا ترك الصلاة والطهارة والطهارة حتى ذهب الوقت، ثم قضاها، يكون عاصياً يترك الطهارة، وهو مؤد لها؛ لأن الطهارة ليست بمقصودة في نفسها، وغنما هي شرط صحة الصلاة، فصار عاصياً بترك الطهارة لأجل الصلاة.
وعبارة أخرى: عبادة وقت الدخول فيها موسع، فكان وقت أدائها موسعاً كالصلاة.
و [أما] الجواب عن العبارة الأولى: فهو أنه لا يمتنع أن نقول: إنه قضاء.
وليس من شرط صحة القضاء نية القضاء؛ لأن أحمد والشافعي قد قالا: إذا صام الأسير شهر رمضان باجتهاده، ثم بان أنه صادف بعده كان جائزاً، وإن كان قد نوى الأداء.
وكذلك إذا صلى الظهر وعنده: أن الوقت باقٍ، ثم بان لأنه بعد فوات الوقت، أجزأه، وإن لم ينو القضاء.
وعلى أنه ينتقض بتأخير الطهارة مع الصلاة حتى يخرج الوقت؛ فإن الطهارة لا تقبل نية القضاء، وإن كانت الفور في تلك الحال، وكذلك الزكوات، والكفارات، والنذور إذا أخرها بعد وجوبها.
الجزء: 1 - الصفحة: 135
وأما العبارة الثانية: فالكلام عليها نحو هذا.
وأما الثالثة: فإنها منتقضة بالسنة التي يغلب على ظنه العجز بعدها؛ فإن وقت الدخول في تلك الحجة موسع، ووقت أدائها مضيق، ثم نقلب هذا فنقول: فلا يجوز تأخيرها عن أخر وقتها.
دليله: الصلاة.
ولأن الصلاة تجب بأول الوقت وجوباً موسعاً، ويتضايق بآخره، ويتسع وقت فعلها ما لم يتضايق، فالحج مثلها.
واحتج بأنه لو تضيق وجوبه في السنة الأولى، كان بتأخره عن وقته قاضياً، كالصلاة إذا أخرها عن أخر وقتها.
والجواب: أنا قد بينا أنه لا يمتنع أن نسميه قاضياً.
وعلى أنه يبطل بالسنة التي يغلب على ظنه العجز عنها؛ فإنه بالتأخير عنها لا يصير قاضياً، ويأثم بالتأخير.
ولأن القضاء تسمية شرعية، فتستعمل حيث أطلقتها الشريعة، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "من نام عن صلاة، فليؤذها إذا ذكرها".
فسماها أداء، وهي قضاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 136
وقد قال عليه السلام: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا".
ولأن الزكاة تجب وجوباً مضيفاً، ومع هذا، فلا يسمى بتأخيرها قاضياً، وكذلك الكفارات.
واحتج [بأن] في إيجابية على الفور يؤدي إلى هلاك الحرث، والنسل، وخراب البلاد، وذلك أن أهل البلاد إذا وجدوا الاستطاعة، فإن لزمهم أن يخرجوا بأجمعهم، أدى إلى هلاك الأطفال، والبهائم، وتلف الغلات، وتأخير الزراعات، وفي ذلك خراب البلاد.
والجواب: أنه لا يؤدي إلى ذلك؛ لأن شرائط الوجوب لا تكمل لجميع الناس في سنة واحدة، ومن تتفق له شرائط الوجوب تعترضه الأعذار، فيحج من وجب عليه- ولا عذر له- دون غيره، ويقوم بمصالح الدنيا من لم يحج.
31 -
مسألة
أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة:
نص عليه في رواية المَرُّوذي وغيره.
الحديث: 31 - الجزء: 1 - الصفحة: 137
وقال في رواية عبد الله: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشرة ذي الحجة.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
وقال الشافعي: شوال، وذو القعدة، وتسعة أيام من ذي الحجة، فخالف في اليوم العاشر.
ويفيد هذا الاختلاف عندنا: أنه لو حلف حالف أن يوم النحر من أشهر الحج، لم يحنث.
وسألت قاضي القضاة أبا عبد الله الدامغاني عن ذلك، فقال لي: الفائدة فيه اليمين، وليس تحته فائدة حكمية تختصه.
وفائدته عند الشافعي: إن أحرم فيه بالحج لم ينعقد إحرامه به.
وفائدته عند أصحاب مالك: إن أخر طواف الزيارة عن جميع ذي الحجة كان عليه دم، وأن أخره عن يوم النحر، وفعله في بقية الشهر، فلا دم عليه، هكذا ذكر لي القاضي أبو محمد بن نصر المالكي.
دليلنا على أصحاب الشافعي: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3]، قال علي وابن عباس: يوم النحر، فدل على أنه من أشهره.
وقد ذكره أبو داوود عن علي، وابن عباس بإسناده.
ونص عليه أحمد- أيضاً- في رواية حرب، وأبي طالب.
الجزء: 1 - الصفحة: 138
وروى أبو حفص بإسناده، عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "يوم الأضحى الحج الأكبر".
ولأنه إجماع الصحابة، فروي ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير، وإحدى الروايتين عن ابن عمر مثل ذلك.
وروى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن الضحاك، عن ابن عباس قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وبإسناده عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وبإسناده عن محمد بن عبد الله الثقفي، عن عبد الله بن الزبير قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وبإسناده عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] قال: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وروى أبو بكر النجاد، عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير مثل ما رواه وأبو الحسن.
وروى عن ابن عمر بإسناده، عن نافع، عن ابن عمر قال: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
فالرواية مختلفة عن ابن عمر.
الجزء: 1 - الصفحة: 139
فوجه الدلالة: أن العشر إذا أطلق في الشرع اقتضى الأيام، قال تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: 234] والمراد به: عشرة أيام بلا خلاف.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:42] قال أهل التفسير: أربعين يوماً، وأربعين ليلة.
وقد قيل فيه طريقة أخرى، وهو: أن ذكر [أحد] العددين على طريق الجمع يوجب ما بإزائه من العدد [الآخر، بدلالة قوله: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ﴾ [البقرة: 196]، والقصة واحدة.
فلما كان قولهم: (وعشر من ذي الحجة) يتضمن الليالي، وجب ما بإيذائه من الأيام.
وفي هذه الطريقة ضعف على أصلنا؛ لأنا قد تكلنا عليها في الاعتكاف.
فإن قيل: قولهم: (وعشر من ذي الحجة) المراد به: الليالي؛ لأنه لو كان المراد به: الأيام، لقال: وعشرة؛ لأن الهاء تدل على المذكر، وهي الأيام، وتحذف في المؤنث، وهي الليالي.
قيل له: إنما غلب لفظ المؤنث؛ لأن العرب تغلب التذكير إلا
الجزء: 1 - الصفحة: 140
في عدد الليالي والأيام، فأنها تغلب التأنيث، فتقول: (سرنا عشراً) وتريد: سرنا عشر ليال وأيامها، ولهذا [قال] الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: 234]، وأراد الليالي وأيامها، فغلب لفظ الليالي، كذلك هاهنا.
وقد قيل: إنما غلبت العرب الليالي على الأيام في التاريخ؛ لأن ليلة الشهر غلبت يومه، ولم يلدها وولدته؛ لأن الأهلة لليالي دون الأيام، وفيها دخول الشهر.
وكذلك لما ذكرهما الله- تعالى- قدم الليالي على الأيام بقوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة:7].
وقال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [سبأ:18].
والعرب تستعمل الليالي في الأشياء التي يشاركها فيها النهار دون الليل، وإن كانت لا تتم إلا به.
وقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:142].
ويقولون: (إذا أدركنا الليل بموضع كذا) لاستهالته، ولأنه
الجزء: 1 - الصفحة: 141
أول ما يرى.
والقياس: أنه يوم ليلته من الأشهر فكان منها، كما قبله.
ولأنه أول وقت ركن من أركان الحج، فهو كيوم عرفة.
ولأن أركان العبادة لا تتوقف بما بعد وقتها، كأركان الصلاة، فلما توقت ابتداء الطواف بيوم النحر، دل على أنه من وقت العبادة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:197]
قالوا: وفيها دليلان:
أحدهما: أنه [حد شهور] الحج، وأخيراً أنها معلومات، والتحديد لا بد من فائدة، وتلك الفائدة عندكم كراهية الإحرام في غيرها، وعندنا منع صحة الإحرام [في غيرها، ولا يصح] عندنا، فثبت أنه ليس من أشهر الحج.
الجزء: 1 - الصفحة: 142
والثاني: قوله- تعالى- في سياق الآية: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] فنهى عن الرفث- وهو الجماع- في وقت الحج، والوطء قد يحصل في يوم النحر؛ لأنه يرمي عندنا وعندكم قبل طلوع الفجر، ويطوف، فيحل له الوطء في جميع اليوم، فثبت أن هذا اليوم ليس من أشهر الحج.
والجواب عن الدليل الأول: أن قوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:197]
معناه: أفعال الحج في أشهر معلومات، ويوم النحر يختص بدخول وقت ركن من أركان الحج، وهو الطواف، ولا يجوز تقديمه عليه، وإذا كان المراد به الأفعال فقد جعلنا للتحديد فائدة.
فإن قيل: فالإحرام من أفعال الحج أيضاً.
قيل له: يحمل التحديد على أنه رجع إلى معظم الأفعال غير الإحرام بما ذكرنا.
وأما الدليل الثاني- وأنه منع من الرفث في أشهر الحج، وذلك جائز في أيام النحر- فالجواب عنه: أن قوله: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة: 197] معناه: في أفعال الحج بدليل أنه متى كان متلبساً بها منع من الرفث، ومتى لم يكن متلبساً بها لم يمنع، وإن كانت الأشهر موجودة؛ لأنه لو لم يحرم من أول شوال جاز له الرفث- وإن كان من أشهر
الجزء: 1 - الصفحة: 143
الحج- لعدم الأفعال.
وهذا موجود قي يوم النحر؛ لأنه متى لم يتحلل بالطواف، فالرفث محرم في حقه، وأن تحلل جاز له الرفث؛ لعدم الأفعال، كما يجوز في سائر الأيام.
واحتج بأنه لو كان من أشهر الحج لم تفت العبادة فيه، كسائر أوقات الصلوات، فلما فاتت فيه دل على أنه ليس بوقت لها.
والجواب: أنا نقابله فنقول: ولم لم يكن وقتاً لها لم يتقدر وقت الطواف بيوم النحر، دل على أنه منها.
وتحريره: أنه لا يمتنع أن يكون من وقتها، وإن فاتت فيه، كما لم يكن وقتاً لها عندك، وتقدر بوقت ركن لها.
فإن قيل: لا يتقدر بفعل الطواف؛ لأن وقته يتقدر عندنا بعد نصف الليل.
قيل: ذلك وقت رخصة، كوقت الظهر لصلاة العصر في الجمع، فأما وقت العزيمة فبعده.
واحتج بأن هذا يوم يسرع فيه الرمي، فلم يكن من أشهر الحج.
دليله: ما بعده من أيام التشريق.
الجزء: 1 - الصفحة: 144
والجواب: أنه لا تأثير للرمي في نفي ذلك بدليل: أن ما بعد أيام التشريق ليس من أشهر الحج، وإن لم يسن فيه الرمي.
ثم إن المعنى في الأًصل: إن ليلته لست من أشهر الحج، فلهذا لم يكن يومه منه، ليس كذلك يوم النحر؛ لأن ليلته من أشهر الحج فكان يومه من أشهره.
دليله: ما قبله.
واحتج بأن الحج يفوت بطلوع الفجر من يوم النحر، والعبادة لا تفوت إلا بخروج وقتها.
والجواب: أنه إنما تفوت العبادة يفوت الوقوف؛ لأنها لا تصح إلا به، فأما أن تفوت بخروج وقت الحج فلا.
- فصل:
والدلالة على مالك، وأن ما بعد يوم النحر ليس من أشهره: ما تعدد من تفسير الصحابة، وهو ما روينا عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير.
فإن قيل: فقد روي عن ابن عمر خلاف ذلك.
قيل له: قد روينا عن ابن عمر روايتين: فإما أن يتعارضاً فيسقطان، ونسلم قول غيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 145
أو يكون ما ذهبنا إليه أولى؛ لأنه يعضده قول غيره من الصحابة.
ولأن ما بعد يوم النحر يطرأ بعد كمال التحلل من الحج، فلم يكن من أشهره، كالمحرم.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:197]، وأقلها ثلاثة كاملة.
والجواب: أن (أشهر) اسم جمع، ويجوز إطلاق الجمع على الاثنين، وبعض الثالث، وعلى الاثنين أيضاً، قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:28].
والأيام المعلومات عشرة، والتسمية إنما تكون في أيام النحر منها على الذبيحة.
وقولهم: (حججت عام كذا) وإنما حج في بعضه.
و: (لقيت فلاناً سنة كذا) وإنما كان لقاؤه في بعضها.
و: (كلمته يوم الجمعة) وإنما المراد البعض.
وقد حلوا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:228] على قرئين وبعض الثالث، لأن عندهم الإقراء الأطهار، فبعض طهر قرء.
وقد أجاب عنه أبو بكر بن الأنبا ري فقال: العرب توقع الجمع على التنبيه بدليل قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:26].
وإنما يريد: عائشة، وصفوان بن المعطل.
الجزء: 1 - الصفحة: 146
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: 78]
يريد: لحكم داوود، وسليمان.
وعلى أنه ليس يمتنع أن يكون الحج مضافاً إلى الأشهر بلفظ الجمع، والمراد به بعضها، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح:16]، فأضافه إلى السموات السبع، وليس هو إلا في بعضها، وهي السماء الدنيا، كذلك في الحج،
واحتج بأن كل شهر كان أوله من أشهر الحج، كان آخره من أشهره.
دليله: شوال، وذو القعدة.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون أوله من أشهر الحج، ولا يكون آخره، كالشهر الخامس في حق المتوفى عنها زوجها، أوله من زمان العدة، وآخره ليس منها.
على أن شوال وذا القعدة وقت للدخول في العبادة، وليس كذلك ما بعد يوم النحر؛ لأنه يطرأ بعد كمال التحلل من الحج، فلم يكن من أشهره، كالمحرم.
32 -
مسألة
ينعقد الإحرام بالحج فيغير أشهره:
نص عليه في رواية أبي طالب وسندي، فقال: من أحرم بالحج
الحديث: 32 - الجزء: 1 - الصفحة: 147
في غير أشهر الحج، لزمه الحج، إلا أن يريد فسخه بعمرة، فله ذلك.
وكذلك نقل عبد الله: إذا حرم بالحج في غير أشهره يجعلها عمرة.
فقد نص على انعقاده، وأجاز له فسخه إلى العمرة وبناء على أصله في جواز فسخ الحج إلى العمرة.
ونقل ابن منصور عنه: إذا أهل بالحج قبل أشهره فهو مكروه.
وأراد بهذا كراهية تنزيه.
وهو قول أبي حنيفة، ومالك.
وقال الشافعي وداود: لا ينعقد الحرام بالحج في غير أشهره، وتكون عمرة.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:189] فجعلها مواقيت للحج، كما جعلها مواقيت للناس، وكما أن جميعها للناس، وجب أن يكون جميعها للحج.
فإن قيل: الله- تعالى- جعل الأهلة للناس والحج، فيجب أن تكون بينهما نصفين.
كما لو قال: (هذا الثوب لفلان وفلان) أنه يكون بينهما.
قيل له: اتفقوا أن الأهلة كلها مواقيت للناس، فيجب أن
الجزء: 1 - الصفحة: 148
تكون مواقيت للحج.
على أنا لو أجبناك إلى ما دعوتنا إليه لم يضرنا؛ لأنا إذا جعلنا نصف الأهلة للحج، ثبت جواز الإحرام قبل شوال بأشهر، ومخالفنا يمنع جوازه قبل شوال.
فإن قيل: إذا شرع الله التوقيت أقتضى الجواز والإباحة، فأما الكراهة فلا، وعندكم يكره الإحرام في غير أشهره.
قيل له: الكراهة لا ترجع إلى الوقت، وإنما ترجع إلى معنى أخر، وهو الدخول في الخلاف، أو خوف مواقعه المحظور.
والقياس: أنه زمان يصلح لإحرام العمرة، فوجب أن يصلح لإحرام الحج.
دليله: أشهر الحج.
فإن قيل: العمرة غير مؤقتة بأشهر الحج، فجاز تقديمها عليه، وليس كذلك الإحرام بالحج؛ فإنه مؤقت بأشهر الحج، فلم يجز تقديمه عليه، كما لا يجوز [تقديم] سائر أفعال الحج.
قيل له: أفعال الحج مؤقتة بأشهر الحج، كالوقوف، والطواف الفرض، والرمي، والإحرام متميز من الأفعال؛ لأنها لا تتعقبه، فيصير كنية الصوم، والوضوء للصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 149
فإن قيل: [العمرة] لا يتأفت إحرامها، والحج تتأفت أركانه، فتأفت إحرامه.
قيل له: أركان الحج فيها ما يتوقف، وفيها ما لا يختص فعله بوقت، وهو طواف الزيارة، فلم توجب اعتبار الإحرام بما يتوقف دون ما لا يتوقف؟
فإن قيل: المعنى في أشهر الحج: أنها زمان للتمتع، فلهذا انعقد الإحرام بها، وليس كذلك غيرها؛ لأنه ليس بزمان للتمتع.
قيل له: التمتع هو الجمع بين أفعال العبادتين، وأفعال الحج لا تصح في غير الأشهر؛ فلذلك لم يصح التمتع، وليس إذا لم يصلح الوقت للجمع، لم يصلح للإفراد، كوقت الصلاة.
فإن قيل: العمرة عبادة لا يلحقها الفوات، فلم يكن لها وقت معين، والحج لما لحقه الفوات كان له وقت معين، كالجمعة.
قيل له: علة الأصل تبطل بالطواف؛ فإن الفوات لا يلحقه؛ لأنه لو خرجت أيام التشريق فعله، ولا دم عليه، ومع هذا أول وقته معين، وهو يوم النحر.
الجزء: 1 - الصفحة: 150
وأما علة الفرع فيأتي الكلام على أصلها, وأنه أحد طرفي الحج, فوجب أن يجوز في غير أشهر الحج.
دليله: الطواف الثاني.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون الطرف الثاني في غير أشهره, والأول في أشهره, كالطرف الثاني من الجمعة يصح في وقت العصر, ولا يصح الأول فيه, وكذلك العدة والردة, والإحرام لا تمنع استدامته الإحرام, ويمنع ابتداؤه.
قيل له: عند مخالفنا لا يصح فعل الطرف الأول منها في وقت العصر, ولا يصح بقاء الثاني فيه, والعمرة يصح الطواف الأول منها في الوقت الذي يصح الثاني.
على أن الصلاة يجوز أن يقع الطرف الثاني في غير وقتها, كما [لو] قالوا في صلاة المغرب: يقع طرفها الثاني في غير وقتها إذا استدام الصلاة إلى غيبوبة الشفق؛ لأن تلك حال ضرورة بفوات الوقت, فأما يوم النحر فإنه وقت للطرف الثاني حال الاختيار وحالة الابتداء, فبان الفرق.
الجزء: 1 - الصفحة: 151
ولأنه لو كان الإحرام مؤقتًا لوجب أن يتراخى موجبه عنه, ألا ترى أن إحرام الصلاة لما كان مؤقتًا كان موجبه من فرضه متصلًا به, ولم يتراخ عنه, فلما اتفقنا على أن الأفعال الموجبة بأفعال الحج يجوز أن تتراخى عنه, وجب أن لا يكون الإحرام مؤقتًا, كالعمرة, والطهارة.
وأيضًا للحج ميقاتان:
أحدهما: المكان.
والآخر: الزمان.
ثم اتفقوا على جواز تقديم الإحرام على الميقات؛ الذي هو المكان, وجب أن يجوز تقديمه على الميقات؛ الذي هو الزمان.
فإن قيل: ميقات المكان ضرب لئلا يتجاوز قبل الإحرام, فلم يجز التجاوز, كذلك ميقات الزمان ضرب لئلا يتقدم عليه بالإحرام, وجب أن يحرم التقدم, كما حرم التجاوز في ميقات المكان.
قيل له: إلا أنه إن خالف وتجاوزه انعقد إحرامه مكروهًا, وإن كان ممنوعًا منه, كما انعقد إحرامه بعد مجاوزته, وإن كان ممنوعًا منه.
فإن قيل: لما جاز تقديم الإحرام على المكان, لم يجز تأخيره, ولما جاز تأخير الإحرام عن أول الشهر, لم يجز تقديمه.
قيل له: لا فق بينهما؛ لأنه يجوز تقديم الإحرام على الميقات,
الجزء: 1 - الصفحة: 152
وتأخيره عن أول حدود الميقات إلى آخر حده, ولا يجوز تأخيره عن جميع حدوده.
كذلك يجوز تقديمه على الأشهر, وتأخيره عن أولها, ولا يجوز أن يتأخر لهذه السنة عن جميعها.
فإن قيل: ميقات الزمان لا يختلف في حق الجميع, كما لا يختلف ميقات المكان والزمان في الوقوف, والطواف, والرمي, ويخالف ميقات المكان في الإحرام؛ لأنه يختلف في حقوق الناس؛ فإن لكل أهل ناحية ميقاتًا مخالفًا لميقات أهل ناحية أخرى, وكان إلحاق ميقات زمان الإحرام من ميقات الوقوف, والطواف, والرمي, والسعي أولى.
قيل له: تلك المناسك يستوي فيها ميقات المكان والزمان في البطلان عند المخالفة, وفي الصحة عند الموافقة, يجب- أيضًا- أن يستوي في الإحرام ميقات المكان والزمان, فيصح مع الموافقة, ويكره مع المخالفة.
وعلى أنهم تساووا في ميقات الزمان؛ لأن الوقت يجمعهم, ولا يجمعهم ميقات واحد؛ لاختلاف طرقهم وبلادهم.
واحتج المخالف بقوله تعالى:} الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ {] البقرة: 197 [, ومعناه: وقت إحرام الحج أشهر معلومات, فحذف المضاف] على عادة العرب في كلامها.
الجزء: 1 - الصفحة: 153
ومن [ذلك قوله تعالى:} ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ ﴿.
وقوله تعالى:﴾ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴿] الواقعة: 55 [؛ أي: مثل شرب الهيم.
وقوله:﴾ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴿] آل عمران: 133 [؛ أي مثل السموات والأرض.
وقوله:﴾ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴿[يوسف: 82]؛ أي أهل القرية.
وإذا كان كذلك, دل على أن الإحرام مؤقت بأشهر معلومات, فمن جعل جميع السنة وقتًا له, فقد خالف الظاهر.
والجواب: أن الآية لا حجة له فيها؛ لأنا قد علمنا أن فيها إضمارًا, وأن تفسير الأشهر لا يكون حجًا, والمضمر متنازع فيه, فنحن نضمر الفضيلة ونفي الكراهة, ومخالفنا يضمر الجواز, فسقط التعلق بالظاهر؛ لأن المضمرات لا يدعى فيها العموم.
وقد قيل: إنه يمكن استعمال الآية من غير حذف, ويكون قوله:﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ {] البقرة: 197 [كقولهم: [هذا] الشعر, معناه: أنه أفضل الشعر وأحسنه, ولا ينفي ذلك شعر غيره, ومن يستعمل الآية من غير تقدير حذف فهو أولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 154
وجواب آخر, وهو: أنهم يضمرون إحرام الحج في أشهر معلومات, ونحن نضمر أفعال الحج تقع في أشهر معلومات, وهو الطواف, والسعي, والوقوف, ولم نرد به أن جميع الحج يقع فيها, وهذا كما قال عليه السلام: ((الحج عرفة)) , ولم يرد به أن جميع الحج يقع في يوم عرفة؛ لجواز الطواف والسعي عليه, ووجوب تأخير طواف الزيارة عنه, وإنما أراد أن معظم أركان الحج والمقصود منه يقع فيه.
وقيل في معنى الآية} الْحَجُّ أَشْهُرٌ ﴿] البقرة: 197 [: ومعناه: أن الحج المقصود المأمور به هو ما وقع ف أشهر, كما تقول: (القتال قتال العرب) ولا ينفي ذلك] وجود القتال من غيرهم [.
وقيل: إن الله- تعالى- ذكر التمتع بقوله:﴾ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴿] البقرة: 196 [الآية, ثم قال بعد ذلك:﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ {يعني: الحج الذي يكون به متمتعا, وعندنا: أن الحج الذي يكون به متمتعًا ما وقع في الأشهر.
فإن قيل: أفعال الحج لا تقع في شهور, وإنما تقع في يوم.
قيل له: الطواف, والسعي من أفعاله, وتقع في جميع شهور
الجزء: 1 - الصفحة: 155
الحج, وجميع السنة.
واحتج بأن الحج مجمل في الكتاب, مفتقر إلى البيان, وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد في هذا الباب, فإنما يرد على وجه البيان, وفعله إذا ورد مورد البيان كان على الوجوب.
وقد روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم في أشهر الحج.
والجواب:] أن النبي صلى الله عليه وسلم [قد بين الواجب, وبين المستحب.
] واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم [: ((خذوا عني مناسككم)) , والإحرام من المناسك, وقد فعله في هذه الأشهر, فيجب أن نأخذ به.
والجواب: أن وجوب الأخذ منه ليس يختص بالواجب دون المسنون؛ لأنه يجب علينا أن نأخذ منه المسنون, كما نأخذ الواجب.
واحتج بما روى النجاد بإسناده عن مقسٍم, عن ابن عباس قال: من السنة ألا يهل بالحج إلا في أشهر الحج.
وبإسناده عن ابن الزبير, عن جابر قال: لا يحرم المحرم إلا في أشهر الحج.
والجواب: أن هذا محمول على طريق الاستحباب.
وعلى أنه قد روي عن عمر وعلي: ((إتمامهما أن تحرم بهما من
الجزء: 1 - الصفحة: 156
دويرة أهلك)) , ومن بعدت داره من مكة لا يحرم من دويرة أهله في الأشهر الحرم.
واحتج بأن يوم النحر وقت لفوات العبادة, فلم ينعقد إحرامها فيه, كالجمعة في وقت العصر.
والجواب: أن الجمعة لا يجوز أن تبقى أركانها عندهم إلى وقت العصر, فلم تنعقد فيه,] و [الحج من [صريح] ركنه أن يفعل يوم النحر, فلذلك انعقد فيه.
واحتج بأن الإحرام ركن من أركان الحج, فوجب أن لا يجوز فعله قبل أشهر الحج, كالوقوف بعرفة.
والجواب: أن الوقوف ليس في طرف الحج, فاختص بأشهر الحج, وليس كذلك الإحرام؛ لأنه أحد طرفي الحج, فوجب ألا يختص بأشهر الحج, كالطواف.
واحتج بأنه نسك لا يتم الحج إلا به فكان مؤقتًا, كالوقوف, والطواف, والرمي.
ولا يلزم عليه السعي؛ فإنه مؤقت؛ لأنه لا يجوز إلا بعد
الجزء: 1 - الصفحة: 157
الإحرام, وبعد الطواف.
والجواب: أن الوقوف, والطواف, والرمي لما اختص بمكان لا يجوز التقدم عليه, كذلك يختص بوقت لا يجوز التقدم عليه,] أما الإحرام فلما جاز أن يتقدم على مكانه [, جاز أن يتقدم على وقته أيضًا.
واحتج بأنه نسك لا يجوز تأخيره عن وقته, فلا يجوز تقديمه عليه.
أصله: الوقوف, والرمي.
والجواب: ما تقدم.
واحتج بأنها عبادة أفعالها مؤقتة, فوجب أن يكون إحرامها مؤقتًا, كالصلاة.
وعبارة أخرى: الحج عبادة يلحقها الفوات, فوجب أن يكون الدخول فيها مؤقتًا, كالصلاة.
والجواب: أن الوقت الذي يصح فيه أحد فروض الصلاة يصح فيه إحرامها, فيجب أن يكون الوقت الذي يصح فيه أحد فروض الحج يصح فيه الإحرام بالحج.
وعند مخالفنا لا يصح؛ لأن أحد فروضه يقع في أيام النحر, ولا يصح الإحرام بالحج في يوم النحر عنده, مع أنه قد قيل: الإحرام لا يفوت, وإنما يفوت الوقوف.
الجزء: 1 - الصفحة: 158
وجواب آخر, وهو أن تحريمه الصلاة تتصل أفعالها بها, ولا تتراخى عنها, فلم يجز أن تتقدم على وقت الأفعال, وأفعال الإحرام تتأخر عنه, فجاز أن يفعله قبل الوقت, كالطهارة.
واحتج بأنها عبادة لا تفعل في السنة إلا مرة, فكان وقت التلبس بها محدودًا, كالصوم.
والجواب عنه: ما تقدم, وهو: أن الصوم لا تتراخى أفعاله عن الدخول, فلم يجز التلبس به في عير وقت فعله, والحج تتراخى أفعاله عن وقت الدخول فيه, كالطهارة,] ونية الصوم [.
واحتج بأنه لو كان ابتداء إحرام الحج في غير أشهر الحج, لوجب- إذا فاته الوقوف-] أن يبقى على [إحرامه إلى السنة القابلة؛ ليؤدي به موجباته.
ألا ترى أنه لما جاز ابتداء إحرام صلاة الظهر بعد فوات وقتها, جاز البقاء عليه؛ ليؤدي به موجباته.
فلما لم يجز البقاء على إحرام الحج بعد الفوات, ولزمه التحلل
الجزء: 1 - الصفحة: 159
منه, لم يجز ابتداؤه فيه.
والجواب: أنه لما لم يجز [له أن] يبقى على ذلك الإحرام إلى السنة القابلة؛ لأنه أوجب عليه الوقوف بعرفة في تلك السنة, فإذا فاته وقت الوقوف لم يمكنه أن يؤدي به موجب الإحرام في السنة الثانية, فلزمه التحلل منه بعمل عمرة.
وليس كذلك إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج؛ لأنه يمكنه أداء موجب الإحرام؛ لأن وقته لم يفت.
على أن هذا دلالة لنا؛ لأنه إذا فاته الحج, فإن إحرامه لا يبطل, فهو باق ما لم يتحلل منه بعمل عمرة, فلو كان الوقت منافيًا لإحرام الحج لما صح بقاؤه فيه, كما أن وقت العصر لما كان منافيًا لإحرام الجمعة عندهم لم يصح بقاؤه فيه.
وجواب آخر, وهو: أنه إذا فاته الحج انقطع إحرام الحج, وتحول إحرام عمرة, وإذا كان كذلك امتنع بقاؤه؛ لأنه قد تحول من طريق الحكم إلى عمرة.
وهذا جواب جيد.
الجزء: 1 - الصفحة: 160
33 -
مسألة
الأفضل أن يحرم من الميقات:
نص عليه في رواية الأثرم- وقد سئل: أيما أعجب إليك: الإحرام من الميقات, أم قبل؟ - فقال: من الميقات أعجب إلي.
وكذلك نقل ابن منصور عنه- وقد سئل: إنهم كانوا يحبون أن يحرم الرجل أول ما يحج من بيته, أو من بيت المقدس, أو من دون الميقات؟ -فقال: وجه العمل المواقيت.
وكذلك نقل أبو بكر بن محمد عن أبيه, وقد سئل عن الحديث: ((أن تحرم من دويرة أهلك))؟ فقال: ينشئ لها سفرًا من أهله, كأنه يخرج للعمرة عامدًا, كما يخرج للحج عامدًا, وهذا مما يؤكد العمرة.
فقد نص في الحج والعمرة على الإحرام من الميقات.
وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: الأفضل أن يحرم من دويرة أهله.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة.
ونقل صالح عنه: إن قوي على ذلك أرجو أن لا يكون به بأس.
دليلنا: ما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم حج في عمره مرًة, واعتمر مرارًا.
الحديث: 33 - الجزء: 1 - الصفحة: 161
ولم ينقل أنه أحرم قبل الميقات, فلو كان تقديمه على الميقات أفضل لكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله؛ لأنه لا يختار من الأفعال إلا أفضلها.
فإن قيل: قد يختار غير الأفضل للتعليم.
قيل له: إنما يكون ذلك بمرة, فأما في جميع أفعاله فلا, وقد روينا: أن العمرة تكررت منه من الميقات.
وعلى أنه قد كان يمكنه أن يعلم بقوله, ويعمل الأفضل بفعله.
ثم هذا يجوز] أن يقال في الفعل الذي يتكرر منه, فأما الفعل [الذي [لا] يتكرر منه, فلا يجوز أن يترك الفضيلة والاختيار فيه, والحج لم يقع منه مكررًا.
ولأن ترك الإحرام قبل الميقات مباح, فلو أحرم قبله؛ فإنه يطول بقاؤه عليه, فلا يأمن مواقعة المحظور, وهو الطيب, والحلق, واللباس, وإذا أحرم من الميقات فإنه يسلم من الغرر والخطر, وما كان أبعد من الغرر فهو أولى.
روي عن ابن عباس: أنه سئل عن رجلين؛ أحدهما [قليل الطاعة
الجزء: 1 - الصفحة: 162
قليل المعصية [, والآخر كثير الطاعة كثير المعصية, أيهما أفضل؟ فقال: يا ابن أخي [! السلامة لا يعدلها عندك شيء.
يعني: من قلت طاعته, وقلت معصيته, فهو أسلم.
فإن قيل: فيجب أن يعتبر هذا المعنى في العمرة, وقد قال أحمد في رواية صالح: كلما تباعد فهو أعظم للأجر, والعمرة على قدر تعبها.
فظاهر هذا: أن الأفضل الإحرام بها من دويرة أهله.
قيل له: نعتبر في العمرة ما نعتبره في الحج.
وإنما قال أحمد هذا في المكي: إن الأفضل في حقه أن يتباعد بالإحرام بالعمرة من ميقات أهل البلدان أفضل من الإحرام من أدنى الحل, وقد بين هذا في رواية بكر بن محمد- وقد سئل: من أين يعتمر الرجل؟ -قال: يخرج إلى المواقيت فهو أحب إلي, كما فعل ابن عمر, وابن الزبير, وعائشة رضي الله عنهم أحرموا من المواقيت, فإن أحرم من التنعيم
الجزء: 1 - الصفحة: 163
فهو عمرة, وذلك أفضل, العمرة على قدر تعبها.
وإنما كان الأفضل الإحرام بالعمرة من ميقات أهل البلد؛ لأنه ميقات شرعي [وهو] عزيمة, وأدنى الحل جعل ميقات أهل مكة على وجه الرخصة, وهذا المعنى معدوم في الإحرام من دويرة أهله.
فإن قيل: هذا يوجب أن يكون الإحرام يوم التروية أفضل من تقديمه عليه؛ لأنه يؤدي إلى ما ذكرت.
قيل له: لأن ما قبله ميقات للحج شرعي بقوله تعال:} أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ {] البقرة: 197 [, وهي شوال, وذو القعدة, وعشرة من ذي الحجة.
على أنا لا نسلم ذلك, بل نقول: الإحرام يوم التروية أفضل.
وقد نص على ذلك في رواية الميموني, وأبي داود في المتمتع: يهل يوم التروية, فإن أهل قبله فجائز.
فتبين أن الاختيار يوم التروية.
ولأن الميقات ميقاتان:
ميقات زمان: وهو شهور الحج.
وميقات مكان.
ثم ثبت أنه يكره التقديم على ميقات الزمان, فلا يستحب أن يحرم قبل أشهر الحج, كذلك [الإحرام] من ميقات المكان.
فإن قيل: إنما كرهنا له ذلك إذا لم يأمن مواقعه المحظور, فإن
الجزء: 1 - الصفحة: 164
أمن كان الإحرام بالحج قبل أشهر الحج أفضل.
قيل له: فيجب أن تقول هاهنا: (إذا لم نأمن مواقعه المحظور بالإحرام قبل الميقات يكره) , كما كرهت ذلك في الإحرام في غير أشهره, وقد أطلقت القول بالفضيلة في تقديم الإحرام على المكان.
والمخالف] يسوي بينهما, ويقول [: إذا أمن من مواقعة المحظور لم يكره ذلك؛ لا في الزمان, ولا في المكان,] ولا يتصور الأمن [؛ لأنه تعرض عوارض لا يمكن دفعها.
واحتج المخالف بما وت أم سلمة] قالت: سمعت [النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أهل بحجٍة أو عمرٍة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه, وما تأخر)) , أو: ((وجبت له الجنة)) شك الراوي.
] وروت أم سلمة قالت [: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أهل بعمرٍة أو حجٍة من بيت المقدس كانت كفارًة لما قبلها من الذنوب)).
الجزء: 1 - الصفحة: 165
والجواب: أن قوله: ((من أهل)) معناه: من قصد من المسجد الأقصى, ويكون إحرامه من الميقات.
واحتج بما روي عن علي, وابن مسعود: أنهما قالا في قوله تعالى:} وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ {] البقرة: 196 [: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
وأحرم ابن عمر من بيت المقدس بعمرة, وأهل ابن عباس من الشام, وأحرم عمران بن حصيٍن من البصرة, وأحرم ابن مسعود من القادسية.
والجواب: أن هذا يعارضه ما رواه أبو بكر النجاد بإسناده عن الحسن: أن عمران بن الحصين أحرم من البصرة, فقدم على عمر, فأغلظ له, وقال: يتحدث الناس أن رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من مصر من الأمصار.
وبإسناده عن مسلم: أن رجلًا أحرم من الكوفة, فرآه عمر سيئ الهيئة, فأخذ بيده, وجعل يديره في الخلق, ويقول: انظروا إلى هذا ما صنع بنفسه وقد وسع الله عليه؟!
وبإسناده عن الحسن: أن عبد الله بن عامر أحرم من سمرقند, فبلغ ذلك عثمان, فلامه.
وفي لفظ آخر: أحرم من خراسان, فلما قدم عثمان لامه ولامه, وكره ما صنع.
الجزء: 1 - الصفحة: 166
وبإسناده عن إبراهيم التيمي, عن أبيه, عن أبي ذر قال: استمتعوا بثيابكم؛ فإن وكاءكم لا يغني عنكم من الله شيئًا.
واحتج بأن إحرامه من دويرة أهله يوجب بقاءه على العبادة, والبقاء على العبادة أفضل, ألا ترى أن الإحرام قبل يوم التروية أفضل لهذه العلة؟
والجواب: أن الإحرام قبل أشهر الحج يوجب البقاء على العبادة, ومع هذا قلتم: إنه يكره ذلك.
34 -
مسألة
يحرم في دبر صلاته:
نص عليه ف رواية المروذي فقال: إذا أراد الإحرام يستحب أن يغتسل, وأن يلبس إزارًا وردًا ورداًء, فإن وافق صلاة مكتوبة صلى ثم أحرم, وإن شاء إذا استوي على راحلته, فيلبى بتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال- أيضًا- في رواية حنبل: إذا أراد الإحرام؛ فإن وافق صلاة مكتوبة صلى, ثم أحرم إن شاء, وإذا استوى [على راحلته].
الحديث: 34 - الجزء: 1 - الصفحة: 167
وكذلك نقل أبو طالب عنه قال: إذا أراد الإحرام استحب له أن يغتسل, ويلبس إزارًا ورداًء؛ فإن وافق صلاة مكتوبة صلى ثم أحرم, وإن شاء إذا استوى على راحلته, فلبى بتلبية النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال- أيضًا- في رواية ابن منصور- وقد سئل: تحرم في دبر الصلاة أحب إليك؟ -قال: أعجب إلي أن يصلي, فلا تأثير.
وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: إذا بلغ الميقات فالاختيار له أن يغتسل, ويلبس ثوبين نظيفين, ويتطيب, فإن حضر وقت صلاة مكتوبة, وإلا صلى ركعتين, فإذا أراد التمتع, وهو اختيار أبي عبد الله- رحمه الله- فيقول: (اللهم إني أريد العمرة) ويشترط, فإذا استوي على راحلته لبي.
نص على أنه يحرم إذا صلى, ويلبي إذا استوي على راحلته.
وقال في رواية الأثرم: وقد سئل: أيما أحب إليك: الإحرام في
الجزء: 1 - الصفحة: 168
دبر الصلاة, أو إذا استوت به ناقته؟ فقال: كل قد جاء؛ دبر الصلاة, وإذا علا البيداء, وإذا استوت به ناقته, فوسع فيه كله.
وظاهر هذا: أنه مخير في جميع ذلك, وليس أحدهما بأولى من الآخر, والمذهب على ما حكينا, وأن المستحب أن يحرم دبر الصلاة.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: إذا استوت به راحلته.
وقال الشافعي في القديم مثل قولنا, [وقال] في ((المناسك الكبير)): إذا انبعثت به راحلته.
دليلنا: ما روى أبو بكر الأثرم في ((مسائله)) بإسناده عن سعيد بن جبير قال: ذكرت لابن عباس إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من صلاته, ثم خرج فلما ركب راحلته, واستوت به قائمة أهل, فأدرك ذلك قوم, فقالوا: أهل حين استوت به راحلته, وذلك أنهم لم يدكوا إلا ذلك, ثم سار حتى علا من البيداء, فأهل, فأدرك ذلك رجال, فقالوا: حين علا البيداء.
وهذا نص لا يحتمل التأويل, وبيان لوجوه اختلاف الرواة فيه, فكان تقديمه على غيره أولى.
وروي في حديث آخر عن ابن عباس: أنه قال: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد ذي الحليفة, وأنا معه, وناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند باب المسجد, وابن عمر معها, ثم خرج, فركب, فأهل, فظن ابن عمر أنه أهل
الجزء: 1 - الصفحة: 169
في ذلك الوقت.
وروى ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتأني آٍت من ربي وأنا بالعقيق, فقال لي: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين, وقل: لبيك بعمرة في حجٍة)).
ولم يجعل بين الصلاة والتلبية أمرًا فاصلًا.
ولأن التلبية ذكر أمر بتقديم الصلاة عليه, وكان فعله عقيبها أفضل من تأخيره عنها, كتكبيرات التشريق وخطبته.
فإن قيل: لا يصح] هذا على أصلكم [؛ لأن عندكم أن التلبية تتأخر عن عقد الإحرام, ويأتي بها إذا استوت به راحلته.
قيل له: إن كان الإحرام في مصر, فالتلبية تتأخر عنه؛ لما نذكره فيما بعد, وأنها لا تستحب] في الأمصار [.
وإن كانت في الصحراء أو البرية, فإنه يستحب ذكها عقيب الإحرام.
نص] عليه في رواية حرب [-وقد سأله عن الرجل إذا أحرم في
الجزء: 1 - الصفحة: 170
دبر الصلاة: أيلبي ساعة يسلم, أم متى؟ -قال:] يلبي متى شاء؛ ساعة [يسلم, وإن شاء بعد ذلك.
وسهل فيه.
واحتج المخالف بما روى الأثرم بإسناده:] أن ابن عمر [قال: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى انبعث به راحلته.
رواه النجاد بإسناده عن ابن عمر, عن النبي صلى الله: أنه كان إذا استوب به] راحلته لبى.
وروى الأثرم [بإسناده عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى ذا الحليفة فبات بها حتى أصبح, فلما أصبح بها ركب, حتى إذا كان بظاهر البيداء, واستوت أخفافها, واعتدلت صدورها, ونظرت إلى الناس مد بصري أمامي, وخلفي, وعن يميني, وعن شمالي, ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا, ينزل القرآن, وهو يعلم تأويله, فنحن ننظر ما يصنع فنصنع, أخل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأهللنا معه.
الجزء: 1 - الصفحة: 171
وروى أحمد فيما ذكره الأثرم بإسناده عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر, ثم ركب راحلته, فلما علا جبل البيداء أهل.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن سعد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقبلت به راحلته, وإذا أخذ طريق أحٍد أهل إذا علا شرف البيداء.
والجواب: أن هذه الأخبار لا تعارض خبر ابن عباس؛ لأن الجماعة رووا في وقت عرفة [ما روى] ابن عباس, فساواهم, وانفرد بمعرفة إهلاٍل في وقت لم يعرفوه, فخبره زائد, فهو أولى.
فإن قيل: أخبارنا أولى؛ لأنها أكثر رواة, وابن عباس انفرد به.
قيل له: المثبت أولى من النافي, وإن كان النفي ترويه الجماعة.
فإن قيل: فأخبارنا يرويها الرجال, وابن عباس كان صبيًا.
قيل له: لا أحد يقدم خبر غيره عليه لهذه العلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 172
وعلى أنهم رجَّحوا خبره في مسألة القرآن, فقالوا: هو من الأهل على رواية أنس, فكيف يجوز مناقضة ذلك؟!
فإن قيل: فقد تعارضت الرواية عن ابن عباس:
فروى أحمد فيما ذكره أبو بكر بإسناده عن قتادة, عن أبي حسان, عن ابن عباس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة, ثم دعا ببدنة, فأشعر صفحة سنامها الأيمن, وسلت الدم عنها, وقلدها نعلين, ثم دعا براحلته, فلما استوت على البيداء أهل بالحج.
قيل: هذا ليس بمعارض, وإنما بعض خبر سعيد بن جبير؛ لأنه بين في ذلك الخبر: أنه أهل عقيب الصلاة, وحين استوى على راحلته, وحين استوى على البيداء, فهذا بعض الخبر.
واحتج بأن الشافعي روى عن مسلم بن خالد, عن [ابن] جريج, عن أبي الزبير, عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: ((إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج)).
قالوا: وهذا بعد إهلاله بذي الحليفة, فيكون نسخًا.
والجواب: أن معناه: إذا أردتم الرواح, بدلالة: أنه لم يذكر الصلاة, ولا خلاف أن الصلاة تقدم على الإحرام, فعلم أنه قصد بهذا وقت الدخول, ولم يقصد به بيان كيفية الدخول.
الجزء: 1 - الصفحة: 173
وما ذكرناه أولى؛ لأن المحرم عقيب الصلاة أخشع منه عند الركوب, فإهلاله مع الخشوع أولى.
ولأن في الأصول ذكر عقيب الصلاة, وليس فيها ذكرًا يتعلق] بالتوجه, ولا بالإشراف [على البيداء, فكان إثبات ما له نظير أولى.
35 -
مسألة
التلبية غير واجبة, ويدخل في الإحرام بمجرد النية:
نص عليه في رواية الأثرم- وقد سئل: بأي شيء يكون الرجل محرمًا؟ -] فقال: بالنية.
قيل له: فيكون محرمًا بغير تلبية؟ قال [: نعم إذا عزم على الإحرام فهو محرم, وقد يلبي الرجل, ولا يحرم, ولا يكون عليه شيء.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: التلبية واجبة في ابتداء الإحرام, فإن لم يلب, وقلد الهدي وساقه, ونوى الإحرام, صار محرمًا.
وقال مالك: يجب بترك التلبية دم.
الحديث: 35 - الجزء: 1 - الصفحة: 174
دليلنا على أبي حنيفة: أن كل ذكر جاز تركه في العبادة مع القدرة عليه, لم يكن واجبًا.
دليله: دعاء الاستفتاح والاستعاذة.
وذلك أنه يجوز تركه عندهم, والعدول إلى التقليد وسوق الهدي, فلو كان واجبًا لم يجز تركه إلى غيره.
فإن قيل: جواز الإحرام بالتقليد وسوق الهدي لا يدل على نفي وجوب الذكر في أوله, ألا ترى أن المسح على الخفين قد يقوم مقام غسل الرجلين, ولم يدل هذا على نفي وجوب غسلهما في الوضوء؟
قيل له: [المسح] فعل, [و] قد يجوز أن يقوم الفعل مقام غيره, والتلبية قول, ولسنا نجد في الأصول ذكرًا واجبًا يقوم غيره مقامه مع القدرة عليه.
ألا ترى أن الذكر في أول الصلاة, والقراءة في أثنائها, لما كان واجبًا لم يقم غيره مقامه مع القدرة عليه.
وعلى أن المسح على الخفين يقوم مقام الغسل؛ لضرب من المشقة في نزع الخفين وغسل الرجلين, وهذا المعنى غير معتبر فيه.
ولأن الإحرام أحد طرفي الحج, فلم يكن فيه ذكر واجب.
دليله: الطرف الثاني, وهو الرمي والطواف.
فإن قيل: لا يجوز اعتبار أوله بآخره في باب الإيجاب, كما لم
الجزء: 1 - الصفحة: 175
يصح اعتبار آخره بأوله في باب الاستحباب.
قيل له: نحن نعتبر أوله بآخره في باب الاستحباب؛ لأنه يتحلل بالرمي لجمرة العقبة, والتلبية مسنونة إلى أن يرمي الجمرة.
فإن قيل: لا يصح اعتبار أوله بآخره في الإيجاب, كما لم يصح اعتبار أول الطهارة عندك بآخرها في إيجاب التسمية.
قيل له: الذكر في أول الطهارة لما كان واجبًا لم يقم غيره مقامه مع القدرة عليه, فلو كان الذكر في الحج عندك يجري مجرى الطهارة عندنا, لوجب ألا يقوم غيره مقامه.
ولأنها عبادة تجب بإفسادها كفارة- أو نقول: يدخل في جبرانها المال- فلم يكن فيها ذكر واجب.
دليله: الصيام.
وعكسه: الصلاة والطهارة؛ لما لم يدخل فيهما المال, وجب فيهما ذكر.
ولا يلزم عليه الاعتكاف؛ لأن في] إيجاب الكفارة روايتين [.
فإن قيل: الصوم ليس فيه ذكر مسنون, فلهذا لم يكن واجبًا, والحج فيه ذكر مشروع, فجاز أن يجب فيه.
قيل له: الوضوء فيه ذكر مشروع,] وليس فيه ذكر واجب عندك,
الجزء: 1 - الصفحة: 176
فانتقضت معارضتك [.
واحتج المخالف بأن فرض الحج مجمل في الكتاب, مفتقر إلى] البيان, وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد [مورد البيان كان على الوجوب.
وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم] لبى حين أحرم, فوجب أن يكون على [الوجوب.
والجواب: أنه قد يبين الواجب, ويبين المسنون, فنحمل بيانه هاهنا على المسنون.
يبين صحة هذا: أنه استدام التلبية إلى أن رمى الجمرة, ومعلوم أن الأولى واجب عندك, وما بعدها مسنون.
واحتج بما روي: أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها من شعار الحج)).
وهذا يقتضي وجوب التلبية ورفع الصوت جميعًا, غير أن الدلالة دلت على أن رفع الصوت غير واجب.
الجزء: 1 - الصفحة: 177
والجواب: أن الخبر يقتضي الأمر برفع الصوت, والتلبية تجب بالمعنى دون اللفظ, فإذا سقط وجوب اللفظ- وهو رفع الصوت- سقط تابعه.
وعلى أن نحمل ذلك على طريق الاستحباب دون الإيجاب بدليل ما تقدم.
واحتج بما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: ((انقضي رأسك, وامتشطي, واغتسلي, ودعي العمرة, وأهلي بالحج)).
وأراد بالإهلال التلبية, وهذا أمر, والأمر يقتضي الوجوب.
والجواب: أن الإهلال قد يراد به التلبية- كما ذكرت- بدليل ما روي عن عكرمة قال: دفعت مع الحسين بن علي من مزدلفة, فرأيته يلبي حين انتهى إلى جمرة العقبة, فقلت: ما هذا الإهلال يا أبا عبد الله؟.
وأراد به التلبية, ولم يرد به الإحرام؛ لأنه معلوم أن الحسين لم يبتدئ الإحرام بعدما دفع من المزدلفة.
وكذلك ما روي: أنه قيل لابن عباس: كيف اختلف الناس في إهلال النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سأخبركم, أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصلاه ...
إلى أن قال: فلما استوى على راحلته أهل, وقال: فلما استوى
الجزء: 1 - الصفحة: 178
على البيداء أهل.
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجدد الإحرام في الأحوال الثلاثة.
وقد يرد, ويراد به الإحرام, بدليل ما روي عن علي: أنه لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن قال: ((بم أهللت؟)) قال: بإهلاٍل كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يعني: كإحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الشاعر:
يهل بالفرقد ركبانها
أراد به: يحرم.
وإذا كان كذلك, حلمناه على الإحرام دون التلبية.
واحتج بأن الحج عبادة مقصودة لنفسها, تنتظم أفعالًا متغايرة, فوجب أن لا يصح الدخول فيها بمجرد النية.
دليله: الصلاة.
وعبارة] أخرى: عبادة لها [إحرام وإحلال, فوجب أن يكون
الجزء: 1 - الصفحة: 179
الذكر في ابتدائها واجبًا, كالصلاة.
والجواب:] أن العبارة الثانية تنتقض [بالصيام؛ لأن له تحليلًا وتحريمًا, وليس فيه ذكر واجب.
وذلك أن الإحرام] هو: الدخول في العبادة [التي يحرم عليه فيها ما كان حلالًا قبل الدخول, من قولهم: (أظهر) إذا دخل [في وقت] الظهر, و (أتهم) و (أنجد (إذا دخل أرض نجٍد وتهامة.
وكذلك التحليل هو: الخروج مما كان] محرمًا عليه.
وهذا موجود في [الصيام.
ثم المعنى في الصلاة: أن الذكر فيها لما يقم مقامه فعل, لهذا ما كان واجبًا, وذكر الحج يقوم مقامه سوق الهدي مع قدرته على الذكر, فبان الفرق بينهما.
- فصل: والدلالة على مالك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس في المال
الجزء: 1 - الصفحة: 180
حق سوى الزكاة)).
ولأنه ذكر في أثناء الحج، فلم يجب بتركه دم.
دليله: الدعاء بعرفات، والمزدلفة، وعند رمي جمرة العقبة.
واحتج المخالف بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتلبية، والأمر يدل على الوجوب.
والجواب عنه: ما تقدم.
وإن قاسوا على الصلاة في إيجاب الذكر، فنهي بالعبارة التي تقدمت.
والجواب عنه: ما تقدم.
وعلى أن الذكر في الصلاة آكد منه في الحج بدليل أنه يؤثر في فسادها، ولا يؤثر في فساد الحج.
36 -
مسألة
إظهار التلبية غير مسنون في الأمصار ومساجد الأمصار، وإنما هو مسنون في الصحاري والبراري:
نص عليه في مواضع:
الحديث: 36 - الجزء: 1 - الصفحة: 181
فقال في رواية المروذي: لتلبية إذا برزوا عن البيوت.
وقال في رواية أبي داود: لا يعجبني أن يلبي في مثل بغداد حتى يبرز.
وقال في رواية حمدان بن علي: إذا أحرم في مصره لا يعجبني أن يلبي.
وقال الشافعي: لا يكره إظهارها في الأمصار ومساجد الأمصار.
دليلنا: ما روى حنبل بإسناده عن عطاء، عن ابن عباس: أنه سمع رجلًا يلبي في المدينة، فقال: إن هذا لمجنون! ليست التلبية في البيوت، إنما التلبية [إذا] برزت.
ولأن التلبية غير واجبة، والإسرار بالتطوع أولى؛ لئلا يدخله الرياء والسمعة على من لا يشاركه في فعل تلك العبادة، ولهذا استحب الإسرار بصدقة التطوع وصلاة التطوع، تفارق هذا الصحارى والبراري؛ لأن إظهاره مع من يشاركه في النسك، فلا يؤدي إلى الرياء، وكذلك إظهارها بمكة وعرفات ومنى؛ لأن هناك محل النسك، فلهذا استحب إظهاره.
واحتج المخالف بما روي في حديث جبريل وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: ((مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية))، وقوله: ((الحج العج والثج)).
الجزء: 1 - الصفحة: 182
والجواب: أن هذا محمول على الصحارى بما تقدم.
واحتج بأن إظهارها بمكة مستحب وإن كانت مصرًا، كذلك غيرها.
والجواب عنه: ما تقدم.
37 -
مسألة
لا تستحب الزيادة على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم، فإن زاد جاز:
نص على هذا في رواية أبي داود والأثرم:
فقال في رواية أبي داود- وقد سئل عن التلبية، فذكرها، فقلت له: تكره أن يزيد على هذا؟ -قال: وما بأس أن يزيد؟
وقال الأثرم: فقلت له: هذه الزيادة التي يزيدها الناس في التلبية؟
فقال شيئًا معناه الرخصة.
وقال في رواية المروذي: كان في حديث ابن عمر: ((والملك لا شريك لك)) فتركه؛ لأن الناس تركوه، وليس في حديث عائشة.
وقال في رواية حرب في الرجل يزيد في التلبية كلامًا، أو دعاًء:
أرجو ألا يكون به بأس.
الحديث: 37 - الجزء: 1 - الصفحة: 183
وظاهر هذا: أن الزيادة مباحة.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن.
وظاهر هذا: أنها مستحبة، فالخلاف في الاستحباب.
دليلنا: أن ابن عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وابن عباس وأنس رووا تلبية النبي صلى الله عليه وسلم المشهورة، وقال: ((خذوا عني مناسككم)).
فروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن جابر قال: كانت تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك [لك لبيك]، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك)).
وروى بإسناده عن ابن عمر: ان تلبية النبي صلى الله عليه وسلم: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك)).
وروى أحمد في ((المسند)) عن عائشة مثل ذلك.
والمشهور من حديث عائشة أنه ثلاثة ألفاظ: ((لبيك اللهم لبيك،
الجزء: 1 - الصفحة: 184
لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك)).
وروى حنبل بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأنس مثل حديث ابن عمر.
وهو إخبار عن دوام الفعل، فكان هو المستحب.
فإن قيل: هذا يدل على وجوب أحد المذكورين، ولا ينفي غيره.
قيل له: يدل على استحباب أحمدهما؛ لأنه دام عليه.
ولأن هذا الذكر شعار هذه العبادة، كالأذان وتكبيرة الإحرام، ثم الأذان والتكبير لا تستحب الزيادة عليه، كذلك هذا.
فإن قيل: الأذان والتكبير لا يسن تكراره بعد تمامه، فلم تجز الزيادة عليه، ولا النقصان منه، ولما شرع تكرار التلبية بعد تمامها، جاز الزيادة عليها.
قيل له: إنما لم يسن تكراره بعد تمامه؛ لأن القصد منه الإعلان واجتماع الناس، وهذا لمعني قد حصل، وأما التلبية فإنما يسن تكرارها لأجل تلبسه بالعباد، وذلك المعنى موجود ما لم يتحلل.
واحتج المخالف بما روى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لبيك إله الحق)).
الجزء: 1 - الصفحة: 185
والجواب: أنه يحتمل أن يكون قال ذلك على طريق الجواز، أو لأنه لم يتكرر منه.
واحتج بما روي عن ابن عمر: أنه زاد: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل.
ذكره الأثرم، وذكر -أيضًا- عن عمر: أنه زاد فيها: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك، مرهوبًا ومرغوبًا إليك.
والجواب: أن هذا محمول على الجواز.
مع أنه قد روي: أن سعد بن أبي وقاص سمع بعض بني أخيه يلبي: لبيك ذا المعارج، فقال سعد: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون اقتصر على ذلك، [وعندنا يكرع ترك التلبية المشهورة].
قيل له: قوله: (سمعه وهو يلبي) يقتضي التلبية الشرعية، إلا أنه
الجزء: 1 - الصفحة: 186
زاد فيها، فأنكر عليه ذلك.
واحتج بأن التلبية مستحب فيها نفي الشرك، فيستحب نفي الشبيه والثناء، كالخطبة.
والجواب: أن الخطبة ليس فيها ألفاظ مشهورة مسنونة، فهي كالأذان والتكبير.
واحتج بأنه زاد على التلبية المشهورة، فصار كما لو قال: (لبيك إن العيش عيش الآخرة).
والجواب: أن الخلاف في ذلك كالخلاف في غيره.
واحتج بأنه ذكر يقصد به تحميد الله، والثناء عليه، فلا تكره الزيادة عليه بعد استيفائه، كالتشهد.
والجواب: أنا لا نكره الزيادة على ذلك إذا أوردها على وجه الذكر لله- تعالى- والتعظيم له، لا على أنها متصلة بالتلبية، وكذلك الزيادة على التشهد، ما يذكره من الدعاء بعده، ليس بزيادة فيه.
واحتج بأنه ذكر شرع تكراره بعد تمامه، فإذا ابيح بعده الذكر المباح، فإن الذكر من جنسه أولى، كالأدعية.
والجواب: أنا قد أجبنا عن هذا، وبينا الفرق بين التكرار وبين الزيادة.
الجزء: 1 - الصفحة: 187
38 -
مسألة
يقطع المعتمر التلبية إذا افتتح الطواف:
نص عليه في رواية الميموني والأثرم وحنبل وأبي داود فقال: يقطع التلبية إذا استلم الركن.
وقال الخرقي: ومن كان متمتعًا قطع التلبية إذا وصل إلى البيت.
وظاهر هذا: أنه يقطع برؤية البيت، ويجوز أن يحمل هذا من كلامه على أنه رأى البيت، وافتتح الطواف.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: إن كان قد أحرم بها من الميقات، فإذا دخل الحرم قطع، وإن كان أحرم من أدنى الحل، فإذا رأى البيت قطع.
دليلنا: ما روى حنبل بإسناده في ((مسائله)) عن عمرو بن شعيٍب، عن أبيه، عن جده قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمٍر، كل ذلك يلبي حتى يستلم الحجر.
وروى بإسناده عن ابن عباس قال: يقطع المعتمر التلبية حين يستلم الحجر.
وروى خلافه عن ابن عمر قال: يقطع المعتمر التلبية
الحديث: 38 - الجزء: 1 - الصفحة: 188
إذا دخل الحرم.
وأيضًا كل حالة لم يشرع فيها في التحلل لم يسن قطع التلبية فيها، كما لو يصل إلى الحرم.
وعكسه إذا أخذ في الطواف؛ لأنه قد شرع في سبب التحلل.
ولأنه إحرام بعمرة، فلم يقطع التلبية قبل الشروع في الطواف.
ودليله: إذا أحرم من أدنى الحل.
واحتج المخالف بأنه إحرام، فلم يقف قطع التلبية فيه على الطواف.
دليله: إحرام الحج.
والجواب: أنه يبطل به إذا أحرم من أدنى الحل.
ثم المعنى في الأصل: أنه يقطع عند الرمي، وهو الشروع في التحلل، وكذلك يفعل مثل هذا في العمرة، يقطع عند الشروع في التحلل.
39 -
مسألة
ويقطع الحاج التلبية حين يرمي جمرة العقبة:
نص عليه في رواية الأثرم وأبي داود: يلبي حتى يرمي جمرة العقبة.
الحديث: 39 - الجزء: 1 - الصفحة: 189
وفي رواية الميموني: يقطع عند أول حصاة.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك في الصحيح من الروايتين عنه: يقطع إذا زالت الشمس من يوم عرفة.
دليلنا: ما روى الأثرم بإسناده عن الفضل بن العباس: أنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من جمٍع إلى منى، فلم يزل يلبي حتى رمى الجمرة.
وروى بإسناده عن الحسين بن علي، عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يهل حتى رمى جمرة العقبة.
وروى بإسناده عن عبد الرحمن بن زيد قال: قال عبد الله- ونحن بجمع-: سمعت الذي أنزلت عليه سورة (البقرة) في هذا المكان يقول: ((لبيك اللهم لبيك)).
فإن قيل: يحمل هذا على الجواز دون الفضيلة.
قيل له: النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك الفضيلة إلى الجواز فيما لا يتكرر الفعل منه، والحج لم يتكرر منه.
ولأنه ندب إلى الاقتداء به بقوله عليه الصلاة والسلام: ((خذوا عني مناسككم)).
الجزء: 1 - الصفحة: 190
ولأن كل حالة لم يشرع فيها التحلل لم يسن قطع التلبية فيها.
دليله: قبل الزوال.
واحتج المخالف بما روى ابن شهاب قال: كانت الأئمة تقطع التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة، وسمى أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة.
والجواب: أن أبا بكر الأثرم روى بإسناده عن ابن عباس قال: سمعت عمر يهل بالمزدلفة، فقلت: يا أمير المؤمنين! فيم الإهلال؟ قال: وهل قضينا نسكنا بعد؟!.
وروى بإسناده عن ابن عباس قال: المعتمر يقطع التلبية إذا استلم الحجر، والحاج إذا رمى الجمرة يوم النحر.
[و] بإسناده عن أبي وائل قال: لم يزل عبد الله يلبي حتى رمى أول حصاة.
وبإسناده عن كريٍب قال: أرسلني ابن عباس مع ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فانبعث هودجها، فلم أزل أسمعها تلبي حتى رمت الجمرة التي عند العقبة.
وبإسناده عن عكرمة قال: أفضت مع الحسين بن على من المزدلفة، فلم أزل أسمعه بهل حتى رمى جمرة العقبة، فسألته عن ذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 191
فقال: أفضت مع أبي بكر من المزدلفة، فلم أزل أسمعه يهل حتى رمى جمرة العقبة، فسألته عن ذلك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى رمى جمرة العقبة.
وهذا كله يمنع الاحتجاج بما رووه.
واحتج بأن التلبية إجابة النداء الذي دعي إليه، فإذا انتهى إلى الموضع الذي دعي إليه فقد فعل ما وجب عليه، وانتهى إلى غاية ما أمر به، فلا معنى لاستدامتها فيما زاد على ذلك.
والجواب: أن التلبية إجابة للداعي بالحج كما ذكرت، ومعناها: ها أنا مجيب لما دعوتني، فمتى كان متلبسًا بالحج غير متحلل منه يجب أن تحسن منه الإجابة- التي هي التلبية- لأجل تلبسه بها، ومقامه عليها.
40 -
مسألة
لا يكره فعل العمرة يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق على ظاهر كلام أحمد في رواية أبي الحارث: يعتمر الرجل متى شاء؛ في شعبان، أو في رمضان:
وقد قال أحمد في رواية ابن إبراهيم فيمن واقع قبل الزيارة:
الحديث: 40 - الجزء: 1 - الصفحة: 192
يعتمر إذا انقضت أيام التشريق.
وظاهر هذا: انه لم ير العمرة في أيام التشريق.
والمذهب على ما حكينا؛ لأنه قد قال في رواية الأثرم: العمرة بعد الحج لا باس بها عندي.
وهو قول مالك والشافعي وداود.
وقال أبو حنيفة: يكره في هذه الأيام.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:196]، وهذا عام في هذه الأيام، وفي غيرها.
وأيضًا ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((العمرة إلى العمرة كفارة ما بينهما))، ذكره ابن بطة، ولم يفرق.
ولأنه زمان لا يكره الإحرام بالحج فيه، فلا يكره الإحرام بالعمرة فيه.
دليله: سائر الأيام.
وغن شئت قلت: كل وقت يصلح للطواف المجرد صلح للعمرة.
دليله: ما ذكرنا.
ولأنها عبادة يجب المضي في فأسدها، فلم يكره فعلها في هذه الأيام، كالحج.
الجزء: 1 - الصفحة: 193
أو نقول: أحد نسكي القران، فأشبه الحج.
فإن قيل: الحج لا يجوز فعله في سائر الأوقات، كذلك العمرة.
قيل له: إنما لم يجز فعله في سائر الأوقات؛ لأن له وقتًا يفوت فيه، والعمرة ليس لها وقت تفوت فيه.
ولأن الحج أكد في التخصيص بوقت من العمرة، ألا ترى أن أفعاله تختص بزمان، وأفعال العمرة لا تختص بزمان؟
ولأن أفعال العمرة لا تختص بوقت، فلم يختص أصلها بوقت، كالصدقة.
وعكسه الحج؛ لما اختصت أفعاله بوقت، اختص الإحرام بها بوقت.
واحتج بعض من نصر هذه المسألة بأن القارن إذا دخل مكة يوم عرفة، فإنه يبتدئ بالعمرة، ثم بالحج، ولو كان فعلها في يوم عرفة مكروهًا لما جاز للقارن فعلها فيه، والمخالف لا يسلم بهذا، بل يقول: إذا دخل مكة يوم عرفة وهو قارن، فإنه يرفضها، ويكره له المضي فيها.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة:3]، قيل في التفسير: يوم الحج الأكبر: يوم النحر، والحج الأكبر: الحج، فثبت أنه ليس بوقت لغيره.
والجواب: أنه لا يقتضي أن يكون هذا اليوم وقتًا للحج، وهذا
الجزء: 1 - الصفحة: 194
لا ينفي أن يكون وقتًا للعمرة من حيث اللفظ، وإنما ينفيه من حيث الدليل، وهم لا يقولون به.
وعلى أنه إنما خص هذا اليوم بالحج؛ لأن بعض أفعاله تختص بهذا اليوم، وتجوز في غيره، والعمرة لا تختص به، بل تجوز في غيره.
واحتج بما روى النجاد بإسناده عن عائشة: أنها قالت: العمرة في السنة كلها إلا يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.
ورواه الأثرم بإسناده عن عائشة قالت: حلت العمرة الدهر إلا ثلاثة أيام: يوم النحر، ويومين من أيام التشريق.
والجواب: أن ظاهر الخبر [مطرح؛ لأنها] كرهت العمرة، والعمرة عندهم هي الطواف والسعي، وذلك غير مكروٍه فعله عندهم في هذه الأيام، وإنما المكروه الإحرام بالعمرة، والإحرام ليس من العمرة عندهم.
واحتج بأنها عبادة غير مؤقتة بها تحليل، فوجب أن ينقسم وقتها إلى مستحب ومكروه.
دليله: صلاة التطوع.
والجواب: أنه لا تأثير لقولك: (غير مؤقتة) في الأصل؛ لأن الصلاة
الجزء: 1 - الصفحة: 195
المؤقتة لها وقت تكره فيه، وهي صلاة الفجر عند طلوع الشمس.
وعلى أنا نقلب العلة؛ فبقوله وجب أن تكون هذه الأيام وغيرها سواًء قياسًا على صلاة التطوع.
وعلى أن إلحاق هذه بالطواف أولى من إلحاقها بصلاة التطوع، وقد ثبت أن الطواف لا يكره فعله في هذه الأوقات، كذلك هاهنا.
وأجاب بعضهم عن هذا بأن صلاة التطوع لما اختصت فضيلة فعلها بوقت معين، وهي النوافل الراتبة، اختصت كراهيتها بوقت معين، ولما لم تختص فضيلة العمرة بوقت معين، لم تختص كراهيتها، وهذا غير صحيح عندنا؛ لأن فضيلة العمرة تختص بوقت معين، وهو غير أشهر الحج.
قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: في شهر رمضان أفضل، وهي في غير أشهر الحج أفضل.
وكذلك نقل الأثرم.
واحتج بحديث أم معقل وجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((عمرة في شهر رمضان تعدل حجة)).
وبما روى النجاد بإسناده عن ابن عمر قال: قال عمر رضي الله عنه: افصلوا
الجزء: 1 - الصفحة: 196
بين حجكم وعمرتكم؛ اجعلوا الحج في أشهر الحج، واجعلوا العمرة في غير أشهر الحج؛ أتم لحجكم وعمرتكم.
وبإسناده عن طارق شهاب: سئل عبد الله عن العمرة في أشهر الحج، فقال عبد الله: الحج أشهر معلومات، ليس فيهن عمرة.
41 -
مسألة
يجوز فعل العمرة في السنة دفعتين، وأكثر:
نص عليه في رواية ابن إبراهيم- وقد سئل عن العمرة في كل شهر مرة، أو مرتين- فقال: كل ذلك جائز، اعتمر في كل شهر مرارًا؛ إن شئت ثلاثًا، وإن شئت مرتين.
وكذلك نقل أبو داود، وقد سئل عن العمرة في كل شهر، فقال: أرجو ألا يكون به باس.
وكذلك نقل الأثرم وأبو الحارث.
وبهذا قال [أبو حنيفة] والشافعي.
وقال مالك: يكره أن يعتمر في السنة مرتين.
الحديث: 41 - الجزء: 1 - الصفحة: 197
دليلنا: ما روى أبو [هريرة عن] النبي صلى الله عليه وسلم: ((العمرة إلى العمرة كفارة ما بينهما)).
ولم يفصل بين أن يكون [ذلك في سنة]، أو سنتين.
وأيضًا ما روى: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن [بن أبي بكر] أن يعمر عائشة من التنعيم ليلة المحصب.
وهي ليلة الرابع عشر من ذي الحجة.
ومعلوم [أن عائشة] قد كانت اعتمرت من هذا الشهر عمرة أخرى؛ فإنها كانت قارنه في هذه السنة، [وذلك أنها أدخلت] الحج على عمرتها، فصارت قارنه في هذه السنة.
ويبين ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك)).
الجزء: 1 - الصفحة: 198
ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن على، وابن عمر، وعائشة، وأنس رضي الله عنهم:
أما على فروى النجاد بإسناده عن كجاهد [قال]: قال على: في كل شهر عمرة.
وبإسناده عن ابن عمر: أنه اعتمر عام القتال في شوال ورجب.
وبإسناده عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تعتمر من الجحفة بعد عمرتها من التنعيم بعد أيام التشريق.
وبإسناده عن أنس: أنه كان مقيمًا بمكة، وكلما جمم رأسه اعتمر؛ يعني: كلما نبت شعر رأسه بعد أن حلقه اعتمر.
ولأنها عبادة لا تختص بوقت معين، فجاز فعلها على التكرار والتوالي.
دليله: الصلاة النافلة، وصوم النافلة.
واحتج المخالف بأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في ذي الحجة، ثم أقام حتى دخل المحرم واعتمر، فلو جاز الجمع لجمع.
والجواب: أن هذا لا يمنع جواز الجمع بينهما، وإنما يدل على جواز التفريق، ونحن لا نمنع.
واحتج بأنها عبادة تشتمل على إحرام وطواف وسعي، فاقتضى
الجزء: 1 - الصفحة: 199
حكمها في الشرع أن تفعل مرة السنة، كالحج.
والجواب: أن الحج يختص بوقت معين، وذلك الوقت لا يتكرر، وإنما يكون في كل سنة مرة، وكذلك صوم رمضان، فلهذا لم يجز فعله إلا دفعة، والعمرة لا تختص بوقت معين، فهي كصلاة التطوع وصوم التطوع.
42 -
مسألة
العمرة واجبة:
نص عليه في رواية الأثرم، وبكر بن محمد، والمروذي، وإسحاق ابن إبراهيم.
وهو قول الجديد للشافعي وداود.
وقال في القديم: هي سنة.
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
دليلنا: ما روى أبو بكر الأثرم بإسناده عن أبي رزيٍن قال: قلت: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: ((حج عن أبيك واعتمر)).
وهذا أمر بفعل العمرة، والأمر يقتضي الوجوب.
الحديث: 42 - الجزء: 1 - الصفحة: 200
وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن سراقة بن مالك بن جعشم [أنه قال]: يا رسول الله! عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بل للأبد)).
فوجه الدلالة: أنه سأله عن التكرار، فدل على أن وجوبها في الأصل كان ثابتًا عنده.
وأن قوله: ((للأبد)) يريد به: الوجوب؛ لأن الاستحباب لا يختص بذلك العام، بل يتكرر في كل يوم، وفي كل وقت.
فإن قيل: لا حجة في هذا [على وجوب] العمرة ابتداء؛ لأن السؤال وقع عن عمرة بعينها كانت واجبة عندنا، وهي التي [أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن] يفسخوا بها إحرام الحج، ويتحللوا منه بعمل العمرة، فظن سراقة [أن ذلك يفعل كل سنة، فقال: أعمرتنا هذه التي تحللنا بها عن إحرام الحج، تفعل في كل سنة؟ فقال: ((لأبد الأبد))، ولا يجب نسخ الحج بها في كل سنة.
الجزء: 1 - الصفحة: 201
قيل له: قد سلمت بهذا الخبر: أنه قد كان هناك عمرة] واجبة، وادعيت نسخها، ومدعي النسخ يحتاج إلى دليل على أن النسخ منصرف على الفسخ، لا إلى فعل العمرة.
والذي يبين صحة هذا: أنه روي في بعض الألفاظ: حجنا هذا لعامنا أم للأبد؟ فقال: ((بل للأبد)) ولم يقل أحد: إن ذلك منسوخ.
وأيضًا ما روى عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: هل على النساء جهاد؟ قال: ((عليهن جهاد لا قتال فيه؛ الحج والعمرة)).
وتقديره: يجب عليهن جهاد؛ لأنها سألته عن وجوب ذلك.
وروى زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحج والعمرة فريضتان، لا يضرك بأيهن بدأت)).
وأنا ابن أبي مسلم في الإجازة قال: ثنا محمد بن أحمد بن تميم قال: ثنا جعفر بن محمد الفريابي قال: ثنا قتيبة قال: ثنا ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحج والعمرة
الجزء: 1 - الصفحة: 202
فريضتان واجبتان)).
فإن قيل: معناه مقدرتان؛ لأن الفرض في للغة هو التقدير.
قيل له: إن كان هذا معناه في اللغة، كان معناه في عرف الشرع الإيجاب، فوجب حمله عليه.
وعلى أن قوله: ((لا يضرك بأيهما بدأت)) يمنع أن يكون المراد به التقدير؛ لأن تقديرهما لا يوجب التسوية بينهما، وإيجابها يوجب التسوية بينهما في التقديم والتأخير.
فإن قيل: يحمل هذا عليه إذا دخل في العمرة.
قيل له: الفرض إذا أطلق فإنه يعقل منه الابتداء، ولأنه قال: ((لا يضرك بأيهما بدأت)) دل على أن المراد به الابتداء.
والقياس: أنه إحرام يتضمن الطواف والسعي، فوجب أن يكون من جنسه باسمه الخاص ما هو واجب ابتداًء قياسًا على الحج.
فإن قيل: نقول بموجب العلة؛ لأن الحج من جنس العمرة، وهو واجب ابتداء.
قيل: نحن قلنا: (من جنسه باسمه الخاص) واسمها الخاص هو العمرة، أو الحج الأصغر، ولا يجب بهذين الاسمين عند المخالف ابتداء.
الجزء: 1 - الصفحة: 203
وإن شئت قلت: العمرة عبادة يحرم فيها لبس المخيط والطيب، أو يحرم فيها قتل الصيد، فوجه ذلك [أن] يكون لها مدخل في الوجوب ابتداء، ويجب أن يكون الواجب من جنسها باسمها الخاص كالحج؛ لأن العمرة أحد نسكي القرآن، [فوجب أن] يكون له مدخل في الوجوب كالحج، ولأن العمرة أجريت مجرى الحج في الإحرام [والإحلال، ووجوب] المضي فيها بعد الإفساد، ولزوم الكفارة والقضاء بإفسادها، وتحريم ما يحرم فيه من الطيب، والمحيط، وقص الأظفار، وحلق الشعر، وقتل الصيد، [ونحو ذلك]، فوجب أن يكون حكمهما في الوجوب سواء.
فإن قيل: [الحجة الثانية موافقة للأولى في جميع هذه الأحكام، وتخالفها في الوجوب، كذلك العمرة.
قيل: الحجة الثانية] مكررة، والمبتدأ واجبة، كذلك العمرة يجب أن يكون مبتدؤها واجبًا، والمتكرر منها ليس بواجب.
[و] احتج المخالف بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ
الجزء: 1 - الصفحة: 204
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، فلو كانت العمرة واجبة لأخبر بوجوبها، كالحج.
والجواب: أن اسم الحج واقع على الحج والعمرة، يدل عليه قوله تعالي: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة:3]، فدل على أن العمرة هي الحج الأصغر.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كتب إلى عمرو بن حزم: ((والعمرة الحج الأصغر)).
وعلى أن السنة قد دلت عليها.
واحتج بما روى أبو صالح الحنفي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الحج جهاد، والعمرة تطوع)).
والجواب: أن هـ قد قيل: إن أبا صالح الحنفي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل.
على أن قوله: ((الحج جهاد)) معناه: شاق، ولا تطاوع النفس على عمله لصعوبته ومشقته، كالجهاد.
((والعمرة تطوع)) معناه: أنها خفيفة تطاوع النفس على عملها
الجزء: 1 - الصفحة: 205
لخفتها؛ لأنها طواف وسعي.
ولأنه لم يرد بالخبر تشبيه الحج بالجهاد في الوجوب؛ لأن الحج من فرائض الأعيان، فلا يصح تشبيهه بالجهاد الذي هو من فرائض الكفايات، وإنما أراد: أن ثواب الحج كثواب الجهاد؛ لأن مشقته كبيرة، وثواب العمرة كثواب التطوع؛ لأنها أخف خالًا منه.
واحتج بما رواه حجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: ((لا، وأن تعتمر خير لك)).
والجواب: أنه قد قيل: إن حجاجًا مدلس، وكان يعرف عند أصحاب الحديث بالكوفي المدلس.
وعلى أنه يحتمل أن يكون السائل سأله عن حكم نفسه، وكان قد اعتمر، فلم يوجبها عليه.
[من]: أنه أجابه بجواب يختصه، فقال: ((وأن تعتمر خير لك)).
وعلى أنا نقابل هذا بما روينا [من] قوله: ((الحج والعمرة فريضتا ربك)).
[...] أكثر ما أولى؛ لأنه يعضده قول ابن عمر، [وابن عباس].
الجزء: 1 - الصفحة: 206
فروى الأثرم بإسناده عن ابن عمر قال: ليس من أحد إلا وعليه حجة وعمرة.
وبإسناده عن ابن عباس قال: الحج والعمرة واجبتان.
واحتج بما روى أنس: أن رجلًا [جاء، فقال: يا] محمد! أتانا رسولك فزعم أن علينا خمس صلوات، وذكر الزكاة، وصوم [رمضان، وحج] البيت من استطاع إليه سبيلًا، قال: ((صدق)) قال: فبالذي أرسلك، [الله أمرك بهذا]؟ قال: ((نعم)) قال: فو الذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((والله، لئن صدق ليدخلن الجنة)).
فوجه الدلالة: أن العمرة لو كان [كانت واجبة؛ لأنكر قوله]: لا أزيد شيئًا؛ لأنه نفي فرٍض آخر.
والجواب: أنه إنما لم يذكر العمرة باسمها الخاص؛ لأن اسم الحج يتناولها من الوجه الذي ذكرنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 207
واحتج بما روى سراقة بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)).
ومعناه -والله أعلم-:أن الحج ينوب عن العمرة؛ لأن الحج ينتظم أفعال العمرة، ويزيد عليها.
والجواب: أن هـ يحتمل: أن هـ يريد به جواز الجمع بينهما، فتكون العمرة داخلة في أفعال الحج، ويجزئه عمل الحج إذا قرن.
واحتج بأن العمرة نسك مقصود بعينه غير مؤقت، فأشبه طواف القدوم.
ولا يلزم عليه السعي؛ لأنه غير مقصود بعينه، وكذلك الإحرام.
والجواب: أن اللعمرة مؤقتة عندكم؛ لأنه لو أهل بها يوم النحر وأيام التشريق لم تجز، وكان عليه أن يرفضها.
وعلى أن الطواف المجرد دليل لنا؛ لأن الواحد من جنسه وصورته واجب، وهو طواف الزيارة في الحج، [فـ]ــوجب أن يكون الواحد من جنس العمرة باسمها وصورتها واجب.
ولأن نفي التوقيت في اللعبادة لا ينفي الوجوب بدليل الجهاد، والزكاة، وقضاء الصلاة.
واحتج بأن العمرة بعض أعمال الحج، فوجب أن لا تجب
الجزء: 1 - الصفحة: 208
على الانفراد، كالطواف.
والجواب: أن صلاة الصبح والمغرب بعض الصلاة الرباعية، ومع هذا فهما واجبتان على الانفراد.
على أن الطواف المجرد لا يحتاج إلى إحرام وإحلال، ولا يحرم فيه الطيب والمخيط، وليس كذلك العمرة؛ لأنها تفتقر إلى إحرام وإحلال، ويحرم فيها الطيب ولبس المخيط، فيجب أن يكون لها مدخل في الوجوب ابتداًء، كالحج.
واحتج بأنها عبادة غير مؤقتة من جنسها فرض مؤقت، فوجب أن تكون تطوعًا، كصلاة النافلة.
والجواب: أنا قد بينًا أن نفي التوقيت لا ينفي الوجوب.
ويبين صحة ذلك: أن الإحرام والسعي غير مؤقت، وهما واجبان، وكالطواف والرمي المؤقت.
وعلى أن هذا يبطل بالصلاة المنذورة، والصوم المنذور؛ فإنه غير مؤقت، ومن جنسه فرض مؤقت، ومع هذا فهو واجب.
وعلى أن الصلوات المفروضات لها فوائت من جنسها في وقتها، والحج ليس له قضاء فائت من جنسه في وقته، فلم يكن له تطوع في غير وقته.
الجزء: 1 - الصفحة: 209
أو نقول: [الصلاة لما كان من جنسها] فرض مكرر في غير وقتها، ولما لم يكن للحج فرض يتكرر في غير وقته، لم يكن له نفل.
واحتج بأنها لو كانت واجبة لاستوى فيها المكي وغيره، كالحج.
وقد قال أحمد في رواية الأثرم- وقد سئل عن عمرة أهل مكة- فقال: أهل مكة ليس عليهم عمرة، إنما قال الله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:196].
فقال له الأثرم: إنما ذاك في الحج في المتعة، فأما العمرة التي تجب على الناس، كما يجب الحج، فكيف تسقط عنهم؟
فقال: كان ابن عباس يقول: العمرة واجبة، ويقول: يا أهل مكة! ليس عليكم عمرة، وإنما عمرتكم بطوافكم بالبيت.
قيل له: فإن إمامتهم بك تحرمهم من العمرة، فقال: نعم.
وكذلك نقل عبد الله، وبكر بن محمد، والميموني، وهذا يقتضي: أنه لم يوجبها عليهم.
والجواب: أنه قد أطلق القول بوجوب العمرة في المواضع التي حكيناها عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 210
وقال في رواية أبي طالب، وحرب، والفضل: العمرة واجبة فريضة.
فيدخل فيه أهل مكة وغيرهم، وهو المذهب، وهو قول شيخنا.
والموضع الذي نفى العمرة عنهم أراد به: نفي دم التمتع.
وعلى أنه لو سلم ذلك لم يمتنع أن يسقط عنهم، ويجب على غيرهم لوجوده.
أحدها: ما احتج به أحمد في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196].
ولا معنى لقوله: إن الاستثناء رجع غلى إسقاط الدم؛ لأنه راجع إلى الجميع، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 4 - 5] رجع الاستثناء إلى الجميع.
والثاني: ما احتج به -أيضًا- مما رواه أبو حفص العكبري بإسناده عن عطاء، عن ابن عباٍس قال: يا أهل مكة! ليس عليكم عمرة، فإن كنتم معتمرين لا محالة، فاجعلوا بينكم وبين مكة واديًا.
ولا يعرف له مخالف.
ولأنه لو كانت العمرة واجبة في حقهم، لكان مقيات الحج في حقهم ميقاتًا للعمرة، كأهل البلدان لما كانت مواقيت الحج في حقهم
الجزء: 1 - الصفحة: 211
ميقاتًا لعمرتهم كانت واجبة عليهم، ولما كان ميقات الحج في حقهم الحرم، وميقات العمرة من الحل، دل على أنها غير واجبة.
فإن قيل: إنما اختلف ميقاتهما؛ ليحصل له الجمع بين الحل والحرم في العمرة، ولو أحرم بها من مكة لم يحصل له ذلك.
قيل: النبي صلى الله عليه وسلم جعل [ميقاتهم] من مكة، فقال في حديث ابن عباس -وذكر المواقيت-: ((حتى أهل مكة يهلون من مكة))، ولم يفرق بين الحج والعمرة.
ولأن دم التمتع لا يجب عليهم، ويجب على غيرهم.
فإن قيل: إن غيرهم أهل بالإحرام من المقيات.
قيل: المتمتع لا يجب عليه الإحرام بالحج من المقيات، وإنما يجب عليه أن لا يجاوز المقيات إلا محرمًا، وقد أحرم منه بالعمرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 212
43 -
مسألة
التمتع أفضل من الإفراد والقران، والإفراد أفضل من القران:
نص عليه في رواية صالح، وعبد الله، فقال: الذي نختار المتعة؛ لأنه آخر ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو [أن] يعمل لكل واحد منهما على [حدة.
وبهذا] قال في الصحابة: ابن عباس، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وفي التابعين: [الحسن، وعطاء]، ومجاهد، حكاه أبو عبد الله بن بطة في جزء مفرد في فسخ الحج.
ونقل المروذي: [إن ساق الهدي] فالقران أفضل، فإن لم يسق فالتمتع، نقلها أبو حفص.
وقال أبو حنيفة: [القران أفضل من التمتع] والإفراد.
وقال مالك والشافعي وداود: الإفراد أفضل.
دليلنا: ما روى أحمد في ((المسند)) قال: ثنا حجاج قال: ثنا ليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوادع بالعمرة إلى الحج، وأهدى،
الحديث: 43 - الجزء: 1 - الصفحة: 213
فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، وكان من الناس من أهدى، فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال لناس: ((من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل له شيء حرم عليه حتى يقضي حجته، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، وليتحلل، ثم ليهل بالحج، وليهد، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أياٍم في الحج، وسبعٍة إذا رجع إلى أهله))، وذكر الخبر.
وروى أحمد عن حجاج قال: ثنا ليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير: أن عائشة أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالعمرة إلى الحج، وتمتع الناس معه، بمثل الذي أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى أحمد في ((المسند)) قال: ثنا يحيى بن آدم: ثنا سفيان، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من نهى عنها معاوية.
الجزء: 1 - الصفحة: 214
وروى أبو عبد الله بن بطة في ((سننه)) قال: ثنا القاضي المحاملي، قال: ثنا زياد بن أيوب قال: ثنا شبابه قال: ثنا شعبة، عن مسلم القرى: سمع ابن عباس يقول: أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرٍة، وأهل أصحابة بالحج.
وروى أبو عبد الله قال: ثنا أبو بكر محمد بن محمود قال: ثنا الأشعث حمد بن المقدام العجلي، قال: نا المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن طارق، عن ابن عباس قال: عجبت لمعاوية، وهو يقول في المتعة، وهو حدثني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمتع، فقصر بمشقٍص.
وروى أحمد في ((المسند)) قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو منيخ بالأبطح، فقال لي: ((حججت؟)) قلت: نعم، قال: ((فبم أهللت؟)) قال: قلت: لبيك بإهلاًل كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((قد أحسنت)) قال: ((طف بالبيت، وبالصفا والمروى، [ثم أحل])).
ثم أتيت امرأة من بني قيس، ففلت رأسي، ثم أهللت بالحج، فكنت أفتي به الناس حتى كانـ[ـــت] خلافة عمر، فقال لي رجل: يا أبا موسى! -أو يا عبد الله بن قيس! -رويدك بعض فتياك؛ فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك [بعدك]، قال: فقال: يا أيها
الجزء: 1 - الصفحة: 215
الناس! من كنا أفتيناه فتيا، فليتئد؛ فإن أمير المؤمنين قادم عليكم، فبه فائتموا، قال: فقدم عمر، فذكرت ذلك لعمر، فقال: إن آخذ بكتاب الله، فإن كتاب الله يأمر بالتمام، وإن آخذ بسنة رسول الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى بلغ الهدي محله.
وروى أبو حفص بإسناده عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر قبل أن يحج.
وروى بإسناده عن ابن عباس قال: تمتع النبي صلى الله عليه وسلم.
قال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون! أقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: نهى أبو بكر، وعمر، وعثمان! وأول من نهى عنه معاوية.
قد ذكر أبو الحسن بن المظفر الحافظ في ((سننه)) من المناسك بابًا، وساق فيه أخبارًا كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه تمتع، وعن جماعة من الصحابة: أنهم اختاروا ذلك، منهم على وغيرة.
وإذا ثبت بهذه الأخبار: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعًا، ثبت: أن التمتع أفضل؛ لأنه لا يختار من العمل إلا أفضله، سيما فيما لا يتكرر فعله، والحج لم يتكرر من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:153].
الجزء: 1 - الصفحة: 216
فإن قيل: كيف يجوز أن تعتقدوا صحة هذه الأخبار، وقد رويتم من الطرق الصحاح: ن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفردًا، وكذلك أصحابه، وأنه فسخ على أصحابه، فاعترضوا عليه، فقال: (([لو] استقبلت من أمري ما استدبرت، لجعلتها عمرًة، ولكن لبدت رأسي))، واعتمدتم على ذلك في جواز فسخ الحج إلى العمرة، فلا يخلو:
إما أن يكون ما رويتموه من التمتع باطلًا، وما رويتموه من الإفراد صحيحًا، فلا يصح احتجاجكم به في فعل التمتع.
أو يكون ما رويتموه من التمتع صحيحًا، وما رويتموه من الإفراد باطلًا، فلا يصح احتجاجكم به في فسخ الحج.
قيل: يمكن الجمع بينهما من غير إسقاط أحدهما، وهو: أنه حين أمر أصحابه بالفسخ كان محرمًا بالحج، وكانت العمرة قد سبقت منه، وتحلل منها، وهذا ظاهر حديث ابن عمر: بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج.
فبين أن العمرة سبقت منه، ثم أحرم بالحج، فحصل أمره لهم بالفسخ في حال تلبسه بالحج، وامتنع من الفسخ بعد ذلك لوجهين:
أحدهما: أنه كان قد ساق الهدي.
الجزء: 1 - الصفحة: 217
والثاني: لأنه قد [تقدمت منه العمرة]، فلا فائدة في الفسخ.
فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم جعل العلة في امتناعه [من الفسخ سوق] الهدي، ولم يجعل العلة وجود عمرة منه، وتأسف على الفسخ، ولو سبقت منه عمرة [ما تأسف] على ذلك.
قيل: يجوز أن يذكر إحدى العلتين، ولا يذكر الأخرى، كما جاز أن يذكر بعض العلة، ويكل الباقي إلى المجتهد.
وأما تأسفه على الفسخ، فلأنه أحب الوفاق بينه وبين أصحابه في الفعل، ولم يحب الاختلاف.
يبين صحة هذا: ما رواه أبو داود بإسناده عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:)) لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي، ولأحللت مع الذين أحلوا من العمرة)).
قال: أراد أن يكون أمر الناس واحدًا.
وقد ذكر ذلك في حديث عائشة: ((أحب أن يكون أمر الناس واحدًا)).
فإن قيل: قوله: ((وتمتع الناس معه)) يمنع أن يكونوا محرمين بالحج.
الجزء: 1 - الصفحة: 218
قيل: قوله: ((تمتع الناس معه)) محمول عليه لما فسخ عليهم حجتهم، فصاروا معتمرين.
وطريقة أخرى اعتمد عليها أحمد في رواية الجماعة؛ صالح، وعبد الله، وابن منصور، وابن هانئ، فقال: المتعة آخر الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن يحلوا؛ يعني: من حجهم ليتمتعوا.
وقد روي ذلك من طرق:
فروى أحمد في ((المسند)) بإسناده عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم يومئٍذ هدي، إلا النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة، وكان على قدم من اليمن، ومعه هدي، فقال: أهلت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة، [و] يطوفوا، ثم يقصروا -فلما قدم مكة قال: ((اجعلوها عمرًة)) فهو آخر الآمر به - و [يـ] حلوا إلا من كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منًى، [وذكر أحدنا يقطر]، فبلغ ذلك صلى الله عليه وسلم فقال: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، وما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت))، وذكر الخبر.
وروى -أيضًا- بإسناده عن أنس قال: خرجنا نصرخ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة، فقال: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لجعلها عمرًة، ولكن سقت الهدي، وقرنت
الجزء: 1 - الصفحة: 219
بين الحج والعمرة)).
وروى بإسناده عن عائشة قالت، خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرى إلا أنه الحج، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه الهدي أن يمضي على إحرامه، ومن لم يكن معه الهدي أن يحل إذا طاف.
وروى -أيضًا- بإسناده عن ابن عباس قال: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجًا، فأمرهم، فجعلوها عمرة، ثم قال: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لفعلت كما فعلوا، ولكن دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)) [ثم أنشب] أصابعه بعضها في بعض، فحل الناس كلهم إلا من كان معه هدي.
فوجه الدلالة من هذه الأخبار من وجهين:
أحدهما: أنه فسخ عليهم الحج إلى العمرة.
والثاني: أنه تأسف على ذلك.
فلولا أن التمتع أفضل لم يأمر به، ولم يتأسف عليه.
فإن قيل: لم يأمرهم بالفسخ لفضيلة التمتع، لكن لأنهم ما كانوا
الجزء: 1 - الصفحة: 220
يعتقدون [أن] العمرة في أشهر الحج جائزة, وكانوا يقولون: إذا انسلخ صفر, وبرا الدبر, وعفا الأثر, فقد حلت العمرة لم اعتمر.
قيل: لم يكن الفسخ لهذه العلة, وإنما كان للمعنى الذي ذكرنا لوجهين:
أحدهما: أنه لو كان كما قالوه, لم يخص به من لم يسق الهدي؛ لأن الجميع كانوا في الاعتقاد على حد سواء.
والثاني: أنه لو كان كذلك, لم يتأسف على الفسخ إلى العمرة؛ لأنه كان يعتقد جوازها في أشهر الحج, فلما جعل العلة في منع الفسخ في حقه سوق الهدي, امتنع أن تكون العلة ما قالوه, وكان يجب أن يقول: أنا معتقد لجوازها.
وروى أبو حفص العكبري بإسناده عن أسماء بنت أبي بكر قال: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا الزبير, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان معه هدي فليتم في إحرامه, ومن لم يكن معه هدي فليحلل)) , وكان مع الزبير هدي, فأقام على إحرامه.
وقد صرح بأن العلة سوق الهدي:
فروى أبو داود بإسناده عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أنها قالت: قلت
الجزء: 1 - الصفحة: 221
لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شأن الناس حلوا, ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: ((إني لبدت رأسي, وقلدت هديي, فلا أحل حتى أنحر)).
وفي رواية ابن بطة قالت حفصة: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمرٍة, فقلت: يا رسول الله! ما يمنعك أن تحل؟ قال: ((إني أهديت, ولبدت)).
فإن قيل: فالدلالة على [أن] الفسخ لم يكن لهذه العلة: ما رواه ابن بطة بإسناده عن بلال بن الحارث المزني, عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! فسخ الحج لنا, أو لمن بعدنا؟ فقال: ((لا, لنا خاصة)).
فلو كان المراد به فضيلة التمتع, لم يختص به؛ لأن فضيلة ذلك عامة في كل الناس.
قيل له: معنى قوله: ((لنا خاصة)) من بين من ساق الهدي, دون من لم يسق؛ لأن من ساق لا يجوز له الفسخ.
وجواب آخر, وهو: أن هذا الحديث ضعيف.
قال عبد الله: قيل لأبي: حديث بلال بن الحارث؟ قال: لا أقول به, ولا نعرف هذا الرجل, ولم يروه إلا الدراوردي, وحديث بلال عندي ليس يثبت؛ لأن الأحاديث التي تروى: ((اجعلوا حجكم عمرة)).
وقال في رواية الفضل, وابن هانئ: من الحارث بن بلال؟ ومن روى عنه؟ أبوه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, فأما هو لا.
الجزء: 1 - الصفحة: 222
وقال في رواية [الميموني: أرأيت] لو عرف بلال بن الحارث إلا أن أحد عشر رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [يرون] ما يرون [من الفسخ] , أين يقع بلال بن الحارث منهم؟
فقد قابل أحمد بين رواية بلال, وبين رواية غيره, ورجع رواية غيره- وأنها على العموم من غير تخصيص- بكثرة العداد.
وقال في رواية: ليس يصح حديث في أن الفسخ كان لهم خاصة, وهذا أبو موسى الأشعري يفتي به في خلافة أبي بكر الصديق, وشطٍر من خلافة عمر.
فقد بين أحمد في رواية الفضل وابن هانئ وجه ضعفه, وأنه من جهة الحارث بن بلال, وأنه مجهول لا يعرف.
فإن قيل: فالذي يعضد هذه الرواية ما روى ابن بطة بإسناده عن أبي ذر قال: لم يكن لأحد أن يفسخ حجة إلى عمرة, إلا الركب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة.
قيل: قد قال أحمد في رواية الأثرم: رواه مرقع الأسدي عن أبي ذر: شاعر من الكوفة, ولم يلق أبا ذر.
وعلى أن هذا تأويل من أبي ذر, فلا يلزم قبوله, ويعارضه ما رواه
الجزء: 1 - الصفحة: 223
أبو حفص بإسناده عن ابن عباس: أنه كان يأمر القارن أن يجعلها عمرة إذا يسق الهدي.
وجوب آخر عن هذا الخبر,] و [الذي قبله, وهو: ما رواه ابن بطة في مسألة مفردة بفسخ الحج بإسناده عن جابر بن عبد الله: أن سراقة ابن مالك بن جعشٍم سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أرأيت ما أمرتنا به من المتعة, وإحلالنا من حجتنا, ألنا خاصة, أم هو شيء للأبد؟ قال: ((بل هي للأبد)).
وفي لفظ آخر قال: يا رسول الله! فسخ الحج لنا خاصة, أم للأبد؟ فقال: ((بل للأبد)).
ومعنى قوله: ((هي للأبد)) يريد: حكم الفسخ باق على الأبد.
وروى طاوس قال: علي رضي الله عنه هـ الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم: الفسخ لمدتنا هذه أم لأبد؟ قال: ((للأبد)).
وروى طاوس: قال له رجل: مدتنا هذه؟ قال: ((لا, بل للأبد)).
وهذه الألفاظ تدل على أنهم لم يكونوا مخصوصين بذلك.
والقياس على أبي حنيفة: أن إفراد النسكين عن الآخر أفضل من الجمع بينهما قياسًا على حجة كوفية وعمرة مفردين: أنهما أفضل
الجزء: 1 - الصفحة: 224
من القران, وإلى هذا المعنى أشار أحمد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه أنشأ لكل واحد منهما سفرًا من أهله, وليس كذلك إذا قرن؛ لأنه أتى بهما في سفر واحد, وزيادة السفر أفضل؛ لأنه أشق.
قيل: إذا أحرم من الميقات بالعمرة, ثم حج مفردًا يجب أن يكون أفضل من القران من الميقات؛ لأن كل واحد منهما أفده بقطع مسافة, ولأن عمل المفرد أكثر من عمل [القارن؛ يغتسل] غسلين, ويصلي مرتين, ويتجرد تجردين, [ويلبي تلبيتين] , ويحلق حلقين, [ويطوف طوافين] بإجماع, والقارن مختلف فيه؛ فعندنا طواف واحد, وعندهم طوافان, [فكان فعل] العمل على سبيل الوجوب بالإجماع أولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 225
[وإن شئت قست بهذه العبارة على المكي فقلت: إفراد أحد النسكين عن الآخر أفضل من الجمع بينهما.
دليله: المكي.
فإن قيل: المكي يكره له القران والتمتع.
قيل: عندنا لا يكره, بل لهم القران والتمتع, وإنما لا يجب [عليهم الدم.
فإن قيل: المكي لا دم عليه, وغير المكي عليه دم, وذلك الدم زيادة نسك.
قيل له: عندك يجب على المكي دم, ويكون دم جبران.
وعلى أن غير المكي يجب عليه دم التمتع, وكان يجب أن كون أفضل من القران, وعندك أن القران أفضل.
والقياس على الشافعي: أن في التمتع زيادة نسك ليس ف الإفراد ما يوازنه, وهو الدم, وذلك أن دم التمتع نسك, وليس بدم جبران؛ لأنه لو كان على وجه الجبران ما أتيح له التمتع بغير عذر, لأنه لا يجوز أن يحرم إحرامًا ناقصًا يحتاج أن يجبر النقصان بدم.
ولا يلزم عليه الحلق إذا كان به أذى من رأسه؛ لأنه لا يجوز بغير عذر, وكذلك الطِّيب واللبس.
الجزء: 1 - الصفحة: 226
ولأنه لا يتعلق بدم يحظره الإحرام في الأصل, فوجب أن لا يكون دم جناية قياسًا على دم التطوع.
ولا يلزم عليه دم اللباس والحلاق والطيب؛ لأنه يتعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل, وإنما تباح له هذه الأشياء للعذر.
ولا يلزم عليه- أيضًا- دم الإحصار؛ لأنه يتعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل, وه التحلل قبل استيفاء موجب الإحرام.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أبي طالب فقال: إذا دخل بعمرة يكون قد جمع الله له عمرة وحجة ودمًا.
وإذا ثبت أنه نسك, وجب أن يكون التمتع أفضل من الإفراد؛ لاختصاصه بزيادة نسك, وليس في الإفراد ما يوازنه ويقاربه.
فإن قيل: فيجب أن يكون القران أفضل من الإفراد بهما لهذا المعنى الذي ذكرت.
قيل: لا يلزمنا؛ لأنا قلنا: التمتع يختص بزيادة نسك, وليس في الإفراد ما يوازنه, وفي الإفراد زيادة نسك ليس في القران, وه أنه يفرد كل واحد منهما بقطع مسافة, وإحرام مفرد, وغسل, وصلاة, وطواف, فلم يجز أن يكون القران أفضل منه.
الجزء: 1 - الصفحة: 227
وليس كذلك التمتع؛ فإنه قد ساوى المفرد في جميع هذه الأفعال, وزاد عليه بالدم, فكان أفضل.
فإن قيل: لو كان دم نسك لم يدخله الصوم, كالهدى والأضحية, فلما دخله الصوم دل على أنه جاٍر مجرى الجبران.
ولأنه لو كان نسكًا لوجب أن يستوي فيه التمتع والإفراد كسائر المناسك, ولما اختص بع التمتع والقران دل على أنه دم جبران.
قيل: دخول الصوم فيه لا يخرجه عن أن يكن نسكًا وقربة؛ لأن الصوم بدل, والقرب تدخلها الإبدال, كالصلاة والصيام الفرض تقضى وإن كان القضاء بدلًا.
وأما اختصاص التمتع والقران به, فلا يمنع كونه نسكًا, كما أن الإفراد والتمتع يختصان بطوافين؛ أحدهما للعمرة, والثاني للحج, وسعيين, والقارن يقتصر على أحدهما, ثم] لم يمنع من كونه نسكًا, كذلك هاهنا.
وكذلك لو نذر حجة يهدي فيها هديًا, فإن هذا اهدي واجب] ,
الجزء: 1 - الصفحة: 228
وهو نسك, ويختص بالحجة المنذورة, والنذر في هذا كالتمتع؛ لأن سبب وجود الهدي هناك من جهته, وسبب التمتع من جهته أيضًا.
وكذلك الإحرام من الميقات نسك في حق المفرد؛ فإنه لا يجوز مجاوزة الميقات بغير إحرام, وليس بنسك في حق المتمتع؛ لأن إحرام المتمتع بالحج من مكة.
وعلى أنه إنما اختص بالتمتع؛ لأنه يوجد سببه, هو الترفه بأحد السفرين, ولا يوجد غيره.
واحتج من قال: (إن القران أفضل) بما روى أنس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصرح صراخًا: ((لبيك بعمرٍة وحجٍة معًا)).
وروى أنس- أيضًا- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتاني جبريل في هذا الوادي المبارك, وقال: قل: حجة في عمرٍة)).
والجواب: أن الحديث الأول يحتمل أن يكون أنس سمع النبي صلى الله عليه وسلم, وهو يلقن القارن تلبيًة, فظن أنه يلبي بهما عن نفسه.
ويحتمل أن يكون سمعه في وقتين, كما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استقبال القبلتين, وكان ذلك في وقتين مختلفين, وتكون الدلالة على هذا: ما روينا من حديث ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم.
وأما الحديث الثاني فيحتمل أن يكون المراد به: عمرة داخله في
الجزء: 1 - الصفحة: 229
حجة, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)).
واحتج بما روي عن علي: أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: ((بم أهللت؟)) قلت: بإهلاٍل كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: ((إني سقت ولبدت)).
وقالت عائشة: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثًا سوى عمرته التي قرنها بحجته.
وقال ابن عباس: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعًا: أحدها عام الحديبية, والثانية عمرة القضاء, والثالثة من الجعرانة, والرابعة التي قرنها بحجته.
والجواب: أنا نحمل قوله: (قرنها) بمعنى: فعل الحج بعد العمرة.
وكذلك قول عائشة: سوى عمرته التي قرنها بحجته؛ يعني: سوى التي فعل الحجة بعدها.
الجزء: 1 - الصفحة: 230
وقد يسمى ذلك قرانًا من طريق اللغة؛ لأن من فعل الحج عقيب العمرة، فقد جمع [أحدهما إلى] الآخر، وقرنها بها، كما يقال: جمع بين الصلاتين؛ إذا صلى إحداهما عقيب الأخرى.
واحتج بما روي عن عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي صل الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: "أتاني الليلة آت من ربي، وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة ".
والجواب: أنه يحتمل أن يكون المراد به: عمرة داخلة في حجة، كما قال النبي صل الله عليه وسلم: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ".
واحتج بما روى صبي بن معبد قال: كنت رجلاً نصرانيًا، فأسلمت، وأهللت بعمرة وحجة، فجئت إلى القادسية، فرآني سلمان بن ربيعة وزيد [بن صوحان أخو صعصعة بن] صوحان، فقالا: هذا أضل [من]
الجزء: 1 - الصفحة: 231
بعيره، فظللت كأني أحمل بعيري على عاتقي، فرأيت عمر بالموسم، فأخبرته بذلك، فقال: ما قالا شيئًا، هديت لسنة نبيك.
والجواب: أن أكثر ما في هذا: [أن] القرآن سنة، وليس الخلاف في ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل.
وليس في هذا ما يدل على التمتع، فروى أبو عبيد في كتاب "الناسخ والمنسوخ "عن طاوس، عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: لو اعتمرت، ثم اعتمرت، ثم حججت، لتمتعت.
وهذا يدل على أنه كان يرى التمتع.
وروي عنه في حديث آخر رواه النجاد: افصلوا بين الحج والعمرة؛ فإنه أتم لحجكم وعمرتكم.
ولو كان معنى الخبر عنده: القرآن، لم يأمر الناس بخلافه.
وروى أبو جعفر العكبري بإسناده عن طاوس: أن عمر بن الخطاب قال: لو اعتمرت وسط السنة لتمتعت، ولو حججت خمسين حجة لتمتعت.
واحتج بأن المبادرة إلى فعل العبادتين أولى عندكم، كما قلتم في تعجيل الصلاة في أول وقتها، وهذا يحصل بالقران.
الجزء: 1 - الصفحة: 232
والجواب: أن تأخير الصلاة ليتم العمل أولى عندنا، ألا ترى أنه يؤخرها لطلب الماء، وطلب الجماعة؟ كذلك هاهنا.
واحتج بأن القران يتضمن إيجاب دم هو نسك، فكان أفضل من الإفراد كالتمتع.
والجواب: أن التمتع يتضمن إيجاب دم هو نسك، مع مساواة التمتع للإفراد في استيفاء أفعال الحج وأفعال العمرة على الإنفراد، والقران يتضمن إيجان دم هو نسك من [غير] استيفاء أفعال كل واحد على الإنفراد.
واحتج من قال بالإفراد بما روى زيد بن أسلم قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن حج النبي صل الله عليه وسلم فقال: أفرد الحج، فلما كان العام المقبل أتاه، فسأله عنه، فقال: أليس قد أعلمتك عام أول: أنه أفرد الحج؟! فقال: أتانا أنس بن مالك، فأخبرنا: أن النبي صل الله عليه وسلم قرن، فقال ابن عمر: إن أنس بن مالك كان يتولج على النساء- وهن منكشفات- لا يستترن لصغره، وكنت أنا تحت ناقة رسول الله صل الله عليه وسلم يسيل لعابها.
وروى عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي صل الله عليه وسلم
الجزء: 1 - الصفحة: 233
استعمل عتاب بن أسيد على الحج فأفرد، ثم استعمل [أبا بكر سنة] تسع، فأفرد الحج، ثم حج النبي صل الله عليه وسلم سنة عشر، فأفرد، ثم توفى، [فاستحلف أبو بكر، فبعث] عمر، فأفرد الحج، ثم حج عمر سنيه كلها، فأفرد، ثم توفى عمر، واستخلف عثمان، فأفرد الحج، ثم حصر عثمان، فأقام عبد الله بن عباس للناس، فأفرد الحج.
والجواب: [أن قوله: (أفرد الحج) معناه: أفرد] عمل الحج عن عمل العمرة، وأراد بذلك بطلان قول من يقول: [إن القران أفضل.
وتكون الدلالة على صحة هذا]: ما رواه ابن عمر صريحًا: أن النبي صل الله عليه وسلم تمتع بالعمرة إلى الحج، وبدأ رسول الله صل الله عليه وسلم فأهل بالعمر، ثم أهل بالحج.
وهذا صريح، ولا يحتمل.
ويبين صحة هذا: ما روى أبو عبيد في كتاب "الناسخ والمنسوخ"
الجزء: 1 - الصفحة: 234
بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: لأن أعتمر في شوال، أو في ذي القعدة، أو في ذي الحجة؛ في شهر يجب علي فيه الهدي، أحب إلي من أن أعتمر في شهر لا يجب علي فيه الهدي.
وروى أحمد في "المسند "بإسناده عن سالم: أن ابن عمر قال: العمرة في أشهر الحج تامة، عمل بها رسول الله صل الله عليه وسلم، ونزل بها كتاب الله.
وأجاب أحمد عن هذا في رواية أبي طالب فقال: هذا كان في أول الأمر بالمدينة.
ومعناه: أنه في ابتداء إحرامه كان بالمدينة؛ أحرم بالحج، فلما وصل إلى مكة فسخ على أصحابه، وتأسف على التمتع لأجل سوق الهدي، وكان المتأخر أولى.
واحتج بما روي عن عمر قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله صل الله عليه وسلم أنا أنهي عنهما.
وعن معاوية مثل ذلك.
والجواب: أن ظاهر هذا مطرح؛ لأنه لا خلاف في جواز التمتع، وإنما الخلاف في الفضيلة.
وعلى أنا قد روينا عن عمر خلاف هذا، وهو قوله: لو اعتمرت، ثم اعتمرت، ثم حججت، لتمتعت.
الجزء: 1 - الصفحة: 235
وهذا يدل على استحباب المتعة.
وروى الأثرم بإسناده عن طاوس قال: قال أبي بن كعب وأبو موسى لعمر: ألا تقوم فتبين للناس أمر هذه المتعة؟ فقال عمر: وهل بقي أحد إلا وقد علمها؟ أما أنا فأفعلها.
وروى- أيضًا- بإسناده عن نافع بن جبير، عن أبيه قال: ما حج عمر قط حتى توفاه الله إلا تمتع فيها.
وروى- أيضًا- بإسناده عن الحسن: أن عمر أراد أن ينهي عن متعة الحج، فقال له أبي بن كعب: ليس لك ذلك؛ تمتعنا مع رسول الله صل الله عليه وسلم، فلم ينهنا عن ذلك، فأضرب عمر عن ذلك.
وروى- أيضًا- بإسناده عن سالم بن عبد الله بن عمر [قال]: قلت: أنهي عمر عن المتعة؟ قال: لا، والله ما نهى عنها [إلا] عثمان، ولم يرد بذلك إلا خيرًا، ونهى عنها معاوية.
وروى أبو بكر بن أبي داود في "سننه "بإسناده عن عمر قال: قال علي بن أبي طالب لعمر: أنهيت عن المتعة؟ قال: لا، ولكن أحببت أن تكثر زيارة البيت، فقال علي: من أفرد الحج فحسن، ومن تمتع فقد أخذ بكتاب الله وسنة نَبِيِّه.
الجزء: 1 - الصفحة: 236
وفي حديث آخر: أن عمر قال: كرهت أن يظلوا معرسين بالأرك، ثم يروحون بالحج تقطر رؤوسهم.
وأما ما روي عن معاوية، فقد روينا عن ابن عباس [قال]: عجبت لمعاوية، و [ما] يقول في المتعة، وهو حدثني: أن رسول الله صل الله عليه وسلم تمتع، فقصر بمشقص.
وظاهر هذا: إظهار الخلاف من ابن عباس عليه، مع أنه لا خلاف في جوازها، ونفي الكراهة.
واحتج بأن كل نسكين لم يكن فيهما دم، كان أفضل من نسكين فيهما دم، بدلالة إفراد لا دم فيه، وإفراد فيه دم بقتل الصيد، وحلق الشعر، والطيب، واللباس، كالقران مع الإفراد.
والجواب: أن التمتع الذي لا دم فيه- وهو المكي- والذي فيه الدم سواء عند المخالف، فلا تأثير لهذا.
على أن الإفراد بالنسكين إذا كان فيهما دم تطوع أفضل من الإفراد بهما إذا لم يكن فيهما دم تطوع.
وأما إذا كان فيهما دم بقتل الصيد وحلق الشعر، فإنما لم يكن أفضل؛ لأن الدم الذي يجب فيهما دم جناية.
و [أما] دم التمتع فقد بينا: أنه دم نسك، فيجب أن يكون أفضل.
الجزء: 1 - الصفحة: 237
وأما القران مع الإفراد، فقد بينا: أن الإفراد فيه زيادة نسك ليس في القران؛ من إحرامين وطوافين وحلاقين وصلاتين، وهذه الأشياء أكثر من دم القران.
واحتج بأن الإفراد أفضل؛ لأن أشهر الحج وقت [للحج] عزيمة، ووقت للعمرة على سبيل الرخصة، وما عدا أشهر الحج وقت للعمرة عزيمة؛ لأن العرب لا تعتمر في أشهر الحج، وتعتقد أن ذلك من أفجر الفجور إلى أن أمر النبي صل الله عليه وسلم أصحابه بالعمرة.
فإذا ثبت هذا فالتمتع بفعل العمرة في أشهر الحج [رخصة]، وفعلها في ذلك الوقت عزيمة، وفعل العبادة على وجه العزيمة أولى من فعلها على سبيل الرخصة، ألا ترى أن الجمع بين الصلاتين لما كان رخصة كان فعلها في وقتها أفضل؟ وكذلك غسل الرجلين.
والجواب: أنا لا نسلم أن أشهر الحج وقت رخصة، بل هو مخالفة للمشركين؛ لأنهم كانوا يرون ذلك، وكل ما فعله النبي صل الله عليه وسلم في المناسك مخالفة للمشركين فهو واجب، أو أفضلية، لا رخصة بدليل: الدفع من عرفة بعد غروب الشمس، والنفر من المزدلفة قبل طلوعها، والوقوف خارج الحرم، وكانت قريش تقف في الحرم، ونزول المحصب.
ولو سلمنا أنه رخصة، لم يمتنع أن يكون أفضل بدليل: قصر الصلاة والجمع بعرفة.
الجزء: 1 - الصفحة: 238
وأكل الميتة رخصة، وهو واجب، حتى إن لم يأكل أثم.
فإن قيل: فلو كانت وقت عزيمة لم يكن وقت العمرة في غيره أفضل، وقد نص أحمد على أن فعل العمرة في غير أشهر الحج أفضل في رواية ابن إبراهيم وغيره، وقد تقدم ذكر ذلك.
قيل له: ليس إذا كان فعلها في غير أشهر الحج أفضل، دل على أن أشهر الحج رخصة، ألا ترى أن فعل الصلاة في أول وقتها أفضل، ولم يدل على أنه إذا فعلها في آخر وقتها كان ذلك وقتًا للرخصة، بل هو وقت عزيمة لفعلها؟
فإن قيل: فإذا كان التمتع عندكم أفضل، وهو فعل العمرة [في أشهر الحج في السنة التي يحج فيها]، فلم قال أحمد: إن فعلها في غير أشهر الحج أفضل؟ فقال الأثرم [وسعد بن يزيد: قيل لأبي عبد الله: تأمر بالمتعة، وتقول: العمرة في غير أشهر الحج أفضل! فقال: إنما سئلت عن أتم العمرة، فالمتعة تجزئه في عمرته، فأما أتم العمرة، فإنها تكون في غير أشهر الحج.
قيل: إنما قال ذلك في عمرة] لا يتمتع بها؛ لأنه إذا تمتع في غير أشهر الحج أنشأ لها سفرًا، وإذا تمتع في أشهر الحج كان السفر
الجزء: 1 - الصفحة: 239
للحج، والعمرة التي قد ينشئ لها سفرًا أفضل، ولهذا قال عمر وعلي: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
وقالت عائشة: العمرة على قدر سفرك ونفقتك.
ولأنه إذا اعتمر في غير أشهر الحج كثر القصد للبيت في جميع السنة، واتسع الخير على أهل الحرم.
يبين صحة هذا: ما رواه الأثرم بإسناده عن ابن الزبير قال: والله إنا لمع عثمان بن عفان بالجحفة إذ قال عثمان: إن أتم الحج والعمرة أن يكونا في أشهر الحج، فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا البيت زورتين كان أفضل.
وروى أبو حفص بإسناده عن عمر بن الخطاب: أنه قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم؛ فإنه أتم لحج أحدكم أن يعتمر في غير أشهر الحج.
فقد قيل: يحمل قوله إذا ضاق الوقت عن العمرة في أشهر الحج يكون فعلها في غيره أفضل؛ لأن التشاغل بالحج أفضل من العمرة.
وفي المسألة حكاية: أنا ابن جابر العطار في الإجازة بإسناده عن سلمة بن شبيب قال: قلت لأحمد: قويت قلوب الروافض حين أفتيت
الجزء: 1 - الصفحة: 240
أهل خراسان بمتعة الحج، فقال: يا سلمة! قد كنت توصف بالحمق، فكنت أدفع عنك، وأراك كما قالوا.
44 -
مسألة
الأفضل للمتمتع أن يحرم بالحج يوم التروية:
نص عليه في رواية الميموني وأبي داود وحنبل:
فقال في رواية الميموني: الوجه أن يهل المعتمر بالحج في اليوم الذي أهل فيه أصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم، فإن أهل قبله فجائز.
وقال في رواية أبي داود: إذا دخل مكة متمتعًا يهل بالحج يوم التروية، وإذا توجه من المسجد إلى منى، قيل له: فالمكي يهل إذا رأى الهلال؟ قال: كذا روي عن عمر.
فقد نص على أن المتمتع يهل يوم التروية، والمكي يهل قبل ذلك.
وقال- أيضًا- في رواية أبي طالب في المكي: إذا كان يوم التروية صلى الفجر، وطاف بالبيت، وإذا وصل إلى منى أحرم بالحج؛ لقول
الحديث: 44 - الجزء: 1 - الصفحة: 241
جابر: فلما توجهنا إلى منى أهللنا بالحج.
وقال أبو حنيفة: يستحب تقديم الحج قبل يوم التروية.
وقال الشافعي: إن كان [معه هدي] فالمستحب أن يحرم يوم التروية بعد الزوال، وإن لم يجد الهدي فالمستحب أن يحرم [ليلة السادس] من ذي الحجة، والمستحب للمكي أن يحرم إذا توجه.
دليلنا على أن المستحب [للمتمتع أن] يحرم يوم التروية: ما روي في حديث جابر بطوله: حتى إذا كان يوم التروية أمر من [كان أحل أن يهل] بالحج، ذكره أبو عبد الله بن بطة.
وروي: أنه قال: "إذا توجهتم إلى منى، فأهلوا [بالحج ".
فإن قيل: اختار] لهم في تلك السنة الخف والأيسر، ولهذا
الجزء: 1 - الصفحة: 242
أمرهم بالتحلل، والأسهل [أن يؤخروا] الإحرام إلى آخر وقته.
قيل له: أمره لهم بالتحلل لم يكن لطلب التخفيف، وإنما كان لطلب الفضيلة عندهم؛ ليحصلوا متمتعين.
فإن قيل: يحتمل أن يكون أراد أن يبين لهم آخر وقت الإحرام، وجواز التعجل قد بينه لهم بقوله: "من أراد الحج فليتعجل ".
قيل: لا يصح أن يبين آخر وقت الإحرام، ولا يبين أوله، وقوله: "من أراد الحج فليتعجل "، لا يدل على أول الوقت.
وأيضًا فإنه [من] تعجل قبل يوم التروية طال تلبسه بالعبادة، ولا يأمن مواقعة المحظور، ولهذا كرهنا الإحرام بالحج قبل ميقاته، وفي غير أشهر الحج، كذلك هاهنا.
ولا يلزم عليه المكي؛ فإن حكمه حكم غيره في ذلك.
نص عليه في رواية ابن منصور- وقد سئل: متى يهل أهل مكة بالحج؟ - فقال: إن تعجلوا قبل التروية، فلا بأس، قال عمر: إذا رأيتم الهلال فأهلوا.
وقول أحمد: (لا بأس) يقتضي الجواز دون الفضيلة.
واحتج أصحاب أبي حنيفة بما روي: أن عمر قال: يا أهل مكة!
الجزء: 1 - الصفحة: 243
إذا أهل ذو الحجة، فأهلوا بالحج؛ فلا يحسن أن يجيء الناس يلبون وأنتم سكوت.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون قصد بهذا ترغيبهم في الحج؛ لئلا يترك الواحد منهم الحج جملة لأجل أنه قد أسقط الفرض عنه، لا أنه قصد به التعجيل.
واحتج بما روي عن النبي صل الله عليه وسلم قال: "من أراد الحج فليتعجل ".
والجواب: أن المراد به: أن لا يؤخر جملة الحج عن وقته، ونحن هكذا نقول.
واحتج بأنه إحرام بالحج في وقته، فكان التقديم أفضل، كغير المتمتع، وكالمكي.
والجواب: أنا نقول في غير المتمتع ما نقوله هاهنا، إلا أن غير المتمتع إذا اجتاز على الميقات لم يجز له الجواز عليه محلاً، فهو مأمور بالإحرام بنسك في الجملة؛ بحج، أو بعمرة، لا أنا نستحب له التعجيل.
وكذلك المكي، وقول أحمد في المكي: يهل إذا رأى الهلال، حكى في ذلك قول عمر، والحكم كالحكم في غيره.
واحتج بأنه وقت يستحب لغير المتمتع تقديم الإحرام عليه، فيستحب للمتمتع ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 244
أصله: غروب الشمس من يوم التروية.
والجواب: أنه قد بينا: أنه لا يستحب لغير المتمتع تقديم الإحرام، كما لا يستحب للمتمتع.
وأما غروب الشمس من يوم عرفة فإنما لم يستحب التأخير عنه؛ لأن النبي صل الله عليه وسلم أمر بذلك بقوله: "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا ".
ولأن ذلك زمان يسير لا يطول التلبس بالعبا [د] ة، فتأمن مواقعة المحظور، فهو بقدر الزمان من الميقات الشرعي.
45 -
مسألة
يجوز فسخ الحج إلى العمرة:
ومعناه: يفسخ نية الحج، ويقطع أفعاله، ويجعل أفعاله للعمرة، فإذا فرغ من أعمال العمرة حل، ثم أحرم بالحج من مكة؛ ليكون متمتعًا، وهذا إذا لم يسق الهدي، فأما إذا ساق الهدي لم يجز الفسخ.
وكذلك يجوز فسخ القران إلى العمرة المفردة.
نص على هذا في رواية ابن منصور في القارن: يتمتع إذا شاء إذا لم يسق الهدي، ويجعلها عمرة.
ونص على جواز الفسخ إلى العمرة في رواية الجماعة: حنبل
الحديث: 45 - الجزء: 1 - الصفحة: 245
وعبد الله والميموني وابن منصور:
فقال في رواية عبد الله: أنا أروي فسخ الحج عن عشرة من أصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم؛ ابن عباس، وجابر، والبراء، وأنس بن مالك، وأسماء.
وقال أبو عبد الله بن بطة: سمعت أبا بكر بن أيوب يقول: سمعت إبراهيم الحربي يقول: وسئل عن فسخ الحج، فقال: قال سلمة بن شبيب لأحمد: كل شيء منك حسن غير نخلة واحدة، قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج، قال أحمد: كنت أرى أن لك عقلاً! عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا أتركها لقولك؟!
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وداود: لا يجوز فسخ الحج بحال.
دليلنا: ما تقدم من حديث جابر، وأنس، وعائشة، وابن عباس: أن النبي صل الله عليه وسلم فسخ على أصحابه الحج إلى العمرة.
وقد رواه أحمد عن جماعة مثل: البراء، وأسماء، وغير ذلك، فدل على جوازه.
ولهم على هذه الأخبار اعتراضان:
قد تقدم أحدهما: أن سبب الفسخ كان لأنهم ما كانوا يعتقدون جواز العمرة في أشهر الحج، وهذا المعنى معدوم في وقتنا.
والثاني: قول النبي صل الله عليه وسلم: "هذا لكم خاصة ".
الجزء: 1 - الصفحة: 246
وقد تقدم الجواب عن ذلك بما فيه كفاية، فلا وجه لإعادته.
وقد اعترض بعضهم على ذلك باعتراض آخر قال: لا أسلم أن القوم أحرموا بالحج، قال: لأن الشافعي روى: أن النبي صل الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا مطلقًا ينتظرون القضاء، فلما نزل عليهم القضاء، قال: "اجعلـ[و] ها عمرة ".
و [من] لم يعين الإحرام بالحج جاز له صرفه إلى عمرة.
ويبين هذا ما قاله أحمد في رواية صالح: قد روي عن النبي صل الله عليه وسلم: أنه قرن، وروي: أنه أفرد، وروي عنه: أنه خرج من المدينة ينتظر القضاء؛ لا يذكر حجًا، ولا عمرة.
ويقال له: يا هذا! لو تأملت ما رويناه من الأخبار لم تورد هذا الاعتراض؛ لأن في رواية جابر: أن رسول الله صل الله عليه وسلم أهل وأصحابه بالحج.
وفي رواية أنس: خرجنا نصرخ بالحج.
وفي رواية عائشة: خرجنا مع رسول الله صل الله عليه وسلم لا نرى إلا الحج.
وفي رواية ابن عباس: قدمنا حجاجًا.
وهذه نصوص، وفيها زيادة بيان وحكم، فوجب الرجوع إليها.
وقد قيل في الجواب عنه: إنه مرسل؛ لأنه يرويه ابن طاوس، عن أبيه، عن النبي صل الله عليه وسلم، والمرسل عندهم ليس بحجة.
ولأن جابرًا أحسن سياقًا للحديث من غيره؛ لأنه نقل أفعال
الجزء: 1 - الصفحة: 247
النبي صلى الله عليه وسلم في سفره على الوجوه، فكان حديثه مقدمًا.
وطريقة أخرى جيدة، وهي: ما رواه أبو داود، وأبو عبد الله بن بطة- واللفظ له- بإسناده عن عائشة: أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولأحللت مع الذين أحلوا من العمرة "قال: أراد أن يكون أمر الناس واحدًا.
وهذا نص؛ لأن النبي صل الله عليه وسلم بين أنه [لو] لم يسق الهدي لحل، وعندهم ما كان يجوز له ذلك.
وهذا اللفظ لا يتوجه عليه ما ذكروه من الأسولة؛ لأن الفسخ كان عليهم؛ لأنهم ما كانوا يعتقدون جواز العمرة، والنبي صل الله عليه وسلم كان يعتقد جواز ذلك، وقد أخبر: أن المانع منه سوق الهدي.
وأيضًا فإن الحج من العبادات الخمس، فصح فسخها قبل الفراغ منها، كالصلاة، والصيام.
ولا تلزم عليه العمرة؛ لأنها ليست من العبادات الخمس.
ولأنه فسخ الحج إلى العمرة فجاز.
دليله: الفسخ الذي كان في وقت النبي صل الله عليه وسلم.
ولا يلزم عليه إذا ساق الهدي؛ لأن التعليل للجواز، ولأن هذا يستوي [فيه] الأصل والفرع.
الجزء: 1 - الصفحة: 248
ولأنه فسخ عقد كان جائزًا في وقت النبي صل الله عليه وسلم، فجاز بعده.
دليله: سائر العقود من البيع وغيره بفسخ الإقالة.
ولأنه ترك نسك يجوز في وقت النبي صل الله عليه وسلم، فجاز بعده.
دليله: الترك بالإحصار لعذر.
ولأن الحج نوع عبادة يحرم الطيب، جاز فسخها من غير عذر، كالعدة تنفسخ بفعل المطلق.
ولا تلزم عليه العمر؛ لأن التعليل للنوع، والعمرة بعضه.
ولأن من فاته الحج، فإنه يتحلل بعمل عمرة، وهذا قلب الحج إلى العمرة.
فإن قيل: المعنى في المحصر [و] في الفائت: أن هناك ضرورة، وليس كذلك هاهنا.
قيل: علة الأصل تبطل بمن تعذر عليه الوصول بمرض، أو ضل الطريق، لا يتحلل بعمرة، وهو مضطر.
وعلة الفرع تبطل بالتحلل في وقت النبي صل الله عليه وسلم ..
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33].
والجواب: أن هذا غير مبطل لإحرامه، على أنه محمول على غير مسألتنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 249
واحتج بقوله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، والأمر بالتمام يمنع الخروج.
والجواب: أنا قد بينا: أن الآية اقتضت الابتداء بالحج والعمرة، فلم يكن فيها دلالة على البناء.
واحتج بأنها عبادة يجب المضي في فاسدها، فلم يصح فسخها.
دليله: العمرة إذا أحرم بها لم يجز له فسخها، كذلك هاهنا.
والجواب: أنه لا يستفيد بفسخ العمرة إلى عمرة أخرى فائدة، ولهذا لم يجز، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه يستفيد بها فائدة، وهي فضيلة التمتع عندنا، وعند الشافعي إذا كان قارنًا استفاد فضيلة الإفراد، فجاز الفسخ، ألا ترى أنه لو أحرم [بصلاة الفرض] مفردًا، ثم أراد الفسخ بغير عوض لم يجز، وإن حضرت جماعة، فأراد أن يقلبها نفلاً؛ ليدرك الجماعة، جاز، وكان الفرق بينهما أن له عوضًا في أحد الموضعين، ولا عوض [له في الموضع] الآخر؟ كذلك هاهنا.
فإن قيل: يجوز الفسخ عندكم، وإن لم يعتقد فعل [الحج من
الجزء: 1 - الصفحة: 250
سنته، فامتنع [أن يكون لفضيلة التمتع.
قيل: إذا لم يعتقد الحج من سنته منعناه من الفسخ؛ لأنه لا يستفيد فضيلة التمتع، إلا أنه فسخ، فصح الفسخ؛ لأن الفسخ حصل على صفة يصح منه التمتع.
وقد نص أحمد على أنه يفعل لأجل التمتع، فقال في رواية ابن منصور في القارن: له أن يحل إذا لم يسق الهدي، ولابد له من أن يهل بالحج في عامه ذلك.
فقد نص على أنه يحج من سنته.
وعلى أنه لا يجوز فسخ عمرة إلى عمرة بحال، ويجوز فسخ الحج إلى العمرة بحال، وهو: الفسخ الذي كان في وقت النبي "صل الله عليه وسلم"، وإذا فاته الحج تحلل بعمل عمرة، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه لم يجز فسخ الحج قبل أن يأتي بعمل عمرة، وهو الطواف والسعي، كذلك لا يجوز بعده، كمن ساق الهدى.
وقد نص أحمد على هذا في رواية أبى طالب، فقال: يجعلها عمرة إذا طاف بالبيت، ولا يجعلها وهو في الطريق.
والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك الفسخ لم يكن جائزاً في وقت النبي "صل الله عليه وسلم"، بدليل ما رواه أبو حفص العكبري بإسناده عن أبي موسى قال: قدمت على
الجزء: 1 - الصفحة: 251
النبي "صلى الله عليه وسلم"، وهو منيخ بالبطحاء فقال: ((أحججت)) فقلت: نعم، قال: ((فبم أهللت؟)) قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي "صل الله عليه وسلم"، قال: ((أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أحل)).
فأمره بالفسخ بعد الطواف والسعي.
وبإسناده على ابن عباس قال: أمر من لم يكن ساق الهدي أن يطوف ويسعي، ويقصر، ويحلق، ثم يحل.
والثاني: أنه إنما جاز له الفسخ ليصير متمتعاً، فإذا فسخ قبل فعل العمرة لم يحصل ذلك، ولا يجوز أن يقال: افسخ، واستأنف عمرة؛ لأنه يفضي إلى أن يعرى الإحرام الأول عن نسك، وأما إذا ساق الهدي، فيأتي الكلام عليه.
واحتج أنه لو جاز فسخ الحج العمرة لفضيلة التمتع، لجاز فسخ القران إلى العمرة، ليستفيد ذلك أيضاً.
والجواب: أنا هكذا نقول، نص عليه في رواية ابن منصور، والحسن بن ثواب: فقال في رواية ابن منصور: وقد سأله: يحل منها
الجزء: 1 - الصفحة: 252
إذا قرن؟ قال: نعم، إذا لم يسق الهدي، ولا بد له أن يهل بالحج في عامه، وليس عليه لعمرته شيء، وعليه دم إن عجل به العام.
وكذلك قال في رواية الحسن:] وللذي يهل بحج [وعمرة- وليس معه هدي- أن يجعلها متعة، كما جعلها رسول الله "صل الله عليه وسلم" حين أمرهم بها.
فقد نص على جواز الفسخ.
والوجه فيه ما روى أبو حفص] بإسناده عن [أنس: أن رسول الله "صل الله عليه وسلم" وأصحابه قدموا مكة، وقد لبوا] بحج وعمرة [، فأمرهم النبي "صل الله عليه وسلم" بعدما طافوا بالبيت، وسعوا بين الصفا والمروة،] أن يجعلوها عمرة، فأحل القوم، وتمتعوا].
الجزء: 1 - الصفحة: 253
وبإسناده عن ابن عباس: أنه كان يأمر القارن أن يجعلها عمرة إذا لم يسق معه الهدي.
ولأنا إنما استحببنا فسخ الحج إلى العمرة؛ ليأتي بزيادة نسك، وهو الدم، وإذا كان قارناً ففسخ أتى بزيادة، وهي إفراد العمرة عن أفعال الحج، والدم أيضاً.
واحتج بأنه لم يجز فسخ العمرة إلى الحج، كذلك ى يجوز فسخ الحج إلى العمرة.
والجواب: أنه إنما لم يتحلل من العمرة إلى الحج؛ لأن نيته لم تشتمل على أفعال الحج، ونية الحاج شملت أفعال العمرة.
ولأنه لا يجوز إدخال العمرة على الحج، ويجوز إدخال الحج على العمرة.
ولأنه لو أحرم بعمرة لم يجز أن يتحلل منها بحجة، ولو أحرم بحجة، ثم أحصر، جاز أن يتحلل بعمل عمرة، فبان الفرق بينهما.
ولأنه لا يستفيد بذلك فائدة، وهاهنا يستفيد فضيلة التمتع.
واحتج بأن هذا فسخ الحج إلى العمرة، فلم يجز.
دليله: إذا ساق الهدي.
والجواب: أنه يبطل بالفسخ الذي كان في وقت النبي "صلى الله عليه وسلم".
الجزء: 1 - الصفحة: 254
ثم المعنى في الأصل: أن ذلك الفسخ لم يكن جائزاً في وقت النبي "صل الله عليه وسلم"، وهذا كان جائزاً في وقته، فجاز في وقتنا هذا، كفسخ البيع بالإقالة.
ولأنه لو فسخ لتحلل من عمرته بمكة، فينحر بمكة، فتصير مكة محلاً للذبح، والمستحب أن ينحر بمنى، فيؤدي إلى مخالفة المسنون في الذبح، وهذا معدوم فيمن لم يسق الهدي، فبان الفرق بينهما.
واحتج بأنه فسخ حج، فلم يجز.
دليله: لو وقف بعرفة، ثم أراد الفسخ، او فسخ، لا بنية العمرة.
والجواب عنه إذا أراد الفسخ بعد الوقوف: إنما لم يصح؛ لأنه لم يكن جائزاً في وقت النبي "صل الله عليه وسلم"، وهذا الفسخ كان جائزاً في وقته.
ولأنه إذا فسخ قبل الوقوف استفاد به فضيلة التمتع، وهذا المعنى لا يحصل له بعد الوقوف؛ لأنه قد أدرك الحج.
وهكذا الجواب عنه أراد الفسخ لغير عمرة: لأنه لم يكن ذلك جائزاً في وقت النبي "صل الله عليه وسلم".
ولأنه لا يستفيد به فائدة، وهاهنا بستفيد به فضيلة التمتع، فبان الفرق بينهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 255
46 -
مسألة
المكي يصح له التمتع والقران، ولا يكره له ذلك، إلا أنه لا يلزمه دم:
نص عليه في رواية ابن منصور في رجل مكة بعمرة في أشهر الحج، وهو يريد الإقامة، ثم ينشئ الحج، أمتمتع هو؟ قال: نعم.
وقد نص على هذا في رواية] صالح، ذكره [في طاعة ((طاعة الرسول))، فقال تعالى:} فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ {] البقرة: 196 [، فالظاهر: أن الهدي قد وجب على من تمتع من الناس كلهم، من كان من أهل مكة] حاضري المسجد الحرام، فقال: ما اختلف [الناس أنهم لم يروا على أهل مكة هديا في متعة.
وظاهر هذا: أنه حكم بصحة المتعة في حقه بظاهر الآية، وأسقط الدم عنه.
وكذلك نقل المروذي عنه فقال: ليس على أهل مكة هدي المتعة، ولا لمن كان دون ما تقصر فيه الصلاة.
الحديث: 46 - الجزء: 1 - الصفحة: 256
وظاهر هذا: أنه حكم بجوازها في حقهم من غير دم.
وقد علق القول في موضع آخر من مسائل المروذي فقال: ليس لأهل مكة متعة.
ومعناه: ليس عليهم دم المتعة.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يصح له التمتع والقران، بل له ذلك، ومتى فعله لزمه دم جناية.
وفائدة الخلاف: أنا نحن لا نكره له ذلك، بل نستحب له ذلك، وعنده بكره، ويلزمه دم جناية؛ لأنه ملم بأهله، فيحصل الخلاف في نفي الكراهة، ونفي الدم الذي هو دم جناية.
دليلنا: أن كل نسك جاز لأهل الآفاق جاز لأهل مكة.
دليله: الإفراد.
وكل من جاز له أن يفرد جاز له أن يتمتع ويقرن.
دليله: غير أهل مكة.
ولأن ما لا يكره لغير أهل مكة لا يكره لأهل مكة.
أصله: سائر الطاعات من الصلاة، والصيام، والزكاة والحج المفرد، والاعتكاف، وسائر ما هو قربة وطاعة.
ولأن ما كان طاعة لأهل الآفاق ينالون به رضا الله -سبحانه- ويستحقون ثوابه، فهو لأهل مكة أولى؛ لأن سكان حرم الله وحاضري
الجزء: 1 - الصفحة: 257
مسجده أولى بوفور القرب والطاعة من غيرهم.
واحتج المخالف بقوله تعالى:} فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴿إلى قوله:﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴿] البقرة: 196 [
فإنما أباح التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن قوله:﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ ﴿راجع إلى الهدي، فكانه قال: فمن تمتع فعليه الهدي إلا المكي؛ فإنه لا هدي عليه، ونحن نقول: لا دم عليه.
فإن قيل: لو كان كذلك لقال: ذلك على من لم يكن؛ لأن الهدي يكون عليه، لا له، ألا ترى أنه لا يصح أن يقال: لك صوم رمضان؛ بمعني: عليك.
قيل له: يجوز أن تقوم (اللام) مقام (على) قال تعالى:﴾ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿] غافر: 52 [؛ معناه: عليهم.
وقال:﴾ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا {] الإسراء: 7 [يعني: فعليها.
فإن قيل: هذا مجاز.
قيل له: الأصل في كلامهم الحقيقة، ومدعي المجاز يحتاج إلى دليل.
الجزء: 1 - الصفحة: 258
وجواب آخر عن أصل الدليل، وهو: أن قوله:} فَمَن ﴿] البقرة: 196 [شرط، وقوله:﴾ فَمَا اسْتَيْسَر ﴿] البقرة: 196 [جزاء، و﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ ﴿] البقرة: 196 [استثناء،] والاستثناء يرجع [إلى الجزاء دون الشرط، كقول القائل: (من دخل الدار فأعطه إلا فلاناً) إن الاستثناء يرجع إلى الجزاء، وهو قوله: فأعطه، فيصير كأنه قال: إلا فلاناً، فلا تعطه، كذلك هاهنا يصير كأنه قال: فمن تمتع فعليه دم، إلا المكي؛ فإنه لا دم عليه.
ويبين صحة هذا، وأن قوله:﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ ﴿لا يرجع إلى قوله:﴾ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴿] البقرة: 196 [:] أن [﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ ﴿] البقرة: 196 [لم يحسن] عقيبه [، وإذا ذكر عقيب الجزاء حسن، فدل على أنه راجع إليه.
فإن قيل: قوله:﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ {إشارة إلى من أتيح له التمتع، ونظير هذه الآية أن يقول قائل: من دخل الدار فعليه درهم، ثم يقول: ذلك لمن لم يكن من بلد كذا، فنفهم منه: أنه أراد بقوله: (ذلك لمن لم يكن) إشارة إلى من أبيح له دخول الدار.
قيل: لا فرق بينهما، وذلك أن قوله: (لمن لم يكن من بلد كذا) راجع إلى الجزاء، وهو استحقاق الدرهم، ولم يرجع إلى الشرط الذي
الجزء: 1 - الصفحة: 259
هو جواز الدخول.
وجواب آخر، وهو: أن الآية اقتضت متمتعاً يجب عليه الهدي، فيجب أن يكون الاستثناء راجعاً إلى متمتع يجب عليه الهدي، والمكي ليس عليه دم، فلم يرجع إليه الاستثناء.
واحتج بأن المكي يحصل له إلمام بأهله بين العمرة والحج، ويباح له الإحلال بينهما، فوجب ألا يكون متمتعاً كالكوفي إذا أحرم بعمرة في غير أشهر الحج، وطاف لها في أشهر الحج، ورجع إلى الكوفة، ثم حج من عامة ذلك: أنه لا يكون متمتعاً.
وفيه احتراز عن التمتع إذا ساق الهدي، ورجع إلى أهله، وحج من عامة ذلك: أنه يكون متمتعاً؛ لأنه إذا كان مقيماً على إرادته الحج في تلك السنة، فإن سوق الهدي يمنعه من الإحلال بينهما، فلا يثبت له حكم الإلمام.
والجواب: أنه ينتقض بالمتمتع إذا ساق الهدي، ورجع أهله، فإنه وجد منه الإلمام، ومع هذا فهو متمتع.
وقولهم: (إنه لا يثبت له حكم الإلمام) غير صحيح؛ لأن معنى الإلمام: هو النزول بأهله، والرجوع إلى منزله، لا غيره، وهذا موجود منه إذا رجع إلى أهله، ومعه هدي.
ويبين صحة هذا: أنهم لا يشترطون في الإلمام الاستمتاع بأهله،
الجزء: 1 - الصفحة: 260
فلا معنى لقولهم: إنه إذا ساق الهدي، ليس هو على صفة تسبيح الاستمتاع.
ثم المعنى في الأصل: أن الإحرام بالعمرة حصل في غير أشهر الحج، فهذا يجب دم التمتع، وكذلك هاهنا؛ لأنه جمع بين إحرام الحج وإحرام العمرة في أشهر الحج، ولم يتخللها سفر تقصر فيه الصلاة، أشبه غير المكي.
واحتج بأنه لو صح التمتع للزمه هدي المتعة كالكوفي، فلما لم يلزمه دل على أنه لا يكون متمتعاً، كالكوفي إذا أحرم بعمرة في غير أشهر الحج.
والجواب: أنه إنما لم يلزم المكي الدم؛ لأن دم التمتع وجب بنص القرآن والإجماع والنص ورد والإجماع انعقد في غير المكي، فلهذا لم يلزمه دم.
ولأن دم التمتع يجب بشرائط منها الترفه بأحد السفرين؛ لأنه كان يلزمه أن ينشئ لكل واحد من الحج والعمرة سفراً من بلده، وهذا المعنى معدوم في المكي؛ لأنه لم يحصل له الترفه، ولهذا نقول: لو سافر بين الحج والعمرة سفراً تقصر فيه الصلاة لم يجب الدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 261
47 -
مسألة
إذا رجع المتمتع إلى الميقات بعد الفراغ من العمرة لم يسقط عنه دم المتعة، فإن رجع إلى موضع تقصر فيها الصلاة سقط عنه دم المتعة:
نص عليه في رواية الأثرم وحرب فيمن أحرم بعمرة في أشهر الحج: فهو متمتع إذا أقام حتى يحج، فإن خرج من الحرم سفراً تقصر في مثله الصلاة، ثم رجع، فحج، فليس بمتمتع، ولا هدي عليه.
وهذا لفظه في رواية حرب، وقد علق القول في رواية يوسف بن موسى وأحمد بن الحسين: إذا قام بإنشاء الحج من مكة فهو متمتع، فإن خرج إلى الميقات، فأحرم بالحج، فليس بمتمتع.
وهذا محمول على أن بين الميقات وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة.
وقال أبو حنيفة: إن رجع إلى أهله سقط الدم فإن لم يرجع إلى أهله لم يسقط.
الحديث: 47 - الجزء: 1 - الصفحة: 262
وقال مالك: إن رجع إلى بلده، أو بقدر مسافته في البعد سقط عنه الدم.
وقال الشافعي: إن رجع إلى الميقات سقط عنه الدم.
دليلنا: ما روي عن عمر بن الخطاب: أنه قال: إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم أقام، فهو متمتع، فإن خرج، ثم رجع، فليس متمتع.
وهذا عام فيه إذا خرج إلى بلده، أو إلى ميقاته، أو غيرهما من البقاع.
وروى أبو حفص بإسناده عن نافع، عن ابن عمر في الفتنة وأقام حتى الحج، وقال: من كان أقام معنا حتى الحج، فعليه المتعة، ومن رجع إلى أهله، ثم حج، فليس عليه متعة.
فإن قيل: هذا يعارضه ما روي عن يزيد الفقير قال: دخلنا مكة عماراً، ثم زرنا قبر النبي "صل الله عليه وسلم"، وحججنا من عامنا ذلك، فسألنا ابن عباس فقال:] أنتم [متمتعون.
قيل: هذا يقتضي: أنهم متمتعون، ونحن لا نمنع ذلك، لكن هل يكون عليه دم التمتع؟ ليس فيه، وغير ممتنع أن يكون متمتعاً لا دم عليه، كالمكي.
الجزء: 1 - الصفحة: 263
ويخص أبا حنيفة [بأنه جمع بينهما] في سفرين صحيحين، فسقط الدم.
دليله: لو عاد إلى بلده، أو إلى مثله في المسافة.
ويخص الشافعي بأن جمع بينهما في أشهر الحج من غير أن يتخللهما سفر تقصر فيه] الصلاة، أشبه [لو لم يخرج إلى الميقات.
واحتج المخالف من أصحاب أبي حنيفة بأنه جمع] بينهما في أشهر الحج من غير [إلمام بأهله، أشبه لو لم يسافر، أو سافر ما لا تقصر فيه الصلاة.
] والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه [جمع بينهما في سفر واحد، وليس كذلك هاهنا، لأنه فصل بينهما بسفر تقصر فيه الصلاة، أشبه إذا رجع إلى أهله.
واحتج بأنه لم ينقض سفره بالعود إلى ما تقصر فيه الصلاة، فصار كما لو سافر.
الجزء: 1 - الصفحة: 264
والجواب: أنا لا نسلم أنه لم ينقضه.
يبين صحة هذا: أنه بالسفر يحصل ميقاته ميقات أهل البلدان.
واحتج أصحاب الشافعي بأن دم التمتع يجب بشرائط، منها ترك الإحرام من الميقات، فإذا رجع إليه سقط.
والجواب: أنا لا نسلم أنه يجب بترك الإحرام، وإنما يجب بالترفه بأحد السفرين، فإذا سافر ما يقصر فيه، لم يحصل منه ذلك.
والذي يبين صحة هذا: أن القارن لم يترك الإحرام من الميقات، ومع هذا يجب عليه الدم، فعلم أن العلة الترفه.
فإن قيل: لو كانت العلة الترفه لوجب أن يجب على المفرد الدم؛ لأنه مترفه بأحد السفرين.
قيل له: إنما يجب بالترفه، والجمع بينهما في أشهر الحج، فإذا قدم الحج حصلت العمرة في غير أشهره.
فإن قيل: فيجب أن يقول: لو تحلل من حجه في يوم النحر، ثم أحرم فيه بعمرة: أن يكون متمتعاً؛ لأن يوم النحر من أشهره، فيكون جامعاً بينهما في أشهر الحج، وقد قلتم: لا يكون متمتعاً، على ظاهر كلام أحمد في رواية إسحاق بن هانئ، فقال: لا يجب على من اعتمر
الجزء: 1 - الصفحة: 265
بعد الحج هدي.
قيل: هو- وإن كان من أشهر الحج- فقد جعل في حكم ما ليس من أشهره، بدليل: أن الحج يفوت فيه، ولا يدركه بإدراكه، ومثل هذا ما قالوه إذا بقي من وقت صلاة الجمعة ركعة: هو وقت لصلاة الجمعة في حال الاستدامة، وليس بوقت في حال الابتداء، فلو أراد أن يبتدئ الجمعة في هذا الوقت، ويتمها في وقت العصر، لم يصح عندهم.
واحتج بأنه رجع للإحرام بالحج إلى ميقاته، وجب أن لا يجب عليه دم قياساً عليه إذا رجع إلى ما تقصر فيه الصلاة.
والجواب: أنه حصل مسافراً بين الحج والعمرة سفراً صحيحاً، وهذا معدوم هاهنا.
واحتج بأنه موضع لا يستحق فيه الإحرام بالشرع، فلا يسقط دم التمتع بالعود إليه.
دليله: ما ذكرنا.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأنا اعتبرنا الرجوع إلى الميقات، واعتبرتم الرجوع إلى ما تقصر فيه الصلاة، فكان اعتبارنا أولى؛ لأن للرجوع إلى الميقات والإحرام منه تأثيراً في إسقاط الدم، وهو إذا جاوزه غير محرم، ثم
الجزء: 1 - الصفحة: 266
رجع إليه محرماً أو غير محرم، وأحرم منه، وليس للرجوع إلى غيره تأثير في إسقاط الدم في موضع من المواضع.
والجواب: أنه إنما كان له تأثير في إسقاط الدم؛ لأنه كان يلزمه الإحرام من الميقات، فإذا جاوزه وجب عليه الدم وجوباً مراعى، فإذا رجع سقط عنه الدم،] و [ليس كذلك المتمتع؛ لأنه إذا أحرم بالعمرة من الميقات لم يلزمه الإحرام بالحج من ميقاته، بل ميقاته مكة، ولا يكون عوده إلى الميقات مسقطاً للدم؛ لأنه لم يلزمه الإحرام منه.
48 -
مسألة
إذا أحرم بعمرة في رمضان، وطاف لها في شوال، وحج من عامه ذلك، لم يكن متمتعاً حتى يحرم بالعمرة في أشهر الحج:
نص عليه في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث: ومن أهل بعمرة في غير أشهر الحج، ثم قدم في شوال لا يكون متمتعاً.
وكذلك نقل ابن إبراهيم فيمن أحرم بعمرة في شهر رمضان، ودخل الحرم في شوال: عمرته في الشهر الذي أهل.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكون متمتعاً.
الحديث: 48 - الجزء: 1 - الصفحة: 267
وللشافعي قولان:
قال في القديم مثل قول أبي حنيفة.
وقال في الجديد مثل قولنا.
دليلنا: أن إحرام العمرة لم يحصل في أشهر الحج، فأشبه إذا طاف في رمضان.
ولأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به، أو عمل من أعمال العمرة، فوجب أن يكون وجوده في أهر الحج شرطاً في وجود دم التمتع.
دليله: الطواف.
فإن قيل: الإحرام ليس من العمرة عندنا، وإنما هو سبب يتوصل به إلى أدنى أفعالها، فلا يعتبر فيه ما يعتبر في الأفعال، بدليل: أنه ليس بمقصود في نفسه، وإنما يتوصل به إلى أدنى موجباته، فلم يجب اعتباره بسائر الأفعال.
قيل: الدلالة على أن الإحرام من العمرة، وأن حكمه حكم سائر أعمال العمرة سواء، ألا ترى أنه لما لم تتوقت أفعال العمرة يتوقت الإحرام، ويشترط للإحرام ما يشترط لسائر الأفعال، وينافيه ما ينافي سائر الأفعال؟
ألا ترى أن استدامة الإحرام تمنع الطيب واللباس وقتل الصيد والوطء، كما يمنع حال انعقاده، وينعقد مع الفساد، ويلزم المضي فيه، كما لو طرأ الفساد عليه بعد انعقاده، والعمرة لا تتم
الجزء: 1 - الصفحة: 268
إلا بالطواف والسعي.
فإن قيل: استدامة الإحرام في شوال تجري مجرى ابتدائه، ولهذا قلتم: إذا أحرم العبد، ثم عتق قبل الوقوف بعرفة، ووقف بعرفة وهو حر، فإنه يدرك الحج وتكون الاستدامة بمنزل] الابتداء [للإحرام في حال الحرية.
قيل له: لا يجوز أن] تكون [استدامة الإحرام كابتدائه، كما لا يجوز] ذلك في الصلاة [، وقد ثبت أنه لو أحرم بالصلاة قبل دخول الوقت واستدامتها بعد دخول] الوقت، لم [يصح.
وأما العبد إذا أعتق، فإنما قلنا: يجزئه؛ لأنه أدرك عرفة- وهي معظم الحج- في حال الكمال، لا أن الاستدامة تجري مجرى الابتداء.
واحتج المخالف بأن طواف العمرة] حصل [في أشهر الحج، فأشبه إذا أحرم بها في هذه الأشهر.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن الإحرام بها حصل في أشهر
الجزء: 1 - الصفحة: 269
الحج، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الإحرام بها حصل في غير أشهره.
واحتج بأن إحرام العمرة أحد طرفي التمتع؛ لأن التمتع لا يصح إلا بالعمرة والحج جميعا، فوجب أن لا يختص بأشهر الحج.
دليله: آخر الحج.
والجواب: أنه لا يتمنع أن يفعل الطرف الثاني في غير أشهر الحج، ولا يفعل الأول، كما قالوا: يكره الإحرام بالعمرة في يوم عرفة وأيام التشريق، ولا يكره استدامة الإحرام بها في هذه الأيام؛ لأن الطواف في آخر الحج يجوز أن يكون في غير أشهر الحج، فدل على الفرق بينهما.
49 -
مسألة
يجب دم التمتع والصوم عنه يوم النحر:
وقد قال أحمد في رواية المروذي، وقد قيل: متى يجب على المتمتع الدم؟ قال: إذا وقف بعرفة، والقارن مثله، يروى عن عطاء.
وقوله: (إذا وقف) معناه: إذا مضى وقت الوقوف، وإنما يمضي بطلوع الفجر يوم النحر.
وقال في رواية ابن القاسم، وقد سئل: متى يجب صيام المتعة؟
فقال: إذا عقد الإحرام.
الحديث: 49 - الجزء: 1 - الصفحة: 270
معناه: أن عقده الإحرام كان سبباً للوجوب، كما أن النصاب سبب؛ لأن الوجوب به يتعلق، وإنما يتعلق بيوم النحر، كما يتعلق وجوب الزكاة بالنصاب والحول.
وبهذا قال أصحاب الشافعي: يجب ذلك إذا أحرم بالحج.
دليله: قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ﴾ [البقرة: 196].
وتقديره: فليهد.
وحمله على أفعاله أولى من حمله على لم إحرامه من وجهين:
أحدهما: قوله عليه السلام: «الحج عرفة»، فوصفه بذلك.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3]، قيل: يوم النحر.
ولأنه إحرام تتعلق به صحة التمتع، فلم يكن وقتاً للوجوب.
دليله: إحرام العمرة.
يبين صحة هذا: أن إحرام العمرة سبب لوجوب الهدي؛ لأنه إحرام تتعلق به صحة التمتع فهو كإحرام الحج.
ويبين صحته أيضاً: أن كل شيئين تعلق الوجوب بهما، وجاز اجتماعهما، كان الأول منهما سبباً، كالنصاب، والحول، والظهار، والعود.
الجزء: 1 - الصفحة: 271
ولأن الهدي من جنس ما يقع به التحلل، فكان وقت وجوبه بعد وقت الوقوف.
دليله: الطواف والرمي والحلق.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وإذا أحرم بالحج سمي متمتعاً إلى الحج.
والجواب عنه: ما تقدم، وأن حمله على ما بعد الوقوف أولى.
واحتج بأنه إحرام بالحج، وكان وقتاً لوجوبه.
دليله: يوم النحر.
والجواب عنه: أن ذاك وقت للتحلل، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه ليس بوقت له، كما لو أحرم بالعمرة.
واحتج بأن المتمتع إذا ساق الهدي لم يجز له أن يتحلل من عمرته، ويكون إحرام العمرة سبباً له، ويثبت حكمه، وإن لم يوجد وقت الوقوف.
والجواب: أنه إذا ساقه صار من جملة أفعالها، فوجب كما [وجب بقيه أفعالها]، ولهذا نقول: إذا ساق الهدي لم يجز له التحلل من العمرة قبل يوم النحر، وهو الذبح، وإذا لم يسق جاز له التحلل منها.
واحتج بأنه لو كان الصوم يجب بيوم النحر لم يجز فعله قبله؛ لأنه من عبادات الأبدان، فلا يتقدم على وقت الوجوب.
الجزء: 1 - الصفحة: 272
والجواب: أنه غير ممتنع عندنا ذلك إذا وجد سبب الوجوب، ولهذا قلنا: يجوز صوم الكفارة قبل الحنث وبعد عقد اليمين، وكذلك إذا تعجل في يومين جاز أن يرمي ما كان يرميه في اليوم الآخر، وإن لم يكن وقتاً للوجوب، وهو من عبادات الأبدان، وكذلك إذا عجل السعي الواجب عقيب طواف القدوم أجزأه، وإن لم يكن وقتاً لوجوبه، وكذلك إذا طاف قبل طلوع الفجر أجزأه، وإن لم يكن وقتاً لوجوبه.
50 -
مسألة
لا يجوز ذبح هدي المتعة قبل طلوع الفجر من يوم النحر:
نص عليه في رواية يوسف بن موسى، فقال: إذا قدم متمتعاً، وساق الهدي فإن قدم في شوال نحر الهدي وحل، وعليه آخر، [و] إذا قدم [في] العشر أقام على إحرامه، ولم يحل حتى يوم النحر.
فقد نص على أنه إذا نحر قبل العشر كان عليه هدي آخر؛ يعني: في يوم النحر، ولم يعتد بما ذبح قبله.
وقال - أيضاً - في رواية ابن منصور: وأما هدي المتعة فإنه يذبح يوم النحر.
ويحمل قوله: (نحر وحل) على طريق التطوع، وقوله: (وعليه
الحديث: 50 - الجزء: 1 - الصفحة: 273
هدي آخر) المراد به: دم التمتع الواجب.
وبهذا فال أبو حنيفة ومالك.
[و] قال الشافعي: للمتمتع أن يذبح هديه بعد الإحرام بالحج، وليس له أن يذبح قبل الفراغ من العمرة.
وهل يجوز بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج؟ قولان: أحدهما: يجوز، وهو الصحيح.
والثاني: لا يجوز.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] غاية الإباحة الحلق، فلو جاز أن يذبح قبل يوم النحر، لجاز له أن يحلق؛ لوجود الغاية، فلما لم يجز تقديم الحلق، لم يجز تقديم الذبح.
فإن قيل: هذه الآية وارده في هدي الإحصار، ونحن نقول: إن المحصر لا يحلق حتى يذبح الهدي، وخلافنا في هذه [المتعة.
فيقال له: ورودها في هدي الإحصار لا يمنع اعتبار عمومها؛ لأنه لا تراعى الأسباب.
وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لبدت رأسي، وسقت الهدي، فلا أحل إلى يوم النحر».
الجزء: 1 - الصفحة: 274
وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة».
ولو كان يجوز ذبح الهدي قبل يوم النحر لذكره، وصار كمن لا هدي معه.
فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم كان مفرداً، فالهدي تطوع، فلا يجوز ذبحه قبل يوم النحر.
قبل: هدي التطوع لا تأثير له في المنع من التحلل اتفاقاً]، فعلم أنه كان واجباً.
وعلى أنا قد بينا: أنه كان متمتعاً.
والقياس: كل وقت لا يصح فيه طواف الزيارة لا يصح فيه ذبح هدي المتعة.
دليله: قبل الإحلال من العمرة.
فان قيل: المعنى في الأصل: أنه قد بقي لوجوبه أكثر من سبب واحد، وهو التحلل من العمرة وإحرام الحج، وبعد الفراغ بقي سبب واحد، وهو الإحرام، فجاز تقديمه عليه، كما يجوز تقديم الزكاة على الحول، وكفارة القتل على الموت.
الجزء: 1 - الصفحة: 275
قيل له: لا نسلم أن التحلل من العمرة سبب؛ لأنه لو لم يتحلل من العمرة حتى أحرم بالحج وجب الهدي، ففي الموضعين لم يبق إلا سبب واحد.
نص عليه في رواية الميموني في المتمتع إذا لم يقمر ولم يحلق حتى أهل بالحج: ما أرى عليه شيئاً، إذا [بلغ] المتمتع المحرم حل من كل شيء إلا النسا، والطيب قبل أن يقصر.
ولأن الزكاة صدقة، والكفارة عتق وصوم، وجميع ذلك يجوز في جميع الأوقات، فإذا وجد سببه جاز تقديمه، وأما الهدي فهو إراقة دم، وذلك في موضعه يختص بأوقات لا يجوز تقديمه عليها كالأضحية والتطوع.
وعلة الفرع تبطل بمن قال: لثن شفى الله مريضي فلله علي أن أضحي، فوجد الشرط، فقد بقي للوجوب سبب واحد، ولا يجوز الذبح.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يجب، وليس كذلك إذا أحرم بالحج؛ لأنه قد وجب.
قيل له: علة الأصل تبطل بالزكاة والكفارات، وعلة الفرع لا نسلمها؛ لأن أحمد قد قال في رواية المروذي وابن إبراهيم - وقد سئل عن المتمتع: متى يجب عليه الدم؟ قال: إذا وقف بعرفة، والقارن مثله.
وروي عنه- أيضاً -[أنه سئل]: متمتع مات قبل أن يذبح؟ قال: إذا
الجزء: 1 - الصفحة: 276
وقف بعرفة فقد وجب عليه الهدي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وإذا أحرم بالحج فقد تمتع بالعمرة إلى الحج؛ لأن (إلى) للغاية، فإذا وجد أول الحج فقد حصلت الغايتة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]، فإذا وجد أول الليل فقد حصلت الغاية.
والجواب: أن الحج عبارة عن الأفعال، فقد جعل الغاية وجود أفعال الحج، وذلك يكون قبل الوقوف والرمي؛ لأن الإحرام ليس من أفعال الحج المختصة به، فوجب حمله على الأفعال المختصة، وإذا وجب حمله على ذلك احتمل أن يكون [معنى] قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾: فليذبح ما استيسر، واحتمل: فعليه ما استيسر؛ يعني: وجب عليه ما استيسر، ونحن نقول: قد وجب بوجود هذه الأفعال المختصة، وإذا احتمل الوجوب وقف على أوقات مخصوصة، مثل الوقوف والطواف والرمي.
واحتج بما روى ابن عمر صلى الله عليه وسلم قال: تمتع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من كان معه هدي فإذا أهل بالحج فليهد، ومن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله».
والجواب: أنه إن صح هذا فيحتمل أن يكون معنى قوله: «فليهد»
الجزء: 1 - الصفحة: 277
فليعين الهدي؛ ليذبحه يوم النحر، فهم يحملون قوله: «فليهد» على الدبح، ونحن نحمله على السوق والحمل.
واحتج بأنه هدي ينوب عنه الصيام، أو يتعلق بالإحرام، فجاز ذبحه قبل يوم النحر قياساً على جزاء الصيد، ودم الحلق بالإحرام، والطيب، واللباس، والدم الواجب لترك الميقات.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه دم جبران، فلهذا لم يختص بوقت، وليس كذلك دم التمتع؛ لأته دم نسك، وقد دللنا على ذلك بما تقدم، فأشبه من هذا دم الهدايا والضحايا.
واحتج بأن كل وقت صلح لجنس المبدل والبدل، وصح فيه البدل، صح فيه المبدل.
أصله: التيمم مع الوضوء، وذلك أن كل وقت صح فيه التيمم إذا لم يجد الماء، صح فيه الوضوء إذا كان واجداً للماء.
ولا يدخل عليه الإطعام في كفارة الظهار؛ فإنه يجوز بالليل، ولا يجوز مبدله، وهو الصوم؛ لأن الليل لا يقبل الصوم، ولا يصلح لجنسه، وليس كذلك ما قبل يوم النحر؛ لأنه يقبل الهدي ويصلح له؛ لأن هدي الجبران يصح فيه.
والجواب: أنا لا نسلم أن ما قبل يوم النحر وقت الهدي الذي هو نسك، إنما هو وقت للجبران، وإن حذف هنا الوصف انتقض بالصوم في كفارة الظهار؛ فإن بدله الإطعام، ويصح ليلاً، وإن لم يصح المبدل
الجزء: 1 - الصفحة: 278
الذي هو الصوم ليلاً.
وقولهم: لا يجوز الصوم بالليل؛ لأنه لا يحتمل الصوم، كذلك نقول: ما قبل يوم النحر وقت لا يعتمل الذبح الذي هو نسك.
وعلى أن حكم البدل والمبدل في مسألتنا مخالف لحكم الإبدال والمبدلات في الأصول، بدليل أن تقديم صوم ثلاثة أيام على النحر جائز، وتقديم سبعة أيام لا يجوز، والجميع بدل عن الهدي، فجاز بعض البدل في وقت، ولا يجوز فيه البعض الآخر، وسائر الإبدال في الأصول إذا جاز بعضها في وقت جاز جميعها، فلا يمتنع أن يخالف حكم البدل والمبدل في هذا الموضع حكم الإبدال والمبدلات في الأصول.
ثم المعنى في الوضوء والعتق: أن نفل كل واحد منهما لا يختص بوقت، ففرضها لا يختص بوقت، ونفل الهدي مختص بوقت، فالواجب منه يجوز أن يختص بوقت.
واحتج بأنها عبادات بدل، فوجب أن لا يتأخر وقت جواز فعلها عن وقت البدل.
أصله: العتق في كفارة القتل.
ولأنه حيوان له بدل هو صوم، فجاز إخراجه في وقت جواز فعل الصوم، كالرقبة في الظهار.
الجزء: 1 - الصفحة: 279
والجواب: أنا قد بينا أنه لا يمتنع أن يجوز فعل البدل في وقت لا يجوز فعل المبدل، بدليل الصوم والإطعام في كفارة الظهار.
ولأن هذا البدل يفارق سائر الإبدال في الأصول؛ لأن بعضه يجوز في وقت، وهو صوم الثلاثة، ولا يجوز صوم السبعة وإن كان بدلاً، وسائر الإبدال كل وقت جاز فيه بعض البدل جاز فيه جمع البدل.
وعلى أن العتق والصوم يفعلان للتكفير والوقت محتمل لهما، فإذا جاز أحدهما جاز الآخر، والهدي والصوم يرادان للتحلل يوم النحر، والصوم لا يصح يوم النحر الذي هو مقصوده فقدم عليه، والذبح يصح فيه، فلم يتقدم.
واحتج بأنه حق يتعلق وجوبه بالتمتع، فوجب أن يجوز عقيب الإحرام بالحج قياساً على صوم ثلاثة أيام.
والجواب: أن هذا باطل بصوم سبعة أيام.
فإن احترز عنه فقال: حق يتعلق وجوبه بالتمتع، ويجوز فعله بالحج، فأشبه ما ذكرنا، أجبنا عنه بأن الهدي لا يشبه الصوم؛ فإنه لا خلاف أن الصوم يتعين عليه قبل يوم النحر بحيث لا يجوز تأخيره إليه، ولا يتعين عليه وجوب ذبح الهدي قبله، بل يجوز تأخيره
الجزء: 1 - الصفحة: 280
إليه، فإذا جاز أن يختلفا في وقت الوجوب، جاز أن يختلفا في وقت الجواز.
51 -
مسألة
إذا صام المتمتع ثلاثة أيام بعدما أحرم بالعمرة أجزأه:
نص عليه في رواية الأثرم في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]: يجعل آخرها يوم عرفة، ولا يبالي إن تقدم أولها بعد أن يصومها في أشهر الحج، وإن صامها قبل أن يحرم فجائز.
وأراد بذلك قبل أن يحرم بالحج.
وقال _ أيضاً _ في رواية ابن القاسم وسندي، وقد سئل عن الصيام للمتعة: متى يجب؟ فقال: إذا عقد الإحرام، فصام، أجزاه إذا كان في أشهر الحج.
وهذا يدخل على من قال: لا تجزئ الكفارة إلا بعد الحنث، ولعل هذا ينصرف، ولا يحج.
وقوله: إذا عقد الإحرام، أراد به: إحرام العمرة؛ لأنه شبهه بالكفارة قبل الحنث، وإنما يصح الشبه إذا كان صومه قبل الإحرام بالحج؛ لأنه قد وجد أحد السببين، ولأنه قال: إذا عقد الإحرام في
الحديث: 51 - الجزء: 1 - الصفحة: 281
أشهر الحج، وهذا إنما يقال في إحرام العمرة؛ لأن من شرط التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
وبهذا قال أبو خيفة.
وقال مالك والشافعي: لا يجوز حتى يحرم بالحج.
دليلنا: لأنه إحرام تتعلق به صحة التمتع، فجاز صوم المتعة عقيبه.
دليله: إحرام الحج.
فان قيل: إنما جاز الصوم عقيب إحرام الحج؛ لأنه يجوز ذبح الهدي عقيبه، وليس كذلك إحرام المتعة؛ لأنه لا يجوز ذبح الهدي عقيبه، فلا يجوز الصوم [أيضاً.
قيل له]: لا يجوز ذبح الهدي عقيب الإحرام عندنا.
وأيضاً العمرة سبباً لوجوب صوم المتعة، بدليل: أنه إحرام تتعلق به صحة التمتع، فوجب أن يكون سبباً لوجود الصوم، كإحرام الحج، وبدليل [أن] أكل شيئين تعلق الوجوب بهما، وجاز، اجتماعهما، كان الأول منهما سبباً، كالنصاب، والحول، والظهار، والعود، والجراحة، والموت.
ولا يلزم عليه صوم رمضان؛ أنه ليس بسبب للكفارة، وإن كانت الكفارة لا تجب إلا بوجود الصوم والجماع؛ لأنه لا يجوز اجتماعهما، ولهذا قال أحمد في رواية ابن منصور: يجوز تقديم الفدية قبل أن يحلق
الجزء: 1 - الصفحة: 282
الرأس إذا آذاه القمل؛ لأنه [لا] يجوز اجتماع الإحرام والحلق، فجاز تقديم الفدية على الحلق.
وإذا ثبت أن العمرة سبب لوجوب صوم المتعة، جاز أن يثبت حكمه عقيبها، كما ثبت حكم الزكاة إذا وجد النصاب، والكفارة إذا وجدت الجراحة.
فإن قيل: فيجب أن تكون سبباً لهدي المتعة، وتثبت حكمه.
قيل له: هي سبب له، ويثبت حكمه فيها، ألا ترى أنه إذا أحرم بعمرة وساق الهدي صار هدي متعة، ومنعه ذلك من الإحلال بين الحج والعمرة؟
نص عليه في رواية حنبل، وهذه مسألة ثانية إن شاء الله.
فإذ قيل: فلم لا يجوز بذبحه؟
قيل: لأنه مخصوص بوقت، وهو يوم النحر، كما أنه مخصوص بمكان، وهو الحرم.
وإن شئت قلت: إن العمرة سبب للصوم، وهو غير مخصوص
الجزء: 1 - الصفحة: 283
بوقت، فإذا وجد السبب جاز تقديمه، كما يجوز تقديم الزكاة إذا وجد النصاب، ويجوز تقديم الكفارة إذا وجدت الجراحة.
ولا يلزم عليه الهدي؛ لأنه مخصوص بوقت، فلا يجوز تقديمه على وقته، وإن وجد سببه، كما لا يجوز تقديم الطواف والرمي على يوم النحر، وكذلك الوقوف على يوم عرفة.
ولأن كل صوم جاز بعد إحرام الحج، جاز بعد إحرام العمرة.
دليله: سائر الصيام.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] فوجه الدلالة من وجهين:
أحدهما: أنه أمر بالصوم بعد التمتع [بالعمرة] إلى الحج، فجعل الحج غاية، فلا يكون متمتعاً إلا بوجوده.
والثاني: أنه أمر بالصيام في الحج، فلا يجوز تقديمه عليه.
فأما الجواب عن الأول: فإنه إذا أحرم بالعمرة، وهو يريد الحج في تلك السنة، فإنه يصير متمتعاً، بدلالة أنه لو ساق الهدي كان ذلك هدي متعة، ومنعه من الإحلال قبل يوم النحر، فإذا ثبت أن التمتع يحصل بإحرام العمرة في أشهر الحج بشرط أن يحج في تلك السنة، وجب أن
الجزء: 1 - الصفحة: 284
يجزئه صومه؛ لأن الله _ تعالى _ أجاز الصوم في الحال التي لا يجيز فيها الهدي بقوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾.
وأما قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ فلا يخلو من أن يكون المراد: في إحرام الحج، أو: في أفعاله، أو: في وقته، ولا يجوز أن يريد به [ما] في الوجهين الأولين؛ لأن (في) من حروف الظرف، والفعل لا يكون ظرفاً للفعل حقيقة، وإنما يكون الوقت ظرفاً له، فإذا كان كذلك، ثبت أن المراد بقوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾: في وقت الحج، ووقت الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فإذا أحرم بعمرة في شوال، وصام ثلاثة أيام، حصل الصيام في وقت الحج، فوجب أن يجزئه.
فإن قيل: ﴿فِي الحَجِّ﴾ معناه: في إحرام الحج، كما قال تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة: 197] تعين: في إحرام الحج، ويقال: صام في إحرام الحج، وطاف فيه، كما يقال: دعا في صلاته، وذكر الله فيها، وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم علم الحسن دعاء القنوت، وقال: «اجعله في وترك».
قيل له: هذا مجاز، ومعناه: دعا في الوقت الذي يصلي فيه،
الجزء: 1 - الصفحة: 285
وذكر الله في وقت اشتغاله بالصلاة؛ لأنا قد بينا: أن الفعل لا يكون ظرفاً للفعل، وإنما يكون الوقت ظرفاً له.
فإن قيل: لا يجوز أن يحمل قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ على وقت الحج؛ لأن أحداً لا يقول: إن له أن يصوم في وقت الحج؛ لأنه لابد من الإحرام؛ إما بالعمرة عندك، أو بالحج عندنا.
قيل له: إذا دلت الدلالة على امتناع جوازه بغير إحرام، صار تقديره: فصيام ثلاثة أيام في وقت الحج إذا كان محرماً.
فإن قيل: قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ معناه: في حال الحج، ويكون هذا الإضمار أولى؛ لأنه [لا] يحتاج إلى تخصيص، والوقت يحتاج إلى تخصيص بما بعد إحرام العمرة، وتخصيص المضمر لا يجوز؛ لأنه إنما يضمر ما دل [عليه] الدليل، والدليل يدل على حاض دون العام.
قيل له: حمله على حال الحج إنما هو عبارة عن وقت بصفة، وإضمار الوقت أولى من إضماره وزيادة عليه.
وقولهم: إن ذلك يؤدي التخصيص، فليس بصحيح؛ لأن الذي يريد التمتع بالعمرة هو الذي فعلها ناوياً لضم الحج إليها، فلا نحتاج في إضمارنا إلى تخصيص.
وقد قيل في جواب الآية: إنها أفادت وجوب الصوم، والكلام في الجواز
الجزء: 1 - الصفحة: 286
وعندنا يجب إذا أحرم بالحج، وقد قال أحمد في رواية ابن القاسم وسندي، وقد سئل عن صيام المتعة: متى يجب؟ قال: إذا عقد الإحرام.
واحتج بأن كل وقت لا يجوز فيه فعل المبدل، [لا يجوز فيه فعل البدل]، بدلالة العتق والصوم في الكفارة، ولا خلاف في مسألتنا: أن المبدل _ وهو الهدي _ لا يجوز قبل إحرام الحج، كذلك البدل.
والجواب: أن صوم المتعة يجوز في الحرم وخارج الحرم، وهدي المتعة لا يجوز ذبحه في غير الحرم، فإذا جاز فعل البدل في مسألتنا في موضع لا يجوز فيه فعل المبدل، لم يمتنع _ أيضاً _ أن يجوز فعل البدل في وقت لا يجوز فيه فعل المبدل، ويفارق [هذا] البدل والمبدل في الكفارة؛ لأن الموضع الذي يجوز فعل المبدل فيه [يجوز فعل البدل فيه]، كذلك الوقت الذي يجوز فعل البدل فيه، [يجوز فعل المبدل فيه.
ولأن صوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر جائز، وصوم سبعة أيام لا يجوز، والجميع بدل عن الهدي، وإذا جاز بعض البدل في وقت لا يجوز فيه البعض الآخر، لم يمتنع أن يجوز جميع البدل في وقت لا يجوز فيه المبدل، وبفارق هذا البدل والمبدل في الكفارة؛ لأن الوقت الذي يجوز فيه بعض المبدل يجوز جميعه، كذلك الوقت الذي يجوز فيه جميع البدل يجوز فيه المبدل.
الجزء: 1 - الصفحة: 287
ولأنه يجوز تأخير المبدل إلى يوم النحر، ولا يجوز تأخير صوم الثلاثة إلى يوم النحر.
ولأن جنس المبدل الهدايا والضحايا، وذلك يختص بيوم النحر، وليس من جنس البال ما يختص بيوم النحر، فبان الفرق بينهما.
واحتج المخالف بأن الهدي حق المال بدل من الصيام، فوجب أن لا يتقدم وقت جواز البدل على وقت جواز المبدل، كالرقبة والصيام في كفارة الظهار.
ولأنه أحد موجبي المتعة، فلا يجوز فعله في العمرة قياساً على الذبح.
والجواب: أنا قد بينا الفرق بين الصوم والهدي، وبينه وبين البدل والمبدل في الكفارة.
52 -
مسألة إذا لم يصم المتمتع قبل يوم النحر، صامها قضاء، وعليه دم لتأخيرها عن أيام الحج، أو كان واجداً للهدي فأخره عن أيام النحر، فهل يجب عليه هديان؛ أحدهما لأجل التمتع والقران، والثاني لتأخيره ذلك عن وقته؟
وفيه روايات: إحد [ا] ها: بجب علبه دم لتأخير الصوم، ودم ثان لتأخير الدم.
الحديث: 52 - الجزء: 1 - الصفحة: 288
قال في رواية أبي طالب في متمتع لم يكن معه هدي، ولم يصم حتى جاز يوم النحر: صام عشرة أيام إذا رجع، وعليه دم، قد فرط، وابن عباس يقول: من كان عليه دم، فلم يذبحه حتى جاز يوم النحر فعليه دمان: الدم الذي وجب عليه، ودم لما فرط.
قيل له: فتقول به؟ قال: نعم، عليه دمان، دم لما عليه، ودم لما أخر.
وكذلك نقل المروذي ويعقوب عنه في متمتع لم يهد إلى قابل: يهدي هديين، وهكذا قال ابن عباس.
وفيه رواية ثانية: عليه دم واحد.
نص عليه في رواية ابن منصور في متمتع لم يذبح حتى رجع إلى أهله: يبعث بالدم إذا كان ساهياً، والعامد عليه دم واحد إلا أنه قد أساء.
وفيه رواية ثالثة: رواها حرب عنه في متمتع رجع إلى بلاده، ولم يهد: يجزئ عنه دم واحد إذا كان له عذر، وبعضهم يقول: عليه دمان، وهذا إذا لم يكن له عذر.
وظاهر هذا: أنه فرق بين المعذور، وهو [من] تعذر ما يشتريه، أو تضيق نفقته، وبين من لا عذر له.
والمذهب الصحيح: أن المعذور وغيره سواء؛ لأن في رواية
الجزء: 1 - الصفحة: 289
المروذي: إذا لم يجد ثمن ما يشتري حتى رجع إلى هاهنا عليه هديان، وهذه حالة عذر.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يصم قبل يوم النحر، ولم يجد ثمن الهدي، فحل بلا هدي ولا صيام، فعليه] هديان إذا أيسر؛ أحدهما لإحلاله بغير هدي ولا صوم، والآخر هو القران أو المتعة، ولا يجزئه الصوم بعد ذلك.
وقال مالك والشافعي: يصوم، ولا دم عليه لأجل التأخير.
فالدلالة على ثبوت الصوم خلافاً لأبي حنيفة: أنه صوم واجب، فوجب قضاؤه بفواته.
دليله: صوم رمضان.
وقيل: صوم واجب، فلم يسقط بفواته.
دليله: صوم رمضان.
والمخالف يمنع الأصل ويقول: قد سقط بفواته، وإنما وجب القضاء بدليل ثان، والصحيح هو العبارة الأولى.
ولأنه صوم معلق بشرط، فلم يسقط بفوات شرطه.
دليله: صوم الظهار، وهو مأمور بأدائه قبل المسيس، ثم لو
الجزء: 1 - الصفحة: 290
مسها لم يسقط.
ولأنه أحد موجبي المتعة فجاز فعله خارج الحج.
دليله: الهاي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ﴾] البقرة:196 [، فجعله مؤقتاً بالحج، فإذا لم يصم قبل يوم النحر فات وقته، فلو أمرناه بالقضاء كان فيه إيجاب فرض مبتدأ، وذلك لا يجوز إلا بدلالة.
والجواب: أن القضاء ليس بفرض مبتدأ على قول أصحابنا، بل الأمل بفعل العبادة يقتضي فعلها في وقتها وفي غيره.
وعلى أنا قد دللنا على إيجاب ذلك.
واحتج بأن الله - تعالى - جعل الصوم بدلاً عن الهدي في الحج، فلو أمرناه بالقضاء في غيره لأثبتنا للصوم في الحج بدلاً؛ لأن القضاء بدل عما تركه في وقته، وإثبات الإبدال لا يجوز إلا بتوقيف، كالمسح على الخفين؛ لما كان بدلاً لم يجز إثباته إلا بدليل.
والجواب عنه ما تقدم، وهو: أن الأمر بالأداء يـ]ــتـ[ــضمن الأمر بالقضاء.
وعلى أنا قد دللنا على ذلك.
واحتج بأنه بدل مؤقت، فإذا فات وقته وجب الرجوع إلى المبدل،
الجزء: 1 - الصفحة: 291
كالجمعة إذا فات وقتها، وجب الرجوع إلى المبدل، وهو الظهر، والمسح على الخفين إذا مضى وقته، وجب الرجوع إلى المبدل، وهو الغسل.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون مؤقتاً، ولا يسقط، بل يقضى إذا فات، كما أنه إذا صار معلقاً بشرط، ففات الشرط، لم يسقط، ووجب قضاؤه، وهو صوم الظاهر إذا أخره عن المسيس؛ لأن الشرط والتأقيت واحد؛ لأن التأقيت شرط في المؤقت، ومأمور به في وقته، كما أن المظاهر مأمور بالصوم قبل المسيس.
وعلى أنا لا نسلم: أن الجمعة بدل، هي أصل، والظهر بدل منها، يدل عليه: أنه إذا ترك الجمعة إلى الظهر عصى الله - تعالى - وأثم، والإنسان لا يعصى بترك البدل إلى المبدل.
ولا نسلم - أيضاً - علة الفرع؛ لأن صوم الثلاثة مؤقت؛ لأنه مأمور به في الحج دون الزمان، والمؤقت ما خص فعله بوقت بعينه.
وفي هذا ضعف؛ لأنا قد بينا فيما قبل: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِي الحَجِّ﴾ في وقت الحج.
وأما المسح على الخفين فإنما جوز للحاجة إليه، ولا نحتاج في استدامته إلى أكثر من ثلاثة أيام في حق المسافر، ويوم وليلة في حق المقيم، فلم تجز الزيادة على ذلك، والصوم غنما جوز للمتمتع لكونه عادماً للهدي، وهذا المعنى موجود بعد يوم النحر، فجاز فعله.
واحتج بأنه نسك مؤقت لا تعلق له بالبيت، فوجب أن لا يجوز
الجزء: 1 - الصفحة: 292
قضاؤه بعد مضي وقته، كرمي الجمار.
والجواب: أن الجمار حجة لنا؛ لأنها تسقط إلى بدل هو الدم.
يجب - أيضاً - أن نقول في صوم المتعة: يسقط إلى بدل، وهو القضاء، وعندهم يسقط لا إلى بدل؛ لأن الدم الذي يوجبونه هو الهدي الواجب في الأصل، وليس ببدل عن الصيام.
على أن قياس هذا على صوم رمضان - لأنه من جنسه - أولى من الجمار.
- فصل:
والدلالة على أنه لا يلزم الهدي لتأخيره الصيام والهدي: أنه نسك أخره إلى وقت جواز فعله، فلم يجب به دم.
دليله: إذا أخر الوقوف من النهار إلى الليل.
ولهذا المعنى قلنا: إذا أخر الطواف والحلاق عن أيام التشريق لا دم عليه لهذه العلة، وعكسه الرمي.
ولا شبهة أن هدى التمتع نسك، وقد دللنا عليه فيما تقدم.
ولا يلزم عليه إذا أخر الرمي؛ لأنه إن أخره عن اليوم الأول إلى الثاني والثالث، لا دم عليه، وإن أخره إلى ما بعد، فعليه دم؛ لأنه أخره عن وقت جواز فعله، وقد نص على هذا في رواية صالح، فيمن نسي
الجزء: 1 - الصفحة: 293
رمي جمرة العقبة، فذكرها في أيام التشريق: يرمي في أيام منى، فإذا جازت أيام منى، فعليه دم.
وأما الصيام فهو بدل الهدي الذي هو نسك، فكان نسكاً.
ولأنه دم أخره عن وقت وجوبه، فلا يجب بتأخيره دم.
دليله: سائر الدماء الموجبات من الحلاق، وتقليم الأظفار، واللباس، وقتل الصيد، وغير ذلك.
ووجه الرواية الثانية: ما روى النجاد بإسناده عن علي بن بذيمة مولى ابن عباس قال: تمتعت، فنسيت أن أنحر، وأخرت هديـ]ــي [، فمضت الأيام، فسألت ابن عباس فقال: اهد هديين؛ هدياً] لهديك [، وهدياً لما أخرت.
والجواب: أنه محمول على الاستحباب.
واحتج بأنه صوم واجب أخره عن وقته المعين، فجاز أن يجب به فدية.
دليله: صوم القضاء والنذر.
والجواب: أن ذلك الصوم ليس فيه معنى النسك، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه نسك أخره إلى وقت جوازه، أشبه ما ذكرنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 294
53 -
مسألة
إذا صام المتمتع السبعة بعد الفراغ من الحج قبل الرجوع إلى أهله أجزأه:
نص عليه في رواية الأثرم، وقد سأله عن صيام السبعة أيصومهن في الطريق، أم في أهله؟ فقال: كل قد تأوله الناس، ووسع في ذلك كله.
وكذلك نقل أبو طالب عنه، قال: إن قدر على الهدي، وإلا يصوم بعد الأيام، قيل له: بمكة، أم في الطريق؟ فقال: كيف شاء.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: يصوم إذا رجع إلى أهله، فإن صام بمكة، أو في الطريق لم يجز، فإن حصل في وطنه، ثم عاد على مكة، جاز له أن يصوم بها وفي الطريق في أي موضع شاء، وإن لم يرجع إلى وطنه، ونوى المقام في مكة؛ وجعلها وطنه، جاز له أن يصوم بها.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾] البقرة:196 [، تقديره: إذا رجعتم من الحج؛ لأن فيه إضماراً، فيجب أن يكون المضمر ما تقدم ذكره، كقوله تعالى: ﴿والْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ والْحَافِظَاتِ والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾] الأحزاب: 35 [، فإذا كان تقديره ما ذكرنا قلنا: إذا انقضت أيام منى لم يبق من أفعال الحج عليه شيء، فقد رجع من
الحديث: 53 - الجزء: 1 - الصفحة: 295
الحج، فيجب أن يجزئه صوم هذه الأيام.
فإن قيل: إطلاق اسم (الرجوع) إلى الوطن، فيجب أن يجمل عليه.
يبين صحة هذا: أن الفراغ من العبادة لا يسمى رجوعاً، ألا ترى أنه إذا فرغ من صومه بغروب الشمس لا يقال: رجع من صومه، ورجع من زكاته، ورجع من صلاته؟
قيل له: في الآية رجوع مقيد، وتقديره: وسبعة إذا رجعتم من الحج، والحج عبارة عن الأفعال، فيصير كأنه قال: وسبعة إذا رجعتم من أفعال الحج، والرجوع من أفعال الحج هو الفراغ منها.
ولا يشبه هذا قوله: رجع من صيامه، ومن صلاته؛ لأن الصيام والصلاة لا تختص بمكان، فلا يقال لمن فعلها: رجع، والحج يفعل في أماكن مخصوصة، فيجوز أن يقال لمن فرغ منه، وانتقل عنها: رجع.
ولأنه يصح أن يقال في الصيام: رجع إلى الفطر، ويقال لمن فرغ من الحج: رجع إلى الإحلال.
ويبين صحة هذا: أن أفعال الحج تقدم ذكرها، والسفر والخروج من الوطن لم يجر له ذكر يحمل الرجوع عليه.
فإن قيل: كيف يقال لمن حصل بمكة: رجع، وأفعال الحج تقع فيها؟
قيل له: إذا فرغ من الأفعال يقال: رجع إلى حالته الأولى من الإحلال.
الجزء: 1 - الصفحة: 296
يبين صحة هذا: أن الرجوع إلى الأهل] غير [مراد بالاتفاق؛ لأنه لو رجع إلى وطنه، ولم يطف لم يجز الصوم، ولابد من اعتبار الرجوع الذي نقوله نحن.
فإن قيل: قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ معناه: في وقت الحج؛ لأن] في [من حروف الظرف، والفعل لا يكون ظرفاً للفعل، وإنما يكون الوقت ظرفاً له، فيصير تقديره كأنه قال: فصيام ثلاثة أيام في وقت الحج، فإذا جعلنا قوله: ﴿إذَا رَجَعْتُمْ﴾ تقديره: إذا رجعتم من الحج، صار كأنه قال: إذا رجعتم من وقت الحج، والرجوع من وقت الحج لا يصح، وإذا بطل أن يكون تقدير الآية ما ذكرتم، ثبت أن تقديرها: إذا رجعتم إلى الوطن.
قيل له: في الآية إضمار، فيجب أن يكون المضمر ما تقدم ذكره، وهو الحج، فيصير كأنه قال: فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم من الحج، ولو قال ذلك، ثم قامت الدلالة على أن المراد بالأول وقت الحج، لم يجب حمل الثاني عليه، بل يجب حمله على فعل الحج، ألا ترى أن قيام الدلالة على أن المراد بقوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ وقت الحج، لم يجوب أن يكون المراد بقوله: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ﴾] البقرة:196 [وقت الحج؟
على أن الرجوع عن أفعال الحج مراد بالإجماع، لأنه لو رجع إلى الوطن قبل الرجوع من الحج لم يجز له أن يصوم.
والقياس أنه متمتع صام بعد الفراغ من المناسك في وقت يصح
الجزء: 1 - الصفحة: 297
فيه الصوم، فيجب أن يجزئه إذا لم يكن معه هدي، كما لو رجع إلى الوطن، أو استوطن بمكة، ولم يرجع إلى أهله، جاز أن يؤديه إذا لم يستوطن.
دليله: سائر الصيام.
ولأن من لزمه صوم جاز له أن يؤديه بعد عوده إلى وطنه، وبعد حصوله إلى أهله، جاز أن يؤديه قبل ذلك.
دليله: صوم رمضان وقضاؤه ونحوهما.
ولا يلزم عليه إذا قال: إذا رجعت إلى أهلي ووطني، وتخلصت من سفري، فعلي صوم عشرة أيام، أن له أن يؤديه بعد عوده إلى وطنه، وليس له أن يؤديه قبل ذلك؛ لأن لزومه يتعلق بشرط العود إلى الوطن، فما لم يوجد الشرط لم يلزمه، فلا يجزئه عن الواجب، وأما صوم السبعة أيام فقد لزم المتمتع قبل عوده إلى الوطن.
فإن قيل: صوم السبعة لا يجب إلا بعد الرجوع، وإن حصوله في أهله شرط في وجوبه.
قيل له: فيجب أن لا يلزمه إذا استوطن في مكة لعدم الشرط.
فإن قيل: إذا استوطن في مكة فقد حصل في وطنه وأهله، فوجد الشرط.
قيل له: لو كان كذلك، لوجب إذا قال: إن عدت إلى وطني، وحصلت في أهلي، فعلي أن أصوم عشرة أيام، فاستوطن مكة، أن
الجزء: 1 - الصفحة: 298
يلزمه، كما قلت في مسألتنا، ولا خلاف أنه لا يلزمه، فبطل ما ذكرت.
واحتج المخالف بما روى عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل قال: "فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذ رجع إلى أهله".
وروى ابن جريج، عن عطاء، عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن ساق الهدى فليذبح، ومن لم يسق الهدي فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله".
والجواب: أنه يحتمل أن يريد به: إذا ابتدأ بالرجوع إلى أهله، وهذا يكون بعد الفراغ من الحج، وقد يسمى ذلك راجعاً، كما يقال: خرج فلان إلى مكة، وخرج إلى خراسان، وإن كان في الطريق، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه متمتع صام السبع قبل الرجوع إلى وطنه، فوجب أن لا يعتد به، كما لو صام قبل الفراغ من الرمي.
والجواب: أن صومه قبل الرمي يحصل في يوم النحر وأيام التشريق، فلهذا لم يجز، ألا ترى أنه لو لم يرم حتى مضت أيام التشريق جاز له أن يصوم، وإن لم يرجع إلى أهله؛ لأن الرمي قد سقط، فلا
الجزء: 1 - الصفحة: 299
يحصل صومه في أيام التشريق؟
واحتج بأنه الله - تعالى - لما أمر بصوم رمضان وضعه عن المسافر تخفيفاً عنه، فلا يجوز أن نبتدئ بإيجابه عليه في حال سفره.
والجواب: أن هذا باطل بصوم ثلاثة أيام.
على أن نبيح له جواز تأخيره إلى أن يرجع إلى أهله، كما نبيح للمسافر تأخير صوم رمضان، ونجيز فعله في حال سفره، كما نجيز صوم رمضان.
واحتج بأنه إنما فرق بين صوم ثلاثة أيام، وبين صوم سبعة أيام رفقاً به، ومن الرفق أن لا يؤمر بالسبعة إلا بعد الرجوع إلى الأهل والاستقرار في الوطن.
والجواب: أنا في بينا: أن له تأخيره إلى وقت الرجوع، وإنما خلافنا في جوازه في حال سفره، فقلنا: يجوز، وقال مخالفنا: لا يجوز.
54 -
مسألة
يستحب للمتمتع أن يصوم قبل التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة:
نص عليه في رواية الأثرم، وأبي طالب.
الحديث: 54 - الجزء: 1 - الصفحة: 300
وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: يستحب أن يكون آخر الصيام يوم التروية.
دليلنا: يوم عرفة أفصل، ولم ينه عن الصوم فيه، وكان أولى بالصيام الواجب.
ولأن يوم السادس لا يسن الخروج إلى منى فيما يليه، فلم يستحب فيه ابتداء صوم الثلاثة.
أصله: ما قبله.
فإن قيل: أليس قد قلتم: لا يستحب أن يتطوع بصوم هذا اليوم؛ لأنه يضعفه عن الدعاء؟ كذلك في صوم التمتع.
قيل: لا يمتنع أن نقول هذا في التطوع، ولا نقولـ]ـه [في الواجب، كصيام يوم الشك ويوم الجمعة، فيكره التطوع فيه، ولا يكره القضاء فيه.
واحتج بما روى الأثرم بإسناده، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم عرفة بعرفات.
والجواب: أنه محمول على التطوع، بدليل ما روى الأثرم بإسناده عن عائشة قالت: الصيام لم تمتع ولم يجد الهدي: ما بين أن يهل إلى
الجزء: 1 - الصفحة: 301
يوم عرفة، و [إن] لم يصم، صام أيام منى.
55 -
مسألة
في المتمتع إذا دخل في الصوم، ثم وجد الهدي في صيامه، أجزأه المضي فيه:
نص عليه في رواية حنبل في المتمتع إذا صام أياماً، ثم أيسر: أرجو أن يجزئه الصيام، ويمضي فيه.
وكذلك نقل ابن منصور في متمتع لم يجد ما يذبح فصام، ثم وجد يوم النحر ما يذبح: فمتى دخل في الصوم فليس عليه.
ويقول في الكفارات كلها: إذا دخل في الصوم يمضي فيه، وكذلك إذا تيمم ثم دخل في الصلاة فليمض.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبي حنيفة: إن وجده في صوم السبعة أجزاه، ولم يلزمه الهدي، وإن وجده في صوم الثلاثة لم يجزه الصوم، ويلزمه الهدي، وكذلك إن وجده بعد الفراغ من صومه ثلاثة أيام، وقبل الإحلال، لم يجزه إلا الهدي، وإن حل ثم وجد الهدي أجزاه الصوم.
وفرق بين الثلاثة وبين السبعة بأن الثلاثة بدل عن الهدي، فبطل
الحديث: 55 - الجزء: 1 - الصفحة: 302
حكمها بوجود المبدل، والسبعة ليس ببدل عنه، وعلى قولنا الجميع بدل عن الهدي.
والكلام في هذه المسألة في فصلين:
أحدهما: في صوم السبعة؛ هل هو بدل، أم لا؟
والثاني: الإجزاء.
فالدلالة على أنها بدل عن الخدي قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾] البقرة:196 [، فمنها دليلان:
أحدهما: أنه شرط عدم الهدي في الثلاث، وعطف السبعة عليها، والمعطوف بمنزلة المعطوف عليه، وهما بمنزلة الجملة الواحدة الملفوط بها دفعة واحدة.
فإن قيل: قد يتشرط في صحة الشيء عدم غيره، ولا يكون بدلاً عنه، كما يشترط عدم الطول وخوف العنت في نكاح الأمة، وليس ببدل عنه.
قيل له: فيجب أن تقول في الثلاث مثل ذلك، وأن الشرط هاهنا لم يفد البدل.
على أنا نقول: إن نكاح الأمة بدل من نكاح الحرة.
والدلالة الثانية من الآية: أن الله - تعالى - جمع بينهما لإزالة
الجزء: 1 - الصفحة: 303
الإشكال فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾] البقرة:196 [فدل هذا على أن السبعة تكمل ثواب الصوم؛ لأن البدل ينقص عن ثواب المبدل، وكمل الله - تعالى - الثواب بضم سبعة إلى الثلاث.
قالوا: وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية المروذي فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ كملت الهدي.
قيل: بل الجمع لإزالة الإشكال؛ لأن الواو قد تكون بمعنى (أو) نحو قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾] النساء:3 [وتقديره: أو ثلاث، أو رباع، فأزال الإشكال وأخلصها للجمع.
ولو كان المراد تكميل الثواب لقال: تلك عشرة مكملة، فلما قال: ﴿كَامِلَةٌ﴾ دل على أن المراد به ما ذكرنا.
ولأن عدم الهدي في صوم السبعة، كما هو شرط في الثلاث، وكل صوم لزمه عند عدم الهدي، فوجب أن يكون بدلاً عنه، كصوم الثلاثة.
ولأنه صوم لزمه عند عدم حيوان، فوجب لا يكون بدلاً عنه، كالصوم في الكفارات المرتبة.
واحتج المخالف بأن صوم ثلاثة أيام جائز في الحج، وصوم سبعة لا يجوز إلا بعد الفراغ منه، فلو كان الجميع بدلاً عن الهدي لكان وجوبه
الجزء: 1 - الصفحة: 304
على وجه واحد، كالصوم في كفارة الإفطار والظهار.
] والجواب: أنه [إنما جاز صوم الثلاثة في الحج؛ لأنه وقته، وذلك أن وقته في الحج، وصوم] السبعة لا يختص وقته في الحج، فيفرق لهذه العلة.
وغير ممتنع أن يكون بعض هذه البدل في وقت وبعضه في وقت آخر بخلاف سائر المبدلات، كما كان وقت المبدل - وهو الهدي - في وقت غير وقت البدل -] و [هو الصوم - بخلاف سائر المبدلات.
وعلى أن الصوم في كفارة الظهار والفطر حجة لنا؛ لأنه لما وجب عند عدم الرقبة كان جميعه بدلاً، ولم يكون بعضه بدلاً، وبعضه غير بدل، كذلك صوم العشرة لما وجب عند عدم الهدي يجب أن يكون جميعه بدلاً، ولا يكون بعضه بدلاً، وبعضه ليس ببدل.
ولأنا وجدنا الجمع والتفريق يجريان في العبادات مجرى واحداً في باب الجواز بدليل قضاء رمضان؛ يجوز الجمع والتفريق فيه، فإذا كان في الأبدال ما يجب جميعه، وهو صوم الظهار والقتل، جاز أن يكون فيها ما يجب تفريقه؛ لأنهما يجريان مجرى واحداً.
واحتج بأنه صوم يجوز فعله بعد التحلل، فهو كصوم فدية الأذى،
الجزء: 1 - الصفحة: 305
ولأن وجود الهدي لا يمنع ابتداءه، فلم يكن بدلاً.
أصله: ما ذكرنا.
والجواب: أنه إنما جاز فعله بعد التحلل لدخول وقته؛ لأنه قبل التحلل لم يدخل وقته، وجاز فعله - أيضاً - مع وجود الهدي؛ لأنه بعض البدل وجد البدل في أثنائه.
وأما فدية الأذى، فلم يشترط في جوازها عند عدم الهدي، فلهذا لم تكون بدلاً عنه، وهذا بخلافه.
واحتج بأن الهدي مشروط لإباحة الإحلال؛ لأن المتمتع إذا كان معه هدي لا يجوز له أن يحل حتى يذبحه، ومتى حل قبله لزمه دم، وإذا لم يكن معه هدي لزمه أن يقيم الصوم مقامه، والصوم الذي يقوم مقامه في إباحة الإحلال صوم ثلاثة أيام، فعلمنا أنه هو البدل؛ إذ البدل هو ما يقوم مقام المبدل في حال العجز عنه، ولو كان صوم سبعة أيام بدلاً عنه لما جاز التحلل إلا بعد وجوده، كما لا يجوز إلا بعد وجود صوم ثلاثة أيام في حال عدم الهدي.
والجواب: أن صوم الثلاثة إنما جاز عند عدم الهدي؛ لأنه وقت له؛ لان وقته أن يصوم في الحج، لا لأجل التحلل، وصوم السبعة
الجزء: 1 - الصفحة: 306
لا يختص وقته بالحج، فامتنع أن يكون صوم الثلاثة لأجل التحلل، وإنما كان لما ذكرنا.
- فصل:
والدلالة على أنه يجزئه الصيام، ولا يلزمه الخروج إلى الهدي: هو أنه وجد الهدي بعد دخوله في الصوم، فوجب ألا يلزمه الانتقال إليه قياساً عليه إذا دخل في صوم السبعة أيام ثم وجده.
وقيل: صوم تلبس به لعدم الهدي، فلم يبطل بوجوده كالسبعة.
والعبارة الأولى أصح؛ لأن الحكم في الثانية ضد الوصف؛ لأن ما تلبس به للعدم يدل على تأثير الوجود فيه.
فإن قيل: المعنى في صوم السبعة: أنه ليس ببدل، وليس كذلك الثلاث؛ لأنها بدل.
قيل: قد بينا: أن الجميع بدل، فلا فرق بينهما.
واحتج المخالف عليه إذا وجده قبل الفراغ من الصوم: أنه يلزمه؛ لأنه بدل عن الهدي، فإذا قدر على المبدل قبل الفراغ من البدل لزمه أن ينتقل إليه، كالمعتدة بالشهور إذا حاضت، والمتيمم إذا وجد الماء في الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 307
ولا يلزم عليه إذا وجده قبل صوم السبعة؛ لأنه ليس ببدل عن الهدي.
والجواب: أنه قوله: وجده قبل الفراغ من الصوم، لا تأثير له عندك؛ لأنه لا فرق بين أن يجده قبل الفراغ من صوم الثلاثة، أو يجده بعد الفراغ منها، وقبل التحلل من إحرام الحج،] فـ[ـإنه ينتقل إلى الهدي، وإذا كان كذلك لم يكن لاعتبار وجود الهدي في البدل تأثير، ووجب إسقاط الوصف.
وعلى أن فرقاً بين وجود الماء في الصلاة، أو قبل الدخول فيها، وبين مسألتنا، وذلك أن ظهور المبدل هناك يبطل حكم البدل من أصله؛ لأنه يبطل ما مضى من الصلاة، ويمنع كونها قربة وطاعة، وقبل الصلاة - أيضاً - تبطل حكم التيمم من أصله، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن وجود الهدي لا يوجب بطلان الصوم من أصله، ولا يخرجه عن أن يكون قربة في نفسه، فدل على الفرق بين البدلين.
وأما العدة ففرق بينها وبين مسألتنا، وذلك أن الهدي يجوز تركه للمشقة، وهو إذا لم يجده في البلد، وإذا كان له مسكن يمكنه أن يشتري بثمنه هدياً إلا أنه يحتاج إليه، لم يلزمه، وأجزأه الصوم، وليس كذلك العدة بالأقراء؛ فإن المرأة إذا حاضت مرة، ثم ارتفع حيضها، لم يجز لها أن تعتد بالأشهر، بل تتربص حتى يعود الحيض، أو ييأس أضرابها.
واحتج بأن ما كان شرطاً في صحة اليوم الأول كان شرطًا في الثاني.
الجزء: 1 - الصفحة: 308
دليله: النية وترك الأكل.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون شرطاً في الأول، ولا يكون شرطاً في الثاني، كما كان شرطاً عندك في الثلاث، ولم يكن شرطاً في السبع.
وعلى أنه متى كان الهدي موجوداً في اليوم الأول، فلم يوجد شرطه، وليس كذلك إذا شرع فيه، ثم وجده؛ لأنه وجد شرطه، فهو كما لو وجده في السبع.
وعلى أن ترك نية الإمساك في صوم السبعة يمنع الإجزاء، ووجود الهدي فيها لا يمنع.
واحتج بالقياس عليه إذا وجده بعد صيام الثلاثة - وقبل الإحلال - بأنه متمتع وجد الهدي قبل الإحلال من الإحرام، فوجب أن ينتقل إليه.
دليله: إذا لم يصم ثلاثة أيام.
والجواب: أن المعنى ف الأصل: أنه وجده قبل الشروع في الصوم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه وجد] هـ[بعد الشروع فيه، فأشبه إذا وجده بعد الشروع في السبعة.
واحتج بأن الهدي مشروط لإباحة الإحلال عندنا وعندكم، والصوم بدل عنه وقائم مقامه، فإذا وجد قبل حصول الإحلال بطل حكم البدل، ووجب الانتقال إلى المبدل، كما تقول: إن الطهارة بالماء تراد لأداء الصلاة، والتيمم بدل عنها، ثم لو وجد الماء قبل الإحلال من الصلاة
الجزء: 1 - الصفحة: 309
بطل حكم البدل، ووجب الانتقال إلى المبدل.
والجواب: أن لنا في رؤية الماء في الصلاة روايتان:
إحداهما: لا تبطل.
فعلى هذا: لا نسلم.
والثانية: تبطل.
فعلى هذا] نقول [: فرق بينهما، وذلك أن ظهور المبدل هناك يبطل حكم البدل من أصله، وليس كذلك هاهنا؛ لأن ظهور المبدل هاهنا لا يبطل حكم البدل من أصله؛ لأنه صوم صحيح يثاب عليه.
وعلى أنا قد بينا أنه ليس بمشروط لإباحة الإحلال، وإنما تأخر فعله لدخول وقته.
56 -
مسألة
المتمتع الذي يسوق الهدي لا يحل إلا يوم النحر، فإذا كان يوم النحر ذبح وحل، فإذا طاف وسعى لعمرته لم يحل منها، ولكن يحرم بالحج، ثم لا يحل حتى يتحلل منهما معاً:
نص عليه في رواية حنبل فقال: إذا قدم في أشهر الحج - وقد ساق
الحديث: 56 - الجزء: 1 - الصفحة: 310
الهدي - فلا يحل حتى بنحر، وإذا قدم في العشر لم يحل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم في العشر، ولم يحل.
وظاهر هذا: أنه لا يحل إلى يوم النحر سواء قدم مكة في العشر، أو قبله.
وروى أبو طالب عنه في الذي يعتمر قارناً أو متمتعاً، ومعه الهدي: قصر من شعرك، ولا تمس شاربك، ولا أظفارك، ولا لحيتك، كما فعل النبيصلى الله عليه وسلم؛ فإن شاء لم يفعل، وإن شاء أخذ من شعر رأسه، وهو حرام.
وظاهر هذا: انه يحل من التقصير فقط، ولا يحل من جميع المحظورات، كما يحل الحاج إذا رمى من بعض المحظورات.
وروى يوسف بن موسى فيمن قدم متمتعاً، وساق الهدي: فإن قدم في شوال نحر الهدي وحل، وعليه هدي آخر، وإذا قدم في العشر أقام على إحرامه، ولم يحل، فقيل له: معاوية يقول: قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص، فقال: إنما حل بمقدار التقصير، ويرجع حراماً مكانه.
الجزء: 1 - الصفحة: 311
وظاهر هذا: أنه إن قدم مكة قبل العشر جاز له أن يتحلل، وينحر الهدي، وإن قدم في العشر لم يحل له التحلل قبل يوم النحر إلا بقدر تقصير الشعر.
وهذا يقتضي أن سوق الهدي لا يمنع التحلل عنده، وإنما استحب له المقام على إحرامه إذا دخل في العشر؛ لأنه لا يطول تلبسه بالإحرام، وإذا دخل قبل العشر طال تلبسه به؛ فلا يأمن مواقعة المحظور، فيتحلل.
وقال في رواية أبي طالب: إذا كان الهدي نمنعه من التحلل من جميع الأشياء في العشر وغيره.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك والشافعي: له أن يحل من العمرة بعد الفراغ منها؛ سواء ساق الهدي، أو لم يسق.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن ابن عمر قال: تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، وكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: "من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقتضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحل، ثم ليهل بالحج".
وروى - أيضاً بإسناده عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن
الجزء: 1 - الصفحة: 312
يجعلوها عمرة، ويحلوا إلا من كان معه هدي، وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت".
وروى - أيضاً - بإسناده عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أرى إلا أنه الحج، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي أن يمضي على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي أن يحل.
فإن قيل: لا دلالة في هذه الأخبار على مواضع الخلاف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من لم يكن ساق الهدي أن يفسخ الحج ويجلعها عمرة، ومنع من كان ساق الهدي من فسخه، وأمره بالبقاء على إحرامه إلى يوم النحر، وخلافنا في المتمتع إذا ساق الهدي، وفرغ من أعمال العمرة: هل له أن يحل، أم لا و] ليس [في هذه الأخبار بيان هذا الموضع.
قيل له: أما حديث ابن عمر فهو خاص في المتعة.
وعلى أن ورود الخبر فيمن كان مهلاً بالحج لا يوجب أن يكون حكمة مقصوراً عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلق الحكم على الإحرام بالحج، وإنما علقه بسوق الهدي وعدمه، فوجب أن يعتبر هذا في كل محرم.
وأيضاً هدي المتعة نسك يجب فعله في الإحرام، فوجب أن يكون موقتاً كسائر أفعال المناسك، وإذا ثبت أنه موقت ثبت أنه وقته يوم النحر؛ لأن أحداً لم يوقته بغيره، وإذا صح ذلك لم يجز ذبحه قبل وقته،
الجزء: 1 - الصفحة: 313
وإذا لم يجز ذبحه قبل يوم النحر، لم يجز التحلل من عمرته؛ لأن كل من أباح له الإحلال، أجاز ذبحه قبل يوم النحر.
ولأن التمتع أحد نوعي الجمع بي الإحرامين، فجاز أن يقف التحلل منه على يوم النحر، كالقران.
فإن قيل: ذكر الجواز في الأصل لا معنى له.
قيل له: بل له معنى؛ لأنه يجوز أن يتحلل قبل يوم النحر بالإحصار.
واحتج المخالف بأنه متمتع أكمل أعمال عمرته، فجاز له التحلل، كما لو لم يسق.
والجواب: أنا لا نسلم أنه أكمل أعمال عمرته؛ لأن الهدي من جملة أعمالها [، وكماله يحصل يوم النحر.
وعلى أن المعني في الأصل: أنه لم يسق الهدي، وليس كذلك هاهنا؛ لأن ساق الهدي، ولسوق الهدي تأثير في منع التحلل.
الدليل عليه: من كان محرماً في وقت النبي صلى الله عليه وسلم] و [فسخ عليه، فإن سوق الهدي منعه من الفسخ.
وعلى أن هذا قياس يعارض السنة الصحيحة، فلا يلزم الكلام عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 314
واحتج بأن كل من جاز له أن يحل قبل يوم النحر بإنه لا يختلف أن يكون قد ساق الهدي، أو لم يسق، ومن لا يجوز له الإحلال إلى يوم النحر لا يختلف - أيضاً - كالقارن والمفرد إذا لم يحصر، كذلك هاهنا.
والجواب: أنا قد بينا: أن لسوق الهدي تأثيراً في منع الفسخ بدليل من كان في وقت النبي صلى الله عليه وسلم وفسخ عليه.
57 -
مسألة
حاضرو المسجد الحرام هم أهل الحرم، ومن كان من الحرم على مسافة لا تقصر في مثلها الصلاة:
وفائدة هذا: أنهم إذا تمتعوا لا دم عليهم.
نص عليه في رواية أبي طالب في من كان حول مكة فيما لا تقصر فيه الصلاة، فهو مثل أهل مكة ليس عليهم عمرة ولا متعة إذا قدموا في أشهر الحج، ومن كان منزله فيما تقصر فيه الصلاة، فعليه المتعة إذا قدم في أشهر الحج، وأقام إلى الحج.
وكذلك نقل المروذي فقال: إذا كان منزله دون الميقات بما لا تقصر فيه الصلاة فهو من أهل مكة.
وبهذا قال الشافعي.
الحديث: 57 - الجزء: 1 - الصفحة: 315
وقال أبو حنيفة: حاضروا المسجد الحرام هم أهل المواقيت ومن دونها إلى أهل مكة.
وقال مالك: هم أهل مكة نفسها.
فالدلالة على أبي حنيفة: أن بينه وبين مكة مسافة تقصر في مثلها الصلاة، فأشبه إذا كان منزله وراء المواقيت إلينا أن يلزمه دم المتعة، وهذه العلة تصور في ذي الحليفة وما بعد من المواقيت التي بينها وبين الحرم أكثر من ستة عشر فرسخاً؛ لأن بين مكة وبين ذي الحليفة عشر مراحل، وهي أبعد المواقيت، ولأن القريب أولى باسم الحضور من البعيد.
وعلى قولهم يؤدي أن يخرج القريب من الاسم، ويدخل البعيد فيه؛ لأن عندهم أن أهل ذي الحليفة ومن كان دونها داخل في اسم الحاضرين، وبينهم وبين البيت مسيرة ليلتين.
ولأن من كان على مسافة لا يقصر فيها الصلاة فهو في حكم الحاضر بدليل أنه يمسح مسح مقيم، ويتم الصلاة، ويصوم، ومن كان على مسافة بعيدة فإنه يباح له هذه الأشياء، فيجب أن لا يكون حاضراً.
فإن قيل: فائدة الخلاف في أنه حاضر أم لا: أن يتعلق به حكم الإحرام المخصوص، وهو أن يحرم للعمرة من الميقات، وللحج من
الجزء: 1 - الصفحة: 316
مكة، فيجب أن يعتبر الموضع الذي هو ميقات للإحرام.
قيل له: لو كان صحيحاً لوجب أن نقول: من كان منزله دون ذي الحليفة فما يلي مكة أن لا يكون من حاضري المسجد؛ لأن إحرامه من دويرة أهله، لا من الميقات الشرعي، ولما كان هذا من حاضري المسجد الحرام بطل أن تكون فائدة الخلاف ما ذكرته.
واحتج المخالف بأنه من أهل الميقات، فوجب أن يكون من حاضري المسجد الحرام قياساً على أهل الميقات الذي بينه وبين مكة مسافة لا تقصر في مثلها الصلاة مثل قرن.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه في حكم الحاضر بدليل أن أحكام الحاضرين ثابتة في حقه من الصوم، وإتمام الصلاة، ومسح يوم، وليس كذلك ما اختلقنا فيه، ولأنه في حكم المسافرين، ولأن ذلك لا يؤدي إلى إخراج القريب من اسم حاضر، وإدخال البعيد فيه، وهاهنا يؤدي، فبان الفرق بينهما.
واحتج بأن له دخول مكة بغير إحرام، أشبه من كانت قريته قريبة من مكة مثل بستان بني عامر.
والجواب: أنه لا يجوز له الدخول بغير إحرام، وحكمه حكم الخارج عن الميقات سواء، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي: لا يعجبني أن يدخل مكة تاجراً، ولا غير تاجر إلا بإحرام.
ثم المعني في الأصل: ما تقدم من أنه في حكم الحاضر من
الجزء: 1 - الصفحة: 317
الوجه الذي ذكرنا.
واحتج بأن من كان وراء المواقيت إلينا فليس من الحاضرين، فلابد من حد فاصل بينهما، فالأولى أن يكون الحد ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم ميقاتاً لأهله ولمن مر عليه، ومنع أهل الآفاق من مجاوزته إلا بإحرام، وجعل حكم أهله حكم أهل الحرم ومن قرب منهم في جوازه دخولهم مكة بغير إحرام.
والجواب: أن المواقيت مضروبة للإحرام، لا لبيان القرب والبعد، وإنما الحد المشروع لبيان البعد والقرب ستة عشر فرسخاً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أهل مكة! لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان"، وذلك ستة عشر فرسخاً.
فإن قيل:] من في [المواقيت في حكم الحاضرين بدليل أن له دخول مكة بغير إحرام.
قيل له: قد بينا أنه ليس له ذلك.
وعلى أنه لو كان منه لما جاز أن يدخل الميقات إلا بإحرام، كما لا يجوز له العبور إلا بإحرام.
فإن قيل: حدنا أولى؛ لأنه منصوص عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 318
قيل له: [إنا] قد بينا: أن النص أفاد الإحرام منه، ولم يفد القرب والبعد.
وعلى ان حدنا أولى من وجهين:
أحدهما: أنه لا يختلف باختلاف الجهات من مكة، وحدهم يختلف؛ لأن المواقيت بعضها أبعد من بعض.
والثاني: ما كان في الموضع الذي نعتبره، فهو في حكم المقيم بمكة بدليل أنه لا يترخص برخص المسافرين، وحدهم بخلاف ذلك.
- فصل:
والدلالة على مالك: أن من كان خارج الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فهو في حكم المقيم بدلالة أنه لا يترخص برخص السفر، فوجب أن يكون من حاضري المسجد الحرام، كمن كان مقيماً بمكة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾] البقرة:196 [، وحاضر الشيء من لا يحتاج إلى تكلف] للوصول [إليه، وقطع مسافة للحضور فيه، وذلك مقصور على أهل مكة فقط.
والجواب: أن حاضر الشيء هو من كان قريباً منه، أو مجاوراً
الجزء: 1 - الصفحة: 319
له، أو كان حالاً فيه، كما يقال: كنت بحضرة فلان؛ يعني: كنت بقربه، لا أني جلست في مجلسه، كذلك أيضاً من كان قريباً من الحرم وجب أن يكون من حاضريه.
واحتج بأن من ليس بمكة لا يوصف بأنه من حاضري المسجد الحرام.
دليله: إذا كان منها على مسافة تقصر فيها الصلاة.
والجواب: أن أحكام المسافرين ثابتة في حقه، فهذا لم يكون من حاضريه، وليس كذلك هاهنا؛ لأن أحكام الحضر ثابتة في حقه، فجاز أن يكون من حاضريه.
58 -
مسألة
إذا جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم، ثم عاد إلى ميقات، لم يسقط عنه الدم؛ لبي أو لم يلب:
ذكره الخرقي في "مختصره"، وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: إن عاد إلى الميقات ملبياً سقط الدم، وإن لم يعد ملبياً لم يسقط.
وقال الشافعي: يسقط في الحالين إذا عاد قبل أن يطوف.
الحديث: 58 - الجزء: 1 - الصفحة: 320
دليلنا: أنه ترفه لو استدامه لوجب الدم، فإذا قطعه لم يسقط الدم.
دليله: إذا تطيب، أو لبس، ثم غسل الطيب، وخلع اللباس بعد ذلك، فإنه يلزمه الدم، كما لو استدامه، كذلك هاهنا، لو استدام المضي على إحرامه، ولم يرجع، لزمه، كذلك إذا رجع.
فإن قيل: إنما لزم الدم؛ لأنه حصل له هناك الاستمتاع بالطيب، ولبس الثوب، ونزعه وغسله لا يزيلان ذلك، وإنما يقطعان الاستمتاع في الحال، فلزمته الفدية لأجل ما حصل له، وفي مسألتنا إذا عاد لزمته مشقة في العود مقابل ما حصل له من الترفه.
قيل له: فيجب إذا رجع ولم يلب - أو رجع بعدما طاف - أن يسقط عنه أيضاً للمعنى الذي ذكرته.
وعلى أنه لا فرق بينهما، وذلك أنه لما حصل في الميقات، لزمه الإحرام منه، ولم يجز له مجاوزته محلاً، فإذا جاوزه محلاً فقد ترفه بترك الإحرام في ذلك الزمان، فإذا عاد إليه محرماً فلم يزل ذلك الترفه في الزمان الماضي، وإنما حصل منه الرجوع بأحرام في الزمان الثاني.
ولأن كل دم استقر عليه إذا تلبس بالطواف، أو لم يأت بالتلبية، استقر عليه قبل التلبس به وبعد التلبية.
دليله: سائر الدماء المواجبة بقتل الصيد، والحلاق، وتقليم الأظفار، ونحو ذلك.
ولأنه مريد للنسك مر على الميقات محلاً، وأحرم دونه، لزمه الدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 321
دليله: إذا لم يعد، أو عاد ولم يلب، أو عاد بعدما طاف.
وقولنا: (مريد للنسك) احتراز من الحطابة والحشاشة.
وقولنا: (أحرم دونه) احتراز منه إذا رجع قبل الإحرام فما بعد.
فإن قيل: إنما لزمه الدم إذا لم يعد؛ لأنه لم يحصل في الميقات محرماً، وهاهنا قد حصل.
قيل له: فإذا عاد بعدما طاف، أو عاد ولم يلب، فقد حصل في الميقات محرماً وعليه الدم.
فإن قيل: إنما لم يسقط عنه الدن إذا عاد يلبـ]ـي [؛ لأن المتروك في الميقات هو التلبية، فإذا لم يأت بها في الميقات، فلم يأت بالمتروك، فلهذا وجب عليه الدم، وإذا لبى فقد أتى بالمتروك، فلهذا سقط الدم.
قيل له: لا نسلم أن التلبية يلزمه الإتيان بها في الميقات، وإنما يستحب ذلك، ولهذا نقول: ينعقد الإحرام بمجرد النية.
فإن قيل: إذا عاد بعدما طاف فلم يأت بالنسك بإحرام كامل، فلهذا لم يسقط الدم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه متى عاد قبل الطواف فقد أتى بالنسك بإحرام كامل، فلهذا سقط الدم.
قيل له: لا نسلم أنه أتى بالنسك بإحرام كامل؛ لأن النقص إذا دخل
الجزء: 1 - الصفحة: 322
على إحرامه بعد مجاوزته [الميقات]، وإحرامه من غيره، وبعوده لا يزول النقص السابق، كما إذا غسل الطيب، وخلع اللباس في الثاني، فإن النقص السابق لا يزول، كذلك هاهنا.
ثم هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأنه يقول: هذا الإحرام مراعى؛ فإن عاد إلى الميقات تبيناً أنه وقع تاماً.
وقد عاد، فلا يصح قوله: إذا طاف في إحرام ناقص.
وعلى أنه كان يجب أن يقول: يسقط الدم لأجل عوده، ويلزمه إعادة الطواف؛ ليأتي به في إحرام كامل.
واحتج المخالف بأنه حصل في الميقات محرماً قبل التلبس بشيء من أفعال النسك التي تلي الإحرام، فلم يلزمه دم الميقات، كما لو أنشأ الإحرام من الميقات.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه حصل إحرامه من الميقات، فلهذا لم يلزمه دم للميقات، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه أحرم بعد مجاوزته للميقات، فلزمه دم الميقات، كما لو لم يعد، أو عاد بعدما طاف.
واحتج بأنه لو جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم بحجة أو عمرة، ثم جامع فيها، فقضاها، وسقط عنه الدم لترك الميقات، كذلك هاهنا.
والجواب: أن في تلك المسألة روايتين:
إحداهما - وهي الصحيحة -: أنه لا يسقط، فعلى هذا لا فرق بينهما.
والثانية: يسقط، فعلى هذا المعنى فيه: أن الدم قائم مقام النسك
الجزء: 1 - الصفحة: 323
المتروك، [....] وهو الإحرام من الميقات، فإذا قضى ذلك الإحرام من الميقات، فقد فعل المتروك فسقط الدم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه إذا عاد محرماً، فلم يأت بالمتروك، وهو الإحرام في الميقات، فلهذا لم يسقط، فنظيره في مسألتنا أن يعود محلاً، ويحرم من الميقات، فيسقط الدم.
واحتج بأن المكي لو ترك الإحرام بالحج من الحرم، وأحرم من الحل، لا دم عليه، كذلك هاهنا.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه لا يجب عليه الإحرام من الحرم على قولنا، بل هو مخير، ولهذا نقول: لو لم يعد، ومضى إلى عرفات، فلا دم.
واحتج [بأنه] لو عاد إلى الميقات محلاً، وأحرم منه، لم يلزمه دم، وعوده هناك حصل بغير نسك، وهاهنا حصل بنسك وعبادة، فلأن لا يلزمه الدم أولى.
والجواب: أن هذا موجب أن لا يلزمه الدم إذا عاد بعدما طاف؛ لأنه عاد بنسك، ومع هذا فالدم لازم له.
وعلى أنه إذا عاد قبل الإحرام فإنما لم يلزمه الدم؛ لأن إحرامه
الجزء: 1 - الصفحة: 324
حصل من الميقات، فلهذا لم يلزمه دم الميقات، وهاهنا حصل إحرامه بعد الميقات.
واحتج بأنه إنما لزمه الدم بترك الإحرام من الميقات، فإذا عاد فقد تلافى ما كان منه، فلم يلزمه دم، كما لو دفع من عرفات قبل المغيب، ثم عاد قبل طلوع الفجر، وكما لو صاد صيداً، ثم أرسله، وكما لو ضرب رأس رجل، فابيضت عيناه، ثم زال البياض، فإنه لا تلزمه الدية.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يحصل منه التلافي، ومع هذا فلا يسقط عنه الدم، كما لو غسل الطيب، وخلع اللباس، فقد تلافى، ومع هذا لا يسقط عنه الدم، وكذلك إذا أخرج الوديعة من حرزها، ثم ردها إلى الحرز، فقد تلافى، ومع هذا لا يبرأ من ضمانها، وكذلك إذا ترك التشهد الأول، ثم عاد إليه، لم يسقط عنه سجود السهو، كذلك هاهنا.
وعلى أن الدم إنما يجب عندنا بترك الإحرام من الميقات، وإيقاعه في غيره، وذلك لا يرتفع بعوده، فلا نسلم أنه تلافى ما كان منه.
وعلى أنه إذا رجع إلى عرفات قبل المغيب، فإنما يسقط الدم؛ لأن المأخوذ عليه الجمع بين الليل والنهار، وقد حصل له ذلك.
وكذلك إذا أرسل الصيد، فإنما لم يلزمه الضمان؛ لأنه إنما يجب بالإتلاف، وهو غير متلف.
وكذلك إذا عاد ضوء عينه لم يلزمه الضمان؛ لأن الإتلاف غير حاصل.
الجزء: 1 - الصفحة: 325
وليس كذلك هاهنا؛ المأخوذ عليه عقد الأحرام من الميقات، والرجوع إليه لا يقوم مقامة بدليل أنه لو عاد بعدما طاف - أو عاد ولم يلب - لم يسقط.
فإن قيل: لا نسلم أن المأخوذ عليه كونه محرماً في الميقات.
قيل: يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "هذه المواقيت لمن مر عليها"، ولا يخلو إما أن يفيد ذلك منع التقدم أو التأخر، وأجتمعنا على جواز التقدم، [فـ]ــعلم أنه أفاد منع التأخر.
ولأنه لو عاد إلى الميقات بعدما طاف فقد وجب عليه الدم، وإن كان قد حصل محرماً في الميقات.
59 -
مسألة
المكي إذا خرج إلى الحل، فأحرم منه بالحج، لم يلزمه الدم؛ سواء عاد إلى الحرم، أو لم يعد، ومضى على إحرامه إلى عرفة:
نص عليه في رواية ابن منصور: وقد ذكر له قول سفيان: الحرم
الحديث: 59 - الجزء: 1 - الصفحة: 326
ميقات أهل مكة، فمن خرج من الحرم، فلم يهل، أمرته أن يرجع، وأرى عليه - إذا كان ذلك حدهم - ما أرى على غيرهم إذا جاوز الميقات، فقال أحمد: ليس لهم حد محدود، إلا أنه أعجب إلي أن يحرموا من الحرم، إذا توجهوا إلى منى.
وكذلك نقل الأثرم في رجل تمتع بعمرة، فحل منها، ثم أقام بمكة، فلما كان يوم الترويح خرج إلى التنعيم، وأحرم بالحج، ثم توجه إلى منى وعرفات، ولم يأت البيت: ليس عليه شيء.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يعد إلى الحرم، أو عاد إليه، ولم يلب، فعليه دم، وإن عاد إليه ملبياً فلا دم عليه.
والحكم عنده في المكي كالحكم في ميقات أهل البلدان.
وقال الشافعي: [إذا] لم يعد عليه دم.
دليلنا: أن الحج أحد النسكين، فإذا أحرم به المكي من الحل لم يلزمه دم.
دليله: العمرة.
فإن قيل: المعنى في العمرة: أنه يجب الإحرام لها من الحل، فإذا أحرم به فقد أتى بالواجب، فلهذا لم يلزمه الدم، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الحج يجب الإحرام له من الحرم، فإذا أحرم من الحل - ولم يعد -
الجزء: 1 - الصفحة: 327
فقد أخل بالواجب، فلهذا لزمه الدم.
قيل له: لا نسلم أنه يجب الإحرام بالحج من مكة، بل هو مخير بين الإحرام منها، أو من الحل، كما تخير الإنسان أن يحرم من دويرة أهله، وبين أن يحرم من الميقات.
ولأنه أخل بالإحرام من مكة فلم يلزمه دم.
دليله: غير المكي.
ولأنه لو خرج إلى الميقات الشرعي، فأحرم منه، لم يلزمه دم، كذلك إذا أحرم من أدنى الحل؛ لأنه في الموضعين مخل بالإحرام من مكة.
واحتج المخالف بأنه أخل بالإحرام من ميقاته، أشبه إذا أخل بالإحرام من ميقات بلده.
والجواب: أنا قد بينا: أنه ليس بمحل لإيجاب الإحرام، بل هو مخير بين الإحرام منه، أو من غيره، كما هو مخير في دويرة أهله.
على أن هذا يبطل به إذا [....].
الجزء: 1 - الصفحة: 328
60 -
مسألة
إذا جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم بحجة أو عمرة، ثم جامع فيها، فعليه قضاؤها، فإن قضاها لم يسقط عنه الدم لترك الميقات في أصح الروايتين:
نص عليه في رواية ابن منصور: وقد ذكر له قول سفيان في رجل جاوز الميقات، فأهل، ثم جامع: فعليه أن يحج من قابل، وعليه بدنة، وليس عليه دم لتركه الميقات.
قال أحمد: عليه دم لتركه الميقات، ويمضي في حجته، ويصنع ما يصنع الحاج، ويلزمه ما يلزم المحرم في كل ما أتى؛ لأن الإحرام قائم، وعليه الحج من قابل والهدي.
وفيه رواية أخرى: يسقط عنه الدم.
نص عليه في رواية مهنا في رجل جاوز الميقات إلى مكة، ثم أحرم بعمرة، فأفسدها: عليه قضا [ؤ] ها؛ يرجع إلى الميقات يحرم منه، فسئل: فلا يكون عليه شيء لتركه الميقات أول مرة؟ قال: لا.
وبه قال أبو حنيفة.
ووجه الأولى: أن من أصلنا: أن الدم الواجب بترك الإحرام من الميقات لم يسقط عنه أداء، كذلك إذا قضى الإحرام من الميقات لم يسقط عنه.
الحديث: 60 - الجزء: 1 - الصفحة: 329
وكل دم لم يسقط عنه إذا لم يوجد القضاء، لم يسقط عنه إن وجد القضاء.
دليله: الدم الواجب باللباس والطيب وقتل الصيد في الإحرام الفاسد.
واحتج المخالف بأن الدم قائم مقام النسك المتروك، وهو الإحرام من الميقات، فقد فعل المتروك، فسقط عنه الدم، ألا ترى أنه لو لم يفسد الإحرام حتى عاد إلى الميقات سقط عنه الدم؟
ولا يلزم عليه إذا تطيب في الإحرام الفاسد أو لبس، ثم قضى: أنه لا يسقط عنه الدم؛ لأن الدم هاهنا ليس بقائم مقام نسك متروك، وإنما هو واجب لأجل الجناية، وتلك الجناية لم ترتفع، فلا يسقط عنه الدم.
ولا يلزم عليه إذا ترك رمي الجمار في الإحرام الفاسد، أو الوقوف بالمزدلفة، ثم قضى ذلك الإحرام، فإنه يسقط عنه الدم كما يسقط في مسألتنا.
والجواب: أنا لا نسلم أنه إذا قضى الإحرام من الميقات، فقد فعل المتروك؛ لأنا قد بينا من أصلنا: أنه لو عاد، ولم يفسد الحج، لم يسقط عنه الدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 330
61 -
مسألة
يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب لإحرامه:
ص عليه في رواية حنبل وعبد الله، فقال: لا بأس أن يتطيب قبل أن يحرم.
وذهب فيه إلى الحديث.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: لا يجوز، فإن فعله غسله واستدامه، ولا كفارة عليه.
دليلنا: ما روى ابن بطة في "سننه" بإسناده عن عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين [لـ] إحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت.
وروي - أيضاً بإسناده عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتطيب بالطيب عند الإحرام.
وروى بإسناده عن الأسود، عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم.
وقال مرة أخرى: وهو يلبي.
وروي في لفظ آخر عن مسروق، عن عائشة قالت: لقد رأيت
الحديث: 61 - الجزء: 1 - الصفحة: 331
رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي، وإني لأنظر إلى ويبص المسك في مفارقه.
وروى أبو بكر الخلال في "العلل" بإسناده عن ابن عباس: أنه سئل عن الطيب قبل الإحرام، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك قبل أن يحرم، أو طيب ذلك؟!.
فإن قيل: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بذلك، ولهذا قال: "حبب إلى من دنياكم ثلاث: الطيب ... ".
قيل له: فقد قال: "خذوا عني مناسككم"، وهذا يقتضي مساواته.
فإن قيل: يحتمل أن يكون تطيب قبل الغسل، ثم اغتسل للإحرام، فزال ريحه، وبقي أثره، وقد روت عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطاف على نسائه.
ومعلوم أنه يغتسل بعد ذلك.
قيل له: قولها: (عند الإحرام) يقتضي معه.
ولأن العادة أن الطيب يكون بعد الغسل، ولأن وبيص الطيب
الجزء: 1 - الصفحة: 332
لا يبقى بعد الغسل، ولأن الطيب معنى يراد به للاستدامة والبقاء، فإذا منع المحرم [من] ابتدائه لم يمنع من استدامته كالنكاح، وعكسه اللباس؛ لأنه لا يراد للاستدامة.
واحتج المخالف بما روى صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة إذ أتاه أعرابي، وعليه جبة عليها ردع من خلوق، فقال: يا رسول الله! أحرمت بالعمرة، وعلي هذه، فما أصنع؟ قال: "انزع الجبة، واغسل الصفرة".
والجواب: أنه إنما أمره بغسل ذلك؛ لأنه كان عليه الزعفران، والرجل منهي عن المزعفر.
وعلى أن هذا المنسوخ؛ لأنه كان بالجعرانة، والنبي صلى الله عليه وسلم تطيب لإحرامه في حجة الوداع.
واحتج بما روي عن عمر: أنه أنكر على معاوية حيث رأى عليه ثوباً مطيباً.
والجواب: أنه إنما أنكر عليه خوفاً أن يراه الجاهل، ويظن أنه ابتدأ الطيب في إحرامه.
على أن هذا مذهب لعمر، وقد خالفه ابن الزبير، وابن عباس، وعائشة، ومعاوية، وأم حبيبة، وسعد بن أبي وقاص.
الجزء: 1 - الصفحة: 333
ذكره أبو بكر الخلال في كتاب "العلل".
واحتج بأن الطيب معنى يراد للترفه، فإذا منع المحرم من ابتدائه، منع من استدامته، كاللباس.
والجواب: أن اللباس لا يراد للاستدامة والبقاء، وإنما يراد للترفه والنزع، والطيب يراد للاستدامة والبقاء، فهو كالنكاح.
واحتج بأنه طيب فمنع من استدامته، كالطيب الذي له أثر.
والجواب: أن الأثرم ذكر في "مختصر الحج": تطيب بأي طيب الرجال شئت مثل الذريرة والمسك والعنبر والعود.
وهذا يدل على جواز ذلك، فلا نسلم الأصل.
واحتج بأنه إنما منع من الطيب في الإحرام؛ لئلا يدعوه ذلك إلى الوطء، وهذا موجود في استدامة الطيب.
والجواب: أنه منع المحرم من عقد النكاح؛ لئلا تدعوه نفسه إلى الوطء، ثم لا يمنع من استدامته.
62 -
مسألة
إذا أحرم بنسك، ثم نسي ما أحرم به، فهو مخير؛ إن شاء صيره حجاً، وإن شاء صيره عمرة:
وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: وقد ذكر له قول سفيان في
الحديث: 62 - الجزء: 1 - الصفحة: 334
رجل أهل لا يدري بحج أو عمرة، فأوجب عليه أن يجمعهما، قال أحمد: أنا أقول: إن كان أهل بحج، فشاء أن يجعله عمرة فعل، وإن كان أهل بحج وعمرة، ولم يسق، وشاء أن يجعلهما عمرة فعل.
وظاهر هذا أنه لا يتعين عليه صرفه إلى القران، ولا إلى الحج.
وكذلك نقل أبو داود عنه في رجل لبى، فنسي؛ لا يدري بحج أو عمرة: يجعلهما عمرة، ثم يلبي من مكة.
وللشافعي قولان:
أحدهما: يصير قارناً.
والثاني: يجتهد، ويعمل على حسب ما يؤديه اجتهاده إليه.
والدلالة على أنه لا يلزمه صرفه إلى القران، ولا إلى الحج: هو أن براءة ذمته عن كل واحد، فلم يجب إلزامه ذلك بالنسك.
ولأنه لو نذر الإحرام بنسك، وشك، فلم يدر الحج أو القران أو العمرة، [لا] يلزمه إلا العمرة؛ لأنها في اليقين، وما زاد عليها محتمل، كذلك هاهنا.
وتحريره: أن الإحرام سبب يلزم به فعل العبادة كالنذر، ثم ثبت أنه لو شك في النذر لم تلزمه إلا عمرة، ولم يلزمه التحري، كذلك في الإحرام.
الجزء: 1 - الصفحة: 335
ولأنه لو أحرم إحراماً مطلقاً صح، وكان لو صرفه إلى أحد النسكين.
نص عليه في رواية مهنا في من أحرم، ولم ينو حجاً ولا عمرة حتى مضت أيام، قال: يقدم مكة بعمرة، ويطوف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم يلحق أو يقصر، ثم يحرم بالحج، كذلك هاهنا.
واحتج لقوله: (إنه يصير قارناً) [بـ]ـأنه تيقن الدخول في العبادة، فيجب أن لا يخرج منها إلا بيقين، كما لو نسي صلاة من يوم لا يعرفها، فإنه تلزمه صلاة يوم كامل، كذلك هاهنا.
والجواب: أنه يبطل بمن نذر الإحرام بنسك، وشك، فإنه لا يلزمه إلا العمرة، وإن كان تيقن شغل ذمته بالنسك.
ولأنه يقابل هذا اليقين مثله، وهو أن الأصل براءة ذمته، فلم يجز شغلها بالقران إلا بيقين.
ولأنه يبطل بمن تيقن الطلاق، وشك في عدده، فإنه تيقن الطلاق، ومع هذا فلا تلزمه الثلاث.
واحتج لقوله بالاجتهاد بأنه بالاجتهاد يمكنه التوصل إلى غير ما أحرم به، فجاز ذلك كما لو شاك في عين القبلة.
والجواب: أنه باطل على أصله بالمصلي إذا شك في عدد الركعات، فإنه لا يجتهد في ذلك، وإن كان يتوصل به إلى معرفة ذلك، وكذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 336
إذا شك في عدد الطلاق.
وعلى أنه قد قيل: إن القبلة [مما] لا يتعلق بفعله، [فـ]ـيجوز أن يجتهد فيه، كالوقت لما لم يتعلق [بـ]ـــفعله اجتهد فيه، وهذا شك لحقه في فعله، فلم يجتهد فيه، كالحاكم إذا وجد في ديوانه حكماً حكم فيه، فلا يجوز العمل به إلا بعد أن يتيقنه، [و] كالمصلي إذا شك في عدد الركعات.
ولأن القبلة عليها علامات ودلائل يمكن التوصل بها إلى معرفتها.
63 -
مسألة
لا يجوز للمحرمة لبس القفازين:
نص عليه في رواية ابن منصور، وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: لها ذلك.
وللشافعي قولان:
أحدهما: هو مثل قولنا.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي النساء في الإحرام عن القفاز،
الحديث: 63 - الجزء: 1 - الصفحة: 337
والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب.
وروى ابن المنذر عن الليث بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين".
وهذا نهي، والنهي يدل على التحريم.
فإن قيل: هذه الأخبار غير مشهورة، ولا نعرفها.
قيل له: حديث ابن عمر مشهور رواه أحمد في "مسنده" وأبو داود، وحديث الليث رواه ابن المنذر.
فإن قيل: يحمل النهي على التنزيه دون التحريم.
قيل له: لا يمكن ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالنهي عن القفازين، ثم عطف النقاب وما مسه الورس والزعفران، والنهي عن النقاب والورس نهي تحريم، كذلك القفازان المعطوف عليهما.
ولأنهما إذا لم يحرما عليها لم يكره ذلك، كما لا يكره لبس المخيط والخفين.
والقياس: انه عضو يلحقه حكم التيمم، أو يباح لمن أراد نكاحها رؤيته، فوجب أن يتعلق به حكم الإحرام في اللباس، كالوجه.
الجزء: 1 - الصفحة: 338
فإن قيل: لو كان حكم الكفين حكم الوجه في تعلق الإحرام لوجب عليها كشفهما، كما يجب عليها كشف الوجه، ولوجب إذا غطتهما بكمها أن لا تلزمها الفدية، كما [لا] تلزمها إذا غطت وجهها بكمها.
قيل له: ليس إذا جاز لها تغطيتهما بكميها يجب أن يجوز بالقفازين المخيطين على قدر الكفين، كما يجوز للمحرم تغطية قدميه بإزاره، ولا يجوز له تغطية قدميه بالخفين المعمولين على قدر الرجلين.
ولأن الرجل لما لزمه كشف عضو، وهو الرأس، تعلق الإحرام بغير ذلك العضو، فمنع من لبس المخيط في جميع بدنه، كذلك المرأة لما لزمها كشف عضو، وهو الوجه، وجب أن يتعلق حكم الإحرام بغير ذلك العضو، وليس ذلك إلا اليدين.
وإن شئت قلت: شخص محرم بالنسك، فلا يجوز له لبس القفازين من غير عذر.
دليله: الرجل.
فإن قيل: لو كانت بمنزلة الرجل في تحريم المخيط لوجب أن يحرم عليها لبس القميص والسراويل والخفين كالرجل، فلما اتفقنا على أنه لا يحرم عليها لبس هذه الأشياء، فتخالف الرجل كذلك في القفازين.
قيل له: كفا المرأة بمنزلة كفي الرجل؛ لأنهما ليستا بعورة منهما
الجزء: 1 - الصفحة: 339
عند المخالف، وعندنا على أحدى الروايتين، فلما حرم على الرجل ليس القفازين وجب أن يحرم على المرأة، وليس كذلك سائر بدنها، فإنه مخالف لبدن الرجل؛ فإن بدنها عورة، وبدن الرجل ليس بعورة، فجاز لها ان تستر بدنها بكل ما يستره من مخيط وغيره، ولا يجوز ذلك للرجل بالمخيط.
فإن قيل: لو كان كذلك لم يجز لها أن تغطي كفيها بكميها كما لا يجوز للرجل.
قيل له: الرجل يحرم عليه لبس القميص، فكيف يستر كفيه بكمية؟ والمرأة يباح لها لبس القميص للعلة التي ذكرنا، ويشق عليها مع لبس القميص أن تحترز من الكمين، فرخص لها في ذلك.
فإن قيل: ما بين سرته وركبته عورة، فكان يجب أن يجوز له لبس السراويل، كما يجوز للمرأة.
قيل له: لا يمكنه لبس السراويل إلا بأن تستر قدميه وساقيه بالسراويل، وذلك ليس بعورة منه، فمنع من ذلك.
واحتج المخالف بأن كل حالة جاز لها أن تلبس فيها الخفين جاز لها أن تلبس فيهـ[ــا] القفازين.
دليله: بعد رمي الجمرة، وإذا كانت حلالاً.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار ما بعد الرمي وإذا كانت حلالاً بحالة
الجزء: 1 - الصفحة: 340
الإحرام بدليل أنه يجوز لها في تلك الحال أن تغطي وجهها، كذلك لا يمتنع أن يكون ذلك في اليدين في تلك الحال، ولا يجوز في حال الإحرام.
واحتج بأنه معمول على قدر العضو، فلا يحرم على المحرمة لبسه.
دليله: الخف.
والجواب: أن قدمها عورة عندنا، وإذا ظهر منها بطلت صلاتها، فلهذا جاز لها تغطيته بكل شيء، كسائر بدنها، وليس كذلك الكفان؛ فإنه ليس بعورة عندهم، وعندنا في إحدى الروايتين محرم عليها فيها ما يحرم على الرجل في كفيه.
وإن شئت قلت: القدمان لا يتعلق بهما حكم التيمم، والكفان يتعلق بهما حكم التيمم، أشبه الوجه.
64 -
مسألة
إذا لم يجد المحرم الإزار لبس السراويل، ولا فداء عليه:
نص عليه في رواية بكر بن محمد: وذكر له: إذا لم يجد إزاراً يلبس السراويل، قال: أذهب إليه.
وفي رواية مهنا - أيضاً - وقد حكي له أنه ناظر بعض أصحاب الشافعي في قطع الخفين، وإن سبيل السراويل وسبيل الخف واحد،
الحديث: 64 - الجزء: 1 - الصفحة: 341
فتبسم أبو عبد الله، وقال: ما أحسن ما احتججت عليه.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: إن لبس سراويل وجبت الفدية.
واختلف أصحاب أبي حنيفة: هل يجوز له لبسه؟
فقال الطحاوي: لا يجوز له لبسه حتى يفتقه.
وقال الرازي: يجوز له لبسه، ويفتدي، وبه قال أصحاب مالك.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب - يقول: "من لم يجد إزاراً، ووجد سراويل، فليلبسها، ومن لم يجد نعلين، ووجد خفين، فليلبسهما" قلت: ولم يقل: ليقطعهما؟ قال: لا.
ورواه أبو بكر النجاد بإسناده عن جابر بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خطب بعرفات، فقال: "من لم يجد نعلين، فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً، فليلبس سراويل".
الجزء: 1 - الصفحة: 342
وروى النجاد بإسناده عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يجد نعلين، فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً، فليلبس سراويل".
وروى النجاد بإسناده عن بكر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاةً، فلما انصرف لبى، ولبى القوم، وفي القوم رجل أعرابي عليه سرا [و] يل، فلبا معهم كما لبوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السراويل إزار من لا إزار له، والخفان نعلا من لا نعل له".
فأجاز لبس السراويل إذا لم يجد إزاراً، وإذا ثبت جواز لبسه، ثبت أنه لا فدية فيه؛ لأن أحداً لا يفرق بين الأمرين، ولأن النبي بين حكم اللبس وجوازه، وأعرض عن ذكر الفدية، ولو كانت واجبة لبينها؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأن من جهل جواز اللبس كان بأن يجهل وجوب الفدية أولى.
فإن قيل: قوله: "فليلبس سراويل"؛ يعني به: بعدما يفتقه، كما
الجزء: 1 - الصفحة: 343
قال: "فليلبس خفين" وأراد به بعدما يفتقهما أسفل من الكعبين.
قيل له: حمله على هذا يبطل فائدة قوله: "فمن لم يجد إزاراً" لأنه إذا فتقه جاز أن يتزر به مع وجود الإزار؛ لأن جواز لبسه بعد فتقه لا يشتبه على أحد، فحمل الخير عليه لا يفيد شيئاً، ولهذا نقول في الخفين ما نقوله في السراويل، والكلام عليه يأتي.
فإن قيل: فأكثر ما فيه إباحة لبسه على جهته في حال عدم الإزار، وليس فيه نفي وجوب الفدية، فلا دلالة فيه على موضع الخلاف.
قيل [له]: لو كانت واجبة لبينها؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأنه إذا كانت إباحته مع الفدية لا يجوز أن يلبس اللبس، ولا يبين ما يجب عليه، ولاسيما وهو بعرفات يخاطب المحرمين الذين يحتاجون إلى معرفة الفدية، كما يحتاجون أن يعلموا إباحة اللبس، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
والقياس أنه لبس أباحه الشرع نطقاً، فوجب أن لا تجب به الفدية.
دليله: لبس الإزار والنعلين.
ولا يلزم عليه لبس القميص والبرنس لشدة حر أو برد أنه مباح، وتجب الفدية؛ لأن إباحته باجتهاد، لا من جهة النطق.
واحتج المخالف بما روى ابن عمر: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما يلبسه المحرم: فقال: "لا يلبس المحرم القميص، ولا السَّراويلات،
الجزء: 1 - الصفحة: 344
ولا العمائم، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين"، فنهى عن السراويل نهياً عاماً.
والجواب: أن هذا محمول عليه إذا كان واجداً للإزار بدليل حديث ابن عباس.
واحتج بأنه لو لبسه مع وجود الإزار لزم دم، كذلك إذا لبسه مع عدمه كالقميص.
والجواب: أن هذا موضوع فاسد؛ لأنه لا يجوز اعتبار حالة العذر بحالة عدم العذر في وجوب الضمان؛ لأن وجوب الضمان طريقه التغليظ، فلا يستدل بذلك في حالة عدم العذر.
ثم المعنى في القميص: أنه ممنوع من لبسه، فلهذا كانت عليه الفدية، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لبس أباحه الشرع نطقاً، فلم تجب به الفدية.
دليله: لبس الإزار والنعلين.
وقد دللنا على إباحة الشرع نطقاً بحديث ابن عباس.
واحتج بأن إباحة لبسه في حالة عدم الإزار لا تمنع وجوب الدم؛ لأن ما يستبيحه المحرم إذا كان فيه ضرر من الاستمتاع، فإنه لا يختلف حال العذر وغيره.
والجواب: أن للعذر تأثير في إسقاط الفدية بدليل أن الصيد إذا
الجزء: 1 - الصفحة: 345
صال عليه، فقتله دفعاً عن نفسه، فلا فدية عليه، وكذلك ترك طواف الصدر يوجب دماً، ويختلف حال العذر وغيره، ألا ترى أن المرأة لو تركته - وهي طاهر - لزمها دم، و [لو] تركته - وهي حائض - لم يلزمها شيء، وبهذا وردت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه رخص للحيض في ترك طواف الصدر، ولم يوجب عليهن شيئاً.
ثم المعنى في الأصل: هو إذا لبسه لشدة برد أو حر أن ذلك لإحياء نفسه، ولهذا تأثير في الضمان بدليل أنه إذا أكل طعام غيره لإحياء نفسه ضمنه، وليس كذلك هاهنا؛ لأن السراويل بدل عن مبدل هو المئزر، ومن شأن البدل أن يقوم مقام المبدل بدليل التيمم والصيام في الكفارة، وقد ثبت أن المئزر لا يوجب الكفارة، كذلك ما قام مقامه.
فإن لم يسلموا أن هذا بدل فالدلالة عليه قول عليه السلام: "فإن لم يجد الإزار، فليلبس السراويل".
وهذه صيغة بدل كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة:6]، وقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:92].
الجزء: 1 - الصفحة: 346
65 -
مسألة
إذا لم يجد المحرم النعلين لبس الخفين، ولا يقطعهما، ولا فدية عليه:
نص عليه في رواية أبي طالب ومهناً وبكر بن محمد وإسحاق، ونقل أبو داود عنه في من لبس الخف، وهو يجد النعل، إلا أنه لا يمكنه لبسهما: يلبسه، ويفتدي.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يجوز لبسهما على صفتهما]، بل يقطعهما أسفل من الكعبين، فإن لبسهما افتدى.
دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عباس وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن لم يجد النعلين، فليلبس خفين".
فأجاز لبس الخفين إذا لم يجد النعلين، وإذا ثبت جواز لبسه ثبت أنه لا فدية عليه؛ لأن أحداً لا يفرق بين الأمرين.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بين حكم اللبس وجوازه، وأعرض عن ذكر الفدية، ولو كانت واجبة لبينها؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأن من جهل جواز اللبس كان بأن يجهل وجوب الفدية أولى.
فإن قيل: قوله "فليلبس خفين"؛ يعني: من بعد ما يقطعه.
قيل له: حمله على هذا يبطل فائدة قوله: "فمن لم يجد النعلين"؛
الحديث: 65 - الجزء: 1 - الصفحة: 347
لأنه إذا قطعه جاز أن يلبس مع وجود النعلين.
وعلى أن جواز لبسه بعد قطعه لا يشتبه على أحد، فحمل الخبر عليه لا يفيد شيئاً.
فإن قيل: أكثر ما فيه جواز لبسه، وليس فيه نفي وجوب الفدية.
قيل له: لو كانت الفدية واجبة لبين.
وروى أبو حفص العكبري في "شرحه" بإسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عبد الرحمن بن عوف يطوف وعليه خفان، فقال له عمر: تطوف وعليك خفان؟ فقال: لقد لبستهما مع من هو خير منك.
يعنى: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأنه لبس أباحه الشرع نطقاً، فلم يتعلق به وجوب الفدية قياساً على لبس الإزار والنعلين.
ولأن في قطعة ضرراً عليه، كما أن عليه في فتق السراويل ضرر [اً].
ثم قد ثبت أنه يجوز لبس السراويل عند عدم الإزار على قول الشافعي، كذلك هاهنا.
فإن قيل: القصد من المئزر الستر، وبفتق السراويل لا يوجد الستر، والنعلين المقصود منهما متابعة المشي عليهما، وهذا يحصل من الخف
الجزء: 1 - الصفحة: 348
المقطوع، وكذلك المرأة القصد في حقها من لبس القميص الستر، ولا يحصل ذلك بفتقه.
قيل له: ليس كذلك؛ لأنه يمكنه أن يفتقه، ثم يستر به عورته من غير أن يلبسه على هيئته، وكذلك المرأة يمكنها أن تستر عورتها بقميص وإزار من غير أن تلبس السراويل والخفين.
فإن قيل: الفرق بين الخف والسراويل: أن الخف يقصد به منفعة نفسه، ويفعله لمعنى فيه، وليس كذلك السراويل وقميص المرأة وخفها؛ لأنه يفعله لمنعني في غيره، وهو أنه يستر العورة لأجل الغير؛ لئلا ينظر إليها، والأصول فرقت بين أن يفعل الشيء لمعنى في نفسه، أو في غيره، ألا ترى أنه لو اضطر إلى أكل الصيد، فقتله، كان عليه الجزاء؛ لأنـ[ـه] قتله لمعنى في نفسه، وهو حاجته إليه، ولو صال عليه الصيد فقتله، لم يكن عليه الجزاء؛ لأنه قتله لمعنى في الصيد.
ولأن لبس السراويل ألجأه الشرع إليه؛ ليستر عورته، فلم تتعلق به فدية، كالحائض بترك طواف الوداع، وهذا المعنى معدوم في الخفين.
قيل له: إذا كان الفدية تسقط عنه بلبس السراويل لما ذكرت، وهو ستر العورة لأجل الغير، فيجب إذا لم يكون بحضرته أحد يحتاج إلى ستر العورة لأجله أن تلزمه الفدية؛ لأن لبسه في هذه الحال لا لمعنى من غيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 349
وقولهم: (إن الشرع ألجأه إلى لبسه) غير صحيح؛ لأنا قد بينا أنه يفتقه، ويستر عورته، والحائض ما ألجأها الشرع إلى ترك الطواف؛ لأنها تقدر أن تقيم حتى تطهر وتطوف، وإنما خفف الشرع عنها ذلك.
وأما استشهاده بالصيد، فلا معنى له؛ لأنه إن اضطر إلى أكله، فإنما يقتله لمعنى في نفسه، وهو ضرر الجوع، وإن قتله لأنه صال عليه، فإنما قتله - أيضاً - لمعنى في نفسه، وهو خوفه على نفسه، ألا ترى أنه لو لم يخف لم يجز له قتله؟ وخوفه على معنى فيه نفسه.
واحتج المخالف بما تقدم من حديث ابن عمر: "فإن لم يجد النعليم فليلبس الخفين، ويقطعهما أسفل من الكعبين".
فنص على القطع، وهذا مقيد، وخبر ابن عباس مطلق، والمقيد يقضي على المطلق.
والجواب: أنا نقابل هذا بحديث ابن عباس، وهو أولى من وجوه:
أحدها: أنه لم يختلف فيه، وخبر ابن عمر اختلف في اتصاله، فقال أبو داود في "سننه": رواه مرسى بن طارق، عن موسى بن عقبة موقوفاً على ابن عمر، وكذلك رواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب.
والثاني: أن لفظ خبر ابن عباس لم يختلف، وخبر ابن عمر اختلف؛ فروي القطع، وروي ترك القطع، رواه أبو بكر النجاد في كتابه عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "السراويل لمن لم يجد النعلين".
الجزء: 1 - الصفحة: 350
والثالث: أن خبرنا رواه ابن عباس [وغيره]، [وخبرهم] تفرد بروايته ابن عمر.
والرابع: خبرنا عملت عليه الأئمة؛ عمر، وعلي، وابن عباس، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص.
فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن الأسود قال: سألت عمر بن الخطاب قلت: من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، وقال: الخفان نعلان لمن لا نعل له.
وروى - أيضاً - عن الحارث، عن علي قال: السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين.
وبإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه قال: إذا لم يجد المحرم الإزار فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين.
وبإسناده عن مولى الحسن بن علي قال: رأيت على المسور بن مخزمة خفين وهو محرم، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أمرتنا به عائشة.
وروى بإسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عبد الرحمن بن عوف في سفر ومعنا حاد - أو مغني - فأتاه عمر في بعض الليل، فقال: ألا أرى أن يطلع الفجر، اذكر الله، ثم التفت فرأى عليه خفين، وهو محرم، فقال: وخفين؟ فقال: قد لبستهما مع من هو خير منك.
الجزء: 1 - الصفحة: 351
وجواب رابع، وهو: أنا نحمل قوله: "وليقطعهما" على الجواز، وتكون فائدة التخصيص: أنه يكره قطعهما لغير الإحرام؛ لما فيه من الفساد.
وأما قولهم: (إن خبرنا مقيد، وخبركم مطلق) فإنما يكون المقيد يقضي على المطلق إذا لم يمكن تأويله، وقد تأولنا التقييد على الجواز دون الإيجاب.
وعلى أن أبا بكر المروذي قال: احتججت على أبي عبد الله بقول ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقلت: هو زيادة في الخبر، فقال: هذا حديث، وذاك حديث، ورد هذا الكلام.
وظاهر هذا أنه لم يحمل المطلق على المقيد.
فإن قيل: فخبرنا فيه زيادة لفظ، وهو القطع.
قيل له: وخبرنا فيه زيادة حكم، وهو جواز اللبس بغير قطع.
وإن قاسوا عليه إذا لبسهما مع وجود النعلين، فالمعنى فيه: أنه ممنوع منه، وهاهنا قد أباحه الشرع نطقاً، فهو كخف المرأة.
وإن قالوا: ليس في لبسه أكثر من أنه معذور، وذلك لا يسقط الكفارة، كلبس القميص في شدة البرد.
فالجواب عنه: ما تقدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 352
واحتج بأن كل عضو لا يجبب تغطيته، لا يجوز ستره بالمخيط، كبقية البدن.
والجواب: أنه يبطل بالساق والقدم؛ يسترهما بلبس السراويل إذا لم يجد الإزار، وإن لم يجب تغطيته.
ولأن المعنى في الأصل: أن الشرع لم يبحه، وهذا بخلافه.
واحتج بأنه عضو في أحد طرفي الطهارة، فلا يجوز تغطيته بالمخيط، كالوجه.
والجواب: أن الوجه لا يجوز تغطيته بمخيط، ولا بغيره، وفلا معنى لتخصيصه بالمخيط، وإذا سقط ذلك، انتقض إذا غطى رجليه بإزاره.
ولأن اليدين ليست بطرف الطهارة، فلا يجوز تغطيتهما بالمخيط [....] القفازين، والمعنى في الأصل ما تقدم.
66 -
مسألة
إذا لبس [الخفين] المقطوعين مع وجود النعلين افتدى:
قال في رواية إبراهيم - وقد سئل عن لبس الخفين دون الكعبين - فقال: يلبسه ما لم يقدر على النعلين؛ إذا اضطر إلى لبسهما.
وقال في رواية الأثرم: لا يلبس نعلاً لها قيد - وهو السير يجعل في
الحديث: 66 - الجزء: 1 - الصفحة: 353
الزمام معترضاً - فقيل له: فالخف الم