التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدـ[ـتـ]ـ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

تر من حر الشمس، فقال: أضح لمن أحرمت له.
وروى النجاد بإسناده في لفظ آخر عن نافع: أن ابن عمر رأى رجلاً قد نصب في مقدمة رحله عوداً عليه ثوب، وهو محرم، فقال ابن عمر: إن الله لا يحب الخيلاء، إن الله لا يحب الخيلاء.
وروى بإسناده في لفظ آخر عن نافع، عن ابن عمر: أنه رأى رجلاً من آل ... بن أسيد يظلل عليه بشيء من الشمس، فناداه ابن عمر: اتق الله.

الجزء: 1 - الصفحة: 363

وفي لفظ آخر عن نافع: أن ابن عمر رأى رجلاً قد وضع عودين على راحلته، وهو محرم، يستتر بهما، فاتنزعهما.
فإن قيل: يعارض هذا ما روى النجاد بإسناده عن الحسن: أن عثمان ظلل عليه، وهو محرم.
و [ما روى] عكومة، عن ابن عباس: لا بأس بالظل للمحرم.
قيل له: هذا محمول عليه إذا كان هناك عذر من حر، أو برد، فلا يكون بينهما تعارض.
ولأنه محرم ستر على رأسه بما يقصد به الترفه في بدنه، فجاز أن تتعلق به الفدية، كما لو غطاه.
وفيه احتراز من الزمان اليسير؛ لأن التعليل للجواز، وفيه احتراز منه إذا جلس تحت خيمة، أو تحت سقف.
ولأن ذلك لا يقصد به الترفه في البدن في العادة، وإنما يقصد به جمع الرحال.
وأيضاً فإن الفدية تجب بإتلاف وبغير إتلاف، ثم ثبت أن الإتلاف لا فرق بين أن يكون عن مباشرة، أو غير مباشرة، وهو أن يدل على الصيد، أو ينصب شركاً، كذلك ما لم يكون عن إتلاف لا فرق بين أن يكون عن مباشرة، أو غيرها، وهذا إذا ظلل على رأسه.
ولا يلزم [عليه] الحلاق، وتقليم الأظفار، والطيب؛ لأن ذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 364

لا تتصور فيه إلا المباشرة.
وأيضاً فإن الإحرام يحرم تغطية رأسه بغير إذنه، ثم ثبت أن ثوب الغير يستوي في المنع من استعماله المباشرة وغيرها، كذلك ثوب نفسه في حق الإحرام بعلة أنه أحد التحريمين، أو أحد نوعي التحريم.
ولا يجوز أن يقال: إن ثوب الغير يحرم إمساكه؛ لأنا نفرض المسألة في ثوب الغير إذا كان وديعة عنده؛ فإنه لا يمنع من إمساكه، وإنما يمنع من التصرف فيه.
يبين صحة هذا: أنهم منعوا الجنب من الاجتياز في المسجد، وقالوا: كل بقعة منع من الجلوس فيها منع من الاجتياز، كدار الغير.
وطريقة أخرى جيدة، وهو: أن المحرم أمر أن يكشف رأسه؛ ليحصل له الشعث والغبار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المحرم الأشعث الأغبر".
وإذا ظلل على رأسه زال ذلك المعنى، فمنع منه.
ولا يلزم عليه إذا جلس تحت سقف، أو تحت خيمة؛ لأن ذلك لا يستدام في حال سيره وقعوده، وهذا يستدام، وجرى ذلك مجرى ما لو ترك يده على رأسه، أو ترك على رأسه مكتلاً، لم يمنع، ولم تجب الفدية؛ لأنه لا يستدام في العادة.
واحتج المخالف بما روت أم الحصين قالت: حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم

الجزء: 1 - الصفحة: 365

حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً، وأحدهما آخذ بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر رافع ثوبه؛ ليستره من الحر حتى رمي جمرة العقبة.
والجواب: أن ذلك الاستظلال كان زماناً يسيراً، وقد أجاز أحمد مثل هذا في رواية الأثرم وقد ذكر له هذا الحديث، فقال: هذا في الساعة رفع له الثوب بالعود، يرفعه بيده من حر الشمس.
وقال - أيضاً - في رواية أبي داود: إذا كان بطرف كساء أرجو أن لا يكون به بأس.
وهكذا نقل ابن منصور - وقد سئل عن القبة المحرمة - فقال: لا، إلا أن يكون شيئاً يسيراً باليد، أو ثوباً يلقيه على عود.
وقال - أيضاً - في رواية حرب - وقد سئل: هل يتخذ على رأسه الظل فوق المحمل؟ - فقال: لا، إلا الشيء الخفيف.
وإذا كان كذلك، فقد قلنا بموجب الخبر؛ لأن الخلاف فيما وراء ذلك، هو إذا اتخذ الظل على طريق الاستدامة.
واحتج بأنه لو تعلقت به الفدية لا يستوي فيه الزمان اليسير والكثير، كما لو غطى رأسه.
والجواب: أن الترفة بتغطية الرأس أبلغ من الاستظلال، فجاز أن يستوي في ذلك القليل والكثير، ويفترق الحال في غيره، كالاستمتاع

الجزء: 1 - الصفحة: 366

بالوطء في الفرج؛ لما كان أبلغ منه فيما دون الفرج استوى في ذلك الإنزال وعدمه، [و] في ما دون الفرج يفترق الحال بين الإنزال وعدمه.
ولأن أبا حنيفة قد فرق بين أن يستديم اللبس جميع النهار أو بعضه في باب الفدية.
ولأنه لا يمتنع أن يختلف حكم القليل والكثير في إيجاب الدم في مسألتنا، كما اختلف حكمه في إتلاف الشعر بين القيل والكثير في الدم.
واحتج بأن ما جاز التظلل به راكباً كالسقف، ولأنه تظلل بما لم يماس رأسه، فجاز ذلك، كما لو تظلل نازلاً، وقد نص أحمد على أنه لو جلس تحت خيمة، أو تحت سقف جاز.
وقال - أيضاً - في رواية حنبل: لا يستظل على المحمل، ويستظل بالقارة والخيمة في الأرض، وهي بمنزلة البيت.
والجواب: أنه لا فرق بين الراكب والنازل، وإن طال ذلك وكثر افتدى؛ راكباً كان، أو نازلاً، وإن قل ذلك، ولم يكثر، فلا فدية عليه؛ سواء كان راكباً، أم نازلاً.
وقد بينا الفرق بين اليسير والكثير، وبين الخيمة والسقف وبين المحمل، وأن ذلك لا يقصد به الترفه في البدن في العادة، وهذا بخلافه.

الجزء: 1 - الصفحة: 367

70 -

مسألة

إذا لبس أو تطيب ناسياً فعليه الفدية في أصح الروايتين:

رواها صالح وعبد الله وحنبل، فقال: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع عنه يلزمه لو قتل صيداً ناسياً أو ... ناسياً - وهو محرم - لم يكن عليه شيء، وقد أوجب الله عز وجل في قتل الخطأ عتق رقبة.
وقال - أيضاً - في رواية ابن منصور في من لبس قميصاً عشرة أيام ناسياً: عليه كفارة واحدة ما لم يكفر.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وفيه رواية أخرى: لا كفارة عليه.
رواها أبو طالب، وحرب، وابن القسم: فقال في رواية أبي طالب: إذا وطئ - يعنى: ناسياً - بطل حجه، وإذا قتل صيداً، أو حلق شعره، لم يقدر على رده، فهذه الثلاثة العمد والنسيان سواء، وكل شيء من النسيان بعد الثلاث فهو يقدر على رده مثل أن يغطي برأسه، ليس عليه شيء، ويلقيه.
وكذلك نقل حرب عنه: إذا لبس قميصاً ناسياً يخلعه، ويفزع إلى التلبية.
وكذلك نقل ابن القاسم: إن تعمد التغطية وجب عليه، والناسي

الحديث: 70 - الجزء: 1 - الصفحة: 368

يفزع إلى التلبية.
وبهذا قال الشافعي، وهو اختيار الخرقي من أصحابنا.
وجه الرواية الأولى: أن هذا معنى يحظره الإحرام، فلم يختلف فيه الساهي والعامد.
دليله: الحلاقـ، وقتل الصيد، وتقليم الأظفار.
فإن قيل: ذكر ابن أبي هريرة: أن للشافعي في قتل الصيد قولين: أحدهما: لا جزاء عليه.
قيل له: الصحيح أن عليه الجزاء.
فإن قيل: الحلق والقتل إتلاف، فلهذا استوى حكم الساهي والعامد، كإتلاف مال الغير، وليس كذلك اللبس والطيب؛ لأنهما ليسا بإتلاف.
قيل له: هذا يوجب الفرق بينهما، ألا ترى أن الحلق وفوات الحج ليس بإتلاف، ومع هذا لا يختلفان في حال العمد والسهو؟ على أن هذا المعنى لا يوجب الفرق بينهما في حال السهو، كما لم يوجب في حال العمد.
وربما قالوا: إن الحلق والقتل لا يمكن تلافيهما بعد وقوعهما، فاستوى فيهما حكم العمد والسهو، وليس كذلك الطيب واللباس؛ لأن تلافيهما بعد وقوعهما ممكن بأن يغسل الطيب، وينزع المخيط.

الجزء: 1 - الصفحة: 369

وهذا لا معنى له؛ لأن الفدية تجب بحصول الاستمتاع باللبس والطيب في الأوقات الماضية، وهذا المعنى لا يمكن رفعه، وإنما يمكن الامتناع [من ذلك] في الأوقات المستقبلة، والفدية لا تجب باستمتاع لم يحصل بعد.
على أن هذا المعنى لم يوجب الفرق بينهما في حال العمد، كذلك لا يوجب في حال السهو.
وربما قالوا: المحرم من الحلق والقتل جهة الإتلاف دون الاستمتاع والترفه، ألا ترى أنه لو نتف شعره بحيث يتألم به الفدية؟ فاستوى عمده وسهوه كسائر الإتلاف، وليس كذلك الطيب واللباس؛ لأن المحرم منهما جهة الاستمتاع دون الإتلاف بدليل أنه لو أتلف طبياً كثيراً لم يلزمه الفدية، فاعتبر فيه القصد إلى الاستمتاع به مع العلم بتحريمه وذكره لإحرامه.
وهذا - أيضاً - لا معنى له؛ لأن الاستمتاع قد حصل له في الزمان الماضي، وقد بينا أن الفدية تجب لما يمضي من الزمان.
وعلى أن هذا المعنى [لا] يوجب الفرق بينهما في حال العمد، كذلك لا يوجبه في حال السهو.
وقياس آخر، وهو: أنه محرم لبس ما يشتمل عليه بالخياطة، أشبه إذا لبسه، وهو عالم بتحريمه.

الجزء: 1 - الصفحة: 370

ولا يلزم عليه إذا لبسه بعد التحلل الأول وقبل الطواف؛ لأنه لا فرق بين الأصل والفرع في العمد والسهو؛ ففي الأصل تسقط الكفارة في الحالين، وهاهنا تجب في الحالين.
وعلى أنه بعد التحلل ليس بمحرم على الإطلاق.
وأيضاً فإن ما يحظره الإحرام لا يختلف فيه حكم العالم بحظره والجاهل بدلالة الحلق، وقتل الصيد، وتفويت الحج، وترك الميقات، وتشهد لصحة ذلك الأصول، ألا ترى أن كل عبادة خطر فيها معنى من المعاني فإن حكم العالم بحظره والجاهل سواء، كالأكل والجماع في الصوم والصلاة.
فإن قيل: الإحرام من الميقات مأمور به، وهذا منهي عنه.
قيل له: الحلاق وقتل الصيد منهي عنه، ويستوي فيه العامد والجاهل.
ولأن المأمور به فرض عليه، كما أن تجنب المحظورات فرض عليه، فحكم أحدهما حكم الآخر.
ولأن الجهل بأحكام الشرع مع التمكن من العلم لا يسقط أحكامها عن الجاهل، كمن جعل تحريم الزنا ووجوب العبادات.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وروي: "عفي لأمتي".

الجزء: 1 - الصفحة: 371

والجواب عنه: أن الظاهر يقتضي أن يكون [نفس] النسيان مرفوعاً عن الأمة، وقد علمنا أنه غير مرفوع، فثبت أن المراد بالخبر غير ما يقتضي ظاهره، ولا يخلو إما أن يكون المراد به الحكم، أو المأثم، وليس واحد منهما مذكوراً في الخبر، فليس له أن يدعي أن المراد به الحكم، إلا ولنا أن ندعي أن المراد به المأثم.
فإن قيل: نحمله عليهما.
قيل له: العموم يدعى في الألفاظ، وليس هاهنا لفظ يبني عليهما.
واحتج بما روى صفوان بن يعلى بن أمية، أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، وعليه مقطعة تضمخ بالخلوق، فقال: يا رسول الله! أحرمت بالمعمرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما كنت تصنع في حجتك؟ " قال: كنت أنزع هذه المقطعة، وأغسل هذا الخلوق، أو قال: الصفرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اصنع في عمرتك ما كنت صانعاً في حجتك".
فوجه الدلالة من الخبر: أن السائل كان جاهلاً بالحكم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الخلوق، ولم يأمره بالفدية، فلو كانت واجبة لأمره بها؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
والجواب: أن تحريم الطيب يثبت في ذلك بدلالة أنه روي في

الجزء: 1 - الصفحة: 372

الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم انتظر الوحي حين سئل، فلما سري عنه قال: "أين السائل عن العمرة؟ " فأتي به، فقال: "أما الجبة فاخلعها، وأما الطيب فاغسله"، ولم يوجب الفدية؛ لأن الطيب كان قبل التحريم.
فإن قيل: في الخبر ما يدل على أن تحريمه كان ثابتاً قبل ذلك، وهو ما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للسائل: "ما كنت تصنع في حجتك؟ " قال: كنت أنزع المقطعة، وأغسل الخلوق.
ولأنه روي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يومئون إليه، ويستجهلونه في فعله، وهذا يدل على تقدم التحريم وشهرته.
ولأنه يحتمل أن يكون توقف؛ لا [ن] تحريم التزعفر لم يكن حصل.
قيل له: يجوز أن يكون حرم في الحج، ولم يحرم في العمرة إلى هذه الحال.
وأما قوله: إن الناس كانوا يسخرون مني، فيجوز أن يكون اعتقدوا: أن العمرة محمولة على الحج قياساً، والنص إنما علم بالوحي، وما ظنوه قبل ذلك لا حكم له.

الجزء: 1 - الصفحة: 373

وقولهم: إنه توقف في تحريم التزعفر، فلو كان كذلك لبين له تحريم اللبس المختص بالإحرام، فأما التزعفر فلا يختص تحريمه بالإحرام؛ لأنه استعماله قبل الإحرام، فلا يمنع من البقاء عليه لأجل الإحرام، وإنما يمنع منه لمعنى آخر.
فإن قيل: هذه القصة كانت بالجعرانة سنة ثمان، وتحريم اللباس سنة ست عام الحديبية بقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ﴾ [البقرة: 196]. قيل له: هذا دل [على] تحريم الحلق والطيب، [و] ليس فيه اللباس.
واحتج بأن الحج عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب أن يكون في محظوراتها ما يختلف حكم عمده وسهوه قياساً على الصوم.
والجواب: أن الصوم يفرق بين عمده وسهوه في جميع محظوراته عندهم؛ لأن الأكل والشرب والجماع يفرق بين عمده وسهوه، فالوصف غير صحيح.
وعلى أن الصوم ليس للصائم أمارة تدل على كونه صائماً، فلذلك جاز أن يعذر في النسيان، وفي المحرم علامة تدل على كونه محرماً، وهو التجرد، والتلبية، وأعمال النسك، فلم يعذر في النسيان، فلذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 374

استوى العامد والساهي.
وعلى أنه لو أكل في الصيام ناسياً لم يفسد، ولو أكل جاهلاً بالحكم فسد صومه، وكان يجب أن يقول في الحج كذلك.
فإن قيل: قولكم: (إن الحج عليه أمارة، فلهذا سوى بين عمده وسهوه، والصوم لا أمارة عليه) تنتقض علة الفرع بالطهارة؛ لا أمارة عليها، ومع هذا يستوي عمد الحدث وخطؤه، وعلة الأصل تبطل بالذبيحة؛ عليها أمارة، وقد فرقت بين العمد والخطأ في باب التسمية.
قيل: نحن اعتبرنا وجود الأمارة وعدمها حال التلبس بالعبادة، وعدم الأمارة في الطهارة بعد الفراغ منها، وبعد نقضها، فلا يلزم عليه على ما قلنا.
وأما الذبيحة فإن الأمارة إنما توجد في وقت الذبح، والتسمية تنعدم على تلك الحال، فلا توجد الأمارة المشروطة في وقت التسمية.
واحتج بأنها عبادة لها تحليل وتحريم، وكان من المنهي عنه فيها ما يفرق بين عمده وسهوه، كالصلاة.
والجواب: أن السلام مشروع في الصلاة، واللباس غير مشروع في الحج.

الجزء: 1 - الصفحة: 375

71 -

مسألة

قليل اللبس وكثيره سواء في إيجاب الدم، وكذلك الحكم في الطيب:

نص عليه في رواية ابن القاسم، وسئل: هل تغطية الرأس وقت؟ فإن هؤلاء يقولون: إذا كان قدر يوم وجبت كفارة، ومالك يقول: إذا [....] من حر أو برد، فقال أحمد: إذا تعمد التغطية، وقصد ذلك، وجبت عليه.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن لبسه يوماً كاملاً - أو ليلة كاملة - فعليه دم، وإن لبسه أقل من يوم فعليه صدقة، وكذلك إن لبس أقل من ليلة، وإن طيب عضواً كاملاً فعليه دم، وإن طيب أقل من عضو فعليه صدقة.
وقال مالك: إن نزعه أو غسله في الحال، فلا فدية عليه، وإن حصل له انتفاع ما، فعليه الفدية.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة:196]. وتقديره: من كان مريضاً، فلبس، ففديه، أو به أذى من رأسه، فحلق أو ستر، ففدية.

الحديث: 71 - الجزء: 1 - الصفحة: 376

وظاهر الآية يقتضي تعلق الفدية بوجود اللبس والستر من غير اعتبار معنى آخر معه.
ولأنه لبس ممنوع منه، أو طيب ممنوع منه لحرمة الإحرام، فوجب أن يكون مضموناً بالفدية، كما لو طيب عضواً كاملاً، أو استدام اللبس يوماً كاملاً.
ولأن الطيب واللباس استمتاع، فاعتبر فيه مجرد الفعل دون الاستدامة.
دليله: الوطء في الفرج.
وإن شئت قلت: فعل حرمه الإحرام، فلم تتقدر فديته بالزمان، كسائر المحظورات من الوطء، والحلق، وتقليم الظفر، وقتل الصيد.
واحتج المخالف بأن المعتاد من اللبس هو لبس يوم كامل، أو ليلة كاملة، ألا ترى أن الناس يلبسون ثياب النهار في أوله، وينزعونها في آخره، ويلبسون ثياب الليل في أوله، وينزعونها في آخره؟ فإذا لبس أقل من يوم، أو ليلة، فلم يلبس لبساً معتاداً، فيجب أن لا يلزمه دم، ألا ترى أنه لو اتزر بالقميص، أو تردى به، لم يجب عليه دم؛ لأنه لم يلبسه لبساً معتاداً.
وكذلك إن طيب عضواً فعليه دم، وإن طيب أقل من عضو.

الجزء: 1 - الصفحة: 377

وكذلك إذا قص ظفراً أو ظفرين فعليه صدقة، ولا يلزمه دم؛ لأنه ليس في العادة أن يقص ظفراً أو ظفرين، ويترك الباقي.
وكذلك إذا حلق شعرة، أو شعرتين.
والجواب: أن المعلوم من أحوال الناس أنهم يمسحون بالطيب بعض الرأس، وبعض الوجه، ومن أنكر هذا فإنه ينكر الضرورات.
وكذلك معلوم في لبس الثياب من الليل، فتكون من أوله، ثم ينزعها وينام في الفراش، ولا يستديم لبس القميص والسراويل من أول الليل إلى آخره، وكذلك ثياب النهار في الصيف، وتكون في طرفي النهار.
ولأن الإنسان لا يلبس الخفين في بيته في العادة.
ولأنه لو لبس الجوربين في الكفين، أو لبس الخفين في رأسه، وجبت الفدية، وهو غير معتاد، وكذلك لو لبس الجبة والفرو في الصيف فعليه الفدية، وإن لم يكن معتاداً، فبطل اعتبار العادة في ذلك؛ لأن حلق اللحية والحاجبين ليس بمعتاد، ومع هذا تجب الفدية.
فأما القميص إذا اتزر به فإنه بمنزلة الإزار، وذلك لبس مباح، فلهذا لم تجب الفدية، وليس كذلك هاهنا، لأن هذا لبس محظور لحرمة الإحرام.

الجزء: 1 - الصفحة: 378

وأما حلق الشعر، وتقليم الأظفار، فذلك يجري مجرى الإتلاف، فاختلف حكم كثيرة وقليله، كما يقول في إتلاف الصيد، وليس كذلك اللباس والطيب؛ فإن المحرم منهما جهة الاستمتاع، فكان الاعتبار فيهما بما يقع عليه الاسم، كما يقول في الاستمتاع بالمرأة وبالجماع؛ فإنه يستوي يسيره وكثيره.
فإن قيل: أليس قد قلتم: إذا ظلل على رأسه زماناً طويلاً افتدى، وإن كان يسيراً لم تجب الفدية؟ كذلك هاهنا.
قيل: الترفه بالظلال دون الترفه بما يلاقي جسده، فجاز أن يفرق بينهما، كما أن الاستمتاع بالوطء في الفرج أبلغ منه دون الفرج، فاعتبرنا الإنزال فيما دون الفرج في الفساد والفدية، ولم نعتبره في الفرج لقوته.
وفيما ذكرنا على أبي حنيفة دلالة على مالك.

72 -

مسألة

إذا دهن المحرم بزيت، أو شيرج، فلا فدية عليه في أصح الروايتين، وسواء في ذلك استعماله في رأسه، أو بدنه:

قال في رواية الأثرم - وقد سئل عن المحرم يدهن بالزيت والشيرج - قال: نعم، يدهن به إذا احتاج إليه.
وظاهر هذا: أنه لا فدية عليه؛ لأنه أباح استعماله.

الحديث: 72 - الجزء: 1 - الصفحة: 379

وفيه رواية أخرى: عليه دم.
قال في رواية أبي داود: الزيت الذي يؤكل لا يدهن به المحرم رأسه، فذكرت له حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ادهن بزيت غير مقتت، فسمعته يقول: الأشعث الأغبر.
وظاهر هذا: أن فيه الفدية؛ لأنه منع منه، وهو اختيار الخرقي، وقد يحتمل أن يكون منع منه على طريق الكراهية من غير فدية.
وقال أبو حنيفة: عليه الفدية.
وقال الشافعي: إذا دهن به رأسه أو وجهه، فعليه الفدية، وإن دهن به سائر بدنه لم يجب عليه شيء.
والرواية الأولى: ما روى أحمد في "المسند" قال: ثنا روح، قال: ثنا حماد، عن فرقد السبخي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ادهن بزيت غير مقتت، وهو محرم.
قال أبو عبيد: يعني: غير مطيب، والمقتت الذي فيه الرياحين، يطبخ بها الزيت حتى تطيب، ويتعالج به من الرياح.
فإن قيل: يجوز أن يكون ادهن بعد الحلق، وقبل الطواف.

الجزء: 1 - الصفحة: 380

قيل له: إذا رمى فقد تحلل، ولا يسمى محرماً على الإطلاق.
ولأنه في هذا الوقت كان يتطيب بأطيب الطيب، وهو المسك، وقد روته عائشة رضي الله عنها، فلا معنى لتخصيص الزيت، واستثنى الذي ليس بمطيب في هذا الوقت، فلم يجز حمل الخبر عليه.
والقياس أنه ليس عليه رائحة مستطابة، فلم يكن من الطيب، أو نقول: فلم تجب به فدية.
دليله: السمن والزبد.
ولأنه لو استعمله في بعض عضو كامل لم يجب به الدم.
دليله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بان الزيت والشيرج، كما أصل الأدهان التي هي الطيب، ومعلوم أن الدهن لم يكتسب من هذه الأشياء إلا الرائحة؛ لأن جرم البنفسج والورد غير قائم فيه، ولا مخالط له، ووجدنا الرائحة بانفرادها لا حكم لها في الأصول، ولا تتعلق بها وجوب الكفارة، ألا ترى أنه لو لبس ثوباً مبخراً بند أو عود، لم يلزمه شيء؟ فلما اتفقوا على أنه يجب في دهن البنفسج والورد دم، علم أنه إنما يجب لأن الشيرج الذي هو أصله في نفسه طيب.
ويدل على أنه طيب ما روي عن علي: أنه كان إذا أراد أن يحرم ادهن من دبة زيت.
وهذا يدل على أنه طيب؛ لأنه كان يستعمله على وجه التطيب

الجزء: 1 - الصفحة: 381

الذي ندب إليه لأجل إحرامه.
والجواب: أن قولهم: (إنه لم يكتسب من تلك الأشياء إلا الرائحة، والرائحة بانفرادها لا تجب بها الفدية) غير مسلم؛ لأن المقصود من الطيب ريحته دون جرمه، وغاية الطيب هو الشم، فإذا كان كذلك لم يكن فرق بين ما طيب برائحته من غير جرمه، وبين ما خلط بجرم الطيب.
وما ذكروه من الثوب المبخر فإن الفدية تجب [فيه] به.
وما ذكروه من حديث علي فيحتمل أن يكون قصد بذلك التداوي؛ لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يبارك في الزيت، لا أنه على وجه الطيب.

  • فصل: والدلالة على الشافعي: أنه لو دهن به بدنه لم يجب به دم، كذلك إذا دهن به رأسه ووجهه.
    دليله: السمن والزبد.
    ولأنه عضو لو دهنه بالسمن والبزر، لم يجب به الدم، كذلك إذا دهنه بالزيت والشيرج، كالبدن.
    ولأن الرأس موضع [من] بدنه، فإذا دهنه بالزيت والشيرج لم يلزمه دم.

الجزء: 1 - الصفحة: 382

دليله: سائر البدن.
ولأن حكم الرأس والجسد سواء فيما يرجع إلى تغطيته وطيبه، وكان يجب مثله هاهنا.
فإن قيل: إنما يقصد باستعمال الشيرج في الرأس والوجه تحسين الشعر وترجيله وإزالة الشعث عنه، فلهذا وجب فيه دم، وليس كذلك سائر البدن؛ لأن هذا المعنى معدوم فيه.
قيل له: إذا استعمل الماء في رأسه ووجهه، فإنه يقصد به إزالة الشعث وتحسين الشعر، ومع هذا لا يجب فيه شيء.
على أنه يجوز [أن يقصد] باستعمال الشيرج في سائر بدنه إزالة القشف والشعث، كما يقصد باستعماله في رأسه ووجهه.

73 -

مسألة

إذا لبس المحرم ثوباً مصبوغاً بعصفر جاز له ذلك، ولا فدية عليه:

نص عليه في رواية حنبل، فقال: لا بأس أن يلبس المحرم الثوب المصبوغ ما لم يمسه روس، ولا زعفران، وإن كان غير ذلك فلا بأس، ولا بأس أن تلبس المحرمة الحلي والمعصفر.

الحديث: 73 - الجزء: 1 - الصفحة: 383

وكذلك نقل الفضل بن زياد عنه: لا بأس أن تلبس المرأة الحلي والمعصفر من الثياب، ولا تلبس ما مسه الورس والزعفران.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: يمنع من لبسه، وإن لبسه - هو ينفض - فعليه الفدية.
دليلنا: ما روى أبو داود قال: ثنا ابن حنبل قال: ثنا يعقوب قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: فإن نافعاً مولى عبد الله بن عمر حدثني عن عبد الله بن عمر: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما شاءت من ألوان الثياب من معصفر، أو خز، أو حلي، أو سراويل، أو قميص، أو خف.
هذا نص.
فإن قيل: يحمل هذا عليه إذا كان لا ينفض.
قيل له: لو كان كذلك لم يفرق بين المصبوغ بالورس والزعفران وبين المصبوغ بالعصفر، ولما فرق بينهما دل على أن المعصفر مباح على الإطلاق.
وعلى أن الإباحة عامة، فمن خصها فعليه الدليل.

الجزء: 1 - الصفحة: 384

ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن علي، وابن عمر، وجابر، وعائشة: فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي جعفر: أن عمر رأى على عقيل ثوبين موردين، وهو محرم، فقال له عمر: إن هذا لا يصلح، فقال له علي: إنا أهل بيت لا يعلمنا أحد بالسنة.
وفي لفظ آخر: قال عمر: ما هذا؟ قال علي: ما إخال لأحد يعلمنا بالسنة.
وروى بإسناده عن أبي هريرة: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه خرج حاجاً، ومعه علي، قال: وجاء محمد بن جعفر، وقد كان دخل بأهله في تلك الليلة، فلحقهم بليل، فجاء وعليه معصفرة، فلما رآه عثمان انتهره، وأفف به قال: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المعصفر؟ فقال له علي: إنه لم ينهك، ولا إياه، وإنما نهاني.
فإن قيل: فلا حجة في هذا؛ لأن عمر وعثمان خالفاه.
قيل له: لم ينكر عمر ذلك إلا مخافة أن يرى الجاهل ذلك، فيظن أن جميع الصبغ واحد، وأن ثياب الطيب يجوز لبسها في الإحرام، ألا ترى أنه سكت عنهما، وأقرهما على لبسه؟ ولو كان عنده حراماً لما سكت، ولا أقر على ذلك.
والذي يبين صحة هذا؛ أن إنكاره إنما كان على هذا الوجه لا غير:

الجزء: 1 - الصفحة: 385

ما رواه النجاد بإسناده عن نافع: أن عمر رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبين مصبوغين بمشق، وهو محرم، فقال: ما هذا الثوب؟ فقال: هذا ما ترى مصبوغين بمشق، فقال: إنكم أئمة ينظر إليكم، فعليكم بهذا البياض، ويراكم الرجل فيقول: رأيت على رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين مصبوغين!.
وهذا يدل على ما قلناه.
وأيضا [ما] روى النجاد بإسناده عن أبي الزبير قال: كنت مع ابن عمر، فأتاه رجل عليه ثوبان معصفران، وهو محرم، فقال: في هذين علي بأس؟ قال: فيهما طيب، قال: لا، قال: لا بأس.
وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن نافع قال: كن - نساء ابن عمر وبناته - يلبسن الحلي المعصفرات وهن محرمات، لا ينكر ذلك عبد الله.
فإن قيل: فقد روى النجاد بإسناده عن نافع: أن ابن عمر كان يكره المعصفر للمحرم.
قيل له: قد نقلنا عنه ما يدل على إباحته، ويحتمل أن يكون كره ذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 386

مخافة أن يراه الجاهل، فيظن جواز سائر الأصباغ مما فيها طيب وغيره.
وأيضاً روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي الزبير، عن جابر قال: إذا لم يكن في الثوب المعصفر طيب، فلا بأس به للمحرم أن يلبسه.
وأيضاً روى أبو بكرة بن جعفر بإسناده عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أن عائشة كانت تلبس المعصفر وهي محرمة.
فإن قيل: فقد روى أبو بكر بإسناده عن الأسود، عن عائشة قالت: تلبس المحرمة ما شاءت إلا البرقع، وتلبس ما شاءت إلا المتورد بالمعصفر.
وروى النجاد بإسناده عن إبراهيم، عن عائشة: أنها كانت تكره الثوب المصبوغ بالزعفران والمشبعة بالعصفر للرجال والنساء، إلا أن يكون ثوباً غسيلاً.
قيل له: تحمل كراهتها لئلا يظن الجاهل أن جميع الأصباغ التي فيها الطيب يجوز لبسها.
وروى حنبل في "مسائله" قال: ثنا أبو عبد الله قال: ثنا روح قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن عائشة بنت سعد قالت: كن - أزواج النبي صلى الله عليه وسلم -

الجزء: 1 - الصفحة: 387

يحرمن في المعصفرات.
والقياس أن كل ثوب يجوز للمحرم لبسه إذا لم ينفض، جاز لبسه وإن كان ينفض عليه.
أصله: المصبوغ بالسواد والكحلي وسائر الأصباغ.
وإن شئت قلت: كلما لا تجب به الفدية إذا كان لا ينفض، لا تجب به وإن كان ينفض.
دليله: ما ذكرنا.
ولأنه لبس ثوباً معصفراً فأشبه إذا كان لا ينفض.
فإن قيل: إذا كان ينفض وصل جرم الطيب، وهو المعصفر إلى جسمه، وليس كذلك إذا لم ينفض؛ فإنه لا يصل إلى جسمه جرمه، ولا يعلق بيديه شيء منه.
قيل له: ما يصل إلى جسمه، وما يصل إلى ثوبه سواء في التطيب في العادة؛ لأنه قد جرت العادة: أن الناس يطيبون ثيابهم، كما يطيبون أبدانهم.
ولأن الإحرام بالصلاة لما أوجب إزالة النجاسة عن بدنه، أوجب إزالتها عن ثوبه، كذلك الإحرام بالحج والعمرة لما أوجب إزالة الطيب عن بدنه، وجب أن يوجب إزالته عن ثوبه.

الجزء: 1 - الصفحة: 388

فإن قيل: إذا لم ينفض فليس هناك إلا اللون، واللون بانفراده لا حكم له، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء: "اغسليه، ولا يضرك أثره"، فأمر بإزالة أجزاء الدم، وأسقط حكم اللون.
قيل له: لا نسلم أن هاهنا اللون فقط، بل اللون والرائحة، وللرائحة تأثير في إيجاب الفدية كالطيب، فلما لم تجب الفدية بهذا إذا لم ينفض، لم تجب وإن نفض.
وأما النجاسة فيجوز أن يقال: عفي عن لونها للمشقة، ولا مشقة هاهنا.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن لبس المعصفر في الإحرام.
والجواب: أن هذا - إن ثبت - فقد روينا عن علي: أنه قال: لم ينهك، ولا إياه، إنما نهاني.
فيحمل النهي إليه خاصاً.
وعلى أنا نحمله على الاستحباب؛ لأن المستحب لبس البياض في الإحرام.
واحتج بأن المعصفر صبغ له رائحة مستلذة، فأشبه الزعفران والورس.

الجزء: 1 - الصفحة: 389

والجواب: أن قوله: (صبغ) لا تأثير له؛ لأن الصبغ وغيره - مما له رائحة تستلذ كالكافور والعود والعنبر وغير ذلك - سواء في المنع، وإيجاب الفدية، وإذا وجب حذف هذا الوصف انتقض بكل ما له رائحة تستلذ، كالتفاح والسفرجل والخوخ والشيح والقيصوم.
وعلى أنا لا نسلم الوصف؛ لأن القصد من العصفر اللون دون الرائحة؛ لأن رائحته غير مستلذة.
ثم المعنى في تلك الأشياء: أنها طيب، فلهذا منع منها، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه ليس بطيب.
ولأنه [إذا] لم ينفض لم تجب به فدية، فلهذا لم تجب به - وإن نفض - كالسواد.

74 -

مسألة

إذا خضب المحرم لحيته بالحناء، أو يديه، أو رجليه، فلا فدية عليه، كالمعصفر:

وقد قال أحمد في رواية الميموني: الحناء مثل الزينة، ومن يرخص في الريحان يرخص فيه.
وقال - أيضاً - في رواية محمد بن حرب، وقد سئل عن الخضاب للمحرم، فقال: ليس بمنزلة طيب، ولكنه زينة، وقد كره الزينة عطاء للمحرم.

الحديث: 74 - الجزء: 1 - الصفحة: 390

وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليه الفدية.
دليلنا: ما روى ابن المنذر بإسناده في كتابه عن عكرمة: أن عائشة وأزواج النبي صل الله عليه وسلم كن يخضبن بالحناء، وهن حرم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون بعد التحلل الأول.
قيل له: قد أجبنا عن هذا فيما تقدم، وأن ذلك لا يقع عليه اسم المحرم على الإطلاق.
ولأن في تلك الحال يجوز استعمال الطيب، فلا معنى لتخصيص الحناء بذلك.
ولأنه يقصد لونه دون رائحته في العادة، فأشبه الوشمة- وهي خضاب يصبغ به- والسواد والنيل.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صل الله عليه وسلم: أنه نهى المعتدة أن تختضب بالحناء، وقال: "الحناء طيب ".

الجزء: 1 - الصفحة: 391

وإذا ثبت أنه طيب وجبت فيه الفدية.
والجواب: أن هذا من النبي صل الله عليه وسلم على وجه الزينة، لا أنه طيب في الحقيقة، فمنعت منه لأجل الزينة.
واحتج بأن له رائحة مستلذة، فوجبت الفدية باستعماله في بدنه، كالزعفران، وماء الورد، والمسك.
والجواب: أنه ينتفض بالتفاح والسفرجل والخوخ وسائر الرياحين.
وعلى أن المعنى في الورس والزعفران: أنه تقصد رائحتهما، وهما طيب في العادة، والحناء يقصد لونه دون رائحته، فبان الفرق بينهما.

75 -

مسألة

فإن لبس ثوبًا مبخرًا بعود أو ند فعليه الفدية:

وقد قال أحمد في رواية أحمد بن نصر في المحرم يشم الطيب: عليه الكفارة.
وقال في رواية ابن إبراهيم: لا يلبس ثوبًا فيه طيب.
وقال في رواية ابن قاسم- وقد سئل عن المحرم يفترش الفراش والثوب المطيب- فقال: هو بمنزلة ما يلبس.

الحديث: 75 - الجزء: 1 - الصفحة: 392

وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه، ويجوز عنده لبس الثوب المطيب والنوم عليه إذا كان جافًا لا ينتفض عليه، وإن كان على ظاهر الثوب طيب- وليس على ما يلي بدنه طيب- جاز لبسه.
دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عمر: أنه سأل رسول الله صل الله عليه وسلم: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: "لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا ثوبًا مسه الورس ولا الزعفران ". وفي لفظ آخر: نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مسه الورس والزعفران من الثياب.
وإذا ثبت تحريم لبس الثوب الذي مس الورس والزعفران، فالثوب المصبوغ بهما- أو بغيرهما من الطيب- أولى بالتحريم.
والقياس أنـ[ـه] يعد طيبًا في العادة، فوجب أن يكون محرمًا تتعلق به الفدية قياسًا على استعمال الغالية.
ولأن المقصد من الطيب رائحته لا لعينه، ألا ترى أنه إذا استعمل ماء الورد- وقد ذهبت رائحته- لم تلزمه الفدية؟ فإذا كان كذلك، وجب أن تجزئه الفدية في مسألتنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 393

فإن قيل: يبطل بالجلوس في العطارين.
قيل له: ذلك لا يسمى متطيبًا في العادة.
واحتج المخالف بأنه غير مستعمل لجرم الطيب، وإنما تختلف الروائح فقط، والرائحة بانفرادها لا حكم لها؛ لأنه لو جلس في العطارين، أو في الكعبة وهي تجمر، فشم روائح الطيب لم يلزمه شيء.
والجواب: أن دخان العود والند جسم، والزعفران والعنبر والكافور جسم، فاستعماله استعمال لجسم الطيب.
وعلى أنا قد بينا: أن الاعتبار بالرائحة دون جسم الطيب بدليل ماء الورد إذا ذهب ريحه.
وأما إذا جلس في العطارين أو إلى الكعبة، واعتمد شم الروائح، فإن أحمد قد أطلق القول في رواية ابن القاسم، فقال في المحرم يشم الطيب: عليه كفارة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن القاسم في الرجل يحمل معه الطيب، وهو محرم: كيف يجوز هذا؟ وعطاء يقول: إن تعتمد شمه فعليه الفدية.
قيل له: يحمله للتجارة؟ فقال: لا يصلح إلا أن يكون فيما [لا] ريح له.
وهذا يقتضي وجوب الكفارة.
وإن شيخنا يقول: لا فدية عليه في ذلك؛ لأنه لا يسمى متطيبًا في

الجزء: 1 - الصفحة: 394

العادة، وليس كذلك إذا تبخر بالعادة؛ فإنه متطيب في العادة، فلهذا فرقنا بينهما.

76 -

مسألة

إذا شم المحرم شيئًا من الرياحين لم يلزمه شيء في إحدى الروايتين:

رواها جعفر بن محمد عنه فقال: المحرم يشم الريحان، ليس هو من الطيب، ورخص فيه.
وكذلك نقل ابن منصور عنه في المحرم: يشم الريحان، وينظر في المرآة.
وكذلك نقل حرب عنه قال: أما الطيب فلا تقربه، والريحان ليس مثل الطيب.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وفيه رواية أخرى: فيه الفدية.
قال في رواية أبي طالب والأثرم: لا يشم المحرم الريحان، كرهه ابن عمر، ليس هو من آلة المحرم.
والروايتان فيما يتخذ منه الطيب مثل البنفسج، والورد، والقيصوم،

الحديث: 76 - الجزء: 1 - الصفحة: 395

والياسمين، وهو الذي يتخذ منه الزنبق، والخيري، وهو المنثور، وفيما لا يتخذ منه كالريحان الفارسي، والثمام، والبرم، والنرجس، والمرزيكوش، ففي الجميع روايتان على ظاهر كلام أحمد.
وهو قول شيخنا أبي عبد الله.
وقد قال أحمد في رواية المروذي وابن إبراهيم- وقد سئل عن الريحان والبقول للمحرم- فقال: ما زرعته أنت فلا بأس، وما نبت فلا.
وهذا يقتضي أن جميع ما ينبته يجوز شمه، وامتنع مما ينبت لنفسه؛ لأن جنس الحرم يمنع من أخذه.
ويحتمل أن يكون المذهب رواية واحدة: لا كفارة عليه، ويكون قوله: (ليس من آلة المحرم) على طريق الكراهة دون التحريم.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه بشم شيء من الرياحين فدية.
وللشافعي في شم الريحان الذي لا يتخذ منه الطيب قولان: أصحهما: أن عليه الفدية.
دليلنا: ما رواه أبو بكر، عن عثمان بن عفان: أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "المحرم يدخل البستان، ويشم الريحان ".

الجزء: 1 - الصفحة: 396

ولأن من شم شيئًا من هذه الأشياء لا يسمى متطيبًا في العادة، فلم تجب به الفدية، كما لو شم الفاكهة التي لها رائحة طيبة كالأترج، والتفاح، والسفرجل، ونحو ذلك.
ولأنه لو شمه ناسيًا لم تلزمه الفدية، كذلك إذا تعمد شم الأترج والتفاح ونحو ذلك.
أو نقول: إنه لا يتخذ منه الطيب، أشبه ما ذكرنا.
وفيه احتراز من الورد، والبنفسج؛ لأنه يتخذ منه الطيب، وهذه العلة أجود مما قبلها.
واحتج المخالف بما روى الشافعي بإسناده عن جابر: أنه سئل عن المحرم: يشم الريحان؟ فقال: لا.
وروى ابن المنذر، عن جابر قال: لا يشم المحرم الريحان، ولا الطيب.
وروى- أيضًا- عن عمر: أنه كان يكره شم الريحان للمحرم.
وقد روى الأثرم ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 397

والجواب: أنه يعارض هذا ما روى حمران بن أبان، عن أبان بن عثمان بن عفان: أنه سئل عن المحرم: يدخل البستان؟ قال: نعم، ويشم الريحان.
وروى ابن المنذر عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسًا للمحرم [أن] يشم الريحان.
وإذا اختلفوا لم يمكن ترجيح قول بعضهم على بعض.
واحتج بأن الشم تطيب في العادة، فجاز أن تجب به الفدية، كاستعمال الغالية، وشم الزعفران، والورس، والمسك.
والجواب: أنا نقول بموجب هذا، وأنه تجب بالشم فدية إذا كان للطيب مثل الزعفران، والمسك، ونحو ذلك، وما اختلفنا فيه ليس بطيب في العادة، فهو كالفواكه الطيبة الرائحة.

77 -

مسألة

إذا حلق المحرم ثلاث شعرات من رأسه- أو قصر- قبل أن يحل له ذلك، فعليه دم في أصح الروايتين:

رواها حنبل عنه فقال: إذا نتف المحرم ثلاث شعرات أهراق لهن

الحديث: 77 - الجزء: 1 - الصفحة: 398

دمًا، فإذا كانت شعرة، أو اثنتين كان فيهما قبضة من طعام.
وبهذا قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: في أربع شعرات فصاعدًا دم، فأما الثلاث فما دون فلا دم في رواية المروذي وابن إبراهيم وابن منصور: فقال في رواية المروذي: كان عطاء يقول: إذا نتف ثلاث شعرات فعليه دم، وكان ابن عيينه يستكثر الدم في ثلاث، ولست أوقت، فإذا نتف متعمدًا أكثر من ثلاث شعرات فعليه دم، والناسي والمعتمد سواء.
قال أبو حنيفة: إذا حلق أو قصر ربع رأسه فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة.
وقال مالك: إن حلق أو نتف مقدارًا يماط به الأذى فعليه دم من غير تقدير ثلاث أو أربع.
وجه الرواية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾ [البقرة: 196]. وتقديره: فحلق، ففدية، ومن حلق ثلاث شعرات يسمى حالقًا.
ولأنه محرم حلق من شعره عددًا يقع عليه اسم الجمع المطلق لم يلجئه الشعر إليه، أشبه إذا حلق ربعه، أو حلق ما يماط به الأذى.
وفيه احتراز من شعر الحلال، ومن شعر البهيمة؛ لقولنا: من شعره.

الجزء: 1 - الصفحة: 399

وفيه احتراز مما دون الثلاث؛ لقولنا: الجمع المطلق.
وفيه احتراز منه إذا نتف شعرًا يؤذيه؛ لأنه ألجأه.
ولأنه إذا كان لابد من تقديره بالثلاث أولى من الربع، لأن الربع لم يقدر به في شيء من الشريعة، والثلاث قد قدرت بها أحكام كثيرة مثل المسح، وخيار الشرط عندهم، وخيار المصراة عندنا، وصوم كفارة اليمين، وصوم المتمتع في الحج، وقال ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 65].
واحتج المخالف بأنه حلق من رأسه أقل من الربع، أو قدرًا لا يماط به أذى، أشبه إذا حلق شعرة، أو شعرتين.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الثلاث بما دونها؛ لما بينا، وهو: أن الثلاث قد جعلت حدًا في الشريعة في أحكام كثيرة، وخولف بينها وبين ما دونها، والربع لم يثبت حدًا، فبطل ما ذكره.
وكذلك ما يماط به الأذى لم يتعلق به حد في الأصول، ألا ترى أنه لو غطى يسيرًا من رأسه افتدى؟ واحتج بأن القليل لا يوجب الدم، والكثير يوجبه، فلابد من حد فاصل بينهما، فيجب أن يكون ذلك الحد الربع؛ لأنا وجدنا الربع يقوم مقام الكل في كثير من المواضع، ألا ترى أن الرائي إذا رأى شخصًا يقول: رأيت فلانًا، وإنما رأى أحد جوانبه الأربع.
والجواب: أنا قد بينا: أن الربع لا يجوز أن يكون حدًا هاهنا؛ لأنه

الجزء: 1 - الصفحة: 400

لم يحد حدًا في بعض الأصول، وقد جعل الثلاث حدًا.
وما ذكروه من رؤية مقدم الإنسان فلا يصح؛ لأن الإنسان ليس بمربع، فيكون مقدمه ربعه، وإنما هو مسطح.
وعلى أنه إنما يقول: رأيته؛ إذا عرفه، لا لأجل أنه رأى ربعه، ومتى عرفه بجزء منه يقول: رأيت فلانًا، ورأسه أقل من الربع، وكذلك إذا رأى يده وعرفه بها، قال: رأيته، فبطل ما قاله.
واحتج مالك بأنه قدر لا يؤثر في إماطة الأذى، فلا يجب به الدم.
دليله: ما دون الثلاث.
والجواب عنه: ما تقدم من الفرق.
واحتج بعض أصحابنا بأنه حلق أقل من أربع شعرات، فلم يجب الدم، كما لو حلق شعرتين.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن ما يجزئ في مسح لا يجب به دم.
أصله: ما دون الثلاث.
والجواب: أنه لا يمتنع أن [لا] تتقدر الثلاث في المسح، وتتقدر في الحلق، كما لو يتقدر كشف الرأس بربعه، ويتقدر المسح بربعه عندهم.
والمعنى في الأصل: أنه لا يتناوله اسم الجمع، وهذا بخلافه.

الجزء: 1 - الصفحة: 401

78 -

مسألة

فإن حلق شعرة ففيها مد من طعام، وفي شعرتين مدان في أصح الروايات:

نص عليها في رواية أبي داود، فقال: إذا نتف شعرة أطعم مدًا.
وهو اختيار الخرقي.
والثانية: في شعرة قبضة من طعام.
نص عليها في رواية حنبل، فقال: في شعرة، أو شعرتين: قبضـ[ــه] من طعام، وفي ثلاثة دم.
وتتخرج رواية ثالثة: في كل شعرة درهم، أو نصف درهم، وفي الثلاث دم.
نص عليها في ليلة من ليالي منى في رواية إسحاق بن إبراهيم في الرجل يبيت من ليالي منى بمكة: يتصدق بدرهم، أو بنصف درهم.
وكذلك نقل أبو طالب عنه: من غلبته عينه تصدق بدرهم، أو بنصف درهم.
ولا تختلف الرواية: أنه لا يجب ثلث الدم.
واختلف قول الشافعي على ثلاثة أقوال: أحدها: يجب ثلث الدم.
والثاني: مد.

الحديث: 78 - الجزء: 1 - الصفحة: 402

والثالث: درهم.
فالدلالة على وجوب الضمان في الجملة: أن كل جملة كانت مضمونة، كانت أبعاضها مضمونة، كالصيد.
والدلالة على أنه [لا] يجب ثلث دم: أن في تضمينه بالدم إيجاب أجزاء الحيوان، وإيجاب جزء من حيوان يشق ويحرج، ألا ترى أن زكاة الغنم والبقر من جنسها، ولم يوجب فيها جزءًا من حيوان، وزكاة الإبل قبل خمس وعشرين من غير جنسها؛ لأن إيجاب جزء منها يشق، كذلك هاهنا يشق، فوجب أن يسقط وجوبه.
والدلالة على إيجاب مد: أن للطعام مدخلاً مع الدم في أجزاء العبيد، وفي هذه الكفارات، فإذا كان الطعام له مدخلاً في الصيد كان له مدخل في فدية الأذى؛ لأنه إليه أقرب، وبه أشبه.
واحتج من قال: يجب ثلث دم بأن الدم لما وجب في ثلاث شعرات، وجب في كل واحدة منها ثلث دم.
والجواب: أنا قد بينا: [أن] في إيجاب أجزاء الحيوان مشقة بدليل ما ذكرنا من الزكاة، كذلك هاهنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 403

واحتج من قال: (يجب درهم) بأن كل شيء ضمن بمثله، فإذا تعذر مثله كان عليه قيمته من غالب نقد البلد، كذلك هاهنا، قد تعذر إيجاب المثل، فوجب أن يجب من غالب نقد البلد.
والجواب: أنه يبطل بالعبيد، فإذا تعذر مثله عدل إلى الطعام، ولم يعدل إلى الدراهم، كذلك هاهنا.

79 -

مسألة

إذا حلق المحرم شعر بدنه لزمته الفدية:

نص عليه في رواية حبيش بن سندي: شعر الرأس واللحية والإبط سواء، لا أعلم أحدًا فرق بينهما.
وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي.
وقال داود: لا فدية في شعر البدن.
دليلنا: قوله تعالى ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: 196]. فنص على الرأس لينبه؛ لأن معنى حلق الرأس موجود في حلق البدن وزيادة؛ لأن الحاجة تمس وتدعو إلى حلق الرأس، فإذا نص على وجوب الفدية فيه، كان فيه دلالة على إيجابها في شعر البدن.

الحديث: 79 - الجزء: 1 - الصفحة: 404

فإن قيل: فالآية حجة عليكم؛ لأنه لما خص الرأس بالمنع دل على أن سائر البدن بخلافه.
قيل له: قد بينا: أن التخصيص للرأس أفاد التنبيه على غيره، كما أفاد التخصيص في منع التأفيف التنبيه على غيره من الضرب.
ولأنه محرم ترفه بأخذ شعر لم يلجئه الشعر إليه، فلزمه الضمان كما لو حلق شعر رأسه، ولأن شعر الرأس إنما يحصل بحلقه الترفه فحسب، وإلا فالزينة في تركه، وحلق شعر البدن يحصل به الترفه والزينة، وكان بوجوب الفدية أولى.
واحتج المخالف بقول النبي صل الله عليه وسلم: "ليس في المال حق سوى الزكاة ". والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا بما تقدم.
واحتج بأن الأصل براءة ذمته، فمن أوجب الدم بهذا فعليه الدليل.
والجواب: أنا قد [.....] الأصل لنا على ذلك بما تقدم.

الجزء: 1 - الصفحة: 405

80 -

مسألة

إذا حل له الحلق، فحلق جميع رأسه- أو قصر- أجزأه، وإن حلق- أو قصر- أقل من ذلك لم يجزئه على المنصوص في المذهب؛ فإن في رواية ابن إبراهيم وأبي داود:

وقد سئل عن المرأة إذا أرادت أن تقصر من شعرها: تقصر منه كله، أو بعضه؟ قال: منه كله؛ تأخذ منه قدر الأنملة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن منصور، وقد سئل عن "من لبد أو ضفر.
وقال- أيضًا- في رواية حرب: تقصر المرأة من شعرها قدر أنملة من أطراف شعرها كله [.....] رأسها.
وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة: إن حلق أو قصر ربع رأسه أجزأه، وإن كان أقل من ذلك لم يجزئه.
وقال الشافعي على القول الذي يقول: إن الحلق نسك، وإن [ما] يقع به التحلل ثلاث شعرات.

الحديث: 80 - الجزء: 1 - الصفحة: 406

دليلنا: أن النبي صل الله عليه وسلم لم يقتصر على ذلك.
روى أنس: أن النبي صل الله عليه وسلم لما رمى جمرة العقبة أتى بنسكه، فنحره، ثم دعا الحلاق، فبدأ بالشق الأيمن فحلقه.
فدخل تحت قوله: "خذوا عني مناسككم ". وروى ابن عمر: أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "من عقص أو لبد فعليه الحلاق ". وفائدة ذلك: أن يستوعب الرأس، ولا يمكنه ذلك مع العقص.
ورواه النجاد موقوفًا على عمر، وابن عمر: فروى بإسناده عن عمر قال: من لبد أو ضفر فليحلق.
وروى ابن عمر قال: من لبد أو ضفر أو فتل، حلق.
وفي لفظ آخر: من لبد رأسه، أو عقص رأسه، أو ضفره، أو عقده، أو فتله، فليحلق.
وفي لفظ آخر: أن رجلاً سأله، وقال: إني جمعت شعري وأنا محرم، فقال ابن عمر: أما سمعت مولاك يقول: "من ضفر رأسه أو

الجزء: 1 - الصفحة: 407

لبَّده، فليحلقه "، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن! إني لم أضفر [هـ]، وإنما جمعته، فقال: عنز وتيس، وتيس عنز!.
وروى بإسناده عن جعفر، عن أبيه، عن علي- عليه السلام- قال: من عقص رأسه، أو لبده، فلابد من حلاقه.
ولأنه نسك يتعلق بالرأس، فتعلق بجميعه.
أصله: كشفه.
ولأنه حلق أو قصر بعض رأسه، فأشبه الشعرة والشعرتين وأقل من الربع.
ولأنه قد ثبت عندنا: أن المقدار المفروض من مسح الرأس هو الكل؛ لأنها عبادة متعلقة بالرأس، وكذلك الحلق والتقصير.
واحتج المخالف بأنه حلق من رأسه عددًا يقع عليه اسم الجمع المطلق، فأشبه الكل.
والجواب: أن من حلق جميع رأسه لا يقال: حلق منه عددًا.
وعلى أن المعنى في الأصل: أنه استوفى جميع شعره، وهاهنا حلق بعضه، فهو كالشعرة والشعرتين.

الجزء: 1 - الصفحة: 408

81 -

مسألة

على المحصر حلق أو تقصير في أصح الروايتين:

رواها ابن منصور عنه في المحصر: يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق، ويرجع، وليس عليه قضاء.
وهو قول الشافعي على القول الذي يقول: إن الحلاق نسك.
وفيه رواية أخرى: ليس عليه حلق، ولا يقصر.
وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الميموني: إذا حصره العدو؛ فإن كان معه هدي نحره مكانه، وحل، وليس عليه أكثر من هذا.
وهو ظاهر كلام الخرقي- أيضًا- لأنه قال: نحر ما معه من الهدي، وحل.
وبه قال أبو حنيفة.
فعلى هذا يحل من إحرامه بأداء ما يحظره الإحرام من طيب، أو غيره.
وجه الرواية الأولى: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عمر: أن رسول الله صل الله عليه وسلم حلق رأسه في عمرة الحديبية.

الحديث: 81 - الجزء: 1 - الصفحة: 409

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم محصرًا في غير الحرم.
وروي عن النبي صل الله عليه وسلم: أنه قال لأصحابه بالحديبية: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا ". ذكره أبو عبد الله بن عرفة في كتاب "الإستثناء والشروط في القرآن "بإسناده عن المسور بن مخرمة.
فإن قيل: القوم كانوا محصرين في الحديبية، وبعض الحديبية حل وبعضها حرم، وروي: أن النبي صل الله عليه وسلم كان مضربه في الحل، ومصلاه في الحرم، فيحتمل أن الذين أمرهم النبي صل الله عليه وسلم بالحلق كانوا في الحرم، وعندنا أن المحصر إذا كان في الحرم يحلق.
قيل له: النبي صل الله عليه وسلم لم يكن متمكنًا من الحرم بحال بدلالة قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الفتح: 25] وكل موضع ذكر المسجد فيه، فالمراد به الحرم، فأخبر أنه كان مصدودًا عنه.
ثم قال: ﴿والْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25] ومحله الحرم، ويأتي الكلام على هذا السؤال في ذبح هدي المحصر: هل يختص بالحرم، أو لا؟ ولأنه مأمور بالذبح لأجل الإحلال، فوجب أن يكون مأمورًا بالحلق بعده.
دليله: المتمتع والقارن.

الجزء: 1 - الصفحة: 410

ولأن هدي المحصر يقوم مقام العمرة التي تلزم بالفوات؛ لأنه يتحلل به من إحرامه، كما يتحلل من فاته الحج بعمل العمرة، ولا خلاف بأن من فاته الحج فإنه يقلق بعد عمل العمرة، كذلك المحصر يجب أن يحلق بعد ذبح الهدي عنه.
واحتج المخالف بأن الحلق خارج الحرم ليس بنسك بدليل أنه من توابع الإحرام، فأشبه الرمي.
ولا يلزم عليه الوقوف؛ لأنه ليس من توابعه، وإنما هو من أركانه وفروضه، ولأنه يقع بين التحلل فأشبه الطواف.
وإذا ثبت أنه ليس بنسك خارج الحرم لم يجب على المحصر، كسائر المباحات، ولهذا نقول: إذا كان الحصر في الحرم يجبه عليه الحلق.
والجواب: أن الحلق خارج الحرم عندنا نسك، وقد نص عليه أحمد في رواية أبي داود، ومهنا في من حلق خارج الحرم: ما أعلم عليه شيئاً، ولا بأس؛ حلق في الحرم، أو غير الحرم.
على أن قوله: (هو من [توابع الإحرام) لا] يمنع صحته خارج الحرم، كعقد الإحرام؛ فإنه ليس بمقصود عند أبي حنيفة، وإنما يدخل

الجزء: 1 - الصفحة: 411

به إلى المقصود، ومع هذا فيصح في غير الحرم.
ولأنه إذا كان الوقوف _ وهو معظم الحج _ نسكاً في غير الحرم، فأولى أن يكون كونه نسكاً.
وأما الطواف والرمي [فلما اختص ببقعة] من الحرم لهذا اختص الحرم، والحلاق لا يختص ببقعة منه، ولا فيه منفعة المساكين، فلهذا لم يختص الحرم، كالإحرام والطواف.
وعلى أنه لا يجوز أن تكون العلة كونه من توابع الإحرام؛ لأن الطواف ليس من توابعه، ويختص الحرم.

82 -

مسألة

إذا حلق القارن والمتمتع قبل أن يذبح، أو يرمي، فليس عليه إلا دم القران في أصح الروايتين:

نص عليه في رواية أحمد بن الحسن الترمذي في من قدم من نسكه شيئاً، أو أخره، فإن فعل ذلك جاهلاً، أو ناسياً [فلا شيء عليه]، وإن تعمد كان أشد عندي، ومن قال: لا شيء عليه إذا تعمد فقد قال بأكثر الأحاديث.

الحديث: 82 - الجزء: 1 - الصفحة: 412

وظاهر هذا: أن العمد والسهو سواء في إسقاط الجبران.
وبه قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: إن فعل ذلك جاهلاً أو ناسياً، فلا شيء عليه، وإن فعل ذلك عامداً فعليه دم لمخالفة الترتيب، وهو اختيار أبي بكر.
نص عليه في رواية أبي طالب في من نحر قبل أن يرمي، أو حلق قبل أن ينحر، أو زار البيت قبل أن يرمي وإن كان ناسياً، فلا بأس وإن كان عامداً فلا؛ إنما هو على النسيان.
وكذلك نقل ابن مسعود عنه: أنه ذكر له قول مالك في من حلق قبل أن يرمي، فقال أحمد: إن كان جاهلاً، فلا شيء عليه، وإن كان عالماً، فعليه دم.
وقال في رواية المروذي في من قدم من نسكه شيئاً قبل شيء ناسياً: لم يكن عليه شيء، وإن فعله متعمداً [فعليه] شيء، فإن جاء بالدم فليس فيه كلام.
كأنه رخص فيما هو أقل من الدم.
وظاهر هذا: أنه يجبره بما دون الدم بصدقة.
وقال أبو خيفة: إن كان متمتعاً أو قارناً فحلق قبل أن يذبح، أو يرمي، فعليه دمان؛ دم للقران أو التمتع، ودم للعلق قبل الذبح.
وقال مالك: إن حلق قبل أن يرمي فعليه دم، وان حلق قبل أن يذبح، فلا دم عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 413

وجه الرواية الأولى: ما روى أبو بكر بإسناده عن عمرو بن العاص قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى على ناقته، فجاء رجل فقال: ما وصول الله! إني كنت أظن أن الحلق قبل النحر، فحلقت قبل أن أنحر، فقال: «أنحر، ولا حرج»، وجاء رجل آخر فقال: يا رسول الله! إني كنت أظن أن الحلق قبل الرمي، فحلقت قبل أن أرمى، قال: «ارم، ولا حرج»، قال: فما سئل عن شيء يومئذ قدمه رجل أو أخره إلا قال: «افعل، ولا حرج».
[و] روى أحمد بإسناده عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن حلق قبل أن يذبح، ونحو ذلك، فجعل يقول: «لا حرج، لا حرج».
فلو كان الدم واجباً في ذلك لبينه، وأمر به.
فإن قيل: إنما نفى المأثم، ولم يتعرض لغيره.
يبين صحة هذا: ما روى في حديث عمرو بن العاص: أن رجلاً قال له: إني كنت أظن [أن] الحلق قبل الرمي، فحلقت قبل أن أرمي، فقال: «ارم، ولا حرج».
وروى زياد بن علاقة، عن أسامه بن شريك قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حاجاً، وكان الناس يأتونه، فمن قائل يقول: يا رسول الله!

الجزء: 1 - الصفحة: 414

سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئاً، أو أخرت شيئاً، وكان يقول: «لا حرج، لا حرج إلا [على] رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك».
ولا خلاف أن تقديم السعي على الطواف لا يجوز، فعلم أن المراد ما ذكرنا.
قيل له: لو كان الدم واجباً لبينه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وعلى أن السؤال مطلق عما يجب عليه الدم؛ لأنه يحتاج إلى معرفته؛ ليخرج من الواجب عليه، ويبرئ ذمته منه.
والذي روي في حديث عمرو بن العاص: أنه حلق قبل الرمي، فالخلاف فيه كالخلاف في مسألتنا، وإنا إذا قلنا: إن الحلاق نسك، فإن ترتيبه على الرمي مستحب لا يجب بتركه دم، وإن قلنا: هو إطلاق محظور، وجب الدم لتقديمه قبل التحلل.
وأما حديث أسامة بن شريك فهو محمول على أنه كان قد طاف طواف القدوم، وسعى خلفه؛ فإن هذا السعي معتد به من الفرض، ويطوف طواف الزيارة، ولا حرج عليه، فيكون الخبر محمولاً على أنه

الجزء: 1 - الصفحة: 415

قدمه على طواف [الزيارة].
والقياس: أنه ذبح يجوز العلق عقيبه، فجاز قبله.
أصله: إذا كان عليه دم الطيب واللباس وجزاء الصيد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الدم [دم] جبران، وليس بنسك، وليس كذلك في دم التمتع والقران؛ فإنه دم نسك، فكان الحلق مرتباً عليه.
قيل له: فالدم في حق المفرد دم نسك، ومع هذا فلا يترتب الحلق عليه؛ لأنه لو حلق قبل أن يذبح لم يلزمه دم لأجل ذلك.
فإن قيل: الدم في حق المفرد تطوع، وليس بواجب، والدم الذي يثبت في حق القارن والمتمتع واجب، فلهذا اعتبر الترتيب فيه.
قيل له: طواف القدوم غير واجب، ومع هذا فإن السعي يترتب عليه، فلو كان الترتيب في الحلق مستحق لاستوى فيه التطوع والواجب؛ كطواف القدوم مع السعي.
ولأن كل حالة جاز للمفرد أن يخلق رأسه فيها، جاز للقارن أن يحلق رأسه فيها.
دليله: بعد الذبح.
وإذا شئت قلت: حلق بعد الرمي، فلم يلزمه دم، كما لو حلق بعد الذبح.
والعبارة الأولى أجود؛ لأنه لو حلق قبل الرمي كان حكمه عندنا

الجزء: 1 - الصفحة: 416

حكمه قبل الرمي إذا قلنا: إن الحلاق نسك.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. فنهى عن الحلق قبل الذبح، ومخالفنا لا ينهى عنه، بل يبيحه، وإذا ثبت أنه منهي عنه ثبت أنه يلزمه دم؛ لأن أحداً لا يفرق بينهما.
قال: وليس لقاتل أن يقول: إن الآية نزلت في المحصر، وخلافنا في القارن؛ لأنها عامة، ونزولها على سبب لا يمنع عمومها، ولأن من قال: الحلق نسك، لا يفرق بين المحصر وغيره في أن للمحصر أن يحلق قبل أن يذبح.
والجواب: أنا نحمل ذلك على الاستحباب؛ لأنا نستحب الترتيب دون الإيجاب.
وهكذا الجواب عن قوله تعالى: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29]؛ يعني: الحلق.
وهكذا الجواب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا»، وكانوا محصرين في الحرم.
واحتج بأن هذه مناسك تفعل بحكم الإحرام المتقدم، فوجب أن

الجزء: 1 - الصفحة: 417

لا يباح ترك الترتيب فيها، كالطواف، والسعي، والرمي، وطواف الصدر، ومخالفنا يقول: الأفضل أن يرتب، فإن تركه جاز، وإذا ثبت أنه منهي عن ترك الترتيب، ثبت أنه يجب دم؛ لأن أحداً لا يفرق بينهما.
والجواب: أن المروذي قال: سئل أبو عبد الله عن رجل طاف بين الصفا والمروة قبل البيت، [فقال]: لا يجوز حتى يبدأ بالبيت، وذهب إلى قول سفيان: يعيد إذا كان عامداً، فإذا كان جاهلاً أرجو.
وظاهر هذا: أن الترتيب يسقط في ذلك في حال النسيان.
ونقل ابن منصور: وقد سئل عن من بدأ بالصفا والمروة قبل البيت، [فقال]: لا يجزئه.
وظاهر هذا: إيجاب الترتيب في العمد والسهو، وهو المذهب الصحيح.
ونقل ابن منصور وطاهر في موضع آخر: إذا طاف بالصفا والمروة قبل البيت في العمرة، ثم حلق، عليه دم.
وظاهر هذا: أنه يجزئه، ويجبره بدم، ويكون الفرق بينهما: أن السعي لما كان مرتباً على الطواف لم يفترق الحال بين طواف الفرض وبين طواف التطوع.
وكان يجب _ أيضاً _ أن يعتبر مخالفنا الترتيب في الذبح التطوع والفرض.
ولأن ترتيب السعي مع الطواف معتبر في حق المفرد والقارن

الجزء: 1 - الصفحة: 418

سواء، كذلك يجب أن نقول في الحلق مع الذبح: يستوي فيه القارن والمتمتع والمفرد.
واحتج بأنه قدم الحلاق على الذبح، فلزمه دم، كما لو قدمه على الرمي.
والجواب: أنا إذا قلنا: إن الحلاق نسك، فلا دم عليه، ولا يجب الترتيب بينه وبين الرمي، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الترمذي، وقد سوى بينهما _ أيضاً _ في رواية أبي طالب وابن مسعود.
وإن قلنا: الحلاق إطلاق محظور، وجب عليه دم.
ولأنه حلق قبل التحلل الأول، كما لو تطيب، أو لبس.
ويقابل هذا بمثله بأنه حلق قبل الرمي، أشبه إذا حلق بعد الذبح، وهكذا الحكم فيه إن قاسوا ترتيب الرمي على الطواف، فإنه غير واجب.

83 -

مسألة

إذا أخر الحلاق عن أيام النحر لم يلزمه دم في أصح الروايتين:

رواها صالح في من لم يحلق حتى مضت أيام منى: فإن جاء بدم، فلا بأس، وإن لم يجيء فأرجو أن لا يكون عليه شيء.
وكذلك نقل حرب عنه في امرأة نسيت أن تأخذ من شعرها حتى

الحديث: 83 - الجزء: 1 - الصفحة: 419

خرجت من مكة، ثم أخذته بعد ذلك بأيام: أرجو أن لا يكون به بأس، وإن تصدقت بشيء أحب إلي.
وبهذا قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: يلزمه دم.
نص عليه في رواية مهنا في امرأة حجت، فنفست، فلم تأخذ من شعرها حتى خرجت من مكة بعد أيام: يكون عليها دم.
وبه قال أبو حنيفة.
وجه الرواية الأولى: قوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، فأجاز فعله بعد بلوغ الهدي، ولم يخصه بوقت.
وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29]، قيل: هو الحلق، ولم يخصه بوقت، وإذا لم يختص بوقت لم يجب بتأخيره دم.
والقياس أنه فعله في وقت جوازه، فلم يجب بتأخيره إليه دم، كالسعي.
ولهذه العلة قلنا: إن الطواف غير موقت بأيام النحر.
ولا يلزمه عليه إذا أخر صوم دم المتعة، أو أخر دم المتعة عن وقته؛ لأن فيه روايتين، والصحيح أنه لا يجب به دم.
فان قيل: المعنى في السعي: أنه لا يجب فعله في الإحرام، فهو كطواف الصدر، والحلق يجب فعله في الإحرام، فأشبه الرمي.
قيل له: علة الأصل تبطل بالرمي في اليوم الثاني والثالث؛ لم

الجزء: 1 - الصفحة: 420

يجب فعله في الإحرام، ومع هذا يجب بتأخيره دم.
وقوله: (وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يفعل في الإحرام، فهو كالرمي والوقوف) فالمعنى في الرمي: أنه ليس بوقت لجواز فعله، فلهذا وجب عليه الدم بتأخيره، وليس كذلك الحلق؛ لأنه أخره إلى وقت جواز فعله، فهو كالسعي.
ولأن ما بعد هذه الأيام الثلاثة وقت يجوز فيه الحلق، فلم يجب بالتأخير إليه دم.
دليله: إذا أخره إلى اليوم الثاني.
فإن قيل: المعنى هناك: أنه لم يؤخره عن وقته، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه أخره عن وقته.
قيل له: لا نسلم هذا؛ لأنه غير مؤقت عندنا.
وإن شئت احترزت عن تأخير صوم الثلاثة بأنه نسك أخره إلى وقت جواز فعله، والصيام بدل عن النسك، وليس بنسك، ولتأخير البدل تأثير في إيجاب الفدية بدليل قضاء رمضان إذا أخره.
واحتج المخالف بأنه نسك يجب فعله في الإحرام، فوجب أن يكون مؤقتا، كالوقوف والرمي.
ولهذه العلة قلنا: إن الطواف مؤقت بأيام النحر.
ولا يلزم عليه السعي؛ لأنه لا يجب فعله في الإحرام؛ لأنة يجوز أن يفعله بعد طواف الزيارة، وبعد طواف الزيارة لا يكون محرماً.

الجزء: 1 - الصفحة: 421

والجواب: أن قوله: (يجب فعله في الإحرام) لا تأثير له؛ لأن ما لا يجب فعله في الإحرام وما يجب سواء بدليل الرمي؛ لا يجب في الإحرام، ومع هذا يجب بتأخيره الدم.
ثم المعنى في الأصل: أن ذلك أخره عن وقت جواز فعله، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لم يؤخره عن وقت جواز فعله، فهو كالسعي.
واحتج بأنه موضوع للإحلال من الإحرام، فأشبه الطواف.
والجواب: أن الطواف غير مؤقت عندنا، ولا يجب بتأخيره دم مثل مسألتنا، ويأتي الكلام عليه، إن شاء الله.
فإن قيل: أليس قد قلتم: إذا أخر صوم التمتع عن وقته وجب بتأخيره دم، هلا قلتم هاهنا كذلك؟ قيل: في ذلك روايتان، والصحيح: أنه لا دم فيه.
على أن صوم دم التمتع ليس بنسك، وإنما هو بدل عن النسك، وقد يجب بتأخير البدل ما لا يجب بتأخير المبدل بدليل قضاء رمضان؛ يجب بتأخيره فدية، ولا تجب بتأخير رمضان.

84 -

مسألة

إذا حلق المحرم رأس حلال، فلا شيء عليه:

نص عليه في رواية ابن منصور، وحرب، ومهنا:

الحديث: 84 - الجزء: 1 - الصفحة: 422

فقال في رواية ابن منصور: وقد سئل: يقصر المحرم رأس الحلال؟ قال: نعم.
وفي رواية مهنا: إذا حلق المحرم رأس حلال، وهو نائم، أو كاره، لا كفارة عليه.
وبهذا قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليه الفدية؛ يطعم شيئاً.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، وهذا خطاب للمحرمين، [فنهاهم] من حلق رؤوسهم، فدل على أن لهم أن يحلقوا رؤوس المحلين.
فإن قيل: تقديره: لا يحلق أحد رأسه، ولا رأس غيره، كما قال تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، لا يقتل أحد نفسه، ولا نفس غيره.
قيل له: قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: 196] خطاب للمحرمين، فلا يدخل فيهم غيرهم، وقوله: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ خطاب لجميع المكلفين، وكان ذلك في المكلفين بمنزلة قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ في المحرمين.
فإن قيل: العادة أنهم لا يحلقون رؤوسهم، وإنما يحلقون رؤوس

الجزء: 1 - الصفحة: 423

غيرهم، فحمل النهي على ذلك.
قيل له: قد ثبت أن هذا خطاب للمحرمين، فإن لم يتأت فعله في نفسه، حمل على فعله في محرم مثله؛ لأن قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا﴾ خطاب لكل واحد منهم، وقوله: ﴿رُءُوسَكُمْ﴾ لفظ الجمع المعرف فيقتضي جنس رؤوس المحرمين.
والقياس: أنه حلق شعر محل، فلا يلزمه الفدية.
دليله: إذا كان الحالق حلالاً.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه إذا حلق شعر نفسه لم تلزمه الفدية، وكذلك إذا حلق شعر محل، وليس كذلك المحرم؛ [فإنه] إذا حلق شعر نفسه لزمته الفدية.
قيل: إذا كان الحالق حلالاً فاستوى شعره وشعر المحلوق؛ لأن كل واحد منهما شعر محل، فلم تختلف [......] الفدية، وليس كذلك إذا كان الحالق محرماً؛ لأن شعره مخالف لشعر المحل، فلهذا افترقا في وجوب الفدية.
وقياس آخر: وهو: أنه شعر لا يختلف باختلاف المكان، فإذا لم يضمنه المحل لم يضمنه المحرم قياساً على شعر البهيمة.
أو نقول: كل شعر لم يضمنه المحل لم يضمنه المحرم قياساً

الجزء: 1 - الصفحة: 424

على شعر البهيمة.
ولا يدخل عليه شعر الصيد؛ لأنه يضمنه المحل في الحرم.
أو نقول: شعر لا يتعلق بمنبته حرمه الإحرام، أشبه شعر البهيمة.
وقياس آخر، وهو: أنه معنى يراد للترفه، فإذا فعله المحرم بالمحل لم يلزمه الضمان، كالطيب واللباس.
وعبر عن هذا المعنى بعضهم، فقال: عبر على المحل كراهية المحرمين، فلم يلزمه فدية.
دليله: اللبس.
وهذا ينتقض بالمحرم إذا وطئ المحلة، فإنه يلزمه الفدية، وقد عبر على المحلة هيئة المحرمات، والصحيح ما ذكرنا.
فان قيل: فرق بينهما، وذلك أن اللبس والطيب غير محرم على المحرم في حال العذر على الإطلاق؛ لأن له لبس الإزار والرداء، وإنما نهي عن لبسه على صفة، وهو أن يشتمل عليه بالخياطة.
وكذلك لم ينهه عن التطيب على الإطلاق؛ لأن له أن يلبس ثوباً

الجزء: 1 - الصفحة: 425

مبخراً بعود وند.
وليس كذلك الحلق؛ فإنه محرم على المحرم في غير حال العذر على الإطلاق، فوجب أن يستوي في وجوب الكفارة في حقه وحق وغيره.
دليله: قتل الصيد.
قيل له: هذا ينتقض بقتل الصيد؛ فإن المحرم يمنع من قتله على الإطلاق في غير حال العذر؛ لأن صيد البحر من جمله الصيد، ومع هذا فلا يمنع منه، وكذلك الذئب عندهم هو صيد لا يمنع، ومع هذا لا يستوي في وجوب الكفارة في حقه وحق غيره، وكذلك لحم الصيد ليس بمجرم على المحرم إذا لم يصد لأجله، ولحمه يجرى مجرى الصيد في باب التحريم إذا ذبح لأجله.
وعلى أن الحلاق واللباس فد تساويا في حق المحرم في إيجاب الفدية عليه، وإن كانا يختلفان من الوجه الذي ذكروه، وهو: أن اللبس يباح في غير حال العذر، والحلق لا يباح، يجب _ أيضاً _ أن يتساويا في حق المحل.
وعلى أن أكثر ما في هذا [أن] تحريم الحلاق أعم من تحريم اللبس، وهذا لا يوجد الفرق بينهما في باب الضمان، ألا ترى أن كل ما يؤكل لحمه من الحيوان لا يباح قتله لغير ضرورة، وما يباح أكله

الجزء: 1 - الصفحة: 426

[يقتل] للضرورة ولغيرها، ثم يتساويان في الضمان في حق الأجنبي إذا أتلفه عليه، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأنه محرم حلق شعر الآدمي، فوجب أن تلزمه الفدية، كما لو حلق رأس نفسه، أو رأس محرم آخر.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لو ألبسه المخيط أو طيبه وجب عليه الفدية، فكذلك إذا حلقه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لو ألبسه أو طيبه لم تلزمه الفدية، وليس كذلك هاهنا؛ لأن منبته لا تتعلق به حرمة الإحرام.
ولأن شعر المحرم مضمون بالدم، وما اختلفنا فيه مضمون بالصدقة، فلو كانا سواء لوجب أن يتساويا في مقدار الضمان.
واحتج بأنه معنى نهي عنه المحرم في غير حال العذر على الإطلاق، فوجب أن يستوي في وجوب الكفارة في حقه، وحق غيره.
دليله: الصيد.
قالوا: ولا يلزم عليه إذا ألبس غيره، أو طيبه؛ أنة لا فدية؛ لأنه لم ينه عن اللبس على الإطلاق، إنما نهي عن لبس على صفة هي المخيط، وكذلك الطيب؛ لم ينه عن ثوب مبخر بعود.
والجواب: أنا قد بينا: أن الصيد لم يمنع منه المحرم على الإطلاق

الجزء: 1 - الصفحة: 427

في حال العذر من الوجه الذي ذكرنا.
وعلى أن الصيد قد يحرم إذا كان للمحل على المحل، ويجب الجزاء بقتله، وهذا إذا كان في المحرم، ولا يحرم شعر المحل على المحل بحال، ولا تجب الفدية عليه بحلقه.
ولأن الله _ تعالى _ أطلق تحريم الصيد بقوله: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: 95]، فلهذا استوى صيده وصيد غيره، وقيد الحلق فقال: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: 196]، وهذا خطاب للمحرمين خاصة من الوجه الذي ذكرنا، فبان الفرق بينهما.
ولأن الصيد لما منع من قتله في حقه وحق غيره استوى الجزاء، فلو كان الحلق كذلك لاستوى، ولما فرق بينهما، فقال: في شعر المحرم دم، وفي شعر الحلال صدقة، دل على الفرق بينهما.
فإن قيل: اختلافهما في المقدار لا يمنع استواءهما في وجوب الفدية فيهما، كما أن اختلاف المقدار الواجب في شعرة واحدة وفي ثلاث شعرات لا يمنع استواهما في الوجوب، وإنما اختلفا في المقدار؛ لأنه إذا حلق رأس نفسه حصل له الانتفاع به، وإذا حلق رأس غيره حصل الانتفاع به للمحلوق.
قيل له: إنما اختلف المقدار فيما دون الثلاث؛ لأنه لا يقع عليه اسم الجمع المطلق، ويقع على الثلاث، وليس كذلك هاهنا؛ لأن اسم الجمع المطلق قد وجد، وعند مخالفنا ربع الرأس في حق الحلق، فلو

الجزء: 1 - الصفحة: 428

كان ممن تتعلق به الفدية، لوجب أن يستوي حكمه في حقه، كما استوى في حق المحرم.
واحتج بأن الاعتبار بالمحرم، لا بالشعر، كما أن الاعتبار به، لا بالصيد، ألا ترى أن رجلاً لو كان في الحرم، فرمى صيداً في الحل، لزمه الجزاء، وإن كان الصيد في الحل مباحاً؛ لأن حال الرجل يحظر الصيد، كذلك إذا حلق رأس الحلال يجب أن تلزمه الفدية؛ لأن حاله يحظر حلق الشعر.
والجواب: أنه لما كان الاعتبار به في مثل الصيد، لا بالصيد، لزمه بقتل صيد الحل ما يلزمه بقتل صيد الحرم، فلو كان الاعتبار به، لا بالسفر، لوجب أن يلزمه بذلك ما يلزم المحرم.

85 -

مسألة

إذا حلق الحلال رأس المحرم، وهو نائم، أو مكره، فالفدية على الحالق:

وذكره أبو بكر في كتاب «الخلاف» عن أحمد في رواية ابن منصور.
وقياس المذهب يقتضيه في المحرمة إذا جومعت مستكرهة:

الحديث: 85 - الجزء: 1 - الصفحة: 429

لا كفارة عليها.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: الفدية على المحلوق رأسه.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة.
دليلنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تجاوز لأمتي عن ما استكرهوا عليه».
والمحرم مستكره، فيجب أن يعفى عنه.
ولأنه شعر زال عن رأسه من غير صنع من جهته، فلم تلزمه الفدية، كما لو تمعط شعره بمرض.
فإن قيل: لو كان كذلك، لما وجبت الفدية أصلاً، كما لا تجب بالتمعط.
قيل له: إنما يجب الضمان في الأصل بحال؛ لأنه ليس هناك حالق يتوجه عليه الضمان، وفي مسألتنا حالق يتوجه عليه الضمان، فأوجبنا الفدية عليه، وهذا كما نقول في المودع: إذا تلفت الوديعة في يده بمرض لم يجب الضمان على أحد، فإذا أتلفها غير المودع لم يجب الضمان على المودع، ووجب على المتلف، كذلك هاهنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 430

واحتج المخالف بأن الانتفاع بالحلق حصل للمحرم, فوجب أن تكون الفدية عليه دون غيره, كما لو حلقه بأمره.
ولا يلزم عليه إذا تمعط لعلة؛ لأن الفدية لم تجب أصلًا.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن الشعر زال بصنع من جهته, فلزمه الضمان, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه زال من غير صنع من جهته, فلم يضمن, وهما سواء؛ لأن المحرم مأمور حفظ شعره, كالمودع.
واحتج بأن الانتفاع بالحلق للمحرم, فلو أسقطنا الفدية عنه لأسقطناها للعذر لا يمنع وجوب الفدية بدلالة وجوبها على من كان به أذى من رأسه فحلقه, أو كان ناسيًا.
والجواب: أن فريقًا بين العذر بالمرض, وبين العذر بالإكراه, ألا ترى أنه لو احتاج إلى الفطر, لزمه القضاء, ولو صب الماء في حلقه لم يفطر, ولم يلزمه القضاء, فدل على الفرق بينهما.

86 -

مسألة

إذا حلق المحرم شعر المحرم بإذنه, فعلى المحلوق شعره فدية, ولا شيء على الحالق:

وقال أبو حنيفة: عليه صدقة, كما قالوا في المحرم إذا حلق شعر المحل.

الحديث: 86 - الجزء: 1 - الصفحة: 431

دليلنا: أنه شعر زال عن المحرم باختياره, فلم يلزم غيره ضمانه.
دليله: لو كان الحالق محلًا.
ولأنه محرم حصل له ترفه باختياره, فلم يلزم الفاعل به ذلك ضمانه.
دليله: لو طيبه, أو ألبسه.
ولا يجوز القياس عليه إذا حلق بغير إذنه؛ لأن الشعر زال عن المحرم بغير اختياره بالتفريط من الحالق, فلزمه الضمان.

87 -

مسألة

الحلق في الإحرام نسك يثاب على فعله ويعاقب على تركه:

نص عليه في مواضع ابن إبراهيم, وأبي داود: تقصر المرأة من جميع رأسها قدر الأنملة.
وقال في رواية حنبل والميموني: إن شاء قصر, وإن شاء حلق, والحلق أفضل.
وقال في رواية منها: إذا أخت المرأة التقصير حتى خرجت أيام منى, فعليها دم.

الحديث: 87 - الجزء: 1 - الصفحة: 432

وقال- أيضًا- في رواية بكر بن محمد: إذا اعتمر الرجل, فلابد من أن يحلق, أيقصر, ولا يعتمر حتى شعره, فيمكن حلقه, أو يقصره.
وقال في رواية أبي داود: يعجبني إذا دخل متمتعًا أن يقصر؛ ليكون الحلق للحج.
وهذا كله يدل على أنه نسك, وبهذا قال أبو حنيفة, ومالك.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا.
والثاني: إطلاق محظور, كاللباس والطيب.
دليلنا: قوله تعالى:} ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ﴿] الحج: 29 [. روى ف التفسير: أن المراد به الحلق, وروى: بقايا أفعال الحج مثل رمي الجمار, ونحوه, وهو عليهما جميعًا.
وإذا ثبت أن الحلق من قضاء التفث وقد أمر الله به, وجب أن يكون نسكًا.
وأيضًا قوله تعالى:﴾ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ {] الفتح: 27 [. فامتن علينا بدخولنا على هذه الصفة, فدل على أن الفضل يحصل بها.
ولأنه عبر عن الإحرام بالحلق والتقصير, ولا يعبر عن العبادة إلا

الجزء: 1 - الصفحة: 433

بما هو منها, كقوله:} وَقُرءَانَ الفَجرِ {] الإسراء: 78 [. ويدل عليه ما روى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم ارحم المحلقين)) , قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: ((اللهم ارحم المحلقين)) , قالوا: يا سول الله! والمقصرين؟ قال: ((والمقصرين)).
فدعا للمحلقين ثلاثًا, وللمقصرين مرة واحدة, فلولا أنه نسك لما استحقوا لأجله الدعاء.
فإن قيل: إنما دعا لهم؛ لأن فيه قربة, وهو النظافة.
قيل له: هذا المعنى لا يوجد في التقصير, وقد دعا للمقصرين.
ويروى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ((اذبحوا, واحلقوا)).
فأمرهم بالحلق, وأمره على الوجوب, فدل على لسانه أنه نسك.
ولأن الأمة قد نقلت من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا الحلق للحاج قولًا وفعلًا, كما نقلت سائر المناسك, فدل على أنه نسك, وليس من الأفعال المباحة.
ولأن هذه عبادة لها إحلال وإحرام, فوجب أن يكون من محظوراتها

الجزء: 1 - الصفحة: 434

ما هو قربة فيها, كالصلاة من محظوراتها ما هو واجب فيها.
أصله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأنه محظور في الإحرام, فوجب أن يكون في وقته إطلاق محظور قياسًا على الطيب واللبس وقتل الصيد.
والجواب: أن كونه محظورًا ف حال الإحرام لا يمنع أن يكون قربة عند الإحلال, كالسلام هو محظور في الصلاة, كالكلام والمشي ونحو ذلك ثم يكون مسنونًا في آخرها.
ثم المعنى في سائر المحظورات: أن الشرع لم يرد باستحقاق الثواب عليه, فلهذا لم يكن نسكًا, هاهنا قد ورد, فلهذا كان نسكًا.
واحتج بأنه لو كان من أعمال الحج لوجب إذا فعله قبل وقته] أن [لا يتعلق به وجوب الدم, كالطواف والرمي.
والجواب: أن السلام قربة في الصلاة عند التحلل منها, ثم إذا قدمه على وقته على سبيل السهو تعلق به الجبران, كذلك لا يمنع أن يقع التحلل بالحلق, وإذا قدمه على وقته تعلق به الجبران, وهو الدم.
فإن قيل: لو كان الحلاق يجري مجرى السلام لوجب أن يقع التحلل به, كما يقع بالسلام.
قيل له: في ذلك روايتان:

الجزء: 1 - الصفحة: 435

إحداهما: أن التحلل يقع به وبالرمي, كما يقع التحلل من الصلاة بالسلام.
وقد نص على هذا في مواضع: فقال في رواية أبي داود في من دخل بعمة, فلم يقصر حتى كان يم التروية: فهذا لم يحل بعد, يقصر, ثم يهل بالحج, ولا شيء عليه, وبئس ما صنع.
ونقل عنه في موضع آخر في المعتمر يقع بامرأته قبل أن يقصر: عليه الفدية.
وكذلك نقل أبو طالب في معتمر طاف فوقع على امرأته قبل أن يسعى: فسدت عمرته وعليه مكانها, وإن طاف وسعى, ثم وطئ قبل أن يحلق, فعليه دم.
وقال- أيضًا- في رواية الأثرم في معتم حل من عمرته, فوقع على امرأته قبل أن يقصر, فعليه دم؛ يذبح شاة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن إبراهيم في محرم وقع بأهله قبل أن يقصر قال: عليه دم.
وهذا صريح في أنه لا يقع التحلل قبل الحلق, أو التقصير, وإنما يقع به, وبه جاءت السنة: فروى أحمد في ((المسند)) بإسناده عن عائشة قالت: قال

الجزء: 1 - الصفحة: 436

رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رميتم وحلقتم, فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء)).
فعلق التحلل بالرمي, والحلاق.
ولأنها عبادة لها تحليل وتحريم, فوجب أن يقع التحلل منها بمعنى محظور عليه فيها خلال الإحرام, كالصلاة.
فعلى هذا لا يلزم السواك.
وفيه رواية أخرى: يقع التحلل برمي الجمرة, ولا يقف عليه.
أومأ إليه في رواية أبي الحارث فقال: الإحرام قائم عليه, فإذا رمي الجمرة فقد انتقض إحرامه.
وقال- أيضا- في رواية ابن منصور: وقد سئل عن المحرم يغسل رأسه قبل أن يحلقه, فقال: إذا رمى الجمرة فقد انتقض إحرامه, إن شاء غسله.
وقال في رواية ابن منصور في الذي يصيب أهله في العمرة قبل أن يقص: الدم لها كثير.
وهذا يقتضي أنه قد تحلل؛ لأنه لو كان الإحرام باقيًا لأوجب الدم؛ لأنه قد نص على أنه من وطئ في العمرة عليه شاة في رواية أبي طالب.

الجزء: 1 - الصفحة: 437

فعلى هذا: لا يمنع هذا كونه نسكًا, وإن لم يقع التحلل به, كالمبيت في المزدلفة, ورمي الجمار في اليوم الثاني والثالث.
وقد روى أحمد في ((المسند)) بإسناده عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيٍء إلا النساء)).
وهذا نص في أن التحلل يقع بالرمي فقط.

88 -

مسألة

إذا كان المحرم أصلع, أو محلوق الرأس, استحب إمرار الموسى على رأسه, ولم يجب عليه:

وقد قال: أحمد في راية المروذي في المتمتع: إذا دخل يوم التروية فأعجب إلي أن يقصر, إن دخل في العشر, فأراد أن يحلق حلق, فإن هو دخل في يوم التروية, فحلق فلا بأس به, ويمر الموسى على رأسه يوم الحلق.
وهذا محمول على طريق الاستحباب؛ لأنه قد قال في رواية بكر ابن محمد: لا يعتمر حتى يخرج شعره, فيمكن حلقه, أو تقصيره.
وهذا يدل على أن إمرار الموسى لا يجب, ولا يقوم مقام الحلق.
وقال أبو إسحاق في ((تعاليق كتاب العلل)): قد قال أحمد في الذي

الحديث: 88 - الجزء: 1 - الصفحة: 438

يولد, وليس له شيء: كأنه مختون, يمر الموسى على الموضع, كما قال ابن عمر في الأصلع.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجب.
دليلنا: قوله تعالى:} مُحَلِقِينَ رُءُوسَكُم وَمُقَصِرِينَ {] الفتح: 27 [والمراد به: شعور رؤوسكم؛ لأن الرأس لا يحلق, ولا يقصر, فإذا لم يكن على رأسه شعر لم يتناوله الأمر.
ولأن إمرار الموسى لو كان حلقًا لوجب إذا فعله قبل التحلل أن يجب به الفدية, فلما لم يجب به ثبت أنه ليس بحلق يؤمر به حال التحلل.
ولأن الفرض تعلق بشعر الرأس مع وجوده, فإذا عدم الشعر سقط الفرض, كالطهارة لما تعلقت بالعضو سقطت بعدم العضو.
فإن قيل: فيجب أن لا يستحب إمرار الموسى على رأسه لعدم الشعر.
قيل له: لا فرق بين الأصل والفرع في باب الاستحباب, فإنه يستحب له أن يمر الماء على محل القطع وإن لم يجب, كما نستحبه هاهنا.
نص عليه أحمد في رواية صالح وعبد الله: من قطعت يده من المرفق يغسل الموضع الذي قطع؛ يدير الماء بيده الأخرى.

الجزء: 1 - الصفحة: 439

وقال في رواية مهنا: المتيم يمسح الموضع الذي قطع بالتراب.
واحتج المخالف بما روي عن ابن عمر: أنه قال في الأصلع: يمر الموسى على رأسه.
ولا يعرف له مخالف ذكره النجاد بإسناده.
والجواب: أن هذا محمول على الاستحباب دون الإيجاب.
واحتج بأنها عبادة متعلقة بالرأس, فإذا لم يكن عليه شعر تعلقت ببشرة الرأس, كالمسح.
والجواب: أنه مأمور في الطهارة بمسح الرأس, والماسح على بشرة الرأس يسمى ماسحًا, فجاز أن تتعلق العبادة بها, وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه مأمور بحلق الرأس, وهذا لا يسمى حالقًا.
فإن قيل: لا يمتنع أن يؤمر بالتشبه بالحالق, وإن لم يسم حالقًا, كما أن من أصبح في أول يوم من رمضان, وهو يظن أنه من شعبان, فأكل, ثم استبان له في بعض النهار أنه من رمضان, فإنه يؤمر بالتشبه بالصائم بالإمساك, وإن لم يسم صائمًا.
قيل: إنما لزمه الإمساك هاهنا, وإن لم يكن صائمًا؛ لأن الصيام

الجزء: 1 - الصفحة: 440

لزمه باطنًا, ومحل الصوم باٍق, فلزمه الإمساك, وهاهنا محل الفرض متعلق بالشعر, وذلك غير موجود, فمثاله: أن يستبين له أنه كان من رمضان بعد دخول الليل, فلا يلزمه الإمساك بفوات الزمان.
ويبين صحة هذا: أن فرض المسح تعلق بالرأس دون الشعر بدلالة أنه لو كان الشعر على بعض رأسه دون بعض كان بالخيار عندهم؛ إن شاء مسح على البشرة, وإن شاء مسح على الشعر, فلم يسقط الفرض لعدم الشعر.
وفي الحلق تعلق بالشعر بدلالة أنه لو كان الشعر في بعض رأسه دون بعض, لم يجز له إمرار الموسى على البشرة, فإذا عدم ما تعلق به الفرض سقط.
فإن قيل: تعلق الفرض به لا يوجب سقوطه بعدمه بدلالة فرض الطهارة يتعلق بالماء, ثم لا يسقط الفرض بعدمه, وكذلك الصوم في أول يوم من رمضان.
قيل له: قد بينا أن الأصول على هذا, وأن الفرض إذا تعلق بمحل مخصوص سقط بفواته, كالطهارة لما تعلقت بالأعضاء سقطت بفواتها, وكذلك الإيجاب إذا تعلق برقبة سقط بفواتها.
وأما الصيام فقد تكلمنا عليه, وأما انتقال الطهارة إلى التيمم عند عدم الماء, فذلك بالشرع لا غيره.

الجزء: 1 - الصفحة: 441

89 -

مسألة

إذا حلق لغير عذر لزمه دم, ولم يخير بين ثلاثة أشياء؛ كاللبس والطيب:

نص عليه في رواية سندي الحواتيمي وابن القاسم في المحرم يحلق رأسه من غير أذى ليس هو عندي بمنزلة من يحلق من إذا حلق رأسه من أذي, فهو مخير في الفدية, ومثل هذا لا ينبغي أن يكون مخيرًا.
وبهذا قال أبو حنيفة.
قال الشافعي: يخير كما لو حلق لعذر.
دليلنا: أن الله- تعالى- خير الحالق بين ثلاثة أشياء لوجود معنى, وهو الأذى, فإذا عدم المعنى لم يثبت التخيير, ووجب دم للجناية في حال الإحرام.
ولأنها كفارة وجبت بجناية في الإحرام, لا على طريق العوض, فوجب أن لا يخير بها بين الدم, والإطعام, والصوم.
أصله: الكفارة والتي تجب بالوطء.
ولا يلزم عليه جزاء الصيد؛ لأنه عوض, والحلق من

الحديث: 89 - الجزء: 1 - الصفحة: 442

أذى ليس بجناية.
ولأنه دم يتعلق بمحظور يختص الإحرام, فلا نخيره بينه وبين الصوم.
أصله: الدم الذي يجب بترك الرمي ومجاوزة الميقات.
ولا يلزم عليه جزاء الصيد؛ لأنه لا يختص الإحرام, بدلالة أنه محظور في الحرم.
ولا يلزم عليه الحلق من أذى؛ لأنه غير محظور.
واحتج المخالف بأنه كفارة ثبت فيها التخيير إذا كان سببها مباحًا, فوجب أن يثبت فيها التخيير إذا كان سببها محظورًا.
أصله: جزاء الصيد.
وربما قالوا: الحلاق إتلاف, فلم يختلف حكمه لعذٍر, كقتل الصيد.
والجواب: أنه لا فرق عندك بين ما هو إتلاف, وما ليس بإتلاف؛ لأنه لبس لغير عذر, فكان مخيرًا, واللبس ليس بإتلاف.
ثم الصيد كفارته وجبت على طريق العوض, فإذا خف سببها بالإباحة, خف حكمها, وإذا تغلظ سببها بالحظر, تغلظ حكمها.
ولأن الله- تعالى- نص على التخيير في قتل الصيد في أغلظ

الجزء: 1 - الصفحة: 443

الأحوال, وهو العمد, فلما أوجب الكفارة المخففة في أغلظ الأحوال كان ذلك تنبيهًا على تخفيف حكمها فيما لم تتغلظ فيه, وهو الخطأ, والقتل بعذر.
وأما كفارة اللبس والحلق فنص على حكمها مخففة عند أخف أسبابها, فلم يجز أن يستدل على ثبوت حكم التخفيف في أغلظ الأحوال.

90 -

مسألة

إذا غسل المحرم رأسه بالسدر والخطمي لم تلزمه الفدية في إحدى الروايتين:

قال في رواية حنبل: المحرم يدخل الحمام, وليس عليه كفارة, ولا بأس أن يغسل المحرم رأسه وثوبه.
فقد أطلق القول في ذلك.
وقال في رواية أبي داود: حديث ابن عباس: أن رجلًا وقصته ناقته, وهو محرم, فيه خمس سنن: ((كفنوه في ثوبين, ولا تخمروا رأسه, ولا تمسوه طيبًا, واغسلوه بماٍء وسدٍر)).
أي: في الغسلات كلها, فقد أجاز غسل الميت بالسدر.
وقال أيضًا في الحناء: ليس بطيب, ولا كفارة فيه.

الحديث: 90 - الجزء: 1 - الصفحة: 444

وبهذا قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: فيه الفدية.
قال في رواية صالح: إذا غسل المحرم رأسه بالخطمي افتدى.
وقال أيضًا- في رواية المروذي: لا يغسل رأسه بالخطمي, ولكن يصب على رأسه الماء صبًا, ولا يدلكه.
وروى عنه محمد بن أبي حرب: وقد سئل عن المحرم يغسل بدنه بالمحلب, فكرهه, وكره الأشنان.
وبه قال أبو حنيفة.
وجه الرواية الأولى: ما روى عبد الله بن عباس: أن محرمًا خر من بعيره, فوقص, فمات, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اغسلوه بماٍء وسدٍر, ولا تقربوه طيبًا)).
وذلك المحرم كان باقيًا على إحرامه عندنا وعندهم, فثبت أن المحرم غير ممنوع من استعمال ذلك.
فإن قيل: حكم الإحرام بعد الموت أخف منه في حال الحياة, فلذلك جاز استعماله.
قيل له: فيجب أن يجوز استعماله الطيب, وتغطيه الرأس والوجه.
فإن قيل: الحاجة تدعو في الميت؛ لأنه لا ينقيه غيره, فجاز

الجزء: 1 - الصفحة: 445

للحاجة, وهذا المعنى غير موجود في الحي؛ لأنه يزيل الدرن عنه بعد التحلل, فلا حاجة به إليه في الإحرام.
قيل له: قد يقوم غيره مقامه في إزالة الدرن من الأشنان ونحوه.
ولأن القصد من السدر والخطمي القصد منه النظافة وإزالة الوسخ والدرن, فهو كالأشنان والماء, وذلك لا يوجب الفدية, ويفارق الدهن؛ لأن ذلك يقصد به الترجيل وإزالة الشعث.
واحتج المخالف بأن هذا يزيل التفث, ويقتل الدواب, فهو كالحلق.
والجواب: أنا لا نسلم هذا؛ لأنا قد بينا: أن القصد منه إزالة الوسخ, فهو كالأشنان.
واحتج بأنه يعتاد استعماله في الشعر, وله رائحة مستلذة, كالدهن.
والجواب: أن السفر جل والتفاح له رائحة مستلذة, ولا يوجب الفدية, وأما الدهن فيحمل به ترحيل الشعر, ولأنه طيب.
واحتج بأن الشعر تارة يستصلح ما يغسل به, وتارة بما يدهن به, فإذا وجبت الفدية بأحدهما, جاز أن تجب بالآخر.
والجواب عنه: ما تقدم.

الجزء: 1 - الصفحة: 446

91 -

مسألة

إذا قلم ثلاثة أظفار فصاعدًا, ففيها دم, وإن قلم أقل من ذلك, فهو على الروايات التي تقدمت في حلق الشعر:

وقد قال أحمد في رواية مهنا في محرم قص أربع أصابع من يده: فعليه دم, قال عطاء: في شعره مد, وفي شعرتين مدان, وفي ثلاث شعرات فصاعدًا دم.
والأظفار أكث من ثلاث شعرات.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن قص خمسة أظفار من يد واحدة, أو رجل واحدة, وجب عليه دم, وإن كان أقل من ذلك, فعليه صدقة في كل ظفر نصف صاع حنطة.
ولأنه قص خمسة أظفار من يدين, أو رجلين, كان عليه اسم الجمع المطلق, لم يلجه الظفر إليه, وأشبه إذا قلم أظفاره يده.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه قد استعمل منفعة إحديهما, وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لم يستعمل.
قيل له: يبطل به إذا حلق ربع رأسه؛ فإنه لم يستعمل المنفعة, ومع هذا ففيه دم.
ولأن القليل لا يوجب الدم, وهو ظفر واحد, والكثير يوجبه,

الحديث: 91 - الجزء: 1 - الصفحة: 447

وأقل ما يتعلق به حكم الكثرة في الأصول هو ثلاثة, وكانت حدًا فاصلًا بين ما يوجب وما لا يوجب بقلم خمسة أظفار, ولا يوجب بقلم ستة عشر ظفرًا, وهو إذا قلم أربعة من كف وأربعة من كف, وأربعة من قدم, وأربعة من قدم.
وهذا ظاهر الفساد.
ولأن ما ذهبوا إليه يؤدي إلى أن يصم بعضه إلى بعض, والذي تقتضيه الأصول عنده الضم, ويجعل بمنزلة الموجود في كف واحدة, وقدم واحدة, كما ضم النجاسات بعضها إلى بعض, فإذا بلغت مقدار درهم كانت بمنزلة المتصلة, وكذلك ضم خرق الخف بعضه إلى بعض, وجعل المتفرق بمنزلة المتصل, وكذلك ضم الجنايات بعضها إلى بعض في الأطراف, فإذا بلغت نصف عشر الدية حملها العاقلة عنده, فيجب أن ينظر مثل هذا في مسألتنا.
وقضم الخمسة من يدين كأنه وجد من يد واحدة.
فإن قيل: المقصد من النجاسة تطهير الثوب منها, فإذا وجد منها مقدار ما يجب غسله لو وجد في موضع واحد, وجب غسله إذا كان في مواضع متفرقة.

الجزء: 1 - الصفحة: 448

وقص الأظفار المقصد فيه الجمال والمنفعة, فإذا لم يحصلا له لم يجب عليه دم.
وأما الخف إذا تخرق فإنه يضم بعضه إلى بعض إذا كان في خف واحد, وأما إذا كان في خفين, فلا يضم كمسألتنا.
فأما الجنايات, فلا تشبه مسألتنا؛ لأنه لو قطع أصابع اليدين وجبت عليه الدية, ولو قطع أصابع إحدى اليدين وجب نصف الدية, وفي قص الأظفار جب في اليدين ما يجب في اليد الواحدة إذا كان في مجلس واحد.
قل له: أما قولك: (إن القصد من الأظفار الجمال والمنفعة) فغير صحيح؛ لأن يسير النجاسة لا تجب إزالته عندهم, القصد موجود, فعلم أن القصد إزالته على صفة, وهو جمع بعضه إلى بعض.
وقوله: (القصد من الأظفار الجمال والمنفعة) غير صحيح؛ لأنه لو قطع ظفره افتدى, وإن لم يوجد هذا المعنى.
وأما قوله: (إن الجنايات أن لا يتداخل أرشها إذا كانت في مجلس, والقص يتداخل إذا كان في مجلس) , فذلك لأن الجنايات حق لآدمي, وحقوق الآدميين يختلف البدل باختلاف المبدل؛ بقلته وكثرته, واليدان أكثر من اليد الواحدة.
فأما تقليم الأظفار فإنه- وإن كان مصرفه إلى الآدميين- فإنه حق لله

الجزء: 1 - الصفحة: 449

تعالى, فلم يجب في اليد الثانية أكثر مما يجب في الأولى, ودخله التقدير.
واحتج المخالف بأنه لم يستكمل منفعة إحدى اليدين بإزالة التفث عنها [, فصار كمن قلم ظفرا أو ظفرين.
والجواب: أنه إذا حلق ربع رأسه, لم يستكمل منفعته بإزالة التفث عنه, ومع هذا فهو كمن حلق جميع رأسه.
وربما قالوا: اليد عضو له نظير في البدن, ولم يستكمل منفعته, فوجب أن لا يلزمه دم, كما لو قلم ظفرين من يد واحدة.
ولا يلزم عليه إذا حلق ربع الرأس؛ أنه يجب به دم, وإن لم يستكمل منفعته؛ لأنه لا نظير له في البدن.
والجواب: أن العضو الذي لا نظير له والعضو الذي له نظير في موجب الإحرام واحد؛ لأن إزالة التفث عن الرأس محرم, كما يحرم عن اليدين والرجلين, والواجب فيهما من الصدقة والدم وما يتداخل على طريقة واحدة, فيجب أن يكونا سواًء في مسألتنا, وأنه لا اعتبار في إكمال الدم باستكمال المنفعة.
وعلى أن هذا الاعتبار ليس بصحيح؛ لأنه إذا لم يخلق لكفه إلا

الجزء: 1 - الصفحة: 450

ثلاثة أصابع، وكان الباقيس مقطوعًا، وإذا قلم الظفر الموجود فقد استكمل منفعة العضو، ولا يجب به الدم، ولو خلق لكفه ستة أصابع، وقلم أصابعها الأصلية وجب الدم عليه، وغن لم يستكمل منفعة الكف؛ لأنه قد بقي ظفر طويل.
ثم المعنى في الأصل: أنه قصر أقل من ثلاثة أظفار، فلهذا لم يجب الدم، وليس كذلك في الفرع؛ لأنه قلم ثلاثة فصاعدًا، أشبه إذا قلم خمسة من يد.
واحتج بانا قد جعلنا اليد الواحدة فيما أوجبنا فيها من الفدية بمنزلة اليدين، وأنه يجب في الجميع ما يجب في يد واحدة، وهو دم واحد، فغير جائز أن نقيم أكثر إحداهما مقام اليدين، ألا ترى أنا لما جعلنا أحد الإبطين [بمنزلة الإبطين]، لم يجز أن نقيم أكثر أحدهما مقام الإبطين؟ وكما أنا لما جعلنا ثلاث شعرات بمنزلة الكل في إيجاب الدم فيه إذا حلقه، لم يجز أن نقيم أكثر الثلاث مقام الجميع، كذلك هاهنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 451

والجواب: أنا نقيم أكثر الإبطين مقام الإبطين في إيجاب الدم، فإذا حلق من أحدهما ثلاث شعرات، كان [كما لو] حلق الإبطين.
وأما الأكثر من ثلاث شعرات فإنما لم يقم مقام جميع الرأس؛ لأنه لم يحلق ما يقع عليه اسم الجمع المطلق، وهاهنا قد وجد اسم الجمع المطلق.
واحتج بأن هذه جنايات حصلت في أعضاء متفرقة تجب بها كفارة، فوجب ان يعتبر كل عضو على حاله، ولا يضم بعضه إلى بعض، كما لو حلق بعض إبطه، وبعض عانته، وبعض رأسه.
والجواب: أنه يبطل بالجناية على الأعضاء؛ فإنه يضم بعضها إلى بعض في باب الدية وتحمل العاقلة.
وما ذكروه من شعر الإبط والعانة، فإنه يضم بعضه إلى بعض، فإذا كان الجميع ثلاث شعرات وجب الدم.
وأما شعر الرأس واليدين فعندنا أنه في حكم الجنسين، ولهذا نقول: إذا حلق شعر رأسه، وحلق شعر يديه، وجب عليه دمان.
فعلى هذا: إذا حلق شعرتين من رأسه، وشعره من يديه، وجب أن لا تضم في إكمال الدم، كما لم يضم حلق جميع الرأس وجميع البدن في الاقتصار على دم واحد.

الجزء: 1 - الصفحة: 452

92 -

مسألة

إذا حلق ثم حلق، أو قلم ثم قلم، أو لبس ثم لبس، أو تطيب ثم تطيب، أو وطئ ثم وطئ، ولم يكفر عن الأول، فكفارة واحدة في أصح الروايتين:

نص عليها في رواية ابن منصور في من وقع باربع نسوة - وهو محرم - في يوم واحد، أو أيام متفرقة، فسد حجه، وعليه كفارة واحدة، ما لم يكفر.
وكذلك نقل ابن القاسم: وقد حكي له قول بعضهم: إذا وجبت عليه كفارة في لباس، أو طيب، ونحو ذلك، ثم كفر، ثم عاد بمثله، فعليه الكفارة، وإن لم يكفر حتى عاد، فليس عليه إلا كفارة واحدة، فقال: هو هكذا؛ إذا لم يكفر، فليس عليه إلا كفارة واحدة.
وفيه رواية أخرى: إن كان السبب مختلفًا، كمن لبس بالغداة لبرد، ووقت الظهر لحر، ووقت المغرب لعلة، أو حلق لعلة، ولبس لعلة أخرى، وتطيب لسبب آخر، فعليه لكل واحد كفارة، فإن كان السبب واحدًا، فالكفارة واحدة.
روى ذلك الأثرم عنه في محرم اعتل، فلبس جبة، ثم برئ، ثم اعتل، فلبس جبة، يكفر كفارتين، فإن اعتل علة واحدة، فلبس عمامة، واحتاج في علته في الغد إلى جبة، وبعد غد [إلى] قميص، فإذا كانت

الحديث: 92 - الجزء: 1 - الصفحة: 453

علة واحدة، وكان شيئًا متقاربًا، فكفارة، فإن تداوى بأدوية دواء بعد دواء، فحكمه حكم اللباس.
وقال أبو حنيفة: إن كرر ذلك في مجلس واحد تداخل، وإن كان في مجالس لم يتداخل.
وقال مالك: إذا أفسد الحج بالوطء لزمه الهدي، فإن كرره لم يلزمه هدي، إن كفر عن الأول، أو لم يكفر، فعنده أن الكفارة [لا] تتكرر إذا فعله إلا على وجه الرفض.
وللشافعي قولان: قال في الجديد: لا يتداخل سواء كان في مجلس، أو مجالس.
وقال في القديم: يتداخل.
ولا يختلف قوله أن الحلق واللبس إذا كان متصلاً، ففدية واحدة.
وجه الرواية الأولى: أن الأفعال التي إذا اتصلت تداخلت، فإنها إذا تفرقت جاز أن تتداخل تحت الأحداث والحدود مثل السرقة وشرب الخمر، وعكسه قتل الصيد؛ لما لم يتداخل حال الاتصال لم يتداخل حال التفرق.
ولأنهما أفعال منع المحرم منها للترفه والاستمتاع، فإذا تكررت منه - ولم يتخللها تكفير - تداخلت قياسًا عليه إذا والى بينهما في وقت متصل.

الجزء: 1 - الصفحة: 454

فإن قيل: لا يجوز اعتبار الاتصال بالانفصال، ألا ترى انه لو حلف: (لا أكلت اليوم إلا أكلة واحدة) فاستدام الأكل إلى آخر النهار لم يحنث؛ لأنه فعل واحد، ولو فرقه حنث.
قيل له: لا تأثير للمجلس والمجالس في ذلك، وإنما الاعتبار في الحنث بالتكرار، فإن تكرر منه دم حنث سواء كان في مجلس، أو مجالس، وإن اتصل لم يحنث بالتكرار.
ولأنه لو وجبت إذا تفرقت لوجبت كفارات إذا اجتمعت، كالصيد.
ويخص مالكًا بأنه وطء، بأنه وطء صادف إحرامًا لم يتحلل منه، فجاز أن يتعلق به كفارات، كالوطء الأول.
ولأن الوطء معنى تجب به الكفارة، فجاز أن تتكرر بفعله.
دليله: لبس الثياب، وحلق الشعر، وقتل الصيد.
ويخص الشافعي بأن الكفارات تجري مجرى الحدود والطهارات، قال صلى الله عليه وسلم: "الحدود كفارات لأهلها".
ثم ثبت أنه لو زنا ثم زنا، أو احدث ثم احدث، فحد واحد، وطهارة واحدة، كذلك الكفارات.
فإن قيل: الحدود والطهارات لا يتعلق بها حق آدمي، والكفارات

الجزء: 1 - الصفحة: 455

يتعلق بها حق آدمي، وهم المساكين، فلم تتداخل.
قيل: علة الأصل تبطل بالصلاة والصيام، لا يتعلق بها حق آدمي، ولا تتداخل.
وعلة الفرع تبطل به إذا كرر اليمين على شيء واحد، وجبت كفارة واحدة.
فغن قيل: الحدود تسقط بالشبهة، والكفارات لا تسقط بالشبهة.
قيل: علة الأصل تبطل بالقتل؛ [فإنه] يسقط بالشبهة، واجتماع أسبابه لا يصير شبهة؛ لأنه لو قتل جماعة لم تتداخل.
وعلى أن الشبهة قد تؤثر في هذه الكفارة عندهم، وهو النسيان؛ لأنه لو لبس أو تطيب ناسيًا، لا كفارة.
ولأنها كفارة لا يتضمن سببها إتلاف نفس، فجاز أن تتداخل عند اجتماع أسبابها، ككفارة اليمين إذا كررها على فعل شيء واحد، ثم حنث.
ولا تلزم عليه كفارة القتل، وقتل الصيد؛ لأن سببها يتضمن إتلاف نفس.
ولا تلزم عليه كفارة الظهار؛ لأنها تتداخل، وهو إذا ظاهر منها فوطئ قبل أن يكفر، وكرر الوطء، فكفارة واحدة.

الجزء: 1 - الصفحة: 456

وكذلك إذا ظاهر من جميع نسائه بلفظ فكفارة.
ولا تلزم عليه كفارة الصوم؛ لأنها تتداخل إذا كرر الوطء في يوم واحد، ولم يكفر.
فإن قيل: إذا كررها على فعل واحد، فهناك يمين واحدة؛ لأنه حنث واحد.
قيل: بل هناك يمينان، بدليل أنه لو قال: والله لا دخلت هذه الدار، ثم قال: والله لا حلفت، ثم قال: والله لا دخلت هذه الدار التي حلف عليها حنث.
ولأنها عبادة تجبر بالكفارة، فجاز أن تتداخل كفارتها، كالصوم إذا كرر الوطء في يوم واحد.
وليس لهم أن يقولوا: هناك لا تتكرر الكفارة في اليوم الواحد؛ لأنا لا نسلم هذا، بل عندنا تتكرر إذا كفر عن الوطء الأول، ثم وطئ ثانيًا.
واحتج المخالف بأن هذه جنايات حصلت منه في حال الإحرام من غير أن تتعلق بسبب واحد، ولا حصلت في مجلس واحد، فوجب أن يجبر كل واحد منهما بدم قياسًا على جنسين مختلفين مثل الحلاق، وتقليم الأظفار، واللباس، والطيب.
ولا يلزم عليه إذا حصل منه مرارًا على وجه الرفض؛ لأنه قد تعلق

الجزء: 1 - الصفحة: 457

بسبب واحد، ألا ترى انه لا يختلف أن يكون ذلك من جنس واحد، أو جنسين؟ والجواب: أنه لا تأثير لقولك: ولا حصلت في مجلس واحد؛ لأن ما يحصل في مجلس ومجلسين سواء، ألا ترى أنه لو تكرر منه قتل الصيد في مجلس واحد تكرر الجزاء.
وكذلك لا تأثير له في الأصل؛ لأنه لو فعل جنسين مختلفين في مجلس واحد، جبر كل واحد بدم عندك.
ثم لا يجوز اعتبار الجنس الواحد بالجنسين في باب التداخل بدليل الحدود؛ إذا كانت من جنس واحد تداخلت، وإذا كانت من أجناس لم تتداخل واحتج بان القياس [أنه] يجب عليه لكل مرة كفارة، وإن كان ذلك في مجلس واحد؛ لأنها جنايات في الإحرام، وهي كقتل الصيد، إلا إذا تركنا القياس في مجلس واحد لدلالة الإجماع، وحملنا حكم المجلسين والمجالس الكثيرة على موجب القياس.
والجواب: أنهم لما أجمعوا على التداخل في مجلس واحد، وجب التداخل في مجالس؛ لأن الأصول توجب التسوية بين المجلس والمجالس.

الجزء: 1 - الصفحة: 458

واحتج بأن هذه أفعال تفرقت في أوقات لو انفرد كل واحد منها، وجبت به كفارة، فإذا اجتمعت وجبت بكل واحدة كفارة، كما لو كفر عن الأول.
والجواب: أنه إذا كفر عن الأول فقد سد لخلل الذي هتكه، فإذا عاد فهتكه، كان عليه كفارة ثانية، كالحدود؛ إذا حد عن الأول، ثم عاد، فعليه حد ثان، وليس كذلك إذا لم يكفر.
ولأنه لم يحصل جبران فعله بالفعل الثاني لم يصادف حرمة مهتوك، فهو كما لو زنا، ولم يحد، فعاد فزنا ثانيًا، فعليه حد واحد، كذلك هاهنا.
واحتج بأنهما فعلان مفترقان، لو كفر عن الأول لزمته كفارة عن الثاني، فوجب أن تلزمه، وإن لم يكفر، كالصيدين، وكما لو كانا من جنسين مثل إن حلق وقلم، وتطيب ولبس.
والجواب عن الصيدين: أن فيهما روايتين: روى حنبل عنه: أنه إذا لم يكفر عن الأول، فكفارة واحدة.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
وروى الجماعة أن عليه للثاني كفارة ثانية.
فعلى هذا: الفرق بينهما أن قتل الصيدين لو اتصل لم يتداخل، كذلك إذا تفرقت جاز أن تتداخل.
وأما إذا قتل من جنسين ففيه - أيضًا - روايتان:

الجزء: 1 - الصفحة: 459

إحداهما: تتداخل.
رواه ابن منصور عنه: أنه سئل عن محرم من طيبًا، ولبس ثوبًا، وحلق رأسه، ولبس الخفين، وما أشبه ذلك مما لا ينبغي له أن يفعل، قال: عليه كفارة واحدة، وإن فعل ذلك واحدًا بعد واحد فعليه دم لكل واحد.
وقد نص على التداخل في الجنسين، وهذا اختيار أبي بكر، ذكره في كتاب "الخلاف".
ووجهه: أنها أفعال مضمونة ببدل، لا على سبيل التعديل، فإذا فعلت في وقت واحد لم تجب إلا كفارة واحدة.
دليله: إذا كانت من جنس واحد.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
وروى عنه ابن منصور في موضع آخر كلامًا يقتضي: أنها لا تتداخل، فقال ابن منصور: قلت: قال سفيان: في الطيب كفارة، وفي الثياب كفارة، وفي الشعر كفارة، قال أحمد: جيد، في كل واحد كفارة.
فقد أوجب كفارات، ولم يعتبر تكفيرًا متقدمًا عن الفعل الأول.
وقال في موضع آخر من "مسائله": إذا جامع، ثم أصاب صيدًا، أو حلق رأسه، أو أشباه ذلك، فالإحرام قائم، وكلما أصاب من

الجزء: 1 - الصفحة: 460

ذلك فعليه كفارة.
وقال - أيضًا - في رواية ابن إبراهيم في محرم مرض في الطريق، فحلق رأسه، ولبس ثيابه والحلي: عليه هدي.
فعلى هذا: الفرق بينهما أن تلك أفعال مختلفة، وموجباتها، مختلفة، فإذا اجتمعت لم تتداخل، كما لو زنا، وقذف، وشرب الخمر، فعليه لكل واحد حد؛ لانهالا أجناس مختلفة، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ لأنه جنس واحد، وفعل واحد، فجاز أن تتداخل، كالزنا إذا تكرر، والسرقة إذا تكررت، ولما يحد.
ولأن الأجناس المختلفة اتصلت، ولم تتداخل، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الجنس الواحد لو اتصل تداخل، كذلك إذا تفرق، فبان الفرق بينهما.

93 -

مسألة

إذا وطئ وكفر، ثم وطئ ثانيًا، فعليه كفارة ثانية:

وهي [.....] على قياس قول أحمد في الصائم: إذا وطئ في اليوم الواحد مرتين، وقد كفر عن الأول، فعليه كفارة ثانية، وهي العتق.

الحديث: 93 - الجزء: 1 - الصفحة: 461

وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا.
والثاني: عليه شاة.
دليلنا: انه وطء صادف إحرامًا لم يتحلل منه بشيء، أشبه الأول.
ولأنه كلما ابتدأ به [وجبت] كفارة، فإذا كرره وجبت تلك الكفارة، كاللباس، والطيب.
واحتج المخالف بأنه استمتاع لم يفسد الحج، فلم تجب به بدنة، كالوطء دون الفرج.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يفسد، وتجب به بدنة، كالنعامة.
وعلى أن الوطء دون الفرج لو ابتدأ به لم تجب بدنة، كذلك إذا كرره، وهذا لو ابتدأ به وجبت به، كذلك إذا كرره، كقتل النعامة.
واحتج بأنه وطء صادف إحرامًا نقصت حرمته بالوطء، فصار كما لو وطئ بعد التحلل، وقد نص أحمد على الشاة في رواية بكر بن محمد.
والجواب: أن الوطء هناك صادف إحرامًا تحلل منه بدليل أنه تباح فيه جميع المحظورات غير النساء.
واحتج بأنها عبادة تجب بالوطء فيها الكفارة العظمى، فلا يتكرر الوطء، كالصوم.
والجواب: أنا لا نسلم الأصل؛ لأنها تتكرر عندنا إذا كفر عن الأول.

الجزء: 1 - الصفحة: 462

وعلى أن الحج يفارق الصوم؛ لأن محظوراته بعد الفساد يتعلق بها الجزاء، كما يتعلق بها قبل الفساد، والصوم بخلافه.

94 -

مسألة

إذا جمع في حلق الشعر بين الرأس والبدن دفعة واحدة؛ فحلق من شعر رأسه ثلاث شعرات فصاعدًا، ومن بدنه ثلاث شعرات فصاعدًا، فعليه فديتان:

نص عليه في رواية المروذي، وجعفر بن محمد، وعبد الله، وابن إبراهيم [قال]: في الرأس كفارة، وفي البدن كفارة، خلافًا لأبي حنيفة ومالك والشافعي في قولهم: كفارة واحدة، كما لو حلقه من أحدهما.
دليلنا: أن الرأس والبدن في حكم الجنسين بدليل: أن النسك يتعلق بأخذ شعر الرأس دون البدن، فجرى مجرى من حلق وغطى رأسه، أو حلق ولبس في بدنه، فإنه يلزمه كفارتان.
وكذلك في اللباس؛ لأن الرأس يمنع من المخيط وغير المخيط، والبدن يمنع المخيط فقط.
وكذلك في الطيب؛ قالوا: لو دهن رأسه بالزيت افتدى، ولو دهن بدنه لم تجب فدية.

الحديث: 94 - الجزء: 1 - الصفحة: 463

ولأن شعر البدن لا يتعلق بالنسك بأخذه، فلم يضم إلى شعر الرأس، كشعر الصيد.
واحتج المخالف بأنه لو جمع بين الرأس والجسد في اللباس والطيب، لزمته كفارة واحدة.
نص عليه في رواية أبي طالب في من لبس عمامة وجبة: فهو كفارة إذا لم يفرق.
وقال في رواية الأثرم: إذا اعتل علة واحدة، فلبس اليوم عمامة، واحتاج في الغد في علته هذه، فلبس جبة، واحتاج إلى قميص في علته، وكان [شيئًا] متقاربًا، فكفارة، أرجو.
والجواب: أنا قد بينا: أنها في حكم الجنسين في الحلاق واللباس.
وعلى أن الحلاق إتلاف فهو آكد، ولهذا سووا بين عمده وسهوه، واللباس بخلافه، فهو اخف.

95 -

مسألة

فإن أصاب صيدًا، وحلق، وتطيب، ولبس على وجه الرفض لإحرامه، فعليه لكل واحد من ذلك كفارة:

وقد قال أحمد في رواية ابن منصور في من أحرم دون الميقات، ثم ترك إحرامه: فهو لا يستطيع أن يتركه، وهو محرم، وكل ما أصاب

الحديث: 95 - الجزء: 1 - الصفحة: 464

من لباس، أو صيد، أو غير ذلك، فعليه في كل واحد كفارة.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليه دم واحد استحسانًا.
وقال مالك: لكل صيد أصابه جزاء بعد جزاء، وأما اللباس والطيب والجماع فعليه لكل ذلك كفارة واحدة، وإن فعله مرارًا.
دليلنا: أن هذه جنايات مختلفة حصلت منه في حال الإحرام، فوجب ان يكون لكل جناية كفارة، كما لو فعلها على وجه الرفض.
واحتج المخالف بأنها حصلت على وجه واحد، وتعلقت بسبب واحد، فوجب في جميعها ما يجب في الواحد، كالوطء الكثير إذا حصل في النكاح الفاسد؛ أنه يجب بجميعه مهر واحد.
والجواب: أنه يبطل به إذا تطيب، وحلق، ولبس لمرض واحد، فالسبب والحد، وتجب كفارات.
وأما الوطء في النكاح الفاسد فإنما تداخل؛ لأنه وجد منها إباحة للثاني؛ لأنها دخلت على ان تستحق مهرًا واحدًا.
وهذه أجناس مختلفة والأصول مثبتة، على أن اختلاف الأجناس بمنع التداخل، كالحدود المختلفة.
فإن قيل: معنى الكفارات واحد، وهو الترفه.
قيل: لا ترفه في قتل الصيد.
وعلى أن هذا يوجب أن يكون معنى حد الزنا والشرب معنى

الجزء: 1 - الصفحة: 465

واحد، وهو اللذة، وقد أجمعنا على خلاف ذلك.

96 -

مسألة

نكاح المحرم لنفسه ولغيره باطل:

نص عليه في رواية الجماعة؛ الميموني، وابن منصور، وأحمد ابن أبي عبدة, وغير ذلك.
فقال في رواية الميموني: لا ينكح المحرم، فإن نكح رحلا.
وقال في رواية ابن منصور: إذا نكح المحرم يفرق بينهما.
وقال - أيضًا - في رواية حرب: لا يتزوج، ولا يزوج، والرجل والمرأة سواء، وإن فعل يفرق بينهما.
وقال في رواية أبي عبده: لا يراجع زوجته.
وبهذا قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: نكاح المحرم صحيح.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" قال: ثنا عبد الله بن بكر، ومحمد بن جعفر قالا: ثنا شعبة، عن مطر ويعلي بن حكيم، عن نافع، عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان، عن عثمان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب".

الحديث: 96 - الجزء: 1 - الصفحة: 466

وهذا نهي، والنهي يقتضي التحريم، وفساد المنهي عنه.
فإن قيل: نبيه بن وهب ضعيف.
قيل: نبيه ثقة صدوق من أهل المدينة، وكبار التابعين.
وقد رواه أحمد عنه، ومالك في "الموطأ"، وقد قال أحمد في رواية المروذي: أذهب إلى حديث نبيه، وهو رجل من أهل المدينة، ثقة، ولا أعلم إلا خيرًا.
فإن قيل: نبيه لم يلق أبان بن عثمان.
قيل: روى أبو بكر الحميدي في كتابه عن نبيه بن وهب: أنه سمع أبان بن عثمان يحدث عن أبيه.
وهذا يدل على أنه لقيه، ولو لم يلقه لم يضر؛ لأن أكثر ما فيه أنه مرسل، وهو حجة على المذهبين.
فإن قيل: النكاح عير الوطء حقيقة، فقوله: "لا ينكح" معناه: لا يطأ، و"لا ينكح"؛ يعني المحرمة لا تمكن من الوطء، وقد دل على هذا قول الشاعر: ومن أيم قد أنكحتها رماحنا يعني: مكنتنا من وطئهن.
قيل له: إن كان هذا حقيقة في اللغة، فإن عرف الشرع في ذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 467

العقد، فيجب أن يحمل عليه.
قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾ [النساء: 3]، وقال: ﴿إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:49]، وقال: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور:32]، وقال: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25]، و ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "انكحي أسامة"، و"ولا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها"، و"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل".
وجواب آخر، وهو: لو صح هذا في قوله "لا ينكح"، لم يصح في قوله: "ولا ينكح"؛ لأن المراد به العقد، لا غيره، ولا يصح حمله على التمكين؛ لأن الولي لا يمكن من الوطء، وإنما المرأة هي التي تمكن من الوطء، وهي المطالبة بالتمكين دون الولي.
ولأن الولي المحرم يجوز أن يمكن المنكوحة من الوطء، وهو إذا كان الزوج والمرأة حلالين، جاز للولي أن يقول لها: مكنيه من نفسك.
ولا يصح حمله على المرأة بمعنى: لا تمكن من وطئها إذا كانت محرمة؛ لأن اللفظ لفظ تذكير، ولو كان المراد به المرأة لأورده بلفظ التأنيث.

الجزء: 1 - الصفحة: 468

ولأن هذا يؤدي إلى حمل اللفظ على معنيين مختلفين في شخصين، وهو الجماع في حق الذكور، والتمهيد في حق النساء، ونحن نحمله على عقد النكاح.
وجواب ثالث، وهو: أن في الخبر: "ولا يخطب" فلما قرن بالنهي عن الخطبة دل على أن المراد بقوله:"لا ينكح"، ولا ينكح" هو العقد.
فإن قيل: قوله: "لا يخطب" معناه: لا يسأل وليها أن يمكنه منه؛ ليطأها؛ لأن الخطبة عبارة عن المسألة، يقال: فلان يخطب عمل كذا؛ يعني: يطلبه ويسأله.
قيل له: الخطبة المشهورة المعروفة في الشرع هو طلب العقد، كقوله تعالى: ﴿ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة:235]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه".
وقولهم: فلان خطب بنت فلان.
فالمعقول في العرف هو طلب العقد.
وجواب رابع، وهو: الراوي حمل ذلك على العقد، وهو ما روى نبيه بن وهب في هذا الحديث: أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج ابنه طلحة بابنة شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان، وأبان يومئذ أمير

الجزء: 1 - الصفحة: 469

الحاج، وهما محرمان: إني أردت أن أنكح طلحة ببنت شيبة، وأردت أن تحضر ذلك، فأنكر ذلك عليه أبان، وقال: إني سمعت عثمان ابن عفان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب".
وجواب خامس، وهو: أنه قد روي في الخبر لفظ صريح يدل على أن المراد به العقد رواه الدارقطني بإسناده عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يتزوج المحرم، ولا يزوج"، وهذا نص.
وروى أبو بكر النيسابوري بإسناده عن عكرمة بن خالد: أنه قال: سألت عبد الله بن عمر عن امرأة أراد أن يتزوجها، وهو محرم، فقال: لا تزوجها وأنت محرم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
وأيضًا فالمسألة إجماع الصحابة.
وروى أبو بكر النيسابوري بإسناده عن أبي عطاف بنطريف أخبرني: أن أباه طريفًا تزوج امرأة، وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب نكاحه.

الجزء: 1 - الصفحة: 470

وروى بإسناده عن قتادة، عن الحسن، عن علي: أنه قال: من تزوج- وهو محرم- نزعناها منه، ولم يجز نكاحه.
وروى- أيضاً- بإسناده عن شوذب مولى زيد بن ثابت: أنه تزوج، وهو محرم، ففرق زيد بن ثابت بينهما.
فاتفق عمر وعلي وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت على إبطال نكاح المحرم.
والقياس: أن العقد معنى ثبت به تحريم المصاهرة؛ أعني: تحريم أم المرأة، فوجب أن يمنع منه الإحرام، كالوطء.
ولا تلزم عليه الرضاعة؛ لأن ذلك التحريم الحاصل ليس تحريم المصاهرة، وإنما هو تحريم النسب.
فإن قيل: نقلبه فنقول: إذا وجد في الإحرام ثبت حكمه وموجبه، كالوطء.
قيل: قد ثبت بعض أحكامه عندنا، وهو وقوع الطلاق فيه، وثبوت المسمى، والوطء- أيضاً- ثبتت بعض أحكامه في النسب وغيره، ولا تثبت جميع أحكامه، وهو استدامة الوطء.
فإن قيل: المعنى في الوطء: أنه تمنع استدامته فمنع ابتداؤه،

الجزء: 1 - الصفحة: 471

ولا يمنع الإحرام استدامة النكاح، فلا يمنع ابتداءه.
قيل: علة الأصل تبطل بالإسلام؛ يمنع استدامة الملك على العبد، ولا يمنع ابتداءه عندهم، وكذلك الخلع؛ يمنع الاستدامة، ولا يمنع الابتداء.
وعلة الفرع تلزم عليها العدة؛ لا تمنع الاستدامة، وتمنع ابتداء النكاح.
وإن شئت قلت: العقد سبب تصير به المرأة فراشاً، فوجب أن يحظره الإحرام.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: قد فرقت الأصول بين الوطء والعقد، ألا ترى أن الصوم يمنع الوطء، ولا يمنع العقد؟ قيل له: الإحرام أغلظ فيما يحرم ويمنع من الصوم، ألا ترى أنه يحرم القبلة، وقص الشعر، وقتل الصيد، والصوم لا يمنع ذلك، فجاز أن يحرم العقد أيضاً، وإن لم يحرمه الصوم.
وقياس آخر، وهو: أن الإحرام يمنع الوطء ودواعيه؛ أعني: القبلة واللمس بشهوة، فوجب أن يمنع عقد النكاح، كالعدة.
ولا يلزم عليه الصيام؛ لأنه لا يمنع دواعي الوطء، كالقبلة والطيب إذا كان الصائم ممن لا تحرك القبلة شهوته، وفي المعتكف نظر.

الجزء: 1 - الصفحة: 472

وقد قيل: يثبت تحريم الطيب أشبه العدة.
وهذا غير صحيح؛ لأن العدة التي تحرم الطيب، والتي لا تحرم الطيب سواء في منع النكاح؛ لأن الرجعية لا يحرم عليها الطيب، وهي محرمة النكاح، وكذلك الموطوءة لشبهة، وفي النكاح الفاسد.
والأجود في ذلك ما ذكرنا.
فإن قيل: العدة لا تمنع النكاح؛ لأن له أن يتزوجها، وهي معتدة منه.
قيل له: إن لم تمنع الزوج من العقد، فهي مانعة لغيره، فالعدة في الجملة تمنع العقد.
وقياس آخر، وهو:؛ أن العقد من دواعي الجماع، فوجب أن يمنع منه الإحرام، كالطيب.
ولا تلزم عليه الرجعة؛ لأن الصحيح من الروايتين: أنه يمنع منها الإحرام.
ولأنه عقد لا تتعقبه استباحة استمتاع في عين من الأعيان بحال، فأشبه نكاح المعتدة والمرتدة.
ولا يلزم عليه نكاح الصغيرة ابنة يوم؛ لأن ذلك العقد قد يتعقبه استباحة الاستمتاع في عين أخرى، وهي الكبيرة.
ولأن المقصود بالنكاح استباحة الاستمتاع، والإحرام يمنع ذلك، فمنع صحة العقد.

الجزء: 1 - الصفحة: 473

دليله: شراء الصيد؛ لما كان المقصود بشراء الصيد تملكه، والإحرام يمنع تملكه، فمنع الشراء.
ولا يلزم عليه شراء الطيب والمخيط؛ لأن المقصود من ذلك تملكهما دون استعمالهما، والإحرام لا يمنع ذلك.
واحتج المخالف بما روى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج، وهو محرم، واحتجم، وهو محرم.
وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج بعض نسائه، وهو محرم.
وعن ابن عباس: أنه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة، وهو محرم.
والجواب: أن أبا الحارث قال: سئل أبو عبد الله - يعني: أحمد - عن حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة، وهو محرم، فقال: هذا الحديث خطأ.
وقال في رواية المروذي: قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوج، وهو حلال، وإن ابن عباس ابن أخت ميمونة، ويزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة يقول: نكحها، وهي حلال [.....].

الجزء: 1 - الصفحة: 474

وقال أبو رافع: كنت السفير بينهما.
وهذا من أحمد تضعيف له.
وعلى أن الرواية مختلفة في ذلك: فروى مطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة، وهو حلال.
وروى يزيد بن الأصم، عن ميمونة بنت الحارث: أنها قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف.
وروى الأثرم عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة، وهو حلال، وبنى بها، وهو حلال، وكنت السفير بينهما.
وروى الحميدي عن عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العباس بن عبد المطلب وأبا رافع، فزوجاه بسرف، وهو حلال بالمدينة.

الجزء: 1 - الصفحة: 475

وروى ميمون بن مهران، عن صفية بنت شيبة، وكانت عجوزًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم ملك ميمونة، وهو حلال، وبنى بها، وهو حلال، وخطبها، وهو حلال.
وإذا ثبت هذا الاختلاف: فإما أن تتعارض الروايات في نكاح ميمونة، فتسقط، وتبقى رواية عثمان أنها لم تختلف.
أو نرجح، فتكون رواية من روى الإحلال [أرجح] من وجوه: أحدها: أن أحدًا لا يطعن في روايتنا، وقد طعن سعيد بن المسيب في روايتهم، فروى أبو داود عن سعيد ابن المسيب: أنه قال: وهم ابن عباس في قوله: تزوج ميمونة، وهو محرم.
والثاني: أنها أكثر رواة؛ لأنه رواها أبو رافع وميمونة وصفية بنت شيبة، فكانت أولى من رواية ابن عباس.
الثالث: أن ميمونة صاحبة القصة، وهي أعرف، وأبو رافع كان السفير بينهما، فهو أعرف، ألا ترى أن الصحابة كانوا يرجعون إلى عائشة في الغسل من التقاء الختانين، وإلى علي في السمح؟ وابن عباس كان في وقت موت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن عشر سنين، وكان تزوج ميمونة في سنة سبع التي أحرم فيها بعمرة القضية، فيجب أن يكون لعبد الله بن عباس في ذلك الوقت سبع سنين، وفي هذا السن

الجزء: 1 - الصفحة: 476

لا يُحصِّل هذا المعنى، ولا يضبطه، وإنما يجب أن يكون سمعه من غيره، فكانت رواية من حضر أولى.
الرابع: أن من روى: أنه كان حلالاً نقل الحكم والسبب؛ لأن العقد يتعلق بكونه محلاً، ومن روى: أنه كان محرمًا لا يكون سببًا؛ لأن جواز العقد لا يتعلق بكونه محرمًا.
فإن قيل: روى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل مكة: "دعوني أعرس بينكم؛ لتأكلوا من وليمتها"، فقالوا: لا حاجة لنا في وليمتك، فاخرج من عندنا، فخرج حتى أتى سرفًا، وعرس بها.
وهذا يدل على أن العقد كان قد تقدم الإحلال، وبلوغه سرف، وهذا يضاد ما روي عن ميمونة أنها قالت: تزوجني بسرف.
قيل له: يحتمل قوله: "دعوني أعرس" معناه: أعقد واعرس، فلما منعوه خرج إلى سرف، فعقد وعرس.
على أنا قد بينا: أن ما رويناه عنها أولى.
فإن قيل: يحتمل قولها: تزوجني: بنى بي.
قيل له: التزويج لا يعبر به عن الوطء.
فإن قيل: ما رويناه عن ابن عباس أولى؛ لأنه أخبر عن أمر طارئ؛ لأن الأصل الإحلال والإعراس حادث عليه، علمه هو ولم يعلم به غيره، فكان روايته أولى من رواية من خبر عن الأصل، كشاهدين شهدا: أن هذا عبد فلان، وشهد آخران: أن فلانًا ذلك أعتقه؛ فإن شاهدي

الجزء: 1 - الصفحة: 477

العتق أولى؛ لما ذكرنا.
قيل له: ما رواه أبو رافع هو الزائد؛ لأنه أثبت عقدًا في وقت نفاه ابن عباس، وذلك أن العقد كان بسرف، وهو بقرب مكة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم قط من المدينة، وإنما أحرم من ذي الخليفة، فعلم أبو رافع ومن معه: أن النكاح عقد بسرف، والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة لم يخرج إلى ذي الخليفة، وخفي ذلك على من روى: أنه كان محرمًا حين العقد، وقدر أن النكاح عقد بعد خروجه وإحرامه، فكان ما نقله أبو رافع من عقد النكاح، وهو محل بالمدينة زيادة علم خفيت على غيره.
فهذا الكلام على الخبر من جهة الترجيح، وإن صرنا إلى الاستعمال: فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصًا بذلك.
والثاني: أنه قد كان من مذهب ابن عباس: أن من قلد الهدي صار محرمًا، فيحتمل أن يكون رآه وقد قلد الهدي، فاعتقد أنه محرم، فرواه على هذا الاعتقاد، وعن ابن عباس روى أنه حلال.
فإن قيل: هذه المسألة خلاف في السلف، وليس فيها نص عن النبي صلى الله عليه وسلم، وطريقها الاجتهاد، فلا يجوز أن يقطع ابن عباس، ويحمل حال النبي صلى الله عليه وسلم على رأيه، وما يغلب على ظنه يؤدي اجتهاده إليه، مع علمه بان غيره يخالفه في ذلك.
قيل له: يجوز ذلك إذا كان معتقدًا لصحة ما يراه، ويذهب إليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 478

تأويل ثالث: يحتمل أن يكون من روى: أنه تزوجها، وهو محرم، أراد: أنه نكحها في الشهر الحرام، وقد يسمى من كان في الشهر الحرام والبلد الحرام محرمًا.
قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا وأراد: أنه كان في البلد الحرام، لا أنه كان محرمًا بالنسك.
تأويل رابع: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان قد تزوجها قبل أن يحرم، ولم يعلم به ابن عباس، وعلم ذلك أبو رافع وميمونة؛ لأنهما كانا خبيرين بالقصة، ثم ظهر ذلك بعدما أحرم، فنقل ابن عباس: أنه تزوج، وهو محرم، ونقل غيره: أنه كان محلاً.
وهذا تأويل جيد.
واحتج بأن كل حالة جاز له أن يعقد فيها عقد البيع، جاز أن يعقد فيها عقد النكاح، كالصوم.
ولا يلزم عليه إن كان تحته أربع نسوة؛ لأنه يجوز أن يعقد النكاح لغيره من جهة الولاية، أو الوكالة، وعندكم لا يجوز للمحرم بذلك بحال.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يجوز له عقد البيع، ولا يجوز له عقد النكاح بدليل أن من تحته أربع يجوز له عقد البيع لنفسه، ولا يجوز له

الجزء: 1 - الصفحة: 479

عقد النكاح لنفسه، وكذلك المعتدة يجوز لها أن تعقد البيع لنفسها، ولا يجوز لها عقد النكاح لغير زوجها، فبان أن حكم البيع أوسع من النكاح.
وجواب آخر، وهو: أن الإحرام لا يمنع المقصود بالبيع، فلم يمنع صحة البيع، ويمنع المقصود بالنكاح، وهو الوطء ودواعيه، فمنع صحة النكاح، ألا ترى انه لما منع المقصود بشراء الصيد، منع العقد عليه.
فإن قيل: ليس إذا منع المقصود بالنكاح يجب أن يمنع النكاح، ألا ترى أنه يمنع المقصود بالرجعة، وهو الوطء، ولا يمنع الرجعة، وكذلك الصوم يمنع المقصود بالنكاح، ولا يمنع النكاح، وهكذا لا يمنع العقد على الطيب والمخيط، وإن منع من مقصوده، وهو الاستعمال.
قيل له: لنا في الرجعة روايتان: إحداهما - وهي الصحيحة-: أنها لا تصح.
فعلى هذا سقط السؤال.
وأما الصوم، فلا يمنع دواعي الجماع، وهو القبلة إذا أمن الإنزال.
ولأنه أخف بدليل أنه لا يمنع الطيب.

الجزء: 1 - الصفحة: 480

وأما الطيب والمخيط فليس المقصود منه الاستعمال، وإنما المقصود منه التملك، وذلك يحصل في حال الإحرام.
فإن قيل: عقد النكاح لا يشبه شراء الصيد، وذلك أن الصيد لما لم يجز اجتذاب ملكه، لم يجز إزالة ملكه بالبيع، والنكاح يجوز إزالة ملكه بالطلاق، فجاز اجتذاب ملكه.
قيل له: إنما استوى البيع والشراء في الصيد؛ لأنه تصرف في الرقبة؛ لأن الشراء تمليك بعوض، والبيع تملك بعوض، وليس كذلك النكاح؛ لأنه ملك بعوض، والطلاق إسقاط حق كالعتاق، وليس بتمليك، فلم يمنع الإحرام الطلاق ومنع النكاح.
ولأن الطلاق موجبه التحريم، والإحرام لا يمنع موجبه، فلم يمنعه، والنكاح موجبه استباحة الاستمتاع، والإحرام بمنعه، فمنع العقد، وليس كذلك الشراء والبيع؛ لأن موجبهما واحد، والإحرام يمنع موجبهما في الصيد، فمنع صحتهما.
واحتج بأن النكاح سبب يملك به البضع، فوجب أن لا يمنع منه الإحرام قياسًا على شراء الأمة.
والجواب: أن الوصف غير مسلم في الأصل؛ لأن شراء الأمة لا يملك البضع، وإنما يملك به الرقبة، ويستبيح وطأها بحق الملك.
ثم المعنى في الشراء: أن القصد منه تملك الرقبة، والإحرام

الجزء: 1 - الصفحة: 481

لا يمنع من ذلك، فلم يمنع صحة العقد، وليس كذلك النكاح؛ لأن المقصود منه الاستمتاع، والإحرام يمنع من ذلك، فمنع صحة النكاح، ولهذا نقول: إنه يجوز للمحرم شراء الطيب والمخيط؛ لأنه ليس المقصود بالشراء استعمالهما، وإنما القصد تملكهما، والإحرام لا يمنع ذلك.
ولأن شراء الأمة لا ينافيه التحريم، ألا تراه يشتري من هي محرمة عليه؟ وأكثر ما في الإحرام التحريم، فلم يناف ذلك، والنكاح ينافيه التحريم.
واحتج بأن هذا سبب يتوصل به إلى استباحة الوطء، فأشبه الرجعة، وكفارة الظهار.
والجواب: أن في الرجعة روايتين، والصحيح: أنها محرمة، فلا فرق بينهما.
وأما الكفارة فيأتي الكلام عليها في المسألة التي بعدها.
واحتج بأن الإمام إذا أحرم جاز له أن يزوج، كذلك ولي محرم.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية عن أصحابنا في ذلك، ولا يمنع أن نقول: لا يجوز له أن يزوج، ولكن يزوج خلفاؤه، فعلى هذا: لا نسلم.
وعلى أنه يجوز أن يزوج بولاية الحكم ما لا يجوز بولاية النسب، كما نقول: إن الإمام يزوج الكافرة، ولا يجوز للولي المناسب أن يزوج مع اختلاف الدينين.

الجزء: 1 - الصفحة: 482

واحتج بأنه لما جاز أن يكون شاهدًا في عقد النكاح، جاز له أن يكون عاقدًا، كالمحل.
والجواب: أن أحمد قال في رواية حنبل: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب"، ومعناه: لا يشهد النكاح، فعلى هذا: لا نسلم.
وإن سلمنا ذلك، فلا يمتنع جواز شهادته، وإن لم يجز عقده، كالمحرم يجوز أن يكون شاهدًا في شراء الصيد، ولا يجوز أن يكون عاقدًا، ويجوز أن يكون المصلي شاهدًا في عقد النكاح، ولا يجوز أن يكون عاقدًا.
ولأن الشاهد لا فعل له في العقد، وإنما يعتبر سماعهما للإيجاب والقبول، وليس كذلك القابل والموجب] ............. [عاقدان بقولهما، فكان حكمهما أغلظ من حكم الشهادة.

97 -

مسألة

لا تصح الرجعة في حال الإحرام في أصح الروايتين:

نقلها أحمد بن أبي عبده، والفضل بن زياد، وحرب.

الحديث: 97 - الجزء: 1 - الصفحة: 483

وروى عبد الله عنه جواز ذلك.
وهو قول مالك والشافعي.
وجه الأولى: أنه عقد يتوصل به إلى استباحة بضع مقصود في عينه، فمنع] منه [الإحرام.
دليله: عقد النكاح.
ولا يلزم عليه شراء الأمة؛ لأنه ليس القصد منه استباحة البضع، وإنما القصد الملك.
ولا يلزم عليه المظاهر إذا كفر في حال الإحرام؛] فإنه [يصح، وإن كان يتوصل به على الإباحة؛ لأنه ليس القصد منها الاستباحة، وإنما القصد إسقاط ما وجب في ذمته؛ لأن عندهم لو قال: أنت علي كظهر أمي، ثم طلقها ثلاثًا، وجبت الكفارة في ذمته.
وعلي أنا قلنا: عقد، والتكفير ليس بعقد.
فإن قيل: كيف يجوز أن تقولوا: إن الرجعة سبب يتوصل به] إلى [استباحة البضع، وعندكم أنها مباحة؛ لأن الطلاق الرجعي لا يوجب التحريم؟! قيل: في ذلك روايتان: نقل أبو داود عنه أنه قال: أكره أن يرى شعرها.
وظاهر هذا يقتضي أنها محرمة عنده، فعلى هذا: لا يصح السؤال.

الجزء: 1 - الصفحة: 484

ونقل أبو طالب عنه: لا تحجب عنه.
وقال في رواية أبي الحارث: تتشوف له ما كانت في العدة.
وظاهر هذا: أنها مباحة، فعلى هذا: الرجعة تتعلق بها استباحة الوطء؛ لأنه لو تركها حتى مضت المدة حرم وطؤها، فإذا راجعها استباح بالرجعة الوطء بعد مضي مدة العقد.
فإن قيل: الرجعة لا توجب ابتداء تملك البضع، وإنما توجب بقاء البضع في ملكه بدلالة: أن العبد لا يحتاج إلى إذن المولى في الرجعة، ويحتاج إلى إذنه في ابتداء العقد، والإحرام لا يمنع بقاء الملك، وإنما يمنع ابتداء الملك، فلهذا صحت الرجعة، ولم يصح ابتداء العقد.
قيل: الرجعة توجب استباحة مبتدأة، ولهذا قال مخالفنا: إذا وطئها الزوج في مدة العدة قبل الرجعة كان عليه مهرها.
فلو كان الملك باقيًا لم يلزمه المهر، كما لا يلزمه بعد الرجعة.
فإن قيل: فالدلالة على بقاء الملك: أن خصائص الملك باقية بدلالة وقوع الطلاق، وصحة الظهار، واللعان، والإيلاء، والإرث.
قيل: والدلالة على أنها في حكم الملك المبتدأ ثبوت المهر عندك بوجود الوطء، والمهر لا يجب إلا في حق أجنبية.
وعلى أن بقاء الملك لا يدل على جواز الرجعة لوجود المانع من النكاح.
ألا ترى أن الردة لا تمنع بقاء الملك على البضع مادامت العدة

الجزء: 1 - الصفحة: 485

باقية، ومع هذا تمنع من الرجعة؛ لأنها تمنع من النكاح، كذلك ههنا؛ لما كان الإحرام يمنع النكاح منع من الرجعة.
وعلى أن الطلاق لا يختص الملك عندنا، ولهذا يقع في النكاح الفاسد، وكذلك اللعان يقع بالوطء في النكاح الفاسد، وكذلك الظهار ينعقد قبل النكاح.
فإن قيل: المعنى في النكاح: أنه يفتقر إلى الولي والشهود، والرجعة لا تفتقر إلى ذلك.
قيل: عقد الشراء على الصيد لا يفتقر إلى ذلك، ومع هذا لا يصح.
على أن الشهود إنما اعتبروا في عقد النكاح احتياطًا للنسب خوف التجاحد، وهذا المعنى معدوم في الرجعة؛ لأن السبب ثابت بالعقد السابق، والولي شرط خوفًا] أن [تضيع نفسها في غير كفء، وقد أمن ذلك في الرجعة.
فأما نفس الرجعة، فإن معناها ومعنى النكاح سواء، وهو أنها تدعو إلى الجماع، أو أنها استباحة مقصودة.
فإن قيل: الرجعة تزيل التحريم العارض في عقد النكاح، ويستباح الوطء بعقد النكاح، فهي بمنزلة أن يكفر المظاهر، فيحل له الوطء، ويكون الوطء مستباحًا بعقد النكاح، والتكفير مزيل للتحريم العارض في النكاح.
قيل: الرجعة استباحة مبتدأة من الوجه الذي بينا، وأما التكفير

الجزء: 1 - الصفحة: 486

فإنما جاز في حال الإحرام لوجهين: أحدهما: ليس القصد بها استباحة الوطء.
الدلالة على ذلك: أنه لو وطئ، ثم طلق، أو ماتت الزوجة، لزمه إخراج الكفارة، وإن كان الاستمتاع معدومًا في المستقبل، والنكاح القصد منه الاستمتاع، وذلك معدوم حال الإحرام.
والثاني: أنه لا يمنع أن تجوز الكفارة في حالة لا تجوز فيها الرجعة، كما أن الكفارة قد تجوز عندهم في حالة لا يجوز عقد النكاح بدليل أن من تحته أربع زوجات قد ظاهر من إحداهن، وأراد أن يكفر عن ظهاره جاز، ولو أراد أن يعقد عليها عقد النكاح لم يجز، وكذلك لو كانت معتدة، وهي تحته بأن تكون وطئت بشبهة صح أن يكفر عن ظهاره، ولا يصح أن يعقد النكاح في مثل تلك الحالة، وكذلك في حالة الإحرام.
وطريقة أخرى، وهو: أنه لما منع من ابتداء عقد النكاح، منع استصلاحه، ألا ترى أن الصيد لما منع ابتداء تملكه، منع استصلاحه، وهو إذا باع المحل بشرط الخيار، ثم أحرم، فاختار الفسخ، لم يصح، كما لم يصح ابتداء تملكه.
فإن قيل: الفسخ هناك ابتداء تملك؛ لأن ملكه زال بالبيع،

الجزء: 1 - الصفحة: 487

والملك هاهنا لم يزل.
قيل: قد ثبت أنه في حكم ما قد زال ملكه بدليل وجوب المهر.
وطريقة أخرى، وهو: أن كل من لم يصح منه عقد النكاح، لم تصح منه الرجعة، كالصبي، والمجنون.
ولا يلزم عليه العبد؛ أنه لا يملك العقد بنفسه، ويملك الرجعة؛ لأن العبد في الجملة يصح منه عقد النكاح، لكن بإذن سيده، والمحرم لا يصح منه العقد بحال.
وإنما فرقنا بين العقد والرجعة في حق العبد، وسوينا بينهما في حق المحرم؛ لأن المانع من النكاح عدم الإذن، وذلك معدوم في الرجعة؛ لأن إذنه في النكاح يقتضي استدامته، والملك باق في حق الرجعية، والمانع من النكاح هو الإحرام، وذلك موجود في الرجعة، فهو كالردة يمنع العقد والرجعة.
وطريقة أخرى، وهو: أن الرجعة من دواعي الجماع، أشبه لطيب.
فإن قيل: هي مباحة عندكم، فكيف يكون من دواعي الجماع؟ قيل: قد بينا: أنها تؤثر في الاستباحة، وهو تحصيلها فيما بعد العدة.
وطريقة أخرى، وهو: أن المقصود بالرجعة الاستمتاع، كما أن المقصود بشراء الصيد ملكه، فلما لم يصح تملكه، لم يصح شراؤه، كذلك الرجعة.
وطريقة أخرى، وهو: أن المعتدة في حال الإحرام محرمة الوطء

الجزء: 1 - الصفحة: 488

بدواعيه، فلم يصبح رجعية منها.
دليله: المعتدة في حال الردة، والمعتدة عن طلاق رجعي إذا وطئت بشبهة، ووجب عليها عدة الوطء؛ فإنه لا يصح الرجعة عليهما جميعًا، وكذلك هاهنا.
ولا تلزم عليه المطلقة في الصيام والحيض، ولأن هناك لا تحرم دواعي الوطء من الطيب والقبلة، وكذلك الاعتكاف.
وإن شئت قلت: تحريم يمنع عقد النكاح فمنع الرجعة.
دليله: ما ذكرنا.
وهذه العبارة أجود.
فإن قيل: المعتدة من غيره، هل تصح رجعتها؟ على وجهين.
والمرتدة لا تصح رجعتها وجهًا واحدًا.
قيل: المشهور عندك في المعتدة: أنها كالمرتدة؛ لا تصح رجعتها.
فإن قيل: تحريم الزنا آكد؛ لأنه يؤول إلى زوال النكاح، والإحرام لا يوجب زواله.
قيل: فالمعتدة من غيره لا توجب زوال النكاح، ولا تصح رجعتها.
وعلى أنه إن لم يوجب زوال النكاح، فقد منع من ابتداء النكاح،

الجزء: 1 - الصفحة: 489

كما منعت العدة والردة.
على أن على الأصل تبطل بمن علق طلاقها بمجيء الشهر، ثم طلقها؛ فإنه تصح رجعتها، وإن كانت جارية إلى فرقة.
فإن قيل: إذا كانت في عدة غيره إنما لم تصح الرجعة؛ لأنه قد يظهر بها حمل، فتكون معتدة من غيره، وتتأخر عدتها منه، فلهذا لم تصح الرجعة.
قيل: فلو لم يظهر بها، فإنها تكمل عدتها أولًا، ثم من الزوج، ثم من الواطئ، ومع هذا فلا تصح الرجعة وهي في بقية عدتها منه.
واحتج المخالف بأنه عقد لا يفتقر إلى الولي، ولا إلى الشهود، أشبه الشراء.
والجواب: أنه يبطل بشراء الصيد.
وعلى أنا قد بينا العلة في إسقاط الولي والشهود وثبوتها في الرجعة، والمعنى في الشراء: أنه نوع لا يقصد به استباحة البضع، وهذا بخلافه.
واحتج بأنها زوجة بدليل أن أحكام الزوجات باقية في حقها من الطلاق والظهار والإيلاء والتوارث.
والجواب: أن من أحكام الزوجات سقوط المهر بوطئها، وجواز المسافرة بها، وإباحتها، واعتبار مدة الإيلاء والعنة في حقها، وهذا معدوم هاهنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 490

98 -

مسألة

إذا أحرم بالحج من مكة؛ إما أن يكون متمتعاً، أو من أهل مكة، ففي حقه طواف قدوم مسنون، لكنه لا يطوف طواف القدوم حتى يرجع] من [مني:

نص عليه في رواية الأثرم وحرب فقال في متمتع قدوم بعمرة، فطاف بها، ثم حج من مكة: يطوف إذا رجع من منى، ولا يطوف قبل خروجه، أذهب إلى حديث جابر: أنهم طافوا بعدما رجعوا من منى.
وبه قال مالك.
ونقل ابن منصور عن أحمد: أنه يجوز الطواف قبل الرجوع، فقال: وقد سئل عن طواف المكي قبل المغرب، فقال: لا يخرج من مكة حتى يودع البيت، وطوافه للحج بعد أن يرجع من منى.
وكذلك نقل أبو داود، وحكى لي بعض الشافعية: أنه ليس في حق المكي، ولا المتمتع طواف قدوم؛ لا في حالة إحرامه، ولا بعد رجوعه من منى.
فالدلالة على أن في حقه طواف قدوم: أنه إحرام بحج، فشرع فيه طواف القدوم.
دليله: المفرد إذا قدم من بلده.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يوجد في حقه معناه، وهو القدوم، وهذا معدوم في من أحرم من مكة.

الحديث: 98 - الجزء: 1 - الصفحة: 491

قيل: بل يوجد معناه أيضاً، وهو قدومه من منى، ولهذا قلنا يؤخره حتى يقدم من حل.
فإن قيل: فالمفرد والقادم من بلده لم يتعين عليه طواف الفرض،] و [ليس كذلك هاهنا؛ لأنه بعد قدومه من منى قد تعين عليه طواف الفرض، فسقط طواف القدوم، كما سقطت تحية المسجد في حق من أحرم بالفرض.
قيل: هذا يبطل بطواف الوداع؛ فإنه لا يسقط في حق من تعين عليه طواف الزيارة، بل قالوا: إذا أراد أن ينفر إلى بلده عقيب طواف الزيارة شرع في حقه طواف الوداع، كذلك القدوم.
وأما تحية المسجد فتفارق الطواف؛ لأنه لو كان في ذمته صلاة مفروضة، ودخل المسجد، فأخر فعل الفريضة، لم تسقط تحية المسجد] عنه [بحصول الفرض في ذمته، وعلى قول المخالف: إذا كان في ذمته طواف الزيارة سقط طواف القدوم.
وقياس آخر، وهو: أن طواف القدوم يفعل إذا لم يتعين عليه غيره، فشرع فعله، وإن تعين عليه غيره.
دليله: طواف الوداع؛ يفعله عند انصرافه سواء كان طواف الزيارة باقياً في ذمته،] أ [وكان قد فعله، كذلك هاهنا.
] و [لأن طواف القدوم تحية المسجد الحرام، كما أن الركعتين تحية

الجزء: 1 - الصفحة: 492

لسائر المساجد، ثم ثبت أن تحية المسجد] مسنونة [في حق من في ذمته صلاة مفروضة إذا أخر فعلها حتى الدخول، كذلك الطواف؛ يجب أن يكون مسنوناً في حق من في ذمته طواف واجب.
والدلالة على تأخيره بعد قدومه: ما احتج به أحمد: فروى الأثرم بإسناده عن جابر قال: قدم رسول الله "صل الله عله وسلم"، فلما طفنا بالبيت وبالصفا والمروة قال: ((اجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي)) فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج، فلما كان يوم النحر طافوا.
وروي بلفظ آخر عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله "صل الله عليه وسلم"، فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعدما رجعوا من منى لحجهم.
وروى الأثرم بإسناده عن نافع قال: كان ابن عمر إذا أهل من مكة لم يرمل البيت، ولم يسع بن الصفا والمروة حتى يرجع من منى، وإذا جاء مهلاً بالحج رمل بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة.
وروى بإسناده عن عطاء، عن ابن عباس قال: طواف من قدم مكة قبل أن يخرج إلى عرفات، وطواف من أهل من مكة بعدما يرجع من عرفة.

الجزء: 1 - الصفحة: 493

ولأنه إحرام يتضمن طواف، فلم يشرع الطواف إلا بعد قدومه من حل.
دليله: الإحرام بالعمرة.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الإحرام بها من الحل، فلهذا كان الطواف بعد مجيئه منه، وهاهنا إحرامه من الحرم، فلهذا كان عقيبه.
قيل: إذا وجد في الحرم لم يوجد معناه، والذي قو القدوم، فلهذا لم يطف، ألا ترى أن طواف الوداع لما لم يوجد معناه في حق المكي لم يطف؛ لأن معناه الانصراف؟ كذلك هاهنا.
فإن قيل: هذا الطواف غير واجب، فعلى أي وجه أوقعه جاز.
قيل: طواف العمرة الثانية غير واجب، ولا يصح إلا بعد دخوله من الحل.

99 -

مسألة

استلام الركن اليماني مسنون:

نص عليه في رواية الأثرم فقال: لا يستلم إلا اليماني والحجر الأسود، ويقبل الحجر الأسود، ولا يقبل اليماني.
وقال -أيضاً- في رواية حنبل: يستحب أن يستلم الركن اليماني

الحديث: 99 - الجزء: 1 - الصفحة: 494

الذي يلي الحجر الأسود، ولا ستلم غيرهما.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: ليس بسنة.
دليلنا: ما روى عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله "صل الله عليه وسلم" كان يستلم الركن اليماني الأسود في كل طواف، ولا يستلم الآخرين الذين مما يلي الحجر.
وفي لفظ آخر: لم أر رسول الله "صل الله عليه وسلم" يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين.
وروى جابر: أن النبي "صل الله عليه وسلم" بدأ بالحجر الأسود فاستلمه، وفاضت عيناه من البكاء حتى انتهى إلى الركن الآخر، واستلمه، ورمل ثلاثاً، ومشى أربعاً.
وروى ابن عباس: أن رسول الله "صل الله عليه وسلم" لم يستلم غير الركنين اليمانيين.
وروى معاوية -أيضاً- استلم رسول الله "صل الله عليه وسلم" الركنين اليمانيين.

الجزء: 1 - الصفحة: 495

رواه أحمد في ((علل أبي بكر الخلال)).
فإن قيل: تحمل هذه الأخبار على الاستحباب.
قيل له: هذا يرفع الخلاف.
ولأن معنى قولنا: أنه مسنون؛ معناه: أنه مستحب، فإذا قال: قلتم: أنه مستحب، فقد اتفقنا على الحكم، واختلفنا في عبارة، ولا فائدة في ذلك.
وأيضاً فهو إجماع الصحابة؛ روي عن عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس: أنهم استلموا الركن اليماني، وقلبوا أيديهم، ولا يعرف لهم مخالف.
والقياس أنه ركن مبني على قواعد إبراهيم، فوجب أن يكون استلامه مسنوناً قياساً على الركن الذي فيه الحجر الأسود، وعكسه الركنان الآخران.
فإن قيل: لو كان بمثابة الركن الأسود لكان من سنته التقبيل، كما كان من سنته ذلك.
قيل له: إنما اختص الحجر الأسود بالتقبيل لفضيلته على اليماني؛ لأن الحجر فيه وفيه فضائل، ولأنه يبدأ به ويختم، به فجاز أن يختص بالقبلة.

الجزء: 1 - الصفحة: 496

فإن قيل: فهذا المعنى الذي أوجب تخصيصه بالاستلام.
قيل له: هذا المعنى يوجب اختصاصه بمزية على غيره من وجه من الوجوه، ولا يوجبه من جميع الوجوه، وهذا كما قلنا وإياهم: وإن الجرم يساوي الكعبة في أنهما] أمان [لمن دخلهما وهو قاتل، وإن كان للكعبة مزية من وجه آخر، وهو: أنها قبلة المصلين، ومحل للطائفين، وكذلك إحرام الحج آكد من إحرام العمرة, وقد تساويا في أحكام.
واحتج المخالف بأنه ركن لا يسن تقبيله، فلا يسن استلامه.
أصله: الركن العراقي والشامي.
ولأنه ركن لا يجب الافتتاح به، أو ركن لا يجب العود إليه؛ يعني: عند الفراغ من الطواف، أشبه ما ذكرنا.
والجواب: أن هذا قياس يعارض السنة.
على أن المعنى في الأصل: أنهما غير مبنيين على قواعد إبراهيم.
وقد روت عائشة: أن النبي "صل الله عليه وسلم" قال: ((إن قومك حين بنوا الكعبة

الجزء: 1 - الصفحة: 497

اقتصروا عن قواعد إبراهيم)) فقلت: يا رسول الله! أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: ((لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت)).
والذي دل على أن العلة ما ذكرنا: ما روى سالم عن أبيه قال: ما أرى ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم.
ذكره أحمد في ((كتاب المناسك)) عن ابن عمر، عن عائشة.
] و [ذكره ابن المنذر أيضاً.

100 -

مسألة

إذا استلم الركن اليماني لم يستحب تقبيل يده:

نص عليه في رواية الأثرم فقال: يضع يده، فقيل له: ويقبل؟ فقال: يقبل الحجر الأسود، فقيل له: كيف يصنع في استلام الحجر من لم يقدر على تقبيله؟ قال: إن قدر مسه بيده، وقبل يده.
دليلنا: ما روى جابر قال: استلم رسول الله "صلى الله عليه وسلم" الركن

الحديث: 100 - الجزء: 1 - الصفحة: 498

اليماني، ولم يقبله.
ولأن كل ركن لم يسن تقبيله لم يسن تقبيل ما لمسه، كالعراقي والشامي، وعكسه الحجر الأسود.
ولأن تقبيل المواضع الشريفة خلاف القياس، هكذا قال عمر: إنك حجر لا تضر، ولا تنفع، فلم يجز إثبات ذلك إلا بتوقيف، ولا توقيف في ذلك.
واحتج المخالف بأن هذا ركن سن استلامه، فيسن تقبيل اليد بلمسه، كالأسود.
والجواب: أن الأسود لما سن تقبيله سن تقبيل ما لمسه، وهذا لما لم يسن تقبيله لم يسن تقبيل ما لمسه، بل هذا أولى؛ لأنه إذا لم يباشر بالقبلة، فأولى أن لا يقبل ما لمسه.

101 -

مسألة

إذا لم يقدر على تقبيل الحجر، وضع يده عليه، ثم وضعها على فيه، وقبلها:

نص عليه في رواية الأثرم قال: يضع يده على الحجر

الحديث: 101 - الجزء: 1 - الصفحة: 499

الأسود، ثم يقبل يده.
وقال في رواية ابن منصور: وقد سئل عن تقبيل اليد إذا لمس الحجر فقال: لا بأس به.
فظاهر هذا: أنه جائز غير مكروه، ولا مستحب.
وقال مالك: يضعها على فيه من غير تقبيل.
دليلنا: ما روى الأثرم بإسناده عن عطاء: أنه رأى أبا سعيد وابن عمر وجابر وأبا هريرة يستلمون الركن، ثم يقبلون أيديهم، قال: قلت: وابن عباس؟ فقال: وابن عباس -حسبت- كثيراً.
وهذا إجماع منهم.
وأيضاً رواه البرقاني بإسناده عن ابن عباس قال: طاف رسول الله "صل الله عليه وسلم" حول البيت على بعير ثم استلم الحجر بمحجن معه، ثم قبله.
وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده عن ابن عمر: كان رسول الله "صل الله عليه وسلم" يستلم الركن بمحجنه، ثم يقبله.
وبإسناده عن جابر] قال [: طاف رسول الله "صل الله عليه وسلم" على راحلته، ثم

الجزء: 1 - الصفحة: 500

أتى الحجر فاستلمه تعصيباً، وعصبت معه، ثم قبل العود.
وبإسناده عن أبي الطفيل قال: طاف رسول الله "صل الله عليه وسلم" بالبيت سبعاً، واستلم الركن بمحجنه وقبل طرف المحجن.
ولأنه لما استحب تقبيله تعظيماً له استحب تقبيل ما باشره تعظيماً له.
واحتج المخالف بأنه لو كان مسنوناً لفعله النبي "صل الله عليه وسلم".
والجواب: أنه قد فعله بما روينا، فسقط هذا.
واحتج بأن الركن اليماني لا يستحب تقبيل ما باشره، كذلك الأسود.
والجواب: إنما لم نستحب تقبيل اليماني، لهذا لم نستحب تقبيل ما باشره وهذا بخلافه.

102 -

مسألة

لا تكره القراءة في الطواف في أصح الروايتين:

نقلها الأثرم وأبو طالب فقال: القراءة في الطواف جائزة.

الحديث: 102 - الجزء: 1 - الصفحة: 501

وظاهر هذا: أنها غير مكروهة.
وقال -أيضاً- في رواية أبي داود: وقد سئل: أيما أحب إليك: القرآن، أم الدعاء في الطواف؟ فقال: كل.
وروى الميموني وحنبل عنه: لا يقرأ في الطواف.
وظاهر هذا: أنه مكروه.
وهو قول مالك.
وجه الأولى: ما روي عن النبي "صل الله عليه وسلم" قال: ((الطواف بالبيت صلاة إلا إن الله أباح فيه النطق)).
فشبهه بالصلاة، واستثنى الكلام فقط، والصلاة يقرأ فيها.
وروى عبد الله بن السائب قال: كان رسول الله "صل الله عليه وسلم" يقول في طوافه: ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)).
وهذا من القرآن.
وروى الأثرم بإسناده عن عائشة قالت: قال رسول الله "صل الله عليه وسلم" ((إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله)).

الجزء: 1 - الصفحة: 502

والقرآن من ذكر الله تعالى.
واحتج المخالف بما روى حنبل بإسناده عن يحيى البكاء: أن عمر رأى رجلاً يقرأ في الطواف، فضرب صدره.
والجواب: أن هذا يقابله ما روى الأثرم بإسناده عن عطاء قال: أدركت الطواف وما فيه إلا قراءة القرآن والذكر، فصار الناس يتتابعون.
وهذا لإشارة إلى فعل الصحابة.
واحتج بأنه موطن للدعاء، فكرهت قراءة القرآن فيه، كالركوع والسجود والتشهد.
والجواب: أنه يبطل بالوقوف بعرفات، وعند المشعر الحرام؛ فإنه موطن للدعاء، ولا تكره القراءة فيه.
وأما الركوع والسجود والتشهد فإنما لم تجز القراءة فيها لنهي النبي "صل الله عليه وسلم" عن ذلك.
وعلى أن الصلاة حجة لنا؛ لأن الطواف مثلها.
و] على [أنه يحتمل أن يكون المحل الواحد لجنسين، كما أن القيام لدعاء الاستفتاح وللقراءة.

الجزء: 1 - الصفحة: 503

تابع كتاب الحج

103 -

مسألة

إذا طاف محدثاً، أو على بدنه نجاسة، أو مكشوف العورة، لم يجزئه، وعليه الإعادة في أصح الروايتين:

نص عليها في رواية أبي طالب: إذا طاف محدثاً، أو جنباً، أعاد طوافه.
وكذلك نقل حنبل عنه إذا طاف بالبيت طواف الواجب غير طاهر لم يجزئه.
وكذلك نقل الأثرم وابن منصور.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وروى أبو بكر بن محمد، عن أبيه، عن أحمد في من طاف للزيارة أو للصدر، وهو جنب أو على غير وضوء: أرجو أن يجزئه أن يهريق دماً إذا كان ناسياً.
وكذلك نقل الميموني فقال: الناسي أهون بكثير.
وظاهر هذا أن الطواف جائز، وعليه دم.

الحديث: 103 - الجزء: 2 - الصفحة: 5

وهو قول أبي حنيفة.
وقد ذكر أبو بكر المسألة على روايتين فى كتاب "الشافي".
وقال أبو حفص العُكبري: لا يختلف قوله إذا تعمد -وطاف على غير طهارة-: لا يجزئه، واختلف قوله في النسيان على قولين: أحدهما: أنه معذور بالنسيان.
والآخر: لا يجزئه مثل الصلاة.
وجه الرواية الأولى: ما روى طاوس، عن عبد الله بن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "الطواف صلاة، إلا أن الله - تعالى - أحل لكم به النطق، ولا ينطق إلا بخير".
رواه حنبل بهذا اللفظ في "مسائله" بإسناده.
قوله: "الطواف صلاة"؛ معناه: مثل الصلاة، والعرب تحذف المضاف كثيراً، وأكثر ما يُحذف منه المثل، وقد ورد بذلك القرآن في مواضع كثيرة: قال تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: 55]؛ أي: مثل شرب الهيم.
وقال أيضاً: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]؛ أي: مثل عرض السموات والأرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 6

وقال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]؛ أي: مثل أمهاتهم.
فإذا كان كذلك، وجب أن يكون الطواف بمنزلة الصلاة فى جميع الأحكام، إلا فيما استثناه، وهو إباحة النطق.
وأيضاً ما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت".
وهذا نهي، والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
والقياس: أن الطواف عبادة تجب فيها الطهارة، فوجب أن تكون الطهارة شرطاً فى صحتها قياساً على الصلاة.
فإن قيل: لا يمنع أن تكون الطهارة واجبة للطواف، ولا تكون شرطاً فى صحته، كالرمي، وطواف الصدر، والإحرام من الميقات، وترك المحظورات من الطيب وغيره، واجب فى الحج، وليس بشرط فى صحته.
قيل له: لم نقل: إن كل واجب شرط، وإنما قلنا: الطهارة إذا وجبت كانت شرطاً فى الصحة، كما نقول فى الصلاة: الفريضة، والنافلة، وصلاة الجنازة، وسجود القرآن.
يبين صحة هذا: أن سجود السهو يجب فى الصلاة، ولا يكون شرطاً فى صحتها، وتجب الطهارة للصلاة، وتكون شرطاً فى صحتها، ولم يعتبر أحدهما بالآخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 7

وإن شئت قلت: عبادة تتعلق بالبيت فكانت الطهارة شرطاً فى صحتها.
دليله: الصلاة.
أو تقول: عبادة تتعلق بالبيت فلم تُجبر بالدم.
دليله: ما ذكرنا.
ولأنه ترك من الطواف ما يسقط إلى غير شيء، فلم يعتد به، كما لو أخل بأشواط.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وهذا قد طاف، فوجب أن يجزئه بظاهر الآية.
والجواب: أن طواف المحدث منهي عنه، وإنما المنهي عنه معنى غيره، وهو ترك الطهارة.
قيل له: الطهارة غير مقصودة فى نفسها، وإنما أُمر بها للطواف، والطواف بغير طهارة منهي عنه، فلا يدخل تحت الأمر.
واحتج بأنه ليس من شرط صحته ترك الكلام فيه، فوجب أن لا يكون من شطره الطهارة، كالصوم.
يبين صحة هذا: أن الكلام أكبر فى إفساد العبادة المقصودة لنفسها من الحدث بدلالة أنه من تكلم فى صلاته مع علمه بحاله فسدت صلاته،

الجزء: 2 - الصفحة: 8

والمستحاضة تجزئها صلاتها مع وجود الحدث، وعلمها بحالها، وكذلك المتيمم.
فإن كان كذلك، وقد ثبت: أن الكلام لا يفسد الطواف، فلأن [لا] يفسده الحدث أولى.
والجواب: أنه يبطل بمس المصحف؛ من شرطه الطهارة، وليس من شرطه ترك الكلام.
وكذلك اللبث فى المسجد من شرطه الطهارة الكبرى، وليس من شرطه ترك الكلام.
فإن قيل: مس المصحف والكون فى المسجد حاصل، وإن ترك الطهارة، فيجب أن يحصل الطواف.
قيل له: مس المصحف حاصل غير صحيح؛ لأنه لا يكون مساً شرعياً، كالنافلة إذا صلاها من غير طهارة، لا تكون صلاة صحيحة.
ثم المعنى فى الأصل: أن الطهارة غير واجبة فيه، وليس كذلك الطواف؛ لأن الطهارة واجبة فيه، فكانت شرطاً فيه.
واحتج بأنه لو كان من شرطه الطهارة، لوجب أن يكون من شرطه استقبال القبلة فى غير حال العذر، كالصلاة، ولما لم يكن من شرطه استقبالها، وجب أن لا يكون من شرطه الطهارة، كسائر أفعال المناسك.

الجزء: 2 - الصفحة: 9

والجواب: أن من شرطه استقبال القبلة؛ لأنه لا يجوز أن يبتدئ الطواف غير مستقبل للرُّكن.
وعلى أن استقبال القبلة قد سقط فى الصلاة فى حال المسابقة، وفى النوافل على الراحلة فى السفر، ولا تسقط الطهارة، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر.
واحتج بأنه لو كانت الطهارة شرطاً فى صحة الطواف، لوجب أن تكون شرطاً فى صحة الإحرام، ألا ترى أنها لما كانت شرطاً في أفعال الصلاة، كانت شرطاً في إحرام الصلاة.
والجواب: أنها إنما لم تكن شرطاً في صحة الإحرام؛ لأنها غير واجبة فيه، وليس كذلك فى الطواف؛ لأنها واجبة فيه.
وهكذا الجواب عن قولهم: إن الطواف فعل من أفعال الحج، فلم تكن الطهارة شرطاً فيه، كالسعي، والوقوف، وسائر الأفعال؛ لأن تلك الأفعال لا تجب [لها] الطهارة، وليس كذلك الطواف؛ لأن الطهارة تجب له، مع أن هذا يبطل بركعتي الطواف؛ لأنها من أفعال الحج، ومن شرط صحتها الطهارة.
على أن إسحاق بن إبراهيم نقل عنه قال: الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة.
وظاهر هذا: أن الطهارة شرط له في السعي، ولكن المذهب الصحيح أن الطهارة لا تجب في ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 10

نص عليه في رواية أبي طالب [قال]: إذا حاضت المرأة، وهي تطوف بالبيت قبل أن تقضي الطواف، خرجت، ولا تسعى بين الصفا والمروة؛ لأنها لم تتم الطواف، فإن طافت بالبيت، ثم خرجت تسعى، فحاضت، فلتمضِ في سعيها؛ فإنه لا يضرها، وليس عليها شيء.
وكذلك نقل حرب عنه أنه قال: الحائض لا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، إلا أن تكون قد طافت قبل ذلك، فإنها تسعى.

  • ... * ... *

104 -

مسألة

إذا انعكس الطواف - وهو أن يجعل البيت عن يمينه - لم يغنه:

نص عليه في رواية حنبل فقال: من طاف بالبيت طواف الواجب منكوساً لم يجزئه حتى يأتي به على ما أمر الله تعالى، وسنة النبي صلى الله عليه وسلّم، فإن طاف كذلك وانصرف، فعليه أن يأتي به، ولا يجزئه.
وقال - أيضاً - في رواية حرب في محرم نسي، فبدأ بالمروة قبل الصفا: يعيد الشوط.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يعيد إن كان بمكة، وإن رجع إلى أهله، فعليه دم، ويجزئه.
دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: [أنه] لما طاف جعل الكعبة عن

الحديث: 104 - الجزء: 2 - الصفحة: 11

يساره، وقال: "خذوا عني مناسككم".
وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
فإن قيل: الواجب عليه إذا أراد الطواف أن يطوف غير منكوس، وليس فيه أنه إذا خالف: أنه لا يعتد به.
قيل: إذا ثبت أنه أوجب عليه، لم يسقط إلا بفعله؛ لأن الإيجاب يقتضي الإيجاد، فمن أراد أن يقيم ما لم يتضمنه الأمر مقام ما تضمنه يحتاج إلى دليل.
ولأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وتركه، ولا يجوز تركه إلى غيره بدليل.
وأيضاً ما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
وروي: "من أحدث من أمرنا ما ليس منه فهو رد".
وأيضاً الطواف عبادة متعلقة بالبيت، فإذا نكسها لم يعتد بها، كالصلاة، وهو أن يبدأ بالسلام، ثم بالتشهد، ثم بالسجود، ثم بالقيام، ثم الركوع، ثم يستوي قائماً يقرأ.
وإن شئت قلت: كل عبادة يجب بها الترتيب، كان شرطاً فى صحتها.

الجزء: 2 - الصفحة: 12

دليله: الصلاة.
فإن قيل: الصلاة آكد بدليل لا يصح فعل الفرض منها راكعاً لغير عذر، والطواف يجوز.
قيل له: لا يجوز عندنا لغير عذر مع أن هذا لما لم يوجب الفرق بينهما في إيجاب الترتيب، لم يوجبه في أشراطه.
ولأنه قد طاف منكوساً، فلم يجزئه، كما لو كان بمكة.
فإن قيل: إذا كان مكة، فلا مشقة عليه في الرجوع، وإذا خرج منها شق عليه الرجوع، فيجبره بدم، كطواف الوداع.
قيل: هذا باطل؛ لأنه إذا ترك جميع الطواف وخرج، كان عليه مشقة، ومع هذا لا ينوب عنه الدم.
ويفارق هذا طواف القدوم؛ لأنه ينوب الدم عن جميعه.
ولأن ما أوجب إعادة الطواف إذا كان بمكة، أوجبه إذا رجع إلى أهله.
دليله: إذا طاف منكوساً قبل طلوع الفجر يوم النحر.
فإن قيل: إنما يعتد به هناك؛ لأنه قدمه على وقته.
قيل: لا نسلم لك هذا.
ولأن هذا الفرق يبطل به إذا كان بمكة، وطاف بعد طلوع الفجر منكوساً؛ فإنه لا يجزئه، وإن لم يقدمه على وقته.

الجزء: 2 - الصفحة: 13

ولأنه ترك من الطواف ما لا يسقط على غير شيء، فلم يعتد به، كما لو ترك شرطاً من الشرائط.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وهذا قد طاف.
والجواب: أن هذا الطواف منهي عنه، والله - تعالى - لا يأمر بالمنهي عنه.
فإن قيل: نفس الطواف غير منهي عنه، وإنما المنهي عنه ترك الترتيب.
قيل له: إذا وقع الطواف على هذه الصفة فهو منهي عنه.
واحتج بأنه طاف بالبيت مع وجود النية، وهو ممن يصح منه فعل الطواف، فوجب أن يجزئه، كما لو طاف غير منكوس.
والواجب: أنه لا يجوز اعتبار المنكوس بعدمه في مسألتنا، كما لم يجز ذلك في الصلاة، وإن كان الفعل موجوداً في الموضعين.
واحتج بأنه قد فعل الطواف، وإنما خالف في هيئته، وذلك لا يمنع وقوعه موقع الجواز، كما لو طاف راكباً لغير عذر، أو طاف، ولم يرمل، ويضطبع.
وقد نص أحمد على أنه إذا ترك الرمل صح، ولا دم عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 14

في رواية أبي طالب في من ترك الرمل عامداً: أرجو أن ليس عليه شيء.
وكذلك نقل ابن منصور عنه قال: من ترك الرمل لا شيء عليه.
قيل له: من ترك السعي بين الصفا والمروة؟ قال: كلاهما عندي واحد.
والجواب: أن عندنا أنه إذا طاف راكباً لغير عذر لا يُعتد به في إحدى الروايتين، والأخرى يعتد به.
فعلى هذا: لا يدل على إسقاط الترتيب، ألا ترى أن صلاة النافلة في السفر وصلاة الفرض في الخوف تجوز على الراحلة، ومن شروطها الترتيب.
وأما إذا لم يرمل، ولم يضطبع، فالمعنى فيه: أنه يسقط إلى غير شيء، فلم يكن شرطاً، وإذا ترك الترتيب فقد ترك إلى ما يسقط إلى بدل، فلهذا لم يعتد بطوافه.
واحتج بأنها عبادة لم تشترط فيها الموالاة، فلم يشترط فيها الترتيب، كالزكاة.
وقد نص أحمد على أن الموالاة غير واجبة، فقال في رواية حنبل: وذكر له أن الحسن طاف بين الصفا والمروة أسبوعاً، فغشي عليه، فحمل إلى أهله، فجاء من العشا، فأتمه، قال أحمد: إن أتمه فلا بأس، وإن استأنف فلا بأس.

الجزء: 2 - الصفحة: 15

ونقل ابن منصور عنه: وقد سئل: إذا قطع الطواف يبني، أو يستأنف؟ قال: يبني.
وقال - أيضاً - في رواية ابن إبراهيم في الرجل يطوف، فيرى جنازة: يقطع، ويصلي عليها، ويبني.
وسئل عن الرجل يطوف بالبيت، فيعيي: هل يستريح؟ فقال: نعم، قد فعله ابن عمرو وابن الزبير؛ طافا واستراحا.
وظاهر هذا: أن الموالاة غير واجبة.
والجواب: أن حرباً نقل فى امرأة طافت ثلاثة أشواط، ثم حاضت: تقيم حتى تطوف.
فقيل له: تبني على طوافها؟ قال: لا، تبتدئ.
وقال في رواية أبي طالب: إذا طاف خمساً أو ستاً، ورجع إلى بلده، يعيد الطواف.
وظاهر هذا: اعتبار الموالاة؛ لأنه إنما بقي عليه شوط واحد.
وقد خرجها أبو بكر في كتاب "التنبيه" على روايتين فقال: لو طافت خمساً، ثم حاضت، بنت، وقيل: تبتدئ.
قال: وهو اختياري.
وعلى أن الزكاة لا ترتيب فيها بحال، والطواف فيه ترتيب، ألا ترى أنه يجبر تركه بالدم؟ وبهذا المعنى بين بين الموالاة وبين الترتيب، وهو أن الموالاة تركها لا يوجب الدم، والترتيب تركه يوجب الدم.
ولأن الزكاة عبادة لا تتعلق بالبيت، ولا هي شرط في ما يتعلق

الجزء: 2 - الصفحة: 16

بالبيت، فلهذا لم تفتقر إلى الترتيب، والطواف عبادة تتعلق بالبيت، فأشبهت الصلاة.

  • ... * ... *

105 -

مسألة

إذا ترك بعض الطواف لم يعتد به، ولم يجبره بالدم:

نص عليه في رواية الأثرم في من ترك من الطواف الواجب فقال: لا يجزئه حتى يأتي بسُبع تام، لا بد منه.
وكذلك نقل ابن منصور: وقد ذكر له قول سفيان: إذا لم يكمل سبعه فهو بمنزلة من لم يطف؛ يكون حراماً، ثم يرجع، فيقضي؛ حجة كانت، أو عمرة، فقال أحمد: ما أحسن ما قال.
وكذلك نقل عنه حنبل في رجل طاف ستة أشواط، وصلى ركعتين، ثم ذكر بعد: يطوف شوطاً، ولا يعيد، وإن طاف ابتداء فهو أحوط.
وكذلك نقل أبو طالب عنه: وقد ذكر له قول عطاء: إذا طاف أكثر الطواف؛ خمساً، أو ستاً، فقال: أنا أقول: يعيد الطواف.
قيل له: فإن كان بخراسان؟ قال: يرجع، فإذا بلغ التنعيم أهل، ثم طاف، ويهدي مثل قول ابن عباس.
وبهذا قال مالك والشافعي.
قال أبو حنيفة: إذا طاف الأكثر، وترك الأقل؛ فإن كان بمكة أتمه،

الحديث: 105 - الجزء: 2 - الصفحة: 17

وإن رجع إلى أهله ناب عن الباقي الدم.
دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه طاف سبعاً، وقال: "خذوا عني مناسككم".
وهذا الأمر يقتضي الوجوب.
فإن قيل: نقول: إن السبعة كلها واجبة، والخلاف في الدم؛ هل يقوم مقام الأقل، أم لا؟ وليس في وجوبها ما يمنع، كما تقول في طواف الصدر، ورمي الجمار، والإحرام من الميقات.
قيل له: إذا ثبت وجوب السبعة لم يسقط منها شيء إلا بفعله؛ لأن الإيجاب يقتضي الإيجاد، ومن أراد أن يُقيم ما لم يتضمنه الأمر مقام ما تضمنه يحتاج إلى دليل.
ولأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وتركه، فلا يجوز تركه إلى غيره إلا بدليل.
والقياس أنه ترك بعض الأشواط الواجبة عليه، فلا يتحلل من إحرامه قبل إتمامه قياساً على الأكثر إذا تركه.

الجزء: 2 - الصفحة: 18

وإن شئت قلت: يلزمه إتمامه إذا كان بمكة، فوجب أن يلزمه إذا رجع إلى أهله.
دليله: ما ذكرنا.
وإن شئت قلت: ترك من الطواف ما لا يسقط إلى غير شيء، فلم يجزئه.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون حكم الأقل حكم الأكثر، كما لم يجز أن يكون حكم الأقل من أفعال الحج حكم الأكثر، وحكم أقل أفعال الركعة حكم الأكثر، وإنما لزمه إتمامه ما دام في مكة؛ لأنه يمكنه أن يجبر النقص الداخل فيه من جنسه، ولا يتعذر عليه، وإذا رجع إلى أهله تعذر عليه العود إلى مكة، فجاز أن يجبر النقص بالدم.
قيل: أما قولك: (إنه إذا تعذر عليه العود، فجاز أن يجبره بالدم) فيبطل به إذا ترك الأكثر؛ فإنه يتعذر، ومع هذا لا يجبره.
وأما قولك: (إنه لا يجوز اعتبار الأقل بالأكثر) فغير صحيح؛ لأن أكثر الركعات لا تقوم مقام الجميع، وكذلك أكثر أعضاء الوضوء، وأكثر غسل البدن في الجنابة، وأكثر الآذان والإقامة، وأكثر أيام رمضان، وسائر صيام الكفارة، وأكثر النصاب، وأكثر الزكاة، وغير ذلك مما يكثر تعداده.
ثم هذا المعنى يبطل به إذا كان مقيماً بمكة؛ فإنه لم يقم

الجزء: 2 - الصفحة: 19

الأكثر مقام الجميع.
ولأنه لو كان الأكثر قائماً مقام الجميع لم يجبر بالدم، كما لا يجبر في الإدراك مع الإمام أكثر أفعال الركعة.
ولأن أكثر أفعال الركعة ليس بقائم مقام الجميع، وإنما تُحسب له بفعل الإمام، ولا نظير له من الطواف.
ولأن الطواف عبادة تتعلق بالبيت، فلا يقوم المال مقام شيء منها، كالصلاة.
فإن قيل: الحج آكد من الصلاة بدليل أن معظمه يقوم مقام جميعه في باب المنع من ورود الفساد عليه، ألا ترى أنه لو جامع بعد الرمي وقبل الطواف، لم يفسد حجه، ومعظم الصلاة لا تمنع من ذلك، فإن كان كذلك، فلهذا فرقنا بينهما.
قيل له: إنما افترقنا من هذا الوجه؛ لأن للحج تحليلين، فإذا وجد أحدهما، ثم تعقبه محظور، لم يؤد إلى الفساد، والصلاة لها تحلل واحد، فإذا وجد المحظور سرى إلى جميعها.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وهذا قد طاف.

الجزء: 2 - الصفحة: 20

والجواب: أن المراد به: سبعة أطواف بالإجماع، وما أجمعوا عليه فهو بمنزلة المنطوق به، فكأنه قال: وليطوفوا سبعة أطواف، فإذا طاف بعضها، كان باقياً عليه.
واحتج بأن كل ما حظر عليه بعقد الإحرام جاز أن يستبيحه قبل استيفاء فروضه، كاللبس والطيب والصيد والحلق، وعندكم لا يستبيح الجماع إلا بعد الفراغ من الطواف.
وربما قالوا: تحلل من إحرام الحج، فجاز أن يحصل قبل استيفاء فروضه، كالتحلل الأول.
والجواب: أن هذه الأشياء تُستباح بالتحلل الأول، والاستمتاع بالنساء لا يستباح إلا بعد الفراغ من الطواف، وإنما يقوم الدم مقام ما بقى منه، وجعله بمنزلة فعل الجميع، فلم يصح الجمع بينهما؛ لأن استباحة الاستمتاع لا يجوز أن تكون سابقة للفراغ من الطواف، أو ما يقوم مقام الفراغ منه.
واحتج بأن الحج آكد من الصلاة بدليل أن معظمه يقوم مقام جميعه في باب المنع من ورود الفساد عليه؛ لأنه لو جامع بعد الرمي وقبل الطواف، لم يفسد حجُّه، ومعظم الصلاة لا يمنع من ذلك، ثم ثبت أن في أركان الصلاة ما يقوم معظمه مقام جميعه، وهو إدراك المأموم الإمام في الركوع، فلا يكون في أركان الحج ما هو بهذه الصفة أولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 21

والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن الطواف ركن في الحج، فجاز أن يجبر الدم بعض أجزائه، كالوقوف.
والجواب: أن الدم لا يجبر بعض الوقوف؛ لأن القدر الذي يجب في الوقوف هو الحصول في الموقف فحسب، والزيادة على ذلك مسنونة فيه.
وعلى أن الدم يجبر معظم الوقوف، ولا يجبر معظم الطواف، فافترقا.
واحتج بأنه أتى بمعظم الطواف، أشبه لو أتى بالسُّبْع، وأخل بالرَّمل والاضطباع.
والجواب: أن هناك قد أتى بجميع العبادة، والرمل والاضطباع صفة فيها، فلم يؤثر تركها في الطواف، فهو كالصلاة إذا أتى بركعاتها، وأخل بهيآتها من الجهر، والإخفات، والرفع، ووضع اليمين على الشمال؛ فإنه يحكم بصحتها، ولو نقص من ركعاتها ركعة، لم يعتد به.
ويبين صحة الفرق بينهما: أنه لا يجب بترك الرمل والاضطباع دم، ويجب الدم بترك شوط، فبان الفرق بينهما.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 22

106 -

مسألة

إذا سلك في الطواف الحجر لم يجزئه إلا أن يستأنف الطواف، فيبنى على الموضع الذي دخل من الحجر:

نص عليه فى وراية الأثرم في من طاف في الحجر، فاخترقه: لم يجزئه؛ لأن الحجر من البيت، فإذا كان شوطاً واحداً أعاد ذلك الشوط، وإن كان قبل الطواف أعاده.
وكذلك نقل حنبل عنه في من طاف، واخترق الحجر: لا يجزئه، ويعيد.
وكذلك نقل حرب.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجزئه.
دليلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلّم طاف حول الحجر، فروى الأثرم بإسناده عن ابن عباس قال: من طاف بالبيت فليطف من وراء الحجر؛ فإن الله - تعالى - يقول: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، وقد طاف النبي صلى الله عليه وسلّم من وراء الحجر.
وإذا ثبت هذا من فعله دخل تحت قوله: "خذوا عني مناسككم".

الحديث: 106 - الجزء: 2 - الصفحة: 23

وهذا أمر فهو على الوجوب.
وأيضاً ما روي عن عائشة: أنها قالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أصلي في البيت، فقال: "صلي في الحجر؛ فإن الحجر من البيت".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لعائشة: "لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت، ورددته على قواعد إبراهيم؛ فإن قومك قلت نفقاتهم، فاقتصروا بالبيت عن قواعد إبراهيم".
فثبت بهذه الأخبار: أن الحجر من البيت، ووجب الطواف حوله بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
فإن قيل: هذه أخبار آحاد، ولا نقطع بها.
قيل: ليس الأمر على هذا، بل كل أحد من أهل العلم ومن أهل التفسير والسنن يعلم: أن الحجر من البيت على ما ذكرنا.
وعلى أن إثباته من البيت أنه يفيد إيجاب الطواف حوله، ومثل هذا المعنى يجوز إثباته بأخبار الآحاد؛ لأنه لم يستوعب البيت العتيق بطوافه، فلم يعتد به، كما لو ترك بعض البناء.
واحتج المخالف بأنه مكان لا يُقطع على كونه من البيت، فالطواف عليه ليس بشرط كسائر البقاع.
ولأن فرض الصلاة لا يسقط بالتوجه إليه، أشبه سائر البقاع.

الجزء: 2 - الصفحة: 24

والجواب: أن كونه غير مقطوع عليه لا يمنع من ثبوته بدليل سائر الأحكام الذي ثبتت بأخبار الآحاد، والاجتهاد، وسائر المسائل المختلف فيها؛ فإنه غير مقطوع عليها، ومع هذا فإنها ثابتة، كذلك هاهنا.
وأما التوجه إليه في الصلاة؛ فإنه يجزئه، وتصح صلاته، كما إذا توجه إلى حائط الكعبة.
واحتج بأنه ركن تعلق بمكان، فلا يكون من شرطه استغراق جميع المكان بالكون فيه، كالوقوف بعرفة.
والجواب: أنه بيطل بالسعي؛ بإنه يختص بمكان، ومن شرطه استغراق جميع جميع المكان.
على أن الطواف يجب استيعاب الأكثر فيه، والوقوف لا يجب، ويجزئ الأقل، فبان الفرق بينهما.

  • ... * ... *

107 -

مسألة

إذا طاف راكباً لغير عذر لم يجزئه في إحدى الروايتين:

نص عليه فى وراية محمد بن أبي حرب الجرجرائي: وقد سئل عن الرجل يطوف حول البيت على بعيره، وهو صحيح، فقال: لا، إنما طاف رسول الله صلى الله عليه وسلّم لكي يراه الناس.
وكذلك قال في رواية حنبل: ولا يطوف راكباً، إنما طاف النبي صلى الله عليه وسلّم لكي يراه الناس.

الحديث: 107 - الجزء: 2 - الصفحة: 25

وكذلك قال في رواية أبي الحارث: وقد سأله عن من طاف بالبيت محمولاً من غير علة، ولا مرض، فقال: الذي سمعنا أن يكون مريضاً، فإذا كان صحيحاً فما سمعت فيه شيئاً، ما أدري.
وظاهر هذا الكلام منع الإجزاء.
وفيه رواية أخرى: يجزئه، ولا دم عليه.
ذكره أبو بكر النجاد في كتاب "المناسك" فقال: قال أبو عبد الله: أكره أن يطوف راكباً من غير عذر، وإن طاف رجوت أن يجزئه، فإذا اشتكى طاف محمولاً لم يرمل به الذين يحملونه.
وقال في رواية محمد بن منصور الطوسي في الرد على أبي حنيفة: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلّم على بعيره.
وقال هو: إذا حُمل عليه، فعليه دم.
وهو اختيار شيخنا أبي عبد الله، وأبي بكر بن عبد العزيز، ذكره في كتاب "زاد المسافر" فقال: إذا طاف راكباً أجزأه ذلك، ولم يوجب عليه دم.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: إذا طاف لغير عذر راكباً كُره له ذلك، وقيل له: أعد، فإن لم يعد أجزأه، وعليه دم.
وقد كنت أنصر قبل هذا أنه إذا طاف لغير عذر راكباً يجزئه، ولا دم

الجزء: 2 - الصفحة: 26

عليه، ورأيت أكثر كلام أحمد أنه لا يجزئه، فنصرت نفي الإجزاء.
والدلالة على أنه لا يجزئه: ما روى ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "الطواف بالبيت صلاة"؛ معناه: مثل صلاة، فحذف المضاف.
وإذا كان كذلك، وجب أن يكون بمنزلة الصلاة في جميع الأحكام إلا ما استثناه، وهو إباحة النطق، وصلاة الفرض لا تجوز راكباً لغير عذر.
وإنها عبادة متعلقة بالبيت، فلم يصح فعلها راكباً في غير حال العذر.
دليله: الصلاة.
ولأن المشي نفس الطواف، فإذا تركه حصل ناقصاً فلم يجزئه.
دليله: لو ترك شوطاً، أو شوطين.
فإن قيل: المشي هيئة وصفة فيه، فهو كالرمل والاضطباع.
قيل: فيجب أن يجعل القيام في الصلاة هيئة، ويجوز له أن يصلي راكباً.
ولأنه طاف محمولاً لغير علة، فلم يجزئه.
دليله: إذا كان الحامل له آدمياً؛ فإن الصحيح من قولي الشافعي: أن الطواف للحامل دون المحمول، كذلك هاهنا.
فإن قيل: الفرق بينهما أن فعل الحامل منسوب إليه دون المحمول،

الجزء: 2 - الصفحة: 27

وليس كذلك فعل الراكب.
ولأن فعل الدابة منسوب إليه، وقائم على اختياره.
قيل: وكذلك فعل الحامل منسوب إلى المحمول؛ لأنه قصده بذلك بدليل أنه يأخذ الأجرة عليه، ولا يصح أن يأخذ الأجرة على نفع نفسه.
ونخص أبا حنيفة بطريق آخر فنقول: طاف راكباً لغير عذر، فلم يجزئه.
دليله: لو طاف قبل طلوع الفجر من يوم النحر، وكما لو كان مقيماً بمكة.
ولأنه ترك من الطواف ما لا يسقط إلى غير شيء، فلم يعتد به، كما لو ترك من الطواف بعض الأشواط؛ لأن الطواف عبادة تتعلق بالبيت، فلا يقوم المال مقام شيء منها.
دليله: الصلاة.
واحتج المخالف لما رواه أحمد فيما ذكره الخلال في كتاب "العلل" بإسناده عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يطوف بالبيت على ناقة، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك.
قال أبو إسماعيل الترمذي: سألت أحمد عن هذا الحديث فقال:

الجزء: 2 - الصفحة: 28

[...] ثقة، والحديث غريب.
وروى أبو الطفيل قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلّم يطوف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجن، ثم يقبله.
والجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلّم طاف راكباً لعذر بدلالة ما روي عن ابن عباس: أنه قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلّم راكباً لشكاة كانت به.
وروى جابر: أنه طاف راكباً؛ ليشرف على الناس، ويرونه؛ فإن الناس غشوه.
وهذا عذر يبيح الركوب.
وعلى هذا حمله أحمد، وتأوله عليه، وجعله عذراً.
ومثل هذا ما روى سهل بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلّم صلى على المنبر، فركع، ورجع القهقهري حتى نزل، وسجد.
وحمل هذا على أنه فعله؛ ليأتموا به، ويتعلموا صلاته، وليس أن يمتنع أن يقع البيان على وجه مكروه، كما أخر صلاة المغرب عن أول وقتها ليبين الجواز.
واحتج بأنه ركن من أركان الحج، فإذا فعله راكباً صح.

الجزء: 2 - الصفحة: 29

دليله: الوقوف والإحرام والسعي.
والجواب: أنه قد قال أحمد في رواية حرب: لا بأس بالسعي بين الصفا والمروة على الدواب لضرورة.
وظاهر هذا يقتضي: أن السعي كالطواف، وأنه يجوز راكباً للضرورة، فلا فرق بينهما.
وكأن المعنى فيه: أن المشي نفس السعي، كما أنه نفس الطواف، وأما الوقوف والإحرام: فالمعنى في الإحرام: أنه وجود النية والقصد، وهذا يوجد في حق الراكب، كما يوجد في حق الراجل.
وأما الوقوف فهو الكون بعرفة، وهذا موجود في حق الراكب.
فأما الطواف فإن المشي نفس الطواف، فإذا ركب، فلم يوجد ذلك.
أو نقول: الطواف عبادة تتعلق بالبيت أشبه بالصلاة.
واحتج بأن المشي هيئة في الطواف فهو كالرمل والاضطباع، وقد ثبت أن الإخلال بذلك لا يمنع صحة الطواف، كذلك المشي.
والجواب عنه: ما تقدم.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 30

108 -

مسألة

طواف الحامل غير جائز عنه، وطواف المحمول كطواف الراكب؛ إن كان لعذر أجزأه، وإن كان لغير عذر، فعلى الروايتين:

إحداهما: لا يجزئه.
والثانية: يجزئه، ولا دم عليه.
وقد ذكر الخرقي هذا في "مختصره" فقال: ومن طاف وسعى محمولاً لعلة أجزأه، وأجاز ذلك في حق المحمول للعذر.
وقال في موضع آخر: ومن طيف به محمولاً كان الطواف له دون حامله.
فنص على أنه غير جائز للحامل.
وقال أبو حنيفة: طواف الحامل جائز عنه، ولا دم، وطواف المحمول كطواف الراكب يجزئه، وعليه دم.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: يجزئ عن الحامل دون المحمول، وهو الصحيح عندهم.
فالدلالة على أنه لا يجزئ عن الحامل خلافاً لأبي حنيفة وأحد القولين للشافعي: أنه قد جاز فعله عن طواف المحمول عندهم على الإطلاق، وعندنا إذا كان لعذر، لم يجز عن طواف نفسه؛ لأن فعلاً واحداً لا يتأدى به اثنين، أو لا يسقط به فرض اثنين.

الحديث: 108 - الجزء: 2 - الصفحة: 31

ولأن الطواف إذا أجزأ عن المحمول لم يجز عن الحامل.
دليله: ابن خمس عشرة سنة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وهذا الحامل قد طاف.
والجواب: أنه محمول على غير الحامل بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأن كونه حاملاً لإنسان ليس بأكثر من كونه حاملاً للمتاع، ولا خلاف أن ذلك لا يمنع من جواز طرفه، كذلك هاهنا.
والجواب: أن فيه ما هو أكثر من هذا، وهو أنه يؤدي إلى أن يسقط بفعل واحد فرضين، وهذا المعنى معدوم في حمل المتاع.
واحتج بان طواف المحمول جائز؛ لحصوله في تلك المواضع مع وجود النية، كذلك الحامل أولى بجواز طوافه من المحمول؛ لأن الحامل قد فعل الطواف بنفسه، والمحمول لم يفعله.
والجواب: أنه إنما حصل المحمول؛ لأنه مقصود بالطواف.
ولأنه يؤدي إلى أن يحصل الفعل الواحد لفاعلين، وليس كذلك الحامل؛ لأنه غير قاصد، ولا هو يؤدي إلى أن يحصل الفعل لفاعلين، فلهذا فرقنا بينهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 32

واحتج بأن محرماً لو حمل محرماً بعرفة لكان ذلك مجزءاً عنهما، كذلك الطواف.
والجواب: أن الطواف مخالف للوقوف؛ لأنه لو وقف من غير نية وغير علم بالموضع لصح الوقوف، وليس كذلك الطواف؛ فإنه لا يصح إلا مع القصد والنية، فافترقا.
ولأنه إذا كان حاملاً له في الموقف لم يرد إلى أن يسقط بفعل واحد فرضين؛ لأت المأخوذ عليه الكون، وليس كذلك الطواف؛ لأن الفعل واحد، فيؤدي إلى أن يسقط به فرضين.
واحتج بأن فعل الواحد يكون في حكم الفعلين كما نقول في من حلف: لا يدخل هذه الدار، وحلف آخر - أيضاً - مثل ذلك، فحمل أحدهما صاحبه برضاه، ودخل الدار: إنهما يحنثان جميعاً، ويصير فعل الداخل في حكم الفعلين، وكذلك إذا ركبا جميعاً دابة واحدة، ودخلا.
والجواب: أنه يجوز أن يحنث رجلان بفعلة واحدة، ولا يجوز أن يسقط فرض اثنين بفعل واحد.

  • فصل: وأما المحمول قائماً جاز طوافه؛ لأنه بمنزلة الراكب، ولو طاف على دابة لصح طوافه عندهم على الإطلاق، وعندنا على التفصيل بين المعذور وعدمه، كذلك المحمول.
    فإن قيل: فعل الدابة منسوب إليه، وقائم مقام فعله، وواقف على

الجزء: 2 - الصفحة: 33

اختياره، وليس كذلك فعل الحامل؛ لأنه بخلافه.
قيل له: وكذلك الحامل فعله منسوب إلى المحمول؛ لأنه قصده بذلك بدليل أنه يصح أن يأخذ الأجرة على حمله، فلولا أنه قاصد للمحمول ما صح أخذ الأجرة؛ لأنه لا يصح أخذ الأجرة عن ما يفعله عن نفسه.
واحتج المخالف بأن الفعل للحامل؛ لأنه هو الطائف، وهو الحامل، فيجب أن يقع الفعل عنه.
والجواب: أن الراكب لم يوجد من جهته فعل الشيء، وإنما وجد من جهة البهيمة، ومع هذا يجزئه، كذلك هاهنا؛ لأنا قد بينا: أن هذا الفعل مضاف إلى المحمول بدليل أنه قصده، ويأخذ العوض عنه.

  • ... * ... *

109 -

مسألة

يجوز تقديم السعي على طواف الزيارة، وهو أن يفعله عقيب طواف القدوم:

نص عليه فى وراية نصر خلافاً لما حكي عن أبي ثور قال: لا يجوز تقديمه.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158].

الحديث: 109 - الجزء: 2 - الصفحة: 34

وقال صلى الله عليه وسلّم: "اسعوا؛ فإن الله كتب السعي".
وليس فيه بيان أنه يقع عقيب طواف الزيارة.
ولأنه طواف في إحرام الحج، فجاز السعي عقيبه.
أصله: طواف الزيارة.

  • ... * ... *

110 -

مسألة

ركعتا الطواف غير واجبتين:

نص على ذلك في مواضع: فقال في رواية أبي طالب: تجزئ المكتوبة من الركعتين، وليس هما واجبتان، ولكن يستحب إذا طاف صلاهما.
وقال - أيضاً - في رواية الأثرم: وقد سئل: هل تجزئ المكتوبة من ركعتي الطواف دم؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه.
وكذلك نقل حنبل عنه أنه قال: إن ركعهما كان أحب إلي، فإذا لم يفعل أجزأه.

الحديث: 110 - الجزء: 2 - الصفحة: 35

وقد علق القول في رواية حرب في من نسى ركعتي الطواف، فقال: يعيد متى ذكر.
وهذا محمول على طريق الاختيار.
وقال بو حنيفة ومالك: هما واجبتان.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا.
والثاني: مثل قولنا.
دليلنا: ما روي أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلّم عن الفرائض في اليوم والليلة، فقال: "خمس صلوات كتبهن الله على عباده في اليوم والليلة"، فقال الأعرابي: هل عليَّ غيرها؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا، إلا أن تطوع".
فإن قيل: إنما سأله عن الصلاة المكتوبة، ولا مكتوبة في غير الخمس.
قيل له: السؤال عن جنس الصلوات، والسؤال عاد إلى نفس الجنس.
ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود ليس لها وقت راتب، فلم تكن واجبة بأصل الشرع.
دليله: تحية المسجد وغيرها من النوافل.
ولا يلزم عليه صلاة الجنازة؛ لقولنا: ذات ركوع وسجود.

الجزء: 2 - الصفحة: 36

ولا يلزم عليه الفرائض؛ لقولنا: ليس لها وقت راتب.
ولأنها صلاة تابعة لغيرها، فلم تكن واجبة بنفسها.
دليله: ركعتي الصبح.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِ‍يمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]. والأمر يدل على الوجوب.
والجواب: أنه محمول على الاستحباب.
واحتج بما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلّم طاف راكباً، فلما أراد أن يصلي الركعتين، نزل فصلاهما، وقال: "خذوا عني مناسككم".
والجواب: أنه محمول على الاستحباب.
واحتج بما روي عن عمر: أنه طاف بالبيت، وترك ركعتي الطواف، فلما كان بذي طوي قضاهما.
فلو كانتا غير واجبتين، سقطتا بفوات موضعهما؛ لأن السنن إذا فاتت عن مواضعهما لا تقضى.
والجواب: أن النوافل الراتبة تقضي عندنا استحباباً.
واحتج بأنهما تابعان للطواف، فوجب أن تكونا واجبتين، كالسعي.

الجزء: 2 - الصفحة: 37

والجواب: أن كونها تابعة لا يدل على وجوبها، كالسنن الراتبة بعد الفرائض، ومع هذا فهي غير واجبة، كذلك هاهنا.
وعلى أن السعي غير تابع للطواف، وإنما هو تابع للركعتين؛ لأنه يُفعل بعدهما، فالوصف غير صحيح في الأصل.
ولأن السعي ليس بتابع للطواف، وإنما هو فرض مقصود كالطواف، ولهذا نقول: إن بقاء السعي يمنع من استباحة النساء، كما يمنع بقاء الطواف.
وإنما هو مرتب عليه، وكونه مرتباً عليه لا يدل على أنه تابع له، كالسجود مرتب على الركوع، وليس بتابع له، بل كل واحد منهما فرض مقصود.
وعلى أن السعي ركن واجب، فوجب أن يكون من توابعه ما هو واجب، كالوقوف من توابعه ما هو واجب، وهو الرمي.
والجواب: أنا نقلبه فنقول: وجب أن لا يكون من توابعه صلاة واجبة، كالوقوف.
وعلى أن الرمي له وقت، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه صلاة ليس لها وقت معين، وهي ذات ركوع وسجود، فأشبه ما ذكرنا.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 38

111 -

مسألة

لا بأس أن يجمع بين الأسابيع من غير أن يفصل بين كل أسبوعين بركعتين، ثم يصلي بعد ذلك:

نص على هذا في رواية الأثرم وابن حنبل وأبي داود وابن منصور وحرب: قال في رواية الأثرم: وقد سئل: يقرن بين السُّبعين في الطواف؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس.
قيل له: فتكره القران بين الأسابيع؟ فقال: ما أكرهه.
وقال في رواية حنبل: من طاف فجمع بينهما يصلي لكل أسبوع ركعتين، ويجمع بينهما.
وقال فب رواية أبي داود: وقد سئل عن الرجل يقرن الطواف، فرخص فيه، وقال: قد قرنت عائشة، والمسور بن مخرمة.
وقال في رواية ابن المنصور: وقد سئل: يقرن بين الطواف؟ قال: إن قرن أرجو أن لا يكون به بأس، وإن لم يقرن فهو أفضل.
فظاهر كلامه: جواز ذلك من غير كراهية سواء قطع على وتر، أو شفع.
ونقل ابن منصور عنه في موضع آخر في من طاف ثمانياً أو تسعاً: يتم طوافين، أو يقطع؟ قال: إن شاء أتم طوافين، وإن شاء قطع، ولا ينصرف إلا على وتر.

الحديث: 111 - الجزء: 2 - الصفحة: 39

وظاهر هذا: أنه إن قطع على شفع كُره.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يُكره ذلك.
وقال أبو يوسف: إن قطع على شفع كُره ذلك، وإن قطع على وتر لم يُكره.
دليلنا: ما روى حنبل بإسناده عن عطاء، عن عائشة: أنها كانت تطوع الأسبوعين والثلاثة، ثم تصلي لكل أسبوع ركعتين.
وروى في لفظ آخر بإسناده عن محمد بن السائب ابن بركة، عن أمه بركة: أنها أخبرته عن عائشة: أنها أرسلت إلى أصحاب المصابيح أن أطفئوها، فأطفؤوها، فطفت معها في ستر، أو حجاب، فكانت كلما فرغت من أسبوع استلمت الحجر الأسود، وتعوذت بين الباب والركن، حتى إذا فرغت من ثلاثة أسابيع ذهبت دبر سقاية زمزم مما يلي النساء، فصلت ست ركعات، كلما ركعت ركعتين انحرفت إلى النساء وكلمتهن، تفصل بذلك صلاتها حتى فرغت.
وروى بإسناده عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سئل عن الجمع بين الأسبوعين والثلاثة، فقال: لكل أسبوع ركعتان.
وروى بإسناده عن المسور بن مخرمة: أنه كان يقول لغلامه:

الجزء: 2 - الصفحة: 40

أحصِ ما أطوف، فإذا مشى قضى لكل أسبوع ركعتين.
وقد روى عبد الرحمن بن أبي حاتم في "سننه" عن عيسى بن يونس، عن عبد السلام بن أبي الجنوب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قرن بين ثلاثة أطواف، ليس بينهما طواف.
قال عبد الرحمن: هو حديث منكر، وعبد السلام ضعيف.
ورواه أبو حفص العُكبري قال: ثنا ابن السماك قال: ثنا أيوب بن سليمان الصعيدي قال: ثنا أحمد بن المصيصي قال: ثنا عيسى بن يونس قال: ثنا عبد السلام بن أبي الجنوب قال: حدثني الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلّم بالبيت ثلاثة أسباع جميعاً، ثم أتى المقام، فصلى خلفه ست ركعات.
وقال أبو هريرة: إنما أراد أن يعلمنا.
وأيضاً فإن الطواف يتناوله اسم الصلاة بدليل قوله صلى الله عليه وسلّم: "الطواف بالبيت صلاة".
ثم ثبت أنه يجوز الجمع بين الصلاتين على وجه يؤدي إلى تأخير الصلاة المسنونة فيما بينهما، كذلك الطواف.
ولأنه لو فصل بينهما بكلام، أو فعل مباح، جاز فلأن يجوز

الجزء: 2 - الصفحة: 41

الفصل بينهما بالطواف أولى.
واحتج المخالف بأن النبي صلى الله عليه وسلّم صلى عقيب الطواف، وقال: "خذوا عني مناسككم".
والجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلّم فعل الأفضل، وكذلك نقول، وخلافنا في الجائز الذي ليس بمكروه، وليس في الخبر ما يدل عليه.
واحتج بأنه لو أراد أن يفصل بين الطواف والسعي بطواف آخر لم يجز، كذلك إذا أراد أن يفصل بين الطواف والصلاة.
ولأن الصلاة مسنونة عقيب الطواف، كما أن السعي مسنون عقيب الصلاة.
والجواب: أنه لا يمتنع ذلك.
وقد قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس أن يفرق ذلك، ويؤخره حتى يستريح، وإلى العشاء.
يعني: يؤخر السعي عن الطواف.
واحتج بأن سنتها أن تقع عقيب الطواف، كالسنن التي تُفعل عقيب الفرائض، ثم ثبت أنه لا يُفصل بينهما وبين المفروضات بصلاة أخرى فائتة ذكرها بعد الفراغ من الفرض.
وكذلك تكبيرات التشريق لما كانت مسنونة عقيب الصلوات

الجزء: 2 - الصفحة: 42

المفروضات لم يجز أن يُفصل بينهما وبين المفروضات بشيء آخر.
وكذلك سجود التلاوة لما كان من سننها أن تفعل عقيب التلاوة كُره تأخيرها إلى آخر الصلاة قبل أن يسلم؛ لما يحصل بينها وبين القراءة من الفصل بعدها.
والجواب: أن الصلاة حجة لنا؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين الصلاتين على وجه يؤدي إلى تأخير السنن الراتبة من غير كراهة، فأولى أن يجوز الجمع بين الأسابيع على وجه يؤدي إلى قضاء الصلاة في الثاني.
وأما سجود التلاوة وتكبيرات التشريق فإنما لم تؤخر؛ لأنه بالتأخير يؤدي إلى إسقاطه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه بالجمع لا يؤدي إلى إسقاط الصلاة، فلهذا فرقنا بينهما.
يبين صحة هذا: أنه يجوز أن يفعل الطواف عند أبي حنيفة على صفة تؤدي إلى تأخير الصلاة، وهو أن يطوف في الوقت المنهي عن الصلاة فيه، ويصلي بعد ذلك.
وجواب آخر، وهو: أن تأخير السنن الراتبة وسجود التلاوة وتكبير التشريق لا حاجة به إلى تأخيره، وليس كذلك تأخير الركعتين؛ لأن به حاجة، وهو كثرة الزحام، ويشق عليهم الخروج والعود في كل أسبوع، فجاز الجمع، كما جاز الجمع بين الصلاتين.

  • فصل: وهو مخير: إن شاء قطع على وتر، وإن شاء قطع على شفع

الجزء: 2 - الصفحة: 43

في إحدى الروايتين.
وهو ظاهر كلامه في رواية الأثرم: وقد سئل: يقرن بين السبعين في الطواف؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس.
وقال في رواية ابن إبراهيم: إذا طاف أربع عشرة طوافاً صلى أربعاً.
وفي رواية أخرى: يُكره له أن يقطع على شفع.
وهو ظاهر كلامه في رواية ابن منصور: لا ينصرف إلا على وتر.
وهو قول أبي يوسف.
وجه الأولى: ما تقدم؛ فروي عن عائشة: أنها كانت تطوف الأسبوعين والثلاثة، ثم تصلي لكل أسبوع ركعتين.
وظاهر هذا: أنها قد كانت تقطع على أسبوعين.
وكذلك روي عن ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن الجمع بين الأسبوعين والثلاثة، فقال: لكل أسبوع ركعتان.
وظاهر هذا: أنه لم يكره الأسبوعين.
وكذلك المسور بن مخرمة كان يقول لغلامه: أحص ما أطوف.
وظاهر هذا: أنه ما كان يعتبر عدداً معلوماً يقطع عليه؛ لأنه فوَّض

الجزء: 2 - الصفحة: 44

ذلك إلى علم غلامه.
ولأنه لما جاز الجمع بين الصلاتين، وهما شفع، كذلك جاز الجمع بين أسبوعين، وهما شفع.
ووجه الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قطع على وتر، وهو الثلاث، فدل على أنه أفضل.
ولأن عدد الطواف وتر فاستحب له أن يقطع على وتر.

  • ... * ... *

112 -

مسألة

إذا أخر طواف الزيارة إلى أيام التشريق لم يلزمه شيءٌ:

نص عليه فى رواية ابن منصور: وذكر له سفيان: إذا أخر الطواف إلى الإفاضة يهريق دماً، قال أحمد: ليس بشيء.
وكذلك نقل حرب عنه في من نسي طواف الزيارة حتى رجع إلى بلده: رجع إلى مكة، وطاف طواف الزيارة، وليس عليه دم.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا أخره إلى اليوم الثالث من أيام التشريق وجب عليه دم.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
ولم يقدره بوقت فوجب أن يجوز فعله كل وقت، إلا ما أجمعوا

الحديث: 112 - الجزء: 2 - الصفحة: 45

على المنع منه، وإذا ثبت جواز فعله في كل وقت لم يجب الدم عليه.
فإن قيل: فالآية حجة لنا؛ لأنه أمر بالطواف، والأمر على الفور، فلو خلينا والظاهر لم يجز فعله في اليوم الثالث.
قيل له: قد ثبت بالإجماع أن هذا الأمر ليس على الفور؛ لجواز تأخيره عن أول وقته أياماً، فسقط السؤال.
وأيضاً فإنه ركن أخره عن وقت الاختيار إلى وقت الجواز، فوجب أن لا يتعلق به دم قياساً على من لم يقف بعرفة نهاراً، ووقف ليلاً؛ فإنه يجزئه، ولا دم عليه.
ولا يلزم عليه تأخير صيام دم المتعة عن وقته أنه يجب به دم؛ لقولنا: ركن، وذلك الصوم ليس بركن.
فإن قيل: لنا في الوقوف بعرفة مثل ما للمخالف؛ لأنه مؤقت، فيجب أن يكون الطواف مؤقتاً.
قيل له: الوقوف لما لم يصح فعله بعد خروج وقته؛ لهذا كان مؤقتاً، كالرمي، وهذا لما صح فعله بعد خروج وقته، دل على أنه غير مؤقت.
وقياس آخر، وهو: أن بعد الأيام الثلاثة وقت يجوز فيه الطواف، فوجب أن لا يجب بتأخير فعله دم قياساً عليه إذا أخره عن يوم النحر إلى اليوم الأول والثاني من أيام التشريق.
ولا يلزم عليه صوم دم المتعة إذا أخره أنه يجب به دم؛ لقولنا: وقت يجوز فيه الطواف، فلم يجب بتأخيره دم.

الجزء: 2 - الصفحة: 46

فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يؤخره عن وقته، وهذا قد أخره عن وقته.
قيل له: لا نسلم أنه مؤقت حتى يكون أخره عن وقته.
ولأنه نسك أخره إلى وقت جواز فعله، فلم يلزمه دم.
دليله: السعي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]. فأباح النفر في اليومين، وهو اليوم الثاني والثالث من أيام النحر، ومعلوم أنه لا يجوز له النفر قبل الطواف، فثبت أنه مؤقت بهذه الأيام.
والجواب: أنه لا دلالة في هذا على تخصيص الطواف بهذه الأيام، وإنما فيها بيان جواز التعجيل وترك الرمي في اليوم الثالث، وانه لا حرج عليه.
واحتج بأن الطواف نسك يجب فعله في الإحرام، فوجب أن يكون مؤقتاً، كالوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار، وإذا ثبت أنه مؤقت ثبت بتأخيره عن وقته وجوب دم؛ لأن أحداً لا يفصل بينهما.
والجواب: أن قولك: (يجب فعله في الإحرام) لا تأثير له؛ لأن الرمي مؤقت، وليس في الإحرام.
ثم المعنى في الوقوف والرمي: لما كان مؤقتاً لم يصح فعله بعده،

الجزء: 2 - الصفحة: 47

فلو كان الطواف مؤقتاً لم يصح بعده أيضاً، ولما صح فعل الطواف بعده، دل على أنه غير مؤقت، كالسعي.
فإن قيل: أليس قد قلتم: إنه إذا أخر هدي المتعة أو بدله - الذي هو الصوم - حتى خرجت أيام الحج، كان عليه دم التأخير؟ فيجب أن تقولوا كذلك في مسألتنا.
قيل له: ولم كان كذلك؟ وما أنكرت أن لا يجب عليه دم، كما لم يجب بتأخير السعي والوقوف؟ وعلى أن لنا في ذلك روايتين، وكذلك في تأخير الحلاق روايتان، وتتخرج في الطواف روايتان.
والصحيح عندي في الطواف إذا أخره، وفي الحلاق، وفي هدي التمتع، وفي بدله الذي هو الصوم: أنه لا يجب بتأخير ذلك دم.

  • ... * ... *

113 -

مسألة

أول وقت طواف الزيارة إذا مضى النصف الأول من ليلة النحر، وذلك مبنى على رمي جمرة العقبة؛ يجوز في النصف الثاني:

نص عليه فى رواية حرب وحنبل:

الحديث: 113 - الجزء: 2 - الصفحة: 48

وقد قال في رواية حرب: إذا خرج من المزدلفة نصف الليل، فأتى مني وعليه ليل، فرمى الجمار: أرجو أن لا يكون به بأس.
فقيل له: فإن مضى من ليلته حتى أتى مكة، فطاف طواف الزيارة قبل أن يطلع الفجر؟ فقال: لا يمكنه أن يأتي مكة وعليه ليل؛ لأنه لا يجوز أن يخرج من جمع حتى يغيب القمر، فلا يمكنه أن يأتي مكة بليل.
وليس هذا منه على أنه لا يعتد بطوافه، وإنما خرج هذا منه على غالب الحال، ولأنه لا يتسع له الزمان، فإن اتسع له بأن يكون خرج في أول النصف الثاني، فطاف بعد الرمي أجزأه؛ لأنه لا يجوز له الدفع منها قبل نصف الليل.
نص عليه في رواية حرب - أيضاً - في الإفاضة من جمع بليل من غير عذر: أرجو؛ إلا أنه في وجه السحر، أو آخر الليل.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: أول وقت الطواف إذا طلع الفجر الثاني.
والكلام معه في هذه المسألة مبني على أنه يجوز رمي جمرة العقبة في النصف الثاني من ليلة النحر، وكل وقت صح فيه الرمي صح فيه الطواف.
دليله: يوم النحر.

الجزء: 2 - الصفحة: 49

وعنده لا يجوز الرمي، والكلام معه يأتي في ذلك، إن شاء الله.
ويُبنى أيضاً على أصل آخر، وهو جواز الدفع من المزدلفة في هذا الوقت، وكل وقت جاز الدفع فيه جاز الطواف فيه.
دليله: بعد الفجر.
وعنده لا يجوز الدفع لغير المعذور، والكلام عليه يأتي، إن شاء الله.
وندل على المسألة من غير بناء، فنقول: طاف بعد نصف الليل من ليلة النحر، فأجزأه.
دليله: إذا طاف بعد طلوع الفجر.
واحتج المخالف بأن ما قبل طلوع الفجر وقت للوقوف بعرفة، فلم يكن وقتاً للطواف.
دليله: النصف الأول.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون وقت نسك وقتاً لنسك آخر، كما كان وقت الوقوف وقتاً للإحرام، ووقت الرمي وقتاً للطواف.
وعلى أنه لا يجوز اعتبار النصف الأول بالثاني من الليل، كما لم يجز اعتبار النصف الأول من النهار بالنصف الثاني منه في الرمي في أيام التشريق؛ لأنه يجوز في النصف الثاني، ولا يجوز في الأول.
وعلى أن النصف الأول لا يجوز الدفع فيه، فبان الفرق بينهما.
واحتج بأنه لو جاز الطواف في النصف الأخير، لوجب أن يصح

الجزء: 2 - الصفحة: 50

أداء حجتين في عام واحد؛ لأنه يرمي ويطوف ويسعى في النصف الأخير من ليلة النحر، ثم يحرم بحجة أخرى، ويقف بعرفة قبل طلوع الفجر، ويمضي فيها، فيكون قد حج حجتين، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز في عام واحد إلا حجة واحدة، فكان قولكم مخالف للإجماع.
والجواب: أنه لا يجوز أن يحرم بحجة أخرى، فإن كان قد رمى وطاف وسعى، وقد نص أحمد في رواية أبي طالب في من قال: (لبيك بحجتين): ليس عليه إلا حجة، لا يكون إهلال بشيئين.
فإن قيل: فإن لم تقولوا بجواز حجتين في عام واحد لزمكم أن تقولوا به؛ لأنه إذا تحلل من إحرامه، وخرج منه، لم يكن لمنعه من الإحرام مع بقاء وقته معنى.
قيل له: الرمي المستحق عليه بالإحرام السابق يمنع من إحرام آخر؛ لأنه عمل واجب بالإحرام السابق، فلا يجوز مع بقائه أن يحرم بغيره.
وقد قيل: يجوز حجتان في سنة واحدة في مسألة، وهو: أن يفسد حجه، ثم يحصر، فيتحلل بالهدي، ثم يزول الإحصار، وقد بقي وقت الإحرام، فيحرم بالحج، فيقضي ما أفسده في سنته، ولا يكون هذا إلا في هذه المسألة.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 51

114 -

مسألة

طواف الزيارة يفتقر إلى تعيين نية الفرض، فإن طاف بنية التطوع بعد دخول وقته، أو طاف للوداع، لم يقع عن طواف الزيارة:

نص عليه في مواضع: فقال في رواية أبي طالب في من نسى طواف الزيارة، وكان قد طاف تطوعاً: فلا حتى يطوف، لا تجزئ نافلة عن فرض.
وقال - أيضاً - في رواية ابن إبراهيم: إذا نسى طواف الزيارة، وطاف طواف الصدر، لا يجزئ؟ كيف يجزئه التطوع من الفرض، لا يجزئه حتى يطوف طواف الزيارة.
وقال - أيضاً - في رواية ابن منصور في رجل نسى طواف الإفاضة حتى رجع إلى بلاده: فلا بد أن يرجع إلى البيت يعتمر، فإن كان قد طاف طواف الوداع لم يجزئه من الإفاضة إلا أن ينوي ذاك.
وقال في موضع آخر: وذكر له سفيان في من طاف يوم النحر لم ينو طواف الزيارة: يجزئه منه، فقال: معاذ الله! لا يجزئه إلا بالنية.
وكذلك نقل المروذي عنه في من نسى طواف الزيارة، فطاف طواف الصدر: لا يجزئه، كيف يجزئ التطوع عن الفرض.
فقد نص على نفس النية.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يفتقر إلى تعيين النية، فإن

الحديث: 114 - الجزء: 2 - الصفحة: 52

نوى الطواف مطلقاً، أو طاف بنية الوداع، ونوى تطوعاً، انصرف إلى طواف الزيارة.
دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى".
وهذا لم ينو الطواف الواجب، فيجب أن لا يجزئه.
ولأنها عبادة واجبة متعلقة بالبيت، فافتقرت إلى تعيين النية.
دليله: صلاة الفرض.
ولا يلزم عليه الإحرام والوقوف والسعي؛ لأن ذلك لا يتعلق بالبيت.
واحتج المخالف بأن الطواف ركن من أركان الحج، فلم يفتقر إلى نية التعيين.
دليله: الإحرام والوقوف.
والجواب: أن ذلك الركن لا يتعلق بالبيت، وليس كذلك هاهنا؛ لأنها عبادة واجبة متعلقة بالبيت، أشبه بالصلاة؛ لأن الوقوف لا يفتقر إلى النية أصلاً؛ لأنه لو اجتاز بعرفة غير ناوٍ أجزأه، ولو طاف حول البيت في طلب صيد، أو غريم له، لا يقصد الطواف، لم يجزئه، فبان الفرق.
فإن ارتكب بعضهم، ومنع من إيجاب النية في الجملة، دللت

الجزء: 2 - الصفحة: 53

عليه بأن الطواف عبادة تفعل في حال النسك، وينتفل بها في حال غير النسك، فافتقرت إلى النية.
دليله: ركعتا الطواف.
فإن قيل: لو نوى الإحرام التطوع وقع عن فرضه، كان يجب في الطواف مثله.
قيل: لا يجب مثل هذا؛ لأن الإحرام لا يتعلق بالبيت، وهذا يتعلق بالبيت، فهو كالصلاة.
وعلى أنا حكينا عن أحمد رواية فيما تقدم: إذا أحرم بنية التطوع لا يجزئه عن الفرض كالطواف سواء.

  • ... * ... *

115 -

مسألة

السعي ركن في الحج، لا ينوب عنه دم في أصح الروايتين:

رواها الأثرم عنه في من انصرف، ولم يسع: يرجع فيسعى، وإلا فلا حج له.
وقال في رواية ابن منصور: إذا بدأ بالصفا والمروة قبل البيت لا يجزئه.
وبه قال مالك والشافعي.
وفيه رواية أخرى: ليس بركن.

الحديث: 115 - الجزء: 2 - الصفحة: 54

نص عليه في رواية أبي طالب والميموني وحرب: فقال في رواية أبي طالب في من نسى السعي بين الصفا والمروة، أو تركه عامداً: فلا ينبغي له أن يتركه، أرجو أن لا يكون عليه شيء.
وقال في رواية الميموني: السعي بين الصفا والمروة تطوع، والحاج والقارن والمتمتع عنه واحداً إذا طافوا، ولم يسعوا.
وقال في رواية حرب في من نسى السعي بين الصفا والمروة حتى أتى منزله: لا شيء عليه.
وبهذا قال أبو حنيفة؛ إلا أن أبا حنيفة يقول: يجب بتركه دم، وعلى هذه الرواية: لا دم عليه.
وجه الرواية الأولى: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن صفية بنت شيبة أنها قالت: أخبرتني حبيبة بنت أبي تجراة؛ إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: نظرت إلى رسول صلى الله عليه وسلّم، وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي حتى لأقول: إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: "اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي".
ومنه أدلة:

الجزء: 2 - الصفحة: 55

أحدها: أنه فعل السعي، وقال: "خذوا عني مناسككم".
الثاني: قوله: "اسعوا"، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
والثالث: قوله: "فإن الله كتب عليكم السعي" إخبار عن إيجاب الله تعالى؛ لأنه لا فرق أن يقول: قال الله: أوجبت عليكم، وبين أن يقول: كتب الله عليكم.
فإن قيل: الخبر يدل على الوجوب، ونحن نقول بموجبه، وليس فيه: أن الدم لا ينوب عنه.
قيل له: إذا ثبت وجوده اقتضى إيجاده؛ لأن ما أوجبه الشرع اقتضى إيجاده إلى أن يدل الدليل على أن غيره يقوم مقامه.
والقياس: أنه نسك يدخل في الحج والعمرة، فوجب أن لا ينوب عنه الدم.
أصله: الطواف والإحرام.
ولا يلزم عليه الحلاق؛ لأنه لا ينوب عنه الدم، ولا يتحلل إلا بالحلق أو التقصير على الصحيح من الروايتين، وقد حكيناه فيما تقدم.
ولا تلزم عليه التلبية؛ لأن الدم لا ينوب عنهما، وإنما يدخل الحلاق والتلبية على من جعل حكم العلة أن يكون ركناً، وذلك ليس بركن.

الجزء: 2 - الصفحة: 56

فإن قيل: ذكر الطحاوي في "اختلاف الفقهاء" عن محمد أنه قال: إذا وقف بعرفة، ثم حضرته الوفاة، فأوصى أن يتم عنه حجه؛ فإنه يذبح عنه للمزدلفة دم، ولرمي الجمار دم، وللحلق دم، ولطواف الزيارة بدنة، ولطواف الصدر دم.
قيل له: الدم لا يقوم مقام الطواف مع القدرة على فعله.
فإذا قلنا في حكم العلة هكذا لم يصح ما قاله.
وقد ذكر في هذا المهنى عبارات لا تأثير لها، منها أنها عبادة مبنية على تكرار المشي، أشبه الطواف.
أو مشي يتكرر فعله من بقاع الحرم.
أو سعي مشروع يتضمن رملاً ومشياً، فلا ينوب عنه الدم، كالطواف.
وإنما لم يؤثر ذلك؛ لأن ما كان مبيناً على التكرار، وما لم يتكرر، سواء في أن الدم، لا ينوب عنه، كالوقوف والإحرام.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]. فأثبته حاجاً ومعتمراً قبل السعي؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ يقتضي: فمن فرغ من الحج، فلو كان السعي ركناً لما أثبت له الحج والعمرة قبل وجوده.
والجواب: أن هذا لا يدل على ما قاله؛ لأن من قال: من صلى

الجزء: 2 - الصفحة: 57

فليقرأ فيها بفاتحة الكتاب، أو فليقرأ فيها من القرآن، لا يدل على أن الصلاة تخلو من القرآن.
قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا" لا يدل على أن استقبال القبلة ليس منها، وأنه يجوز خلو الصلاة منه.
فإن قيل: فقول القائل: لا جناح عليك في فعل كذا، يقتضي إباحته.
قيل له: الظاهر يقتضي كون الشيء مباحاً، وقد أجمعنا على خلافه؛ لأنه عنده واجب، وعندنا شرط.
وعلى أن هذا ورد على سبب، وهو أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بين الصفا والمروة تقرباً إلى صنمين، كان أحدهما على الصفا، والآخر على المروة، ويسمى أحدهما إساف، أو إيساف، والآخر نائلة، فتحرج المسلمون من ذلك؛ لما فيه من التشبه بفعل الجاهلية، فأنزل الله - تعالى - أنه لا حرج في التشبه بالذي تفعل الجاهلية، وكان ذلك راجعاً إلى هذا المعنى دون فعل السعي.
واحتج بأنه نسك مخصوص بالحرم كالجمار.
ولا يلزم عليه الإحرام؛ لأنه غير مخصوص بالحرم، وكذلك الوقوف بعرفة لا يحصل في الحرم.

الجزء: 2 - الصفحة: 58

ولا يلزمه عليه الطواف؛ لأنه يجوز أن يقدم الدم مقامه؛ لأن الطحاوي ذكر في "اختلاف الفقهاء" عن محمد: إذا وقف بعرفة، ثم حضرته الوفاة، تُذبح عنه بدنة للطواف.
ولا يلزم عليه ركعتا الطواف؛ لأنهما غير مخصوصين بالحرم، فلم يجز أن يقوم الدم مقامهما.
والجواب: أن العلة منتقضة بالطواف؛ فإنه يختص الحرم، ولا يقوم الدم مقامه مع القدرة عليه.
والذي ذكره محمد إنما هو عند عدم القدرة، ومسألة الخلاف في قيام الدم مقامه مع قدرته على السعي، ولا يجوز ذلك.
ولأن قياس السعي على الطواف أولى من قياسه على الوقوف بالمشعر والرمي؛ لأنه من جنس الطواف.
ولأن السعي آكد منهما؛ لأنه يفعل في الحج والعمرة، فهو كالطواف.
واحتج بأن السعي نسك، ولا يجوز أن يكون بانفراده مقصوداً بالإحرام، فوجب أن يكون من توابع الإحرام.
دليله: الوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار.
ولا يلزم عليه الوقوف؛ لأنه يجوز أن يكون بانفراده مقصوداً بالإحرام، وهو أنه إذا أحرم ووقف بعرفات، ثم مات: أن حجه تام، ولا يقضي عنه، ويقوم مقام الثاني دم.

الجزء: 2 - الصفحة: 59

ولا يلزم عليه الطواف؛ لأنه يجوز أن يكون بانفراده مقصوداً بالإحرام بدليل أنه لو طاف للزيارة جُنباً، وعاد إلى أهله، حل له النساء، وعليه أن يعود إلى مكة، فيعيد، فإن عاد إليه بإحرام جديد، ولم يلزمه الإحرام عند الطواف الذي قصده بإحرامه، وكذلك إذا أحرم بعمرة، وترك السعي، أجزأه، وناب عنه دم.
والجواب: أن الركوع لا يكون بانفراده مقصوداً بالإحرام، ومع هذا فليس من توابع التحريمة.
وعلى أن الرمي والوقوف بالمزدلفة إنما كانا من توابع الإحرام؛ لأنهما يسقطان بسقوط الوقوف، ألا ترى أن العمرة لما لم يكن فيها وقوف لم يكن فيها رمي، ووقوف المزدلفة؟ ومن فاته الحج، لما سقط عنه الوقوف، سقط عنه الرمي، وليس كذلك السعي؛ لأنه لا يسقط بسقوط الوقوف.
فإن قيل: ركعتا الطواف لا تسقطان بسقوط الطواف، ومع هذا لا خلاف انها من توابعه.
قيل له: يسقطان بسقوط الطواف، ألا ترى لو أنه حُصر بعد الوقوف، سقط عنه الطواف وركعتاه.
واحتج بأن السعي تبع للطواف بدلالة أن من طاف جاز له أن يسعى عقيبه، ومن لم يطف لم يجز له ذلك، وإن كان في وقت السعي موجوداً، وإذا كان كذلك أشبه رمي الجمار.

الجزء: 2 - الصفحة: 60

والجواب: أنا لا نسلم: أن السعي تابع للطواف، وإنما هو فرض مقصود، كالطواف، ولهذا نقول: إن بقاء السعي يمنع من استباحة النساء، كما يمنع بقاء الطواف.
وقد نص على هذا في رواية أبي طالب في معتمر طاف، فواقع أهله قبل أن يسعى: فسدت عمرته، وعليه مكانها، ولو طاف وسعى، ثم وطئ قبل أن يحلق، أو يقصر، فعليه دم، إنما العمرة الطواف والسعي والحلاق.
وكونه مرتباً عليه لا يمنع كونه مقصوداً، كترتيب السجود على الركوع، وكل واحد منهما فرض مقصود.
فإن قيل: إنما كان كذلك؛ لأن القيام يجوز أن ينفرد عن الركوع، وهو في صلاة الجنازة، والركوع يثبت حكمه من غير تقدم القيام له، وهو الركوع والسجود والتلاوة، والسجود ثبت حكمه من غير ركوع تقدم، وهو سجود التلاوة، فإذا جاز أن ينفرد أحدهما عن الإحرام لم يكن تبعاً، والسعي لا ينفرد عن الطواف.
قيل له: السجود لا يجوز أن ينفرد عن الركوع في صلاة الفرض مع القدرة عليه، ومع هذا فليس بتبع له.
واحتج بأنه نسك يتكرر، ولا تعلق له بالبيت، فوجب أن لا يكون ركناً، ويكون تابعاً، كرمي الجمار.
والجواب: أن هذا الوصف لا تأثير له عند الخالف؛ لأن الوقوف

الجزء: 2 - الصفحة: 61

بالمزدلفة في النصف الثاني لا يتكرر، ولا يختص البيت، وليس بركن.
على أن المعنى في الأصل: ما تقدم.
واحتج بأن السعي لو كان ركناً لكان مؤقتاً، كالطواف والوقوف.
والجواب: أنه يبطل بالإحرام؛ فإنه ركن، وليس بمؤقت، والرمي مؤقت، وليس بركن، فلم يكن لهذا المعنى تأثيراً.
واحتج بأنه لو كان ركناً لكان من جنسه ما ليس بركن، كالطواف والوقوف؛ فإن من جنس الطواف ما ليس بركن، وهو طواف الصدر، ومن جنس الوقوف ما ليس بركن، وهو الوقوف بالمزدلفة.
والجواب: أن الإحرام ركن، وليس من جنسه ما ليس بركن، والركوع والسجود والقراءة والقيام في الصلاة أركان، وليس للركوع والسجود من جنسهما ما ليس بركن، وهو القراءة المستحبة، والقيام بعد الركوع.

  • فصل: فإن قلنا: ليس بركن، لم يجب بتركه دم خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يجب الدم.
    والدلالة عليه: أنه يترتب على الطواف، فلم يجب بتركه دم، كركعتي الطواف.
    ولأنه سعي مشروع يتضمن رملاً ومشياً، فلا يجب بتركه دم.
    دليله: طواف القدوم.

الجزء: 2 - الصفحة: 62

واحتج المخالف بأنه من توابع الوقوف بدليل أنه يسقط بفواته، كما أن الوقوف بمزدلفة ورمي الجمار من توابع الوقوف؛ لأنه يسقط بفواته، ثم وجب الدم بترك المبيت والرمي، كذلك السعي.
والجواب: أنه يلزم عليه ركعتا الطواف.
وأما الوقوف والرمي فإلحاق السعي بركعتي الطواف، وطواف القدوم قائم بنفسه.

  • ... * ... *

116 -

مسألة

يكفي القارن طواف واحد وسعي واحد لهما في أصح الروايتين:

رواها الأثرم وحنبل وابن إبراهيم وابن منصور وأبو طالب والمروذي وابن القاسم: فقال في رواية الأثرم: والقارن يجزئه طواف واحد وسعي واحد، والمتمتع طوافان وسعيان.
وقال في رواية حنبل: وقد سُئل عن القارن: كم يطوف ويسعى بين الصفا والمروة؟ فقال: يجزئه طواف واحد إذا دخل بالحج والعمرة، فإن دخل متمتعاً بعمرة، ثم حج، فأرى أن يسعى سعياً للعمرة، وسعياً للحج.
وقال في رواية ابن إبراهيم: وقد سأله عن القارن: يجزئه طواف

الحديث: 116 - الجزء: 2 - الصفحة: 63

واحد، وسعي واحد؟ قال: يجزئه.
وقال في رواية ابن منصور: وذُكر له قول سفيان عن رجل أهل بالحج والعمرة، فقرن بين الطواف، والسعي بين الصفا والمروة: يعيد.
قال أحمد: طواف واحد يجزئه، ولم ير ما قاله سفيان.
وقال أبو طالب: سألته عن حديث عائشة لما حاضت: كيف تصنع مثلها؟ قال: لما دخلت بعمرة حاضت بعد ما أهلت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أمسكي عن العُمرة، وأهلي بالحج"، فهذه شُبهت بالقارن، فتذهب، فتقضي المناسك كلها، فإن كان يوم النحر جاءت إلى مكة، وطافت بالبيت، وسعت بين الصفا والمروة.
قيل له: طواف واحد؟ قال: نعم، طواف واحد يجزئ القارن، وهذه يجزئها طواف واحد.
وقال المروذي: قال أبو عبد الله: إن شاء القارن طاف طوافاً واحداً.
وقال في رواية ابن القاسم: القارن يجزئه طواف واحد.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وفيه رواية أخرى: لا يجزئ القارن عن عمرته، بل تجب عليه عمرة مفردة.
نص عليه في رواية الأثرم في القارن: ليس فيه شك أنه لا يجزئه قرانه مع عمرته، وهو بين في حديث عائشة، وإنما تكون العمرة تجزئ؛ لأنه يجيء به مفرداً بعمرة، فيكون قد أنشأ لها سفراً.

الجزء: 2 - الصفحة: 64

وكذلك قال في رواية بكر بن محمد في من يهل بحجة وعمرة: أخاف أن لا يجزئه من العمرة الواجبة.
وكذلك قال في رواية أبي طالب: ومن قرن لم تجزئه عمرته؛ لأنهما أمر واحد.
وهو اختيار أبي بكر وأبي حفص.
وقال أبو حفص: والذي عندي: أن القرآن لا يسقط فرض العمرة؛ لأنه لم يجيء بها مجردة.
وقال أبو حنيفة: يطوف طوافين، ويسعى سعيين.
وقد أجزأه لهما - على قوله: يجزئه ذلك - بإحرام واحد.
وعلى ما نقله الأثرم وبكر وأبو طالب: لا يجزئه حتى يفرد لهما إحراماً.
وجه الرواية الأولى - وهو اختيار الخرقي-: ما روى أحمد في "المسند" قال: نا أحمد بن عبد الملك الحراني قال: نا الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "من قرن بين حجته وعمرته، أجزأه لهما طواف واحد".
وروى أبو الحسن الدارقطني في لفظ آخر قال: "من أحرم بالحجِّ

الجزء: 2 - الصفحة: 65

والعمرة أجزأه طواف واحد، وسعي واحد، ولا يحل من واحد منهما حتى يحل منهما".
وفي لفظ آخر: "من أهل بالحج والعُمرة".
فإن قيل: قوله: "من جمع بين الحج والعمرة" يقتضي ظاهره: من جمع بين أفعالهما؛ لأن الحج والعمرة عبارة عن الأفعال، ونحن نقول: من فرغ منهما، وأتى بأفعالهما، كفاه لهما طواف واحد للصدر.
قيل له: طواف الوداع ليس بسعي، والخبر يقتضي طواف يعقبه سعي، وليس هذا للصدر.
على أن السعي لا يجزئ عنهما عند المخالف بحال، والخبر يقتضي أن السعي عنهما، فلو سلم التأويل في الطواف، فلا يسلم في السعي.
ولأن طواف الصدر لا يكون لهما؛ لأن العمرة ليس لها طواف الصدر.
فإن قيل: قد يجوز أن يقول: لهما، ويريد به: لأحدهما، كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22]، وأراد به: من أحدهما.
قيل له: هذا مجاز.

الجزء: 2 - الصفحة: 66

فإن قيل: نحمله على طواف القدوم؛ فإنه إذا قدم، كفاه طواف واحد للقدوم، فيكون عنهما.
قيل له: طواف القدوم ليس معه شيء، فلا يجوز أن يكون المراد به ذلك.
ولأن طواف القدوم لا يكون لهما؛ لأن العمرة ليس لها طواف قدوم، ألا ترى أنه لو أفرد العمرة لم يطف لها للقدوم.
وعلى أن لفظة (الإجزاء) إنما تستعمل فيما كان واجباً، وطواف القدوم غير واجب.
وأيضاً ما روي عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لها: "طوافك بالبيت، وسعيك بين الصفا والمروة، يكفيك لحجك وعُمرتك".
فإن قيل: خلافنا في القارن، وعائشة لم تكن قارنة، وإنما كانت مفردة، يدلك على صحة ذلك ما روي: أنها أحرمت بعمرة، فحاضت، فلم يمكنها أن تطوف بالبيت، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلّم: "انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة، وأهلي بالحج".
وفي بعض الألفاظ: "ارفضي العمرة، وأهلي بالحج".

الجزء: 2 - الصفحة: 67

قيل له: عائشة كانت قارنة بدليل قوله: "طوافك بالبيت، وسعيك بين الصفا والمروة، يكفيك لحجك وعمرتك".
وهذا يدل على أنها كانت محرمة بالحج والعمرة، وأن طوافها كان واقعاً عنهما.
وأما قوله: "انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة، وأهلي بالحج"، فلا حُجة فيه؛ لأنه يجوز للمحرمة أن تنقض شعرها، وتمتشط وترفق حتى لا تنتف شيئاً من الشعر.
وقوله: "وأهلي بالحج"؛ لتصيري قارنة بإدخال الحج على العمرة.
وأما قوله: "ارفضي العمرة، وأهلي بالحج" فمعناه: ارفضي أعمال عمرتك، وأهلي بالحج؛ لتصيري قارنة؛ لأنها لو أقامت على إحرام العمة حتى تطهر، ثم تطوف، ثم تحرم بالحج، فاتها الحج لضيق وقته، فأمرها بإدخال الحج على العمرة؛ لتفعل جميع المناسك؛ لأن الحائض لا ينافيها إلا الطواف.
فإن قيل: لا يجوز أن تحمل قوله: "ارفضي عمرتك" على الأفعال؛ لأنه روي في الخبر ما يمنع هذا، وهو أنها قالت حين فرغت من الحج: أو كل نسائك يرجعن بنسكين، وأنا أرجع بنسك واحد؟ وروي أنها قالت: أترجع صواحبي بحج وعمرة، وأرجع أنا بحج؟

الجزء: 2 - الصفحة: 68

فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر؛ ليُعمرها من التنعيم، فلما فرغت من العمرة قال: "هذه عمرة مكان عمرتك"؛ لأنها مضت في حجها وعمرتها.
قيل له: معناه عندنا: أنهن يرجعن بحج وعمرة مفردين، وأنا أرجع بالقران، واعتقدت أن الإفراد أفضل من القران، والتمتع أفضل من القران إذ كن متمتعات، وهذا مذهب أحمد.
فإن قيل: نحمل قوله: "طوافك يكفيك لحجك وعمرتك" أراد به: يكفيك لحجك وعمرتك المرفوضة.
وأفاد بذلك أنه لا يجب عليها أن تتحلل من العمرة بالطواف.
قيل له: الحجة المرفوضة ليس فيها طواف: وقوله: "يكفيك" يقتضي أن يكون هناك طواف واجب تقع الكفاية عنه بهذا الطواف الواحد.
فإن قيل: لو سلمنا أنها كانت قارنة لم يكن فيها دلالة على موضع الخلاف؛ لأن قوله: "طوافك بالبيت" لا يقتضي طوافاً واحداً، ويحتمل أن يريد به: طوافك لكل واحد منهما.
قيل له: لا يصح هذا؛ لأن قوله: "طوافك" يقتضي ما يقع عليه اسم الطواف؛ لأن قوله: "طواف" يقتضي طوافاً واحداً، فإذا أضاف الطواف إليها لم يُفد زيادة العدد، وإنما يفيد تعريف الفعل، وهو فعل المضاف إليه، فيجب أن يكون طوافها الواحد يجزئها لحجها وعمرتها؛

الجزء: 2 - الصفحة: 69

لأنها لو كان المراد به: أكثر من طواف واحد، وسعي واحد، لم يكن للبيان فائدة؛ لأنه لا يشكل ذلك على أحد؛ فإنه لا يشكل أن يكون في حال القران يصير الطواف ثلاثاً، وإن كان هذا لا يشكل، لم يكن لهذا البيان فائدة.
ولأن أبا الحسن الدارقطني روى بإسناده عن عبد الله بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لعائشة: "يكفيك طوافك الأول لحجك وعمرتك"؛ يعني: طواف الزيارة؛ لأنها لم تكن طافت طواف القدوم؛ لأنها حاضت بسرف، وقدمت مكة وهي حائض، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلّم أن تُهل، وتصنع ما يصنع الحج غير أنها لا تطوف بالبيت، فكام أول طوافها طواف الزيارة.
ولا يصح أن يحتج في هذه المسألة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "دخلت العمرة في الحج"؛ لأن أحمد حمل ذلك على دخول وقتها في الحج، ولم يحمله على دخول الأفعال.
قال في رواية عبد الله وابن منصور: لا بأس بالعمرة في أشهر الحج، قال النبي صلى الله عليه وسلّم"دخلت العمرة في الحج".
والقياس: أن الطواف والسعي نسك يدخل في الحج والعمرة، فوجب أن يقتصر القارن على واحد منهما، كالحلق.

الجزء: 2 - الصفحة: 70

فإن قيل: هذا باطل بالإحرام والتلبية؛ فإن كل واحد منهما نسك في الحج والعمرة، ولا يقتصر في القران على واحد منهما؛ لأنه يحتاج إلى نيتين في القران وتلبيتين، فيقول: لبيك بحجة وعمرة.
قيل له: لا يلزم؛ لأن من أحرم بالحج، فيحتاج أن ينوي فيه الحج، وهذه النية لا تكون في العمرة، وكذلك نية العمرة لا تكون في الحج، فإذا جمع بينهما احتاج أن يأتي بالنيتين جميعاً، فلا يدخل على ما قلنا؛ لأننا عللنا النسك الذي يكون في الحج والعمرة معاً.
وكذلك التلبية؛ من أحرم بالحج؛ فإنه يقول: لبيك بالحج، وذكر الحج لا يأتي به في العمرة، وذكر العمرة لا يأتي به في الحج، وقوله: (لبيك) يأتي به في الحج والعمرة معاً، ويقتصر في القران على واحد؛ لأنه لا يحتاج أن يقول: لبيك بالحج، ثم يقول: لبيك بالعمرة.
فإن قيل: جواز الاقتصار على حلق واحد في حال الجمع، لا يوجب الاقتصار على طواف واحد وسعي واحد، كما لم يوجب الاقتصار على نية واحدة.
قيل له: نية الحج مخالفة لنية العمرة، كنية صلاة الظهر مخالفة لنية صلاة العصر، فلم يتداخلا، وليس كذلك طواف الحج وطواف العمرة؛ لأنهما على صفة واحدة، فهما كالحلق لهما، فتداخلا، كما تداخل الحلق.

الجزء: 2 - الصفحة: 71

فإن قيل: الحلق غير مقصود في نفسه، إنما هو موضوع للخروج منه، فيجوز أن يختلف حكمه في حال الجمع، وحال الإفراد، ولا يوجب ذلك اختلاف حكم الأفعال المقصودة بالإحرام في الحالتين، ألا ترى أنه يقتصر في حال الجمع بين أربع ركعات في التطوع على سلام واحد، ولا يقتصر عليه في حال الإفراد، بل لكل ركعتين منهما ما يوجب ذلك اختلاف حكم القيام والقعود والركوع والسجود في حال الجمع والإفراد، كذلك هذا.
قيل له: أربع ركعات فأكثر عبادة واحدة، والإحرام بها واحد، فكان السلام في آخرها واحداً، وليس كذلك القارن؛ فإنه متلبس بعبادتين، محرم بهما جميعاً، تحتاج كل واحدة منهما إلى إحرام، وتحلل من الإحرام، وقد جاز الاقتصار على إحديهما، كذلك في مسألتنا.
فإن قيل: الحق موضوع للإحلال، وبقاء إحرام الحج بعد الفراغ من عمل العمرة يمنعه من الإحلال، فلم يجز له أن يحلق في هذه الحال، وإذا استوفى فروض الحج، وحلق، حل من إحرامه، فاستحال إيجاب حلق آخر عليه، وليس كذلك الطواف؛ لأن بقاء إحرام الحج عليه لا يمنعه من الطواف، فجاز أن يجب عليه طواف العمرة؛ لوجود السبب الموجب له، وطواف آخر للحج.
قيل له: فكان يجب أن يحلق حلقين في يوم النحر؛ أحدهما عن

الجزء: 2 - الصفحة: 72

العمرة، والآخر عن الحج؛ لأنه ليس هناك مانع، والحلق عنده يتقدر بربع الرأس، فيمكنه الإتيان بحلقين، ومع هذا فلا يجب عنده، فسقط هذا.
وعلى أن بقاء إحرام الحج لا يمنع غسل ثاني، وتلبية ثانية، ومع هذا لا يتداخلان.
وقياس آخر، وهو: أن القارن يكفيه حلق واحد، فيجب أن يكفيه طواف واحد وسعي واحد قياساً على المفرد بالحج والعمرة.
فإن قيل: المفرد محرم بنسك واحد، والقارن محرم بنسكين.
قيل: هذا لا يوجب الفرق بينهما في باب الطواف والسعي، كما لم يوجب الفرق بينهما في باب الحلاق.
وقياس آخر، وهو: أن الحج والعمرة عبادتان من جنس واحد، فإذا اجتمعا وجب أن تدخل الصغرى في الكبرى، ويسقط عمل الصغرى، كالمحدث إذا أجنب يدخل الوضوء في الغسل.
فإن قيل: يقتصر في الغسل على نية واحدة، والقارن يحتاج إلى نيتين.
قيل له: وكذلك الغسل عندنا يحتاج فيه إلى نيتين؛ إحداهما للكبرى، والأخرى للصغرى، كالقارن سواء.
وعلى أنه لا يمتنع أن لا يتداخلا في النية، ويتداخلا في الطواف والسعي، كما تداخلا في الحلاق.

الجزء: 2 - الصفحة: 73

واحتجَّ المخالف بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. وإتمامهما: أن يأتي بهما على الكمال والتمام.
والجواب: أنه قد روي عن عمر وعلي: أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
وعلى أنه إذا طاف وسعى لهما واحداً، فقد أتمهما، ثم نخصه بأخبارنا.
واحتج بما روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قرن، فطاف طوافين، وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
والجواب: أن أبا الحسن الدارقطني قال: رواه حفص بن أبي داود، وهو ضعيف.
وعلى أنه يجوز أن يكون رآه فعل الطوافين والسعيين في حال التمتع والإفراد بفعل مثله في حال القران؛ فإنه قد صح عندنا أنه كان متمتعاً أو مفرداً، لم يكن قارناً.
واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان".
والجواب: أنه إن صح هذا فهو محمول عليه إذا أجمع بينهما بأن

الجزء: 2 - الصفحة: 74

فعل أحدهما عقيب الآخر، وقد يعبر بالجمع عن القران بين العبادتين، والإتيان بإحداهما عقيب الأخرى، كالجمع بين الصلاتين.
وعلى أنه محمول على الاستحباب بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأن وجود الإحرام بالحج والعمرة يوجب طوافين وسعيين.
دليله: حال الإفراد بكل واحد منهما.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار المفرد بالقارن في باب الطواف والسعي، كما لم يجز اعتبارهما في باب الحلاق.
وعلى أن المعنى في المفرد: أن الأفعال لم تلتق، فلهذا لم تتداخل، وهاهنا الأفعال قد التقت، فتداخلت، كالغسلين والعدتين عندهم.
وربما عبروا عن هذا القياس بأنه محرم بإحرامين، فأشبه المفرد، لأن كل واحد منهما مفرد للإحرام، وليس بجامع بينهما.
ولأنه لا نسلم أنه محرم بإحرامين، وإنما هو محرم بعبادتين بإحرام واحد، كما إذا باع عبدين، أو دارين، يكون بائعاً عبدين بعقد واحد.
واحتج بأنه لو كان طواف القارن يوم النحر للحج والعمرة جميعاً، لما جاز له أن يحل قبله؛ لأن بقاء طواف العمرة يمنعه من الإحلال بدلالة المفرد بالعمرة؛ ليس له أن يحل حتى يطوف، ولما جاز أن يحل بالحلاق دل على أنه ليس للعمرة.
والجواب: أنه إنما يمنع طواف العمرة الحلاق إذا أفردهما، فأما

الجزء: 2 - الصفحة: 75

إن جمع بينها وبين الحج، فلا يمنع؛ لأن ترتيبها يسقط، ويصير الترتيب للحكم، والحكم وطواف الحج لا يمنع الحلاق قبله.
يبين صحة هذا: أن المفرد للعمرة إذا طاف وسعى وجب أن يحلق، والقارن عنده يطوف ويسعى عن العمرة، ولا يجوز له أن يحلق إلا في يوم النحر، فإذا جاز أن يتغير الترتيب، فيتأخر الحلق إلى يوم النحر؛ لأجل الإحرام بالحج، جاز أن يتقدم على الطواف؛ لأجل الحج، ويكون الاعتبار بترتيبه، كما فعل المخالف في تأخيره إلى يوم النحر.
واحتج بأنه لو كان طواف الزيارة نائباً مناب طواف العمرة، لوجب إذا جامع القارن قبله أن تفسد عمرته، كما لو أفرد بعمرة، وجامع قبل الطواف.
والجواب: أنا قد بينا: أن ترتيب العمرة يسقط، ويحصل الترتيب للحج بدليل أنه يتأخر الحلاق إلى يوم النحر، ولو كان مفرداً بالعمرة لتقدم، وإذا كان الترتيب للحج، فالوطء قبل الطواف لا يفسده.
واحتج بأن الجمع بين الإحرامين لا يسقط الترتيب الواجب في حال الإفراد بدلالة الترتيب بين السعي والطواف، فإذا كان كذلك، وثبت أن الترتيب بين طواف العمرة والحلق واجب في حال الإفراد بهما؛ لأن عليه أن يقدم الطواف على الحلق، وجب أن لا يسقط به الجمع، فإذا

الجزء: 2 - الصفحة: 76

جعلنا طواف القارن يوم النحر للحج والعمرة حصل الحلق للعمرة قبل الطواف، فيجب أن يقدم أفعال العمرة قبل يوم النحر حتى يحصل الحلق للعمرة بعد الطواف في حال الجمع، كما يحصل الحلق للعمرة بعد الطواف في حال الجمع، كما يحصل قبله في حال الإفراد.
والجواب: أنه لو كان الترتيب مستحقاً بين الحلاق والطواف في حال الجمع، كما يستحق حال الانفراد، لوجب أن لا يتأخر الحلاق إلى يوم النحر، كما لا يتأخر في حال الإفراد بالعمرة، ولما تأخر إلى يوم النحر، وتقدم في حال الإفراد، دل على إسقاط الترتيب في ذلك في حال الجمع، ويفارق ترتيب الطواف والسعي؛ لأن ذلك الترتيب مستحق في حال الإفراد بكل واحد من النسكين، فلهذا كان مستحقاً في حال الجمع بينهما.
واحتج بأن طواف العمرة غير مؤقت، وطواف الحج مؤقت، فلا يجوز أن ينوب أحدهما مناب الآخر، كالحج والعمرة.
والجواب: أن حلاق العمرة غير مؤقت، وحلاق الحج مؤقت، وينوب أحدهما عن الآخر؛ لأن نية كل واحد منهما غير نية الآخر، فهو يحل بما يجب عليه من النية، وهذا معدوم في الطوافين.
واحتج بأنه لو كان طواف يوم النحر للحج والعمرة جميعاً لكان ممنوعاً من الحج بين الحج والعمرة، والمضي فيهما؛ لوقوع أفعالهما في وقت أحدهما، كما يمنع من المضي في الحجتين لهذه العلة.
والجواب: أنه إنما لم يصح المضي في الحج؛ لأن الوقت لا يصلح

الجزء: 2 - الصفحة: 77

لهما، ولا يصح المضي فيهما، وليس كذلك الحج والعمرة؛ لأن الوقت يصح لهما، ويصح اللمضي فيهما، فبان الفرق بينهما.

  • فصل: والدلالة على من قال من أصحابنا: لا يجزئه حتى يستأنف عمرة: ما تقدم من حديث ابن عمر: "من قرن كفاه لهما طواف واحد".
    وحديث عائشة: "طوافك يجزئك لحجك وعمرتك".
    ولأنه قد صح إحرامه بهما، فيجب أن يجزئه عنهما، كما لو أفرد كل واحد منهما بإحرام.
    ولأنهما عبادتان؛ إحداهما صغرى، والأخرى كبرى، فدخلت الصغرى فى الكبرى، كالطهارة الصغرى مع الكبرى.
    وفي تلك المسألة روايتان كمسألتنا.
    ووجه الرواية الأخرى: ما روى ابن بطة بإسناده قال عائشة: يا رسول الله! أينطلقون بحجة وعمرة، وأنطلق بحجة؟ فأمر عبد الرحمن أن ينطلق بها إلى التنعيم.
    وروى أبو حفص بإسناده في لفظ آخر: قالت: يا رسول الله! يصدر الناس بنسكين، وأصدر بنسك واحد؟ قال: "انطلق بها إلى التنعيم".

الجزء: 2 - الصفحة: 78

فوجه الدلالة: أنها قالت: أنطلق بحج، وأنطلق بنسك، وعندكم أنها كانت منطلقة بحجة وعمرة، بنسكين.
والجواب: أنها طلبت كمال أفعال العمرة لاجتماعنا على أنها محرمة بنسكين.
واحتج بأن الإحرامين في حكم الإحرام الواحد بدليل أنها تقتصر على حلاق واحد، وصلاة واحدة، وتجرد واحد، وتلبية واحدة، وإذا قتل صيداً فعليه بقتله جزاء واحد، وإذا كان في حكم الإحرام الواحد لم يجزئه عن نسكين.
والجواب: أنا قد بينا: أنه ينوي لهما، ويلبي بهما، ويجب عليه دم القران، ولو كان في حكم الإحرام الواحد لم يجب الدم، كما لو أفرد الحج، أو العمرة.
واحتج بأن الأفعال إذا ترادفت من جنس، فإنما تتداخل إذا اتفقا في المقدار، كالغسل من الجنابة والحيض، والوضوء من النوم والبول، فأما إذا اختلفا في المقدار؛ فإنه يؤتي بكل واحد منهما، كحد الزنا، وشرب الخمر.
ولا تلزم على هذا الطهارة الصغرى مع الكبرى؛ لأن فيها روايتين: إحديهما: لا تتداخل كمسألتنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 79

والجواب: أنها قد تتفق في المقدار، ولا تتداخل، كما لو كان عليه صوم يومين، أو ظهر يومين، أو حجتين، وقد تختلف وتتداخل، كما لو زنا وسرق وقتل؛ فإنها تتداخل، ويجزئ فيها القتل، وكذلك الطهارة الصغرة مع الكبرى تتداخلان على المذهب الصحيح، وهما مختلفتان.

  • ... * ... *

1117 -

مسألة

إذا وقف القارن بعرفة قبل الطواف والسعي لم يصر رافضاً للعمرة:

نص على هذا في رواية أبي طالب في من قدم بعمرة، فخشى الفوات: لم يطف، وأهل بالحج، وأمسك عن العمرة، كما فعلت عائشة.
قيل له: إن أبا حنيفة يقول: قد رفض العمرة، وصار حجاً، فقال: ما قال هذا غير أبي حنيفة، إنما قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "أمسكي عن عمرتك، وامتشطي، وأهلي بالحج"، وما رفضت العمرة، فلما قالت: أيرجع أزواج بعمرة وحج؟ قال لعبد الرحمن: أعمرها من التنعيم؛ أراد: أن يطيب نفسها، ولم يأمرها بالقضاء.
وكذلك قال في رواية الميموني: وقد ذكر له عن أبي معاوية يرويه:

الجزء: 2 - الصفحة: 80

"انقضي عمرتك"، فقال: غير واحد يرويه: "أمسكي عن عمرتك"، أيش معنى انقضي، هو شيء تنقضه؟! هو ثوب تلقيه؟! عجب من أبي معاوية.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يصير رافضاً للعمرة.
ويفيد هذا الاختلاف: أن عندنا لم يجب عليه القران، وتسقط عنه العمرة، وعلى قولهم يسقط دم القران، ويجب دم جناية، وعليه فعل العمرة فيما بعد.
دليلنا: أم الوقوف فعل من أفعال الحج، فلا يتعلق به رفض العمرة قياساً على الإحرام بالحج.
ولأن الإحرام إذا انعقد؛ فإنه لا ينحل بقوله: رفضت، وأبطلت، فوجب أن لا يصير مرفوضاً بعمله الذي لم يجعل للتحلل منه قياساً على الإحرام بالحج.
ولأن إحرام العمرة لا يتحلل بفعل ما حرم فيه، فوجب أن لا يتحلل بفعل عبادة غيرها، كالحج.
ولأن عقد الإحرام إذا لم يتحلل بالوطء مع تأكد حاله، فلأن لا يتحلل بالوقوف أولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 81

واحتج المخالف بما روى مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً"، فقدمت مكة، وأنا حائض لم أطف بالبيت، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقال: "انقضي، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة".
وروى جابر أنه قال: انطلقنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم مُهلين بالحج، وأقبلت عائشة مهلة بعمرة، فحاضت قبل أن تطوف للعمرة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلّم: "انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج".
وقال في بعض الألفاظ: "اغتسلي، ودعي العمرة، وأهلي بالحج".
وقال في بعضها: "ارفضي العمرة، وأهلي بالحج".
فوجه الدلالة: لو كان الوقوف بعرفة يجامعه بقاء العمرة لما أمرها برفض العمرة، فلما أمرها برفضها دل على أنها لو لم ترفضها، وأهلت بالحج، ووقفت بعرفة، صارت رافضة لها بالوقوف.
والجواب: أن قوله: "دعي العمرة" معناه: أفعال العمرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 82

وأما قوله: "ارفضي عمرتك" فقد أنكر أحمد هذه الزيادة، ولم يثبتها.
على أن معناها: ارفضي أفعالها، ولم يرد إحرامها بدليل ما تقدم من قوله: "طوافك بالبيت، وسعيك بين الصفا والمروة، يُجزئك لحجك وعمرتك".
واحتج بأنه لو لم يصر رافضاً لإحرام العمرة لما جاز للقارن أن يحلق قبل الطواف؛ لأن بقاء طواف العمرة يمنع من الإحلال، ألا ترى أن المفرد بالعمرة لا يحل قبل الطواف؟ أن الجواب: أن طواف العمرة يمنع من الحلق إذا انفردت العمرة، فأما في القران؛ فإنه لا يمنع من ذلك، ولا يكون حكمه حكم المفرد للحج بدليل أن المفرد للعمرة يحلق عقيب الطواف والسعي، والقارن لا يجوز له أن يحلق إلى يوم النَّحر؛ لأجل إحرام الحج، ويحلق لهما حلقاً واحداً، ويكون بمنزلة المفرد للحج.
واحتج بأنه لو لم يصر رافضاً لحصل موجب إحرام العمرة في وقت الحج، ألا ترى أن الجمع بين إحرام الحجتين والمضي فيهما لا يجوز؛ لوقوع أفعالهما في وقت إحديهما؟ ولما اتفقوا على جواز الجمع بينهما عُلم أن الوقوف بعرفة يمنع بقاء إحرام العمرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 83

والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أن الإحرام بحجتين إنما لم يصح الجمع بينهما؛ لأنه لا يصح المضي فيهما، والوقت لا يصلح لهما، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يصح المضي فيهما، والوقت يصلح لهما.

  • ... * ... *

118 -

مسألة

يجوز للحاج الجمع بين صلاتي عرفة وحده:

نص على هذا في رواية ابن القاسم وبكر بن محمد والأثرم وإبراهيم ابن الحارث في من فاته الصلاة مع الإمام بعرفة: جمع في رحله، هكذا يروى عن ابن عمر.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجمع إلا مع الإمام.
دليلنا: ما احتج به أحمد من حديث نافع، عن ابن عمر قال: كان ابن عمر يجمع بينهما إذا فاته مع الإمام الظهر والعصر بعرفة.
ولا يعرف له مخالف.
وكل صلاتين جاز الجمع بينهما مع الإمام، جاز الجمع بينهما على الانفراد.
دليله: المغرب والعشاء بالمزدلفة.

الحديث: 118 - الجزء: 2 - الصفحة: 84

ولأن الإمام لو حضر وحده جمع بينهما، ولو كان الإمام شرطاً في صحة الجمع، لم يجز له الجمع منفرداً، لأنه لا إمام له.
واحتج المخالف بأن صلاة العصر قد ثبت لها وقت مُخصص بنقل مستفيض، فلا يجوز تقديمها على وقتها وفعلها في وقت صلاة أخرى إلا بنقل مثله.
والجواب: أن ذلك الوقت المخصوص ثبت لها من غير عذر، فأما في حال العذر، وهو السفر، فلا نسلم أن ثبت لها ذلك، ووقتهما واحد.
واحتج بأن العصر صلاة مفروضة تؤدي في وقت الظهر في حال مخصوصة؛ عندنا في الحج، وعندهم في السفر، فوجب أن يكون الإمام شرطاً في أدائها فيه، كالجمعة.
ولا يلزم عليه صلاة الظهر؛ لأنها تؤدي فيه في جميع الأحوال.
ولا تلزم عليه الفائتة؛ لأنها تقضي في وقت الظهر، ونحن قلنا: صلاة تؤدى في وقت الظهر.
والجواب: أن الجمعة لا يجوز للإمام فعلها منفرداً، ومن شرطها العدد المخصوص، وليس كذلك فعل العصر في وقت الظهر بعرفة؛ فإنه يجوز فعلها منفرداً، فبان الفرق بينهما.
واحتج بأنا قد اتفقنا على جواز الجمع بينهما، فلا يخلو إما أن يجوز

الجزء: 2 - الصفحة: 85

لأجل السفر، أو لاتصال الوقوف للدعاء، أو لأجل الإمام.
والقسم الأول باطل؛ لما بينا فيما تقدم: أن السفر لا يبيح الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما.
والقسم الثاني لا يصح أيضاً؛ لأن اتصال الوقوف نفل، وأداء الصلاة في وقتها فرض، فلا يجوز أن يؤمر بترك الفرض لأجل النفل.
والجواب: أن الجمع إنما يجوز عندنا لأجل السفر، وقد دللنا على ذلك فيما تقدم، وأن السفر يُبيح الجمع بين الصلاتين، لا غيره.

  • ... * ... *

119 -

مسألة

للحلال أن يجمع بين صلاتي عرفة إذا كان مسافراً:

وقد قال أحمد في رواية عبد الله: يؤخر الظهر إلى العصر في كل سفر تُقصر فيه الصلاة.
وقال أبو حنيفة: لا يجمع بينهما إلا محرماً.
دليلنا: أن هذا مسافر يجوز له القصر، فجاز له الجمع.
دليله: إذا كان محرماً.
ولأن من أصلنا: أن الجمع يتعلق بالسفر، وقد دللنا على ذلك فيما تقدم، فلا فرق بين أن يكون المسافر حلالاً، أو محرماً.
واحتج المخالف بأن صلاة العصر قد ثبت لها وقت مخصوص

الحديث: 119 - الجزء: 2 - الصفحة: 86

بالنقل المستفيض، فلا يجوز تقديمها على وقتها وفعلها في وقت صلاة أخرى إلا بنقل مثله، وقد ثبت فعلها في حال الإحرام بنقل مثله، ولم يثبت في حال أخرى، فوجب أن يأتي بها في وقتها الذي ثبت في الأصل.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أن ذلك الوقت المخصوص ثبت لها من غير عُذر، فأما في حال العذر - وهو السفر - فلا.
واحتج بأن لا يخلو الجمع بينهما من أن يكون متعلقاً بالسفر، أو بإحرام الحج، ولا يجوز أن يكون متعلقاً بالسفر؛ لما بينا فيما تقدم: أن السفر لا يبيح الجمع بين الصلاتين في وقت إحديهما، ثبت أنه متعلق بإحرام الحج.
والجواب: أنا قد بينا: أنه متعلق بالسفر، والسفر موجود، فسقط هذا.

  • ... * ... *

120 -

مسألة

وقت الوقوف بعرفة من طلوع الفجر الثاني من يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر:

وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور وأبي الحارث وعبد الله وحنبل: من وقف بعرفة من ليل ونهار، ولو ساعة، فقد تم حجبه.
وهكذا ذكر شيخنا رحمه الله، وقال أبو حفص العُكبري في كتابه

الحديث: 120 - الجزء: 2 - الصفحة: 87

"الكبير": سمعت أبا عبد الله بن بطة يقول: أول وقت عرفة من زوال الشمس يوم عرفة.
قلت له: فإن وقف رجل قبل الزوال، ثم انصرف؟ قال: لا يجزئه، حجه باطل إذا لم يقف بعد الزوال إلى طلوع الفجر.
وذكر أبو حفص في "خلاف مالك": أول وقتها من وقت زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر.
وقال أبو حنيفة والشافعي: إن وقف قبل الزوال لم يجزئه، وإن وقف بعده أجزأه.
وقال مالك: إن وقف بالليل أجزأه، وإن اتقصر على الوقوف بالنهار لم يجزئه.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن عروة بن مُضرس الطائي قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالموقف، فقلت: جئت يا رسول الله! من جبلي طيئ أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، هل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً، أو نهاراً، تم حجبه، وقضى تفثه".
وروى أبو بكر بإسناده في لفظ آخر عن الشعبي، عن عروة بن مضرس قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلّم، وهو في الموقف، فقلت: يا رسول الله! جئت من جبل طيئ، وأتعبت نفسي، وأنضيت مطيتي، والله ما تركت

الجزء: 2 - الصفحة: 88

جبلاً إلا وقفت به، فهل لي من حج يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "من صلى صلاتنا هذه - يعني: صلاة الغداة - وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد قضى تفثه، وتم حجه".
فوجه الدلالة من قوله: "وكان قد أتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً"، وهذا عام في جميع أجزاء النهار، كما هو عام في جميع أجزاء الليل.
فإن قيل: يحمل هذا على ما بعد الزوال.
قيل: هذا تخصيص بغير دلالة.
والقياس: أنه وقف من يوم عرفة، أشبه إذا وقف بعد الزوال.
أو نقول: أحد طرفي نهار عرفة، أشبه الطرف الثاني.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون الطرف الثاني محلاً للوقوف، وإن لم يكن أوله محلاً، كأيام التشريق؛ الطرف الثاني محل للرمي، وإن لم يكن أوله محلاً، وكذلك الطرف الثاني من ليلة النحر محل للدفع من المزدلفة وللطواف وللرمي، وإن لم يكن أوله محلاً.
قيل: يجوز أن يفترق الزمان في الرمي، ولا يفترق في الطواف

الجزء: 2 - الصفحة: 89

بدليل الليل جميعه وللوقوف.
على أن الرمي حجة لنا؛ لأن اول وقته يدخل في نصف الليل من ليلة النحر عندنا وعند الشافعي، وعند أبي حنيفة بطلوع الفجر من يوم النحر، فيجب أن يدخل وقت الوقوف قبل الزوال.
وعلى أنه إنما اختص الرمي بما بعد الزوال؛ لأنها أيام أكل وشرب وأشغال، فالعادة أنهم متفرقون في أشغالهم إلى الزوال، فإذا زالت الشمس اجتمعوا للصلالاة في مسجد منى؛ لأنه ذلك مستحب، ووصلوا صلاتهم بالرمي.
فأما الوقوف في يوم عرفة فإن قبل الزوال وبعد الزوال فيه على حد سواء؛ لأنه ليس هناك اشتغال يمنع من الوقوف فيما قبل الزوال.
وأجود من هذا: أن يوم النحر قد تجتمع عليه فيه أفعال كثيرة؛ والرمي والحلاق والطواف، فلو جعلنا بعد الزوال ضاق الوقت عليه في ذلك، وبقية الأيام ليس فيها ذلك.
فأما الوقوف فقبل الزوال وبعده سواء.
وأما الدفع من المزدلفة؛ فإنه يختص بما بعد نصف الليل؛ لأن البيتوتة واجبة، فأخر حتى يمضي معظمه.
وقياس آخر، وهو: أن النهار أحد الزمانين، وكان جميعه محلاً للوقوف، كالليل.
فإن قيل: إذا غربت الشمس فقد فات الزمان المستحب، فلهذا كان

الجزء: 2 - الصفحة: 90

جميعه محلاً، وليس كذلك النهار؛ لأن وقت الاستحباب باقٍ، فلهذا اختص ببعض النهار.
قيل له: لم كان كذلك؟ وعلى أنه يبطل به إذا وقع قبل الغروب؛ فإنه يجزئه، وإن كان وقت الاستحباب باقياً، وكذلك إذا رمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر؛ فإنه يجزئه عند الشافعي، وإن كان وقت الاستحباب باقياً إلى طلوع الشمس، وكذلك يجوز الذبح من أول نهار يوم النحر، وإن كان وقت الاستحباب باقياً، وكذلك الإحرام بالعمرة وقت متسع، وإن كان جميع ذلك في الاستحباب سواء.
وقياس آخر، وهو: أنها عبادة يجتمع في وقتها الليل والنهار، فوجب أن يتسع وقتها ليوم كامل.
أصل ذلك: مدة المسح في حق المقيم.
وليس لهم أن يقولوا: إن مدة المسح أوسع، ألا ترى أن المسافر يمسح ثلاثاً؛ لأن قياسنا على مدة المقيم، وتلك المدة لا تتسع لأكثر من يوم وليلة.
فإن قيل: المسح إنما جوز للحاجة، ولا حاجة بالمقيم إلى أكثر من يوم وليلة، وليس كذلك الوقوف؛ لأنه موطن للدعاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 91

قيل: الوقوف بالمزدلفة موطن للدعاء، ويدخل وقته بطلوع الفجر، وكذلك الطواف.
ولأن الوقوف ركن من أركان الحج، فلا يختص فعله بوقت من النهار، كالإحرام والطواف.
فإن قيل: الإحرام والطواف أوسع وقتاً، ألا ترى أنه يحرم في جميع شهور الحج، والطواف ليس له وقت يفوت فيه؟ وليس كذلك الوقوف؛ فإنه وقته يضيق، ألا ترى أنه يفوت؟ قيل: المسح يفوت، ومع هذا يتسع ليوم كامل، وكذلك رمي جمرة العقبة يفوت، ويتسع لجميع اليوم.
واحتج المخالف بما روى الأثرم بإسناده عن جابر: فذكر حجة النبي صلى الله عليه وسلّم قال: فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى اتى عرفة، فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر القصواء، فرُحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، ثم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى أتى الموقف.
فوجه الدلالة: أنه وقف بعد الزوال، ولو كان قبل الزوال وقتاً للوقوف لبادر إليه؛ لأن المسارعة إلى العبادة في أول وقتها أفضل، وآمن

الجزء: 2 - الصفحة: 92

من الغرر، وقال: "خذوا عني مناسككم".
والجواب: أنه إنما وقف بعد الزوال؛ لأنه هو المستحب عندنا والأفضل، فأخر الوقوف إلى وقت الفضيلة.
وقوله: "خذوا عني مناسككم" عاد إلى الفضيلة.
وجواب آخر، وهو: أنه يحتمل أن يكون أخر الوقوف؛ ليتصل به الدعاء، ولو قدمه قبل الصلاة لانقطع عليه ذلك بالصلاة.
واحتج بأنه وقف قبل الزوال، فلم يجزئه، كما لو وقف قبل طلوع الفجر.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار ما قبل طلوع الفجر من يوم عرفة بما بعده في الإجزاء، كما لم يجز اعتبار بعد طلوع الفجر من يوم النحر بما قبله في الإجزاء، وكل فرق لك هناك هو فرقنا.
ثم المعنى في الأصل: أنه وقف قبل يوم عرفة مع العلم به، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه وقف من يوم عرفة مع العلم به، أشبه بعد الزوال.

  • فصل: والدلالة على مالك ما تقدم من الخبر، وقوله: "وكان قد أتى عرفات

الجزء: 2 - الصفحة: 93

قبل ذلك ليلاً، أو نهاراً"، فعلق الإجزاء بحضور أحد الزمانين.
ولأن النهار وقت للزوال، وكان وقتاً لجوازه، كالليل.
واحتج المخالف بما روى ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "الحج عرفة؛ فمن أدرك عرفة ليلاً فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة ليلاً فقد فاته الحج".
والجواب: أنه إن صح هذا، فلا حجة فيه؛ لأن قوله: "من أدرك عرفة ليلاً فقد أردك الحج" قصد بيان أن الوقوف لا يفوت بفوات النهار، ولم يقصد بيان أول الوقت بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأنه زمان يصح فيه الصيام، فلا يكون محلاً للوقوف.
دليله: نهار يوم التروية.
ولأنه لم يقف من الليل، فلا يجزئه.
دليله: ما ذكرنا.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه ليس بوقت للوقوف، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه وقت للوقوف، وكان وقتاً لجوازه، كالليل.
واحتج بأنه لو وقف بعرفة نهاراً، ودفع فبل غروب الشمس، كان عليه دم، فلولا أن عليه أن يقف جزءاً من الليل، لم يلزمه الدم.

الجزء: 2 - الصفحة: 94

والجواب: أنه لا يمتنع أن يجب عليه الدم لترك واجب، ليس بركن، ألا ترى أن تركه ليلة المزدلفة وليالى منى والإحرام من الميقات وترك الجمار يوجب دماً، وليس بركن.

  • ... * ... *

121 -

مسألة

إذا دفع من عرفات قبل غروب الشمس، ولم يعد إليها، فعليه دم:

نص عليه في رواية أبي الحارث، فقال: إذا دفع قبل الإمام، فأقل ما عليه دم.
وقال أيضاً في رواية الأثرم: مالك يقول: إذا دفع قبل غروب الشمس فسد حجه، وهذا شديد، والذي يذهب إليه عليه دم.
ونقل حرب - أيضاً - عنه: إذا دفع من عرفة قبل غروب الشمس يهريق دماً.
ونقل أبو طالب عنه في من وقف بعرفة مع الإمام من الظهر إلى العصر، ثم ذكر أنه نسي نفقته بمنى: يستأذن الإمام، ويخبره، فإذا أذن له ذهب، ولا يرجع.
وإنما رخص هاهنا لأجل العذر، فأما لغير العذر فالدم واجب.
وهو قول أبي حنيفة.
وللشافعي قولان:

الحديث: 121 - الجزء: 2 - الصفحة: 95

قال في "الأم" والقديم مثل قولنا.
وقال في "الإملاء": يستحب، ولا يجب.
ومحصول الخلاف: أن عندنا يجب عليه الوقوف في زمن الليل، وعندهم لا يجب.
والدلالة على وجوبه: ما روي في حديث محمد بن قيس بن مخرمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال، وهو بعرفة: "أيها الناس! إن هذا يوم الحج الأكبر، وإن الجاهلية كانوا يُفيضون من عرفات قبل أن تغيب الشمس، فلا تعجلوا؛ فإنا ندفع بعد غروبها".
ولأن النبي صلى الله عليه وسلّم وقف إلى غروب الشمس، وفعله خرج مخرج البيان.
ولأنه دفع قبل غروب الشمس، فأشبه إذا دفع قبل الزوال.
فإن قيل: المعنى هناك: أنه لم يدرك الوقوف.
قيل له: عندنا قد أدرك الوقوف، فسقط هذا.
ولأن الليل أحد الزمانين، فوجب الوقوف فيه، كالنهار، وإذا ثبت وجوب الوقوف، وجب بتركه دم، ولم يفرق.
ولأنه ترك سنة الدفع من موضع يؤدى فيه ركن من أركان الحج، فإذا لم يأت بالمتروك لزمه دم.
دليله: إذا جاوز الميقات غير محرم، ثم لم يعد إليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 96

فإن قيل: هذا يبطل بمن دفع بعد غروب الشمس قبل دفع الإمام، أو دفع من غير وقار، ولا سكينة.
قيل له: لا يلزم؛ لأن ذلك هيئة.
وإن شئت قلت: ركن من أركان الحج، فجاز أن يجب الدم متى أخل به في المكان المأمور به، كالإحرام من غير الميقات.
فإن قيل: المعنى في الميقات: أن الإحرام منه واجب، فإذا أخل به جاز أن يجب الدم، وليس كذلك الوقوف؛ فإن القدر الذي يجب منه ما يقع عليه اسم الوقوف، وما زاد على ذلك فضيلة وكمال، فلم يتعلق بها دم.
قيل له: الرُّكن أن يقف؛ إما بالنهار، أو بالليل، والواجب جزء من الليل، فإذا وقف نهاراً فقد فعل الرُّكن، وترك الواجب، وإذا وقف ليلاً، فالجزء الأول هو الركن، والثاني هو الواجب، فقد أتى بالأمرين.
يبين صحة هذا: أنه يستحب له الدم عنهم في مسألتنا، ولا يُستحب إذا وقف ليلاً.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "من وقف بعرفة فقد تم حجه"، وإذا كان حجه تاماً لم يجب عليه دم؛ لأن وجوبه

الجزء: 2 - الصفحة: 97

يمنع تمام الحج، ويوجب نقصانه.
والجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد به: التمام الذي هو ضد النقصان؛ لاتفاقهم على أن بعد الوقوف يبقى عليه ركن من أركان الحج، وبعض توابعه، فثبت أنه أراد به تماماً يمنع ورود الفساد عليه، وهكذا نقول، وهذا لا يمنع وجوب الدم.
واحتج بأنه ترك سنة الدفع من الموقف، فوجب أن لا يجب به شيء، كما لو ترك الدفع من المزدلفة مع الإمام، أو ترك السكينة والوقار.
والجواب: أنه لو كان ذلك يجري محجرى الدفع قبل الغروب، لوجب أن يُستحب الدم، كما استحببته هاهنا.
واحتج بأنه وقف في أحد زماني الوقوف، فلا يجب الدم بترك الوقوف في الزمان الآخر.
دليله: لو وقف بالليل دون النهار.
وربما قالوا: لا يخلو وجوب الدم من أن يكون؛ لأنه وقف بالنهار، ولم يقف في جزء من الليل، أو يكون؛ لأنه لم يدفع مع الإمام، وتقدم عليه.
ولا يجوز أن يجب الدم لإفراده النهار بالوقوف؛ لأنه إذا لم يقف إلا بالليل، وأفرد الليل، ولم يقف في زمان النهار، لم يجب عليه الدم،

الجزء: 2 - الصفحة: 98

فإذا أفرد زمان النهار، ولم يقف في زمان الليل، فأولى أن لا يجب عليه الدم؛ لأن النهار متبوع في الوقوف، والليل تابع، فحصل الإدراك.
ولا يجوز أن يكون؛ لأنه ترك الدفع مع الإمام؛ لأنه لو وقف حتى غابت الشمس، ثم دفع قبل الإمام، لم يجب.
والجواب: أن الأثرم روى عنه: أنه سئل عن رجل دفع قبل الإمام من عرفة بعدما غابت الشمس، فقال: ما وجد أحداً سهل فيه، كلهم يشدد فيه، وما يعجبني أن يدفع قبل الإمام.
وظاهر هذا: أنه تابع له، وإن غربت الشمس.
ويجب أن يُحمل هذا على طريق الاستحباب، وأنه إن دفع قبله بعد الغروب، فلا دم عليه.
على أنه إذا لم يقف نهاراً وقف ليلاً، وإنما لم يلزمه الدم؛ لأنه لم يلزمه الوقوف إلى غروب الشمس، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه إذا وقف بعرفة نهاراً لزمه اتباع الإمام، فإذا دفع قبله فقد ترك واجباً، فلهذا جاز أن يلزمه الدم.
والذي يبين صحة هذا: أنه يُستحب الدم عندهم إذا دفع قبل غروب الشمس، ولا يُستحب إذا وقف ليلاً.
وعلى أن أحمد قد قال في رواية المروذي وصالح في من فاته الوقوف بالمزدلفة: عليه دم، فلا يمتنع في مسألتنا مثله.
واحتج بأنه دفع من الموقف قبل وقته، فلا يجب عليه دم.

الجزء: 2 - الصفحة: 99

دليله: لو دفع من المزدلفة، فقد أتى قبل أن يُسفر النهار.
والجواب: أنه إذا جاوز نصف الليل بالمزدلفة، فقد أتى بالقدر الواجب، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه قد أتى بالركن، وأخل بالواجب، وهو جزء من الليل.
ولأن الوقوف بالمزدلفة يقوم الدم مقام جميعه، فلا يجوز أن يقوم مقام سنة الدفع منه، والوقوف بعرفة لا يقوم الدم مقامه، فجاز أن يقوم مقام سنة الدفع منه.
واحتج بأن ذلك بمنزلة تطويل الركوع والسجود، وإذا حصل ما يقع عليه اسم الركوع والسجود لم يتعلق بترك تطويله وقطعه دون تكميله جبران، كذلك هاهنا.
والجواب: أنه لو كان كذلك، لوجب أن لا يستحب الدم هاهنا، كما لم يستحب السجود هناك.
ولأن هناك قد أتى بالقدر الواجب، وهاهنا قد أخل بما وجب عليه من الوقوف بجزء من الليل.

  • ... * ... *

122 -

مسألة

إذا صلى المغرب في طريق المزدلفة أجزأته صلاته، ولم يكن مسيئاً:

نص عليه في رواية أبي الحارث: إذا صلى المغرب بعرفة، أو في

الحديث: 122 - الجزء: 2 - الصفحة: 100

الطريق، ثم وصل إلى جمع أرجو أن تجزئه، والسُّنة أن يصلي المغرب بجمع.
وقال -أيضاً- في رواية أبي طالب: وقد سئل: ما الحجة فيه إذا لم يصل مع الإمام بجمع؟ فقال: قدم النبي صلى الله عليه وسلّم ضعفة أهل من جمع، فلم يشهدوا معه الصلاة.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: تجزئه، وعليه أن يعيدها إذا أتى المزدلفة.
دليلنا: ما روي في بيان مواقيت الصلوات: أن جبريل صلى بالنبي صلى الله عليه وسلّم المغرب في اليومين بعد غروب الشمس، وقال: "هذا وقت الأنبياء من قبلك".
ولم يُفرق بين المزدلفة وبين سائر المواضع.
ولأنهما صلاتا جمع، فوجب أن يجوز فعل كل واحدة في وقتها، كصلاتي عرفة.
وكل زمان كان وقتاً للصلاة في غير الإحرام؛ فإنه يكون وقتاً لها في الإحرام قياساً لها على وقت العشاء الآخرة.
فإن قيل: نقول بموجب هذا؛ لأنه لو وصل إلى المزدلفة قبل دخول وقت العشاء، جاز له أن يصليها في وقتها، وإنما منعناه من

الجزء: 2 - الصفحة: 101

أدائها قبل إتيان المزدلفة لأجل المكان دون الوقت.
قيل له: نحن نفينا العلة فعل كل واحدة في وقتها على الوجه الذي يجوز في صلاتي عرفة، وقد أجمعنا على جواز ذلك في صلاتي عرفة قبل إتيان المزدلفة وبعدها، كذلك يجب أن يكون في مسألتنا.
وكذلك صلاة عشاء الآخرة يجوز فعلها قبل وقتها؛ قبل إتيان المزدلفة وبعده.
فإن قيل: إذا لم يجمع بينهما بعرفة حتى يخرج وقت الظهر فاته الجمع، فيصلي العصر في وقتها.
ونظير مسألتنا من هذه: أن يطلع الفجر وهو في الطريق، ويفوته الجمع بينهما في وقت العشاء، فيسقط اعتبار المكان.
قيل له: قولك: (إذا لم يجمع بينهما بعرفة حتى خرج الوقت فاته الجمع) لا نسلمه؛ لأن الجمع وقت عندنا جائز لأجل السفر، فيجوز تارة في وقت الظهر، وتارة في وقت العصر، فكل مكان يجوز أن يصلي فيه المغرب بعد نصف الليل، جاز أن يصلي قبله.
أصله: سائر الأماكن.
وذلك أن الحسن بن زياد روى عن أبي حنيفة: أنه قال: إذا خشي طلوع الفجر في طريق المزدلفة صلاها في الطريق.

الجزء: 2 - الصفحة: 102

وذكر في "كتاب الصلاة": إذا صلى بعد نصف الليل أجزأه.
واحتج المخالف بما روي عن أسامة بن زيد قال: دفع رسول الله صلى الله عليه وسلّم من عرفة حتى إذا كان بالشعب، نزل، فبال، فتوضأ، ولم يُسبغ الوضوء، فقلت: الصلاة، فقال: "الصلاة أمامك".
وفي حديث يرويه يحيى بن سعيد وحماد بن سلمة، عن موسى بن عقبة قال: "المصلى أمامك".
فقوله: "الصلاة أمامك" حكم منه على وجه القطع بأنها تفعل في المزدلفة، فلا يجوز تقديمها عليها.
والجواب: أن قوله: "الصلاة أمامك" على طريق الاستحباب، وقوله: "الصلاة ليست هاهنا".
واحتج بأن حكم الوقت آكد من حكم سائر واجبات الصلاة بدلالة جواز أدائها قاعداً، ونائماً، ومع الاختلاط والمشي في حال الخوف؛ لئلا يخرج وقتها، وجاز ترك أوصافها، فثبت أن الوقت آكد، ثم اتفقوا أن الأوصاف التي هي أخف حكماً لا يجوز تركها إلا في حالة العذر، وعدم القدرة، وتلزم مع القدرة عليها، فالوقت أولى أن لا يسقط حكمه في حال القدرة عليه، فلما ترك النبي صلى الله عليه وسلّم الوقت مع القدرة على

الجزء: 2 - الصفحة: 103

أدائها فيه، ثبت أنه إنما تركه؛ لأنه لم يكن وقتاً لها.
والجواب: أنه يجوز ترك العصر في وقتها بعرفة مع القدرة على أدائها فيه، وإذا لم يجز ترك شيء من واجباتها، كذلك في المغرب، وكذلك إذا خشي فوات الوقت.
واحتج بأن الجمع بالمزدلفة نسك في مكان مخصوص، فلم يجز فعله في غيره، كالطواف والوقوف والرمي.
والجواب: أنه ليس بنسك، وإنما هو جمعٌ للسفر عندنا، ثم إن هذا منتقض بصحة الإحرام في غير الميقات، ثم لا يجوز الوقوف والطواف والرمي في غير مواضعه، ويجوز فعل المغرب في الطريق في النصف الأخير إذا خشي طلوع الفجر.

  • ... * ... *

123 -

مسألة

يجوز الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل من ليلة النحر:

نص عليه في رواية حرب: وقد سئل عن الإفاضة من جمع بليل من غير عذر، فقال: أرجو، إلا أنه قال: في وجه السحر.
وقال في موضع آخر من "مسائله": وقد سُئل عن الرجل يخرج من المزدلفة نصف الليل، يأتي منى يرمي الجمار؟ فقال: نعم، أرجو أن لا يكون به بأس.

الحديث: 123 - الجزء: 2 - الصفحة: 104

وكذلك نقل أبو الحارث عنه في من أفاض من جمع بليل قبل طلوع الفجر، فقال: إذا نزل بها، أو مر بها، فأرجو أن لا يكون عليه شيء إن شاء الله.
وقال -أيضاً- في رواية حنبل: من لم يقف بعرفة غداة المزدلفة ليس عليه شيء، ولا ينبغي له أن يفعل.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا ترك الوقوف بالمزدلفة بعد طلوع الفجر فعليه دم؟ دليلنا: ما روى أبو داود بإسناده عن عروة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلّم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلّم، تعني: عندها.
وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في "سننه" بإسناده عن هشام بن عروة، عن أم سلمة قالت: قدمني النبي صلى الله عليه وسلّم في من قدم من أهل ليلة المزدلفة، قالت: فرميت الجمرة بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى.
وروى عبد الرحمن بن أبي حاتك بإسناده عن القاسم، عن عائشة

الجزء: 2 - الصفحة: 105

قالت: كانت سودة بنت زمعة امرأة ثقيلة ثبطة، فأستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم في أن تُدلج من جمع، فأذن لها، وكانت عائشة تقول: لوددت أني كنت استأذنته.
وكانت تقول: ليس الإدلاج من المزدلفة إلا لمن أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وهذا يقتضي أنها استأذنته في ذلك ليلاً؛ لأنه لو كان نهاراً لم تحتج إلى إذن.
ولأن عائشة قالت: لوددت أني كنت استأذنته، فتأسفت على ذلك.
وكانت تقول: ليس الإدلاج إلا لمن أذن لمن أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهذا يدل على أنه كان ليلاً؛ لأن ما بعد طلوع الفجر يجوز لكل أحد.
فإن قيل: إنما قدمها، وأذن لها في ضعفة أهله خوف الزحام، وأباح لها ولغيرها ترك الوقوف للعذر، كما أباح لصفية ترك طواف الصَّدر لعذر؛ لأنها كانت امرأة ثبطة، وخاف عليها الزحام، وكان يوم قسمها.
قيل: ليس ذلك بعذر؛ لأن كونها ثبطة، وحق القسم لها، ووجود الزحام، لا يوجب العذر في ترك النُّسك.
يدل على صحة ذلك: أنه لو كان خوف الزحام عذراً في ذلك المكان، لكان عذراً في ترك الوقوف والسعي؛ لأن الزحام فيهما أكثر،

الجزء: 2 - الصفحة: 106

وقد نُقل أن امرأة قُتلت في زحام الطواف، وقضى عثمان فيها بدية وثلث، ولم يُنقل ذلك في زحام طريق منى من المزدلفة.
وكذلك حق القسم لها ليس بعذر؛ لأنه حق واجب لها، أو عليها، وذلك لا يوجب ترك نسك واجب، كسائر الحقوق.
وكذلك كونها ثبطة لا يوجب تأخير ذلك، كما لم يوجب تأخير الطواف.
ولأنه دفع منها بعد نصف الليل، فلم يلزمه الدم.
دليله: إذا دفع بعد نصف طلوع الفجر.
وإن شئت قلت: الإفاضة منها في النصف الآخر جائزة للمعذور، وجب أن لا يكون وقتاً لوجوب الوقوف فيها قياساً على ما بعد طلوع الفجر.
فإن قيل: لا يمتنع أن يجوز ذلك في حق المعذور، ولا يجوز في حق غيره، كما أن الحائض يجوز لها أن تنفر من مكة بغير وداع، ولا يجوز ذلك لغير الحائض.
قيل له: وهذا معذور أيضاً؛ لأن به حاجة إلى التعجيل؛ لتخيير فضيلة أول الوقت، ويتخلص من الزحام، ونحو ذلك.
واحتج المخالف بما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "من ترك نُسكاً فعليه دم".

الجزء: 2 - الصفحة: 107

وهذا نسك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلّم وقف بها بعد طلوع الفجر، وقال: "خذوا عني مناسككم".
والجواب: أن وقوف النبي صلى الله عليه وسلّم بعد الفجر محمول على الاستحباب والفضيلة دون الإيجاب، وقوله: "من ترك نُسكاً فعليه دم" محمول على غير مسألتنا بدليل ما تقدم.
واحتج بأن نصف الليل وقت للعشاء الآخرة، فلم يجز الوقوف فيه.
دليله: قبل نصف الليل.
أو نقول: وقت للوقوف بعرفة، أشبه قبل نصف الليل.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار النصف الأخير بالنصف الأول؛ لأن الدفع من المزدلفة في النصف الأول لا يجوز في النصف الأخير لأهل الأعذار.
واحتج بأن هذا وقوف مأمور به، فوجب أن يكون واجباً، كالوقوف بعرفة.
والجواب: أنا نوجب الكون بمزدلفة، كما نوجبه بعرفة، وإنما الخلاف في الوقوف بعد الفجر، وليس في القياس ما يدل عليه.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 108

124 -

مسألة

فإن دفع من المزدلفة قبل نصف الليل، أو لم يبت بها جملة لغير عذر؛ فهل عليه دم، أم لا؟

فالمنصوص عنه في رواية أبي طالب وحنبل وصالح والمروذي: أن عليه دماً.
قال في رواية أبي طالب: من لم يقف بجمع فعليه دم.
وفي رواية حنبل: إذا لم يبت بالمزدلفة فعليه دم.
وفي رواية صالح: إذا مر بجمع بعد طلوع الشمس فعليه دم.
وفي رواية المروذي: إذا وقف بعرفة، فغلبه النوم حتى طلعت عليه الشمس، فعليه دم.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
ونقل الجماعة عنه؛ الأثرم وابن إبراهيم وأبو طالب والمروذي: إذا ترك ليالي مني فلا دم عليه.
فيُخرج في ليلة المزدلفة كذلك.
وللشافعي قولان، كالروايتين.
فإذا قلنا: عليه دم، فوجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلّم بات بها، وهذا خرج مخرج البيان.
ولأنه قال: "خذوا عني مناسككم"، وهذا أمر فهو على الوجوب.

الحديث: 124 - الجزء: 2 - الصفحة: 109

وإذا ثبت بهذا وجوب البيتوتة دخل تحت قوله: "من ترك نُسكاً فعليه دم"؛ لأنه مبيت مأمور به في مكان مخصوص، وكان واجباً، أو نقول: فوجب بتركه دم.
دليله: ليالى منى.
ومن قال: لا يجب؛ فإن البيتوتة بمزدلفة غير مقصودة، وإنما يبيت ليتأهب لفعل النسك في الغد، فلم يجب بتركه دم، ولم يكن واجباً.
والجواب: أنا لا نسلم أن ذلك غير مقصود.
وإن قاسوا على ليالي منى ففيها روايتان، والفرق بينهما أنها تقصد للجمع.

  • ... * ... *

125 -

مسألة

يجوز رمي جمرة العقبة بعد نصف الليل، وقبل طلوع الفجر:

نص عليه في رواية حرب، وقد تقدم ذكرها.
نص عليه -أيضاً- في رواية حنبل، فقال: ومن رمى جمرة العقبة قبل الفجر فهو جائز.
وبهذا قال الشافعي.

الحديث: 125 - الجزء: 2 - الصفحة: 110

وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز.
دليلنا: ما تقدم من حديث أم سلمة، وأن النبي صلى الله عليه وسلّم قدمها في من قدم، فرمت فبل الفجر.
وفي لفظ آخر: فرمت بليل.
فإن قيل: ليس فيه أنها رمت بأمر النبي صلى الله عليه وسلّم.
قيل: لا يجوز أن يأمر زوجته بالإفاضة من المزدلفة من الليل قبل الناس، ويأمرها بأن توافي مكة مع صلاة الصبح، ولا يُعلمها ما تفعله، ولا يوافقها عليه، ولا يجوز أن تفعل أم سلمة ذلك، ولا تسأله، ويجتمع معها في يوم النحر، فلا تخبره بما فعلته.
وجواب آخر، وهو: قوله: (أرسل أم سلمة، فرمت قبل الفجر) يقتضي أن يكون أرسلها؛ لترمي قبل الفجر، كما لو قال: أذن فلان لفلان، فباع عقاره، أو أجره، أو أدى خراجه؛ فإنه يقتضي أن يكون الإذن في إرساله، وفيما فعله.
وجواب آخر: هو أن أبا عبد الله بن بطة روى هذا الحديث في "سننه" بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن يوم أم سلمة دار إلى يوم النحر، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فرمت الجمرة، وصلت الفجر بمكة.
وقوله: (أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فرمت) يدل على أنها رمت الجمرة بأمره، وأنه أمرها بالإضافة لرمي الجمرة.
والقياس: أن الرمي وجد بعد نصف الليل، أشبه إذا وُجد

الجزء: 2 - الصفحة: 111

بعد طلوع الفجر.
وإن شئت قلت: كل وقت جاز فيه الدفع جاز فيه الرمي قياساً على ما بعد طلوع الفجر.
ونريد بقولنا: إنه يجوز فيه الدفع لأهل الأعذار، وهذا مسلم.
وإن شئت قلت: ما كان وقتاً للرمي فيه مع الجهل به، كان وقتاً له مع العلم به.
دليله: ما بعد الفجر.
وقد قالوا: إنه لو اعتقد أن الفجر طلع، فرمى، ثم بان أنه لم يطلع الفجر، أجزأه.
فلولا أنه وقت للرمي لم يجزئه، ألا ترى أن ما قبل نصف الليل لما لم يكن وقتاً للرمي، استوى فيه الجاهل والعالم.
واحتج المخالف بما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قدم ضعفة أهله ليلة المزدلفة خوف الزحام، وقال لهم: "لا ترموا جمرة العقبة إلا مُصبحين".
والجواب: أن هذه اللفظة غير محفوظة، وإنما المحفوظ من ذلك ما رواه أحمد في "المسند" بإسناده عن ابن عباس قال: قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم -أُغيلمة بني عبد المطلب- على حُمُرات لنا من جمع، قال: فجعل يلطح

الجزء: 2 - الصفحة: 112

أفخادنا، ويقول: "أبني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس".
فهذا هو المعروف، والمراد به الاستحباب دون الإيجاب.
والدلالة على ذلك: أنه أمرهم بذلك بعد طلوع الشمس، وذلك مستحب، وليس بواجب.
وهكذا الجواب عما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه رمى بعد الفجر: أنه على الاستحباب دون الإيجاب بما ذكرنا.
واحتج بأنه وقت للوقوف بعرفة، فوجب أن لا يكون وقتاً للرمي.
دليله: قبل نصف الليل.
ولأنه لو رمى قبل نصف الليل لم يجزئه، كذلك إذا رمى بعد نصف الليل قياساً على اليوم الثالث والرابع من يوم النحر.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون وقت نُسك وقتاً لنسك آخر، كما كان وقت الوقوف وقتاً للإحرام، ووقت الرمي وقتاً للطواف.
وأما النصف الأول، فلا يجوز فيه الدفع من المزدلفة فيه، كما يجوز قبل طلوع الفجر.
وعلى أنه لا يجوز اعتبار النصف الأخير بالنصف الأول، كما لا يجوز ذلك في الرمي في أيام التشريق؛ فإنه يجوز في النصف الأخير من النهار، ولا يجوز في النصف الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 113

وأما اليوم الثالث والرابع، فالمعنى فيه: أنه لا يجوز الرمي فيها قبل الزوال، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا.

  • ... * ... *

126 -

مسألة

لا يجوز رمي الجمار إلا بالحجر خاصة:

نص عليه في رواية حنبل في من رمى بخزف: فلا يجزئه حتى يرمي بالحصى على ما قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "بمثل حصى الخذف".
وقال -أيضاً- في رواية المروذي: وقد سأله عن من رمى بقص، وكان حجراً، فقال: لا يرمي إلا بمثل ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلّم "بمثل حصى الخذف".
قيل له: فإن رمى من غير تلك الحجارة؟ قال: يرمي بما أُمر الحاج مثل حصى الحذف.
ونقل حنبل عنه: إذا رمى بغير حصى، فإن كان قد أخذه، فأعده، فسقط منه، فلا بأس على معنى الضرورة، فأما أن يتعمد لذلك، فلا.
وظاهر هذا: أنه إذا رمى بغير الحصى من غير قصد يجزئه، والمذهب على ما حكيناه.

الحديث: 126 - الجزء: 2 - الصفحة: 114

وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز الرمي بكل ما كان من جنس الأرض كالنورة، والزرنيخ، والجص، ونحو ذلك.
دليلنا: ما روى أحمد بإسناده -وذكره حنبل- عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم غداة جمع: "القط لي حصى"، فلقطت له حُصيات هن كالخذف، قال: "نعم، عليكم بأمثال هذه، وإياكم والغلو في الدين".
وروى أحمد فيما ذكره حنبل بإسناده عن معاذ، أو ابن معاذ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "عليكم بمثل حصى الخذف".
ومعناه: عليكم بمثل حصى الخذف من الحجر.
وأيضاً فإنه رمى بغير جنس الحجر، فوجب أن لا يجوز، قياساً على الدراهم والدنانير والحديد والنحاس والرصاص.
وإن شئت قلت: الكحل جوهر مودع فيها، فأشبه ما ذكرنا.
فإن قيل: المعنى في هذه الأشياء: أنها ليست من جنس الأرض، وإنما هي جواهر مودعة في الأرض، ألا ترى أن طبعها مخالف لطبع الأرض؛ لأنها تنطبع، وأجزاء الأرض لا تنطبع؟

الجزء: 2 - الصفحة: 115

قيل له: أجناس الأرض مختلفة الطباع؛ فمنها الطين، وهو ينطبع بالندا، ومنها الرمل والحجارة، ولا ينطبعان، والحجارة من جنس الأرض، وهي مختلفة؛ فمنها ما ينطبع ويلين للنحت، وتُعمل منه الآنية، ومنها ما لا يلين ويتشقق، فلا يمتنع أن يكون الذهب والفضة وسائر الجواهر من الأرض، وإن كانت تنطبع بالنار.
وقد قيل: إن الرمي عبادة لا يُعقل معناها؛ لأنه إن كان للكرامة فرمى الدراهم والدنانير واللوز والسكر أولى، وإذا كان للنكاية كان رمي والسكاكين أولى، فإذا كان كذلك، وجب المصير إلى ما ورد به الشرع، ولا يصح قياس غيره عليه.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء".
والجواب: أن هذا محمول على الحجارة بما ذكرنا.
واحتج بما روي أن سكينة بنت الحسين رمت بستة أحجار، وأعوزها سابع، فرمت بخاتمها.
والجواب: أن الفرض قد سقط بالست، والسابعة تطوع، وقد نص على ذلك في رواية حنبل وغيره.

الجزء: 2 - الصفحة: 116

وقد قيل: يحتمل أن يكون فصه حجراً فاعتدت بذلك، والخواتيم لا تخلو من فص.
واحتج بأنه رمى بما هو من جنس الأرض، أشبه ما ذكرنا من الأحجار.
والجواب عنه: ما ذكرنا.
واحتج بأنها عبادة تتعلق بالأحجار، فجازت بغيرها، كالاستجمار.
والجواب: أن الاستجمار لما جاز بما ليس من جنس الأرض، وهو الخزف ونحوها، جاز بما كان من جنسها، وليس كذلك الجمار؛ لأنه لا يجوز بما ليس من جنس الأرض، فهو أضيق، فوُقف على الأحجار.

  • ... * ... *

127 -

مسألة

إذا رمى بحجر قد رمى به غيره لم يجزئه:

ذكره أبو بكر في "الخلاف"، وحكاه عن أحمد خلافاً للشافعي في قوله: يجزئه.
دليلنا: قول النبي صلى الله عليه وسلّم لابن عباس: "القط لي مثل حصى الخذف".
أمره بذلك من المزدلفة، وقال "خذوا عني مناسككم"؛ فاقتضى

الحديث: 127 - الجزء: 2 - الصفحة: 117

ذلك أنه لا يجوز من غيره.
كذا رواه أحمد في رواية حنبل، فقال: أحب إليَّ من المزدلفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر أن يُلتقط له من المزدلفة؛ يعني: حصى الجمار.
ويدل عليه ابن عباس قال: الحجر قربان؛ فما تقبل رفع، وما لم يُتقبل تُرك، وكرهنا أن نرمي بما لم يُتقبل.
فقد بين أن ما لم يُقبل يبقى مكانه، فلم يجز أن يرمي به؛ لأن القصد منها القبول، فلا يأمن أن لا يتقبل منه.
ورواه أبو حفص بإسناده عن ابن عباس قال: ما يُقبل من الحصى رُفع، ولولا ذلك لكان أعظم من ثبير.
وأيضاً ما حصلت به القربة على وجه الإتلاف انتقل المنع إليه.
دليله: العتق، والماء المستعمل.
ولا يلزم عليه إذا صلى في ثوب: أنه لا ينتقل المنع إليه؛ لأنه لم يقصد به الإتلاف.
ولا يلزم عليه الحجر الذي استجمر به إذا غسله، ثم استجمر به ثانياً: أنه لا يجوز؛ لأنا لا نعرف فيه رواية، وإن سلمناه، فلا يلزم؛ لأن المنع قد انتقل إليه في الحال، وإنما يزول بغسله، ومثله في الماء

الجزء: 2 - الصفحة: 118

المستعمل قد انتقل المنع إليه، ويزول إذا خالطته قُلتين، والمنع قد يحصل على وجه ينتقل كتحريم الطلاق الثلاث، وقد لا ينتقل كتحريم اللعان.
واحتج المخالف بما رُوي أن ابن مسعود أخذ الحصى من المرمى، ورمى به.
والجواب: أن قول الواحد وفعله ليس بحجة عند مخالفنا، وأما على قولنا، فيعارضه ما رويناه عن ابن عباس.
واحتج بأنه لو استجمر بحجر وغسله، ثم استجمر به ثانياً، جاز، كذلك إذا رمى الجمار.
والجواب: أن القصد من الاستجمار إزالة النجاسة، وهذا موجود بالحجر الواحد، والقصد من الرمي القبول، وذلك لا يحصل.
ولأن الاستجمار يُعقل معناه، وهو الإزالة، وهذا لا يُعقل معناه، فوُقف على ما ورد الشرع به.
ولأن الاستجمار ليس بقُربة محضة، ولهذا يصح من الكافر، ولا يفتقر إلى النية، وهذا قربة محضة، ولهذا لا يصح من الذمي، ويفتقر إلى النية.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 119

128 -

مسألة

فإذا وقعت حصاة في ثوب إنسان، فنفضها عن ثوبه، فوقعت في المرمى، فحكى أبو بكر في "الخلاف" عن أحمد جواز ذلك في رواية بكر بن محمد خلافاً للشافعي في قوله: لا يجزئه:

دليلنا: أن الاعتبار بأن ينفرد بالرمي لا بالأصول، ألا ترى أنه لو رمى بها، فوقعت على موضع صلب مثل محمل، أو حجر، فاستثبتت، فوقعت في المرمى، أجزأه؟ كذلك هاهنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنها حصلت في المكان بفعله، وليس كذلك هاهنا؛ لأنها لم تتحصل في المكان بفعله، فهو كما لو رمي حربه إلى صيد، فتلقاها مجوسي، فرمى بها إلى الصيد، فقتله، لم يجزئه؛ لأن الذي قتله فعل غيره، كذلك هاهنا.
قيل: قوله في علة الفرع: (لم تتحصل في المكان بفعله) لا يصح؛ لأن رجلاً لو جعل في الطريق نبله، فوقع الحجر عليها، ثم استثبتت، وحصلت في المكان؛ فإنها لم تحصل بفعله، بل حصلت بفعله وفعل صاحب النبلة؛ لأن حكم فعله باقٍ بدليل أنه لو عثر بها إنسان، فوقع، فمات، كان ضامناً، ثم مع هذا يجزئه، فالعلة تبطل بهذا.
فأما المجوسي إذا تلقى الرمية، فرمى بها الصيد؛ فإنه إنما حرمناه لاشتراكهما، والذكاة إذا اشترك فيها من تصح ذكاته ومن لا تصح غلبنا

الحديث: 128 - الجزء: 2 - الصفحة: 120

الحظر، وهاهنا يجب أن يختص الرمي بالرامي نفسه؛ لأن هناك العلة: أنه انفرد المجوسي بالرمية.

  • ... * ... *

129 -

مسألة

إذا رمى في آخر أيام التشريق قبل الزوال لم يجزئه:

نص عليه في رواية الأثرم وابن منصور فقال: إذا رمى قبل الزوال يعيد.
وقال أيضاً في رواية المروذي في من نفر قبل الزوال: عليه دم.
وكذلك نقل ابن إبراهيم.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجزئه استحساناً.
وقد روى الأثرم عن أحمد نحو هذا، فقال: أحب إلي أن لا يرمي حتى تزول الشمس.
وظاهر هذا: أنه حكم بصحة الرمي.
وقد علق القول في رواية ابن منصور إذا رمى عند طلوع الشمس في النفر الأول، ثم نفر: كأنه لم ير عليه دماً.
وجه الرواية الأولى: ما روى الأثرم بإسناده عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم رمى جمرة العقبة يوم النحر ضحى، ورمى سائر أيام

الحديث: 129 - الجزء: 2 - الصفحة: 121

التشريق بعدما زالت الشمس.
وروى بإسناده عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم رمى الجمار بعدما زالت الشمس.
وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلّم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع، فمكث بمنى ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى وعند الثانية، فيطيل المقام، ويتضرع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها.
وإذا ثبت هذا من فعله دخل تحت قوله عليه السلام: "خذوا عني مناسككم".
فإن قيل: يُحمل فعله على الجواز.
قيل له: لا يمكن لوجهين: أحدهما: أنه خارج مخرج البيان.
والثاني: أنه قال عليه السلام: "خذوا عني مناسككم"، وهذا أمر.

الجزء: 2 - الصفحة: 122

ولأنه رمي لا يجوز تقديمه على طلوع الفجر، فلا يجوز تقديمه على زوال الشمس.
دليله: اليوم الثاني والثالث.
ولأنه رمي يتعلق بالجمار الثلاث، أو رمي يوم من أيام التشريق، أشبه ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأن وجوب الرمي في هذا اليوم مقصور على من أصبح بمنى، ألا ترى أنه لو نفر قبل ذلك لم يلزمه شيء؟ فإذا كان وقتاً لوجوبه جاز الرمي فيه، ولا يجوز أن يكون وقتاً للوجوب، ولا يكون وقتاً للجواز.
وليس كذلك ما قبله من الأيام؛ لأن وجوب الرمي فيها غير مقصور على من أصبح كائناً فيها، ألا ترى أنه لا يجوز له النفر في تلك الأيام قبل الرمي، وإن تركه لزمته الفدية؟ والجواب: أنا لا نسلم أن وجوب الرمي في هذا اليوم مقصور على من أصبح بمنى من هذا اليوم، وإنما وجوبه متعلق بغروب الشمس في اليوم الثاني، فإذا لم ينفر حتى غربت الشمس لزمه أن يبيت بمنى، ويرمي من الغد إذا زالت الشمس، فامتنع أن يكون وجوب الرمي مقصور

الجزء: 2 - الصفحة: 123

على الصبح من اليوم الآخر، وإنما هو مقصور على ليلة هذا اليوم، والقرآن يشهد لهذا، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]، وهذا يقتضي أن يكون التعجيل في اليوم الثاني، وهو قبل غروب الشمس، فمن لم يتعجل فيه لزمه أن يقيم فيه.
وجواب آخر، وهو: أن وجوبه مقصور على ترك التعجيل في يومين، فعاد إلى أصله؛ لأن الله -تعالى- جعل التعجيل رخصة في ترك الرمي في اليوم الثالث، وإذا لم يتعجل زالت الرُّخصة، ولزمه أن يبيت، ويرمي في وقته، كما أن تعجيل العصر إلى الظهر رخصة عندنا، فإذا لم يتعجل زالت الرُّخصة، ولزمه أن يصلي العصر في وقتها.
واحتج بأنه يوم سن فيه الرمي يجاوره يوم لا رمي فيه، أشبه يوم النحر.
والجواب: أنا لا نسلم أن العلة في الأصل ما ذُكر، وأنه يوم لا يجاوره يوم لا رمي فيه.
ثم نقابله فنقول: يوم شُرع فيه رمي، يتقدمه يوم شرع فيه رمي، فلا يجوز تقديمه على زوال الشمس.
أصله: اليوم الأول واليوم الثاني من أيام التشريق.
وعكسه: يوم النحر؛ فإنه لما كان لا يتقدمه يوم شرع فيه رمي، جاز تقديمه على زوال الشمس.

الجزء: 2 - الصفحة: 124

ولأن إلحاق اليوم الثالث باليوم الأول والثاني، أولى من إلحاقه بيوم النحر؛ لأن اليوم الثالث من جنس اليوم الأول والثاني في تعلق الرمي بالجمار الثلاث، وفي عدد الحصيات، وكونه خارج الإحرام؛ لا يتعلق به التحلل منه، وقياس الشيء على نظيره أولى.

  • ... * ... *

130 -

مسألة

إذا غابت الشمس يوم النفر الأول، وهو بمنى، فعليه أن يبيت الليلة بها، ويرمي من الغد:

نص عليه في رواية المروذي، فقال: ينفر الرجل، فإن صلى العصر وأمسى، فلا ينفر إلى الغد.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم في القوم ينفرون النفر الأول: فإن أمسوا بمنى لم ينفروا، وإن لم يمسوا، فلا بأس أن يقيموا بمكة.
وكذلك نقل ابن منصور عنه في من أدركه المساء يوم الثاني بمنى: يقيم إلى الغد حتى تزول الشمس.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: له أن ينفر قبل طلوع الفجر من آخر أيام التشريق، فإن طلع الفجر، وهو بمنى، وجب الرمي في اليوم.

الحديث: 130 - الجزء: 2 - الصفحة: 125

دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]. وهذا ظاهر في أن التعجيل بالنهار دون الليل؛ لأن اسم اليوم للنهار.
يدل عليه: أن أهل اللغة قالوا: اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس.
ويدل عليه: أنه إذا قال: (لله على أن أعكتف يوماً) لزمه أن يعتكف ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس.
وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه أمر رجلاً فنادى: أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين، فلا إثم عليه، ومن تأخر، فلا إثم عليه.
وروى المنذر بإسناده عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني بمنى، فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس.
ولا يُعرف له مخالف.
ولأنه لم يتعجل في يومين، فلزمه المقام حتى يرمي قياساً على من لم ينفر حتى طلع الفجر.
واحتج المخالف بأنه لم يدخل وقت الرمي في اليوم الأخير،

الجزء: 2 - الصفحة: 126

فوجب أن لا يلزمه الرمي في ذلك اليوم، وله أن ينفر.
دليله: قبل غروب الشمس من يوم النفر الأول.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لم يدركه الليل قبل النفر، وليس كذلك هاهنا؛ فإن الليل أدركه قبل النفر، فزالت رخصة التعجيل.
ولأن التعجيل في اليومين رخصة، فإذا انقضى اليومان زالت رخصة التعجيل، ولزمه الرمي في وقته، فكان الاعتبار بانقضاء اليومين، لا بدخول وقت الرمي.

  • ... * ... *

131 -

مسألة

إذا بدأ في اليوم الثاني بجمرة العقبة، ثم بالوسطى، ثم بالأولى، لم يجزئه إلا مرتباً، ويعيد الوسطى والأخيرة:

نص عليه في رواية الأثرم وابن منصور.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجزئه.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحَّال في من رمى الجمرة قبل جمرة: أرجو أن لا يكون عليه شيء إذا كان ناسياً.
دليلنا: ما تقدم من حديث عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلّم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع، فمكث بمنى ليالي أيام التشريق،

الحديث: 131 - الجزء: 2 - الصفحة: 127

[يرمي الجمرة إذا زالت الشمس]، كل جمرة بسبع حصيات، [يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى وعند الثانية، فيطيل المقام، ويتضرع]، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها.
فأخبرت أنه بدأ برمي الأولى، ثم الثانية، ثم جمرة العقبة، وفعله إذا ورد مورد البيان اقتضى الوجوب.
ولأنه قال: "خذوا عني مناسككم".
ولأنه نسك يتكرر من جنس متعلق بأماكن، فيجب أن يكون الترتيب المشروع فيه شرطاً في صحته.
دليله: ترتيب السعي على الطواف.
ولا يلزم عليه الرمي وطواف الزيارة أن الترتيب فيهما غير واجب؛ فإنهما جنسان، ونحن قلنا: من جنس، والطواف والسعي من جنس؛ لأنهما جميعاً شيء ذو عدد.
فإن قيل: المعنى في تقديم السعي على الطواف: أنه تابع للطواف، فلهذا كان الترتيب مستحقاً، وليس كذلك هاهنا؛ لأن كل جمرة ليست بتابعة لغيرها.

الجزء: 2 - الصفحة: 128

قيل له: لا نسلم لك هذا؛ لأن الجمرات تتبع بعضها بعضاً، كالسعي مع الطواف.
وقد قيل: إنه نسك مبني على التكرار، فوجب أن يكون موضع البداية مستحقاً، كالبداية بالصفا ثم بالمروة إذا أراد السعي بينهما، والبداية بالحجر الأسود في الطواف.
وبعضهم يمنع هذا الأصل، ويقول: روى ابن شجاع عن أبي حنيفة: أنه إن بدأ بالمروة وختم بالصفا أجزأه.
واحتج المخالف بأنها مناسك تتعلق بأمكنة، جمعها وقت واحد، ليس بعضها تابعاً لبعض، فوجب أن يكون الترتيب فيها ساقطاً.
دليله: الرمي وطواف الزيارة.
ولا يلزم عليه صلاتا عرفة؛ لأنها لا تتعلق بأماكن متفرقة.
ولا يلزم عليه تقديم الطواف على الوقوف؛ لأنه لا يجوز؛ لأنه لم يجمعها وقت واحد.
ولا يلزم عليه تقديم السعي على الطواف؛ لأنه تبع للطواف.
والجواب: أنا لا نسلم أن بعضها ليس بتابع لبعض، وإذا سقط هذا الوصف انتقض بالسعي مع الطواف.
على أن أعمال يوم النحر فيها نص، وهو قوله صلى الله عليه وسلّم فيما قُدم وأُخر:

الجزء: 2 - الصفحة: 129

"افعل، ولا حرج"، وليس في الفرع ما يمنع الترتيب، فوجب أن يكون شرطاً.
ولأن أعمال يوم النحر يجب الدم بتقديم بعضها على بعض عنده، وهاهنا لا يجب الدم عنده، وعندنا لا يجب الدم فيها، وتجب الإعادة في الجمرات، فدل إجماعنا على الفرق بينهما.

  • ... * ... *

132 -

مسألة

إذا أخَّر رمي يوم إلى الغد -أو إلى ما بعده- رماه، ولا دم عليه، وأيام الرمي كلها بمنزلة اليوم الواحد، فإن ترك الرمي في يوم منها، رماه فيما بعد إلى أن تنقضي أيام التشريق:

نص على هذا في رواية ابن منصور: وقد سئل عن الرمي بالليل إذا فاته، فقال: أما للرعاء فقد رخص لهم، وأما غيرهم، فلا يرمي إلا بالنهار من الغد إذا زالت الشمس، يرمي رميين.
وقال في رواية أبي طالب: من نسى رمياً، ثم ذكر من الغد، يرمي من الغد، ومن نسي رمي الجمار حتى خرج، فعليه دم.
قال في رواية إسحاق بن إبراهيم: وقد سئل عن الرجل ينسى رمي جمرة العقبة، فذكرها في أيام التشريق، فقال: يُروى عن سعيد بن

الحديث: 132 - الجزء: 2 - الصفحة: 130

المسيب في الرجل ينسى الرمي: يرمي إذا ذكر في أيام منى، فإذا جازت أيام منى، ثم ذكر، فعليه دم.
وسئل -أيضاً- عن الرجل ينسى رمي الجمار إلى الغد قال: لا بأس، يرميها من الغد.
قيل له: فإن نسي، ثم خرج من البلاد، فقال: كان عطاء يقول: عليه دم.
وقال أبو حنيفة: إن أخَّر رمي يوم إلى الليل رمى، ولا شيء عليه، وإن أخَّر إلى الغد رماه، وعليه دم.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: إن رمي كل يوم محدود الأول محدود الآخر، فيرمي، ويريق دماً.
فالدلالة على أنه يقضي من الغد، ولا دم عليه: ما روى عبد الله ابن بطة بإسناده عن أبي البداح بن عاصم، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر.
وروى في لفظ آخر قال: رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلّم للرعاء أن يرموا

الجزء: 2 - الصفحة: 131

يوماً، ويدعو يوماً.
وقد رواه أحمد، كذلك ذكره أبو بكر.
فوجه الدلالة: أنه رخص في التأخير إلى الغد، ولم يوجب الدم.
فإن قيل: معناه رخص لهم في تأخيره إلى الليل.
قيل له: قد روينا في الخبر: أنه قال: رخص للرعاء أن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً.
وهذا يقتضي أن يكون الرمي في النهار دون الليل.
وفي لفظ آخر قال: ثم يرموا يوم النفر.
وهذا يقتضي التأخير إلى آخر النهار.
فإن قيل: الدم مسكوت عنه، فلا دلالة فيه على إسقاطه.
قيل له: لو كان واجباً لذكره وبينه، كما بين رخصة التأخير، ولما لم يبين ذلك دل على أنه غير واجب.
والقياس أنه زمان يصح فيه الرمي، فلا يجب بتأخيره إليه دم.
دليله: إذا أخره من النهار إلى الليل.
فإن قيل: تأخير الرمي إلى الليل ليس بمنهي عنه، فلهذا لم يجب الدم، وتأخيره إلى اليوم الثاني منهي عنه، فلهذا وجب الدم.
قيل: لا نسلم أنه منهي عنه، بل جميع الأيام الثلاثة وقت للرمي؛

الجزء: 2 - الصفحة: 132

أداء لا قضاء، إنما يكون تاركاً للفضيلة، كما يكون تاركاً لها بالتأخير إلى الليل.
ولأنه أخر الرمي إلى يوم فيه رمي، فوجب أن لا يفوت فيه، كالرعاء.
ولأنه بتأخيره إلى اليوم الثاني والثالث يكون مؤدياً لا قاضياً؛ لأنه لو كان قضاء لم يكن زمانه محصوراً يفوت بفواته، كسائر العبادات، فلما ثبت أنه يفوت بفوات أيام التشريق ثبت أنه وقت للأداء.
ولا يدخل عليه قضاء رمضان؛ لأن القضاء ليس له وقت يفوت فيه.
ولأنه نسك أخره عن وقت الفضيلة إلى وقت الجواز، فلم يجب بتأخيره دم، كما لو أخَّر الوقوف من النهار إلى الليل.
ولهذه العلة قلنا: لا يجب بتأخير طواف الزيارة والحلاق ودم المتعة وصوم المتعة دم على الصحيح من الروايات؛ لأنه أخَّره إلى جواز فعله.
ولا يلزم عليه إذا أخره عن أيام التشريق؛ لأنه أخره عن جواز فعله، وكذلك إن أخر الوقوف حتى طلع الفجر.
واحتج المخالف بأنه منهي عن تركه إلى الغد لغير عذر، وكونه منهياً عنه يوجب نقصانه، فيحتاج أن يجبر ذلك، كالنقص الداخل في سائر المناسك مثل الإحرام من غير الميقات وغيره.
ولا يلزم عليه تأخيره إلى الليل؛ لأنه غير منهي عن تأخيره إليه؛

الجزء: 2 - الصفحة: 133

لأن النبي صلى الله عليه وسلّم رخص للرعاء أن يرموا ليلاً.
والجواب: أنا قد منعنا الوصف، وقلنا: إنه غير منهي عنه؛ فإن جميع الأيام الثلاثة وقت للرمي.
ثم هذا يبطل به إذا نكس الجمار؛ فإنه منهي عنه، ومع هذا، فلا دم عليه عندهم.
وكذلك منهي عن ترك الاضطباع والرمل في الطواف، ولا يجب الدم بتركه.
ثم المعنى في الإحرام من الميقات: أنه واجب، ولا يجوز تأخيره عن الموضع الذي شرع فيه، وليس كذلك هاهنا؛ فإن الرمي حيث شُرع فيه، فهو بالنهار غير واجب فيه؛ لأنه يجوز تأخيره إلى الليل عند المخالفة.
ولأن مخالفة المكان مفارقة لمخالفة الزمان، ألا ترى أن تأخير الوقوف من النهار إلى الليل لا يوجب دماً، وإذا أخره عن موضعه لم يصح، ولم يعتد به، وكذلك الطواف.

  • ... * ... *

133 -

مسألة

لا يختلف المذهب إذا ترك ثلاث حصيات: أنه يجب عليه الفدية، وإذا ترك أقل من ثلاث ففيه ثلاث روايات:

إحداها: يجب الجزاء بترك كل واحدة من الحصيات.

الحديث: 133 - الجزء: 2 - الصفحة: 134

قال في رواية: إذا ترك حصاة ففيها دم.
وهو قول الجماعة.
وفيه رواية ثانية: لا جزاء فيها.
قال في رواية حنبل: إذا رمى بست، فلا بأس.
قيل له: وخمس؟ قال: وخمس، وأحب إلى سبع.
وفي رواية ثالثة: لا يجب الجزاء بترك حصاة، ويجب بترك حصاتين.
وقال في رواية صالح: وقد سئل عن الرجل يرمي بخمس، أو بست، قال: خمس لا، ولكن بست وسبع.
وكذلك قال في رواية المروذي: إذا رمى سادسة ونسي السابعة، فلا شيء عليه، فإن رمى بخمسة فعليه دم.
وكذلك قال في رواية ابن منصور: إذا رمى بست أرجو.
وجه الرواية الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلّم رمى بسبع، وقال: "خذوا عني مناسككم".
وهذا يدل على وجوب السبع، فإذا ترك بعضها دخل تحت

الجزء: 2 - الصفحة: 135

قوله عليه السلام: "من ترك نُسكاً فعليه دم".
وكل جملة كانت مضمونة كانت أبعاضها مضمونة.
دليله: الصيد.
ووجه الثانية والثالثة: ما رواه أبو طالب بن العشاري بإسناده عن سعد قال: رمينا الجمرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثم جلسنا نتذاكر، فمنا من قال: رميت بست، ومنا من قال: رميت بسبع، ومنا من قال: رميت بثمان، ومنا من قال: رميت بتسع.
ورواه حنبل بإسناده عن عبد الله بن أبي نجيح قال: سألت طاوساً عن الرجل يرمي الجمار بست حصيات، قال: يتصدق بقبضة من طعام؟ فلقيت مجاهداً، فسألته، وأخبرته بقول طاوس، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن! سمع قول سعد: رمينا في حجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثم جلسنا نتذاكر، فمنا من قال: رميت بست، ومنا من قال: رميت بسبع، ومنا من قال: رميت بثمان، ومنا من قال: رميت بتسع.
فلم يرَ بذلك بأساً.
والجواب .... واحتج بأنه ترك من الرمي ما لا يُضمن بالدم، فلم يكن مضموناً،

الجزء: 2 - الصفحة: 136

كالدعاء عند الجمرة واستقبال القبلة.
والجواب: أن ما لا مثل له من الصيد لا يُضمن بالدم ويُضمن بالجملة، وكذلك الشعر والظفر إن سلمه هذا القائل.

  • فصل: إذا ثبت أن ما دون الثلاثة مضمون، فبماذا يُضمن؟ فيه روايات: أحدها: يضمن الواحدة بمُد، والاثنتين بمدين بناء على الشعرة والشعرتين.
    نص عليه في رواية حنبل في الشعر.
    وفيه رواية ثانية: في حصاة قبضة من طعام، وفي حصاتين قبضتان من طعام، وفي ثلاثة دم.
    نص على ذلك في الشعرة والشعرتين في رواية حنبل، فقال: في شعرة أو شعرتين قبض من طعام، وفي ثلاثة دم.
    وفيه رواية ثالثة: في حصاة درهم، أو نصف درهم، وفي حصاتين درهمان، أو درهم، وفي الثلاث دم.
    نص على ذلك في ليالي منى، فقال في رواية إسحاق بن إبراهيم في الرجل يبيت من ليالي منى بمكة قال: يتصدق بدرهم، أو بنصف درهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 137

وكذلك نقل أبو طالب.
ووجه الجمع بين الأحجار وبين الشعر وليالى منى: أن كل واحد من ذلك للدم مدخل في جميعه، ولغير الدم مدخل في بعضه، فجاز أن يُبنى بعضه على بعض.
وفيه رواية رابعة: يجب في حصاتين دم.
نص عليه في رواية المروذي: إذا رمى بسادسة ونسى السابعة، فلا شيء عليه، فإن رمى بخمسة فعليه دم.
وقد اختلف الفقهاء في ذلك، وقال أبو حنيفة: إذا ترك حصاة فعليه طعام مسكين نصف صاع.
وحُكي عن مالك: عليه دم.
وللشافعي ثلاثة أقاويل: أحدها، وهو المشهور: مُد من الطعام.
والثاني: درهم.
والثالث: ثلث دم.
فالدلالة على إيجاب الإطعام خلافاً لمالك وأحد الأقوال للشافعي: أن ضمان الجمار يجري مجرى ضمان الصيد؛ لأن جملتها مضمونة، وإبعاضها مضمونة، كالصيد، ثم ثبت أن للإطعام مدخلاً في جزاء الصيد؛ لأنه بالخيار بين المثل وبين الإطعام، وكذلك يجب في مسألتنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 138

ولأن في تضمينه بالدم إيجاب أجزاء الحيوان، وإيجاب جزء من حيوان يشق ويحرج، ألا ترى أن زكاة الغنم والبقر من جنسها، ولم يجب فيه جزء من حيوان، وزكاة الإبل قبل خمسة وعشرون من غير جنسها؛ لأن إيجاب جزء منها يشق، كذلك هاهنا يشق، فوجب أن يسقط وجوبه.
والدلالة على أن ما قدره مد خلافاً لأبي حنيفة في قوله: نصف صاع: أنه طعام من البر مقدر على وجه التكفير، فوجب أن يتقدر بالمد.
دليله: كفارة اليمين.
ولا يلزم عليه طعام التمر والشعير؛ لقولنا: في البر.
فإن قيل: لا نسلم الأصل؛ لأن عندنا: أنه يجب نصف صاع من البر، وهذا خلاف ظاهر مذكور في الكفارات.
قيل: إذا لم يسلم دللنا عليه بما رواه أحمد قال: ثنا إسماعيل قال: ثنا أيوب عن أبي زيد المدني قال: جاءت امرأة من بني بياضة بن سوار بنصف وسق شعير، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم للمظاهر: "أطعم هذا؛ فإن مُدي شعير مكان مُدبر".
وهذا نص في الاقتصار على مد البر.
وأيضاً فإن مقدار المد واجب بالإجماع منا ومنهم، وما زاد عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 139

من المد الثاني مختلف فيه، فمن ادعى وجوبه فعليه الدليل؛ لأن الذمة بريئة.
فإن قيل: الذمة قد ارتهنت بترك حصاة، واختلفنا في براءتها بمد، فمن ادعى براءتها فعليه الدليل.
قيل له: لا نقول: إن ذمته اشتغلت على الإطلاق، وإنما نقول: ارتهنت بمقدار المد، وإذا أداه برئت ذمته؛ لأنه قد أدى ما ارتهنت به ذمته.
وأيضاً فإنها كفارة، فلا يجب فيها الدرهم.
دليله: سائر الكفارات.
واحتج من أوجب الدم بأنه ضمان لأجل الإخلال برمي واجب، وكان مضموناً بالدم.
دليله: إذا ترك ثلاث حصيات.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الكثير بالقليل في باب الفدية، ألا ترى أن مالكاً قال في حلق الشعر: إذا كان ما يميط أذى وجبت فيه الفدية، وإن لم يمط أذى، فلا فدية عليه.
وكذلك لو أتلف جميع الصيد ضمنه بكمال القيمة، ولو أتلف عضواً منه لم يضمنه بذلك.
واحتج من قال: (يجب درهم) بأن كل شيء ضمن بمثله، فإذا تعذر

الجزء: 2 - الصفحة: 140

مثله وجبت قيمته من غالب نقد البلد، كمن أتلف على غيره ما له مثل، فتعذر مثله، كان عليه قيمته من غالب نقد البلد.
والجواب: أن هذا يبطل بالصيد؛ فإنه إذا تعذر مثله عدل إلى الطعام، ولم يعدل إلى الدراهم، كذلك هاهنا.
واحتج من قال: (يضمنه بنصف صاع) بأنه طعام مقدر على وجه التكفير، فوجب أن لا يتقدر للمسكين أقل من نصف صاع، كفدية الأذى.
والجواب: أنه لا فرق بين المسألتين، وذلك أن في فدية الأذى يجزئه مد من بر، أو نصف صاع تمر، أو شعير، ومثله نقول هاهنا.
وقال في إطعام المساكين في الفدية: إن أطعم براً مد لكل مسكين، وإن أطعم تمراً نصف صاع لكل مسكين، وهي ستة مساكين.

  • ... * ... *

134 -

مسألة

فإن ترك ثلاث حصيات ففيها دم، وفي جميع الجمار دم:

وقد حكينا كلام أحمد في رواية المروذي: في حصاتين دم، وإن نسيها كلها فعليه دم، وإن نسى جمرة واحدة فعليه دم.
وقال أبو حنيفة: في ثلاث طعام؛ في كل حصاة نصف صاع، إلا أن تبلغ قيمة الطعام قيمة شاه، فيكون مخيراً بين الطعام وبين الدم، فإن زادت قيمته على قيمة الشاه لم يلزمه أكثر من شاة.

الحديث: 134 - الجزء: 2 - الصفحة: 141

واختلف قول الشافعي في ذلك، فقال: في ثلاث حصيات دم إلى آخر حصاة، وهو المشهور عندهم.
وفيه قول آخر: أن كل يوم منفرد بنفسه، في ثلاث حصيات من يوم النحر إلى إتمام سبع حصيات دم، وفي ثلاث حصيات من أيام منى إلى آخر حصاة من أيام منى دم.
فحصل من هذه الجملة أنه إذا ترك جميع الحصيات ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: دم واحد، وهو أصح.
والثاني: دمان.
والثالث: ثلاثة دماء.
والدلالة على أنه يجب في الثلاثة فصاعداً دم خلافاً لأبي حنيفة: أنه ترك من عدد الحصى ما يقع اسم الجمع المطلق، فوجب أن يكون فيه دم.
دليله: إذا كانت قيمة الطعام أكثر من قيمة شاة.
ولأن القليل لا يوجب الدم، والكثير يوجبه، ولا بد من حد فاصل بين القليل والكثير، وكان أولى معدود ثلاثة؛ لأنها أول حد الكثرة وآخر حد القلة.
واحتج المخالف بأنه قد ثبت أن في ترك جميع الحصى دم، فوجب أن يكون في ترك أوله صدقة، كما لو ترك حصاة واحدة.

الجزء: 2 - الصفحة: 142

والجواب: أن الحصاة ناقصة عن أقل الجمع، فلهذا فيها صدقة، وليس كذلك في الثلاثة؛ فإنه جمع مطلق، وكملت الفدية فيه، فوجب الدم.

  • ... * ... *

135 -

مسألة

ليس في يوم النحر خطبة:

نص عليه في رواية ابن القاسم: وقد سئل: كم يخطب في الحج؟ فقال: أما ابن الزبير؛ فإنه يروى عنه: أنه كان يخطب أيام الحج كلها، ولكن يخطب بعد يوم النحر بيوم.
قيل له: فيخطب يوم النحر؟ قال: يخطب بعد يوم النحر بيوم.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: يخطب فيه.
دليلنا: أن يوم عرفة فيه خطبة مسنونة، فوجب ألا يكون في اليوم الذي يليه خطبة، ألا ترى أنه لما كان في يوم النفر الأول خطبة لم يكن في الذي يليه -وهو النفر الثاني- خطبة.
ولأن الإمام يعلمهم في خطبة يوم عرفة ما يحتاجون إليه في يوم النحر، فلا حاجة به إلى إعادة الخطبة، ألا ترى أنه لما أعلمهم في النفر الأول ما يحتاجون إليه في الغد، وهو النفر الثاني، لم يحتج إلى إعادة الخطبة فيه.

الحديث: 135 - الجزء: 2 - الصفحة: 143

فإن قيل: فقد يحتاج في يوم النحر إلى أشياء تفتقر إلى الخطبة؛ لأن يوم الحج الأكبر، وفيه مناسك كثيرة بمنى، وخروجهم إلى مكة لطواف الزيارة والسعي بين الصفا والمروة، وعودهم إلى منى للمبيت غير أهل السقاية والرعاء ومن له عذر، وهذا يحتاج إلى خطبة مستأنفة.
قيل له: هذا يذكره في خطبة عرفة.
واحتج المخالف بما رواه أبو داود بإسناده عن الهرماس بن زياد الباهلي: أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يخطب الناس على ناقته العضباء يوم النحر بمنى.
وروى أبو داود بإسناده عن أبي أُمامة الباهلي أنه قال: سمعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلّم يوم النحر بمنى.
وروى ابن جريج، عن أبي الزبير، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلّم بينما هو يخطب يوم النحر إذ قام إليه رجل، فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، فذكر الحديث، وذكر الخطبة.
والجواب: أن تلك الخطبة لم تكن من أسباب الحج، ولم يذكر

الجزء: 2 - الصفحة: 144

فيها مناسك الحج، وإنما ذكر أحكاماً أخرى، وهي خطبة مشهورة.
فإن قيل: فهذا لا يدل على أنه لم تكن من خطب الحج، ألا ترى أن أبا داود روى بإسناده عن أبي جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أنه وصف حج النبي صلى الله عليه وسلّم، فذكر فيه: أنه خطب يوم عرفة، فقال في خطبته: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا.
ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب؛ كان مسترضعاً في بني سعد، فقتلته هُذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضعه ربا العباس بن عبد المطلب.
اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله".
وذكر كلاماً طويلاً لا يتعلق بالحج، ولم يدل على أن تلك الخطبة لم تكن من خطب الحج.
وقد ذكر في هذا ما يتعلق بمناسك الحج؛ فإنه قال فيما سُئل عنه: "لا حَرَجَ، لا حَرَجَ".
وقال: "أيها الناس! تعلموا مناسككم؛ فإنها من دينكم".

الجزء: 2 - الصفحة: 145

وقال فيها: "إذا رميتم وحلقتم وذبحتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء".
وغير ذلك.
قيل له: هذا الاحتمال موجود في خطبة عرفة أيضاً، وفي كل خطبة خطبها، وأنه يحتمل أن يكون لبيان حكم شرعي لا يتعلق بالحج، ولكن الإجماع حصل على أن خطبة عرفة كانت للحج.
واحتج بأنه يوم معين شُرع فيه ركن من أركان الحج، وهو طواف الزيارة، فوجب أن تكون الخطبة فيه مسنونة قياساً على يوم عرفة.
وفيه احتراز من اليوم الذي يحرم بالحج فيه؛ لأنه غير معين.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه من أيام الحج لم يخطب في الذي قبله، وهذا قد خطب في الذي قبله، فلم يخطب فيه.
ولأن يوم عرفة يختتص الرُّكن به، فقوي، وهذا اليوم لا يختص الرُّكن به، فضعف.
ولأن يوم النحر يُخطب فيه في سائر الأمصار؛ ليُعلم ما يُفعل فيه، ولم يحتج إعادة الخطبة.
قالوا: إذا سُنت الخطبة في يوم عرفة فلأن تُسن في يوم النحر أولى؛ لأن يوم النحر يوم الحج الأكبر، وأعمال المناسك فيه أكثر.
والجواب: أن هذا يوجب أن يكون يوم التروية أولى أن تُسنَّ

الجزء: 2 - الصفحة: 146

فيه الخطبة من اليوم الذي قبله؛ لما ذكرت.

  • ... * ... *

136 -

مسألة

في النفر الأول خطبة مسنونة، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق:

وهو معنى قول أحمد في رواية ابن القاسم: يخطب بعد يوم النحر بيوم.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: ليس فيه خطبة مسنونة، وإنما الخطبة المسنونة اليوم الثاني من يوم النحر.
وهو قول مالك.
دليلنا: ما روى أبو داود في "سننه": أن النبي صلى الله عليه وسلّم خطب في أوسط أيام التشريق.
فإن قيل: ليس فيه بيان كيفية تلك الخطبة.
قيل له: ولأن الإمام يحتاج أن يعلم الناس أن من تعجل في ذلك اليوم، فلا إثم عليه، ومن تأخر، فلا إثم عليه، وأن من تأخر فعليه الرمي في اليوم الرابع.

الحديث: 136 - الجزء: 2 - الصفحة: 147

فإن قيل: هذه الأحكام يذكرها في خطبته يوم الثاني من يوم النحر.
قيل له: في اليوم الثاني ليس عندنا خطبة.
وعلى أنه إن جاز أن يقال: يذكرها في خطبة اليوم الثاني، جاز أن يقال: يذكرها في خطبة يوم عرفة.
واحتج المخالف بأنه يوم أُبيح فيه للحاج النفر، فأشبه اليوم الأخير.
والجواب: أن اليوم الأخير لا حاجة به إلى الخطبة؛ لأنه لم يُشرع فيه، ولا بما بعده نسك، وليس كذلك في النفر الأول؛ لأن فيه نسكاً يحتاج إلى بيان من تعجل وتأخر، فلهذا أفرقنا بينهما.

  • ... * ... *

137 -

مسألة

ليس في اليوم السابع خطبة:

وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية ابن القاسم؛ لأنه سأله: متى يخطب يوم عرفة، فقال: قبل صلاة الظهر، فقيل له: ثم يخطب في الحج؟ فقال: يخطب بعد يوم النحر.
وظاهر هذا: أنهما خطبتان في الحج؛ يوم عرفة ويوم النَّفر الأول.

الحديث: 137 - الجزء: 2 - الصفحة: 148

وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يخطب يوم السابع.
دليلنا: أنه يوم لم يُشرع فيه نسك من مناسك الحج، فلم تُشرع فيه الخطبة.
دليله: اليوم الأخير من أيام التشريق.
ولا يلزمه عليه يوم عرفة، ويوم النفر الأول؛ لأنه يوم شرع فيه النسك.
واحتج المخالف بما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلّم خطب الناس اليوم السابع من ذي الحجة، وأمرهم بالغدو إلى منى.
والجواب: أنه ليس فيه بيان الخطبة.
واحتج بأن هذا اليوم، وإن لم يكن فيه نسك؛ فإنه يخطب لما يعلمونه من اليوم الثامن، وهو يوم التروية؛ فإنه يأمرهم بالغدو إلى منى محرمين، وأن يوفوا منى قبل صلاة الظهر، فيصلون الظهر فيها مع الإمام، ويصلون العصر في وقتها، والمغرب في وقتها، والعشاء الآخرة في وقتها، والصبح في الغد في وقتها، فإذا طلعت الشمس رحلوا إلى عرفة في أول بزوغها، فهو كيوم عرفة، يبين لهم ما يفعلون في يومهم؛ لأن في مناسك كثيرة، ويبين لهم رجوعه من عرفة، ومبيتهم بالمزدلفة، وجمعهم بين المغرب والعشاء الآخرة، ووقوفهم على قرح إذا أصبحوا، ودفعهم الإمام منها إذا اشتد النهار قبل طلوع الشمس إلى أن يوافوا منى.

الجزء: 2 - الصفحة: 149

والجواب: أن هذه الأشياء ليست مناسك في أنفسها، ولا هي مقصودة، فلم تشرع الخطبة لبيانها، وتفارق الخطبة في يوم عرفة ويوم النفر الأول؛ لأنها تتضمن بيان أشياء مقصودة؛ إما أركان، أو واجبات يأثم بتركها.
ويجبرها الدم.

  • ... * ... *

138 -

مسألة

إذا ترك المبيت بمنى الليالي الثلاث من غير عُذر فقد أساء، وهل يجب عليه الدم، أم لا؟

قال أبو بكر في كتاب "الشافي": فيه ثلاث روايات: أحدها: عليه دم.
رواها حنبل عن أحمد أنه قال: ولا يبيت أحد ليالي منى من وراء العقبة، ومن وراء البيت رجع من ساعته، فمن بات فعليه دم.
وقد نص -أيضاً- في رواية الجماعة: إذا ترك المبيت بالمزدلفة فعليه دم، والحكم فيهما واحد.
وبهذا قال مالك.
وفيه رواية أخرى: لا دم عليه، ولا صدقة.
نص عليه في رواية المروذي: من بات بمكة ليالى منى يتصدق بشيء، وإن بات من غير عُذر أرجو أن لا يكون عليه شيء.

الحديث: 138 - الجزء: 2 - الصفحة: 150

وهو اختيار أبي بكر، وبه قال أبو حنيفة.
وفيه رواية ثالثة: عليه صدقة قدرها درهم، أو نصف درهم.
نص عليه في رواية أبي طالب وابن إبراهيم: لا يبيت أحد بمكة ليالى منى، فمن غلبته عينه فليتصدق بدرهم، أو بنصف درهم، كذا قال عطاء.
وقال -أيضاً- في رواية حرب في الرجل يبيت من وراء العقبة ليالى منى، قال: يتصدق بشيء.
وقال في رواية الأثرم: فمن جاء للزيارة فبات بمكة يعجبني أن يطعم شيئاً، وخففه بعضهم بقول: ليس عليه شيء، وإبراهيم يقول: عليه دم، وضحك، وقال: الدم شديد.
وكذلك نقل محمد بن عبده.
وللشافعي قولان: أحدهما: عليه دم، وهو أصح.
والثاني: لا دم عليه.
وجه الرواية الأولى -وأنه يجب الدم خلافاً لأبي حنيفة ومن وافقه-: ماروى عبد الله بن عمر: أن العباس بن عبد المطلب استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلّم يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له.
فدل على أنه ليس لسائر الناس ترك المبيت، ولا الترخص بذلك،

الجزء: 2 - الصفحة: 151

وإذا لم يجز تركه ثبت وجوبه، ووجوب الدم لتركه لقوله عليه السلام: "من ترك نُسكاً فعليه دم".
فإن قيل: نحن نقول: ليس لأحد أن يترخص بغير عذر، وتاركه مسيء.
قيل: إذا ثبت أنه ليس لأحد تركه لغير عذر ثبت وجوبه، وعندك أنه لا يجب.
فإن قيل: قد يجوز لغير العباس تركه عندك، وهم الرعاة ومن له عذر.
قيل له: لأنه في معنى العباس من جهة العذر، فلهذا جاز له تركه.
ولأنه نسك يفعل بعد كمال التحلل، وكان واجباً يجب بتركه دم.
دليله: الرمي والطواف والوداع.
فإن قيل: طواف الوداع نسك في نفسه، وهذا ليس بنسك في نفسه.
قيل له: الرمي بنسك في نفسه، ومع هذا فهو واجب، ويجب بتركه دم.
ولأنه مبيت مأمور به بعد الوقوف، وكان واجباً.

الجزء: 2 - الصفحة: 152

دليله: ليلة لمزدلفة؛ فإنها تجب رواية واحدة.
فإن قيل: تلك مقصودة لفعل نسك، وهو الجمع بين المغرب والعشاء، وهذا معدوم في ليالي منى.
قيل: الجمع عندنا لا يُفعل للنسك، وإنما يفعل لأجل السفر.
واحتج المخالف بأن البيتوتة بمنى ليست نسكاً في نفسها، وإنما تراد للتأهب لغيرها، وهو الرمي بالنهار، فصار كالبيتوتة بها ليلة عرفة؛ لما أُريدت للتأهب لغيرها، وهو الخروج إلى عرفات بالنهار، لم يجب بتركها شيء، كذلك هاهنا.
والجواب: أن قوله: (البيتوتة ليست بنسك في نفسها) غير صحيح، بل هي مقصودة في نفسها بدليل أن العباس بن عبد المطلب استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يبيت بمكة ليال منى لأجل سقايته، فأذن له، فلو لم تكن مقصودة لم يستأذن فيها، ولم يخصها بالذكر.
وعلى أن الرمي بعد الزوال لا تعلق له بالبيتوتة، ولا تفتقر إليه، ويفارق هذا المبيت ليلة عرفة؛ لأن ذلك ليس بنسك، وإنما هو استراحة، ولهذا الناس بين بائت بمكة في هذه الليلة، وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذا نسك يُفعل بعد كمال التحلل، فهو كالرمي والطواف.
فإن قيل: والدلالة على أنها مأمور بها لأجل الرمي بالنهار: أنها

الجزء: 2 - الصفحة: 153

تسقط بالفراغ من الرمي، وهو ترك الكون بها بالليل.
قيل له: يجوز أن يُقال: إن الكون بها نهاراً وقت الرمي يُراد للتأهب للرمي، فإذا فرغ منه سقط الكون بها بقية النهار، فأما الليل فلا تعلق له بالرمي؛ لأن التأهب للرمي لا يحصل فيه.
يبين صحة هذا: أنه يُكره له ترك الكون بها نهاراً بعد الرمي.
واحتج بأنه لما رُخص للرعاة وأهل السقاية ترك المبيت بها، عُلم أن تركه للعذر ولغير العذر لا يوجب شيئاً.
والجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلّم رخص للحائض في ترك طواف الصدر، ورخص لضعفة أهله في الدفع من المزدلفة، ولم يدل ذلك على جواز الرخصة لغيرهم، كذلك هاهنا.

  • فصل: فإن ترك ليلة من ليالي منى ففيها روايات: أحدها: في ليلة مُدٌّ، وفي ليلتين مُدَّان.
    والثانية: في ليلة قبضة من طعام، وفي ليلتين قبضتان.
    وهاتان الروايتان نص عليهما في حلق الشعر.
    والثالثة: في ليلة درهم، أو نصف درهم، وكذلك في الليلة الثانية.
    نص عليه ذلك في رواية إسحاق بن إبراهيم.
    ولا تختلف الرواية أنه لا يجب في ليلة دم، وقد نص في رواية الجماعة في ليلة المزدلفة، وكان الفرق بينهما: أن ليلة المزدلفة نسك

الجزء: 2 - الصفحة: 154

بانفرادها، وليالي منى جميعاً نسك واحد، فلا يجب في بعضها ما يجب في جميعها، كما قلنا في ترك حصاة وحصاتين، والكلام في هذا قريب من الكلام في ترك حصاة وحلق شعر، وقد مضى.
ونقل الأثرم عنه في رجل جاء للزيارة، فبات بمكة: يعجبني أن يطعم شيئاً، وقال إبراهيم: عليه دم، وضحك، وقال: دم شدَّد فيه، يطعم شيئاً؛ تمراً أو نحوه.
فقد نص على إسقاط الدم في ليلة.
ونقل ابن منصور عنه: من بات دون منى ليلة يطعم شيئاً.

  • ... * ... *

139 -

مسألة

طواف الصدر واجب، وتركه لغير عذر يوجب دماً:

نص عليه في رواية ابن منصور وابن إبراهيم وأبو طالب والأثرم والمروذي وحرب وأبو داود: فقال في رواية ابن منصور فيمن نفر، ولم يودع البيت: فإذا تباعد فعليه دم، وإذا كان قريبا رجع.
وكذلك نقل ابن إبراهيم: إذا نسى الرجل طواف الصدر، وتباعد بقدر ما تُقصر فيه الصلاة، فعليه دم.

الحديث: 139 - الجزء: 2 - الصفحة: 155

وكذلك نقل الأثرم عنه في من ترك طواف الصدر: عليه دم.
وكذلك نقل المروذي عنه في من نسى طواف الوداع: عليه دم، فإن كان بالقرب فليرجع.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال مالك: ليس بواجب.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: مثل قول مالك.
دليلنا: ما روى أبو بكر الأثرم بإسناده عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت".
وهذا أمر فاقتضى الوجوب.
وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلّم رخص للحائض في تركه، فلو لم يكن واجباً لما احتاجت إلى الرُّخصة في تركه، فروى الأثرم بإسناده عن ابن عباس قال: أُمر الناس أن يكون آخ عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض.

الجزء: 2 - الصفحة: 156

فإن قيل: ولو كان واجباً لما كان الحيض عذراً في سقوطه، كطواف الزيارة.
قيل له: الصلاة واجبة، وتسقط لأجل الحيض.
وأيضاً طواف الصدر نسك يُفعل بعد كمال التحلل، فوجب أن يجب بتركه دم، أو نقول: وكان واجباً، كالرمي في أيام منى.
ولأنه طواف شُرع بعد الوقوف فكان واجباً.
دليله: طواف الزيارة.
ولأن المناسك على ضربين: منها ما لا يتعلق بالبيت، فيجب بتركه دم.
ومنها ما يتعلق بالبيت، فيجب -أيضاً- أن لا يجب بتركه دم.
واحتج المخالف بأنه لو كان واجباً يلزمه بتركه دم، لما اختلف المعذور وغيره، كاللباس.
والجواب: أن هذا لا ينفي وجوبه، ألا ترى أن الشافعي قد قال في المريض الذي لا يستطيع الرمي بنفسه: إذا أذن لغيره، فرمى عنه، أجزأه؟ ولو كان صحيحاً لم يجزئه، ولزمه الدم إذا ذهب الوقت، ففرَّق بين المعذور وبين غيره، ولم يدل ذلك على نفي وجوبه.
ولأن المناسك التي ليست بأركان إذا تركها لعذر لم يجب بتركها شيء.
واحتج بأن طواف لا يتعلق به تحلل، أو طواف ليس بركن في

الجزء: 2 - الصفحة: 157

الحج، فوجب أن لا يكون واجباً قياساً على طواف القدوم.
والجواب: أن طواف القدوم مشروع قبل التحلل، وطواف الصدر مشروع بعد التحلل، فهو كطواف الزيارة.
على أن محمد بن أبي حرب الجرجرائي نقل عن أحمد قال: الطواف ثلاثة واجبة: طواف القدوم، وطواف الزيارة، وطواف الصدر، أما طواف الزيارة فلا بد منه، فإذا تركه رجع معتمراً، وطواف الصدر إذا تباعد بعث بدم.

  • ... * ... *

140 -

مسألة

إذا طاف للصدر، ثم أقام بعد ذلك لشراء حاجة، أو عيادة مريض ونحوه، لم يجزئه من طواف الصدر، وعليه أن يطوف حين يخرج:

نص عليه في رواية الأثرم وحرب: فقال في رواية الأثرم في رجل ودع البيت، ثم تشاغل: فإذا كان قد جاوز الردم رجع، فودع.
أي: إذا جاوز الردم، ثم رجع في حاجة، فليودع.
وكذلك نقل حرب عنه: إذا فرغ، ثم بدت له حاجة، أراه قال: إذا جاوز الردم، ولا شيء عليه، وإن لم يجاوز أعاد.

الحديث: 140 - الجزء: 2 - الصفحة: 158

وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يعيد، وإن أقام شهراً.
دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت".
وهذا يقتضي أن آخر شغله بمكة يكون الطواف بالبيت، وإن أقام لقضاء حوائجه وأشغاله، وزيارة أصدقائه، لم يكن آخر عهده بالبيت.
فإن قيل: المراد بالخبر: أنه يختم مناسكه بالطواف، وقد وُجد ذلك منه.
قيل له: لا يصح هذا التأويل؛ لأنه قال: "حتى يكون آخر عهده بالبيت"، ولم يقل: آخر مناسكه بالبيت.
وأيضاً فإن هذا الطواف سُّمي طواف الصدر، وطواف الوداع، وإذا أقام بعده شهراً لم يوجد الاسم في العرف والعادة، فيجب أن لا يُعتد به.
فإن قيل: تأخيره لا يمنع وقوع الاسم، ألا ترى أن طواف الزيارة سُّمي طواف الإفاضة والزيارة، ثم لو أفاض ولم يطف حتى ترك مكة شهراً وأكثر، ثم طاف، وقع موقع الواجب، وإن زال الاسم عنه.
قيل له: حقيقة الاسم معتبرة في طواف الوداع بدليل أنه لو طاف

الجزء: 2 - الصفحة: 159

قبل النفر الثاني لم يعتد به، ولو طاف للزيارة قبل ذلك لاعتد به.
واحتج المخالف بأنه طاف بالبيت بعدما حل له النفر، فوجب أن يجزئه من طواف الصدر.
دليله: إذا خرج بعده.
والجواب: أنه إذا خرج بعده وُجد الاسم، وإذا أحدث مقاماً بعده زال عنه الاسم، فلهذا لم يعتد به.
واحتج بأن الطواف الذي فعله جائز بلا خلاف، ولا يخلو إما أن يكون تطوعاً أو الصدر؛ لأن طواف الصدر مستحق عليه في هذا الحال، ولا يقع عن تطوع، ويقع عن المستحق، كمن عليه طواف الزيارة لا يقع عن تطوع، ويقع عن المستحق.
والجواب: أنه يقع تطوعاً عندنا، وليس يمتنع مثل هذا على أصلنا؛ لأنه لو طاف بنية الوداع من لم يكن قد طاف للزيارة، لم يجزئه عندنا طواف الزيارة، وإن كان الفرض في ذمته، وكذلك لو طاف بنية التطوع، وعليه طواف الزيارة، لم يقع عن الفرض.
على أن قوله: (لا يكون تطوعاً؛ لأن طواف الصدر مستحق عليه) غير صحيح؛ لأنه إنما يستحق عند العزم على الخروج.
واحتج بأنه لو طاف بالبيت، ثم اشتغل بعده بإخراج رحله من منزله وشدِّه، أو اشترى بعده خبزاً يأكله في الطريق، لم يبطل الوداع، ولم يلزمه أن يعيد الطواف.

الجزء: 2 - الصفحة: 160

والجواب: أن أبا داود قال: قلت لأحمد: إذا ودع البيت، ثم نفر يشتري طعاماً يأكله؟ قال: لا، يقولون: حتى يجعل الردم وراء ظهره.
وقال -أيضاً- في رواية أبي طالب: إذا ودع لا يلتفت، فإن التفت رجع حتى يطوف بالبيت.
وظاهر هذا: أن فعل هذه الأشياء يمنع من الاعتداد بالطواف.
ولو سلمنا ذلك، فالمعنى فيه: أن هذا أُهبة الخروج والصدر، فلم يُبطل الطواف، ولأنه لم يحدث مقاماً، ولا مُكثاً، وهاهنا قد أحدث مقاماً، فلهذا فرقنا بينهما.

  • ... * ... *

141 -

مسألة

والصبي له حج صحيح، فإن كان مميزاً، فأحرم بإذن الولي، صح إحرامه، وإن لم يكن مميزاً، فأحرم عنه الولي، صار محرماً بإحرامه، ويجتنب ما يجتنب المحرم، فإن فعل شيئاً من محظورات الإحرام لزمته الفدية:

نص عليه في مواضع: فقال في رواية الأثرة في الصبي يُحج به: يجتنب ما يجتنب الكبير.
واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلّم: ألهذا حج؟ قال: "نعم".

الحديث: 141 - الجزء: 2 - الصفحة: 161

وقال وفي رواية حنبل: إذا رمى عن الصغير أبوه، أو وليه، أجزأه ذلك، وكذلك المريض إذا لم يُطق.
وقال في رواية أبي طالب: الأخرس والمريض والصبي يُلبي عنهم.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يصح حج الصبي، وإن أصاب في إحرامه شيئاً قد حظره الإحرام، لم يلزمه شيء.
دليلنا: ما روى أحمد في "مسنده" بإسناده عن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلّم بالروحاء، فلقى ركباً، فسلم عليهم، فقال: "من القوم؟ " قالوا: المسلمون، قالوا: فمن أنتم؟ قال: "رسول الله صلى الله عليه وسلّم" ففزعت امرأة، فأخذت بعضد صبي، فأخرجته من مِحفتها، فقالت: يا رسول الله! هل يصح لهذا حج؟ قال: "نعم، ولكِ أجر".
فأثبت له حجاً صحيحاً، فوجب أن تلزمه الفدية بالجنابات، كما تلزم غير الصبي.
فإن قيل: يحتمل أن يكون بالغاً، فسُمي صبياً لقرب عهده بالبلوغ.
قيل له: حقيقة اسم الصبي يقع على غير البالغ، فلا يجوز حمله على المجاز.
ولأن جواز حج البالغ كان مشهوراً معلوماً بينهم، ولهذا لم تسأل عن حج نفسها، ولا سأل أهل الرفقة عن حج أنفسهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 162

وعلى أن البالغ لا يمكن رفعه بعضده، فلما قال الراوي: (رفعت صبياً من محفتها) دل على أنه صغير.
ولأن قولها: (ألهذا حج؟) محمول على أن المراد ألهذا تعلم أفعال الحج حتى يمرن عليها، ويعتادها، فقال صلى الله عليه وسلّم: "نعم".
قيل: لسنا نمع أن يحصل له التمرين ويعتاده، لكن الخبر يقتضي أن يكون له حج.
وأيضاً روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "أيما صبي حج، ثم بلغ فعليه حج"، فأثبت له حجاً، وعندهم لا حج له.
والقياس أن من صح وُضوءه صح عقده الإحرام، كالبالغ.
فإن قيل: الوضوء لا يفتقر إلى النية، والحج يفتقر إلى النية، فلم يصح منه.
قيل له: الوضوء يفتقر عندنا إلى النية كالحج، فلا فرق بينهما.
ولأنه يصح إحرامه بالصلاة، فصح إحرامه بالنُّسك، كالبالغ.
فإن قيل: لا يصح إحرامه بالصلاة عندنا.
قيل له: يصح عندك؛ لأن أبا حنيفة قد قال في ثلاثة أنفس؛ أحدهم صبي: إذا صلوا جماعة كان الصبي والرجل صفاً خلف الإمام، فإن أوقف صبية بجنب رجل في الصف، ونوت صلاة الإمام، وأحرمت،

الجزء: 2 - الصفحة: 163

بطلت صلاة الرجل الذي بجنبها وخلفها.
فدل على أن صلاة الصبي صحيحة، وأن له موقفاً في الصف، ولو لم تكن له صلاة صحيحة لم يكن له موقف.
وقد قيل: إن كل من جُنب ما تجنبه المحرم كان إحرامه صحيحاً، كالبالغ إذا أغمي عليه؛ فإنه يُجنب ما تجنبه المحرم.
والقوم يمنعون من هذا، ويقولون: لا يُجب على طريق الوجوب، بل على وجه التمرين والتعليم.
ولأن الحج من فرائض الأعيان يجب بوجود مال، فجاز أن ينوب الولي عن المولى عنه.
دليله: زكاة الفطر.
فإن قيل: الأب لا يؤدي عنه أفعال الحج كما يؤدي صدقة الفطر، فكيف يجوز أن تعتبروا الإحرام بها؟ قيل له: يؤدي عنه ما يعجز عنه من أفعال الحج إذا كان طفلاً، فيحرم عنه، ويقف به، ويرمي، ويطوف به.
وأيضاً فإن أبا حنيفة قد قال: يجوز أن يصير المغمى عليه محرماً بإحرام يفعله غيره عنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 164

فهلا جاز أن يصير الصبي محرماً بإحرام يفعله غيره؟ فإن قيل: المغمى عليه من أهل العبادات وحكم التكليف، فلم يجز أن يثبت له حكمُ الإحرام بفعل غيره.
قيل له: المغمى عليه غير مكلف عندك؛ لأنه لا يقضي ما تركه من الصلوات، فسقط هذا.
وعلى أنه لا يمتنع أن لا يكون مكلفاً، ويصح منه، كما صحت منه الطهارة، وتحريمة الصلاة، وكما صح منه الإسلام، وكما صحت من العبد والمرأة الجمعة.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم".
وفي إيجاب الفدية عن الصبي إثبات القلم عليه.
والجواب: أن هذا محمول على رفع المأثم، أو محمول على غير مسألتنا من العبادات بدليل ما ذكرنا.
واحتجَّ بأن الصبي لا يكون محرماً حقيقة؛ لأنه لو صح لوجب أن يلزمه الحج إذا وجد زاداً وراحلة كالبالغ، فلما لم يلزمه دل على أنه لا يصير محرماً، كالمجنون.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يلزمه الحجُّ إذا ملك زاداً وراحلة، ويصح منه فعل الحج بدليل أنه يصح وضوءه، ولا يجب عليه بوجود

الجزء: 2 - الصفحة: 165

الماء، وتصح من البالغ أكثر من حجة، ولا تجب عليه، كذلك هاهنا.
وأما المجنون ففرق بينه وبين الصبي بدليل أن لا تصح منه الطهارة، ولا موقف له في الصف، ولا حكم لقوله؛ لنه لا يُقبل إذنه في دخول الدار، ولا تُقبل الهدية من يده إذا قال: (هو رسول فلان)، والصبي بخلاف ذلك.
واحتج بأنه غير مكلف، فلم يصح إحرامه بالحج، كالمجنون.
والجواب: أنه يبطل بالمغمى عليه؛ فإنه غير مكلف عنده، ويصح عقدة الحج عنه عندهم.
وعلى أن عدم التكليف لا يمنع صحة العقد بدليل أنه يصح وضوءه وعقوده ووكالته، وإن كان غير مكلف، وتصح الجمعة من المرأة والعبد، وإن لم يكلفا فعلها.
ثم المعنى في المجنون ما ذكرنا.
واحتج بأن ما يوجبه الإنسان على نفسه من العبادات بالقول آكد مما يوجبه بالدخول فيه؛ لأن وجوبه بالدخول مختلف فيه، وبالقول متفق عليه، ثم لا خلاف أن الصبي لو أوجب الإحرام بالقول، وهو النذر، لم يجب، فالدخول فيه أولى أن لا يجب.
والجواب: أن نذره للوضوء لا يصح، وفعله له يصح، ونذر أهل الرفقة للمغمى عليه لا يصح، وعقدهم الإحرام عنه يصح.
ولأن المقصود بالنذر هو الوجوب واللزوم، والصبي ليس من أهل

الجزء: 2 - الصفحة: 166

الوجوب بدليل الصلاة والصيام، وليس كذلك العقد والدخول فيه؛ فإن المقصود به فعله، والصبي ممن يصح منه الفعل.
يبين صحة هذا: أن الوضوء يصح منه، ولا يجب عليه، فدل على الفرق بينهما.
واحتج بأنه لو صح إحرامه، لوجب أن يفسد بوطئه فيه، وإذا فسد أن يلزمه قضاؤه؛ لأنه ليس من أهل الوجوب.
والجواب: أنا نقول: إنه يفسد حجه؛ لأن أكثر ما فيه: أن عمد الصبي خطأ، ووطء الناسي والمخطئ عندنا يفسد الحج، والصبي كذلك.
وأما القضاء فيحتمل أن لا يجب؛ لأنه ليس من أهل الوجوب، وتجب الفدية في ماله، ويحتمل أن يجب القضاء؛ لأنه سبب من جهته، وإنما لا يجب عليه ابتداءً بالشرع، وهو أشبه بقول أحمد؛ لأنه قال في رواية أبي طالب في العبد يأذن سيدهن فيحج، فيطأ وهو محرم: فسد حجه، يتم على ما قبل، وعليه الحج متى قدر.
فقد أوجب عليه القضاء، وإن لم يكن من أهل الوجوب.
فعلى هذا: هل يلزمه القضاء في حال صغره، أم بعد بلوغه؟ يحتمل وجهين؛ أصحهما: أن يلزمه في حال صغره.
وأما الطيب واللباس وقتل الصيد: فإن قلنا: لا تجب الفدية بفعله خطأ، وإنمات تجب بفعله عمداً، لم يلزمه الفدية؛ لأن عمد الصبي خطأ.

الجزء: 2 - الصفحة: 167

وإن قلنا: تجب الفدية بفعله خطأ، وجبت الفدية.
وهل تجب في ماله، أو في مال وليه؟ يحتمل أن تجب في مال وليه الذي أدخله فيه وعرضه للزومه.
والمنصوص عنه في رواية الأثرم: وقد سئل عن الصغير يُحج به، فيصيب صيداً: أيُجزى عنه؟ قال: نعم.
وكذلك نقل أبو الحارث عنه في صبي محرم أصاب صيداً: يجزي عنه وليه.
ونقل الميموني عنه في عبد قتل صيداً بعد أن أحرم: هل جزاؤه على مولاه: فقال: إن أذن له.
وهذا يقتضي أن لا يكون ذلك على الولي.

  • ... * ... *

142 -

مسألة

إذا حج الولي بالصبي فقياس قول أحمد: أن النفقة في مال الصبي؛ لأنه قال: يضحي عنه الوصي من مال الصبي:

وقال مالك: إن كان للصبي من يحفظه ويكنفه، فالنفقة الزائدة على نفقة الحضر من مال الصبي.
وللشافعي قولان:

الحديث: 142 - الجزء: 2 - الصفحة: 168

أحدهما: مثل قول مالك.
والثاني: مثل قولنا.
دليله: أن هذا مما له فيه مصلحة؛ لأنه يعرف أفعال الحج، ويألفها، فهو كنفقة المعلم على الخط، وتعليم القرآن، وأجرة من يحمله إلى الجامع.
فإن قيل: مؤنة تلك الأشياء تقل، ومؤنة الحج تكثر.
قيل له: لا فرق عندك بين القريب من مكة والبعيد في ذلك.
فإن قيل: فلو لم يتشاغل بتعليم الطهارة والصلاة أدى ذلك إلى فواتها في كبره؛ لأنها تجب على الفور وجوباً مُضيقاً.
قيل له: وكذلك الحج عندنا يجب على الفور وجوبه مُضيقاً.

  • ... * ... *

143 -

مسألة

إذا أُغمي على رجل من أهل الرفقة، فأحرم عنه رجل من أهل الرفقة، لم يصر محرماً، ولم ينعقد الإحرام:

نص على هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم في من أغمي عليه حتى بلغ الميقات، فأحرم عنه رفيقه، وقدم مكة، وطاف به، وسعى به، وشهد المشاهد كلها، فلما قضى حجه، وهو لا يعقل: فإن كان أفاق بعرفة،

الحديث: 143 - الجزء: 2 - الصفحة: 169

أجزأه الحج، وإن لم يعقل، فلا حج له.
وقوله: (إن كان أفاق بعرفة أجزأه)؛ يعني: إذا عقد الإحرام لنفسه بعرفة أجزأه، فأما إن استدام الوقوف بإحرام الرفيق، فلا يجزئه.
وقال -أيضاً- في رواية ابن منصور: وذكر له قول سفيان في المغمى عليه: هل يُلبي عنه؟ قال: أرى أن يمضي، فإذا أفاق لبى، فإن كان عليه أيام يرجع، وإن لم يكن عليه أيام لبى، وأهراق دماً، ومضى.
قال أحمد: جيد.
قال سفيان: وإن لم يفق ما أرى أن يُلبي عنه، ليس هو بمنزلة الصبي.
قال أحمد: جيد.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يصير محرماً، وينعقد الإحرام عنه.
دليلنا: أنه بالغ، فوجب أن لا يصير محرماً بإحرام غيره عنه.
دليله: النائم.
فإن قيل: النائم غير عاجز عنه؛ لأنه إذا نُبه ينتبه، وليس كذلك هذا؛ لأنه عاجز عنه.
قيل له: فيجب أن يحرم عنه غير أهل الرفقة لعجزه عنه، ولما لم يجز ذلك، بطل الفرق.
ولأنه إحرام عن المغمى عليه، فلم ينعقد، كما لو أحرم عنه غير أهل رفقته.
وأ نقول: كل من لم يجز له أن يحرم عنه قبل الإغماء، لم يجز أن

الجزء: 2 - الصفحة: 170

يحرم عنه بعد الإغماء.
دليله: غير أهل الرفقة.
فإن قيل: ليس عند أبي حنيفة في ذلك نص.
قيل له: إلا أن أصحابكم قد سلموا ذلك.
فإن قيل: فأهل رفقته أخص بحفظ متاعه، والتصرف عليه، فلا يمتنع أن يكونوا أخص بهذا الحكم من غيرهم، كالأب لما كان أخص بالتصرف عن ابنه الصغير، كان أخص بالإحرام عنه عندكم.
قيل له: أهل الرفقة في حفظ متاعه يجرون مجرى الملتقط للمال؛ إنما يأخذه يحفظه على صاحبه، فأما أن يملكوا التصرف فيه، فلا يجوز، وليس كذلك الأب؛ فإنه يملك التصرف في ابنه في ماله بالعقد، فملك الإحرام عنه.
ولأن الإحرام عنه لا يصح إلا بالنية، والمغمى عليه لم توجد منه نية.
فإن قيل: المسألة محمولة على أنه توجد ونوى.
قيل له: تلك النية لا حكم لها؛ لأنه قد عرض ما يقطعها، ألا ترى أنه لو كان صحيحاً، فنوى الإحرام، ثم عزبت نيته، واستعمل بعمل

الجزء: 2 - الصفحة: 171

آخر، ثم أحرم، لم يجزئه.
واحتج المخالف بأن الإحرام ركن من أركان الحج، وفرض من فروضه، فجاز أن يقوم فعل غيره مقام فعله في حال العُذر، ويصير كأنه فعله بنفسه، كما لو كان مريضاً لا يمكنه أن يطوف بنفسه، فطيف به، قام فعل غيره مقام فعله في ثبوت حكم الطواف له، وصار كأنه طاف بنفسه.
والجواب: أنا نقول بموجبه، وأنه يجوز الإحرام عن الغير في الجملة، وهو في حق الصغير والكبير والمريض، وعلى أن فرقاً بين الطواف وبين الإحرام، وذلك أنه لو طاف به غيره، وهو صحيح أجزأه، ولو أحرم عنه غيره، وهو صحيح، لم يجزئه، لأن المأخوذ عليه في الطواف حصوله حول البيت إذا طيف به، فقد حصل حوله، فصار كأنه طاف بنفسه، وإذا أحرم عنه غيره، فلم يحصل فيه معنى يصير به محرماً، فنضير الإحرام عنه أن يطوف غيره عنه، فلا يجزئه.
واحتج بأن أحمد قد وافقنا على أن الإنسان يجوز أن يصير محرماً بإحرام يفعله عنه غيره؛ لأنه يقول: إن الإنسان إذا أحرم عن ابنه الصغير، صار الابن محرماً به، ونحن نقول: إنه إذا أحرم عن المغمى عليه يصير المغمى عليه محرماً.
فإذا حصل الاتفاق على هذه الجملة احتجنا أن ننظر أيُّما أولى بأن يثبت له حكم الإحرام، فقلنا: إن المغمى عليه أولى بذلك من الصبي لوجهين:

الجزء: 2 - الصفحة: 172

أحدهما: أن أحكام العبادات قائمة عليه، ألا ترى أنه يلزمه قضاء الصوم والصلاة؟ والثاني: أن نية الحج قد وجدت منه، وهو عاجز عن أدائها.
والصبي لا تلزمه العبادات، ولا تصح منه النية.
والجواب: أن الصبي أولى بذلك؛ لأن وليه يعقد عليه النكاح والعقود، ولا يعقد رجل من أهل الرفقة النكاح، ولا سائر العقود.
وقولهم: (إن المغمى عليه يتوجه عليه وجوب العبادات) لا يصح على أصلهم؛ لأن عندهم يسقط عنه فرض الصلاة بعد اليوم والليلة.
وعلى أن هذا يوجب أن يصح الإحرام عن النائم؛ لأنه تتوجه عليه العبادات.
وقولهم: (إن نية الحج قد وجدت منه) فقد بيَّنَّا فساد النِّيَّة، فلم يصح ما قاله.

  • ... * ... *

144 -

مسألة

إذا أحرم العبد، ثم عتق قبل الوقوف، أجزأه عن حجة الإسلام:

نص عليه في رواية حرب وابن القاسم وسندي وابن منصور.

الحديث: 144 - الجزء: 2 - الصفحة: 173

وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجزئه عن حجة الإسلام.
دليلنا: ما روى عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول الله! كيف الحج؟ فقال: "الحج عرفة، فمن جاء قبل طلوع الفجر ليلة جمع فقد تم حجه".
فإن قيل: الخبر يقتضي أن حجه تام، ونحن نقول: حجه تام، وليس فيه أن يجزئه من حجة الإسلام.
قيل له: قولهم: (كيف الحج؟) يقتضي حجة الإسلام.
ولأن التعريف يرجع إلى المعهود، وهو حجة الإسلام، فيجب أن يرجع الخبر إليه.
ولأنه وقف بعرفة في زمانه في إحرام صحيح، وهو كامل، فوجب أن يدرك به حجة الإسلام.
دليله: إذا أسلم، وهو حر بالغ.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الإحرام حصل في حال الحرية، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه حصل في حال الرِّق.
قيل له: يجوز أن ينعقد الإحرام على سبيل المراعاة، فإذا كمل في حال الوقوف يكون فرضه، ويكون بمنزلة ما لو أحرم بالفرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 174

ويبين صحة هذا: أنه ينعقد موقوفاً على الوقوف والإدراك والفوات، فجاز أن يكون موقوفاً على إدراك حجة الإسلام، وعلى التطوع.
وإن شئت قلت: أتى بأفعال إحرامه على كمال حاله، فوجب أن يجزئ عن حجة الإسلام قياساً على ما ذكرنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه أتى بالإحرام وأعماله في حال الكمال.
قيل له: قد بينا: أن الإحرام يقع مُراعي موقوفاً على الوقوف على ما بينا.
فإن قيل: جاز أن يقال: يقع مراعى، فيجب أن نقول: إذا أعتق بعد الوقوف أو بعد الفراغ: أن يجزئه، ويكون مراعى.
قيل له: [....]. واحتج المخالف بأن هذه حجة أُديت بإحرام حصل في حال الرِّقِّ، فوجب أن لا تُجزئ عن حجة الإسلام.
دليله: إذا أعتق بعد الوقوف.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن الأفعال وُجدت في حال النقص، وليس كذلك هاهنا؛ لأنها وُجدت في حال الكمال، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج بأن إحرامه في الابتداء لم يقع بحجة الإسلام بدلالة أنه لو

الجزء: 2 - الصفحة: 175

مضى فيه لم يجزئه عنها، فلم يجز له أن يبني عليه حجة الإسلام، كما لو أحرم بعمرة لم يجز أن يؤدي به حجة الإسلام.
والجواب: أنا قد بينا: أنه يقع مراعى في الوقوف: فإن وقف كاملاً كان الإحرام عن فرضه.
فإن وقف كاملاً كان الإحران عن فرضه.
وإن وقف ناقصاً كان عن تطوعه.
وقد يكون الإحرام مراعى بين الحج والعمرة، وهو إذا نوى الإحرام؛ فإنه ينعقد، ويصرفه إلى أيهما شاء.
وعلى أن الحج والعمرة عبادتان مختلفتان، فلا يجوز أن ينعقد بإحداهما وينصرف إلى الأخرى، وليس كذلك الفرض والتطوع، ألا ترى أن الصلاة لا يجوز أن تنعقد بالظهر، ثم تنصرف إلى العصر، ولا بالعصر ثم تنصرف إلى الظهر، ويجوز أن يصلي في أول الوقت، ثم تنصرف في آخر الوقت إلى الفرض.
والجواب: أن الصلاة والصوم يقعان على سبيل المراعاة عندنا في الصبي، وعند أبي حنيفة في الصلاة في أول الوقت؛ فإنها تقع مراعاة: فإن بقى على شرط التكليف إلى آخر الوقت كانت عن فرضه.
وإن زال شرط التكليف قبله كانت تطوعاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 176

وإذا كفر المرتد بالمال كان موقوفاً، فإن أسلم، أجزأه عن فرضه.
وعلى أن الصلاة تفتقر إلى تعيين النية، ألا ترى أنه لو أطلق النية لم تصح؟ والحج لا يفتقر إلى تعيين النية، ألا ترى أنه يصح أن يطلق النِّية؟

  • ... * ... *

145 -

مسألة

إذا أحرم العبد بإذن سيده لم يكن له أن يُحلله، وكذلك الأمة:

وقد أومأ إليه أحمد في رواية عبد الله وإسحاق بن إبراهيم، ويأتي شرح كلامه فيما بعد.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز له تحليله.
دليلنا: أنه عقد لازم، فإذا وقع بإذن المولى لم يكن له أن يفسخه.
دليله: النكاح.
فإن قيل: العبد يملك البُضع بعقد النكاح، ألا ترى أن بدله، وهو المهر، يلزمه؟ وإذا ملكه لم يجز لغيره أن يفسخه، وإن كان الملك قد حصل له بإذن الغير، كالصغير إذا زوجه أبوه، وتزوج هو بإذن الأب،

الحديث: 145 - الجزء: 2 - الصفحة: 177

وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا يملك منافعه بالإذن بأمره.
ولأنه غير جائز أن يثبت له حق على مولاه على جهة الاستحقاق، ألا ترى أنه لا يثبت عليه دين لهذه العلة؟ فإذا كان كذلك، صار إذنه له في الإحرام بمنزلة العارية، وللمُعير أن يرجع في عاريته أي وقت شاء.
قيل له: ليس هذا بإعارة، وإنما هو إسقاط حق؛ لأن العبد ممنوع من عقد الإحرام وعقد النكاح لحق سيده، فإذا أذن له فيه، فقد أسقط حقه عنه، ولزمه عقد الإحرام لحق الله تعالى، كما يلزم الحر الذي لا حق لأحد عليه.
يبين صحة هذا: أنه لو كان بمنزلة المعير لوجب إذا رضى به السيد أن يكون للعبد فسخه؛ لأنه يجوز للمستعير أن يرجع في العارية، كما يجوز للمعير، فلما لم يجز للعبد فسخه، ولا يكون بمنزلة المستعير، كذلك السيد لا يجوز فسخه، ولا يكون بمنزلة المعير.
وقياس آخر، وهو: أنه عقد لازم لو لم يأذن لكان له أن يفسخه، وإذا أذن لم يكن له أن يفسخه، كالزوج إذا أذن له لزوجته في حجة التطوع.
فإن قيل: الزوجة تملك منافعها بالإذن، كما تملك سائر الأشياء إذا ملكتها، فلم يكن له أن يرجع فيها، كما لو ملكها شيئاً لم يكن له

الجزء: 2 - الصفحة: 178

أن يرجع فيه، وليس كذلك العبد؛ فإنه يملك من الوجه الذي ذكرنا.
قيل له: قد أجبنا على هذا في السؤال الذي قبله.
واحتج المخالف: بأن إذنه في الإحرام لا يوجب استحقاق منافعه عليه؛ لأنه لا يجوز أن يثبت له على مولاه حق، فصار بمنزلة العارية، وللمعير أن يرجع في ذلك.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج المخالف بأن السيد إذا باع العبد كان للمشترى تحليله منه، فوجب أن يكون ذلك للبائع؛ لأن المشتري يملكه على الوجه الذي كان للبائع مالكاً له.
والجواب: أنه لا يملك تحليله، كما لا يملك البائع، بل ننظر فيه: فإن علم المشتري أنه محرم لم يكن له فسخ البيع، ولزمه تركه حتى يحج.
وإن لم يكن علم كان له ردُّه بالعيب، وإن لم يكن له تحليله.

  • ... * ... *

146 -

مسألة

فإذا أحرم العبد بغير إذن سيده انعقد إحرامه، وكذلك الزوجة إذا أحرمت بحجة التطوع بغير إذن الزوج:

وهل يجوز للزوج والسيد أن يحلله من الإحرام؟ على روايتين:

الحديث: 146 - الجزء: 2 - الصفحة: 179

إحديهما: يجوز ذلك.
قال في رواية عبد الله في مملوك لرجل قال: إذا دخل أول يوم من رمضان، فامرأته طالق ثلاثاً إن لم يُحرم أول يوم من رمضان: يحرك أول يوم ولا تطلق امرأته.
قيل له: فيمنعه سيده أن يخرج إلى مكة؟ قال: لا يعجبني أن يمنعه أن يخرج.
فقد حكم بصحة الإحرام بغير إذنه، ولم يستحب أن يحلله؛ لأنه قال: لا يعجبني أن يمنعه، وظاهر هذا على طريق الاختيار، وهو اختيار شيخنا، وهو قول أكثر الفقهاء.
وفيه رواية أخرى: لا يجوز أن يحلله.
وهو ظاهر كلامه في رواية إسحاق بن إبراهيم في مملوك لرجل قال: إذا دخل أول يوم من رمضان فامرأته طالق ثلاثاً إن لم يُحرم.
فقال: يُحرم، ولا تطلق امرأته.
قيل له: فإن منعه سيده أن يخرج؟ قال: ليس له أن يمنعه أن يمضي إلى مكة إذا علم منه رُشداً.
وقال -أيضاً- في موضع آخر من "مسائل ابن هانئ" في المرأة تحلف بالحج والصوم، ولها زوج؛ هل لها أن تصوم بغير إذنه؟ قال: نعم، فما تصنع وقد ابتليت، وابتلى زوجها، وقد أوجبت على نفسها؟ وقال في رواية ابن منصور امرأة أهلت بالحج، وزوجها كاره، قال: لا ينبغي أن يمنعها، وإن كانت على وجه اليمين، فعليها كفارة.
وقال في موضع آخر من "مسائله" في امرأة أرادها زوجها، فلبت

الجزء: 2 - الصفحة: 180

بحج، أو عمرة: وجب عليها ما لبت.
فقد صرح بأنه لا يجوز له أن يحلله، وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا، ذكره في كتاب "الخلاف".
وقال داود: لا ينعقد الإحرام من أصله.
فالدلالة على أنه ينعقد في الجملة: ما روى أبو بكر بإسناده عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: "إذا حج المملوك أجزأ عنه حجة المملوك، فإن أعتق فعليه حجة الإسلام، وكذلك الأعرابي والصبي مثل هذه القصة، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين".
فوجه الدلالة: أنه أثبت له حجاً صحيحاً، ولم يُفصل بين أن يكون بإذن سيده، أو بغيره.
ولأن الحج من العبادات المحضة، فوجب أن ينعقد بغير إذن سيده، كالصلاة والصيام.
وإن شئت قلت: كل عبادة يصح إحرام العبد بها بإذن السيد صح إحرامه بغير إذنه.
دليله: ما ذكرناه.
ولأنه مكلف، فصح إحرامه بالحج على الإطلاق، كالحر.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "كل عمل ليس عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 181

أمرنا فهو رد"، وإحرامه بغير إذن سيده ممنوع منه، فوجب رده.
والجواب: أنه محمول على غير الحج بما ذكرنا.
واحتج بأنه محجور عليه، أشبه الصبي والمجنون.
والجواب: أنه يبطل بالمحجور عليه لسفه، أو فلس.
ثم المعنى في الصبي والمجنون عدم التكليف، وهذا مكلف.
واحتج بأنه عقد من العقود فلهذا لم يصح من العبد؛ ليقف على إجازة السيد، كالنكاح.
والجواب: أن النكاح لا يصح موقوفاً، فلهذا لم يصح من العبد؛ ليقف على إجازة السيد، والإحرام يصح موقوفاً على إجازة السيد.
والدلالة على أن للسيد أن يحلله: أن السيد تملك رقبته، ومتى مضى على إحرامه عطل حق السيد، وكان له منفعة.
ولأن الحر إذا حُصر بغير حق كان له أن يتحلل، فلأن يتحلل العبد بالقهر الواجب أولى وأحرى.
واحتج من قال: (ليس له تحليله) بأنه إحرام انعقد صحيحاً، فلم يملك تحليله.
دليله: لو أذن له في ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 182

والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الإذن بعدمه في الإحرام، كما لم يجز ذلك في عقد النكاح والبيع وغيره من العقود.
ولأنه إذا أذن له فقد رضى بإسقاط حقه من المنفعة.
واحتج بأن الحج عبادة، فأشبه الصلاة والصيام.
والجواب: أنه يملك تحليله من ذلك إذا كان نفلاً، كما يملك في الحج.
واحتج بأن الحج يلزم بالدخول فيه، كما تلزم حجة الفرض ابتداء بالشرع، ثم ثبت أنه لا يملك تحليله في عبادة واجبة، كالصوم والصلاة الفرضين، كذلك هاهنا.
والجواب: أن الصوم والصلاة وجبا بأصل الشرع، فلهذا لم يملك تحليله، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه وجب بسبب من جهته يقصد به إسقاط حق سيده، فملك تحليله، كالبيع ونحوه.
وتأملت كلام أحمد، فرأيت أكثره يدل على أنه يملك تحليله، وتكون الدلالة على ذلك: عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33].
وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: 196]، وهذا اسم عام.
ولأنا قد حكمنا بصحة الإحرام، وإذا صح تعلق به حق الله تعالى، كالحر إذا أحرم بحجة التطوع تعلق بها حق الله، وقد تعلق بمنافعه حق

الجزء: 2 - الصفحة: 183

السيد، فلو قلنا: (له أن يحلله) غلبنا حق السيد على حق الله تعالى، وهذا لا يجوز، ألا ترى أن العدة لما تعلق بها حق الله وحق الزوج، وكان المغلب فيها حق الله، فلو أسقطها الزوج لم تسقط؟ وكذلك القتل في المحاربة المغلب فيه حق الله تعالى، فلو عفا الولي لم يسقط قتله.
ولأنها عبادة تلزم بالدخول فيها، فإذا عقدها بغير إذن سيده لم يملك فسخها.
دليله: الإيمان.
[ولا يلزم عليه الدخول في النوافل] من صلاة التطوع وصوم التطوع أن له أن يحلله؛ لأنه لا يلزم بالدخول فيه.
وما ذكروه من أن مُضيه في الحج تعطيل لحق سيده من منافعه، فلا يمتنع مثل هذا، كالسيد إذا كان ذمياً، وله عبد ذِمِّيُّ، أسلم العبد الذمي؛ فإن إسلامه يوجب قطع استدامة ملك السيد عليه، ويُؤمر بإزالته، ومع هذا فليس له فسخ الإسلام عليه.
وكذلك لو كان السيد مسلماً، وله عبد ذمي، فأسلم، لم يملك فسخ الإسلام عليه، وإن كان -على قول بعضهم- فيه ضرر، وهو نقصان قيمته.
وما ذكروه من ان الحصر بغير حق يثبت التحلل، فأولى أن يثبت بحق، فلا نسلم أن هاهنا حصر ثابت؛ لأنا قد بينا: أنه ليس للسيد أن

الجزء: 2 - الصفحة: 184

يحلله، فإذا تعدى وصده عن البيت جرى مجرى حصر العدو.

  • ... * ... *

147 -

مسألة

فإن أحرمت المرأة بحجة الإسلام لم يجز لزوجها أن يُحللها رواية واحدة:

نص عليه في رواية صالح في امرأة تريد الحج الفرض مع ابنها: فليس لزوجها أن يمنعها، ولا تخرج إلا بإذنه.
وكذلك نقل أبو طالب عنه قال: ليس له أن يمنعها من الفرض.
وهو قول أبي حنيفة.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: له أن يحللها.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: 196]. وتحليلها يمنع وجوب الإتمام عليها، وذلك خلاف مقتضى الظاهر.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: 196]؛ يعني: فإن منعتم، ولم يفرق بين أن يكون المنع من جهة الزوج، أو من جهة غيره.
قيل له: قد حكينا عن أهل اللغة، وأن منهم من قال: أحصره

الحديث: 147 - الجزء: 2 - الصفحة: 185

المرض، وحصره العدو، ومنهم من قال: أحصرتم يصلح لهما، ولم يقل واحد منهم: إنه يستعمل في الزوج.
ولأن الحج عبادة مفروضة، فلا يجوز للزوج أن يمنعها من أدائها، كالصلاة والصيام.
ولا تلزم عليه المنذورة؛ فإن الحكم فيها كالحكم في المفروضة بأصل الشرع، وقد حكينا كلام أحمد في ذلك.
فإن قيل: ليس في اشتغالها بالصلاة إبطال حق الزوج؛ لأنها لا تمتد، ولا تطول، وفي اشتغالها بالحج إبطال حق الزوج؛ لأنه يمتد في الوقت، ويطول بقاؤها على الإحرام.
قيل له: فأفرق بين هذا المعنى، بين صلاة التطوع وصوم التطوع، وبين حج التطوع.
وعلى أن وق الحج لأهل مكة يقصر، ومع هذا تحتاج إلى الإذن عندكم.
فإن قيل: الصلاة تجب عليه، كما تجب عليها، فالوقت لهما واحد، فلا يستضر بتشاغلها فيه.
قيل له: قد تختار أن تصلي في أول الوقت، فلا يمنعها، وإن لم يتعين عليه الصلاة فيه.
على أن استضراره في ما كان حقاً عليه غير مُعتبر بدليل

الجزء: 2 - الصفحة: 186

حبسها في الدين.
واحتج المخالف بما روى عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال في امرأة لها مال، ولها زوج، ولا يأذن لها الزوج في الحج: "ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها".
والجواب: أن هذا الحديث، إن كان صحيحاً، فهو محمول على وجه التطوع بدلالة ما قدمنا.
فإن قيل: شرط المال يدل على أن المراد الحج الواجب؛ لأن المال شرط فيه، وليس بشرط في التطوع.
ولأن الحج معرف بالألف واللام، فرجع إلى حجة الإسلام؛ لأن التعريف يرجع إلى المعهود.
قيل له: الحجة المنذورة يُشترط فيها المال، وهي معرفة، فالخبر محمول عليها على إحدى الروايتين.
على أنه ليس في قوله: "لها مال" ما يدل على أن المراد به الفرض؛ لأن المال عون على كل حج النفل، كما هو عون على حج الفرض، فلا يمتنع أن يكون السؤال عن النفل خرج.
وقولهم: (ليس يأذن لها في الحج) لا يختص الفرض؛ لأن الألف واللام للجنس، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلّم: "ليس لها أن تُصلي إلا بإذن

الجزء: 2 - الصفحة: 187

زوجها" لا يختص الفرض دون النفل.
واحتج بأنه نوع ملك يتعلق به وجوب النفقة، فوجب أن يستحق به المنع من الحج.
دليله: ملك اليمين.
يبين صحة الجمع: ما روي عن عائشة أنها قالت: النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته؟ والجواب: أن العبد يشتغل بالتطوع عن خدمة المولى، فنظيره من المرأة أن تحرم بحجة التطوع، فيجوز للزوج أن يحللها، فأما إذ أحرمت بحجة الإسلام، فإنما اشتغلت بأداء الفرض، فهي كالعبد إذا اشتغل بأداء الظهر والعصر.
فإن قيل: فالعبد إذا أحرم وجب عليه الحج بالإحرام، ومع هذا فله منعه.
قيل له: قد حكينا في ذلك روايتين: إحداهما: ليس له منعه.
فعلى هذا: لا نسلم ذلك، ويجب أن تكون هذه الرواية هي الأشبه؛ لأنه قد نص على أن المرأة إذا نذرت لم يكن له منعها، والدخول في الحج من جهته كالنذر.

الجزء: 2 - الصفحة: 188

والثانية: له منعه، وكذلك في المنذورة؛ لأن الإيجاب هناك من جهة العبد وجهة المرأة، فلم تملك إسقاط حق الزوج، وفي مسألتنا الإيجاب من جهة الله، فهو كالصلاة والصيام.
واحتج بأنها حجة واجبة، فكان لزوجها منعها من الخروج لها، كالمنذورة.
والجواب: أنه ليس له المنع من المنذورة، وقد حكينا كلام أحمد في رواية ابن إبراهيم في المرأة تخلف بالحج والصوم، ويريد زوجها منعها، فقال: ليس له ذلك، قد ابتليت وابتلى زوجها.
يعني بقوله: حلفت: نذرت، مع أن النذر وجوبه من جهته، فهو أخف، وما اختلفنا فيه وجوبه بأصل الشرع، فهو آكد.
ويتخرج في رواية أخرى له المنع بناءً على الرواية التي أجاز له تحليل العبد من الحج، وكان المعنى في النذر ما ذكرنا.
واحتج بأن حق الزوج مُضيق يتجدد حالاً فحالاً، والحج موسع؛ لأنه على التراخي، والحقان إذا اجتمعا، ولم يكن بد من تقديم أحدهما وجت تقديم المُضيق منهما إذا كان في تأخيره ضرر على المستحق، ألا ترى أن العبد إذا أحرم بغير إذن المولى كان له أن يحلله لهذا المعنى؟ والجواب: أن الحج غير موسع عندنا، فلا يلزمنا ما ذكره.

الجزء: 2 - الصفحة: 189

فإن قيل: فتصور المسألة في امرأةنذرت أن تحج: أنها تؤديه متى شاءت، والخلاف فيه كالخلاف في حجة الإسلام.
قيل له: لا يمتنع أن نقول: له أن يحللها، كما يحللها في حجة التطوع.
على أن وقت الصلاة في أول الوقت موسع، ومع هذا فلا يُعتبر إذن الزوج فيه، والحج في السنة التي تغلب على ظنها أنها تعجز، فإن الحج مضيق عندكم، ويحتاج إلى إذن الزوج فيه، فلم يصح ما قاله.

  • ... * ... *

148 -

مسألة

إذا اشترى الرجل جارية مُحرمة، وقد كان البائع أذن لها في الإحرام، لم يكن للمشتري أن يحللها:

نص على هذا في رواية الحارث في رجل اشترى جارية محرمة، فهل له أن يطأها؟ فقال: وكيف يطؤها وهي محرمة؟! هذه أذن لها مولاها بالإحرام، وباعها وهي محرمة، يعلم بها المشتري، ثم قال: ما تقول في رجل زوج جارية له، ثم باعها، وعلم المشتري أن لها زوجاً، هل له أن يطأها؟ هذه مثلها، قد أحرمت بإذن سيدها، ليس له أن يطأها حتى تقضي حجها.
نقلتها من كتاب النجاد.
وقال أبو حنيفة: له أن يحللها.

الحديث: 148 - الجزء: 2 - الصفحة: 190

دليلنا: أن الإحرام عقد لازم، فأشبه عقد النكاح، ولا خلاف أنه ليس للمشتري أن يفسخ النكاح، كذلك الإحرام.
واحتج المخالف بأن إذن البائع لا يوجب استحقاق منافعها عليه، وأن له أن يحللها، فإذا باعها انتقل إلى المشتري جميع ما كان للبائع منها، فلما ثبت للبائع ذلك، ثبت كذلك للمشتري.
والجواب: أنا لا نسلم لك هذا، وقد ثبت أن البائع لا يجوز أن يحللها، فالمشتري مثله.

  • ... * ... *

149 -

مسألة

في العبد يدخل مكة مع مولاه بغير إحرام، ثم يأذن له مولاه، أو يعتقه، فيحرم، والصبي يدخل مكة بغير إحرام، ثم يبلغ، أو يأذن له وليه، فيحرم، فلا دم عليهما:

نص عليه في رواية ابن منصور: وذكر له قول سفيان في مملوك جاوز المواقيت بغير إحرام، منعه مواليه أن يحرم حتى وقف بعرفة، قال: يحرم مكانه، وليس عليه دم؛ لأن سيده منعه.
قال أحمد: جيد، حديث أبي رجاء، عن ابن عباس.
وقال أبو حنيفة في العبد: عليه دم، وفي الصبي: لا دم عليه.

الحديث: 149 - الجزء: 2 - الصفحة: 191

وللشافعي قولان في العبد والصبي.
دليلنا: أن العبد والصبي لم يلزمهما الإحرام من الميقات؛ لأن العبد لا يملك منافع نفسه، وللسيد منعه، وكذلك الصبي لا يملك الإحرام بنفسه، فإذا أخر ما بعد ذلك لم يلزمهما دم، كالمجنون.
ولهذا نقول: لو أذن لهما الولي في الإحرام من الميقات، فلم يحرما، لزمهما دم.
ولأن سبب وجوب العبادة حصل بعد البلوع، فلم يلزمه بترك الفعل شيء، كما لو وجد الزاد والراحلة.
ولأن الحج وجب عليه بمكة، فصار كأهلها.
ونخص أبا حنيفة بأن العبد مولى، فإذا منعه الولي من الإحرام، ثم أحرم بعده، لم يلزمه دم، كالصبي.
فإن قيل: الصبي يصح منه الإحرام، وليس كذلك العبد؛ لأنه لا يصح منه.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل عندنا يصح إحرامه.
واحتج المخالف بأنه ممن تصح منه العبادات، أو ممن يصح منه الإحرام في الحال، فوجب أن يلزمه لتركه في الوقت دم، كالحر.
والجواب: أن الحر يلزمه الإحرام من الميقات، ومع هذا لا يلزمه.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 192

150 -

مسألة

في نصراني دخل مكة، فأسلم، ثم أحرم منها، فعليه دم لترك الميقات في أصح الروايتين:

نص عليها في رواية أبي طالب في نصراني أسلم بمكة: يخرج إلى الميقات، فيحرم، فإن خشى الفوات أحرم من مكة، وعليه دم.
وبه قال الشافعي.
وفي رواية أخرى: لا شيء عليه، أومأ إليها في رواية حنبل في الذمي يسلم بمكة، ويحرم من مكة، أو من موضع أسلم؟ وكذلك نقل ابن منصور عنه في نصراني أسلم بمكة، ثم أراد أن يحج: هو بمنزلة من وُلد.
وظاهر هذا: أنه لا يلزمه الإحرام من الوقت، ولا دم عليه، وقد ذكرها أبو بكر على روايتين.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وجه الرواية الأولى: أنه حر بالغ عاقل لا يتكرر دخوله إلى مكة، فإذا دخلها لغير قتال، وأحرم دون الميقات، لزمه دم.

الحديث: 150 - الجزء: 2 - الصفحة: 193

دليله: المسلم.
فإن قيل: المسلم لو أحرم من الميقات صح إحرامه، فإذا تركه لزمه دم، وليس كذلك الذمي؛ فإنه لو أحرم من الوقت لم يصح إحرامه، فلا يلزمه دم، كالمجنون.
قيل: إلا أنه يمكنه أن يسلم، ويحرم، فإذا لم يفعل مع التمكن وجب الدم، وكان بمنزلة المسلم إذا ترك الإحرام من الميقات.
يبين صحة هذا: أن من ترك الصلاة حتى فات وقتها، وهو محدث، كان منزلة من ترك الصلاة، وهو متطهر؛ لأنه كان متمكناً من ذلك، كذلك هاهنا.
وأما المجنون فلم يتمكن من إزالة المانع من الإحرام، وليس كذلك الكافر؛ لأنه متمكن من إزالته، فلهذا لزمه الدم؟ واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "الإسلام يجُب ما قبله".
والجواب: أن الدم يتحدد وجوبه بعد الإسلام، فلا يسقط الإسلام؛ لأنه إنما يجب إذا أحرم من سنته من غير الميقات، وهذا السبب حدث بعد إسلامه، فلم يكن في الخبر حجة.

الجزء: 2 - الصفحة: 194

واحتج بأنه لا يصح منه الإحرام، فلم يلزمه دم بترك الوقت، كالمجنون.
والجواب عنه": ما تقدم.

  • ... * ... *

151 -

مسألة

من أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، كالتجارة ونحوها، لزمه دخولها بإحرام، سواء كان منزله الميقات، أو وراء الميقات إلينا، أو إلى مكة:

وقد نص على هذا في مواضع: فقال في رواية ابن منصور: لا يدخلها أحد إلا بإحرام.
وقال في رواية ابن إبراهيم: وقد سئل عن رجل أراد أن يدخل مكة بتجارة: أيجوز أن يدخلها بغير إحرام؟ قال: لا يدخل مكة إلا بالإحرام، ويطوف، ويسعى ويحلف، ثم يحل.
وقال في رواية ابن القاسم وسندي: قد رُخِّص للحطابين والرعاء، ونحن هؤلاء، وقد رجع ابن عمر من بعض الطريق، فدخلها بغير إحرام،

الحديث: 151 - الجزء: 2 - الصفحة: 195

فقيل له: إنهم يقولون ابن عمر لم يكن بلغ الميقات، فمن أجل ذلك دخل بغير إحرام، فقال: الميقات وغيره سواء.
وإنما رجع لاضطراب الناس والفتنة، فدخل كما هو.
وكان ابن عباس يشدد في ذلك، فقيل له: فالنبي صلى الله عليه وسلّم دخلها يوم الفتح بغير إحرام، فقال: ذلك من أجل الحرب.
وهذا يدخل مع فعل ابن عمر.
فقد نص على ما ذكرنا.
وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: إن كان وراء الميقات إلينا لم يجز دخولها بغير إحرام لقتال أو غيره، وإن كان من أهل الميقات، أو كان من رواء الميقات إلى مكة، لم يلزمه دخولها بإحرام.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: يجوز دخولها بغير إحرام إذا لم يكن مُريداً للنسك.
وقد أومأ أحمد إلى مثل هذا في رواية الأثرم والمروذي: لا يعجبني أن يدخل مكة تاجر ولا غيره إلا بإحرام تعظيماً للحرم، وقد دخلها ابن عمر بغير إحرام.
وظاهر هذا: أنه على طريق الاختيار، والمذهب على ما حكينا.

الجزء: 2 - الصفحة: 196

والدلالة عليه: ما روى أبو شريح الكعبي: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال يوم فتح مكة حين دخلها، وعلى رأسه عمامة سوداء: "إنها لم تحل لأحد قبلي، ولا لأحد بعدي، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار".
فلا يخلو إما أن يكون أراد به القتال، أو دخولها بغير إحرام، فلما اتفق الجميع على جواز القتال فيها متى عرض مثل ذلك الحال، علمنا أن التخصيص وقع لدخولها بغير إحرام.
فإن قيل: إنما أراد به القتال، ولهذا دخلها بأُهبة الحرب وعُدتها؛ لأنه كان لا يأمن الغدر والنَّكث.
قيل له: قد بينا جواز القتال فيها لغيره متى عرض مثل تلك الحال، فعلمنا أن التخصيص وقع لدخولها بغير إحرام.
وقد ورى بعض من نصر هذه المسألة: عن خُصيف، عن سعيد ابن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا يجاوز أحد الميقات إلا وهو محرم، إلا من كان أهله دون الميقات".
وروى أبو حفص في كتابه بإسناده عن مجاهد وطاوس قالا: ما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلّم قط -هو ولأصحابه- إلا وهم محرمون.
وأفعال النبي صلى الله عليه وسلّم تقتضي الوجوب.
ولأن كل من لا يتكرر دخوله إلى مكة إذا دخلها لغير قتال، وهو

الجزء: 2 - الصفحة: 197

من أهل فرض الحج، لزمه الإحرام.
دليله: لو دخلها مريداً للنسك.
وفيه احتراز من دخولها لقتال، ومن يتكرر دخوله كالحطابة والرعاء، ومن العبد والصبي والمجنون.
فإن قيل: إذا كان مريداً للنسك فإن الميقات موضع للنسك، وهو الإحرام، فلم يجز أن يتجاوز بغير فعله، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه غير مريد للنسك، فلم يتعين عليه فعل الإحرام فيه.
قيل له: إذا أراد دخولها فقد أراد النُّسك في محله، فيجب أن يأتي به.
ولأن كل معنى إذا فعله المريد للنسك أوجب دماً، جاز أن يوجبه إذا لم يرده.
دليله: قتل صيد الحرم.
ولأنه لو نذر المشي إلى بيت الله، أو نذر دخول مكة، لزمه أن يدخلها بأحد النُّسكين، فلولا أن إحرامه نسك يختص بدخولها، لم يُوجب عليه غير ما نذره.
ولأنها تختص بأشياء منها: وجوب الجزاء على قاتل الصيد، والتحلل من الإحرام بها، واختصاصها بالهدايا.
واحتج المخالف بما روى ابن عباس: أن الأقرع بن حابس قال: يا رسول الله! الحج في كل سنة، أو مرة واحدة؟ قال: "بل، مرة واحدة،

الجزء: 2 - الصفحة: 198

وما زاد فهو تطوع".
وروي أن سراقة بن مالك قال: يا رسول الله! أعمرتنا هذه لعامنا، أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد".
فدل على أن الحج والعمرة بعد أدائهما مرة تطوع، وإذا كان تطوعاً لم يلزمه.
والجواب: أنا لا نوجب عليه حجة أخرى، بل نقول: إذا أراد دخولها لا يدخلها إلا محرماً، ومتى دخلها على هذه الصفة كان تطوعاً، كما نقول: إذا أراد أن يصلي يتطهر ويكبر ويقرأ، ومتى فعل ذلك كان متطوعاً، ولهذا نقول: لا فرق بين أن يدخلها بحج، أو عمرة.
ولأن الخبر تضمن ما وجب بإيجاب الله تعالى، وكلامنا فيما وجب من جهة المكلف، ولهذا لم يدخل النذر تحته.
واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "هذه المواقيت لأهلها، ولكل آتٍ عليها من غير أهلها ممن أراد حجة، أو عمرة".
فظاهر هذا: أن من مر على الميقات غير مريد للحج والعمرة لم يلزمه الإحرام بحال.
والجواب: أن الخبر قُصد به بيان حد المواقيت التي يجب الإحرام

الجزء: 2 - الصفحة: 199

منها، ولم يُقصد به بيان من أراد الجواز عليها؛ هل يلزمه الإحرام، أم لا؟ وقوله: "ممَّن أراد حجاً، أو عمرة"؛ معناه: أنه يلزمه الإحرام بكل حال، ومن لا يريد النُّسك تارة يلزمه الإحرام إذا أراد دخول مكة، وتارة لا يلزمه إذا أراد مجاوزة الميقات إلى [....] وما قبله.
ففائدة التخصيص لمن أراد النُّسك يرجع إلى هذا.
ولأن قوله: "ممن أراد حجاً، أو عمرة"؛ معناه: من أراد مكان الحج والعمرة، وقد يُسمى مكان العبادة باسمها، كقوله تعالى: ﴿وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: 40] الآية.
فإن قيل: هذا مجاز.
قيل له: قوله: "من أراد الحج والعمرة" يقتضي شرط إرادتها، وذلك غير معتبر باتفاق، فكل منا ترك الظاهر من وجه.
واحتج بما روي عن ابن عمر: أنه دخلها بغير إحرام.
والجواب: أن هذا محمول على أنه دخلها بغير إحرام من الميقات، وهو أنه يجوز أن يكون قصد ما قبل الحرم، فلما حصل هناك قصد

الجزء: 2 - الصفحة: 200

مكة، فأحرم من ذلك الموضع.
وعلى أنه يقابلها ما رواه الأثرم وغيره بإسناده عن عطاء، عن ابن عباس قال: لا يدخل مكة تاجر ولا طالب حاجة إلا وهو محرم.
واحتج بأنه دخل موضع النُّسك غير مريد للنسك، فلم يلزمه الإحرام، كما لو تكرر دخوله بأن يكون حطاباً، ودخلها لقتال.
والجواب: أنا لو كلفنا هؤلاء الدُّخول إليها بإحرام مع تكرر ذلك منهم لأدى إلى مشقة عظيمة، وأن يبقوا على إحرامهم أبداً؛ لأنهم يدخلون ويخرجون في كل يوم، ولاستضر أهل مكة أيضاً؛ لأن مصالحهم متعلقة بهم، فصاروا مخصوصين بذلك.
وأما دخولها لقتال [....]. واحتج بأن القربة المفعولة لحرمة المكان لا تجب بالشرع.
دليله: تحية المسجد.
والجواب: أنه باطل بتفرقة لحم الهدي في الحرم.
على أنا لا نقول: إن دخول مكة يوجب الإحرام، بل نقول: لا يدخلها إلا محرماً أي إحرام كان، كما نقول: لا نصلي إلا بطهارة أي

الجزء: 2 - الصفحة: 201

طهارة كانت، فلو تظهر قبل الوقت للنفل، ثم دخل الوقت، جاز أن يصلي الفرض بتلك الطهارة.
على أن تحية المسجد لم تجب؛ لأنها لا تختص بمسجد بعينه، فتلحق المشقة في إيجابها، فيجري حكمها مجرى الحطابة، وهذا بخلافه.
ولأن تحية المسجد لا تجب إذا أراد الفريضة، والإحرام من الميقات يجب إذا أراد الحج.
واحتج بأنه لو كان دخول مكة يوجب الإحرام، لوجب أن لا ينوب عنها الإحرام بحجة الإسلام، كما لو نذر حجة، لم تنب عنها حجة الإسلام.
والجواب: أنا لا نقول: إن دخول مكة يوجب الإحرام، بل نقول: لا يدخلها إلا محرماً أي إحرام كان، كما نقول: لا نصلي إلا بطهارة أي طهارة كانت، فلو تطهر للنفل جاز أن يصلي به الفرض، كذلك هاهنا.
وذكر بعضهم هذا الاستدلال بعبارة أخرى، فقال: لو كان واجباً لكان على من دخلها بحجة الإسلام وعمرته أن يقضيه؛ لأن الدخول إلى الحرم قد خلا عن الإحرام لسنته، وإنما دخلها لواجب سابق.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنا لا نقول: إن دخولها يوجب الإحرام، بل نقول: لا يدخلها إلا محرماً أي إحرام، كما لا يصلي إلا

الجزء: 2 - الصفحة: 202

متطهراً أي طهارة كانت.
وأما أبو حنيفة فالدلالة عليه- وأن من كان منزله الميقات أو وراء الميقات إلى مكة: أنه لا يجوز له دخولها بغير إحرام-: ما تقدم من حديث شريح، وهو عام، وحديث ابن عباس، والقياس على من مكان منزله وراء الميقات إلينا بالعبارة التي تقدمت، وهو: أن من لا يتكرر دخوله، فإذا دخلها لغير قتال، وهو من أهل فرض الحج، لم يجز له دخولها بغير إحرام.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يجتاز بالميقات، فلهذا لزمه الإحرام، وهذا لا يجتاز به.
قيل له: قريته ميقاته، ولهذا لا يجوز أن يتجاوزها إذا أراد الإحرام إلا محرماً.
وعلى أن الإحرام لتعظيم الحرم دون الميقات؛ لأنه إذا اجتاز بالميقات لدخول قرية في الحل لم يجب عليه الإحرام، فإذا كان دون الميقات، فأراد أن يدخل الحرم، استحب له أن يحرم، فدل على أنه لحرمة الحرم وتعظيمه وتشريفه، فإذا وجب على من كان منزلة وراء الميقات إلينا، وجب على من كان منزلة وراء الميقات إلى مكة.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 203

152 -

مسألة

إذا جاوز الميقات غير محرم لزمه إحرام على وجه القضاء، فإن أدى به حجة الإسلام في سنته سقط عنه، وإن أخره إلى السنة الثانية لم تجزأه حجة الإسلام عنه، ولزمه حجة، أو عمرة:

أومأ إليه أحمد في رواية حرب في من قدم مكة من بلد بعيد تاجراً، فدخل مكة بغير إحرام: يرجع إلى الميقات، فيُهل بعمرة إن كان في غير أيام الحج، وإن كان في أيام الحج أهل بحجة.
وظاهر هذا: أنه أوجب عليه القضاء؛ لأنه مر بالرجوع والإحرام بحج أو عمرة على نحو ما كان يلزمه إذا دخلها.
وقال في رواية أبي طالب في من دخل مكة بغير إحرام، وهو يريد الحج: فإن كان عليه وقت رجع إلى الميقات فأهل منه، ولا شيء عليه.
وظاهر هذا: أنه لا شيء عليه من إحرام آخر.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال مالك، والشافعي على القول الذي قال: إن الإحرام من الميقات واجب: لا يلزمه شيء إذا تجاوزه ودخل.
دليلنا: أنه إذا أراد دخولها لزمه أن يحرم، فإذت لم يفعل فقد ترك إحراماً لزمه، فعليه أن يأتي به، كما لو قال: لله عليَّ إحرام، وقد تركه؛

الحديث: 152 - الجزء: 2 - الصفحة: 204

فإنه يلزمه الإتيان به.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الوجوب لا يسقط بحجة الإسلام.
قيل: ليس إذا سقط الوجوب بفعل واجب آخر ما يدل على سقوط الوجوب، كما أن الطهارة واجبة لصلاة الفرض، فلو توضأ لصلاة جنازة، سقط بذلك ما وجب عليه، ولم يدل على أن الطهارة لم تكن وجبت.
ولأنه إحرام واجب، فجاز أن يلزمه فعله بعد مضي وقته، كإحرام حجة الإسلام.
واحتج المخالف بأنها قربة مفعولة لحرمة المكان، فوجب أن لا تُقضى، كتحية المسجد.
والجواب: أن تحية المسجد ليست واجبة، فلم يجب قضاؤها، والإحرام في مسألتنا واجب، فإذا لم يفعله لم يسقط وجوبه.
واحتج بأنه دخل على صفة لو حج من سنته لم يستقر عليه القضاء، كذلك وإن لم يحج من سنته.
أصله: من يتكرر دخوله إلى مكة.
والجواب: أنه يبطل بمن دخل مكة مُهلاً بحجة، ثم أفسدها.
ولأنه إذا حج بعد فعل المأمور به، وإذا لم يحج فقد ترك المأمور به، وليس إذا لم يلزمه القضاء من أدى الفعل وجب أن يلزم من لم يفعل شيئاً.
ولأن من يتكرر دخوله لا يلزمهم الإحرام؛ لأن مصالحهم متعلقة

الجزء: 2 - الصفحة: 205

بدخول مكة، وكذلك مصالح أهل مكة متعلقة بهم، ففي إيجاب الإحرام عليه إلحاق مشقة، وهذا المعنى لايوجد في غيرهم؛ لأن الإحرام يلزمهم من الميقات.
واحتج بأن كل من لا يستقر عليه القضاء بدخول الحرم محلاً إذا كان ممن يتكرر عليه دخوله، كذلك إذا كان من غيرهم.
دليله: إذا حج من سنته.
والجواب: أنه إذا حج من سنته فقد فعل ما اقتضاه الأمر، وإذا أخر الحج فلم يفعل ما يقتضيه الأمر، وفرق بين الأمرين وإيجاب القضاء بدلالة أن من أحرم بحجة الإسلام، فأداها، سقط عنه مقتضى الأمر، ولو أفسدها لما لم يفعل مقتضى الأمر، استقر عليه القضاء.
واحتج بأن الإحرام لا يجب عليه بالدخول بدليل أنه لو ورد ليدخل، وأقام في مكانه، أو انصرف إلى بلده، لم يجب عليه الإحرام، فثبت أنه يلزمه إذا أراد الدخول، فصار كالطهارة لصلاة النافلة.
والجواب: أن وجوب الإحرام يتعلق بإرادة الدخول، فإذا تم الدخول وجب عليه، كما أن الدخول في الإحرام يتعلق بالإرادة، فإذا دخل وجب عليه بالدخول حتى إذا أفسد وجب عليه القضاء.
واحتج بأنه لو وجب القضاء بترك الإحرام لأدى إلى إيجاب الإحرام إلى غير نهاية؛ لأنه كلما حضر الميقات لزمه إحرام، فوقع ما يفعله عن الحال دون الماضي، وهذا كما لو نذر أن يصوم أبداً، ثم أفطر، لم يلزمه

الجزء: 2 - الصفحة: 206

القضاء؛ لأن كل يوم مشغول بما وجب فيه من القضاء.
والجواب: أن هذا غير صحيح؛ لأن عندنا إذا عاد إلى الميقات في سنة أخرى،÷ فأحرم، والذي يجب لحرمة الميقات أن لا يجاوزه إلى مكة محرماً، وليس عليه أن يأتي بإحرام للميقات، وإذا حضره أحرم بما عليه، لم يلزمه معنى آخر لمجاوزته الميقات، وهذا كما لو أحرم فيه بحجة الإسلام.
ومثل هذا ما نقوله جميعاً في الإحرام: أنه يوجب الحج عندنا وعندهم، ولو أحرم بحجة الإسلام أو المنذورة صح، ولا يُقال: قد لزمه بالدخول إحرام، وحجة الإسلام لازمة بالشرع، فيؤدي إلى إيجاب ما لا نهاية.
وقد قيل: إن له سبيلاً إلى القضاء من غير ما ذكروه، وهو أن يأتي بإحرام من مكة، فيسقط عن نفسه موجب ما لزمه، وهذا لا يخرج على أصلنا؛ لأن أحمد قال في رواية حرب: يرجع إلى الميقات، فيحرم بحجة، أو عمرة.
واحتج بأن هذا أمر مؤقت، فسقط بفوات الوقت، والقضاء يجب بأمر آخر، فموجبه يحتاج إلى دليل.
والجواب: أنا إذا اتفقنا أن مجاوزة الميقات توجب إحراماً آخر،

الجزء: 2 - الصفحة: 207

فهو كمن قال: لله عليَّ الحج في هذه السنة؛ لأن الإيجاب تعلق بسبب من جهته، وقد اتفقنا على أن النذر المؤقت لا يسقط بفوات الوقت، كذلك هذا.
على أن القضاء عندنا يجب بالأمر السابق.

  • ... * ... *

153 -

مسألة

إذا أحرم بحجتين، أو عمرتين، لزمه إحرام واحد:

نص عليه في رواية أبي طالب وابن منصور في من أهل بحجتين: لا تلزمه إلا حجة.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يلزمه الإحرامان، ثم يرفض إحداهما، ويمضي في الأخرى، فإذا فرغ من هذه قضى الأخرى.
وقال داود: يقع إحرامه باطلاً، ولا ينعقد بواحد منهما.
فالدلالة على صحة الإحرام في الجملة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئٍ ما نوى".
ولو خلينا والظاهر لقلنا: يصح إحرامه بهما؛ لأنه نواه، لكن قام

الحديث: 153 - الجزء: 2 - الصفحة: 208

دليل الإجماع على إسقاط أحدهما، فبقى ما عداه على موجب الظاهر.
ولأن الزمان يصلح للإحرام بحجة واحدة، فإذا أحرم بحجتين وجب أن يصح بما يصلح له الزمان، ويبطل فيما لا يصلح، كما لو عقد الإمام الهدنة زيادة على المدة صح فيما صح، وكذلك لو باع ملكه وملك غيره، وكذلك إذا أحرم بالحج في غير أشهره لم يصح عندهم بالحج، ويصح بالعمرة.
واحتج المخالف بقوله صلى الله عليه وسلّم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ"، وهو منهي عن الإحرام بحجتين.
وإن قاسوا على الإحرام بالصلاتين، فالمعنى فيه ما نذكره فيما بعد، وهو اعتبار التعيين.
والدلالة على أنه ينعقد بأحدهما: أنهما عبادتان لا يصح المضي فيهما بوجه، فلم يصح الإحرام بهما.
دليله: الصلاتان.
ولا يلزم عليه إذا أحرم بالحج والعمرة في يوم عرفة بالكوفة أن يصح إحرامه بهما، وإن لم يمكن المضي فيهما؛ لأنهما يمكن المضي

الجزء: 2 - الصفحة: 209

فيهما بوجه، وهو إذا كان بمكة، وإن لم يكن المضي فيهما في هذه الحال.
وإن شئت قلت: عبادتان لا يصح المضي فيهما، ولا في شيء من أفعالهما بوجه، أشبه الصلاتين.
ولا يلزم عليه إذا أحرم الكوفي بالحج والعمرة في يوم عرفة؛ فإنه يصح إحرامه بهما؛ لأنه يمكن المضي في أكثر أفعالهما؛ لأنه يطوف، ويسعى، ويحلق أو يقصر، وذلك من أفعال الحج والعمرة.
فإن قيل: المعنى في الصلاتين: أنه لما لم يصح الجمع بينهما إذا كانا من جنسين، لم يصح إذا كانا من جنس واحد، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لما صح الجمع بينهما إذا كانا من جنسين، وهو الحج والعمرة، صح إذا كانا من جنس واحد؛ لأنه لو أحرم بصلاتين لم ينعقد بواحدة منهما، ولو أحرم بحجتين لزمه أحدهما، فدل على الفرق بينهما.
قيل له: إنما لم يصح الإحرام بأحد الصلاتين، ووقع باطلاً فيهما، وإن اتفق الجنسان، أو اختلفا؛ لأن من شرط صحة الصلاة تعيين النية لها، فلو قلنا: تنعقد إحدى الصلاتين؛ لانعقدت بلا تعيين، وهذا لا يجوز، وليس كذلك الحج؛ فإنه ليس من شرطه تعيين النية، فجاز أن ينعقد بحجة واحدة، ويبطل في الأخرى؛ لأن الوقت يصلح لأحدهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 210

فإن قيل: إذا نوى صلاة فريضة ونافلة، كان يجب أن ينعقد الإحرام بصلاة النافلة التي لا تفتقر إلى التعيين.
قيل له: كذلك نقول: تحصل له نافلة.
وجواب آخر عن أصل السؤال: وهو أنه ليس أنه إذا صح في إحديهما يجب أن يصح فيهما، كمن نوى صومين في يوم رمضان، صح لأحدهما عندهم، ولم يصح للآخر، وإذا نذر أن يحج في عام واحد حجتين، وجبت إحداهما، ولم تجب الأخرى.
وعليه أنه ليس إذا لم يتناف الإحرام بهما في صحة أحدهما، يجب أن لا يتنافى في صحتهما معاً، ألا ترى أن المضي فيهما لا يتنافى في صحة أحدهما، ويتنافى في صحة المضي فيهما؟ أما الحج والعمرة فيأتي الكلام عليهما.
وقياس آخر، وهو: أن الإحرام فعل من أفعال الحج، فلا يجوز أن يجمع به بين حجتين.
أصله: الوقوف، والطواف، والسعي، والرمي.
ولأن الحجة الثانية لو كانت منعقدة لم تنفسخ إلا بسبب طارئ بعد الانعقاد، كالفساد والفوات، ولم يحدث سبب يوجب الفسخ، فدل على أنها لا تنعقد.
فإن قيل: أخذه في الطواف الذي لا يصلح لهما يوجب الفسخ قبل الطواف في موجب الإحرام، وفعل ما يقتضيه الإحرام ويوجبه،

الجزء: 2 - الصفحة: 211

لا يوجب فسخه.
واحتج المخالف بأننا اتفقنا على جواز الجمع بين إحرام الحج والعمرة، والمعنى فيه: وجوب التلبية بهما مع النية، وهو ممن يصح منه الإحرام، وهذا المعنى موجود في إحرام الحجتين أو العمرتين.
والجواب: أنه إنما صح الجمع بين إحرام الحج والعمرة؛ لأنه لا يمكنه المضي فيهما، فوجب أن لا يلزماه بإحرام واحد، كالصلاتين.
فإن قيل: تعذر المضي فيهما لا يمنع لزومه، ألا ترى أنه لو أحرم بالكوفة يوم عرفة لزمه الإحرام، وإن لم يمكنه المضي فيه؟ وكذلك لو أحرم، وهو محصر، وكذلك إذا أحرم بشيء مجهول انعقد إحرامه للحج، ولا يمكنه المضي فيه، وكذلك إذا أحرم الماسح على الخفين بالصلاة، فمضى وقت المسح لم يمكنه المضي فيها، وإحرامه صحيح.
قيل له: قد يستفيد بالإحرام في تلك المواضع فائدة، وهو أنه إذا فاته الحج تحلل بعمرة، وإذا أحرم بشيء مجهول عينه في الثاني، ومضى فيه، وإذا أحرم بالصلاة الماسح حصل له بعض أفعال العبادة، وهذا معدوم في مسألتنا؛ فإنه لا يستفيد بالحجة الثانية شيئاً.
واحتج بأن الحج يلزم بالدخول كلزومه بالنذر، ثم النذر تلزم به حجتان وأكثر، كذلك الدخول؛ لأن كل واحد منهما سبب للوجوب.
والجواب: أن الزاد والراحلة سبب للوجوب، ولا يجب به

الجزء: 2 - الصفحة: 212

إلا حجة واحدة.
وعلى أن الشروع لا يجب اعتباره بالنذر، ألا ترى أنه يصح أن ينذر صلوات كثيرة، ولا يصح أن يشرع في صلوات كثيرة.
وعلى أن النذر هو التزام في الذمة، وهي تتسع لوجوب حج، وعمرة، وليس كذلك الإحرام؛ فإنه لا يصح إلا فيما يصلح له الوقت، والوقت لا يصح لحجتين، فلم يصح الشروع فيهما [....] أن ينذر حجتين في سنة واحدة، فتلزمه إحداهما؛ لأن الوقت لا يتسع لهما.

  • ... * ... *

154 -

مسألة

يضيف الحج إلى العمرة، ولا يضيف العمرة إلى الحج، فإن فعل لم تنعقد العمرة على ظاهر كلام أحمد في مواضع:

فقال في رواية المروذي في من قدم يوم عرفة معتمراً، فخاف أن يفوته الحج: إن طاف أدخل الحج على العمرة، ويكون قارناً.
قيل له: فيدخل العمرة على الحج؟ قال: لا.
وكذلك نقل حنبل عنه: إذا أهل بعمرة، أضاف إليها الحج، وإذا أهل بالحج لم يضف إليه عمرة.
وكذلك نقل الأثرم عنه: إذا أهل بعمرة أضاف إليها الحج،

الحديث: 154 - الجزء: 2 - الصفحة: 213

ولا بأس، إنما الشأن في الذي يهل بالحج يضيف إليه عمرة، ثم قال علي: لو كنت بدأت بالعمرة.
وكذلك نقل حرب عنه، وقد سأله عن من أهل بالحج، فأراد أن يضم إليها عمرة، فكرهه.
وكذلك نقل أبو الحارث عنه قال: إذا أحرم بعمرة، فلا بأس أن يضيف العمرة إلى الحج، فإن فعل فقد أوتي وهو قارن.
وبه قال مالك.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة ومالك.
دليلنا: ما احتج به أحمد، ورواه الأثرم في "مسائله" بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي نصر، عن أبيه قال: خرجت أريد الحج، فقلت: أمر بالمدينة، ثم خرجت، فأدركت علياً في الطريق، وهو يهل بعمرة وحجة، فقلت له: يا أبا الحسن! إنما خرجت من الكوفة؛ لأقتدي بك، وقد سبقتني فأهلك بالحج، أفأستطيع أن أدخل معك فيما أنت فيه؟ قال: لا، إنما ذلك لو كنت أهللت بعمرة.
فإن قيل: نحمل قوله على الكراهة، ونحن نكره ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 214

قيل له: النهي يدل على فساد المنهي عنه، فوجب أن تكون العمرة فاسدة.
وأيضاً فإن القارن يفعل ما يفعله على أصلنا، فإذا كان محرماً بالحج لم يستفد بإضافة العمرة إليه فائدة، وقد صارت هذه الأعمال مُستحقة عليه بالحج، ولا يجوز إسقاط عبادة أخرى بها، ولا يجوز استحقاقها بعقد مستأنف عليها.
ألا ترى أن المنافع المستأجرة لا يجوز عقد الإجارة عليها؛ لأنها صارت مستحقة بالعقد الأول، ولا يجوز استحقاقها بعقد مستأنف، كذلك هاهنا.
فإن قيل: لا نسلم لك هذا الأصل؛ لأن القارن عندنا يفعل ما يفعله المفرد بكل واحد منهما.
قيل له: قد دللنا على هذا الأصل فيما تقدم، وهذه المسألة مبنية عليه.
فإن قيل: فهذا لا يوجب أن لا يصح الجمع بينهما؛ لأنه لا يستفيد بالجمع بينهما شيئاً.
قيل له: إذا عقد عليهما دفعة واحدة فقد صارت أعمال الحج التي مثلها في العمرة مستحقة بالحج والعمرة، وليس كذلك إذا عقد الحج مفرداً؛ فإن عمله قد صار مستحقاً به، فلا يصح عقد العمرة عليه، كما قلنا في الإجارة.

الجزء: 2 - الصفحة: 215

وأيضاً فإن الحج آكد من العمرة؛ لأنه متفق على وجوبه، والعمرة مختلف في وجوبها.
ولأن كل ما في العمرة ففي الحج مثله، ويختص بأشياء زائدة، فلم يجز إدخال الضعيف على القوي، كما لا يجوز إدخال الفراش بملك اليمين على الفراش بالنكاح؛ لأن الفراش بالنكاح أقوى؛ لأنه يتعلق به الظهار، واللعان، والإيلاء، وغير ذلك مما لا يتعلق بالفراش بملك اليمين.
واحتج المخالف بأنه لما جاز الجمع بينهما، كذلك إذا تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، كما لو أحرم بعمرة، ثم أدخل عليها الحجة.
والجواب: أنه إنما جاز الجمع بينهما؛ لأنه تصير أفعال الحج والعمرة مستحقاً بالإحرام، وليس كذلك إذا عقد الحج مفرداً؛ لأن عمله قد صار مستحقاً به، فلا يصح عقد العمرة عليه، كما قلنا في الإجارة.
وأما إدخال الحج على العمرة فإنما جاز، لأنه إدخال القوي على الضعيف، وفي إدخال العمرة على الحج إدخال الضعيف على القوي، وهذا لا يجوز، كما يجوز إدخال فراش النكاح على فراش ملك اليمين، ولا يجوز إدخال فراش ملك اليمين على فراش النكاح؟ واحتج بأن كل شيئين صح الجمع بينهما في عقد واحد، جاز إدخال كل واحد منهما على الآخر، كالأختين، وعكسه نكاح الأختين.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أنه إنما جاز الجمع بينهما؛ لأنه

الجزء: 2 - الصفحة: 216

تصير أفعالهما مستحقة بالإحرام، وليس كذلك في إدخال العمرة على الحج؛ لأن عمل الحج قد صار مستحقاً به، فلا يصح عقد العمرة عليه، ولا يشبه هذا نكاح الأختين؛ لأنه إذا عقد على أحديهما منفردة صح؛ لأنه لا يوجب استحقاق ما كان مستحقاً بعقد مستأنف، وهاهنا يوجب استحقاق ما كان مستحقاً بعقد مستأنف، وهاهنا يوجب استحقاق بعقد مستأنف، فهو كما لو استأجر داراً، لم يجز أن يعقد عليها عقداً مستأنفاً في مدة الإجارة، ويجوز أن يعقد على غيرها عقداً مستأنفاً للمعنى الذي ذكرنا.
واحتج بأن الإحرام بالحج والعمرة لا يتنافيان بدلالة جواز الإحرام بهما معاً، وليس في إدخال العمرة على الحج أكثر من كونه منهياً عنه، وهذا لا يمنعن لزومه بدلالة الإحرام من الميقات؛ لأنه منهي عنه ويلزمه.
والجواب: أن فيه ما هو أكثر من هذا، وهو استحقاق ما كان مستحقاً بعقد مستأنف، وذلك غير جائز.

  • ... * ... *

155 -

مسألة

إذا أفسد الحج لم يخرج منه بالإفساد، بل يلزمه المضي في فاسده:

نص عليه في رواية عبد الله، وابن منصور، وأبي الحارث: فقال في رواية عبد الله: إذا وطئ، وهو محرم، ثم أصاب صيداً، عليه الجزاء، الإحرام قائم، يُؤمَر أن يتم حجه، ولا يحلق، ولا يصيد.

الحديث: 155 - الجزء: 2 - الصفحة: 217

وفي رواية ابن منصور: إذا جامع، ثم أصاب صيداً، أو حلق، فالإحرام قائم، كلما أصاب من ذلك فعليه كفارة.
وفي رواية أبي الحارث: إذا وطئ امرأته وهما محرمان، فسد حجه، يتم هذا، والإحرام قائم، وعليه الحج من قابل، فقيل له: أيهما حجة الفريضة التي أفسدها، أو التي قضى؟ قال: لا أدري.
وبهذا قال جماعة الفقهاء.
وحُكي عن داود: أنه قال: يخرج منه بالإفساد.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: 196]، ولم يفرق بين الفاسد والصحيح.
وأيضاً روى أبو بكر النجاد في "سننه" قال: ثنا زكريا قال: ثنا أحمد بن سعيد قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن المسيب: أن رجلاً من حذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلّم، فقال لهما: "أتما حجكما، ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى من قابل، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتها فأحرما، وتفرقا، ولا يُواكل واحد منكما صاحبه، ثم أتما مناسككما، وأهديا".
وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.

الجزء: 2 - الصفحة: 218

ولأنه إجماع الصحابة.
روى النجاد قال: حدثنا القعنبي، عن مالك: أنه بلغه: أن عمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبا هريرة رضى الله عنه سُئِلُوا عن رجل أصاب أهله، وهو محرم بالحج، فقالوا: ينفذان لوجههما حتى يُتما حجهما، ثم عليهما الحج من قابل، والهدي.
وروى بإسناده عن ابن عباس في رجل أصاب امرأته، وهو محرم: يمضيان لوجههما، ثم يحجان من قابل، ويحرمان من حيث أحرما، ويتفرقان، ويهديان جزوراً.
ولأنه معنى يجب به قضاء الحج، ولم يخرج منه، كالفوات.
واحتج المخالف بما رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "كُلُّ عمل ليس عليه أمرنا فهو رد".
والحج الفاسد ليس عليه أمره.
والجواب: أن الذي ليس عليه أمره هو الوطء، وهو مردود، فأما الحج فهو مأمور به.
واحتج بأن هذه عبادة، فخرج منها بالفساد، كالصوم وسائر العبادات.
والجواب: أن تلك العبادات يخرج منها بقوله، وهو أن يقول:

الجزء: 2 - الصفحة: 219

أخرجت نفسي من هذه العبادة، فلهذا خرج منها بالإفساد، والحج لما يخرج منه بالقول، لم يخرج منه بالإفساد.

  • ... * ... *

156 -

مسألة

إذا أفسد الحج بالوطء، وعادا للقضاء؛ فإنهما يتفرقان:

نص عليه في رواية الأثرم في الرجل يصيب امرأته، وهما محرمان: يتفرقان إذا أعادا الحج في النزول والمحمل والفسطاط، وما أشبه ذلك.
وكذلك نقل ابن منصور عنه في الذي يصيب أهله مُهلاً بالحج: يحجان من قابل، ويتفرقان، وأرجو أن يجزئهما هدي واحد.
فقد أطلق القول بالتفرق، قال شيخنا أبو عبد الله: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه واجب.
والثاني: أنه مستحب.
وقال مالك والشافعي: يتفرقان.
واختلف أصحاب الشافعي: هل ذلك واجب، أم مستحب؟ على وجهين.
وقال أبو حنيفة: لا يتفرقان في الجملة.
والدلالة على التفرق في الجملة: ما تقدم من الحديث الذي رواه النجاد، وذكر فيه: "حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فيه، فأحرما،

الحديث: 156 - الجزء: 2 - الصفحة: 220

وتفرقا، ولا يُواكل واحد منكما صاحبه".
وهذا أمر فهو على الوجوب.
ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس: فروى النجاد بإسناده عن مجاهد: وقد سئل عن الرجل يأتي امرأته، وهو محرم، قال: كان ذلك في عهد عمر بن الخطاب، فقال: يمضيان بحجهما، والله أعلم بحجهما، ثم يرجعان حلالاً كل واحد منهما بصاحبه، حتى إذا كان من قابل حجَّا، وأهديا، وتفرقا من حيث أصابا حتى ينقضي حجُّهما.
وروى مالك عن علي: فإذا أهلا بالحج من قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما.
وروى النجاد بإسناده عن الزهري، عن عبيد الله قال: سئل ابن عباس عن رجل أصاب امرأته، وهو محرم، قال: عليها الحج من قابل، ثم يفترقان من حيث يحرمان، ولا يجتمعان حتى يقضيا نسكهما، وعليهما الهدي.
ولأنه إذا كان قد جامعها مرة لم يُؤمن إذا بلغ ذلك الموضع أن يذكره، فتتوق نفسه إليه، فيواقعها، وتفسد الحجة الثانية، فيجب أن

الجزء: 2 - الصفحة: 221

يُفرَّق بينهما؛ لتؤمن هذه الحال، كما يمنع من القُبلة والطِّيب؛ ليأمن مواقعه الوطء.
فإن قيل: ففي الابتداء لا يأمن أن يجامعها، فيفسد حجمها، ومع هذا لا يُؤمران بالافتراق، وكذلك إذا لبس القميص مرة، ثم نزعه، فإنه لا يأمن أن يلبسه ثانياً، ومع هذا لا يُفرق بينه وبين قميصه وسائر ثيابه.
ولأنه إذا جامع في موضع، وأفسد الحج، فالقضاء بالحذر والإشفاق أولى.
ولأنه إذا بلغ ذلك الموضع يستغفر الله، ويحذر أن يعود إليه، فيفسد حجه، فيمسك عنه، فلا يُقدم عليه.
قيل له: أما قولك: (إنه في الابتداء لا يأمن أن يجامعها) فلا يصح؛ لأنه ليس هناك داعٍ، وهو ذكره عند بلوغه الموضع.
وأما لبسه القميص فغير ممنوع من دواعي اللبس؛ لأنه لا يُمنع من النظر إليه في الوقت الذي تتوق نفسه إلى لبسه، وفي الزوجة مُنع من الدواعي.
وقوله: إنه في الحجة الثانية أشد حذراً من الأولى، فهذا يوجب جواز الطيب في القضاء والقُبلة؛ لأنه يتحذر من الوطء.
واحتج المخالف بأنه لو وجب الافتراق في القضاء لوجب في الابتداء، ألا ترى أنه لما وجب الامتناع من الجماع في القضاء وجب في الابتداء؟

الجزء: 2 - الصفحة: 222

والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أن الأداء ليس فيه داعٍ، وفي القضاء داعٍ.
واحتج بأنه لا يُفرق بينهما في الابتداء فلم يفرق بينهما في القضاء قياساً على رمضان إذا جامع فيه امرأته، وأفسد الصوم، ثم أراد القضاء؛ فإنه لا يُفرق بينهما.
يبين صحة هذا: أن كل واحد منهما يجب بإفساده الكفارة.
والجواب: أن الحج أبلغ في منع الدواعي من الصوم بدليل المنع من الطيب والقبلة، والصوم بخلافه.

  • فصل: ويفترقان من الموضع الذي وطئها.
    وهو قول الشافعي.
    وقال مالك: يتفرقان من حيث يحرمان.
    دليلنا: ما تقدم من حديث النجاد، وذكر فيه: "حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فيه، فأحرما، وتفرقا"، فأوجب التفريق في المكان الذي أصابها فيه.
    ولأن المعنى الذي لأجله أُمر بالتفرق: أنه لا يأمن إذا بلغ ذلك الموضع أن يذكره، فتتوق نفسه إلى مثل ذلك، وهذا المعنى لا يُوجد فيما قبله.

الجزء: 2 - الصفحة: 223

واحتج المخالف بما رُوي عن علي وابن عباس: أنهما قالا: يفترقان من حيث يحرمان.
والجواب: أن عمر قد خالفهما، وقال: يفترقان من حيث أصابها.
واحتج بأن الذي لأجله أُمر بالافتراث هو خوف الإفساد ثانية، وليس آخر الإحرام بأولى في الاحتياط من أوله.
والجواب: أن أول الإحرام لا يوجد فيه ما يدعو إلى فساده، وإنما يوجد في آخره، فلهذا فرقنا بين الابتداء والانتهاء.

  • ... * ... *

157 -

مسألة

إذا وطئ قبل الوقوف فسد حجه، وعليه بدنة:

قال في رواية حنبل ويعقوب بن بختان في الرجل يقع على امرأته، وهو محرم: عليه بدنة، والحج من قابل.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: شاة.
دليلنا: إجماع الصحابة.
روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس: فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن مجاهد عن عمر بن الخطاب

الحديث: 157 - الجزء: 2 - الصفحة: 224

قال: يقضيان حجهما، والله أعلم بحجهما، وعليهما الحج من قابل، ويفترقان من حيث وقع عليها، وينحر عنه وعنها جزوراً.
وروى بإسناده عن الحكم بن عُتيبة، عن علي قال: يفترقان، ولا يجتمعان إلا وهما حلالان، وينحر كل واحد منهما جزوراً، وعليهما الحج من قابل، يُحرمان بمثل ما كانا أحرما به في أول مرة، وإذا مرا بالمكان الذي أصابها فيه تفرقا، فلم يجتمعا إلا وهما حلالان.
وروى بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن رجل أصاب امرأته، وهو محرم فقال: يمضيان لوجههما، ثم يحجان من قابل، ويحرمان من حيث أحرما، ويفترقان، ويهديان جزوراً.
والقياس: أنه وطء صادف إحراماً بالحج تاماً، فأوجب البدنة.
دليله: لو وطئ بعد الوقوف وقبل الرمي.
ولا يلزم عليه وطء دون الفرج؛ لأن ذلك ليس لوطء في الحقيقة.
ولا يلزم عليه إذا وطئ بعد رمي جمرة العقبة وقبل الطواف؛ لأنه لم يصادف إحراماً تاماً.
ولا يلزم عليه إذا وطئ في العمرة: أنه تجب شاة؛ لقولنا: في الحج.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الجماع لا يوجب القضاء،

الجزء: 2 - الصفحة: 225

والجماع قبل الوقوف يوجب القضاء.
قيل: لا فرق بينهما على أصلنا في أن الجمع يوجب القضاء.
وقياس آخر، وهو: أن ما يجب بمواقعة محظورات الإحرام لا يختلف قبل الوجوب وبعده بدلالة الفدية الواحبة بالحلق واللباس وقتل الصيد، ونحو ذلك.
وإن شئت قلت: كل ما إذا فعله بعد الوقوف وجب به كفارة، فإذا فعله قبل الوقوف وجب به تلك الكفارة، كالطيب واللباس.
فإن قيل: فعل تلك الأشياء لا يتعلق الفساد بها، والوطء يتعلق الفساد به، فجاز أن يختلف قبل الوقوف وبعده.
قيل: كونه موجباً للفساد يدل على تأكده، وإيجاب الشاة يدل على تخفيفه، وهذا لا يجوز.
ولأن سلامه في الصلاة من ركعتين يتعلق به الفساد إذا كان على وجه العمد، وتركه دعاء القنوت والتشهد الأول لا يفسد عندهم، ثم هما سواء في الجُبران.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال للذي جامع امرأته قبل الوقوف: "عليكما الهدي، واذهبا، واقضيا ما عليكما".
وظاهره يقتضي أن عليهما أدنى ما يقع عليه اسم الهدي.
والجواب: أنه محمول على البدنة بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأنه معنى يوجب قضاء الإحرام، فلا يوجب بدنة قياساً على

الجزء: 2 - الصفحة: 226

الفوات والتحلل بالإحصار.
والجواب: أن الفوات والإحصار يحصل من غير تفريط في العادة؛ لأنه يقع خطأ؛ لأن الإنسان لا يقصد تفويت الحج على نفسه، فخُفف الأمر فيه، فلم تجب به الكفارة العظمى، والوطء أمر محظور، ويقع عن عمد وقصد، فغُلظ الأمر فيه بإيجاب الكفارة العظمى.
وجواب آخر، وهو: أن الفدية بالجماع أغلظ حكماً من الفوات، ألا ترى أن فساد صوم رمضان بالجماه يوجب القضاء وعتق رقبة، وفواته بترك النية إلى بعد الزوال يوجب القضاء فقط، كذلك الحج فساده بالوطء يوجب القضاء وبدنة، فواته يوجب القضاء، ولا يوجب بدنة.
واحتج بأن إيجاب البدنة في هذا الموضوع يوجب تغليظين في فعل واحد، وهو القضاء والبدنة، ولا سبيل إلى ذلك.
والجواب: أن الوطء في رمضان يجب به القضاء والكفارة العظمى، وهما تغليظان.

  • ... * ... *

158 -

مسألة

إذا وطئ بعد الوقوف بعرفة، وقبل التحلل، فسد حجه:

نص عليه في رواية الأثرم وأبي الحارث والمروذي:

الحديث: 158 - الجزء: 2 - الصفحة: 227

فقال في رواية الأثرم: والذي يصيب أهله قبل أن يرمي الجمرة فحجه فاسد.
وكذلك نقل أبو الحارث في الذي يطأ، ولم يرم الجمرة: أفسد حجه، وإن وطئ بعد رمي الجمرة، فعليه أن يأتي مسجد عائشة، فيحرم بعمرة، فتكون أربعة أميال مكان أربعة أميال، وعليه دم.
وكذلك نقل المروذي في من وطئ قبل رمي الجمرة: فسد حجه، وعليه الحج من قابل، فإن رمى وحلق وذبح، ووطئ قبل أن يزور البيت، فعليه دم، ويعتمر؛ يخرج إلى التنعيم؛ لأنه من منى إلى مكة أربعة أميال، ومن التنعيم أربعة أميال.
فقد بين أن المسافة من التنعيم مثل المسافة من منى إلى مكة؛ لأنه كان يلزمه الدخول إلى مكة للطواف بالإحرام الأول.
وبهذا قال مالك والشافعي, وقال أبو حنيفة: عليه بدنة، وحجه تام.
دليلنا: أنه وطء صادف إحراماً تاماً، فأفسده.
دليله: إذا وطئ قبل الوقوف.
ولا يلزم عليه إذا وطئ بعد الرمي؛ لأن الوطء لم يصادف إحراماً تاماً.
ولأن الوطء من محظورات الإحرام، فوجب أن يستوي حكمه قبل الوقوف وبعده، كسائر المحظورات.

الجزء: 2 - الصفحة: 228

ولأن الحج عبادة يجوز أن يطرأ عليها الفساد، فجاز ورود الفساد عليها إلى أن يحل منها.
دليله: الصوم والصلاة.
فإن قيل: الحج آكد من الصلاة؛ لأن مواقعة الأفعال المحظورة لا توجب الخروج من الإحرام، وتوجب الخروج من الصلاة والصوم، فإذا كان كذلك، لم يمنع أن يرد الفساد عليها إلى أن يحل منها، ولا يرد على الحج.
قيل له: إذا فسد الصوم بغير عذر، وجب عليه الإمساك بقية نهاره، ولم يدل على أن الفساد لا يرد عليه إلى أن يحل منه.
على أنه إذا دل هذا على تأكيد الحج، دل على تأكيد القضاء؛ لأن في إيجابه تأكيداً للحج.
فإن قيل: لا يؤمن ورود الفساد على الصوم والصلاة إلا بعد استيفاء أفعالهما والخروج منهما، وقد يؤمن ورود الفساد على الحج قبل استيفاء فرضه بدلالة أنه لو وطئ قبل الطواف وبعد الحلق لم يفسد حجه.
قيل له: لأنه بالحلق يتحلل مما مضى من الأفعال، كما أنه بالتسليم يخرج من الصلاة، وبالإفطار يخرج من الصوم.
فإن قيل: لو كان كذلك، لارتفع تحريم الوطء، كما يرتفع بالخروج من الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 229

قيل له: إنما لم يرتفع؛ لأنه قد بقى من الإحرام بقية لم يتحلل منها، فلهذا بقى شيء من محظوراته.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "من وقف بعرفة فقد تم حجه".
وورود الفساد عليه بالجماع يمنع تمامه.
والجواب: أنه لا خلاف أنه لم يتم؛ لأنه قد بقى عليه ركن من أركان الحج، وهو الطواف، فعلم أن المراد به: قد قارب التمام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "إذا رفع الرجل رأسه من السجدة فقد تمت صلاته"؛ يعني: قاربت التمام.
واحتج بأنه لو جامع بعد سقوط فرض الوقوف، فوجب أن لا يفسد حجه، كما لو جامع بعد رمي جمرة العقبة والحلق.
ولأنه قد أمن فوات الحج، فوجب أن يأمن فساده.

الجزء: 2 - الصفحة: 230

دليله: ما ذكرنا.
والجواب: أن الأمن من الفوات لا يوجب الأمن من الفساد بدلالة العمرة تأمن فواتها، ولا تأمن فسادها.
فإن قيل: زمان الفوات يطلق على ما يجوز أن يفوت بحال، والعمرة لا تفوت بحال؛ لأنها ليست مؤقتة.
قيل له: إذا كانت العمرة لا فوات فيها بحال، والحج يفوت في حالة، ولا يفوت في أخرى، فالأمن من الفوات في العمرة آكد من الفوات في الحج، وكذلك إذا صلى ركعتين من صلاة الجمعة فقد أمن فواتها، ومع هذا يلحقها الفساد، وكذلك من نوى قبل الزوال الصيام فقد أمن فوات الصوم، ولا يأمن فساده.
ثم المعنى في الأصل: أن الوطء صادف إحراماً تحلل منه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه صادف إحراماً تاماً.
يبين صحة هذا: أن التلبية مستحبة، وبعد الرمي قد انقطعت.
واحتج بأن ما بعد الوقوف من أفعال الحج لو تركها لم يبطل حجه، ألا ترى أن الحاج إذا مات بعد الوقوف لم يبطل حجه، ولم يجب استيفاؤه وقضاؤه، ففعلها بعد الجماع لا يكون أسوأ حالاً من تركها رأساً.

الجزء: 2 - الصفحة: 231

والجواب: أن الترك أخف من الإفساد بدليل: أنه لو ترك صوم رمضان، فلم ينوه لم تلزمه كفارة، ولو تركه بوطء أو أكل، لزمته كفارة، وكان الفرق بينهما حصول الفساد في أحدهما دون الآخر، كذلك هاهنا.
ولأنه إنما يفسد الحج بترك الأفعال؛ لأن بعضها يسقط بفواته، وهو الرمي، وبعضها لا يسقط، لكن وقته على التراخي، وهو الطواف، فلهذا لم يكن تركه مبطل، فأما لم يكن تركه مبطل، فأما هاهنا فعلته: أن الفساد صادف إحراماً كاملاً.
واحتج بأن الطواف ركن من أركان الحج، وجمرة العقبة من توابعه، ثم اتفقوا أن بقاء الطواف لا يوجب فساد الحج إذا حصل الجماع قبله وبعد الرمي، فبقاء الرمي أحرى.
والجواب: أن بقاء الطواف لم يوجب الفساد؛ لأنه التحلل من العبادة، وقد سبق الفساد بالرمي والحلاق، وليس كذلك الرمي؛ لأنه لم يسبقه تحلل، فلهذا إذا طرأ الفساد أفسد.
واحتج بإن الفساد معنى يجب به القضاء، فلم يصح وجوده بعد الوقوف.
[والجواب: أن وجوده بعد الوقوف] كوجوده قبله، فيتعلق به الفساد في الموضعين جميعاً.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 232

159 -

مسألة

إذا وطئ بعد الرمي، وقبل طواف الإفاضة، مضى في بقية الحج في الإحرام الذي أفسده، ويحرم بعد ذلك من التنعيم؛ ليقضي الطواف والسعي بإحرام صحيح:

وقد أطلق أحمد القول في رواية الجماعة في ما تقدم: أنه يحرم بعمرة، ولم يقل: يمضي في بقية إحرامه.
وقوله: يحرم بعمرة؛ معناه: يحرم؛ ليفعل أفعال العمرة؛ الذي هو الطواف والسعي.
وقد نقل عنه ما يدل على أنه مضى في ما بقي؛ لأنه قال في رواية الفضل بن زياد في من واقع قبل الزيارة: يعتمر من التنعيم بعد انقضاء أيام التشريق.
فقد أمره بتأخير الإحرام بعد أيام التشريق، وليس هذا إلا لاشتغاله ببقية أفعال الحج؛ لأن القضاء إنما يكون تمام ما بقى عليه.
وقال -أيضاً- في رواية محمد بن أبي حرب فيمن نسي طواف الزيارة حتى رجع إلى بلده: يدخل معتمراً، فيطوف بعمرة، ثم يطوف طواف الزيارة.
وهو قول مالك خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: يأتي بما

الحديث: 159 - الجزء: 2 - الصفحة: 233

بقي عليه من غير إحرام.
دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه قال في الذي يصيب أهله قبل أن ينفر: يعتمر، ويهدي.
وقوله: يعتمر؛ معناه: يحرم بإحرام عمرة.
ولأنه ركن من أركان الحج، فكان من شرطه الإتيان به في إحرام صحيح.
دليله: الوقوف.
ولا يلزم عليه الإحرام أنه ركن، ولا تفتقر صحته إلى إحرام يتقدمه؛ لأنه لا سبيل إلى ذلك؛ لأنه لو افتقر إلى إحرام قبله، لافتقر الثاني إلى ثالث إلى ما لا نهاية له.
فإن قيل: الوقوف يؤتي به في إحرام تام، وهذا يأتي به بعد التحلل من إحرامه.
قيل له: الإحرام باقٍ ما لم يطف، وإنما تحلل من بعض المحظورات.
والدلالة على أنه يجب عليه دم بهذا الوطء، فلولا أن الإحرام باقٍ لم يلزمه بدليل: أنه لو وطئ بعد الطواف لم يلزمه.
فإن قيل: إنما لزمه الدم؛ لأن حكم الإحرام باقٍ، كالحيض إذا انقطع يبقى حكمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 234

قيل: لو كان كذلك، لوجب إذا وطئ قبل الطواف: أن يلزمه الدم؛ لأن حكم الإحرام باقٍ، وهو الرمي والبيتوتة، ولما لم يلزمه هناك ولزمه هاهنا، علمنا أن هاهنا إحرام باقٍ.
ولأنه قد بقى عليه ركن من أركان الحج، وأركانه تفعل في الإحرام، كالوقوف.
ويفارق هذا الحيض إذا انقطع؛ لأنه قد زال الحيض، ولهذا لو وطئ لم يلزمه الكفارة على القول القديم.
وذهب المخالف إلى هذا السؤال، وقد أجبنا عنه، وذهب إلى أنه طواف، فلم يفتقر إلى إحرام.
دليله: طواف الوداع.
والجواب: أنه يلزم عليه طواف القدوم.
وذهب إلى أنه يفعل بعد التحلل، أشبه الرمي.
والجواب: أنه لم يبق عليه شيء من الإحرام، وهاهنا قد بقي عليه بدليل إيجاب الدم عليه.
وذهب إلى أن هذا يُفضي إلى أن يفعل حجة بإحرامين.
والجواب: أنه غير ممتنع، كما لم يمتنع الخروج منها بتحللين.
وذهب إلى أن الإحرام التام يقف فساده على وطء تام، وهو الوطء في الفرج، فيجب أن يفتقب الفساد بالوطء التام إلى إحرام تام، وإذا رمى الجمرة فليس هناك إحرام تام، فلم يتعلق به الفساد.

الجزء: 2 - الصفحة: 235

والجواب: أنا لا نسلم هذا على الصحيح من الروايتين، بل نقول: إن الحج يفسد بالإنزال عن وطء دون الفرج.
ولو سلمناه فغير ممتنع أن لا يتعلق الفساد إلا بوطءٍ تام، ولا يتعلق بوطء غير تام، كما قالوا في إيجاب البدنة: تجب بوطء تام، ولا تجب بما دون الفرج.
وعلى أن المعنى الذي لأجله لم يفسد إلا بالوطء التام، وهو: قوة الوطء التام، وهذا يقتضي أن يُفسد الإحرام الناقص؛ لأن ما أفسد التام أولى أن يُفسد الناقص.
وعلى أنه غير ممتنع أن يتعلق به الفساد في الإحرام الناقص، كما تعلق في الإحرام التام بدليل البدنة تجب في الإحرام الصحيح، وتجب بالوطء في الإحرام الفاسد.
وعلى أنا نقول بموجب هذا، وأنه يفتقر إلى إحرام تام؛ لأن ما بقي من أفعال بالإحرام له تام، ولم يتحلل عنه، إنما التحلل لما فرغ منه.
فإن قيل: ما ذهبتم إليه يفضي إلى أن تجب عليه زيادة على ما بقي عليه؛ لأنه لو كان قد سعى عقيب طواف القدوم؛ لسقط عنه السعي، وعلى قولكم إذا أحرم يلزمه طواف وسعي، وهذا زيادة على الواجب.
قيل: إنما لزمه ذلك؛ لأنه قد لزمه أن يبتدئ إحراماً تاماً، والإحرام

الجزء: 2 - الصفحة: 236

التام لا يتضمن أقل من طواف وسعي، وهو إحرام العمرة، فلو أسقطنا عنه السعي كان فيه تبغيض للإحرام في بعض أفعاله.

  • ... * ... *

160 -

مسألة

يباح له بعد التحلل الأول كل شيء إلا النساء، فلا يجوز له الوطء في الفرج، ولا القبلة، ولا اللمس بشهوة، ولا عقد النكاح، ويباح له ما عدا ذلك من الطيب، وقتل الصيد، وغير ذلك:

وهو ظاهر كلام أصحابنا، فقال الخرقي: حل له كل شيء إلا النساء.
وقال أبو بكر: يتطيب، ويصيد، ولا يقرب النساء حتى يطوف.
وروى أبو طالب عن أحمد: أنه سأله عن الرجل يُقبِّل بعد رمي الجمرة قبل أن يزور البيت، فقال: ليس عليه شيء، قد حل له كل شيء إلا النساء، وقد قضى المناسك، وعطاء يرخص فيه.
وظاهر هذا: أن اللمس لشهوة مباح، وإنما يحرم الوطء في الفرج، وقد حكينا اختلاف المذهب بماذا يحصل التحلل الأول: فرُوي عنه: برمي الجمرة.
ورُوي عنه: بالرمي والحِلاق.

الحديث: 160 - الجزء: 2 - الصفحة: 237

وقال أبو حنيفة: يباح كل شيء إلا النساء؛ في الفرج ودون الفرج والقبلة.
وقال الشافعي: يحل له اللباس وترجيل الشعر والحلق وتقيلم الأظفار قولاً واحداً، فأما عقد النكاح واللمس والوطء في ما دون الفرح والاصطياد، فعلى قولين: أحدهما: يحل.
والثاني: لا يحل.
واختلف أصحابه في الطيب على طريقتين: منهم من قال: على قولين.
ومنهم من قال: يحل قولاً واحداً.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء".
فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يُضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذاك، أم لا؟!.
وروى أبو بكر بإسناده عن عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلّم قبل إحرامه، وطيبته بمنى قبل أن يزور البيت.

الجزء: 2 - الصفحة: 238

ولأن الاصطياد والطيب ليس من جنس ما يفسد الحج، ولا من توابعه، فلا تقف استباحته على التحلل الثاني، كاللبس.
ولا تلزم عليه القُبلة؛ لأنها من توابع ما يفسد الحج، وهو الوطء.
وكل حالة تحلل المحرم في اللبس، تحلل في الصيد والطيب.
دليله: بعد الطواف.
وأما القبلة واللمس لشهوة، فلا تحل؛ لما تقدم من حديث ابن عباس: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء".
وروى -أيضاً- أحمد في "المسند" بإسناده عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلّم "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء".
ولأنه استمتاه بالنساء، فوجب أن تقف استباحته على التحلل الثاني.
أصله: الجماع في الفرج.
ولنها حالة تمنع الحاج من الوطء في الفرج، فمنعته من القبلة واللمس، كقبل الرمي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95].
والجواب: أن [هذا من] إطلاق المحرم [على] من حظر عليه جميع المظوات، وهذا لا نسلمه بعد التحلل [الأول].

الجزء: 2 - الصفحة: 239

ولأن من أصلهم أنه بالتحلل الأول يخرج من الإحرام، فكيف يصح هذا الاستدلال؟ واحتج بما روي عن عمر: أنه خطب فقال: إذا ذبحتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب، ولم ينكر ذلك أحد.
والجواب: أنهم لم ينكروه؛ لأنهم لم يعرفوا خبر ابن عباس وعائشة.
وقد روي عن ابن عمر: أنه ذكر هذا عن عمر، ثم ذكر حديث عائشة، وقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أحق أن يُؤخذ بها من سنة عمر.
واحتج بأن الطيب من توابع الوطء ودواعيه، فهو كالقبلة.
والجواب: أنه لو كان كذلك، لحرم في الاعتكاف، كما تحرم دواعي الجماع.

  • ... * ... *

161 -

مسألة

جماع الناسي يفسد الإحرام:

نص عليه في رواية أبي طالب وصالح وحنبل: فقال في رواية أبي طالب: ثلاثة في الحج العمد والنسيان والخطأ سواء: إذا جامع أهله، وإذا قتل الصيد، والشعر إذا حلقه.
وقال في رواية صالح وحنبل: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوعان

الحديث: 161 - الجزء: 2 - الصفحة: 240

عنه، يلزمه لو وطئ أهله ناسياً، وهو محرم، أن لا يكون عليه شيء، وإذا قتل صيداً ناسياً لا يكون عليه شيء.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وللشافعي قولان" قال في الجديد: لا يفسد، ولا شيء عليه.
وقال في القديم مثل قولنا.
دليلنا: أن الوطء سبب يجب به قضاء الحج، فاستوى فيه العمد والخطأ.
دليله: فوات الحج.
فإن قيل: الفوات ترك ركن مأمور به، فلهذا استوى حكم العامد والناسي، كترك الركوع والسجود والقيام والقعود في أداء الصلاة، وترك النية في الصلاة، وليس كذلك الجماع؛ لأنه فعل منهي عنه في العبادة، فيختلف حكم العامد والساهي، كالأكل في الصوم.
قيل له: هذا باطل بالحلق، وقتل الصيد، والأكل والجماع في الصلاة، والمشي فيها، والحدث؛ فإنه منهي عنه، ويستوي عمده وخطؤه.
وعلة الأصل تبطل بخطأ عرفة.

الجزء: 2 - الصفحة: 241

وقياس آخر، وهو: أنه وطء في موضع مخصوص في إحرام تام، فأفسده.
دليله: وطء العامد.
ولأنها عبادة يفسدها الوطء، فأفسدها سهواً، كالصلاة.
ولأنه معنى يوجب الهدي، فاستوى عمده وسهوه، كترك الإحرام من الميقات.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه".
فعم، ولم يخص.
والجواب عنه: ما تقدم في مسألة المحرم إذا تطيب ناسياً.
واحتج بأنها عبادة يفسدها الوطء عمداً، فلم يفسدها سهوه، كالصيام.
والجواب: أنا لا نسلم الأصل؛ لأن الصوم يفسد بوطء الناسي، وقد تقدم الكلام عليه.
مع أن هذا يبطل بالصلاة؛ فإن جماع الناسي فيها يفسدها؛ عمداً وسهواً.
واحتج بأنها عبادة تجب بإفسادها كفارة، فوجب أن يكون في

الجزء: 2 - الصفحة: 242

محظوراتها ما يختلف حكم عمده وسهوه قياساً على الصوم؛ منه ما يختلف حكم عمده وسهوه، وهو الأكل.
والجواب: أنا نقول بموجبه على إحدى الروايتين في الطيب واللباس يختلف حكم عمده وسهوه.
وعلى الرواية الأخرى لا يختلف في باب الحج، ويختلف في باب الصوم، وكأن المعنى فيه: أن الصيام ليس عليه أمارة تدل [على] كونه صائماً، فلهذا جاز أن يُعذر في النسيان، والمحرم عليه أمارة تدل على كونه محرماً، وهو التجرد والتلبية وأعمال النسك، فلم يُعذر.
فإن قيل: هذا يبطل بالطهارة، وليس عليها أمارة، ومع هذا يستوي عمدها وسهوها في الفساد.
قيل له: إنما تعتبر الأمارة في حال التلبس بالعبادة [....]. وعلى أن الصوم اختلف فيه العمد والخطأ في ما يختص محظوراته، كالأكل، فأما الجماع فلا يختص الحج.
وعلى أن هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأن عنده أن جميع محظورات الصيام يختلف حكم عمدها وسهوها، فلا يصح قوله: فجاز أن يكون في محظوراتها ما يختلف، وجميعها تختلف.
واحتج بأن الوطء القصد منه الاستمتاع دون الإتلاف،

الجزء: 2 - الصفحة: 243

فاختلف عمده وسهوه.
دليله: اللباس والطيب.
والجواب: أن في ذلك روايتين: إحديهما -وهي الصحيحة-: أنه يستوي عمده وسهوه.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
والثانية: يفرق بينهما أن الوطء أغلظ بدليل أنه يرتفق به شخصان، والطيب واللباس يرتفق به شخص واحد، والوطء في ملك الغير أشد من الطيب واللباس في ملك الغير، والإباحة لا تجري في جنسه.
ولأن الوطء في الصوم يوجب الكفارة، وغيره من محظورات الصوم لا يوجب الكفارة، فدل على تأكيده.
فإن قاسوا على الاستمتاع في ما دون الفرج، فالمعنى فيه: أن عمده لا يفسده، فخطأه لا يفسد، وليس كذلك هذا؛ لأن عمده يؤثر في الحج، كذلك خطؤه، كقتل الصيد.
وإن قالوا: لو ألزمناه القضاء لم يؤمن مثل ذلك في القضاء.
فالجواب: أنه يبطل بالفوات، ومجاوزة الميقات، وبإيجاب الكفارة في قتل الصيد، وبالوطء في الصلاة ناسياً، وبالحدث في الطهارة ناسياً.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 244

162 -

مسألة

إذا وطئ دون الفرج، فأنزل، أو قبل، أو لمس، فأنزل، فسد حجه في إحدى الروايتين:

نص عليها في رواية المروذي وأبي طالب وابن إبراهيم: فقال: في رواية المروذي في المحرم يُقبل امرأته: عليه دم، فإن أنزل أفسد حجه.
وقال في رواية أبي طالب في محرم أتى أهله في ما دون الفرج: فسد حجه؛ لأنه قد قضى حاجته.
وقال -أيضاً- في رواية ابن إبراهيم في محرم وطئ دون الفرج، فأنزل: فسد حجه، فإن لم ينزل فعليه بدنة.
وبهذا قال مالك.
وفيه رواية أخرى: لا يفسد حجه.
رواها الميموني وابن منصور: قال في رواية الميموني: إذا باشر حتى يُمني، فالحسن وعطاء يقولان: حجه فاسد.
وأرجو أن يكون هذا أهون، ويكون جائزاً، وابن عباس جعل عليه بدنة.
وقال في رواية ابن منصور: وذُكر له قول سفيان في المحرم يجامع

الحديث: 162 - الجزء: 2 - الصفحة: 245

في غير الفرج، وينزل: يقولون: عليه بدنة، وقد تم حجه، والمرأة عليها ما على الرجل إذا كانت تشتهي، فأنزلت.
فقال أحمد: جيد.
ونقل عنه في موضع آخر: وذُكر له قول سفيان: إذا قبل فأمنى فبدنة، وإن أمذى فبقرة، وإن لم يُمن ولم يُمذ فشاة.
قال أحمد: أرجو أن تجزئ شاة.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وجه الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]. فقد نهى عن الرفث، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فهو عام في جميع الرفث، والوطء دون الفرج والقبلة من الرفث.
ولأن كل عبادة أفسدها الوطء، أفسدها الإنزال عن مباشرة.
دليله: الصوم.
فإن قيل: الصوم أوسع من باب الفساد، ألا ترى أنه يفسد بالإنزال عن النظر، والأكل والشرب، والحج لا يفسده إلا الوطء فقط.
قيل: هذا اختلاف في غير المباشرة، [أما في المباشرة]؛ فإنهما سواء، الدلالة عليه: المباشرة في الفرج.
يبين صحة هذا: أنا قسمنا ضمان صيد الحرم في حق المحل على

الجزء: 2 - الصفحة: 246

المحرم خلافاً لداود، وقلنا: صيد ممنوع من إتلافه لحق الله تعالى، فضُمن بالجزاء، كالصيد الممنوع منه لحرمة الإحرام.
فقال: حرمة الإحرام آكد بدلالة أنها تمنع الطيب واللباس والجماع، وحرمة الحرم لا تمنعه.
فقلنا: هذا اختلاف في غير الصيد، فأما في الصيد فهما متساويان في المنع من تنفيره، ومثله كذلك.
فإن قيل: إذا أفسدنا الصوم، فلم تسقط مزية الجماع؛ فإن الجماع ساوى غيره مع الكفارة العظمى.
قيل له: لا تسقط مزية الجماع؛ لأن الجماع في الفرج يوجب الفساد والكفارة العظمى من غير إنزال، وفي مسألتنا لا يحصل ذلك إلا بإنزال.
ولأن المقصود من الجماع الإنزال، وهو أبلغ من الإيلاج من غير إنزال، وقد وُجِدَ ذلك بالمباشرة دون الفرج، فيجب أن يفسد حجه.
فإن قيل: هذا باطل به إذا كرَّر النظر، فأنزل قد وجد المقصود، ومع هذا فلا يفسد حجه.
قيل له: لا يمتنع أن يوجد المقصود مع المباشرة، فتفسد العبادة، ويوجد مع النظر، فلا تفسد، كما قلتم في الصوم: لو نظر فأنزل، لم يفسد صومه، ولو قبِّل فأنزل، فسد، وكما قلنا نحن: إذا فكَّر فأنزل، لم يفسد صومه، ولو قبِّل فأنزل، فسد، كذلك هاهنا.
ولأنها مباشرة أثرت في إيجاب الدم في إحرام لم يتحلل منه،

الجزء: 2 - الصفحة: 247

فأثرت في إفساد الحج.
دليله: الوطء في الفرج.
ولا تلزم عليه المباشرة بعد رمي الجمرة وقبل الطواف؛ لأنها حصلت في إحرام قد تحلل منه.
فإن قيل: الوطء متبوع، فلهذا أفسد، وما دون الفرج تابع، فلا تبطل.
قيل: لا يمتنع أن يكون تابعاً ويفسد، كما أفسد الصوم، وإن كان تابعاً.
واحتج المخالف بأن هذا استمتاع لا يجب به الحد بحال، فلم يفسد، كالمباشرة إذا تجردت عن الإنزال.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يُوجب الحد ويُفسد، كما أفسدت الصوم، وإن لم توجب الحد.
وكذلك وطء زوجته أو أمته لا يوجب الحد، ويفسد، وكذلك الفوات يفسد الحج، وإن لم يوجب الحد.
واحتج بأن كل عبادة حرمت بالوطء وغيره، كان للوطء مزية على غيره، فلو أفسدنا الحج بغير الوطء، لم يكن له مزية؛ لأن الكفارة التي تجب به، وهي البدنة، تجب بقتل النعامة.

الجزء: 2 - الصفحة: 248

والجواب: أنا نقول بموجبه، وأن للوطء مزية؛ لأن الوطء في الفرج يوجب القضاء والبدنة؛ أنزل أو لم ينزل، وفي ما دون الفرج إذا لم ينضم إليه إنزال لا يفسد حجه، ولا تجب البدنة، وإنما تجب شاة.

  • فصل: إذا قلنا: لا يفسد على الرواية الثانية، ففيه بدنة.
    وقال الشافعي: فيه شاة.
    دليلنا: أنها مباشرة تؤثر في فساد الصوم، فأوجبت الكفارة العظمى.
    دليله: الوطء في الفرج.
    واحتج المخالف بأنه استمتاع لا يوجب فساد الحج، فلا يوجب البدنة، كالطيب واللباس.
    والجواب: أنه يلزم عليه قتل النعامة، يوجب البدنة، ولا يفسده؛ لأن إلحاقه بالوطء أشبه من إلحاقه بالطيب بدليل أن الاعتكاف والصوم لا يمنع الطيب واللباس، ويمنع القبلة لشهوة.
  • ... * ... *

163 -

مسألة

فإن قبَّل، أو لمس، أو وطئ دون الفرج، فلم يُنزل وجبت عليه الفدية:

وفي مقدارها روايتان:

الحديث: 163 - الجزء: 2 - الصفحة: 249

إحداهما: شاة.
نص عليه في رواية بكر بن محمد، عن أبيه، عنه في الرجل يقبض على فرج امرأته: فليهريق دماً، شاة تجزئه.
وكذلك نقل صالح في الذي يقبِّل لشهوة: أكثر الناس يقول: فيه دم.
وهو اختيار الخرقي.
وفيها رواية أخرى: يلزمه بدنة.
نص عليها في رواية إسحاق بن إبراهيم في محرم وطئ دون الفرج، فأنزل: فسد حجه، فإن لم ينزل فعليه بدنة.
وقال الشافعي: عليه شاة.
والدلالة على وجوب البدنة: أنه استمتاع بمباشرة، فأوجبت البدنة.
دليله: الوطء.
وإن شئت قلت: استمتاع بالنساء أشبه إذا استمتع بالفرج.
واحتج المخالف بأن هذا استمتاع لم يُضامه إنزال، فلم يوجب الدم.
دليله: إذا كان من فوق حائل، أو كان لزحمة.
والجواب: أن ذلك ليس باستمتاع، ولهذا لا يوجب الدم أصلاً، وليس كذلك هذا؛ لأنه استمتاع بالنساء يوجب الدم، فأوجب البدنة.
واحتج بأن القبلة من دواعي الجماع، فهي كالطيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 250

والجواب: أن كفارة القبلة آكد؛ لأنه لا تخيير فيه، وفدية الطيب فيها تخيير.
ولأن القبلة أغلظ حكماً، وأبلغ من الاستمتاع، وأدعى إلى الحدث، ولهذا تنقض الطهر، ويُمنع منها الصائم بخلاف الطيب.

  • ... * ... *

164 -

مسألة

فإذا كرر النظر، فأنزل، وجبت عليه بدنة، وإن أمذى فعليه شاة في أصح الروايات:

نقلها حنبل، فقال: إذا أمنى من نظر، وكان لشهوة، فعليه بدنة، وإن أمذى فعليه شاة.
وهو اختيار الخرقي.
وفيه رواية أخرى: تجب شاة في المني.
قال في رواية ابن إبراهيم: إذا كرَّر النظر، فأنزل، عليه دم.
وفي رواية ثالثة: عليه شاة بمجرد النظر؛ أنزل أو لم ينزل.
قال في رواية الأثرم في محرم جرد امرأته، ولم يكن منه غير التجريد: عليه شاة.
وقال الشافعي: لا شيء عليه؛ أنزل، أو لم ينزل.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن مجاهد، عن ابن عباس

الحديث: 164 - الجزء: 2 - الصفحة: 251

في محرم نظر إلى امرأته حتى أمنى قال: عليه شاة.
ورواه بلفظ آخر قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: فعل الله بهذه، وفعل! إنها تطيبت، وأتتني، وكلمتني، وحدثتني حتى سبقتني الشهوة، فقال ابن عباس: انحر بدنة، وتم حجك.
ولا يُعرف له مخالف.
ولأن النظر من دواعي الجماع، فجاز أن يؤثر في إيجاب الدم، كالقُبلة والطيب.
ولأنه إنزال بسبب محظور أشبه لو أنزل عن قُبلة.
واحتج المخالف بأنه إنزال عن غير مباشرة أشبه إذا أنزل عن احتلام.
والجواب: أن ذلك إنزال بسبب مباح، وهذا بسبب محظور، فهو كالإنزال عن قبلة.

  • ... * ... *

165 -

مسألة

إذا كرر النظر، فأنزل، لم يفسد حجه، وعليه بدنة:

نص عليه في رواية حنبل، وذكره الخرقي في "مختصره".
وقال في رواية ابن إبراهيم: إذا كرر النظر، فأنزل، عليه دم.
وقال في رواية الأثرم في محرم جرد امرأته، ولم يكن منه غير التجريد: عليه شاة.

الحديث: 165 - الجزء: 2 - الصفحة: 252

وظاهر هذا: أنه أوجب الشاة بمجرد النظر، وإن لم ينضم إليه إنزال، ويمكن أن يُحمل هذا على أنه لمسها في حال التجريد، فأوجب ذلك لأجل الملامسة.
وقال الشافعي: لا فدية عليه.
دليلنا: أنه إنزال بسبب محظور في الحج، فأوجب الفدية.
دليله: لو قبل فأنزل.
ولأنه أحد نوعي الاستمتاع، فجاز أن يؤثر في الفدية.
دليله: المباشرة.
واحتج المخالف بأنه إنزال من غير مباشرة، فلم يوجب بدنة، كالاحتلام والفكر.
والجواب: أن ذلك الإنزال لا يأثم به، وهذا يأثم بسببه، فهو كالقُبلة.

  • ... * ... *

166 -

مسألة

إذا وطئ امرأةً في دبرها، أو عمل عمل قوم لوط، أو وطئ بهيمة، فسد حجه، وعليه البدنة:

وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يفسد حجه بالإيلاج.

الحديث: 166 - الجزء: 2 - الصفحة: 253

دليلنا: أنه وطء في الفرج، فأفسد.
دليله: الوطء في القبل.
ولأنه يجب الغسل بالإيلاج فيه، فأفسد الحج، كالقبل.
ولأن هذا الوطء أغلظ من وطء في قُبُل المرأة، فإذا جاز أن يفسد الحج بالوطء في قُبُلها، فالوطء في الدبر أولى.
ونبني المسألة على أصل، وهو: أن الحد يجب بالإيلاج فيه، وندل عليه بما نذكره في كتاب الحدود إن شاء الله.
وإذا ثبت هذا الأصل قلنا: فرج يجب الحد بالإيلاج فيه، ففسد الحج بالإيلاج فيه.
دليله: القبل.
واحتج المخالف بأنه وطء في موضع لا يتعلق به وجوب المهر بحال، فوجب أن لا يتعلق به فساد الحج.
دليله: الوطء في ما دون الفرج.
والجواب: أن هذا غير مسلم في دبر المرأة؛ لأن لا يوجب المهر، وحُكمه حكم القبل إلا في خمسة أحكام: الإحصان، والإحلال، والفيئة في الإيلاء، والعنة، ويعتبر إذن البكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 254

وأما في دبر البهيمة واللواط؛ فإنه لا يوجب المهر بحال، وليس إذا لم يتعلق به الضمان لم يتعلق به الفساد، ألا ترى أن وطء جارية مملوكة لا يجب ضمانه، ويتعلق به فساد العبادات؟ وعلى أن هذا الوطء، وإن لم يكن مضموناً، فهو أغلظ مما يستباح بالعوض، ويُحكم على متلف بضمانه، ألا ترى أنه إذا قال: والله لا آكل لحماً، فأكل لحم ميتة أو خنزير، حنث بيمينه، كما يحنث إذا أكل لحم المذكى، وإن كان لا يستباح إلا عند الضرورة.
واحتج بأن وطء لا يتعلق به الإحصان، فلا يتعلق به الفساد.
أصله: ما ذكرنا.
والجواب: أن الفساد آكد وأعم من الإحصان، ألا ترى أنه إذا وطئ جاريته، أو زنا، أو وطئ امرأة نكاحاً فاسداً، أو شبهة؛ فإنه يتعلق به الإفساد، ولا يتعلق به الإحصان.
ثم المعنى في الأصل: أنه لا يوجب الغسل، وهذا فرج يجب الغسل بالإيلاج فيه، فهو كالقُبُل.

  • ... * ... *

167 -

مسألة

إذا وطئ في العمرة أفسدها، وعليه القضاء وشاة:

نص عليه في رواية أبي طالب، فقال: تجزئة شاة.

الحديث: 167 - الجزء: 2 - الصفحة: 255

وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: عليه بدنة.
دليلنا: أنها عبادة يجب بإفسادها الكفارة العظمى، فلم تجب تلك الكفارة بإفساد جميع نوعها، كالصوم لا تجب الكفارة بإفساد القضاء والنذر وغيره.
ولأن حرمة العمرة أنقص من حرمة الحج بدلالة نقصان أركانها، ونقصان حرمة الإحرام يمنع من كمال الكفارة.
وأصله: الوطء بعد التحلل.
فإن قيل: ليس هناك إحرام.
قيل له: قد دللنا عليه في ما تقدم.
ولأنه وطء صادف العمرة، فلم تجب لأجلها بدنة، كالناسي.
فإن قيل: ذلك الوطء لا يفسد العمرة، فلهذا لم يوجب بدنة.
قيل له: يفسدها عندنا.
ولأنه إحرام تضمن طوافاً وسعياً، فإذا أفسده، وجب به شاة.
دليله: إذا وطئ بعد التحلل الأول.
فإن قيل: ذلك لم يصادف إحراماً؛ لأن التحلل قد سبق.
قيل: التحلل حصل من بعض المحظورات، فأما من الوطء فلا، بدليل بقاء تحريمه، وبدليل بقاء ركنين من أركان الحج، وهو الطواف والسعي، ولا نجد عبادة نتحلل منها، وقد بقي من أركانها.

الجزء: 2 - الصفحة: 256

واحتج المخالف بأن العمرة عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب أن تكون الكفارة العظمى، كالحج والصوم.
والجواب عن الحج: أن حرمة العمرة تنقص بدلالة نقصان أركانها، وأنها تجتمع معه في إحرامه، وتدخل أفعالها في أفعاله، وإذا نقصت عن الحج في هذه الأحكام، نقصت في باب الكفارة.
وأما الصوم فهو دليلنا؛ لأن الكفارة العظمى لما وجبت بإفساده، اختص من بين نوعه بها، ولما وجبت الكفارة العظمى بالوطء في الحج، وجب أن تختص من بين نوع الإحرام به، ونقلبه فنقول: فلا تجب الكفارة العظمى بإفساد ما هو أنقص منه، كالصوم.

  • ... * ... *

168 -

مسألة

إذا وطئ القارن، فأفسد حجه وعمرته، لم يسقط عنه دم في القران بالإفساد، وكذلك المتمتع:

نص عليه في التمتع الفاسد: أنه لا يسقط عنه الدم، فقال في رواية ابن منصور: وذُكر له قول سفيان في رجل أهل بعمرة في أشهر الحج، ثم جامع أهله قبل أن يطوف بالبيت، ثم أقام إلى الحج: يحج، وعليه دم لعمرته، وليس عليه دم للمتعة؛ لأنه أفسدها، فقال أحمد: عليه دم المتعة، ودم لما أفسد من العمرة.
فقد نص على أن دم التمتع لا يسقط بالفساد، وفي القران آكد.

الحديث: 168 - الجزء: 2 - الصفحة: 257

وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يسقط دم القران والتمتع.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية المروذي: وقد سئل عن متمتع دخل مكة، فوطئ قبل أن يطوف بالبيت، فقال: لا تقل متمتع، لكن قل: معتمر، يرجع إلى الميقات الذي أهل منه، فيحرم بعمرة، وعليه دم، وإن كان الوقت ضيقاً أهل بالحج، وإذا فرغ منه أهل بالعمرة من الموضع الذي أهل بها.
فلم يوجب عليه دم التمتع.
دليلنا: أن كل ما وجب الإتيان به في القران الصحيح، وجب الإتيان به في القران الفاسد، كالطواف.
وإن شئت قلت: كل ما وجب الإتيان به في التمتع الصحيح، وجب الإتيان به في الفاسد، كالطواف.
واحتج المخالف بأنه لم يجمع بين الإحرامين على وجه القُربة، فلم يلزمه دم، كالمكي إذا جامع.
والجواب: أن المكي لم يسقط الدم عنه عندنا؛ لأنه لم يجمع بين الإحرامين على وجه القُربة، ألا ترى أنه لو تمتع، ولم يطأ، فلا دم عليه؟ وإنما يسقط الدم عنه؛ لما ذكرنا في ما تقدم من نص الآية، ولأنه لم يترفه بإسقاط أحد السفرين.

الجزء: 2 - الصفحة: 258

  • فصل: فإذا قلنا: إن تمتعه قد فسدت، وسقط عنه الدم على ظاهر رواية المروذي، فأهل بعمرة أخرى ينوي قضاءها، فهل يكون متمتعاً؟ فإن أنشأ سفراً تقصر في مثله الصلاة، ثم عاد، وأهل بها، ومضى فيها، وحج من عامه ذلك، كان متمتعاً.
    وإن لم ينشئ سفراً، لم يكن متمتعاً؛ سواء جاوز الميقات، أو لم يجاوزه.
    وهذا ظاهر ما نقله إسحاق بن إبراهيم: وقد سأله من يكون متمتعاً؟ قال: إذا أنشأ سفراً تقصر فيه الصلاة، فهو متمتع.
    ونقل إسحاق عنه رواية أخرى تقتضي أنه إذا بلغ الميقات، واعتمر، وحج من عامه ذلك، كان متمتعاً؛ سواء أكان قدره سفراً تُقصر فيه الصلاة، أم لا، فقال إسحاق: سألته عن رجل تمتع من مكة، قال: لا تكون متعة حتى يخرج إلى ميقاته.
    وقال أبو حنيفة: إن رجع إلى أهله، ثم عاد، فأهل بها، وحج من عامه، فهو متمتع، وإن لم يرجع إلى أهله، لم يكن متمتعاً.
    وقال أبو يوسف ومحمد: إن جاوز وقتاً من المواقيت، ثم اعتمر، وحج من عامه، كان متمتعاً؛ رجع إلى أهله، أم لم يرجع.
    دليلنا على أنه لا اعتبار بالميقات: أنه لما فسد العمرة حصل السفر

الجزء: 2 - الصفحة: 259

لغير المتمتع، ألا ترى أنه لو اعتمر بعد ذلك من التنعيم، وحج من عامه ذلك، لم يكن متمتعاً؟ فإذا ثبت ذلك قلنا: لما تعلق بذلك السفر حكم، وهو بطلان التمتع، لم يبطل ذلك الحكم بمجاوزته الميقات، كما قلنا في من دخل مكة بعمرة من بلده في أشهر الحج، ولم يفسدها: لما تعلق بذلك بذلك السفر حكم، وهو صحة التمتع؛ لأنه لو مضى في عمرته، وحج من عامه ذلك، كان متمتعاً، لم تبطل ذلك الحكم مجاوزة الميقات، كذلك هاهنا.
فإن قيل: ترك السفر في مسألتنا تعلق به صحة التمتع، وفي المسألة التي رددتم إليها يتعلق به بطلان التمتع، فكيف يجوز قياس أحدهما على الآخر؟ قيل له: إذا اشترك الفرع والأصل في الحكم، جاز قياس أحدهما على الآخر، وقد بينا اشتراكهما في ذلك، وهو أن سفره يتعلق به حكم، فلم يبطل ذلك الحكم بمجاوزة الميقات قياساً على ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأنه حصل في موضع لأهله التمتع أشبه إذا سافر ما تُقصر فيه الصلاة.
والجواب: أنا لا نسلم هذا؛ لأنه متى لم يكن بينه وبين مكة مسافة تُقصر فيها الصلاة، فأحرم بعمرة، لم يكن متمتعاً يجب عليه دم التمتع.
على أن هذا يوجب أن يكون من دخل من بلده إلى مكة في أشهر

الجزء: 2 - الصفحة: 260

الحج، وفرغ منها، ثم جاوز بعض المواقيت: أن يبطل تمتعه، كما لو رجع إلى بلده، وفي اتفاقهم على أنه لا يبطل تمتعه دليل على أن مجاوزته إلى الميقات، لا تجري مجرى رجوعه إلى بلده.
واحتج إذا جاوز الميقات كان حكمه حكم سائر الآفاق بدليل أنه لا يجوز له دخول مكة إلا بإحرام، كما لا يجوز لسائر أهل الآفاق، واتفقوا أنه يصح منهم التمتع، كذلك هاهنا.
والجواب: أن أهل الآفاق إذا تعلق بسفرهم بحكم، وهو بطلان التمتع، أو صحته، فإن ذلك الحكم لا يبطل إلا بحصول الرجوع إلى بلده.
وأما اعتبار أبي حنيفة بالرجوع إلى أهله، فقد تقدم الكلام معه في المتمتع إذا فرغ من عمرته، ثم سافر ما تُقصر فيه الصلاة، وهل يسقط عنه دم التمتع، أم لا؟ فعندنا: لا يسقط، وعندهم: يسقط بإلمامه بأهله، ومضى الكلام فيه.

  • فصل: ويلزم القارن دم واحد لأجل الفساد.
    نص عليه في رواية ابن منصور، وقد سأله عن القارن إذا أفسد حجه بإصابة أهله: ما عليه من الهدي؟ قال: عليه هدي واحد.

الجزء: 2 - الصفحة: 261

ونقل عنه في موضع آخر في قارن طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم جامع قبل أن يأتي منى: فإن كان نوى بطوافه أن يحل من حجه وعمرته، فقد حل إذا هو قصر أو حلق، وله أن يحل منهما إذا لم يسق، ولا بد أن يُهل بالحج من عامه، وليس عليه شيء إذا وطئ بعد الحلق.
وهذا بناء على أصلنا أن له فسخ الحج إلى العمرة؛ سواء كان قارناً، أو مفرداً.
وقال أبو حنيفة: إذا وطئ قبل طواف العمرة أفسدها، وعليه شاتان؛ إحديهما لإفساد العمرة، والثانية لإفساد الحج.
وإن وطئ بعد طواف العمرة لم تفسد عمرته، وفسد حجه، وعليه دم واحد.
وقد يتخرج مثل هذا على ما ذهبنا على الرواية التي [توجب أن] يأتي القارن بطوافين وسعيين.
والدلالة على أنه يلزم دم واحد للفساد: أنه مستنك يجتزئ بحلاق واحد، فلم يلزمه بالوطء إلا كفارة واحدة، كالمفرد.
واحتج المخالف بأنهما عبادتان، لو أفرد كل واحدة منهما بالوطء، لزمه كفارتان، فإذا جمعهما، ووطئ فيهما، لزمه كفارتان، كالصائم إذا كان محرماً بعمرة.
والجواب: أن كفارة صوم رمضان وكفارة العمرة كفارتان مختلفتان،

الجزء: 2 - الصفحة: 262

فلم تتداخلا، وليس كذلك كفارة الحج وكفارة العمرة؛ لأنهما من جنس واحد، فإذا اجتمعا جاز أن يتداخلا، كما يقول في حرمة الحرم وحرمة الإحرام.
واحتج بأن وطأه صادف ما يسقط به الحج والعمرة، فوجب أن يلزمه دمان، كالمتمتع إذا وطئ في العمرة، ثم في الحج.
والجواب: أن هناك إحرامان منفردان، وهاهنا الإحرامان مجتمعان، فتداخلت كفارتهما، كما إذا اجتمعت حرمة الحرم والإحرام، والكلام في هذه المسألة مستوفى في قتل الصيد.

  • ... * ... *

169 -

مسألة لا يجوز تفريق الهدي -عن المتعة، والقران، وما كان معناه من الهدي الواجب بترك الإحرام من الميقات- على غير فقراء الحرم، وكذلك الإطعام في جزاء الصيد، ويجوز ذلك في فدية الأذى، وما كان في معناه من اللباس، والطيب، ودم الإحصار إذا وُجد سبب ذلك في الحل:

وقد نص على ذلك في رواية الأثرم في محرم أصاب صيداً في غير مكة: فجزاء الصيد بمكة، وعليٌّ إنما ذبح عن حسين على بعض

الحديث: 169 - الجزء: 2 - الصفحة: 263

المياه؛ لأنه كان في فدية الأذى.
وقال -أيضاً- في رواية ابن منصور: كل شيء يصيب بمكة، فكفارته بمكة، وما كان معناه حديث علي، فعلى ما صنع علي.
وقال -أيضاً- في رواية أبي الحارث: وما كان من دم واجب وجزاء الصيد، فلا يُذبح إلا بمكة، وما كان من كفارة، أو فدية حلق الرأس، أو لبس ثوباً، أو غيره من الفدية، فحيث حلق أو لبس افتدى.
وقال -أيضاً- في رواية المروذي: إذا مات، ولم يصم، يُطعم عنه بمكة موضع وجب عليه.
وقال في رواية الميموني: إن أعطى الطعام جعله في أهل مكة خاصة.
وقال في رواية الميموني في القارن يحصره العدو: فإن كان معه هدي نحره مكانه، وحل، وليس عليه شيء أكثر من هذا.
فقد نص على التفصيل الذي ذكرنا.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز تفريق لحم الهدي على غير فقراء الحرم، وكذلك الإطعام في الجزاء والفدية.
وقال الشافعي: لا يجوز ذلك إلا في دم الإحصار، والإطعام عن دم الإحصار خاصة.

الجزء: 2 - الصفحة: 264

دليلنا على أبي حنيفة ومالك: قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].
وظاهر الآية يقتضي أنه إذا وصل الهدي حياً إلى الكعبة أجزأه، إلا أن الديل دل على وجوب إيقاع فعل فيه، ولا يجوز أن يكون المراد بذلك النحر فحسب؛ لأنه ليس في النحر أكثر من تلويث الحرم بالدم، وتنجيسه، وذلك موضع شريف لا يُؤمر بتنجيسه مقصوداً، فثبت أنه أراد بذلك الأمر بالتفرقة، إلا أن التفرقة قد تتضمن النحر؛ لأنها لا تحصل إلا بعد، واقتضت الآية وجوب الأمرين معاً.
وأيضاً روي عن ابن عباس: أنه قال: الهدي والإطعام بمكة، والصوم حيث شاء.
ولا يُعرف له مخالف، وعندنا وعندهم أن قول الصحابي مقدم على القياس.
والقياس: أن التفرقة إحدى مقصودي الهدي، فجاز أن يختص بالحرم، كالنحر.
ولا يلزم عليه هدي المحصر؛ لأنه قد يختص الحرم، وهو إذا كان الحصر في الحرم، وكذلك فدية الأذى تختص بالحرم إذا كان الحلق في الحرم.
فإن قيل: تفرقة اللحم غير مقصودة عندنا وعندكم؛ لأنه لو سُرق بعد الذبح لم يجب بدله، ولو سُرق قبل الذبح وجب بدله.

الجزء: 2 - الصفحة: 265

قيل له: نريد بقولنا: (مقصودة): أنها واجبة عليه مع القدرة عليها، ولا خلاف أنه واجب عليه مع القدرة عليه، كالذبح.
ولأنه لو حال الحول على النصاب، ووجبت الزكاة فيه، ثم سُرق قبل المطالبة بها، سقطت الزكاة عند أبي حنيفة، ولم يدل ذلك على أن تفرقتها ليس بمقصودة.
ولأن الضمان إنما سقط؛ لأن الشيء تلف بغير تفريط فيه، وهذا لا يدل على أنه غير مقصود، كما أن من نذر أضحية ونحوها، فسُرق لحمها، لم يضمن، وإن كانت التفرقة مقصودة.
فإن قيل: سوق الهدي وتقليده مقصود، ولا يختص الحرم.
قيل له: ذاك غير مقصود، وإنما تقلد لئلا تختلط، وتُساق؛ لتُنحر في محلها.
فإن قيل: الذبح عبادة بدنية، وعبادات الأبدان يجوز أن تختص بمكان، وتفرقة اللحم من حقوق الأموال، وذاك لا يختص بمكان.
قيل له: عبادات الأبدان منها ما يختص بمكان، ومنها ما لا يختص، فيجب أن يكون في عبادات الأموال كذلك؛ لأنها أحد نوعي القُرب.
فإن قيل: الذبح لما اختص بزمان لم يختص تفريق اللحم به، كذلك ما اختص منه بمكان لا يختص تفريق اللحم به.
قيل له: لا يمتنع الإخلال بالزمان دون المكان، كطواف الزيارة

الجزء: 2 - الصفحة: 266

يختص عند المخالف بزمان -وهو أيام التشريق- ومكان، والإخلال بالمكان يمنع الصحة، والإخلال بالزمان لا يمنع الصحة.
وقياس آخر، وهو: أن كل ما تعلق بالإحرام، ولم يكن من شرطه الجمع بين الحل والحرم فيه، فإذا اختص بعضه بالحرم اختص جميعه به، كالطواف والرمي.
ولا يدخل عليه الإحرام؛ لأن من شرطه الجمع بين الحل والحرم فيه.
ولا تدخل عليه فدية الأذى؛ لأنه يختص بعضها بالحرم؛ لأنه يجوز ذبحه في موضع سببه، وتفرقة لحمه أيضاً.
فإن قيل: التفرقة ليست بعض الهدي، بل الذبح نسك، والتفرقة نسك آخر، وأحدهما يختص الحرم، والآخر لا يختص، كالوقوف بعرفة، والوقوف بالمزدلفة، ولهذا نقول: لو ذبح الهدي، ثم سُرق اللحم، أجزأه.
قيل له: الهدي نسك واحد وجب فعله بشرطين: أحدهما: الذبح.
والآخر: التفرقة.
بدليل أنه لو ذبح، ولم يفرق، وأتلف اللحم، لم يجزئه، ولم يقع ذلك الذبح موقعه.
وليس إذا سُرق اللحم، فأجزأه، دل على أن التفرقة غير متعلقة

الجزء: 2 - الصفحة: 267

بالذبح، كما أن المال إذا تلف سقطت الزكاة عندهم، ولم يدل ذلك على أن الزكاة غير متعلقة به.
وأيضاً فإن الحقوق التي تتعلق بالقرب على ضربين: ضرب في المال.
وضرب على البدن.
وما يتعلق على البدن فيه ما يختص بموضع دون موضع، كالطواف والسعي وذبح الهدي، فيجب أن يكون في المال ما يختص بموضع دون موضع.
وإذا ثبت هذا ثبت اختصاص الهدي بالحرم؛ لأن أحداً لا يفرق بينهما.
فإن قيل: نقول بموجبه، وهو: إذا قال: لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم على مساكين الحرم إن شفى الله مريضي؛ فإنه يجب أن يتصدق بها.
قيل له: ليس عن أبي حنيفة في ذلك رواية، ومحمد يقول: يجب، وأبو يوسف يقول: يجوز أن يفرقها على مساكين الحل، والقول عندهم قول أبي يوسف في ما لم يكن عن أبي حنيفة فيه رواية.
وقد نص أحمد على اختصاص ذلك بفقراء الحرم في رواية ابن إبراهيم في رجل جعل دراهمم يتصدق بها هدياً إلى البيت: يبعث بها إلى مكة، يتصدق بها على فقرائها ومساكينها.

الجزء: 2 - الصفحة: 268

وكذلك نقل المروذي في من أهدى إلى البيت دراهم: يبعث بها إلى مكة، يتصدق بها على مساكينها.
فإن قيل: الحق الذي يتعلق بالبدن منه ما يختص بزمان، وليس كذلك في حقوق الأموال.
قيل له: فيها ما يختص بزمان، وهو زكاة الفطر؛ فإنه لا يجوز تقديمها على رمضان.
فإن قيل: لما كان في ما يتعلق على البدن ما يختص بموضع دون موضع، كالطواف والسعي والذبح، لم يختلف الواجب منه والتطوع، فلو كان في المال ما يختص بموضع دون موضع، لوجب أن لا يختلف الواجب منه والتطوع، ولما وافقنا في هدي التطوع: أنه لا تختص فرقة لحمه بموضع، ويجوز في الحرم وغيره، كذلك الواجب.
قيل له: هدي التطوع لما لم يختص أحد موجبيه بالحرم، وهو النحر، لهذا لم تختص تفرقته به، وفي مسألتنا لما اختص أحد موجبيه -وهو النحر- بالحرم، اختص بقيته.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 95].
ولم يخص مكاناً دون مكان.

الجزء: 2 - الصفحة: 269

والجواب: أن هذا عطف على قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].
وقد ثبت أن وصول الهدي إلى الحرم واجب، وإيقاع فعل فيه أيضاً، كذلك يجب أن يكون الإطعام في حكمه.
فإن قيل: هذا عطف على قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ﴾، فتقديره: أو كفارة طعام، ولا يكون عطفاً على قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾؛ لأن بلوغ الكعبة صفة، والعطف يكون على الموصوف دون الصفة.
قيل له: بلوغه الكعبة صفة للموصوف الذي هو المثل، فالإطعام عطف عليه بصفاته.
واحتج بقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍأَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]، وهذا عام.
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلّم لكعب بن عُجرة: "تصدق على ستة مساكين بثلاثة آصع من طعام"، ولم يُفصل.
والجواب: أن هذا وارد في فدية الأذى، وعندنا لا تختص الحرم.
واحتج بأنها كفارة، فلا تختص مساكين الحرم قياساً على كفارة اليمين.
ولأنه حق يتعلق بالمال يجب إخراجه إلى المساكين، فوجب أن

الجزء: 2 - الصفحة: 270

لا يختص به مساكين الحرم قياساً على النذور والكفارات.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لا يختص بعضه بالحرم، فلم يختص جميعه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يختص بعضه بالحرم، وهو الذبح، فوجب أن يختص تمامه به.
دليله: الطواف والرمي.
واحتج بأنه أحد ما يقع به التكفير، فلم يختص الحرم، كالصوم.
والجواب: أن الصوم لا منفعة لمساكين الحرم فيه، فلم يختص الحرم، ولهم منفعة في الإطعام.
فإن قيل: فالذبح لا منفعة لهم فيه، ويختص الحرم، وكذلك الطواف والسعي والرمي.
قيل له: أما الذبح فلهم فيه منفعة، وهو وصول اللحم إليهم غضاً طرياً، فأما الصوم، فلا منفعة لهم فيه بوجه.
وأما الطواف والسعي والرمي فلا تختص الحرم، وإنما تختص بقعة منه، والتفرقة تتعلق بجميع الحرم، ألا ترى أن أي موضع من الحرم فرق في أجزأه، إذا كان كذلك، لم يدخل الطواف والسعي على علة الأصل؛ لأنا قلنا: (لا منفعة لهم فيه، فلم يختص الحرم)، ونريد به: لا يختص جميع الحرم.
فإن قيل: أليس قد سويت بين الصوم في كفارة اليمين والظهار وبين

الجزء: 2 - الصفحة: 271

الإطعام في أن جميع ذلك لا يختص الحرم، وإن كان الصوم لا منفعة لهم فيه، والإطعام لهم فيه منفعة؟ قيل له: لما بينا، وهو: أن تلك الكفارات لا يختص بعضها بالحرم، فلم يختص جميعها، وهذه يختص بعضها بالحرم، فاختص جميعها.
واحتج بأنه يجوز أن يصرف إلى المجتازين في الحرم، وإن لم يكونوا مقيمين فيه.
والجواب: أن الاعتبار بكون المساكين فيه؛ سواء كانوا من أهله، أو من غيره، كما أن الصيد محرم فيه؛ سواء كان من صيد الحرم، أو من غيره لكنه حصل فيه؛ فإن الحرمة تثبت له بكونه فيه.
واحتج بأن كل موضع يجوز أن يجب الهدي فيه، يجوز أن يُفرق فيه الهدي، كالحرم.
والجواب: أن الحرم موضع للذبح، فلهذا كان موضعاً لتفرقته فيه.
واحتج بأنه هدي تجوز تفرقة لحمه في الحرم، فجاز في غير الحرم.
أصله: دم الإحصار، وفدية الأذى.
والجواب: أنه يجوز ذبح ذلك في غير الحرم، فلهذا جازت تفرقته.
فإن قيل: لا نسلم لك هذا.
قيل: نحن نبني ذلك على أصلنا.
وإن شئت قلت: حال الحصر حال عذر، فجائز ترك الحرم معها،

الجزء: 2 - الصفحة: 272

كما ترك بقية المناسك.
وإن شئت قلت: لما كان الحل موضع محله، كان موضع نحر.

  • فصل: والدلالة على أن فدية الأذى -وما في معناها من اللباس والطيب- لا يختص ذبح الهدي فيها بالحرم، ولا تفرقة الإطعام عن دم الفدية بالحرم: ما تقدم من قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍأَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]، وهذا عام.
    فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾، والنسك لا يكون [إلا] في الحرم، كذلك الإطعام.
    قيل له: النُّسك لا يختص عندنا الحرم، وقد بينا أنه يجوز ذبحه في الحل.
    وليست تسميته نسكاً مما يوجب تخصيصه بالحرم، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلّم يوم الأضحى: "إن أول نُسكنا في يومنا هذا الصلاة، ثم الذبح".
    فسمي الصلاة وذبح الأضحية نسكاً، ولا يختصان الحرم؟ وما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلّم لكعب بن عُجرة: "تصدق على ستة

الجزء: 2 - الصفحة: 273

مساكين بثلاثة آصع من طعام"، ولم يُفصل.
وأيضاً ما احتج به أحمد، ورواه الأثرم بإسناده عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر: أنه أخبره: أنه كان مع عبد الله بن جعفر، فخرج معه من المدينة، فمروا على حسين بن علي، وهو مريض، فأقام عليه عبد الله بن جفر حتى إذا خاف الفوات خرج، وبعث إلى علي بن أبي طالب وأسماء ابنة عُميس، وهما بالمدينة، فقدما عليه، ثم إن حُسيناً أشار إلى رأسه، فأمر علي بن أبي طالب برأسه فحُلق، [ثم نسك] عنه بالسُّقيا، فنحر عنه بعيراً.
فحصل هذا مذهب لعلي وللحسين ولعبد الله بن جعفر وأسماء، رضي الله عنهم، وهؤلاء أربعة من الصحابة، ولا يُعرف خلافهم.
فإن قيل: فابن عباس يخالف، وهو قوله: الهدي والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء.
قيل له: هذا يخالف ما روينا عنهم؛ لأنه يحمل قول ابن عباس على غير فدية الأذى.
وكل موضع يجوز فيه إخراج دم الإحصار، والإطعام عن دم الإحصار، يجوز إخراج فدية الأذى.
دليله: الحرم.

الجزء: 2 - الصفحة: 274

ولأن الحل محل الحلق بدليل المحصر من سنته أن يحلق في الحل، وكذلك لو أخر المحرم الحلاق حتى خرج من الحرم أُمر بالحلق فيه، ولم يكلف الرجوع إليه، وإذا كان محلاً له [كان محلاً] لكفارته.
دليله: الحرم.
واحتج المخالف بأن هذا الدم متعلق بالإحرام، فاختص الحرم، كسائر الدماء.
والجواب: أنه يبطل بدم الإحصار.
فإن قيل: فنقول: يتعلق بالإحرام؛ لا يجوز ذبحه في غير الحرم.
قيل: لا نسلك لك هذا، بل بجوز ذبحه في غير الحرم.
على أنا قد بينا الفرق بينه وبين سائر الدماء، وهو: أن الحل ليس بمحل لفعل تلك الأشياء التي توجب الدم، فلهذا لم يكن الحل محلاً لكفارته، وليس كذلك في الحلق؛ لأن الحل له محل، فكان محلاً لكفارته، كالحرم.
وأجود ما يُقال في هذا: أن الحل قد أُجري مجرى الحرم في باب الحلاق بدليل أن المحصر عندنا وعند الشافعي [يحلق] كما لو كان في الحرم، فيجب أن يكون محلاً لفديته.

الجزء: 2 - الصفحة: 275

170 -

مسألة

إذا ذبح الهدي، ثم سُرق، لم يلزمه غيره، وسقط عنه الواجب:

نص عليه في رواية ابن منصور: وذُكر له قول سفيان في رجل نحر، فلم يطعم منه حتى سُرق: لا أرى عليه بأساً، إذا نحره فقد فرغ.
قال أحمد: جيد.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: لا يسقط عنه الواجب حتى يذبح آخر، أو يدفعه إلى المساكين.
دليلنا: أنه لما ذبحه تعلق حق المساكين بعينه؛ لأن عليه أن يتصدق به، وصار كأنه قال: لله علي أن أتصدق بهذا اللحم، أو هذا الثوب، فهلك بغير فعله: أنه لا يضمن.
ولا يلزم عليه إذا تلف قبل الذبح أنه يضمن؛ لأنه ما تعين، ألا ترى أن له بيعه عندنا؟ وإنما تعلق حقهم به.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الحق تعلق بعينه، لا على سبيل البدل عن ما في ذمته، فسقط بتلفه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الحق تعلق بعينه على سبيل البدل عن ما في ذمته، فإذا لم يوصله إلى مستحقه كان ما في ذمته باقياً عليه، كما لو اشترى ثوباً بدين له على رجل، فتلف الثوب قبل القبض: أن له أن يطالبه بما في ذمته.

الحديث: 170 - الجزء: 2 - الصفحة: 276

قيل له: لا نسلم لك الفرع: أن الحق تعلق بعينه على سبيل البدل، بل نقول: تعين ما كان في ذمته، وتعلق الحق بعينه، وإذا تلف بغير فعله لم يضمن اعتباراً بما قدمنا.
يبين صحة هذا: أنه لو وجب في ذمته صلاة، فصلاها، لا نقول: إن هذه بدل عن ما ثبت في ذمته، لكن نقول: هي الصلاة الواجبة، وكذلك إذا وجبت عنه كفارة يمين، فهو مخير بين العتق والإطعام والكسوة، فأيهما أخرج قيل: هذا هو الواجب.
وأما الثوب المشترى إذا تلف قبل القبض [فقد] انفسخ العقد، وصار كأنه لم يكن، فيبقى الدين في ذمة البائع كما كان.
ولأن الذبح قد سقط فرضه عنه، فإذا هلك اللحم تعذرت الصدقة، ولا معنى لإيجاب الذبح؛ لأنهما فرضان مختلفان؛ أحدهما على البدن، والآخر في المال، فإذا أدى فرض البدن لم تلزمه الإعادة بتعذر فرض المال.
واحتج المخالف بأنه معبر عن ما في ذمته، فإذا لم يسلم سقط التعبير، وعاد الحق إلى الذمة، كما [لو] كان له في ذمة رجل دين اشترى به ثوباً، وتلف في يد البائع قبل التسليم.
والجواب عنه: ما تقدم.
وعلى أنه لا فرق بينهما؛ لأنه لما ذبح الهدي، فقد تصرف فيه بعد

الجزء: 2 - الصفحة: 277

تعيينه بأمر الله تعالى، فصار كما لو باع ثوباً بدين عليه، فأمره صاحب الدين بقطعه، ثم تلف قبل قبضه، لم يعد الدين.
واحتج بأنه لم يوصله إلى مستحقه، فوجب أن لا يسقط عنه فرضه، كما لو أكله، أو أتلفه.
والجواب: أنه ليس من حيث لو أتلفه ضمن، يجب إذا تلف بنفسه أن يضمن، ألا ترى أنه لو قال: لله علي أن أتصدق بهذا اللحم، ثم أكله ضمن، ولو تلف بغير فعله لم يضمن؟

  • ... * ... *

171 -

مسألة

إذا فسد الحج لزمه القضاء من أبعد الموضعين؛ إما الميقات الشرعي، أو الموضع الذي أحرم منه.
وكذلك إذا أفسد العمرة لزمه القضاء من أبعد الموضعين:

نص عليه في رواية أبي طالب في الرجل يواقع امرأته، وهما معتمران: فسدت عمرتهما، وعليهما قضاؤها من حيث أهلا بالعمرة، ولا يجزئهما إلا من حيث أهلا، الحُرُمات قِصاص.
وقال -أيضاً- في رواية ابن منصور: إذا أفسدا حجهما بجماع يُهلان من حيث كانا أهلا من مواقيتيهما.

الحديث: 171 - الجزء: 2 - الصفحة: 278

وقال -أيضاً- في رواية ابن مشيش: إذا أفسد الرجل حجه بوطء فعليه الحج من قابل من حين أوجب الإحرام.
قيل له: فإن كان من أهل بغداد، وقد أوجب الإحرام على نفسه، ولم يكن له من قابل زاد ولا راحلة؟ [قال]: فعليه متى وجد.
ونقل أبو داود عنه في من أحرم من بغداد، فحُبِس في السجن، ثم خُلي عنه: هل يحرم من هاهنا؟ يعني: من بغداد، قال: يحرم من المواقيت أحب إلي.
فظاهر هذا: أنه لم يلزمه القضاء من أبعد الموضوعين؛ لأن التحلل من الحج لم يكن بإفساد.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء من الميقات، والعمرة من أدنى الحل.
وقال مالك: يلزمه الميقات في الحج والعمرة جميعاً.
دليلنا: أن كل مسافة لزمه قطعها بالإحرام في الأداء، لزمه قطعها بالإحرام في القضاء.
دليله: المسافة من الميقات إلى مكة.
وكل ما لزمه المضي فيه بإحرام، فإذا أفسده لزمه قضاؤه.
دليله: حجة التطوع.

الجزء: 2 - الصفحة: 279

فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لزمه بالإفساد ما لو أراد الإحرام ابتداء لزمه، كذلك القضاء، وما زاد على ذلك لا يلزمه في الابتداء، فلم يلزمه في القضاء.
قيل: لو كان هذا صحيحاً لوجب إذا أحرم من الميقات، ثم أفسد، وأقام بمكة: أن يجزئه الإحرام بالقضاء من مكة؛ لأنه لو أراد الإحرام ابتداء لم يلزمه الخروج إلى الميقات، وأجزأه الإحرام من مكة، ولما قالوا: يلزمه الإحرام من الميقات، دل على أن القضاء معتبر بالأداء، فيلزمه الإحرام من الموضع الذي أحرم.
وقياس آخر، وهو: أن الشروع في الحج والعمرة سبب لوجوبه، فجاز أن يتعين به موضع الإيجاب.
أصله: النذر؛ فإنه لو نذر حجة من دويرة أهله، لم يجز له أن يحرم بها من الميقات، ولزمه ذلك من دويرة أهله.
وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا نذر أن يحج ماشياً، ولم ينوِ من أين يكون ذلك من حيث حلف.
ورأيت بعضهم لا يسلم ذلك، ويقول: إذا أوجب حجة من دُويرة أهله، جاز أن يحرم بها في الميقات اعتباراً بالفرض.
وإن لم يسلم هذا، فإنه يلزمه الحج ماشياً من دُويرة أهله، وإن لم يجب بأصل الشرع، وهذا مسلم بالإجماع.
ولا يلزم على هذا إذا أحرم بعد مجاوزة الميقات: أنه لا يتعين

الجزء: 2 - الصفحة: 280

موضع الإحرام؛ لأن التعليل للجواز، فلا ينتقض بغير مسألة.
فإن قيل: فرق بين النذر والدخول، وذلك أن الدخول يجب به أدنى ما يصح أن يُتقرب به من ذلك النوع، ولهذا لا يجب بالإحرام إلا عمرة، ولا يجب بالتكبيرة إلا ركعتين.
قيل له: حكم الدخول فيها من دُويرة أهله يجري مجرى النذر المقيد بذلك؛ لأنه يلزمه المضي فيه على الوجه الذي دخل فيه، كما يلزمه ذلك بالنذر.
واحتج المخالف بما روي عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في حجة الوداع، وأحللنا بعمرة، فقدمت مكة وأنا حائض، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقال لي: "انقضي رأسك، وامشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة"، فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلّم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، وقال: "هذه مكان عمرتك".
ومعلوم أن عائشة أحرمت من ذي الحُليفة، وقد أمرها أن تقضي من أدنى الحل.
والجواب: أن عائشة أدخلت الحج على عمرتها، فصارت قارنة، ولم ترفض العمرة، وإنما أمرها أن ترفض أفعال العمرة، وأن تأتي بأفعال الحج، والعمرة التي أتت بها بعد ذلك لم تكن قضاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 281

وقد ذكرنا ذلك في ما سلف، وما دللنا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: "طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعُمرتك"، فأثبت حجاً وعمرة.
وروى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لها: "الآن أحللت من حجك وعُمرتك".
واحتج بأنه قضاء عبادة، فوجب أن يجوز الإحرام بها من كل موضع يجوز الإحرام لأدائها.
أصله: الصلاة.
والجواب: أن الصلاة لا تتعين بموضع في حال الأداء، كذلك في حال القضاء، والحج يتعين الإحرام به بموضع حال الأداء، جاز أن يتعين حال القضاء، كالنذر.
واحتج بأنه موضع يصلح لابتداء إحرامه، فصلح لقضاء ما أفسد منه من غير دم.
دليله: المكان الذي أحرم منه، وكما لو أحرم من الموضع الأبعد.
والجواب: أنه يبطل به إذا أحرم من الميقات، وأفسد، ثم توطن بمكة؛ فإنه لا يجزئه الإحرام للقضاء من مكة، وإن كان يصلح لابتداء

الجزء: 2 - الصفحة: 282

إحرامه بحجة مطلقة، ولا يصلح لقضاء حجة أفسدها أوجبها من دويرة أهله.
واحتج بأنه ينزع بتقديم إحرامه في الأداء، فلم يجب تقديمه في القضاء.
أصله: إذا أحرم في شوال، ثم أفسده.
والجواب: أن حال المكان آكد من حال الزمان، ألا ترى أن مجاوزة ميقات الزمان لا يوجب الدم، ومجاوزة ميقات المكان توجب الدم؟ فبان الفرق بينهما.

  • ... * ... *

172 -

مسألة

ومن فاته الحج بعذر من مرض، أو عدو، أو ضل الطريق، أو أخطأ العدد، أو أبطأ سيره بغير عذر مثل التواني والتشاغل بما لا يعنيه، انقطع إحرام الحج، وتحول إحرام عمرة:

وقد أومأ إليه أحمد في رواية أبي طالب، وقال: إذا فاته الحج تحلل بالعمرة.
وذكره أبو بكر في كتاب "الخلاف".

الحديث: 172 - الجزء: 2 - الصفحة: 283

وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه قال: ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر تحلل بعمرة.
وهذا على أصلنا غير متمتع في فسخ الحج إلى عمرة، وعلى هذا بنى أبو بكر المسألة، وبهذا قال أبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: إحرام الحج باقٍ، ويتحلل منه بعمل عمرة، وهو اختيار شيخنا أبي عبد الله.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن القاسم في الذي يفوته الحج: يفرغ من عمله؛ يعني: عمل الحج.
ويفيد هذا: أنه إذا فاته الحج، وأحرم بحجة أخرى، لم يرفضها، ومضى فيها، وإن أحرم بعمرة أخرى رفضها؛ لأن من كان محرماً بعمرة، فأضاف إليها حجة، لم يرفضها، ومضى فيها، وكان فارقاً، وإن أحرم بعمرة رفضها؛ لأن من كان محرماً بعمرة، فأضاف إليها عمرة أخرى، رفض الثانية، ولم ينعقد إحرامه بها.
وعلى قولهم: إذا أحرم بحجة أخرى، لم يصح إحرامه بالثانية، ورفضها؛ لأن من كان محرماً بحجة، فأحرم بأخرى، لم يصح، ورفض الثانية.
والدلالة على أن الإحرام الحج قد انقطع: ما روى أبو بكر النجاد قال: ثنا موسى بن إسحاق قال: ثنا عبد الله بن محمد قال: ثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء: أن نبي الله صلى الله عليه وسلّم قال: "من لم يُدرك

الجزء: 2 - الصفحة: 284

فعليه دم، ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل".
فوجه الدلالة: أنه قال: "ويجعلها عمرة"، وعندهم ليست عمرة.
ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن عمر وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده: أن أبا أيوب بن زيد خرج حاجاً حتى إذا كان بالنازية أضل رواحله، فطلبهن، فقدم وقد فاته الحج، فسأل عمر، فأمره أن يجعلها عمرة، ويحج من عام المقبل، وعليه ما استيسر من الهدي.
وروي بإسناده في لفظ آخر عن سليمان بن يسار، عن هبار بن الأسود: أنه أهل بالحج، فقدم على عمر رضى الله عنه يوم النحر، وقد أخطأ العدد، فقال: أهل بعمرة، وطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وقصر أو احلق، وحج من قابل، وأهرق دماً.
وقد روى بإسناده عن الأسود، عن عمر وزيد قالا في رجل يفوته الحج: يهل بالعمرة، وعليه أن يحج من قابل.
وبإسناده عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: من لم يقف بعرفة إلا بعد طلوع الفجر فقد فاته الحج، وليجعلها عمرة، وليحج قابلاً،

الجزء: 2 - الصفحة: 285

وليهد إن وجد هدياً، وإلا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع.
وبإسناده عن عطاء، عن ابن عباس في من فاته الحج قال: يهل بعمرة، وليس عليه الحج.
فوجه الدلالة: أن بعضهم يقول: يجعلها عمرة، وبعضهم يقول: يهل بعمرة، وبعضهم يقول: يحل بعمرة، وعندهم أنه يهل بالحج، ويحل به.
فإن قيل: فيحمل قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "يجعلها عمرة"، وقول الصحابة: يحل بعمرة؛ معناه: بأفعال عمرة.
قيل له: هذا خلاف الحقيقة، فلو كان المراد ما قلت لقال: يحل بأفعال عمرة، ولقال: يجعلها أفعال عمرة.
فإن قيل: فقد روي عن عمر في لفظ آخر رواه البخاري عن سليمان ابن يسار: أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجاً حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة أضل رواحله، ثم إنه قدم على عمر يوم النحر، فذكر ذلك له، فقال: اصنع كما يصنع المعتمر، ثم قد حللت، فإذا أدركت قابل فاحجج، وأهد ما استيسر من الهدي.
فلو كان بالفعل معتمراً لم يقل: اصنع كما يصنع المعتمر.

الجزء: 2 - الصفحة: 286

قيل له: قوله: (اصنع كما يصنع المعتمر) لا يمنع كونه معتمراً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم لعائشة لما حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت"، فلم يدل هذا على أنها لم تكن حاجة، كذلك هاهنا.
وأيضاً فإن ما يفعله بعد فوات الحج هو عمل عمرة، فوجب أن يكون مؤدياً بإحرام العمرة.
دليله: إذا أحرم بعمرة مبتدأة.
فإن قيل: لو كان كذلك لوجب إذا بقي محرماً إلى قابل، وطاف وسعى في أشهر الحج: أن يكون متمتعاً، كما لو أحرم بعمرة مبتدأة.
قيل له: إنما لم يكن متمتعاً؛ لأنه لم يجمع بين إحرام العمرة وإحرام الحج وأفعالهما في سنة واحدة، ولهذا نقول: لو أحرم بالعمرة في رمضان، وطاف لها في شوال، وحج من سنته، لم يكن متمتعاً؛ لعدم المعنى الذي ذكرنا، فأولى أن لا يكون متمتعاً إذا وجد ذلك في سنتين.
وأيضاً لو كان إحرام الحج باقياً بعد الفوات، لجاز بقاؤه عليه، وأداء أفعال الحج به في السنة القابلة، كما لو أحرم بعد مضي الوقت، ولما لم نقل هذا دل على أنه قد انقطع.
فإن قيل: امتناع جواز أداء أفعال الحج به في السنة القابلة لا يمنع بقاء إحرام الحج، ألا ترى أنه لو لم يفته الحج، وأدرك عرفة، ومضى وقته، كان إحرام الحج باقياً إلى أن يطوف [طواف] الزيارة ومعلوم أنه

الجزء: 2 - الصفحة: 287

لا يمكنه أداء أفعال الحج في السنة القابلة.
قيل له: إنما لم يجز هناك؛ لأنه إحرام قد أسقط فرض الحج، وهو الوقوف، ولهذا لم يسقط به فرضاً ثانياً، وهذا بخلافه.
وأيضاً لو أحرم بعمرة لم يصح، فلو كان إحرام الحج باقياً لصح، كما لو أحرم بها قبل الفوات، ويصير قارناً.
ولأن الإحرام إما أن يكون إحراماً يؤدي به عمرة، أو إحراماً يؤدي به حجة، فأما إحرام يؤدي به عمل عمرة فلا.
فإن قيل: الطواف الذي يتحلل به عند الفوات هو الذي أوجبه إحرام الحج، وليس هو عمل عمرة.
قيل له: لو كان كذلك، لجاز فعله قبل الوقوف بعرفة؛ لأن طواف الزيارة لا يثبت حكمه قبل الوقوف.
ولأن بقاء طواف الزيارة لا يمنع الطيب واللبس والحلق، والذي يفوته الحج ممنوع من ذلك كله، فدل على أنه ليس هو الطواف الذي أوجبه إحرام الحج.
واحتج المخالف على بقاء إحرام الحج بأن القارن إذا فاته الحج يمضي في عمرته، ويتحلل مع ذلك من الحج بالطواف والسعي، فلو كان إحرامه للحج قد انقطع بالفوات، وصار إحرام عمرة حقيقية، لما جاز

الجزء: 2 - الصفحة: 288

له المضي فيها؛ لأن من كان محرماً بعمرة، فأضاف إليها أخرى، لم ينعقد إحرامه بالثانية، [....] فلما اتفقنا على جواز المضي في الإحرامين، دل على أن إحرام الحج باقٍ، وأن ما يتحلل به من الحج عمل عمرة.
والجواب: أنه إنما جاز المضي فيهما؛ لأن إحرامه في الابتداء صح على وجه يمكنه المضي فيه، فلهذا لم يُؤمر برفضها، وليس كذلك إذا أحرم بعمرتين، أو بعمرة وعمرة بعدها؛ لأنه لا يمكنه المضي فيهما، فلهذا لم ينعقد بالثانية، ونظير هذا من سبقه الحدث بعدما دخل في صلات، بنى عليها عندهم وعندنا على إحدى الروايتين، ولو قارن الحدث ابتداء الصلاة لم تنعقد، وكان الفرق بينهما أنه في إحدى الموضعين انعقد على وجه الصحة، وفي الآخر على وجه الفساد.
وأجود من هذا: أنه إنما مُنع من إدخال عمرة على عمرة إذا كان يلزمه المضي في كل واحد منهما، وعمرة القران لا تلزمه أفعالها؛ لأنها داخلة في أفعال الحج.
واحتج بأنه لو فاته الحج، وبقى على إحرامه إلى قابل، وطاف وسعى في أشهر الحج، ثم حج من عامه ذلك: أنه لا يكون متمتعاً، فلو كان إحرامه تحول إلى إحرام عمرة، لوجب أن يكون متمتعاً، كمن أحرم بعمرة في غير أشهر الحج، وطاف وسعى لها في أشهر الحج، أن يكون متمتعاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 289

والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلّم قد كان أمر أصحابه بالفسخ، ومعناه: أن يجعلوا إحرامهم بالحج عمرة، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. فلو قلنا: إن إحرامه بالحج يتحول بالفوات إحرام عمرة، لكان فيه فسخ الحج، وقد بينا أن ذلك منسوخ.
والجواب: أن فسخ الحج إلى العمرة باق لم يُنسخ، وقد دللنا على ذلك في ما تقدم بما فيه كفاية.
وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] قصد به بيان التمام في ما يرجع إلى الإحرام من الميقات، أو من دويرة أهله، وقد بينا ذلك في ما تقدم.
ولأنه محمول على الأمر بالتمام على وجه لا يدخل عليه الفساد، والفسخ عندنا ليس بإفساد له.
واحتج بأن إحرامه بفوات الحج، ولو صار إحرام عمرة، لوجب أن يلزمه الخروج إلى التنعيم قبل الطواف، ومتى لم يخرج إليه لزمه دم.
وقد قال أحمد في رواية الأثرم في من قدم حاجاً فطاف وسعى، ثم مرض، فحيل بينه وبين الحج حتى مضت أيامه: يحل بعمرة.
قيل له: يُجدد إهلالاً للعمرة، أم يجزئه الإهلال الأول؟ فقال: يجزئه الإهلال الأول.

الجزء: 2 - الصفحة: 290

والجواب: أنه إنما يجب الدم إذا أدخل النقص في إحرامه بترك ما يجب عليه بالإحرام من الوقت، وهو لم يجب عليه الإحرام إلا على هذه الصفة، فلم يدخل النقص في إحرامه بترك الوقت، فلهذا لم يلزمه دم.
ولهذا نقول: يجوز فسخ الحج إلى العمرة، ولا يلزمه دم لترك الإحرام بها من التنعيم؛ للمعنى الذي ذكرنا.
واحتج بأنه ليس في فوات الحج إلا تعذر المضي في الحج، وتعذر المضي فيه لا يوجب أن يصير إحرامه إحرام عمرة.
الدليل عليه: المحصر.
والجواب: أن المحصر لا يلزمه بعد التعذر عمل العمرة، فلهذا لم يصر محرماً بها، وهذا يلزمه، فوجب أن يكون مؤدياً بإحرام العمرة، كما لو أحرم بعمرة مبتدأة.
واحتج بأنها لو انتقلت عمرة لأجزأته عن عمرة الإسلام، فلما لم تجزئه عنها وجب أن لا تكون عمرة.
والجواب: أنه إنما تجزئه عن عمرة الإسلام؛ لأنها قد وجبت عليه بالشرع، فلم تسقط إحداهما الأخرى، كما لو نذر عمرة؛ فإنها لا تسقط عمرة الإسلام.
ويبين صحة هذا: أن غير الفائت لا يلزمه أن يأتي بأفعال العمرة وعمرة الإسلام.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 291

173 -

مسألة

ويلزمه مع العمرة القضاء والهدي في أصح الروايتين:

نقلها ابن القاسم والميموني.
وهو قول مالك والشافعي.
ونقل أبو طالب عنه: يلزمه الهدي، ولا يلزمه القضاء.
وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء، ولا يلزمه الهدي.
والدلالة على وجول القضاء: ما تقدم من حديث عطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "من لم يُدرك فعليه دم، ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل".
ولأننا روينا عن عمر وابن عمر: أن عليه القضاء والهدي.
فإن قيل: فقد خالف ابن عباس، وقال: لا قضاء.
قيل: [....]. ولأنه لم يكمل أفعال حجه بتفريط كان منه، فوجب أن يكون عليه القضاء، كما لو أفسد.
ولا يلزم عليه فسخ الحج إلى العمرة؛ أنه لو كان محرماً بحجة تطوع، ثم فسخ الحج، كان عليه قضاء الحج؛ لأنه إنما يجوز له فسخ الحج إلى العمرة؛ ليستفيد به فضيلة التمتع، ولا يحصل هذا إلا بالحج.

الحديث: 173 - الجزء: 2 - الصفحة: 292

وقد أومأ أحمد إلى هذ في رواية ابن منصور، فقال في القارن: له أن يحل إذا لم يسقِ الهدي، ولا بد له أن يهل بالحج من عامه.
واحتج من قال: (لا قضاء) بحديث الأقرع بن حابس قال: قلت: يا رسول اللهّ مرة، أو أكثر؟ قال: "بل مرة، وما زاد تطوع".
وظاهره: أن لا يجب عليه أكثر من مرة واحدة، وإذا أوجبنا عليه القضاء، فقد أوجبنا عليه أكثر من ذلك.
والجواب: أن هذا محمول على من لم يحرم بالحج دفعة تانية.
واحتج بأنه لم يوجد من جهته فعل يفسد الإحرام، فلم يلزمه القضاء، كالمحصر.
والجواب: أن في ذلك -أيضاً- روايتين، نقل أبو طالب: عليه القضاء.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
ولأن المحصر لم يوجد من جهته تفريط، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لم يكمل أفعال حجه بتفريط كان منه، فهو كالمفسد.

  • فصل: والدلالة على أن عليه الهدي: ما تقدم من حديث عطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "من لم يدرك فعليه دم".
    وهذا أمر فاقتضى الوجوب.

الجزء: 2 - الصفحة: 293

ولأنه إجماع الصحابة؛ قد روينا ذلك عن عمر وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت، كلهم يوجب عليه الهدي.
فإن قيل: يحمل هذا على الاستحباب.
قيل: ظاهر الأمر يقتضي الوجوب.
على أنهم أُمروا بالهدي والقضاء أمراً واحداً، وقد ثبت وجوب القضاء، كذلك الهدي.
والقياس: أن الفوات سبب يجب به قضاء الحج، فوجب أن يجب به الهدي.
دليله: الإفساد.
ولا يلزم عليه فسخ الحج إلى العمرة؛ لأنه يجب به هدي، وهو هدي التمتع.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه واقع المحظور في الإحرام، ولزمه دم جناية، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لم يواقع المحظور، وقد تحلل منه بالطواف، فلم يلزمه للتحلل دم، كالمفرد إذا لم يفته.
قيل له: المحصر لم يواقع المحظور في الإحرام، ويلزمه دم للتحلل، وأما المفرد إذا لم يفته، فالمعنى فيه: أنه أكمل النسك، فلهذا لم يلزمه الدم، وهاهنا لم يكمله، فهو كالمحصور.
وقياس آخر، وهو: أنه تحلل من نسكه قبل الفراغ منه، فكان عليه الهدي.

الجزء: 2 - الصفحة: 294

دليله: المحصر.
ولا يلزم عليه فسخ الحج إلى العمرة؛ لأنا قد بينا أنه يجب به هدي، وهو هدي التمتع.
فإن قيل: المحصر حجه لنا؛ لأنه لو كان فوات الحج يوجب دماً، لوجب أن يلزم المحصر دمان؛ أحدهما لإحلاله بغير طواف، والآخر للفوات؛ لأن المحصر فائت الحج، فلما اتفقوا أنه يجب عليه دم واحد للإحلال بغير طواف فقط، عُلم أن فوات الحج لا يوجب دماً.
قيل له: إن تحلل بعد الطواف لزمه هديان؛ هدي تحلل به من إحرامه، وهدي لما يلحقه من الفوات.
وإن كان قد تحلل منه قبل فواته، فلا يجب هدي الفوات؛ لأنه تحلل من إحرام قبل أن يلحقه الفوات.
واحتج المخالف بأنه لم يواقع المحظور في إحرامه، وقد تحلل منه بالطواف، فلا يلزمه للتحلل دم.
دليله: من لم يفته.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه يبطل بالمحصر؛ لم يواقع محظوراً، ولو يلزمه الدم.
والمعنى في غير الفائت أنه أكمل أفعال نسكه، وهذا بخلافه.
واحتج بأنه لو كان فوات الحج يوجب دماً، لوجب أن يلزم المحصر دمان؛ أحدهما لإحلاله بغير طواف، والآخر للفوات؛ لأن المحصر

الجزء: 2 - الصفحة: 295

فائت الحج، فلما وجب عليه دم واحد لإحلال بغير طواف، عُلم أن فوات الحج لا يوجب دماً.
والجواب عنه: ما تقدم من أن المحصر إذا فاته الحج لزمه دمان؛ أحدهما للإحصار، والآخر للفوات.
واحتج بأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فلا تجب بفواتها قياساً على الصوم.
والجواب: أن كفارة الحج عند المخالف آكد من كفارة الصوم؛ لأنها تتكرر بتكرر الوطء، وتجب مع العذر، وهو النسيان، وكفارة الصوم لا تتكرر، ولا تجب إلا بضرب من المأثم.

  • فصل: ويلزمه إخراج الدم في السنة الثانية.
    نص عليه في رواية ابن القاسم في الذي يفوته الحج: يفرغ من عمله، فإن كان ساق هدياً نحره، وإذا كان قابلاً فعليه دم للفوات، ولا يجزئه الذي كان معه؛ لأنه قد وجب عليه أن ينحره حين ساقه، وعليه دم غيره ينحره من قابل.
    وكذلك نقل أبو طالب عنه، فقال: لا ينحر إلا من قابل.
    ونقل عنه أيضاً: إذا وطئ فأفسد، فإذا حج من قابل أهدى.

الجزء: 2 - الصفحة: 296

فقد أطلق القول: أنه يجب في السنة الثانية، ويجب أن يكون بعد التحلل من القضاء، كما قلنا في دم التمتع: يكون في يوم النحر بعد التحلل من الحج.
واختلف أصحاب الشافعي؛ فمنهم من قال: فيه قولان، ومنهم من قال وجهان: أحدهما: يجب بالتحلل من الفوات، كما يجب على المحصر بالتحلل، وعلى المفسد بالإفساد.
والثاني: يجب في السنة إذا أحرم في القضاء.
وإليه ذهب المروزي في "الشرح"، وقال: وهو بمنزلة المتمتع إذا تحلل من العمرة، وأحرم بالحج.
فالدلالة على أنه يكون في السنة الثانية: ما تقدم في حديث عمر: أنه قال للفائت: حُجَّ من قابل، وأهرق دماً.
وكذلك عن ابن عمر، فأوجبا الدم في السنة الثانية؛ لأنه أمر بالتحلل في السنة الأولى؛ ليحصل له الاستمتاع باللبس والطيب والحلق في ما بين الإحرامين، فهو كالمتمتع، وقد ثبت: أن المتمتع يلزمه الدم إذا تحلل من الإحرام الثاني عندنا، وعندهم إذا أحرم بالثاني، كذلك هاهنا.
ويفارق هذا ما قالوه من دم الحلاق والطيب واللباس أنه يخرجه من سنته؛ لأن هناك نسك واحد، فلهذا لزمه إخراجه في سنته، وهاهنا نسكان، فهو كالمتمتع.

الجزء: 2 - الصفحة: 297

174 -

مسألة

تجب الفدية بقتل الصيد خطأً:

نص على هذا في رواية حنبل، وصالح، وأبي طالب، وعبد الله، والأثرم.
وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي.
وقال داود: لا جزاء بقتل الخطأ.
ونقل صالح عن أحمد مثل هذا.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "الضبع صيد إذا أصابه المحرم ففيه الجزاء كبش مُسن، ويُؤكل".
ولم يفرق بين العمد والخطأ.
ولأنه قتل الصيد في حال إحرامه، فأشبه العمد.
وكل حيوان لو قتله عمداً وجب به كفارة، فإذا قتله خطأ وجب به أيضاً.
دليله: الآدمي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: 95].

الحديث: 174 - الجزء: 2 - الصفحة: 298

فدل أن من قتله خطأ لا جزاء.
والجواب: أن الآية حجة لنا من وجه، وهو أنها تقتضي أن من نسي الإحرام، فقتل الصيد معتمداً يلزمه الجزاء، وعندهم لا يلزمه.
وعلى أن تخصيص العمد بالذكر أفاد ما ذكره في أثناء الآية من الوعيد، وهو قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95]، وهذا الوعيد يختص العامد دون المخطئ، فلهذا خُص العمد بالذكر.
واحتج بقوله صلى الله عليه وسلّم: "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان".
والجواب: أنه محمول على رفع المأثم بما ذكرنا.
واحتج بما روى النجاد بإسناده عن أبي حذيفة، عن ابن عباس قال: ليس عليه في الخطأ شيء.
والجواب: أنه يقابله ما روى النجاد بإسناده عن الحكم: أن عمر كتب: ليحكم عليه في الخطأ والعمد.
وروى أحمد بن مسعود في رجل ألقى [جوالق] على ظبي، فأُمر بالجزاء.
قال أحمد في رواية الأثرم: وهذا لا يكون عمداً.
واحتج بأن الأصل براءة الذمم إلا أن يرد الشرع.

الجزء: 2 - الصفحة: 299

والجواب: أنا قد روينا الشرع في ذلك.
واحتج بأنه لو تطيب، أو لبس ناسياً، فلا جزاء عليه، كذلك الصيد.
والجواب: أن في ذلك روايتين، والصحيح أنه يستوي العمد والخطأ.

  • ... * ... *

175 -

مسألة

العائد لقتل الصيد عليه الجزاء ثانياً:

نص عليه في رواية ابن القاسم، وسندي، وإحدى الروايتين عن حنبل.
وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي.
وروى حنبل في موضع آخر: لا جزاء عليه، وينتقم الله منه.
وهو قول داود.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، فذكر جنس الصيد بالألف واللام احتراز من قتله فعليه مثله، فاقتضى الظاهر: أن من قتل صيداً لزمه مثله، ومن قتل صيدين أو أكثر، لزمه مثل ذلك.
فإن قيل: الآية إنما تناولت جنس الصيود، وإنما أُريد بها صيداً

الحديث: 175 - الجزء: 2 - الصفحة: 300

واحداً بدلالة قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: 95]، فأتى بلفظ التوحيد، ولو كان المراد الجنس لكان يقول: مثلها، فيكني عنه بلفظ الجمع.
قيل: الجمع على ضربين: جمع من طريق اللفظ، كقولك: الرجال والنساء، والكناية تعود إلى الجمع بلفظ الجمع، كقولك: الرجال رأيتهم.
وجمع من طريق المعنى مثل من هي موضوعة للجمع عن طريق المعنى، فالكناية تعود إليها بلفظ التوحيد، كقول القائل: من دخل داري فله درهم.
كذلك الصيد اسم للجنس من طريق المعنى؛ لأنا استدللنا على ذلك بالألف واللام؛ لأنه لما لم يرد العهد عُلم أن المراد به الجنس؛ لأن لفظه لفظ الجمع، فعادت الكناية إليه بلفظ التوحيد.
ويدل عليه -أيضاً- ما تقدم من حديث جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلّم: "الضبع صيد، إذا أصابه المحرم ففيه الجزاء كبش".
ولم يفرق فيه بين الدفعة الأولى والثانية.
ولأنه حيوان مضمون بالكفارة، فوجب أن تتكرر الكفارة بتكرر قتله، كالآدمي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95].

الجزء: 2 - الصفحة: 301

ومنها دليلان: أحدهما: أنه ذكر الجزاء في قتل الصيد، وعلقه بلفظ من بقوله: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: 95].
والجزاء إذا علق بلفظ من اقتضى استحقاق دفعه عند وجود شرطه، ولا يتكرر وجود الشرط، كقول القائل: من دخل داري فله درهم؛ فإنه يقتضي استحقاق الدرهم دفعة بدخول واحد، ولا يتكرر الاستحقاق بتكرر الدخول، كذلك هاهنا.
وهذه دلالة من داود.
والثاني من الآية: أنه قال في سياقها: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] فدل على أنه لا تجب عليه كفارة أخرى.
والجواب عن الدلالة الأولى، فهو: أن الجزاء إذا عُلق بلفظ من فإنه على ضربين: أحدهما: أن يكون الفعل المعلق به الجزاء واقعاً في محل، فلا يقتضي تكرار الجزء بتكرره، كما ذكره من قوله: من دخل داري فله درهم.
والثاني: أن يكون واقعاً في محال مختلفة، فيتكرر الاستحقاق بتكرره نحو قوله: من دخل دوري فله بدخول كل دار درهم؛ فإنه إذا

الجزء: 2 - الصفحة: 302

تكرر منه الدخول الاستحقاق؛ لاختلاف المحال، كذلك الجزاء متعلق بقتل الصيد، والقتل يقع في صيد وصيود مختلفة، فاقتضى ذلك تكرار الجزاء بتكرر القتل في كل صيد.
والجواب عن الدلالة الثانية من الآية، فهو: أن ذكره -تعالى- للانتقام لا يدل على أنه لا حق هناك غيره، كما قال -تعالى- في آية المحاربين: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33]، ولم يمنع هذا من إيجاب حق آخر يتعلق بالغرم.
واحتج بما روى النجاد بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا أصاب المحرم، ثم عاد، قيل له: اذهب فينتقم الله منك.
والجواب: أن عموم في الكتاب والسنة يقضي على قول الصحابي.
واحتج بأن الأصل براءة الذمم، فمن ادعى إيجاب حق آخر فعليه الدليل.
والجواب: أنا قد دللنا على ذلك في ما تقدم.
واحتج بأنه لو تكرر منه الوطء واللباس والطيب والحلاق وتقليم الأظافر تداخلت الكفارة، كذلك يجب أن نقول مثله في جزاء الصيد؛ لأنه من محظورات الإحرام.
والجواب: أن الصيد يجري مجرى ضمان الأموال بدليل أنه يختلف باختلاف المقتول بالصغر والكبر، وضمان الأموال يتكرر

الجزء: 2 - الصفحة: 303

بتكرُّر سببه، وليس كذلك الطيب واللباس والوطء؛ لأن جبرانها لا يجري مجرى ضمان الأموال، فهي أخف، فجاز أن تتداخل.

  • ... * ... *

176 -

مسألة

إذا قتل صيداً له مثل من النعم ضمنه بمثله:

نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد فقال: إذا أصاب صيداً فهو على ما حكم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكل ما سمي فيه شيء فهو على ذلك، وفي الضبع شاة.
وقال في رواية ابن منصور: قد تقدم فيه حكم فهو على ذلك.
وقال -أيضاً- في رواية أبي داود في الذي يصيب الصيد: يتبع ما جاء، قد حُكم وفُرغ منه.
وهو قول مالك والشافعي وداود.
وقال أبو حنيفة: يضمنه بقيته، ثم يصرف تلك القيمة في النعم إذا شاء، ولا يجوز صرفها إلا في النعم التي تجوز في الهدايا.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95].
فأوجب مثل المقتول من النعم، وعندهم لا يجب ذلك.
فإن قيل: المراد بالمثل هاهنا: مثل من طريق القيمة، لا من طريق الصورة.

الحديث: 176 - الجزء: 2 - الصفحة: 304

يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95]، ونهى عن قتل جنس الصيد، فدخل تحته ما له نظير، وما لا نظير له، ولا خلاف أنه لو قتل ما لا نظير له وجبت عليه قيمته، فثبت أن القيمة مرادة بالمثل، فيصير كأنه قال: فجزاء قيمة ما قتل، ولو قال ذلك لوجب اعتبار القيمة في جنس الصيد، كذلك إذا كان تقديره ما ذكرنا.
وقوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ أفاد أن الهدي الذي تصرف القيمة فيه يجب أن يكون منه؛ لئلا يتوهم أن كل ما يقع عليه اسم الهدي يجرئ.
قيل له: لا نسلم أن الآية تناولت جنس الصيود التي لا مثل لها؛ لأنه لما قيد المثل من النعم، علمنا أن ما لا مثل له لم يدخل تحت الظاهر، وإنما استفدنا حكم ذلك من غيرها.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، فقيل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة"، وهذا في النائي عن البيت، فأما أهل مكة، ومن كان منها على ما لا تقصر فيه الصلاة، فلم يدخل في هذا؛ لأن استطاعته [ليس في] الزاد والراحلة.
وقولهم: (إن قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ يقتضي أن يكون الهدي منه) فغير صحيح؛ لأن حقيقة الكلام تقتضي أن تكون (من) للجنس، فيكون المثل من جنس النعم، فمن عدل بها عن ذلك، فقد عدل عن حقيقة اللفظ.

الجزء: 2 - الصفحة: 305

وعلى أن قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ يقتضي وجوب صرفة ذلك في النعم، وهم لا يوجبون ذلك.
فإن قيل: إذا تنازعنا في المراد بالمثل، كان حمله على القيمة أولى من حمله على المثل من جهة الخلقة والصورة؛ لأن فيه حمل الآية على عمومها؛ لأنه يدخل تحتها ما له نظير، وما لا نظير له، وفي حمله على المثل من جهة الخلقة تخصيص الآية.
قيل له: لسنا نسلم العموم حين يكون حمله عليه أولى من تخصيصه؛ لأنا قد بينا أنها تناولت مثلاً من طريق الصورة من النعم.
فإن قيل: إذا حملنا المثل على القيمة كان موافقاً للأصول وإذا حملناه على المثل من جهة الخلقة كان مخالفاً لها؛ لأنا قد وجدنا قيمة الشيء مثلاً له في الأصول، ولم نجد مثله في الخلقة من غير جنسه مثلاً له.
قيل له: إنما يكون أولى إذا كان اللفظ ينتظم جنس الصيود، وقد بينا: أن اللفظ خاص، فلا يجوز اطراح اللفظ [....] الأصول.
على أنا نتكلم على ذلك في ما بعد.
فإن قيل: فقد قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾، فلو كان المراد به المثل من جهة الخلقة لما احتيج إلى حكمين عدلين؛ لأن العدالة يحتاج إليها في ما يعلم بالخبر دون المشاهدة والمماثلة من جهة الخلقة،

الجزء: 2 - الصفحة: 306

[والمماثلة من جهة الخلقة] تعلم بالحس والمشاهدة، والقيمة تعلم من جهة الاجتهاد.
قيل له: الحكم بالمثل من طريق الخلقة يحتاج إلى اثنين، لأنه ينظر إلى ما يشبه المقتول من النعم، وهذا يحتاج فيه إلى نظر واجتهاد أكثر من القيمة، وتُشترط فيه العدالة أيضاً؛ أنه مما يدق ويخفى، فهو مجبر بما يغلب على ظنه، فافتقر إلى العدالة.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95]، والتخيير إذا حصل بين أشياء، فكل واحد منهما متعلق بما تعلق به الآخر، فكأنه قال: مثل هو هدي، أو مثل هو إطعام مساكين، أو مثل هو صيام.
وهذا لا يكون إلا على قول من أوجب القيمة، فإلى أي الأصناف الثلاثة صرفها كانت هي المثل.
قيل له: نحن -وإن قلنا: يضمن بنظيره- فإنه مخير بين النظير وبين قيمته طعاماً، وبين الصيام عن كل مد يوماً، فلم يصح.
فإن قيل: فقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾.
ظاهره يقتضي: أنه حكم باقٍ أبداً، وهذا لا يكون إلا في القيمة التي تختلف باختلاف الأزمان، فأما المثل من طريق الخلقة؛ فإنهما إذا حكما به كان ذلك باقياً، فلا يُحتاج إلى الحكمين فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 307

قيل له: الآية تقتضي أن يحكم به ذوا عدل، ونحن نقول بظاهره، وهو الحكم السابق من جهة الصحابة، يقتضي هذا تكرار الحكم.
فإن قيل: فنحمل قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ على أنه صفة للمقتول، وهو أولى من حمله على أنه صفة للجزاء؛ لأن الآية قد قُرئت بقراءتين؛ فقرأ أهل الكوفة بالرفع، وقرأ غيرهم بالإضافة.
فعلى قراءة الرفع إذا جعلناه صفة للمقتول لم يُفصل بين العامل والمعمول؛ لأن قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾ مبتدأ، و ﴿مِّثْلُ﴾ صفته، و ﴿مَا﴾ بمعنى: الذي، و ﴿قَتَلَ﴾ صلة الذي، وهو العامل في قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ و ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ في موضع نصب، والعامل فيه ﴿قَتَلَ﴾،ولا بد من راجع يرجع من الصلة إلى الموصول.
ولو جعلنا قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ صفة للجزاء فصلنا بين العامل؛ الذي هو الجزاء، ومعموله؛ الذي هو من النعم؛ لأن من يجعل النعم صفة للجزاء يجعل العامل فيه قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾، والمعمول؛ الذي هو قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ فاصل؛ هو ما وصلتها، ومن لم يفصل بين العامل ومعموله كان أولى.
فهذا على قراءة الرفع.
وأما على قراءة الإضافة فقد يراد بالإضافة إلى الشيء نفس الشيء، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ﴾ [البقرة: 137]، ومعناه: آمنوا بما آمنتم به.

الجزء: 2 - الصفحة: 308

وقول الشاعر: مثلي لا يُحسن قولاً يَغفر أي: أنا لا أحسن.
فعلى القراءتين جميعاً حمله على المقتول ممكن.
قالوا: والنعم قد يتناول الوحش، قال أبو عبيدة: النعم يتناول الوحش، وقال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] بهائم وغير بهائم لم يكن بإضافة البهائم إلى الأنعام معنى، وإنما أباح من جملة الأنعام البهائم، ولم يبح السباع؛ لأنها لا تُسمى بهائم، وإنما تُسمى كواسب.
قيل له: النعم لا تتناول الوحش، وما ذكروه عن أبي عبيدة غير معروف، وأما الآية فلا حجة فيها؛ لأنها تدل على أن كل نعم بهيمة، ولا تدل على أن كل بهيمة نعم.
وعلى أن هذا لا يصح حمله على أنه صفة للمقتول؛ لأنه يؤدي إلى التكرار؛ لأنه يحصل تقديره: لا تقتلوا الصيد، ومن قتل الصيد، فجزاء مثل ما قتل من الصيد.
وأيضاً ما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "الضبع صيد إذا أصابه المحرم، وفيه الجزاء كبش".

الجزء: 2 - الصفحة: 309

فإن قيل: يحتمل أن يكون معناه: إذا اختار الهدي، وكانت قيمته قيمة شاة.
قيل: قوله: "فيه كبش" أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وعلى قولهم لا يجب، وإنما هو موقوف على اختياره.
وأيضاً إجماع الصحابة روي عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس وابن الزبير: أنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الأيل وبقر الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي اليربوع بجفرة، وفي الأرنب بعناق.
فإن قيل: حكموا بذلك على طريق القيمة، ألا ترى أنه روي عنهم: أنهم حكموا في الحمامة بشاة، ولا مشابهة بين الشاة والحمامة في الخلقة؟ قيل لع: لا يمكن حمله على هذا لوجوه: أحدها: أنهم قضوا بذلك في أوقات مختلفة، وبلدان مختلفة، والقيمة تختلف باختلاف البلدان والأوقات والأسعار، ولا يجوز أن تتفق قضاياهم على شيء واحد.
الثاني: أنهم قضوا في اليربوع بجفرة، وعندهم لا يجوز إخراج ذلك وصرف القيمة فيه؛ لأنه لا يجزئ في الهدايا.
والثالث: أن البدنة أكثر قيمة من النعامة، والبقرة أكثر قيمة من

الجزء: 2 - الصفحة: 310

حمار الوحش، والكبش أكثر قيمة من الضبع، والعنز أكثر قيمة من الغزال، والعناق خير من الأرنب، والجفرة خير من اليربوع، والشاة خير من الحمامة، فدل على أنهم لم يقصدوا القيمة.
وقولهم: (إنه لا مشابهة بي الحمامة والشاة) فغير صحيح؛ لأنها تشبهها من جهة أنها تعب وتهدر، كما تعب الشاة.
والقياس: أن النعم حيوان مُخرج على وجه التكفير، فوجب أن يكون أصلاً لا على وجه القيمة، كالعتق في كفارة القتل والظهار والوطء في رمضان.
ولأن قتل الصيد فعل حرام بالإحرام، فوجب أن يكون المخرج فيه أصلاً بنفسه، كالشاة الواجبة في الطيب واللباس.
فإن قيل: لو قتل ما لا نظير له من النعم وجبت عليه قيمته، فإن بلغت هدياً كان بالخيار؛ إن شاء أهدى، وإن شاء أطعم، وإن شاء صام، ثم لا خلاف أنه لو اختار الهدي لم يكن أصلاً في نفسه؛ لأن الأصل ما يجب عليه بنفس القتل، والهدي في ما لا نظير له لا يجب بنفس القتل.
قيل له: لا نسلم لك هذا؛ لأن ما لا مثل له لا يجوز صرف بدله في الهدي؛ لأنه لا مثل له.
فإن قيل: فالعلة تبطل به إذا أفسد الحج؛ فإنه يلزمه بدنة، ويجزئه

الجزء: 2 - الصفحة: 311

أن يخرج بقرة، أو سبعاً من الغنم، وليس الغنم والبقر أصلاً في ذلك.
قيل له: الرواية مختلفة في ذلك؛ فروي عنه: لا تجوز البقرة، ولا السبعة من الغنم مع وجود البدنة؛ إلا أنها غير معتبرة بقيمة البدنة، فلم تدخل على ما قلنا.
وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب قال: إذا كان عليه جزاء، أو نذر بدنة، فلم يجد بدنة جعل مكانها سبعاً من الغنم.
فأجاز الانتقال إذا لم يجد.
وروي عنه أنه مُخير بين هذه الثلاثة، وأيها أخرجه كان أصلاً بنفسه، فسقط النقض.
وهذا ظاهر كلامه في رواية حنبل قال: العشر من الغنم تجزئ مكان الجزور، وإذا كان عليه بدنة، فنحر عشراً من الغنم، أو قاد ذلك عنه، إن شاء الله.
وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: ومن وجبت عليه بدنة، فذبح سبعاً من الغنم أجزأه.
ولم يعتبر أن لا يجد البدنة.
فإن قيل: الرقبة الواجبة في كفارة القتل من جنس المقتول، فيجب أن يكون في مسألتنا، فلما لم يجب من الجنس، لم يجب مثله في الخلقة.

الجزء: 2 - الصفحة: 312

قيل له: كفارة الوطء والظهار ليس من جنس الوطء والظهار، ومع هذا فتجب، وكذلك مئة من الإبل ليست من جنس الحر، ومع هذا يُضمن بها.
فإن قيل: الرقبة في كفارة القتل لا تختلف باختلاف المقتول، وجزاء الصيد يختلف، فوجبت القيمة، كالعبد المقتول.
قيل له: دية الآدمي تختلف باختلاف المقتول بالذكورية والأنوثية والخنثى، ومع هذا لا تجب قيمته، وإن ما يجب فيه مقدر.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95].
وقدروا وجه الدلالة من الأوجه التي تقدم ذكرها.
والجواب عنها: ما مر، فلا وجه لإعادته.
واحتج بأن ضمان لزمه من جهة إتلاف الصيد، فأشبه ما لا نظير له من النعم، وإذا كان لآدمي.
ولأنه لو كان لآدمي ضمن قيمته، كذلك إذا كان لله قياساً على ما لا نظير له من النعم.
والجواب: أن قوله: (ضمان لزمه من جهة إتلاف الصيد) لا تأثير له لذكر الصيد في ذلك؛ لأن الصيد وغيره سواء.

الجزء: 2 - الصفحة: 313

ثم نقول: لا يخلو إما أن نقول بحكم العلة، فوجب أن يضمنه بقيتمه؛ فإنه ينتقض بالإطعام والصيام؛ فإنه يضمنه به، وليس بقيمة له.
فإن قلت: فلم تضمنه بمثله، لم يصح في الأصل؛ لأنه لا مثل له، فلا يوصف بذلك.
وعلى أن ما لا نظير لذاته، لا مثل له، فلهذا عدل إلى القيمة، كما نقول في ما لا مثل له من الأموال: تجب قيمته، وهذا مما له مثل، فهو كالذي له مثل من الأموال.
وأما ضمانه في حق الآدمي فهو مخالف لضمانه في حق الله تعالى، ألا ترى أن العبد يضمن في حق الآدمي وفي حق الله -تعالى- بالكفارة، ويدخل الصوم في ضمان حق الله -تعالى- في قتل الصيد، ولا يدخل في حق الآدمي.
واحتج بأنه لا يجب مثله من جنسه، فوجب أن لا يجب مثله في الخلقة من غير جنسه، كما لو أتلف الصيد على آدمي.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يجب مثله من جنسه، ولا قيمته، ويجب معنى آخر، كالحر يضمن بمئة الإبل، وإن لم تكن من جنسه،

الجزء: 2 - الصفحة: 314

ولا قيمته، وكذلك الجنين يضمن بغُرة، وإن لم تكن من جنسه، ولا بدل عنه، كذلك هاهنا.
وأما ضمانه في حق الآدمي فقد تكلمنا عليه.
واحتج بأنه تعتبر قيمته فيما دون النفس، كالعبد والشاة والصيد إذا كان لآدمي.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ما دون النفس، فلو قلنا: إن ذلك مضمون بالمثل بجزء شائع من مثله من الحيوان لم يمتنع، وإن سلمنا ذلك، وهو الأشبه بأصوله؛ لأنه قد قال: في شعرة مد، ولم يوجب ثلث دم، وكان المعنى في ذلك: أن الذي حصل في الجرح نقص فيه، والنقص في ما يُضمن بالمثل لا يُضمن بالمثل، كالطعام إذا تسوس في يد الغاصب، أو بُل بالماء، فنقص، فالواجب ما نقص، لا المثل، كذلك جزاء الصيد.
ولأن إيجاب سهم من حيوان يشق، فإذا كان فيه مشقة عدل عنه إلى غيره، ألا ترى أن الإبل إذا نقص عن خمس وعشرين كان فيها من غير جنسها؛ لأن إيجاب سهم من حيوان يشق، كذلك هاهنا نعدل إلى ما نقص من ثمنه؛ لأن إيجاب جزء من المثل يشق.
وأما الأصل -وهو إذا كان لآدمي- فقد أجبنا عنه.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 315

177 -

مسألة

إذا قتل صيداً لم تحكم فيه الصحابة، جاز أن يكون الحاكمان القاتلين، أو أحدهما:

وقد نص أحمد في رواية أبي النصر العجلي على جواز أن يكون الحاكم القاتل وآخر معه.
وهو قول الشافعي.
وقال مالك: لا يجوز أن يكون الحاكم القاتل.
دليلنا: أنه حق لله -تعالى- تتعلق به حقوق الآدميين، فجاز أن يُرجع فيه إلى الواجب عليه.
دليله: تقويم مال التجارة لإخراج الزكاة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 95].
وهذا يقتضي غير القاتل، كما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، اقتضى غير من عليه الحق.
والجواب: [....]. واحتج بأنه يدل عن متلف، فلم يرجع فيه إلى المتلف.

الحديث: 177 - الجزء: 2 - الصفحة: 316

دليله: حقوق الآدميين.
والجواب: أن هناك لا يتعلق به حق لله، وهذا يتعلق به حق لله، فهو كالزكاة.
واحتج بأنه تلحقه تهمة في التقويم.
والجواب: أنه يبطل بتقويم العروض في الزكاة، وفي دفع الزكاة إلى الفقراء.

  • ... * ... *

178 -

مسألة

إذا قتل صغار الصيود التي لها مثل، ضمن الصغار بمثلها من النعم، وكذلك إن قتل صيداً أعور، أو مكسور اليدين، فداه بمثله:

وقال أحمد في رواية أبي طالب: أذهب إلى حديث عمر: في الضبع كبش، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب جفرة، وفي اليربوع جدي.
وقال أبو حنيفة: لا تُجزئ العناق والحمل في جزاء الصيد.
وقال مالك: يضمن الصغير بالكبير من أمثاله، والأعور يفديه بصحيح.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95].
ومثل الصغير صغير، وكذلك مثل الأعور أعور.

الحديث: 178 - الجزء: 2 - الصفحة: 317

فإن قيل: فقد قال في سياقها: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا﴾ [المائدة: 95].
والهدي ما يُجزئ في الأضحية، والصغار لا تجزئ فيها.
قيل له: لعمري إنه لا يقع إلا على ما يُجزئ من النعم، ولكن هذا إنما يكون في الهدي المطلق، فأما المقيد؛ فإنه يُحمل على ما قيده، وإن كان ذلك لا يجزئ في الأضحية، كما لو قال: لله علي أن أهدي هذا الدرهم، أو هذا الثوب؛ فإنه يجزئه، ولو أطلق ذكر الهدي لم يجزئ إلا ما يجزئ في الأضحية.
والهدي المذكور في الآية مقيد بالمثل، فاعتبر ذلك به.
وأيضاً ما روي عن عمر: أنه قال: في الضبع شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وفي الظبي كبش.
وأيضاً ما ضمن بالجناية واليد اختلف قدر ضمانه باختلاف حاله، كالأموال.
ولأن ضمان الصيج جارٍ مجرى الأموال بدلالة تعلقه بضمان اليد، وتعلقه بالأنعام، ولو كان بمنزلة الكفارات لم يتعلق بذلك، وإذا كان جارياً مجرى ضمان الأموال اختلف باختلاف حال المضمون.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، والهدي لا يكون إلا بكبش سليم.

الجزء: 2 - الصفحة: 318

والجواب عنه: ما تقدم، وإن كان هذا صفة الهدي المطلق.
واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: "في الضبع كبش".
والجواب: أنه محمول على الكبير السليم بما تقدم.
واحتج بأنه حيوان مُخرج باسم التكفير، فلم يختلف باختلاف حال المتلف.
دليله: الكفارة بقتل الآدمي.
والجواب: أن هذا الحكم لا يصح بإجماع؛ فإنه لا خلاف أن الجزاء يختلف باختلاف حال الصيد؛ لأنه لا يضمن الضبع بمثل ما يضمن به النعامة.
وعلى أن كفارة الآدمي لما لم تُضمن ضمان اليد، لم تختلف باختلاف حال المتلف، وجزاء الصيد لما ضُمن باليد اختلف باختلاف حال المتلف.
واحتج بأنه دم وجب لمحظور في الإحرام، فوجب أن يكون دماً كاملاً.
دليله: فدية الآدمي.
ولأنه دم لا يجوز نحره في غير الحرم، فلم يجز فيه الصغير، كدم التمتع والقران.
ولأن ما لا يجوز في سائر الدماء من التمتع والقران والإحصار

الجزء: 2 - الصفحة: 319

واللابس والمتطيب لا يجزئ في جزاء الصيد، كالعمياء والعرجاء والغزال والبقر الوحشي.
والجواب: أن تلك الدماء لا تجب على طريق البدل، وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذا الدم يجب على طريق البدل بدليل أنه يختلف باختلاف المقتول.

  • ... * ... *

179 -

مسألة

إذا جرح صيداً ضمن ما نقص منه بالجرح:

وقد قال أحمد في رواية الميموني في محرم أخذ صيداً، ثم أرسله: فإن كان أخذه أعيبه، تصدق بشيء لمكان أذاه وإذعاره إياه.
وقال أبو بكر في كتاب "التنبيه": ولو نتف ريش طائر، ولم ينهض لنتفه، كان عليه جزاؤه إن تلف، وإن لم يتلف، وصار ممتنعاً ممن أراده، ففيه حكومة.
وقال مالك وداود: إن جرح الصيد غير مضمون.
دليلنا: أن المحرم ممنوع من تنفير الصيد بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا يُنفر صيدها".
والجرح أعظم من التنفير، فإذا كان ممنوعاً منه، فنقول: أتلف

الحديث: 179 - الجزء: 2 - الصفحة: 320

ما هو ممنوع منه لحرمة الإحرام، وكان عليه الجزاء.
دليله: جملة الصيد.
وكل عين كانت مضمونة، كانت الجناية عليها مضمونة، كالآدميين، وكل جملة كانت مضمونة، كانت أجزاؤها مضمونة، كالثياب والطعام والأموال.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: 95].
فأوجب الجزاء بالقتل، فدل على أنه لا يجب بغيره.
والجواب: أنه إنما أوجب بالقتل جزاء المثل، ونحن لا نوجب ذلك الجزاء، وإنما نوجب ما نقص من قيمته.
واحتج بأن جزاء الصيد يجري مجرى الكفارة، والكفارة لا تجب في الإنقاص بدليل كفارة الآدمي.
والجواب: أن الجزاء يجري مجرى حقوق الآدميين، ونحن نبين ذلك في مسألة الجماعة إذا اشتركوا في قتل الصيد؟ واحتج بأن الأصل براءة الذمم، فمن ادعى إيجاب حق فيها فعليه الدليل.
والجواب: أنا قد دللنا على ذلك.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 321

180 -

مسألة

بيض النعامة يُضمن بقيمته:

نص عليه في رواية حنبل.
وقال مالك: يُضمن بعُشر قيمة البدنة.
وحُكي عن داود: لا شيء فيه؟ دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن ابن عباس: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بيض النعامة يصيبه المحرم بثمنه.
وبإسناده عن أبي هريرة قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن بيض النعام، قال: "قيمته".
وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وغيرهما من الصحابة.
وروى أبو داود في "المراسيل" بإسناده عن معاوية بن قرة، عن رجل من الأنصار: أن رجلاً محرماً أوطأ راحلته أُدحي نعام، فانطلق الرجل إلى علي، وسأله عن ذلك، فقال له علي: عليك في كل بيضة ضراب ناقة، أو جنين ناقة، فانطلق الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلّم، فأخبره

الحديث: 180 - الجزء: 2 - الصفحة: 322

بما قال علي، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلّم: "قد قال علي ما سمعت، ولكن هلم إلى الرُخصة، عليك في كل بيضة صيام يوم، أو إطعام مسكين".
ولأن البيض صيد؛ لأنه يتطلب، كما يتطلب الصيد الذي لا مثل له.
واحتج المخالف بأن الأصل براءة الذمة، وبأن الله -تعالى- أوجب الجزاء بقتل الصيد.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج أصحاب مالك على أن في البيض عُشر قيمة البدنة بأنه متولد من حيوان مضمون بالجزاء، فوجب أن يُرد إليه، ويُعتبر فيه، كالجنين.
والجواب: أنه يبطل بجنين الصيد؛ فإنه متولد منه، ولا يُعتبر به، وإنما يُعتبر بنفسه.
وكذلك لبن الظبية مُتولد منه، ولا يُعتبر بالحيوان، وإنما يُعتبر بنفسه.
فأما جنين الآدمية فإنه اعتبر بأمه لأنه من جنس ما يُضمن بمُقدر، وهو الحر، والبيض مما لا مثل له، فضمن بقيمته.

الجزء: 2 - الصفحة: 323

وأجود من هذا: أن ضمان الصيد يجري مجرى ضمان الأموال بدليل أنه يجب في الصغير صغير، وفي الكبير كبير، فضمن بالقيمة كما تُضمن الأموال: ولهذا قلنا: في جنين الصيد ما نقص.

  • ... * ... *

181 -

مسألة

في حمام الحل والحرم شاة:

نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي، فقال: في حمام الحرم شاة.
وقال في رواية ابن منصور: حمام الحل والحرم سواء.
وبهذا قال الشافعي.
وقال مالك: في حمام الحرم في الحرم شاة، وفي حمام الحل حكومة، وفي حمام الحرم في الحل روايتان: إحداهما: حكومة.
والثانية: شاة.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي الزبير، عن جابر قال: قضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الطير إذا أصابه شاة.
ولك يفرق بين أن يصيبه في الحرم أو الحل.
ولأنها حمامة مضمونة بالجزاء، فوجب أن يكون جزاؤها شاة.

الحديث: 181 - الجزء: 2 - الصفحة: 324

دليله: حمامة الحرم.
فإن قيل: الحرم ليس له مزية بدليل أنه محل للهدايا، ولا يجوز دخوله بغير إحرام، ومحل للنسك، فجاز أن يكون لحمامة مزية.
قيل له: فيجب أن يكون لبقية صيده مزية، كالنعامة والغزال ونحو ذلك.
واحتج المخالف بأنه حمام في غير الحرم أشبه الحمام المملوك.
والجواب: أن المملوك يستوي في ضمانه الحل والحرم، فلا معنى لقولك: (في غير الحرم) في الأصل.
ثم لا يجوز اعتبار ضمان ذلك لحق الآدمي بضمانه لحق الله تعالى بدليل النعامة؛ تضمن بقيمتها في حق الآدمي، وفي حق الله بالبدنة، وكذلك جميع الصيود.

  • ... * ... *

182 -

مسألة

ويضمن ما دون الحمام بقيمته، كالعصافير، والقطا، والسُّمان، ونحو ذلك:

نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي، فقال: كل طير يَعُب مثل

الحديث: 182 - الجزء: 2 - الصفحة: 325

الحمام؛ يشرب كما يشرب الحمام، ففيه شاة، ومان كان مثل العصفور ونحوه، ففيه القيمة، ويلزم المحرم، كما يلزم الحلال في الحرم.
وحُكي عن داود: لا يجب في ذلك شيء، وإنما يضمن الحمام خاصة.
دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما أُصيب من الطير دون الحمام ففيه الفدية.
ولأنه صيد حرم قتله لحق الله تعالى، فضُمن بالجزاء.
دليله: الحمامة، وسائر الطيور.
وقد دل على تحريم قتله عموم قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96].
وهذا من جملة صيد البر، فوجب أن يكون محرماً.
واحتج المخالف بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا يحل مال امرئ مُسلم إلا عن طيب نفسه".
وقوله: "ليس في المال حق سوى الزكاة".
والجواب: أنه محمول على غير مسألتنا.
واحتج بأن الأصل براءة ذمته.
والجواب: أنا قد دللنا على شغلها بما تقدم.

الجزء: 2 - الصفحة: 326

183 -

مسألة

وما حكم فيه صحابيان: أنه مثل للمقتول، استقر حكمهما فيه، فلا يعدل عن ذلك:

نص عليه في رواية أبي النصر العجلي، فقال: وما حكم فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فلا يحتاج أن يُحكم عليه مرة أخرى.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: يُستأنف الحكم في ذلك، لا نكتفي بذلك.
فأبو حنيفة بنى هذا على أصله، وأنه لا اعتبار بالمثل، وإنما الواجب القيمة.
وإنما يختص الخلاف مع مالك في قوله: يُعتبر المثل، إلا أنه لا يكفي في ذلك ما حكمت به الصحابة.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا﴾ [المائدة: 95].
وهذان عدلان، وقد حكما به.
فإن قيل: ظاهره: أنه حكم باقٍ أبداً، وعندك: أنه قد انقطع بحكم الصحابة.
قيل له: هذا لا يقتضي تكرار الحكم، كما لو قال: لا تضرب زيداً، ومن ضربه فعليه ديتان؛ لأنه لا تتكرر الديتان بضرب واحد.
ولأنه صيد حكم بمثله صحابيان، فلم يجز العدول عن حكمهما.

الحديث: 183 - الجزء: 2 - الصفحة: 327

دليله: الصيد الذي قضيا فيه في وقتهما؛ فإنه لا يعدل عنه إلى غيره.
ولأن الصحابة أعرف بذلك وأهدى إليه؛ لأنهم شاهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا البيان والتأويل، وكانوا أعرف بالأغراض ومعاني الكلام، فكان ما قالوه أولى مما يقوله غيرهم.
واحتج المخالف بأنه صيد وجب جزاؤه، فوجب الحكم فيه في وقت الجزاء.
دليله: الصيد الذي لم يُحكم فيه بشيء.
والجواب: أن ليس هناك حكم، فيُتبع، فلهذا وجب الحكم فيه، وهاهنا حكم سابق، فيجب اتباعه.
دليله: ما قضت به في وقتها.

  • ... * ... *

184 -

مسألة

تعتبر في إخراج الطعام قيمة النظير، لا قيمة الصيد، فإذا قتل صيداً له مثل، وأراد التقويم، وأن يشتري بالقيمة طعاماً؛ فإنه يقوم مثل الصيد:

نص على هذا في رواية ابن القاسم وسندي: إذا قتل الصيد، فلم

الحديث: 184 - الجزء: 2 - الصفحة: 328

يكن عنده جزاء قوم المثل، ولم يقوم الصيد؛ لأن الصيد قد عُدل بمثله من النعم، ولا يقوم ثعلب، ولا حمار وحش، ويقومه في الموضع الذي أصابه فيه، وفي ما يقرب منه.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك وداود: تُعتبر في ذلك قيمة الصيد.
دليلنا: أنه يُخرج في جزاء الصيد، فيجب أن يُعتبر بالذي يليه في التلاوة، كالمثل والصيام، فالمثل يُعتبر بالصيد الذي يليه، وكذلك الإطعام يجب أن يُعتبر بالصيد، كالمثل.
قيل له: المثل إنما اعتبر بالصيد؛ لأنه يليه في التلاوة.
واحتج المخالف بأنه تقويم في ضمان الصيد، فوجب أن تعتبر قيمة الصيد.
أصله: إذا كان لآدمي، وإذا لم يكن له نظير من النعم.
والجواب: أن قوله: (تقويم في ضمان الصيد) لا تأثير له في حق الآدمي؛ لأن الصيد وغيره سواءء.
وأما الصيد الذي مثل له، فإنما عُدل إلى قيمته؛ لأنه ليس هناك مثل يقوم به، فهو كما لو أتلف شيئاً لا مثل له وجبت قيمته، وهذا مما له مثل، ويمكن اعتبار مثله، فلهذا وجب اعتبار قيمة المثل، كما وجب الرجوع في ما له مثل من المتلفات إليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 329

وأما ضمانه في حق الآدمي فقد أجبنا عنه، وبينا أن ضمانه في حق الله -تعالى- يخالف ضمانه في حق الآدمي بدليل دخول الصوم في ضمان حق الله تعالى، وإيجاب الكفارة في قتل العبد، بخلاف ضمانه في حق الآدمي، كذلك هاهنا.
واحتجَّ بأن المتلفات في الأصول إذا وجب فيها التقويم، اعتبرت قيمة المتلف بدلالة الثوب والعبد، وإذا كان الصيد لآدمي.
والجواب: أن سائر المتلفات لا تُعتبر فيها قيمة المتلف؛ لأنه لا قيمة له، وإنما تُعتبر قيمة نظيره ومثله، يجب أن نقول في الصيد مثل ذلك.
وإنما يختلفان في أن قيمة مثل غير الصيد من المتلفات لا تخالف قيمة المتلف؛ لأن مثله يكون من جنسه، وقيمة مثل الصيد ربما خالفت قيمته؛ لأن مثله يكون من غير جنسه.

  • ... * ... *

185 -

مسألة

إذا جرح صيداً، وغاب عنه، ولم يعرف خبره، فعليه جزاؤه:

وقد قال أحمد في رواية أبي طالب في رجل اكترى بيتاً بمكة، فأغلق بابه، فجاء، ففتح، فإذا فيه طير ميت؛ لا يدري كيف مات؟ احتاج أن يذبح شاة.
وبهذا قال مالك.

الحديث: 185 - الجزء: 2 - الصفحة: 330

وقال الشافعي: لا ضمان عليه.
دليلنا: أن الجراحة سبب للموت، كالضربة سبب لموت الجنين، ثم لو ضرب بطنها، فألقت جنيناً، ضمنه، وإن لم يتحقق موته منها، وكذلك لو جرحه، فبقى أياماً، ثم مات، ضمن لوجود السبب، وإن جاز أن يكون موته من غير ذلك، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن الأصل الحياة، فلا يضمنه بالشك.
والجواب: إن هذا لا يمنع الضمان بدليل الجنين.
ويبين [صحة] هذا: أنه لو جرحه، وغاب الصيد عنه، ثم وجده ميتاً، حكمنا بذكاته، وإن جاز أن يكون مات بغيرها.

  • ... * ... *

186 -

مسألة كفارة الجزاء على التخيير؛ فإن قتل صيداً له مثل، فهو مُخير؛ إن شاء أخرج المثل، وإن شاء قوم المثل دراهم، واشترى بها طعاماً، وتصدق به، وإن شاء صام عن كل مُد يوماً.
وفي الصيد الذي لا مثل له يُخير بين الإطعام والصيام في أصح الروايتين:

رواها أبو القاسم ابن بنت [أحمد بن] منيع في محرم قتل صيداً: يُكفر بما في القرآن، وكل شيء في القرآن (أو) فإنما هو تخيير.

الحديث: 186 - الجزء: 2 - الصفحة: 331

وكذلك نقل الميموني عنه في قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ [المائدة: 95]: فهو في هذا مُخير.
وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي.
وفيه رواية أخرى: أنه على الترتيب؛ إن لم يجد الهدي اشترى طعاماً، فإن كان معسراً -ولم يقدر على القيمة- صام.
رواها عنه بكر بن محمد، عن أبيه، عنه، فقال في الفدية: وهو بالخيار، ومن قتل الصيد لا يكون بالخيار، عليه جزاء الصيد، لا يجزئه إلا العدل، ليس هو مُخير في الهدي والصوم والصدقة.
وكذلك روى الأثرم عنه: وقد سُئل: هل يطعم في جزاء الصيد؟ فقال: لا، إنما جُعل الطعام ليعلم الصيام؛ لأن من قدر على الطعام قدر على الذبح.
وبهذا قال زفر، وحكي عن الشافعي في القديم، وروي ذلك عن ابن عباس وابن سيرين.
وجه الدلالة: قوله تعالى:: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ﴾ [المائدة: 95].
وحقيقة (أو) للتخيير؛ قال تعالى:: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89].
وقال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍأَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]. عُقل من ظاهره التخيير، كذلك هذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 332

فإن قيل: قد يرد (أو)، ويراد به الترتيب، قال تعالى: ﴿أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33].
قيل له: حقيقته التخيير، ولا يُحمل على الترتيب إلا بدلالة، ألا ترى أنه قد يرد -أيضاً- بمعنى الواو، وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147]. ومعناه: ويزيدون.
وقال الشاعر: فلو أن البكاء يرد شيئاً بكيت على زياد أو عناق على البرين إذ مضيا جميعاً لشأنهما بحزن واحتراق معناه: زياد وعناق.
إلا أنه يُحمل على معنى الواو إلا بدليل.
ولأن هذه كفارة واردة بلفظ التخيير، فهي ككفارة اليمين وفدية الأذى.

الجزء: 2 - الصفحة: 333

فإن قيل: لا نسلم لكم: أنها ورادة بلفظ التخيير.
قيل له: نعني به: أنه ذكر فيها (أو).
ولأن هذه كفارة تتعلق بالإحرام فيها أجناس، فوجب أن يكون فيها التخيير.
دليله: كفارة الأذى.
ولأنه حق لزمه بإتلاف هو ممنوع منه لحرمة الإحرام، فوجب أن يكون على التخيير.
دليله: كفارة الخلاف.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "في الضبع شاة"، ولم يُخير.
والجواب: أن هذا الخبر قُصد به بيان المقدار، ولم يُقصد به التخيير، أو الترتيب.
واحتج المخالف بأن هذه كفارة يتعلق وجوبها بالقتل، أشبه كفارة القتل.
والجواب: أن كفارة القتل وردت مرتبة، وهذه وردت بلفظ التخيير، وهي بمنزلة كفارة اليمين وفدية الأذى.
ولأن كفارة القتل مبنية على التغليظ، [وهذه مبنية على التخفيف] بدليل اختلافها بصغر المقتول وكبره، فكانت على التخيير.

الجزء: 2 - الصفحة: 334

187 -

مسألة

الصوم عن كل مُد بُر يوماً، وعن كل نصف صاع تمراً وشعيراً يوماً:

نص على هذا في رواية الأثرم في الفدية، فقال: إن أطعم بُراً فمُد لكل مسكين، وإن أطعم تمراً فنصف صاع لكل مسكين.
وقد أطلق القول في رواية حنبل وابن منصور: يصوم عن كل نصف صاع يوماً، وهذا محمول على التمر والشعير.
وقال أبو حنيفة: يصوم عن كل نصف صاع يوماً؛ عن البر والشعير والتمر.
وقال مالك والشافعي: يصوم عن كل مُد يوماً؛ من التمر والبر والشعير.
وقد تقدم الكلام في ذلك في فدية الأذى.
دليلنا: أن من أصلنا: أن لكل مسكين مداً من بُر، أو نصف صاع تمر أو شعير يوماً.
وقد دللنا على أن [هذا] الأصل فيما تقدم، ونذكره في باب الكفارات، إن شاء الله.
وذهب المخالف إلى أنه يحتاج في هذا الموضع إلى تقدير الطعام لكل مسكين، فوجب تقديره بنصف صاع.
دليله: فدية الأذى.

الحديث: 187 - الجزء: 2 - الصفحة: 335

والجواب: أنه لا فرق بين فدية الأذى وبين مسألتنا في ذلك.

  • ... * ... *

188 -

مسألة

إذا اصطاد الحلال صيداً للمحرم لم يجز للمحرم أكله؛ سواء اصطاده بعلمه، أو بغير علمه:

نص على هذا في رواية عبد الله، فقال: إذا أصيد الصيد من أجله لم يأكله المحرم، ولا بأس أن يأكل من الصيد إذا لم يُصد من أجله، إذا اصطاده الحلال.
وكذلك نقل أبو طالب عنه، فقال: إذا اصطادوه له لم يأكله، مثل حديث عثمان.
وكذلك نقل حنبل، وابن منصور، والمروذي.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز للمحرم أكله إذا لم تكن منه دلالة عليه، أو إشارة إليه.
دليلنا: ما روى أحمد، وذكره عبد الله في "مسائله" بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "كلوا لحم الصيد، وأنتم حرم،

الحديث: 188 - الجزء: 2 - الصفحة: 336

ما لم تصيدوه، أو يصد لكم".
وروى -أيضاً- بإسناده في لفظ آخر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "صيد البر لكم حلال، وأنتم حرم، ما لم تصيدوه، أو يُصد لكم".
فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد به: ما لم تشيروا إليه، أو تدلوا عليه، فيصاد لكم.
قيل له: الإشارة والدلالة غير مذكورة في الخبر، فلا يجوز إثباتها إلا بدلالة.
وعلى أن تحريم الدلالة والإشارة قد استفيدت بقوله: "ما لم تصيدوه"، وبالإشارة والدلالة يُضاف إليه الصيد.
وروى أحمد بإسناده عن سعيد بن المسيب: أن عثمان بن عفان أتى بقطا مذبوح، وهو محرم، فأمر أصحابه أن يأكلوه، ولم يأكل هو، وقال: إنما صيد لي.
وكان علي يكره ذلك على كل حال.

الجزء: 2 - الصفحة: 337

وروى بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه قال: ما صيد، وأنت محرم، فلا تأكله.
وروى حنبل بإسناده عن أبي قتادة قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلّم زمن الحديبية، فأحرم أصحابي، ولم أحرم، فرأيت حماراً، فحملت عليه، فاصطدته، فذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، وذكرت أني لم أكن أحرمت، و [إني] إنما اصطدته، فأمر أصحابه فأكلوا، ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له.
والقياس: أنه صيد لأجله، فحرم عليه أكله.
دليله: إذا أشار إليه، أو دل عليه من صاده.
وقد قيل: إن الأمر بالاصطياد له ونية المأمور أن يصطاد له أقوى من الدلالة عليه؛ لأن الدلالة لا تنقل الملك بحال، والأمر ونية المأمور ينقلان الملك؛ لأن من أمر غيره بشراء سلعة، فاشتراها له، ملكها الآمر.
وهذا لا يسلمه المخالف؛ لأن أبا بكر الرازي قال: إذا أمره [أن] يصيد له جاز له أكله إذا لم تكن منه إشارة، والمعتمد في المسألة على السُّنة.

الجزء: 2 - الصفحة: 338

واحتج المخالف بما روى مالك، عن أبي النضر، عن نافع مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة: أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلّم حتى إذا كا ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً، فاستوى على فرسه، ثم سأل أصحابه أن يناولوه سوطه، فأبوا [عليه]، فسألهم رمحه، فأبوا، فأخذه، ثم شد على الحمار، فقتله، ثم أكل منه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم، وأبى بعضهم، فلما أدركوا النبي صلى الله عليه وسلّم سألوه عن ذلك، فقال: "هل أشرتم؟ هل أعنتم؟ " قالوا: لا، قال: "فكلوا".
فأباح لهم أكله إن لم يكونوا أشاروا، ولم يُفرق بين أن يكون قد اصطيد لهم، أو لغيرهم.
والجواب: أن أبا قتادة اصطاده لنفسه، وما اصطاده الحلال لنفسه لم يحرم على المحرم أكله إلا بالدلالة والمعرفة.
واحتج بما روى طلحة بن عبيد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلّم سُئل عن الحلال يصطاد الصيد؛ أيأكله المحرم؟ قال: "نعم".
ولم يفرق بين ما صيد له أو للحلال.
والجواب: أنه محمول على أنه صاده الحلال لنفسه.
واحتج بما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلّم مر بالروحاء، فإذا هو بحمار وحش

الجزء: 2 - الصفحة: 339

عقير فيه سهم قد مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "دعوه حتى يجئ صاحبه"، فجاء رجل من بهز، فقال: يا رسول الله! هذه رميتي، فكلوه.
فأمر أبا بكر أن يقسمه بين الرفاق.
وهم محرمون، ولم يفرق.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن الصيد مُذكى، ولم يوجد منه دلالة عليه، ولا إشارة إليه، فوجب أن يجوز أكله، كما لو قتله الحلال لنفسه.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لم يوجد من المحرم فيه سبب، ولا من الصائد نية لكون الصيد له، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الصائد نوى أن يكون الصيد للمحرم.
ولأن المعنى في الأصل: أنه لا تعلق للمحرم [به]، فلهذا لم يحرم عليه، وهذا صيد له به تعلق، فحرم عليه، كالإشارة والدلالة.

  • ... * ... *

189 -

مسألة

إذا قتل المحرم صيداً، ثم أكل منه، لم يلزمه للأكل شيء:

نص عليه في رواية ابن منصور، فقال: إذا قتل المحرم الصيد، ثم أكله، فكفَّارة واحدة.

الحديث: 189 - الجزء: 2 - الصفحة: 340

وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليه حرام ما أكل.
دليلنا: أنه ضمنهه بإتلافه، فلا يضمنه بأكله.
أصله: إذا قتل الحلال صيداً في الحرم، ثم أكله، أو كسر بيضة من الصيد، ثم أكلها، أو قطع شجر الحرم، وانتفع به؛ فإنه لا يضمنه بالانتفاع، كذلك هاهنا.
فإن قيل: هذا يبطل بمن ذبح شاة غيره، ثم أكلها.
قيل له: لا يلزم؛ لأنه لم يضمنها، وإنما ضمن ما أتلف منها.
فإن قيل: إنما لم يضمن صيد الحرم؛ لأنه غير محرم عليه أكله، وكذلك بيض الصيد.
قيل له: لا نسلم هذا؛ لأن الحلال إذا قتل صيداً في الحرم حَرُم عليه أكله، كما يحرم على المحرم، وكذلك بيض الصيد إذا كسره يحرم عليه أكله، وكذلك شجر الحرم إذا قطعه، فلا فرق بينهما.
وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: وقد سئل: هل يؤكل الصيد في الحرم؟ فقال: إذا ذُبح في الحل.
فظاهر هذا أنه لا يؤكل إذا ذُبح في الحرم.

الجزء: 2 - الصفحة: 341

فإن قيل: ضمان صيد الحرم يجري مجرى ضمان الأموال، فإذا ضُمن من وجه آخر، ألا ترى أن الحلالين إذا قتلا صيداً في الحرم لزمهما جميعاً جزاء واحد، وما يضمن أحدُهما يسقط ضمانه عن الآخر، كما لو استهلكا مالاً لآدمي؟ فإذا كان كذلك، وقد ضمن جزاء الصيد، لم يلزمه ضمانه بأكلة أخرى.
وليس كذلك ضمان الصيد الذي يقتله المحرم؛ لأنه يجوز أن يُضمن من وجهين، ألا ترى أن محرمين لو قتلا صيداً لزم كل واحد منهما جزاء كامل، وما يضمنه أحدهما لا يسقط ضمانه عن الآخر؟ فإذا كان كذلك، لم يمتنع في مسألتنا أن يضمنه مرتين؛ مرة بالقتل، ومرة بالأكل.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل نقول في ضمان الصيد في حق المحرم: يضمن من وجه واحد، وأن اثنين لو اشتركا لم يلزمهما إلا جزاء واحد، كصيد الحرم سواء، ويجري الضمان فيهما مجرى ضمان الأموال سواء.
فإن قيل: ضمان البيض يتعلق على المحرم بإتلاف المعنى الذي يتولد منه الصيد في الثاني بدلالة: أن البيضة لو كانت مذرة لم يجب عليه جزاؤها بالكسر، يبطل ذلك المعنى، ويضمن، فإذا أكلها بعد

الجزء: 2 - الصفحة: 342

ذلك، فلم يتلف منها بالأكل ما يتعلق به الضمان.
وكذلك شجر الحرم يتعلق ضمانه بإخراجه عن حد الثمر، ألا ترى أن الشجرة لو كانت يابسة لم يتعلق بقطعها شيء؟ وبالقطع تخرج عن حد الثمر، فإذا انتفع به بعد ذلك، فلم يتلف ما يتعلق به الضمان، وليس كذلك الصيد؛ لأن ضمانه غير مقصور على إتلاف حياته، وإنما يتعلق بإتلاف هذه الأجزاء الموجودة، ألا ترى أنه لو نتف ريشه، أو كسر قرنه، لضمنه، وإن لم يقتله؟ فدل على أن كل جزء منه مضمون؛ سواء كان في إتلافه إتلاف حياة، أو لم يكن.
فإن كان كذلك، وجب إذا أتلف جزءاً منه بالأكل أن يضمن.
قيل له: هذا يبطل بصيد الحرم؛ فإن جزاءه غير مقصور على إتلاف حياته، ومع هذا، فلا ضمان عليه بأكل لحمه.
وكذلك شاة الغير إذا قتلها؛ فإن ضمانها غير مقصور على إتلاف حياتها، ومع هذا، فلا ضمان عليه بأكل اللحم، كذلك هاهنا.
وقياس آخر، وهو: أنه أكل الميتة، فلا يجب عليه الضمان، كما لو أكل من لحم ميتة أخرى.
فإن قيل: إنما يجب عليه ضمان ما أكل من ميتة أخرى؛ لأنها ليست بدلاً عن شيء وجب عليه إخراجه من ماله حتى يصير بأكلها كالعائد فيما ضمنه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الصيد المقتول بدل

الجزء: 2 - الصفحة: 343

عن الجزاء الذي أخرجه عن ملكه، فإذا أكله صار كالعائد فيما أخرجه.
قيل له: هذا يبطل بما تقدم من صيد الحرم؛ فإن له بدلاً، وإذا أكله لم يصر عائداً فيما أخرجه، وكذلك أكل البيضة، والانتفاع بالغصن، وأكل لحم شاة الغير إذا قلتها.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله: ﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِي﴾ [المائدة: 95]؛ يعني: بما لزمه من إخراج الجزاء، فلو لم يجب عليه جزاء ما أكل، لم يكن ذائقاً وبال أمره؛ لأنه قد حصل له منه بإزاء ما أخرجه عن ملكه.
والجواب: أن الوبال هو الثقل والشدة، ومن اصطاد صيداً، وقتله، وأوجبنا عليه الضمان، ثقل عليه ذلك، واشتد، فقد ذاق وبال أمره، ولا سيما إذا كان يعتقد أن الصيد من كسبه، وأنه يأكل كسبه، فإذا أوجبنا عليه ضمان الجملة، فقد وجد معنى الوبال.
وعلى أن عندنا الجزاء أكثر من القيمة؛ لأن الحمامة تُضمن بالشاة، والنعامة بالبدنة، ومعلوم أن الحمامة لا تساوي شاة، ولا النعامة بدنة، فهو ذائق وبال أمره، وإن لم نوجب عليه الجزاء بالأكل.
واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "هل أشرتم؟ هل أعنتم؟ " قالوا: لا.
قال: "فكلوا".

الجزء: 2 - الصفحة: 344

فمنع من الأكل لأجل الإشارة، ومعلوم أن الإشارة لا تمنع جواز الذكاة، فعُلم أنه إنما منع من أكله؛ لأن المشير يلزمه الجزاء، فيصير بأكله كالعائد في الجزاء، فدل على وجوب جزاء ما أكله.
والجواب: أنه إنما منع ذلك لأجل الإشارة؛ لأن له تعلقاً بقتل الصيد، ولهذا نقول: لو صيد لأجله حرم عليه أكله؛ لأن له به تعلقاً.
فأما أن يكون المنع لما ذكر من أنه يصير بأكله كالعائد، فلا.
واحتج بأنه مُحرم عليه أكله، فوجب أن يضمن.
دليله: لو أكل من جزاء الصيد.
قالوا: ولا يلزم عليه صيد الحرم؛ لأنه غير مُحرم عليه أكله عندنا.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يضمن ما يأكله من الإحرام، ولا يضمن ما يأكله من لحم الصيد، بدليل صيد الحرم؛ لو أكل من جزائه ضمنه، ولو أكل من لحمه ضمنه، وكذلك بدل جزاء البيضة، والشجرة، وشاة الغير.
واحتج بأن الأكل فعل حرمه الإحرام، فوجب أن يتعلق به الجزاء، كالقتل.
والجواب: أن الأكل حرم عليه لكونه ميتة، لا لكونه محرماً، يدل عليه أنه مُحرم على غيره من المحرمين والمحلين لكونه ميتة عندنا.
وعلى أنا لو سلمنا ذلك، وأن المنع قائم بعد إتلافه، لم يتعلق به

الجزء: 2 - الصفحة: 345

الضمان، كما نقول في من أتلف شاة الغير: فإنه ممنوع من إتلاف جلدها عليه، ولو أتلفها لم يجب عليه الضمان؛ لكونه ميتة لا قيمة له، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه لو لم يضمنه، لكان راجعاً في الجزاء.
والجواب: أنه يبطل بما ذكرنا من صيد الحرم، والبيض، شجر الحرم، وشاة الغير؛ فإنه لا يضمن بالتصرف، ولا يؤدي ذلك إلى الرجوع في الجزاء.

  • ... * ... *

190 -

مسألة

فإن أكل المحرم من لحم صيد صيد لأجله، وجب عليه الجزاء:

وللشافعي قولان؛ أصحهما: لا جزاء عليه.
دليلنا: أنه إتلاف ممنوع منه لحرمة الإحرام، فتعلق به الجزاء.
دليله: لو قتل الصيد.
ويبين صحة هذا: أن هذا الصيد مباح أكله لغيره من المحرمين والمحلين، وإنما هو حرام في حق من صيد لأجله، فعُلم أن تحريمه لحرمة الإحرام.
واحتج المخالف بأنه إتلاف لحم صيد، فلا يلزمه، كما لو أكل

الحديث: 190 - الجزء: 2 - الصفحة: 346

لحم الصيد الذي قتله، وكما لو أحرقه بالنار.
والجواب عن لحم الصيد الذي قتله: فإنما لم يضمنه؛ لأن المنع لأجل الإحرام، والمنع هاهنا لحرمة الإحرام.
وأما إذا أحرقه بالنار، فلا نعرف الرواية فيه.
وعلى أنا لو سلمنا ذلك، فلا يمتنع أن لا يضمنه إذا حرقه، ويضمنه إذا أكله، كالطيب إذا حرقه لم يضمنه، ولو تطيب به ضمنه.
وعلى أنه إذا حرقه، فلم ينتفع به، وإذا أكله، فقد انتفع به.

  • ... * ... *

191 -

مسألة

إذا اضطُر المحرم إلى ميتة وصيد أكل الميتة، ولم يأكل الصيد:

نص عليه في رواية أبي داود، وعبد الله، وحنبل، وحرب.
وهو قول أبو حنيفة ومالك.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: يذبح الصيد، ويأكله، وعليه جزاؤه.
دليلنا: أنه ثبت عندنا: أن الصيد الذي يذبحه المحرم ميتة لا تؤكل في [غير] حال الضرورة، وكما لا تؤكل ميتة أخرى، فإذا اضطر إليهما

الحديث: 191 - الجزء: 2 - الصفحة: 347

وجب أن يختار أكل الميتة على قتل الصيد وأكله؛ لأن الحظر في قتل الصيد يحصل من وجوه: أحدهما: أخذه.
والثاني: قتله.
والثالث: أكله.
وكل واحد من ذلك محظور في غير حال الضرورة، وليس في أكل الميتة حظر إلا من وجه واحد على وجوه، فيأكل الميتة، ويترك قتل الصيد.
فإن قيل: هذا يبطل ببيض الصيد، وهو ممنوع من كسره وأكله، ثم يجوز له أكله، ويترك الميتة.
قيل: لا نعرف هذا عن أصحابنا.
فإن قيل: القتل يفعله بعوض، وهو الفدية، وتجوز استباحة ما حرم عليه بالفدية، كاللبس.
قيل: لأنه مضطر إلى ذلك، وهذا غير مضطر لوجود الميتة.
فإن قيل: فما تقولون إذا اضطر المحرم إلى أكل ميتة، وصيد ذبحه محرم؛ أيهما يأكل؟ قيل له: يأكل ذبيحة المحرم، ويترك الميتة؛ لأنه لا يحتاج إلى أن يفعل في الصيد غير الأكل، وهو أخف حكماً من الميتة؛ لأن من الناس من يقول: إنه مذكَّى.

الجزء: 2 - الصفحة: 348

واحتج المخالف بأن الصيد أيسر حالاً من الميتة؛ لأن من الناس من يقول: إنه مذكى، وإن أكله مباح، والميتة متفق على تحريمها، فيجب أن يعدل عنها إلى ما هو أيسر حالاً منها.
والجواب: أنا قد بينا: أن الحظر متعلق بالصيد من وجوه، ويأكل الميتة من وجه آخر، فكيف يكون الصيج أيسر حالاً منها؟!

  • ... * ... *

192 -

مسألة

إذا ذبح المحرم صيداً، فهو ميتة لا يحل أكله:

نص عليه في رواية حنبل، فقال: إذا ذبح المحرم [صيداً] لم يأكله حلال، ولا حرام، وهو بمنزلة الميتة.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم.
وقال أبو بكر في تعليق البرمكي عنه: إذا أبان المحرم صيداً، فاصطاده حلال، فعلى المحرم الجزاء، ولا يأكل الحلال ولا المحرم من الصيد؛ لأنه في حكم الميتة.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: هو مباح.

الحديث: 192 - الجزء: 2 - الصفحة: 349

دليلنا: أنه ممنوع من ذبحه من جهة الدين لمعنى فيه، أشبه ذبيحة المجوسي والمرتد.
وإن شئت قلت: إنه محرم عليه ذبحه لحق الله -تعالى- لمعنى فيه، أشبه ما ذكرنا.
ولا يلزم عليه إذا ذبح شاة غيره بغير إذن صاحبها؛ أنها تؤكل على اختلاف أصحابنا؛ لأنه ممنوع من ذبحها لحق الآدمي، ألا ترى لو أنه لو أذن له صاحبها في ذبحها زال المنع؟ وليس كذلك هاهنا؛ لأن المنع لحق الله تعالى، ألا ترى أن المنع لا يرتفع بإباحة الآدمي؟ ولا يلزم عليه إذا ذبح شاة من قفاها؛ أنه تؤكل؛ لأنه غير ممنوع من ذبحها، وإنما مُنع من قطع ما لا يحتاج إلى قطعه في صحة الذكاة، فصار مثل أن يذبحها ويجرحها من ظهرها.
على أنه إن قصد ذبحها من القفا لم يُبح أكلها، وإنما قال أصحابنا: إذا التوت عليه، فمرت السكين على القفا والمرى والودجين أكل.
ولا يلزم عليه إذا ذبحها بسكين من ذهب؛ لأنه مُنع من ذبحه لمعنى في غيره وفي الآية، فصار مثل أن ذبح شاة غيره.
ولا يلزم عليه إذا ساق هدياً إلى مكة، أو أوجب أضحية؛ أنه ممنوع من ذبحها، ومع هذا يجوز أكلها؛ لأنه غير مُحرم عليه ذبحها؛ لأن له أن يستبدل بها.

الجزء: 2 - الصفحة: 350

فإن قيل: لا تأثير لقولكم: (لمعنى فيه) في الأصل؛ لأن المجوسي إذا كان صغيراً لم يبلغ، فهو ممنوع من الذبح لكفر أبويه، وإذا ذبح لا يحل أكل ذبيحته.
قيل له: بل المنع هناك لمعنى فيه؛ لأنا حكمنا بكونه مجوسياً بأبويه، فصار المنع فيه، وهو الحكم بالمجوسية.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه ليس من أهل الذكاة لغير الصيد، فلم يكن من أهل الذكاة للصيد، والمحرم من أهل ذكاة غير الصيد، فكان من أهل ذكاته.
قيل له: المجوسي ممنوع من ذبح الصيد وغيره، فلم يكن من أهل الذكاة أكل ما مُنع من ذكاته، والمحرم ممنوع من ذكاة الصيد، فساوى المجوسي فيه، وغير ممنوع من ذكاة غير الصيد، فخالف حكمُه حكمَه.
وأيضاً لما لم يحل للذابح أكله، وجب أن لا يحل لغيره، كما لو ذبح شاة، ولم يفر الأوداج والحلقوم.
ولا تلزم عليه الدلالة؛ لأنها يحرم الأكل في حق الدال، ولا يحرمه في حق غيره؛ لأن الدلالة ليست بذبح.
فإن قيل: قد اختلف أصحابنا في ذلك؛ فمنهم من قال: يحل للمحرم أكله إذا تحلل.

الجزء: 2 - الصفحة: 351

قيل: فيكفي في الوصف تحريمه عليه في الحال.
فإن قيل: ينتقض بهدي التطوع إذا عطب قبل محله؛ فإنه يذبحه، ولا يحل له، ولا لرفقته، ويحل لغيرهم.
قيل له: إن كان الذابح فقيراً جاز له الأكل منه كغيره من الفقراء، وإنما يمنع إذا كان غنياً، كما يمنع غيره من الأغنياء.
فإن قيل: لا يمتنع أن يحرم أكل الصيد على واحد لوجود معنى فيه، ولا يحرم على غيره، كما أن المحرم إذا دل رجلاً على الصيد حرم على الدال، ولم يحرم على غيره.
قيل له: هذا الصيد حل للذابح ولغيره، وحرم على واحد، وهذا غير ممتنع، كما أن المذبوح يحرم على غير مالكه، ولا يحرم على سائر الناس لما حل للذابح.
وأيضاً فإن جرح الصيد يُفيد الملك والإباحة، فإذا كان المحرم لا يستفيد بجرحه أحد الحكمين، كذلك الآخر.
يبين صحة هذا: أن سبب الملك أوسع من سبب الإباحة؛ لأن ملك الصيج يثبت للمجوسي والمرتد، ولا تثبت لهما الإباحة، فإذا كان جرح المحرمم لا يفيد الملك، فلأن لا يفيد الإباحة أولى.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3].
والجواب: أن الذكاة اسم شرعي يثبت بحيث دلت الشريعة على حكمها، ونحن لا نسلم أن فعل المحرم ذكاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 352

واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "ما أنهر الدم، وفرى الأوداج، فكُل".
والجواب: أنا نخصه بحمله على غير موضع الخلاف.
واحتج بقوله عليه السلام: "الذكاة في الحلق واللبة".
والجواب: أن الخبر قُصد به بيان موضع الذكاة، وكذلك نقول، والخلاف في الذكاة، وقد بينا: أن هذا الفعل ليس بذكاة، وإن وقع في محلها.
واحتج بأن المحرم من أهل ذكاة الشاة، فوجب أن يكون من أهل ذكاة الصيد.
دليله: غير محرم.
والجواب: أنه غير ممنوع من ذبح الشاة، وهو ممنوع من ذبح الصيد من جهة الدين لمعنى فيه، فهو كالمجوسي.
ولأن غير المحرم تباح ذبيحته، فأبيحت لغيره، وليس كذلك

الجزء: 2 - الصفحة: 353

هاهنا؛ لأنها غير مباحة لذابحها، فلم تبح لغيره.
دليله: ما ذكرنا.
واحتج بأن المنع إذا كان لعارض يختص به بعض الحيوان لم يجعله ميتة، كالغاصب إذا ذبح الشاة المغصوبة.
وقولهم: (يختص به بعض الحيوان) يحترز به من المرتد.
والجواب: أن أبا بكر عبد العزيز من أصحابنا قال: لا تباح ذكاة الغاصب.
على أن المعنى في ذلك: أن المنع لحق آدمي، وهذا لحق الله -تعالى- لمعنى فيه، أشبه ما ذكرنا.
واحتج بأنه مسلم ذبح ما يُؤكل لحمه بآلة الذبح في محله، فوجب أن يحل أكله.
أصله: ذبيحة المحل.
والجواب عنه: ما تقدم من وجهين: أحدهما: أن المحل تباح الذبيحة في حقه.
والثاني: أن المحل غير ممنوع من الذكاة، وهذا بخلافه.
واحتج بأن المحرم إذا اضطر إلى أكل الصيد صحت ذكاته وذبيحته،

الجزء: 2 - الصفحة: 354

كذلك إذا لم يضطر.
والجواب: أنا لا نسلم أن هناك ذكاة.
وقد قال أحمد في رواية حنبل وابن إبراهيم في محرم ذبح صيداً: هو ميتة؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95]، فسماه قتلاً، فكل ما اصطاده المحرم، أو ذبحه، فإنما هو قتل قتله.
وهذا يقتضي أنه ميتة في جميع الأحوال.

  • ... * ... *

193 -

مسألة

فإذا ذبح المحل صيداً في الحرم لم يحل أكله، كالمحرم إذا ذبح صيداً:

وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: وقد سئل: يؤكل الصيد في الحرم؟ فقال: إذا ذُبح في الحل.
ونقل -أيضاً- عنه: إذا رماه في الحل [فتحامل، فدخل الحرم، يكره أكله.
وقال في رواية حنبل: وإن دخل الحرم]، فلا يصطاد، ولا أرى أن يُذبح إلا أن يُدخل مذبوحاً من خارج الحرم، فيأكله، ولا أرى أن

الحديث: 193 - الجزء: 2 - الصفحة: 355

يذبح في الحرم شيئاً من صيد الحل، ولا الحرم.
واختلف أصحاب أبي حنيفة: فقال أبو الحسن الكرخي مثل قولنا.
وقال غيره: هو مباح.
دليلنا: أن حرمة الحرم تمنع من قتل الصيد، فمنعت من ذكاته.
دليله: حرمة الإحرام.
ولأنها حرمة توجب الجزاء على قاتل الصيد، أشبهت حرمة الإحرام.
ولا يلزم عليه صيد المدينة؛ لأن أحمد قال في رواية حنبل: صيد المدينة حرام أكله، حرام صيده.
وهذا يدل على أنه لا تصح ذكاته.
وإن شئت قلت: حرمة تؤثر في زوال تملك الصيد، فأثرت في الذكاة، كالإحرام.
ولا يلزم عليه صيد المدينة إن قلنا: تصح ذكاته فيها؛ لأن تلك الحرمة لا تؤثر في زوال ملك الصيد؛ لأن أحمد قد قال في رواية الأثرم: وقد سئل عن الرجل يدخل المدينة بصيد؛ أيرسله؟ فقال: أما هذا فما سمعنا، ولكن لا يصيد بها.
فقد نص على أنه لا يلزمه رفع يده عن الصيد المملوك.
وقد نص في رواية الجماعة -منهم صالح، وحرب، وغيرهما-:

الجزء: 2 - الصفحة: 356

إذا دخل المحرم، ومعه صيد، يرسله.
واحتج المخالف بأن المنع من زكاته لمعنى في غير الذابح، وهو الحرم، فلم يحرم الذبح.
دليله: الغاصب.
ويفارق الإحرام؛ لأنه لمعنى فيه.
والجواب: أنه قد يكون ممنوعاً منه لكون الصيد في الحرم والصائد في الحل، فيكون هاهنا المعنى في غيره، كما لو قالوا: ويكون الصيد والصائد في الحرم، فيكون المعنى فيه؛ أعني: في الصائد، وهو كونه في الحرم.
فلم يصح هذا الفرق.
ثم المعنى في ذكاة الغاصب ما ذكرنا، وهو: أن المنع هناك لمعنى في الآدمي، ولهذا لو أذن فيه أُبيح، وهذا المعنى لحق الله تعالى، فهو كحرمة الإحرام.
واحتج بأنه ممنوع من ذبحه لمعنى في المكان، فلم يمنع من صحة الذكاة.
دليله: صيد المدينة.
والجواب: أنا قد بينا: أنه يحتمل أن نقول: لا يباح أكله.
ويحتمل أن يباح، ويكون الفرق بينهما: أن تلك الحرمة لا توجب زوال يده عن الصيد، وهذا بخلافه.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 357

194 -

مسألة

إذا دل المحرم حلالاً أو محرماً على صيد، فقتله، فعلى الدال الجزاء:

نص عليه في رواية ابن منصور وأبي الحارث وابن إبراهيم في محرم دل حلالاً على صيدٍ فقتله: فعلى المحرم الجزاء.
وقال في رواية أبي طالب: على الذي يشير جزاء، وعلى الذي يعين، وعلى الذي صاده.
وقال -أيضاً- في رواية عبد الله في محرم أشار إلى صيد: فإن قتل الصيد، فعلى المشير كفارة فدية، وغن كانوا جماعة محرمين، فكفارة واحدة، فإن كان الذي قتله ليس بمحرم، فليس عليه شيء.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي: لا شيء على الدال.
دليلنا: ما رُوي في حديث أبي قتادة: أنه رأى حمار وحش، فركب فرسه، وأخذ رمحه، وحمل عليه، وقتله، وجاء به إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم، وكانوا محرمين، وهو حلال، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلّم، فقال لهم: "هل أشرتم؟ هل أعنتم؟ " قالوا: لا.
قال: "فكلوا".
فوجه الدلالة: أنه سوى بين الإشارة والإعانة، ولا خلاف أن

الحديث: 194 - الجزء: 2 - الصفحة: 358

الإعانة توجب الجزاء، كذلك الإشارة.
فإن قيل: إنما سوى بينهما في تحريم أكل الصيد، ونحن نقول بذلك.
قيل له: سوى بينهما في الأمرين.
وأيضاً رُوي: أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب، فقال له: يا أمير المؤمنين! إني أشرت إلى ظبي، وأنا محرم، فقتله صاحبي، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ما ترى؟ قال: أرى عليه شاة.
قال: فأنا أرى ذلك.
وروى النجاد بإسناده عن عكرمة، عن علي وابن عباس في محرم أشار إلى بيض النعام: فجعل عليه الجزاء.
وروى بإسناده عن مجاهد قال: أتى رجل ابن عباس، فقال: إني أشرت إلى ظبي وأنا محرم، قال: فضمنه.
فهذا عن أربعة من الصحابة.
فإن قيل: فقد رُوي عن ابن عمر: لا جزاء على الدال.
قيل له: لا نعرف هذا، والمعروف عنه ما روى النجاد بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: لا يدل المحرم على صيد، ولا يشير إليه.
على أنه محمول على دلالة لم يتصل بها التلف.
وأيضاً الدلالة سبب يؤثر في تحريم أكل الصيد يختصه، فجاز أن يُضمن به، كالقتل، وحفر البئر، ونصب السكين، ونصب الشرك.

الجزء: 2 - الصفحة: 359

ولا يلزم عليه إذا اصطاد الحلال صيداً للمحرم؛ لأنه يؤثر في تحريم أكل الصيد، ويوجب الضمان على المحرم.
ولا يلزم عليه إذات مات الصيد حتف أنفه، أو لم يستوف شرائط الذكاة؛ لأن هذا السبب لا يختص بالصيد، ولأنه لو وُجد في غيره حرم.
ولا يلزم عليه إذا صال عليه الصيد، فقتله؛ أنه لا ضمان عليه على اختلاف أصحابنا، وإن كان تحريم أكله؛ لأن هذا السبب يجوز أن يتعلق به الضمان؛ لأنه مباشرة.
ولأنه سبب يتوصل إلى إتلاف الصيد، فجاز أن يتعلق به الجزاء، كالإمساك.
ولأنه لولا دلالته لما توصل الحلال إلى قتل الصيد، فصارت الدلالة سبباً في إتلافه، والصيد يُضمن بالأسباب، فوجب أن يتعلق عليه، كما لو حفر بئراً فوقع فيه، أو نصب شركاً فتعقل به؛ أنه يضمن.
ولهذا نقول: لو أن محرماً ما دفع إلى رجل قوساً، والرجل لا يقدر على أخذ الصيد إلا به، فأخذه: إن الدافع يضمن.
ولا يلزم عليه إذا اصطاد الحلال للمحرم؛ لأنا قلنا: لولا دلالته

الجزء: 2 - الصفحة: 360

لما توصَّل إلى قتل الصيد، وهناك يتوصل إلى قتله بغير تلك الدلالة.
فإن قيل: التحريم أعم من الضمان بدليل أنه إذا صيد لأجله حرم، ولا جزاء عليه، وكذلك إذا صال عليه الصيد، فقتله دفعاً، يحرم أكله، ولا جزاء، وكذلك إذا قتل شاة نفسه، حرمت عليه، ولا ضمان، وكذلك إذا قتل المحرم [صيداً] حرم على سائر الناس؛ لأجل قتل المحرم، ولا ضمان، كذلك هاهنا.
قيل: تحريم الميتة على سائر الناس لا يختص الصيد، وتحريم الدلالة على المحرم يختص الصيد، فهو كالقتل.
وأما سقوط الضمان عنه إذا صال عليه، ففيه خلاف بين أصحابنا؛ لأن ذلك القتل مباح، [فجاز أن يسقط الضمان، والدلالة هاهنا محرمة.
وأما إذا صيد لأجله فقد قلنا: إنه إذا أكل منه وجب عليه الفدية، فلا نسلمه.
ولو أسلم فلم يوجد من جهته سبب يختص بإتلاف الصيد، فلهذا لم يضمن.
فإن قيل: المعنى في الأصل -وهو حفر البئر، ونصب السكين، والقتل -: أنه يضمن بها المال، وليس كذلك الدلالة؛ لأنه لا يُضمن بها المال.

الجزء: 2 - الصفحة: 361

قيل له: الدلالة تُضمن بها الأموال بدلالة المودع إذا دل على الوديعة.
ولأن ضمان الصيد آكد من ضمان الأموال بدليل أنه لو حفر بئراً في ملكه، فوقع فيها صدي ضمنه، ولو وقعت فيها دابة لغيره لم يضمنها.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، فدل على أن من لم يقتل لا جزاء عليه.
والجواب: أنا نحمله على من قتل أو دل أو أشار.
واحتج بأن ما ضُمن بالإتلاف لم يُضمن بالدلالة.
دليله: الأموال والنفوس.
والجواب: أنه يبطل بالمودع إذا أتلف الوديعة ضمنها، ولو دل عليها من سرقها أو أتلفها ضمنها.
فإن قيل: الضمان هناك لم يتعلق بالدلالة، وإنما تغلظ بالتفريط في الحفظ؛ لأنه لو كان متعلقاً بالدلالة لكان لا يجب الضمان [إلا] بإتلاف المدلول عليه، كما لا يجب الجزاء على الدال إلا بإتلاف الصيد، وعندنا أنها لو تلفت بعد هذه الدلالة، وجب الضمان على المودع.
قيل: السؤال باقٍ، وذلك أن الدلالة قد جُعلت سبباً في التفريط في الحفظ، كالإخراج من الحرز، فيجب أن تُجعل سبباً في ضمان الصيد، كالإتلاف.

الجزء: 2 - الصفحة: 362

وقد قيل: إن المحرم لزمه حفظ الصيد من أفعاله المؤدية إلى تلفه، فإذا دل عليه لم يحفظه الحفظ الذي لزمه، فهو كالمودع الذي لزمه الحفظ من أفعاله وأفعال سائر الناس.
وجواب آخر، وهو: أن ضمان الصيد آكد من ضمان النفس والمال بدلالة أن محرماً لو أمسك صيداً، فقتله حلال أو محرم، ضمن الماسك، ولو أمسك رجلاً، فقتله آخر، لم يلزمه شيء.
وكذلك لو حفر بئراً في داره، فوقع فيها صيد، أو نصب شركاً، فتعقل به صيد، ضمن، ولو وقع فيها إنسان أو دابة لم يضمن.
وكذلك لو نفر صيداً حتى خرج من الحرم، وتلف، ضمنه، ولو أفزع عبداً، فأبق، لم يضمنه.
وكذلك لو قتل عبد نفسه لم يضمن، ولو قتل صيد نفسه ضمن.
فإذا كان ضمان الصيد آكد من ضمان النفس والمال، لم يمتنع أن يضمن الصيد بالدلالة، وإن لم يضمن بها النفس والمال.
فإن قيل: من أصحابنا من قال: لا يضمن الصيد بوقوعه في البئر في داره، ولا بنصب الشرك في داره، كما لا يضمن الأموال.
قيل له: ذكر أبو العباس بن القاص في "التلخيص": أنه يضمن، وقال: نص الشافعي عليه، فلا يُلتفت إلى قول من قال: لا ضمان.

الجزء: 2 - الصفحة: 363

ويبين صحة الفرق بين الآدمي والمال، وبين الصيد: أنه لو حبس حراً حتى مات، لم يضمنه، ولو حبس صيداً فمات، ضمنه.
وكذلك لو غصب طائراً، فماتت فراخه، لم يضمنه، ولو اصطاد المحرم طائراً، فتلفت فراخه، ضمنها، وبعضهم يحكي في ذلك وجهين.
فإن قيل: تأكُّد ضمان الصيد على ضمان الأموال والنفوس لا يوجب الفرق بينهما في الدلالة، ألا ترى أن ضمان الأموال آكد من ضمان الأحرار؛ لأن الأحرار مضمون بالجناية واليد جميعاً، ثم لا يوجب ذلك الفرق بينهما في الدلالة.
قيل له: الحر لا تثبت عليه اليد، ولو ثبت لضمن به، وملك الغير تثبت عليه اليد، فلهذا فرقنا بينهما في ضمان اليد.
فأما فيما اختلفنا فيه فإن الصيد ودابة الغير تثبت عليهما اليد، ثم لو وقع الصيد في بئر في داره ضمن، ولو وقعت دابة غيره لم يضمن.
واحتج بأنها دلالة على ما لا يلزمه حفظه، فلا تتعلق بها ضمانة.
دليله: سائر الأموال.
قالوا: ولا تلزم عليه الوديعة؛ لأن المودع يلزمه حفظ الوديعة، وفي الصيد لا يلزمه حفظه، وإنما يلزمه أن يجني عليه، ولا يثبت يده عليه.
والجواب عنه: ما تقدم من الفرق.
واحتج بأنها دلالة على محظور إحرامه، فلا تتعلق بها ضمانة.

الجزء: 2 - الصفحة: 364

دليله: إذا دل محرماً على طيب فاستعمله، أو مخيط فلبسه.
والجواب: أن الكفارة في الطيب واللباس لا تجب إلا بالاستمتاع، والدال غير متمتع، والصيد يضمن بالإتلاف كالأسباب المؤدية إليه، والدلالة سبب يفضي إلى الإتلاف.
ولأن الدال في مسألة الطيب والمخيط لا يتعلق به حكم يختص باستعماله، فلم تلزمه الكفارة، والدلالة في مسألة الصيد قد عاد إليه حكم يختص بالإتلاف، وهو تحريم الأكل، فلذلك تعلق به الضمان.
واحتج بأن السبب والمباشرة إذا اجتمعا، ولم يكن السبب مُلجئاً، تعلق الضمان بالمباشرة دون السبب.
دليله: إذا أميك رجل رجلاً، وقتله آخر، فإن الضمان يجب على القاتل دون الممسك، وإذا حفر رجل بئراً، فوقع فيه إنسان، فإن الضمان يجب على الحافر، فإن دفع رجل فيها رجلاً، وجب الضمان على الدافع دون الحافر.
والجواب: أنه يبطل به إذا أمسك المحرم الصيد، وقتله محرم آخر، فإن المسك سبب غير مُلجئٍ، ويضمن.
وكذلك إذا دل المودع على الوديعة، وسرقها اللص، وأتلفها، فالدلالة له سبب مُلجئ، وتتعلق به الضمانة.

الجزء: 2 - الصفحة: 365

وعلى أنا قد بينا: أن ضمان الصيد آكد من ضمان الأنفس من الوجه الذي ذكرنا.
واحتج بأنها دلالة لا يضمن بها المال، ولا يضمن بها الصيد.
دليله: الدلالة الظاهرة، وهو أن يسير إلى ما يراه، ويدله على ما يبصره.
والجواب: أن تلك الدلالة لا تختص بإتلاف الصيد، وليس كذلك الخفية، [فلذلك] يضمن بها.

  • ... * ... *

195 -

مسألة

فإن دل مُحل حلالاً على صيد في الحرم، فعلى الدال، والقاتل الجزاء:

نص على هذا في رواية الأثرم في حلال دل حراماً على صيد في الحرم: يكفر الحلال.
فقيل له: يكون على الحلال؟ قال: هذا في الحرم.
فقيل له: كفارتان؟ قال: لا، كفارة واحدة.
وقال أبو حنيفة: إن كان المدلول ممن يجب عليه الجزاء، لم يجب الجزاء على الدال، ووجب على القاتل، وإن كان ممن لا يجب عليه الجزاء، كالصبي والكافر، وجب الجزاء على الدال.

الحديث: 195 - الجزء: 2 - الصفحة: 366

رواه الحسن بن زياد عن أبي يوسف، ولم يحكِ خلافاً.
دليلنا: أنه صيد يُضمن بالجزاء، قضُمن بالدلالة.
دليله: الصيد في حق المحرم.
ولا يلزم عليه صيد المدينة؛ لأنا لا نعرف الرواية في ذلك، ولا يمتنع أن نقول فيه ما نقول في صيد الحرم.
وإن شئت قلت: حرمة توجب رفع يده عن الصيد، فأوجبت الضمان بالدلالة.
دليله: حرمة الإحرام.
ولا يلزم صيد المدينة؛ لأنه لا يوجب رفع يده عن الصيد من الوجه الذي ذكرنا.
فإن قيل: ضمان صيد الحرم يجري مجرى ضمان الأموال، بدلالة أن رجلين لو قتلا صيداً في الحرم ضمن كل واحد منهما نصف قيمته، كما لو أتلف ثوباً وجب على كل واحد منهما نصف قيمته.
ولأنه لا مدخل للصوم فيه، كما لا مدخل له في ضمان الأموال، ولا يُجزئ عنه الهدي إلا أن تكون قيمته مذبوحاً حين تصدق به مثل قيمة الصيد، فإن نقص عنه أدى الأفضل.
فإذا ثبت أن ضمانه يجري مجرى ضمان الأموال، وقد ثبت أن

الجزء: 2 - الصفحة: 367

المال لا يُضمن بالدلالة، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن ضمانه مخالف لضمان الأموال، فجاز أن يُضمن بالدلالة، وإن لم تُضمن بها الأموال.
ونقل -أيضاً- عنه: إذا رماه في الحل [فتحامل، فدخل الحرم، يكره أكله.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل نقول: ضمان صيد الحرم والإحرام يجريان مجرى واحداً، فإذا اشترك الاثنان في قتل صيد الحرم والإحرام، لزمهما جزاء واحد، ويجزئ عنه الهدي، كصيد الإحرام، وللصيام مدخل فيه، كصيد الإحرام، فلا فرق بينهما.
وقد نص أحمد في رواية الأثرم في صيد الحرم: أن جزاءً واحداً على الدال والقاتل.
وقد نص على أن للصيام مدخلاً فيه، ويأتي ذكره.
وأيضاً فإنه يُضمن بما يضمن به المحرم الصيد بدلالة أنه لو حفر بئراً في داره من الحرم؛ ليقع فيها صيد، أو نصب شركاً، فوقع في البئر صيد، أو تعقل بالشرك صيد، ضمنه بالجزاء كما يضمن المحرم ذلك.
ثم ثبت أن المحرم يضمن الصيد بالدلالة، كذلك الصيد في الحرم.
فنقول: صيد يُضمن بحفر البئر ونصب الشرك في ملكه، فضُمن بالدلالة.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: إنما حكم الإشارة والدلالة وحكم حفر البئر ونصب الشرك في صيد الحرم؛ لأنه إذا دل حلال حلالاً على صيد في الحرم، فقتله، وجب على غير الدال الجزاء، وهو القاتل، وصيد الحرم إذا ضمن

الجزء: 2 - الصفحة: 368

من وجه لا يُضمن من وجه آخر؛ لأنه يجري مجرى ضمان الأموال.
وأما حفر البئر ونصب الشرك فلم يجب على غيره ضمان، وقد فعل السبب، وهو مما يُضمن بالأسباب، فوجب أن يضمن.
قالوا: ولهذا نقول: لو دل صبياً أو ذمياً على صيد الحرم، فقتله، وجب على الدال الجزاء؛ لأنه لم يجب على غيره ضمان.
قيل له: قولك: (إن صيج الحرم إذا ضُمن من وجه لا يُضمن من وجه آخر)، وصيد المحرم إذا ضُمن من ضُمن من وجه آخر، فلا فرق بينهما عندنا؛ فإن كل واحد منهما يُضمن بما ضمن الآخر، فإن اشترك نفسان في صيد الحرم، أو محرمان في صيد في الحل، فعليهما جزاء واحد.
وأيضاً كل صيد ضُمن بالدلالة إذا لم يتعلق على غيره ضمان، وهو دلالة الذمي، ضُمن بالدلالة، وإن تعلق على غيره ضمان.
دليله: الصيد في حق المحرم.
ولأنه دل على صيد في الحرم، فتعلق عليه الضمان.
دليله: إذا دل صبياً أو ذمياً.
ولأن دلالته صارت سبباً في إتلاف الصيد، فوجب أن يضمن، كما لو حفر بئراً، فوقع بها صيد، أو نصب شركاً، فتعقل فيه، وكالمحرم إذا دل حلالاً أو محرماً على صيد.

الجزء: 2 - الصفحة: 369

واحتج المخالف بأن ضمان صيد الحرم يجري مجرى ضمان الأموال بدلالة أن النهي عن إتلافه تعلق بمعنى في غيره، كالنهي عن إتلاف مال الغير.
ولأن حلالاً لو أخرج صيداً من الحرم لم يبرأ من ضمانه إلا برده إليه، كما لا يبرأ الغاصب إلا برد المغصوب إلى صاحبه.
ولو أرسله في الحل، ثم علم بوصوله إلى الحرم برئ، كما لو علم بوصول المغصوب إلى يد مالكه.
وإذا قتل الحلالان صيداً في الحرم، لزم كل واحد منهما نصف قيمته، ولا مدخل للصوم فيه، كما لا مدخل للصوم في ضمان الآدميين، ولا يُجزئ عنه الهدي إلا أن تكون قيمته مذبوحاً حين تصدق به مثل قيمة الصيد.
وقد ثبت أن الدلالة على مال الغير لا تضمن، كذلك على الصيد في الحرم.
والجواب: أنا قد بينا: أن ضمانه يجري مجرى ضمان الصيد في حق المحرم بدليل: أنه يُضمن بالأسباب التي يُضمن بها في حق المحرم، وإن لم يضمن بالأموال من حفر البئر في ملكه، ونصب الشرك، وإن دل

الجزء: 2 - الصفحة: 370

عليه من لا يتعلق به الضمان، كالصبي والذمي، وهذا كله يفارق به ضمان الأموال، ويشابه ضمان الصيد.
وما ذكروه من أنه يُضمن بمعنى في غيره، فليس بصحيح؛ لأن ضمانه لحق الله تعالى، كما أن ضمان الصيد في حق المحرم لحق الله.
ولأنه لا فرق بين أن يكون القاتل في الحل، والصيد في الحرم، وبين أن يكون القاتل والصيد جميعاً في الحرم في إيجاب الضمان، وإن علمنا أن الضمان هاهنا لمعنى فيه، وهو كونه في الحرم.
وقولهم: إنه لو أخرج صيداً من الحرم لم يبرأ من ضمانه إلا برده إليه، أو يرسله فيعلم وصوله إليه، فهذا المعنى موجود في صيد المحرم؛ فإنه لا يبرأ إلا بإرساله، ولحاقه بالوحش، فيرده إلى الحالة التي كان عليها أولاً.
وقولهم: إذا قتلا صيداً لزم كل واحد منهما نصف الجزاء، وكذلك نقول في صيد المحرم.
وقولهم: لا مدخل للصوم فيه، فلا نسلم ذلك، بل الصوم له مدخل عندنا، ويُضمن بالهدي.

  • ... * ... *

196 -

مسألة

صيد الحرم مضمون على الصبي والذمي:

وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليهما.

الحديث: 196 - الجزء: 2 - الصفحة: 371

دليلنا: ما تقدم من أن صيد الحرم يجري مجرى ضمان الأموال، وقد ثبت أنهما يضمنان ما يتلفان من الأموال، كذلك هاهنا.

  • ... * ... *

197 -

مسألة

إذا اشترك جماعة مُحرمون في قتل صيد فعليهم جزاء واحد:

نص عليه في رواية ابن القاسم، وسندي، وبكر بن محمد.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: على كل واحد منهم جزاء.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95].
ومنها دليلان: أحدهما: أنه علق وجوب الجزاء بشرط، وهو قتل الصيد، والجماعة إذا قتلوا صيداً، فالقتل وجد من جماعتهم، ولم يوجد من كل واحد منهم، فلزم جماعتهم جزاء المثل، وهذا كما يقول القائل: من جاء بعبدي فله درهم، فجاء به جماعة، فإنهم يستحقوم الدرهم بينهم؛ لأن الشرط وُجد من جماعتهم، ولا يستحق كل واحد منهما درهماً؛ لأن

الحديث: 197 - الجزء: 2 - الصفحة: 372

الشرط لم يوجد منه على الانفراد.
فإن قيل: إذا قتل الجماعة، فكل واحد منهم قاتل، فالشرط موجود منه على الانفراد، ألا ترى أن جماعة قتلوا رجلاً عمداً، وجب على كل واحد منهم القصاص؟ فلولا أن كل واحد منهم قد قتله، لما جاز أم يُقتل به.
قيل له: لا نقول: إن كل واحد من الجماعة قاتل على الانفراد؛ لأن القتل هو الفعل الذي يؤدي إلى خروج الروح، وهذا فعل الجماعة، وليس فعل كل واحد منهم.
ويبين صحة هذا: أنه يلزم جماعتهم دية واحدة، ولو كان كل واحد منهم قاتلاً على الانفراد للزمته دية كاملة، وإنما أوجبنا القصاص على جماعتهم؛ لأنه مما لا يتبعض، فكمل البعض، كما يُكمل ما لا يتبعض من الطلاق وغيره، ألا ترى أن ما يتبعض -وهو الدية- لم يُكمل، بل لزمهم بالحصص، كذلك هاهنا؛ لما كان الجزاء مما يتبعض، يجب أن يتجزأ، ولا يُكمل.
والدلالة الثانية: قوله: ﴿وَمَن قَتَلَهُ﴾، ولفظه (من) تنتظم الواحد والجماعة، فاقتضى ظاهر الآية: أن الواحد إذا قتل صيداً لزمه جزاء مثله، وأن الجماعة إذا قتلت صيداً لزمهم جزاء مثله؛ لأن اللفظ يتناول الجميع على حد واحد.

الجزء: 2 - الصفحة: 373

فإن قيل: قوله: ﴿وَمَن﴾ يتناول كل واحد على الانفراد، ألا ترى أنه لو قال: من دخل هذه الدار فله درهم، فدخلها واحد استحق درهماً، ولو دخلها جماعة استحق كل واحد منهم درهماً؟ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَ‍ئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، فلو قتل واحد رجلاً لزمه تحرير رقبة، ولو قتل جماعة لزم كل واحد منهم تحرير رقبة، كذلك هاهنا.
قيل له: إنما استحق كل واحد منهم درهماً بدخول الدار؛ لأن ذلك لا يقع فيه الاشتراك؛ لأن كل واحد منهم منفرد بفعله؛ لأن الدخول هو الانفصال من خارج إلى داخل، وهذا ينفرد به كل واحد منهم، وليس كذلك القتل؛ فإنه يقع مشتركاً، فهو مثل قوله: من جاء بعبدي فله درهم، فجاء به جماعة استحق جميعهم درهماً واحداً؛ لأن المجي مشترك.
وأما كفارة القتل في حال الاشتراك، فلم نوجبها على كل واحد منهم بظاهر قوله ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَ‍ئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، بل أوجبناها بدليل آخر.
ولو خُلينا والظاهر هناك، لقلنا فيها ما قلناه في جزاء الصيد.
وأيضاً ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "في الضبع كبش"، ولم يُفرق بين أن يقتله واحد أو جماعة.
فإن قيل: معناه: على قاتل الضبع، وكل واحد منهم قاتل.

الجزء: 2 - الصفحة: 374

قيل له: قد أجبنا عن هذا، وبينا أنه ليس كل واحد منهم قاتلاً على الانفراد، وإنما جمعهم قتله.
ولأنه إجماع الصحابة؛ روى أبو بكر النجاد بإسناده عن سعيد بن المسيب: أن رجلين رأيا ظبياً فرمياه، وأصاباه، وقتلاه، فلقيا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسألاه، فقال عمر لعبد الرحمن: قُل فيها، قال: شاة، قال عمر: شاة.
قال أحدهما لصاحبه: ما علم حتى سأل هذا، فدعاهما، فقال: إن الله عز وجل يقول: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].
وروى بإسناده عن ابن عمر: أنه سئل عن القوم من المشاة قتلوا صيداً، قال: عليهم جزاء واحد.
وبإسناده عن مجاهد عن ابن عباس في قوم أصابوا ضبعاً قال: عليهم كبش يتخارجونه بينهم.
فهذا قول أربعة من الصحابة، ولا يُعرف لهم مخالف.
والقياس: أنه بدل متلف يحتمل التبعيض، فوجب أن يجب على الجماعة ما يجب على الواحد إذا انفرد بإتلافه.
دليله: بدل النفس، والمال، وصيد الحرم.

الجزء: 2 - الصفحة: 375

ولا تلزم عليه الكفارة التي تجب بالقتل؛ لأنها ليست ببدل من النفس.
ولا يلزم عليه القصاص؛ لأنه لا يتبعض؛ لأنه لا يمكن استيفاء بعض النفس.
وإن شئت قلت: إتلاف لو انفرد به الواحد لزمه جزاء واحد، فإذا اشترك فيه الجماعة لزمهم جزاء واحد.
دليله: صيد الحرم إذا قتله حلالان.
فإن قيل: ضمان صيد الحرم تعلق عليهما لحرمة في غيرهما، فصار بمنزلة إتلافهما مالاً لآدمي، وهذا تعلق عليهما لحرمة فيهما.
قيل له: إذا كانا في الحرم، فقتلاه، فالمعنى الموجب للجزاء لمعنى فيهما، وهو كونهما في الحرم.
ولأن نفسين لو قتلا رجلاً وجب عليهما كفارتان، وإن كان ذلك لمعنى في غيرهما، وهو هتك حرمة المقتول، فلم يصح ما قاله.
فإن قيل: وجوب الجزاء عليهما معلق بهتك حرمة واحدة، وهو حرمة المكان، فلزمها جزاء واحد، وليس كذلك المحرمان؛ لأن كل واحد منهما هتك حرمة على حدة، وهو حرمة الإحرام، فلزم كل واحد منهما جزاء كامل، كما لو انفرد كل واحد منهما بقتله.

الجزء: 2 - الصفحة: 376

قيل له: المحلان في الحرم يضمن كل واحد منهما الصيد؛ لكونه في الحرم غير كون الآخر، فكان كل واحد منهما منفرداً بحرمة الحرم كانفراده بحرمة الإحرام، فلا فرق بينهما.
وعلى أن هذا ينتقض بالمحرم إذا كان في الحرم؛ فإنه ممنوع من قتل الصيد بحرمتين، ويجب جزاء واحد.
وقد نص أحمد على هذا في رواية حنبل في محرم أصاب صيداً في الحرم: عليه كفارة واحدة.
وقياس آخر، وهو: أن المقتول واحد، فوجب أن يجب بقتله جزاء واحد.
دليله: إذا كان القاتل واحداً، أو كانوا جماعة مُحلين قتلوا صيداً في الحرم.
فإن قيل: لا يمتنع أن يجب على كل واحد منهم جزاء كامل، وإن كان المقتول واحداً، كما يجب على كل واحد منهما بقتل الآدمي كفارة كاملة، وإن كان المقتول واحداً.
قيل له: اختلفت الرواية عن أحمد في قتل الآدمي إذا اشترك فيه الجماعة: فروى عنه حنبل والميموني: عليهم كفارة واحدة، فعلى هذا: لا فرق بينها، وبين جزاء الصيد.
وروى مهنا وابن القاسم وسندي: على كل واحد كفارة، وهو

الجزء: 2 - الصفحة: 377

أصح، فعلى هذا: فرق بينهما نذكره فيما بعد.
ونقل محمد بن ماهان عن أحمد: على واحد دية كاملة، كالكفارة، فقال في ثلاثة اجتمعوا على قتل رجل، فعفا الولي عن بعض، وقتل بعضاً، وأخذ الدية من بعض: فهو جائز، ولكن يأخذ الدية كاملة؛ لأنه قد وجب عليهم قتلهم.
ولأنها غرامة تتفاوت بتفاوت المتلف، فوجب أن يكون الاعتبار فيها بالمتلف، لا بعدد المتلفين.
دليله: قيمة العبد والمتلفات.
يبين صحة هذا؛ ان ضمان الجزاء يجري مجرى ضمان حقوق الآدميين، ويجب على طريق البدل: أنه يختلف باختلاف حال المضمون بالصغر والكبر، ولو كان كفارة لم يختلف باختلاف المتلف.
ولأنه يجب في الأبعاض يضمن بالنذر والجناية والكفارة لا يجب بضمان اليد، وإذا ثبت أنه يجب على الجماعة جزاء واحد، فهو منا لو اشترك جماعة في إتلاف شيء لآدمي، لزمهم قيمة واحدة.
فإن قيل: اختلافه باختلاف المتلف لا يمنع أن يكون كفارة، ألا ترى أن الواجب بحلق الشعر وقص الأظافر يختلف باختلاف ذلك؛ ففي ثلاث شعرات دم، وفيما دون ذلك إطعام، ومع هذا فهو كفارة؟ وكذلك

الجزء: 2 - الصفحة: 378

الصوم في جزاء الصيد يختلف؛ لأنه مقدر بالطعام، ومع هذا فهو كفارة، ألا ترى أنه إذا كانت قيمة الصيد ما يُشترى به مد طعام، فقتله واحد، وجب عليه صوم يوم كامل، وإذا قتله اثنان، وجب على كل واحد منهما صوم يوم كامل، كما تجب على كل واحد منهما في قتل الآدمي كفارة كاملة.
ولأنه لو قتل صيداً لآدمي وجب عليه قيمته لصاحبه، وجزاؤه لله تعالى، كما لو قتل عبداً لإنسان، لزمته قيمته لصاحبه، والكفارة لله تعالى، فهذا يدل على أن الجزاء بمنزلة الكفارة؛ لأنه لو كان بمنزلة الأبدال، ألا ترى أنه لو أتلف قوتاً لإنسان لم يجب عليه إلا بدل واحد؟ ولأنه لو قتل صيداً يملكه، وجب عليه الجزاء، كما لو قتل عبد نفسه وجبت الكفارة، فلو كان الجزاء بمنزلة قيم المتلفات، لوجب أن لا يلزمه الجزاء بقتل صيده، كما لا يلزمه بقيمة عبده.
ولأنه لو كان بمنزلة قيم المتلفات، لم يكن للصيام مدخل فيه، ولم يُسم كفارة، وقد سماه الله كفارة بقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 95].
قيل: أما قص الشعر وتقليم الأظافر فإنما يُسمى كفارة، وإن كان يختلف؛ لأنه يختلف باختلاف المتلف في جميع الأحوال، ألا ترى أن ما زاد على ثلاث شعرات وعلى الربع لا يختلف، بل تجب فيه شاة،

الجزء: 2 - الصفحة: 379

وإن تضاعف؛ لأن الجزاء هناك ليس في مقابلة الشعر، ولا الأظافر؛ لأن تلك الأشياء لا قيمة لها، والجزاء في مقابلة المقتول؛ لأن له قيمة.
وأما اجتماع الجزاء والقيمة عليه في الصيد للملوك، ووجوب الجزاء عليه في الصيد الذي يملكه، فلا يُخرجه عن أن يكون بمنزلة إبدال المتلفات، ألا ترى أنه لو قتل الحلال صيداً لآدمي في الحرم ضمن قيمته لصاحبه، وجزاءه الله تعالى، وكذلك إذا قتل صيداً له لزمه الجزاء، ومع هذا فإن جزاء صيد الحرم بمنزلة جزاء إبدال المتلفات، فلا يجب على الجماعة بقتله إلا جزاء واحد.
وعلى أنه إنما ضمنه إذا كان ملكاً له لتعلق حق الله -تعالى- به، وتعلق حق غيره، فوجب عليه بدل ملكه، ألا ترى أنه إذا أتلف ملكه المرهون، أو عبده الجاني، تلزمه قيمته لتعلق حق الغير به، وضمنه ببدلين إذا كان ملكاً لغيره؛ لأن مستحقه اثنان: أحدهما لحق الآدمي.
والآخر لحق الله تعالى.
وليس كذلك غيره من المتلفات؛ لأن مستحق البدل واحد، فلم يجب إلا بدل واحد.
وأما دخول الصوم فيه فلأنه نوع تخفيف دخله لحق الله تعالى،

الجزء: 2 - الصفحة: 380

وحقوق الله تتعلق بعبادات الأبدان، ألا ترى أن صيد الحرم دخله تخفيف لحق الله تعالى، وهو التخيير بين القيمة وبين الإطعام كان عنده وبين الهدي، ولم يخرجه ذلك من أن يكون بمنزلة الأبدال في أن الجماعة إذا اشتركوا في قتله لزمهم جزاء واحد، كذلك هاهنا.
وأما تسميته بالكفارة، فتبطل بجزاء صيد الحرم؛ يُسمى كفارة، ومع هذا فهو جارٍ مجرى حقوق الآدميين.
ولأن الله -تعالى- قال في قَود المقتول: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: 45]، وبقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] إلى قوله تعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾.
واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ﴾ [المائدة: 95].
و (من) يتناول كل واحد على الانفراد.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن جزاء الصيد كفارة فيها صوم، فأشبهت كفارة القتل.
ولا يلزم عليه صيد الحرم؛ لأنه لا مدخل للصوم فيه.
والجواب: أنا قد روينا عن أحمد: أنه تجب به كفارة واحدة على الجماعة.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
وإذا سلمنا ذلك، فالفرق بينهما: أن تلك الكفارة لا تجب على طريق البدل، ألا تراها لا تختلف باختلاف حال المقتول؟ فلذلك وجبت

الجزء: 2 - الصفحة: 381

على كل واحد من القاتلين بكمالها، وليس كذلك هذه الكفارة؛ لأنها تجب على طريق البدل، ألا تراها تختلف باختلاف حال الصيد؟ فلم تجب على كل واحد من المتلفين بكمالها، كإتلاف المال.
وجواب آخر، وهو: أن كفارة القتل لا تتبعض، ألا ترى أنه إذا وجد [بعض] الرقبة لم يجب إخراجها، وانتقل إلى الصوم، وكان وجود البعض بمنزلة عدمه؟ وليس كذلك جزاء الصيد؛ فإنه يتبعض، ألا ترى أنه لو كان على ملكه بعض الجزاء لزمه إخراجه، ولم يجر مجرى عدمه، فهو يجري مجرى ضمان الأموال.
واحتج بأن كل واحد منهم هتك حرمة الإحرام بقتل الصيد، فوجب أن يلزمه جزاء كامل، كما لو انفرد كل واحد منهم بقتله.
والجواب: أنا لا نسلم الوصف في الفرع؛ لأن كل واحد منهم لم يقتل الصيد، وإنما حصل القتل من جماعتهم، وقد بينا ذلك في الكلام على الآية.
ثم لا يجوز اعتبار الانفراد بالاشتراك، ألا ترى أن جماعة لو انفرد كل واحد منهم بقتل صيد في الحرم، لزم كل واحد منهم جزاء كامل، ولو اشتركوا في قتل صيد لزمهم جزاء واحد، كذلك في مسألتنا.
وكذلك لو انفرد نفسان بقتل نفسين لزم كل واحد منهم دية كاملة،

الجزء: 2 - الصفحة: 382

ولو اشترك نفسان في قتل نفس لزمهما دية واحدة، وكذلك سائر المتلفات.
ثم المعنى في الأصل: أن المقتول اثنان، فلهذا وجب جزاءان، وليس كذلك هاهنا؛ لأن المقتول واحد، فلم يجب بقتله إلا جزاء واحد، كما لو انفرد بقتله.
واحتج بأن المثل والإطعام أحد أنواع الجزاء، فلزم كل واحد من الجماعة جزاء كامل، بالصيام، وذلك أنهم لو كفروا بالصيام لزم كل واحد صيام كامل.
نص عليه.
كذلك في الإطعام.
والجواب: أن الصوم حق على البدن، وفيه معنى العقوبة، فهو كالحد، وقد ثبت أن جماعة لو قذفوا رجلاً وجب على كل واحد حد كامل، وليس كذلك الجزاء؛ لأنه حق في مال يجب على طريق البدل، أشبه قيم المتلفات.

  • فصل: فإن كان الجزاء بالصيام، فهل يلزم كل واحد صوم

الجزء: 2 - الصفحة: 383

كامل، أم بالحصص؟ المنصوص عنه: أنه يلزمه صوم كامل.
وقال في رواية بكر بن محمد: كفارة واحدة، ولكن إذا كان الصوم صام صوماً تاماً، فإن كان بعضهم عنده الهدي، وبعضهم ليس عنده، فالذي عنده يكفر، والذي ليس عنده يصوم صوماً تاماً.
وكذلك قال في رواية ابن القاسم وسندي: عليهم جزاء واحد، فإذا لم يقدروا على الجزاء، فالكفارة على كل واحد منهم صيام تام.
وقال أصحاب الشافعي: الصوم بالحصص، كالإطعام.
وهو اختيار شيخنا.
وجه قول أحمد: أنه صيام في كفارة، فوجب تكميله في حق الجماعة.
دليله: اليوم الواحد، وذلك أنهم لو بقى من جماعتهم مُد، فإنه يكمل كل واحد منهم صوم يوم كامل، كذلك الأيام.
فإن قيل: إنما كان ذلك؛ لأن بعض يوم لا يكون صوماً شرعياً، ولا يتبعض، والأيام بخلاف ذلك.
قيل: بعض يوم يكون صوماً شرعياً بدليل أنه لو أصبح في صوم

الجزء: 2 - الصفحة: 384

التطوع لا ينوي الصيام، ثم نوى قبل الزوال صح، وكان صوماً شرعياً من حين النية، لا من أول النهار؛ لأن أول النهار لم يوجد له نية.
وأما علة الفرع، فلا يمتنع أن يتبعض ويجب تكميله، كالحد، وكاليمين، وهو إذا حلف: لا كلمت فلاناً يوماً.
وطريقة أخرى، وهو: الصيام حق على البدن، وفيه معنى العقوبة، فهو كالحد، وقد ثبت أن جماعة لو اشتركوا في قذف رجل وجب على كل واحد حد كامل.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه قد وجد من كل واحد قذف كامل، وهاهنا لا يوجد من كل واحد قتل كامل.
قيل: قاتل الآدمي لم يوجد من كل واحد قتل كامل، ويلزمه قصاص كامل، وكفارة كاملة.
فإن قيل: الحدود لا تتبعض.
قيل: كذلك الصوم عندنا لا يتبعض.
على أنه في الشرع في حكم المتبعض بدليل أنه يجب في حق العبد نصف ما يجب في حق الحر.
وطريقة أخرى، وهو: أن الشافعي قد قال: إذا وطئها في نهار رمضان وجبت كفارة واحدة -على الصحيح من مذهبه-، ويتحملها الزوج عنها إذا كان من أهل العتق، فإذا كان من أهل الصيام وجب على

الجزء: 2 - الصفحة: 385

كل واحد منهما صوم كامل.
وهذه طريقة جيدة عليهم.
واحتج المخالف بأن الصوم أحد أنواع الجزاء، فلزم الجماعة بالحصص.
دليله: الإطعام والمثل.
والجواب عنه: ما تقدم من أنه حق في المال، وهذا على البدل، فهو كصوم اليوم والحد.

  • فصل: فإن شاركه في القتل من لا يجب عليه الضمان، كالمحل في الحل، فهل يلزم المحرم جميع الجزاء، أم بالحصة فقط؟ أطلق أحمد القول أن على المحرم الجزاء، ولم يبين ذلك الجزاء؛ ما هو؟ فقال في رواية مهنا في محرم وحلال أصابا صيداً: ليس على الحلال شيء، ويُحكم على المحرم.
    وقال -أيضاً- في رواية ابن منصور وأبي الحارث في محرم دل حلالاً على صيد، فقتله: على المحرم الجزاء.
    فقد أطلق القول: فيحتمل أن يريد به جميع الجزاء، وهو الظاهر؛ لأنه ذكر

الجزء: 2 - الصفحة: 386

الجزاء بالألف واللام.
ويحتمل أن يريد به بالحصة.
وهو قول الشافعي.
وجه الأول: أن الحلال لا ضمان عليه، فقد اجتمع فيه موجب ومسقط، فغُلب الإيجاب.
الدلالة عليه: المتولد من بين ما يُؤكل لحمه، وما لا يُؤكل، وهو المتولد من بين حمار الوحش والأهلي، والسمع، يجب فيه الجزاء كاملاً، وكذلك إذا كان بعض الصيد في الحل، وبعضه في الحرم، والقاتل محلاً، وكذلك إذا كان القاتل في الحل، والصيد في الحرم، وجب الجزاء تغليباً للإيجاب، كذلك هاهنا.
ووجه الثاني: أنه لم ينفرد بقتله، فلم يلزمه جميع الجزاء، كما لو شاركه من يجب عليه الضمان.
والجواب: أنا نقلب العلة فنقول: فلم يجب بعض الجزاء.
دليله: ما ذكرت.
واحتج بأن ما أثرت المشاركة فيه لا فرق بين أن يكون لمن يلزمه الضمان، أو لا يلزمه.
دليله: قتل الآدمي لو اشترك نفسان في قتله، فالدية عليهما

الجزء: 2 - الصفحة: 387

بالحصص، ولو اشترك رجل وسبع، فعليه بالحصص، فكذلك هاهنا.
والجواب: أن جزاء الصيد آكد من دية النفس بدليل ما تقدم، وهو أنه يجب بإمساك الصيد، ويجب إذا وقع في بئر في داره

  • ... * ... *

198 -

مسألة

القارن إذا قتل صيداً لزمه جزاء واحد، وكذلك إذا تطيب، أو لبس، أو وطئ:

نص على هذا في رواية ابن القاسم وسندي في القارن إذا قتل صيداً: يلزمه جزاء واحد، وشبهه بحرمة الحرم والإحرام.
وقال في رواية ابن منصور في القارن يصيب شيئاً من طيب، أو لباس، أو شعر: كفارة واحدة.
ونقل عنه -أيضاً- في القارن إذا فسد حجه بأصابة أهله: فعليه هدي واحد.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليه جزاءان.

الحديث: 198 - الجزء: 2 - الصفحة: 388

وقد يتخرج لنا مثل ذلك على الرواية التي تقول: يلزمه طوافان وسعيان.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، فأوجب على قاتل الصيد جزاء المثل، ولم يفصل بين أن يكون قارناً، أو مفرداً.
فإن قيل: الجزاء اسم لما استحق الفعل؛ قل ذلك، أو كثر، فإذا استحق بفعل القارن قيمتان كانتا جزاء واحداً مثل ما قتل، كما إذا استحق بفعل المفرد قيمة واحدة كانت جزاء واحداً مثل ما قتل، ألا ترى أنه -سبحانه- سمى عقوبة قاطع الطريق جزاء واحداً بقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الآية، وسمى عقوبة السارق جزاء واحداً بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: 38]، وإن كانت عقوبة قاطع الطريق ضعفي عقوبة السارق؟ قيل له: قد قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ﴾، والمثل للشيء هو النظير، وهذا موجود في نظير واحد.
وعلى أن اسم الجزاء لما كان يقع على القليل، وهو الواحد، يجب أن يُجزئ لوقوع الاسم عليه.
وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "في الضبع شاة"، ولم يُفرق بين أن يقتله مفرداً، أو قارناً.

الجزء: 2 - الصفحة: 389

وأيضاً فإنهما حرمتان يجب بهتك كل واحد منهما جزاء، فإذا اجتمعا وجب لأجلهما جزاء.
دليله: حرمة الحرم وحرمة الإحرام.
فإن قيل: قد قال أصحابنا: إن القياس يقتضي أن يلزمه جزاءان.
قيل له: فالمعنى الذي تركب له القياس هناك موجود هاهنا.
فإن قيل: يحرم مع الإحرام بمنزلة سائر البقاع، ألا ترى أنه لا يُعتبر جزاء الصيد الذي يقتله المحرم في غير الحرم؛ لأنه يكون متخيراً بين الهدي والإطعام والصيام، ولا يُعتبر فيه ما يُعتبر في جزاء صيد الحرم، فإذا كان كذلك حصل هاتكاً لحرمة واحدة فقط، وهو حرمة الإحرام، فلهذا لزمه جزاء واحد.
قيل له: هذا صفة جزاء [صيد] الحرم عندنا؛ أنه مخير بين الهدي والإطعام والصيام، ولكن دخلت إحدى الحرمتين في الأخرى، فيجب أن يكون في الإحرامين كذلك.
فإن قيل: حرمة الإحرام آكد من حرمة الحرم بدلالة أنها تمنع من الجماع واللباس والطيب والصيد، وحرمة الحرم تمنع قتل الصيد وقطع الشجر فقط، فإذا ثبت أن حرمة الإحرام آكد لم يمتنع أن يجب لهتك حرمة الإحرام والحرم إلا جزاء واحد.
قيل له: إنما تقدم إحدى الحرمتين بالقوة إذا تعارضتا وتنافتا،

الجزء: 2 - الصفحة: 390

فكانت إحداهما توجب والأخرى تنفي، فأما إذا كانتا سواء في إيجاب الجزاء، فإن احتماع الحرمة الضعيفة مع القوية أولى بالإيجاب من حال الانفراد.
وجواب آخر، وهو: أن حرمة الحج آكد من العمرة؛ لأن العمرة مختلف فيها، والحج مجمع على وجوبه، وما أُجمع عليه فهو آكد مما اختلف فيه.
وجواب آخر، وهو: أن ما كان مبنياً على التداخل، فإذا دخل الأقل منه في الأكثر تداخل المثلان، كالطهارات؛ لما دخلت الصغرى منها في الكبرى دخلت المثلان، كغسل الجناية والحيض، فلما دخلت الحرمة الصغرى في الكبرى وجب أن يتداخل المثلان.
وجواب آخر، وهو: أن لحرمة الحرم قوة من وجه ليست لحرمة الإحرام، وهو ان حرمة الحرم ثابتة لا تزول، ولا تحول، وحرمة الإحرام توجد وتعدم، وتثبت بانعقاد الإحرام وبإحلاله منه، فإذا كان كذلك كانت الحرمة المؤبدة أقوى، ألا ترى أن تحريم أم المرأة [أقوى] من تحريم أخت المرأة؛ لأن تحريم أم المرأة مؤبد، وتحريم أختها غير مؤبد.
ولأنه حرمة الحرم تُحرم قطع الشجر، وحرمة الإحرام

الجزء: 2 - الصفحة: 391

لا تحرِّم ذاك، فتقابلا.
وقياس آخر، وهو: أنه نقص يجب به على المفرد فدية واحدة، فوجب أن يجب به على القارن فدية واحدة.
دليله: ترك الإحرام من الميقات.
فإن قيل: إذا حصل محرماً بعمرة لم يلزمه إحرام بالحج من الوقت، ألا ترى أنه لو أحرم بعمرة من غير الوقت، وفرغ منها، ثم حج كان ميقاته الحرم؟ فالدم إنما لزمه لترك إحرام العمرة في الوقت، فلهذا لم يلزمه إلا دم واحد، وفي مسألتنا أُدخل النقص على إحرامين.
قيل له: قولك: (إن الدم لزمه لترك إحرام العمرة) لا نسلمه، بل لزمه [لترك] إحرامهما جميعاً.
وما ذكروه منه إذا أحرم بعمرة لم يلزمه إحرام الحج من الوقت؛ لأنه قد صار في حكم المكي، والمكي يحرم من مكة.
فإن قيل: ترك الإحرام ليس بإدخال نقص على النُّسكين؛ لأنه لم يطرأ عليهما، وهذا النقص دخل على الإحرامين، فطرأ عليهما، فلزمه ديتان.
قيل له: النقص -وإن لم يطرأ عليهما- فهو عائد إليهما، ألا ترى

الجزء: 2 - الصفحة: 392

أن الفدية الواجبة فيه تجب لأجلهما معاً؟ ثم نقول: ترك الإحرام، هو ترك جزء من العبادة، وقتل الصيد والطيب إتيان ببعض محظوراتها، وترك الشيء من العبادة آكد في التغليظ من الإتيان ببعض المحظورات، ألا ترى أن ترك النية في الصوم ناسياً يمنع صحته، والأكل ناسياً يمنع صحته؟ وكذلك السلام في أثناء الصلاة ناسياً لا يمنع الصحة، وترك القراءة يمنع.
وقياس آخر، وهو: أن المقتول واحد، فوجب بقتله جزاء واحد، كالمفرد إذا قتل صيداً واحداً.
فإن قيل: هناك أدخل النقص على إحرام واحد، وهاهنا أدخله على إحرامين.
قيل له: فالمحرم إذا قتل صيداً في الحرم أدخل النقص على حُرمتين، ومع هذا يجب جزاء واحد، وكذلك إذا أخل بالإحرام من الميقات، فقد أدخل النقص على الإحرامين، ومع هذا يلزمه دم واحد، كذلك هذا.
وأيضاً فإنه متنسك يجزئ بحلاق واحد، فلم يلزمه بالوطء إلا كفارة واحدة.
دليله: المفرد.

الجزء: 2 - الصفحة: 393

واحتج المخالف بأنه أدخل النقص على إحرام العمرة [وإحرام الحج] بقتل الصيد، فوجب أن يلزمه لكل واحد منهما جزاء كامل، كما لو أفرد بكل واحد منهما، وقتل فيه صيداً.
قالوا: ولا يلزم على هذا المتمتع إذا أحرم بعمرة، ثم جرح صيداً، فلما فرغ من العمرة أحرم بالحج، ثم جرح جراحة أخرى، ثم مات من الجرحين؛ أنه قد أدخل النقص في إحرام العمرة والحج بقتل الصيد، ومع هذا يلزمه جزاء واحد؛ لأنا لا نعرف الرواية في ذلك.
والجواب: أنه قد تُكلم على هذه العلة بجميع الأجوبة التي يُجاب بها عن جنس القياس، وهو: المناكرة، وعدم التأثير، والمناقضة، والقلب، وفساد الموضوع، والمعارضة: فأما المناكرة: فمنهم من قال: هذا إحرام واحد، وإن جمع بين الحج والعمرة، كما إذا باع عبداً وداراً صفقة واحدة، كان عقداً واحداً، وإن كان المبيع اثنين.
وعندي أنه إحرامان؛ لأن الإحرام هو نية النُّسك بالقلب، ونية الحج غير نية العمرة، فلا يجوز أن يقال: هما إحرام واحد.
وأما عدم التأثير: فهو أن المقتول إذا كان اثنين لم يكن للإحرامين تأثير؛ لأن صيدين في إحرام واحد يوجبان مثلين، ولا تأثير -أيضاً- لتخصيص قتل الصيد بذلك، وجميع كفارات الإحرام في ذلك بمنزلة جزاء الصيد.

الجزء: 2 - الصفحة: 394

وأما القلب: فهو أن تقول: وجب أن يكون الجزاء بعدد المقتول قياساً على الأصل الذي ذكرته.
وأما فساد الموضوع: فهو أنه لا يجوز اعتبار حال الإفراد بحال القران، كما نقول في حرمة الحرم وحرمة الإحرام، وكما نقول في هدي الإحصار ومجاوزة الميقات.
وأما المعارضة: فمن وجهين: أحدهما: أن المعنى في الأصل: أن المقتول اثنين، وليس كذلك هاهنا؛ فإن المقتول واحد.
والثاني: أن كل واحد من الإحرامين منفرد، كذلك في مسألتنا؛ فإن الإحرامين مجتمعان، وفدية الفرق بينهما.
واحتج بأنه لو وطئ [في] كل واحد منهما في حال الانفراد تعلق بكل وطءٍ كفارة، فإذا وطئ فيهما في حال الجمع تعلق به كفارتان.
أصله: المحرم الصائم إذا وطئ.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يلزمه بالوطء في حال الانفراد كفارة، وفي حال الاجتماع تتداخل، كما قلنا في حرمة الحرم والإحرام ومجاوزة الميقات.
وعلى أن كفارة صوم رمضان وكفارة العمرة كفارتان مختلفتان،

الجزء: 2 - الصفحة: 395

فلم تتداخلا، وليس كذلك كفارة الحج وكفارة العمرة؛ فإنهما من جنس واحد، فإذا اجتمعتا جاز أن تتداخلا، كما قلنا في حرمة الحرم وحرمة الإحرام، وكما قلنا في هدي الإحصار والكفارة في مجاوزة الميقات.
ولأن الصيام والإحرام لا يتداخلان، فلم تتداخل كفارتهما، والحج والعمرة أفعالهما تتداخل عندنا، وعندعم تتداخل في بعض الأفعال، وهو الحلاق، وتتداخل في بعض كفاراتها، وهو مجاوزة ميقات غي محرم، فبان الفرق بينهما.

  • ... * ... *

199 -

مسألة إذا ابتدأ المحرم سبعاً فقتله، فلا جزاء عليه في رواية حنبل، فقال: يقتل المحرم الكلب العقور، والذئب، والسبع، وكل ما عُد من السباع، ولا كفارة عليه، ويقتل القرد والنسر والعقاب إذا وثب، ولا كفارة.
فإن قتل شيئاً من هذه من غير أن تعدو عليه، فلا كفار

ة عليه، ولا ينبغي له: وقال في رواية أبي الحارث: يقتل السبع؛ عدا أو لم يعد.
وبهذا قال مالك والشافعي.

الحديث: 199 - الجزء: 2 - الصفحة: 396

وقال أبو حنيفة: إذا ابتدأ المحرم سبعاً فقتله، فعليه الجزاء، وإن ابتدأ السبع، فلا شيء عليه.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96].
وهذا يدل على أن الصيد المحرم هو ما يؤكل لحمه؛ لأنه علق تحريم أكله بالإحرام والدوام عليه، وما لا يحل أكله لا يتعلق تحريمه بالإحرام، والدوام على الإحرام؛ لأنه حرام بكل حال.
فإن قيل: النهي تعلق بالاصطياد لا بعين المصيد؛ لأنه يقال: صاد يصيد صيداً واصطياداً، والاصطياد محظور عليه في حال الإحرام، فحظره لأجل الإحرام.
قيل له: المراد: المصيد، لا بالفعل؛ الذي هو الاصطياد بدلالة قوله -تعالى- في أول الآية: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95].
وأراد به: المصيد، لا الاصطياد؛ لأن الاصطياد فعل، والفعل لا يُقتل، وإنما يُقتل الحيوان.
ولأنه أضاف الصيد إلى البر، ولا يجوز أن يضاف الفعل إلى البر؛ لأن البر ليس بمصيد، فدل على أن المراد به المصيد الذي هو المحرم.
ويبين صحة هذا: قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96].
وأراد به: مصيده، ولم يرد الفعل.

الجزء: 2 - الصفحة: 397

وأيضاً ما رواه أحمد بإسناده، وذكره أبو بكر في كتابه عن أبي سعيد الخُدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم سئل عن ما يقتل المحرم، قال: "الحية، والعقرب، والفُوسيقة، ويرمي الغراب، ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي".
فوجه الدلالة: لأنه جاز قتل السبع العادي، وإذا ثبت جواز قتله، ثبت أنه لا جزاء فيه.
فإن قيل: المراد بذلك: السبع إذا عدا وصال، وعندنا لا جزاء فيه إذا قُتل في تلك الحالة.
قيل له: النبي صلى الله عليه وسلّم جعل العُدوى صفة في السبع، وهذا يقتضي أن تكون صفة لازمة له، وعُدواه ليس بصفة لازمة، فلو كان المراد ذلك لكان يقول: والسبع إذا عدا.
وهذا كما يُقال: سيف قاطع؛ يعني بذلك صفة فيه؛ لأنه يخبر أن حاله حال ما يقطع.
وكذلك قولهم: فرس جموح، وخبز مُشبع، وماء مروي، وشراب مُسكر، وما أشبه ذلك.
ويبين صحة هذا: قوله: "والكلب العقور"، ولم يرد به: حال عقره.

الجزء: 2 - الصفحة: 398

وجواب آخر، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلّم خص السبع، وحمله على ما ذكروه يُسقط [فائدة] التخصيص؛ لأن سائر الصيود إذا صالت حل قتلها.
فإن قيل: الفائدة في ذلك سقوط الجزاء في قتله، ووجوبه في قتل غيره.
قيل له: إنما يجب أن يكون التخصيص فيما قصد بيانه بالخبر -وهو إباحة القتل- دون غيره.
ودلالة ثانية من الخبر، وهو: أنه نص من كل جنس على أدناه ضرراً بإباحة قتله، فنبه ذلك على أعلاه، فنص على الحية وهي أدنى حشرات الأرض؛ لينبه على ما هو أكبر منها، ونص على الغراب؛ لينبه على ما هو أكبر منه من الجوارح، ونص على الكلب، وهو أدنى السباع؛ لينبه على ما هو أكبر منه.
والقياس: أنه حيوان لا يُضمن بمثله، ولا بقيمته، فلا يجب الجزاء بقتله.
دليله: حشرات الأرض، كالحية، والعقرب، ونحو ذلك.
وعكسه: ما يُؤكل لحمه؛ تارة يُضمن بمثله فيما له مثل، أو بقيمته فيما لا مثل له.
فإن قيل: إنما [لا] يُضمن بمثله؛ لأنه لا مثل له، ولا بقيمته؛ لأنه

الجزء: 2 - الصفحة: 399

لا قيمة له؛ لأنه لا يجوز بيعه حياً للأكل؛ لأنه غير مأكول، وبعد القتل لا قيمة له أيضاً؛ لأنه ميتة، إنما يضمنه؛ لأنه أدخل النقص في إحرامه بمواقعة الفعل المنهي عنه، فهو مثل كفارة المتطيب واللابس والحالق رأسه.
قيل له: لا نسلم أنه منهي عن قتله، ولا أدخل النقص على إحرامه بقتله.
ولأنه متولد مما لا يحل أكل شيء من جنسه بحال، فلم يجب الجزاء بقتله، كالذئب.
ولا يلزم عليه السمع، وهو المتولد من الضبع والذئب، والمتولد من حمار الوحش وحمار أهلي؛ أنه لا يحل أكله، ويُضمن بالجزاء؛ لأنه متولد مما يباح أكل شيء من جنسه، وهو أحد أبويه.
فإن قيل: هذا يبطل بالثعلب وبالسنور الأهلي؛ فإن أحمد قد قال في رواية ابن القاسم وسندي: في الثعلب الجزاء.
مع قوله في رواية محمد: لا يؤكل.
وقال في رواية ابن منصور: في السنور الأهلي وغير الأهلي حكومة.
مع قوله: يؤكل.
قيل له: أما قوله: في الثعلب الجزاء، فهو على الرواية التي تقول: يؤكل لحمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 400

وأما قوله: في السنور حكومة، فعلى طريق الاستحباب.
فإن قيل: المعنى في الذئب: أنه مبتدئ بالأذى، فلهذا لم يُضمن، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه غير مبتدئ بالأذى.
قيل له: علة الأصل تبطل بابن آوى؛ لأنه يبتدئ بالأذى، فيأخذ الدجاج من البيوت في القرى، ويأكله، وتعم به البلوى، ويجب الجزاء عنده بقتله.
وعلة الفرع غير مسلمة؛ لأن السبع -الذي هو الأسد- يبتدئ بالأذى، وتعم به البلوى في مواطنه ومكانه، والأذى به أكثر منه بالذئب؛ لأنه يدق البهائم الكبار، ويفترس الرجال.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95].
والصيد اسم للممتنع المتوحش؛ سواء كان أكله مباحاً، أو محظوراً، ألا ترى أن العرب تقول: اصطاد فلان سبعاً، كما تقول: اصطاد ظبية.
قال الشاعر: ليث تزبى زُبية فاصطيدا ويقال: سيد الصيد الأسد.

الجزء: 2 - الصفحة: 401

ويقال: فلان صاد الفوارس؛ لأجل ما هو ممتنع.
ويبين صحة هذا: أن أكل السباع كان مباحاً قبل ورود الحظر من جهة الشرع، والعرب كانوا يصطادونها، وسموها صيداً، فورود النهي عن أكله لا يُزيل عنها الاسم الموضوع لها في أصل اللغة.
والجواب: أنا لا نسلم أن اسم الصيد يقع على السبع، ولا يُقال: صاد سبعاً، وإنما يقال قتل سبعاً، وأخرج الأمير لقتل السبع.
وما ذكروه من قول الشاعر فهو على طريق المجاز.
ويبين صحة هذا: قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "الضبع صيد، وفيه كبش".
فلو كان ما لا يُؤكل لحمه يُسمى صيداً لما كان لقوله: "الضبع صيد" معنى.
ولو سلمنا أن ذلك يُسمى صيداً فالآية لم تتناوله لوجهين: أحدهما: ما ذكره في آخر الآية من قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96].
وقد بينا: أن المراد بذلك ما يؤكل لحمه.
والثاني: أنها تقتضي صيداً له مثل بقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: 95]، والمثل على ضربين:

الجزء: 2 - الصفحة: 402

مثل من طريق الصورة.
ومثل من طريق القيمة.
والسبع لا يجب فيه عندهم واحد من الممثلين، فلم تكن الآية متناولة له.
واحتج -أيضاً- بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "خمس يقتلهم المحرم في الحل والحرم: الحية، والعقرب، والفأرة، والحدأة، والكلب العقور".
فخص هذه الأشياء بالذكر، وحصرها بعدد، وأباح قتلها في جميع الأحوال، والمحصور بعدد يدل على أن ما عداه بخلافه.
والجواب: أن الخبر قد تضمن قتل الكلب، والسبع يسمى كلباً، يدل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلّم دعا على عتبة بن أبي لهب، فقال: "اللهم سلط عليه كلباً من كلابك"، فافترسه سبع.
وقال حسان بن ثابت في شعره: سائل بني الأصفر إن جئتهم ما كان أنباء بني واسع من يرجع العام إلى أهله فما أكيل السبع بالراجع ويروى:

الجزء: 2 - الصفحة: 403

فما أكيل الكلب بالراجع وجواب آخر، وهو: أنا لو سلمنا أن الخبر لم يتناول قتل السبع، لم يضر؛ لأنه قد نص على قتل الكلب العقور، وكان فيه تنبيه على قتل السبع؛ لأنه أشد وأقوى وأضر، فلما نص على قتل الأدنى نبه على قتل الأعلى، والتنبيه مقدم على الدليل.
وعلى أنا قد روينا في حديث أبي سعيد زيادة، والأخذ بالزائد أولى.
واحتج بأنه سبع ممتنع غير مبتدئ بالأذى في الحال، ولا هو مما تعم به ابلوى، فوجب أن يجب فيه الجزاء.
دليله: الضبع.
ولا يلزم عليه الذئب؛ لأنه تعم به البلوى.
والجواب: أنا لا نسلم أنه غير مبتدئ بالأذى في الحال؛ لأنا قد بينا أنه قد يبتدئ بالأذى، وتعم به البلوى في مواطنه؛ لأنه يدق البهائم والآدميين.
ثم المعنى في الضبع: أنه مختلف في إباحة لحمه، فلذلك وجب الجزاء بقتله، والسبع متولد مما لا يحل أكل شيء من جنسه، فأشبه الذئب.
أو نقول: الضبع يُضمن بمثله أو بقيمته، والسبع متولد مما لا يُضمن بالمثل، ولا بالقيمة، فثبت أنه غير مضمون، كحشرات الأرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 404

وإن قاسوا بهذه العبارة على ما لا يؤكل لحمه، فالمعنى فيه ما ذكرنا.
وجواب آخر، وهو: أن المأكول اللحم تحريم أكله تعلق بالإحرام، فوجب الجزاء بإتلافه، وليس كذلك السبع؛ فإن تحريم أكله لم يتعلق بالإحرام؛ لأنه مُحرم عليه في الإحلال والإحرام، والحل والحرم، فلم يجب بقتله الجزاء، كما نقول في صيد البحر، وفي الذئب.
وإن قاسوا بهذه العبارة على السمع، وعلى المتولد بين حمار وحشي وأهلى، فالمعنى فيه: أنه اجتمع فيه ما يوجب الجزاء وما يسقطه، فوجب تغليب الإيجاب، ألا ترى أنه إذا رمى من الحل إلى صيد في الحرم، أو من الحرم إلى صيد في الحل وجب جزاء تغليباً للوجوب، كذلك هاهنا، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه قد تمخض تحريمه، فلم يكن فيه ما يوجب الجزاء.
وقال أبو بكر فيما علقه عنه أبو إسحاق في المتولد بين الأهلي والوحشي: فيه الزكاة، وفيه الجزاء تغليباً للإيجاب.
فإن قيل: كل صيد حل قتله قبل الإحرام حرم بالإحرام، كسائر الصيود.

الجزء: 2 - الصفحة: 405

قيل له: ينتقض بالغراب والذئب.
ثم الفرق بين سائر الصيود وبين مسألتنا ما تقدم.

  • ... * ... *

200 -

مسألة

يجوز للمحرم أن يُقرد بعيره:

نص عليه في رواية حنبل وابن منصور.
وقال مالك: لا يُقرد بعيره.
دليلنا: إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر: فروى حنبل بإسناده عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير قال: رأيت عمر يُقرد بعيراً له في طين بالسُّقيا، وهو محرم.
وروى بإسناده عن عيسى بن علي: أن علياً رخص للمحرم أن يُقرد بعيره.
وبإسناده عن عكرمة، أن ابن عباس: لم ير بأساً أن يُقرد

الحديث: 200 - الجزء: 2 - الصفحة: 406

المحرم بعيره.
وفي لفظ آخر: عن عكرمة، عن ابن عباس قال له يوماً: قم إلى هذه الناقة فقردها، وأنا محرم، فقال: فذكرت له الإحرام، فتلكأت، فلما كان بعد ذلك قال: قم إلى هذه الناقة فانحرها، قال: فقمت إليهما فنحرتها، فقال: كم من قُراد قتلت لا أمَّ لك؟! وبإسناده عن ربيعة بن هُدير التيمي: أنه رأى ابن عمر يُقرد بعيره بالسُّقيا، وهو محرم.
ولأن ذلك مضرة بلا متعة؛ لأنه يعلق في حل البهيمة، وربما وقع ذلك للإنسان، فلم يُمنع من قتله، كالحية والعقرب.
واحتج المخالف بما روي عن ابن عمر: أنه نهى عن ذلك.
والجواب: أنا قد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك، فتعارضا، وسلم ما رويناه عن عمر وعلي وابن عباس.
واحتج أنه من دواب أبدان الحيوان يسير الضرر، أشبه دواب أبدان الإنسان من القمل والبراغيث.
والجواب: أن مهنا نقل عن احمد في المحرم: بقتل البراغيث، ولا يقتل القمل.
ونقل في موضع آخر: وقد سئل عن قتل القملة، فقال: كل شيء من جسده لا بأس بقتله إذا آذاه.

الجزء: 2 - الصفحة: 407

وفي موضع آخر أجاز قتلها، وقتل البراغيث.
فعلى هذا: لا فرق بينهم.
وفي موضع قد منع من ذلك؛ لأنه بإلقائها عن بدنه يترفه بذلك، ويزيل الأذى عن شعره وبدنه، فلهذا افتدى، كما لو حلق رأسه.
ولهذا نقول: لو ألقاها عن ثوبه لم يفتد رواية واحدة؛ لعدم هذا المعنى.
وليس القراد من الحيوان؛ لأن هذا المعنى معدوم فيه، فلهذا فرقنا بينهما.

  • ... * ... *

201 -

مسألة

إذا صال على المحرم الصيد قتله، ولا جزاء عليه على قياس قول أحمد في النحل: إذا لاح عليه قتله، ولا ضمان عليه:

وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي الحارث: وقد سُئِل عن محرم عدا عليه ثعلب، فقال: اقتل كل شيء عدا عليك.
فقد أجاز القتل، ولم يذكر الجزاء.

الحديث: 201 - الجزء: 2 - الصفحة: 408

وهو قول الشافعي.
وقال أبو بكر في كتاب "التنبيه": عليه الجزاء، وهو قول أبي حنيفة.
والحكاية عن أبي حنيفة غير صحيحة، ومذهبهم: أنه لا جزاء عليه مثل مذهبنا.
والدلالة أنه جزاء عليه أنه قتله بدفع مباح، فلم يلزمه الضمان، كما لو صال عليه عنز فقتله، لا ضمان عليه.
واحتج المخالف بأنه قتله لحاجة نفسه، وكان عليه الضمان، كما لو قتله لمأكله، وقد نص أحمد على ذلك في رواية عبد الله.
والجواب: أن القتل هناك لمعنى في نفسه، فهو كما لو أكل طعام الغير، وهذا المعنى في غيره، وهو الصول، فلا ضمان عليه، كما لو قتل عبد الغير عند صوله، وهذه المسألة مستوفاة في كتاب الجنايات إن شاء الله.

  • ... * ... *

202 -

مسألة

إذا قتل المحرم صيداً مملوكاً لزمه الجزاء:

نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي.
وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي.
وقال داود: لا جزاء عليه.

الحديث: 202 - الجزء: 2 - الصفحة: 409

دليلنا: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: 95]، وهذا عام في الصيد المملوك وغير المملوك.
فإن قيل: الآية تناولت صيداً يختص النهي عن قتله بالإحرام.
قيل له: فيجب أن نقول: إذا قتل صيد نفسه أن يلزمه الجزاء؛ لأنه لم يكن منهياً عن قتله قبل الإحرام، وعنده: لا جزاء.
فإن قيل: إطلاق الصيد ينصرف إلى البري دون الأهلي.
قيل له: إطلاق الصيد يعم الجميع؛ لأن حقيقة الاسم موجودة فيه.
وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "الضبع صيد، وفيه كبش إذا أصابه المحرم"، وهذا عام في المملوك وغيره.
ولأنه صيد ممنوع من قتله بحرمة الإحرام، فوجب الجزاء بقتله، كالصيد الذي ليس بمملوك.
ولأنها كفارة تجب بقتل الحيوان الذي ليس بمملوك، فجاز أن تجب بقتل الحيوان المملوك.
دليله: كفارة الآدمي.
واحتج المخالف بأن الأصل براءة الذمم، فلا يجب شغلها إلا بدلالة.

الجزء: 2 - الصفحة: 410

والجواب: أنا قد دللنا على ذلك.
واحتج بأن هذا حيوان مملوك، فلم يجب الجزاء بقتله، كالأنعام.
والجواب: أن الأنعام لو توحشت لم يجب الجزاء بقتلها، كذلك إذا كانت مستأنسة مملوكة، والصيد لو كان وحشياً غير مملوك وجب الجزاء بقتله، كذلك إذا كان مملوكاً.

  • ... * ... *

203 -

مسألة

إذا ملك صيداً، ثم أحرم لم يزل ملكه عنه، فإن كان في يده فعليه إرساله، وإن كان في بيته لم يجب عليه إرساله:

نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي في رجل أحرم، وفي يده صيد: يرسله، وإن كان في منزله ليس عليه، قد كان عبد الله بن الحارث يحرم، وفي بيته النعام.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وللشافعي في زوال الملك عن الصيد قولان: أحدهما: قد زال عنه.
والثاني: لم يَزُل.
وهل يُؤمر بإرساله؟ على قولين: أحدهما: يُؤمر بذلك سواء كان في يده، أو بيته.

الحديث: 203 - الجزء: 2 - الصفحة: 411

والثاني: لا يُؤمر بإرساله سواء كان في يده، أو بيته.
فالدلالة على أن الملك لم يَزُل: أنه ملك من أملاكه، فوجب أن لا يزول بالإحرام.
دليله: سائر أملاكه.
فإن قيل: الإحرام لا يمنع ابتداء تملك سائر الأملاك، فلا يمنع -أيضاً- بقاء الملك عليها، ويمنع ابتداء تملك الصيد، فمنع -أيضاً- بقاء ملكه عليه.
قيل له: ليس من حيث منع الابتداء يجب أن يمنع البقاء، ألا ترى أنه يمنع ابتداء تملك البُضع، ولا يمنع بقاء الملك عليه.
ولأن الإحرام عبادة، فوجب أن لا تزيل ملكه عن الصيد، كسائر العبادات.
فإن قيل: لما كان مأموراً بإرساله، ورفع يده، دل على زوال ملكه.
قيل: ليس بمأمور برفع يده على الإطلاق، وإنما هو مأمور برفع يد المشاهدة؛ لأن إمساكه فعل من الصيد.
فأما إذا كان في بيته، فليس بمأمور برفع يده.
على أن المشتري مأمور برفع يده عن الشخص إلى الشفيع، وملكه ثابت، وكذلك الموهوب له.

  • فصل: والدلالة على أنه مأمور برفع يده المشاهدة: قوله تعالى: {وَحُرِّمَ

الجزء: 2 - الصفحة: 412

عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96].
والتحريم يتناول أفعالنا؛ لأن غير الصيد فعل الله تعالى، فلا يتناوله التحريم، فإذا كان كذلك صار في التقدير كأنه قال: وحرم على أفعالكم في الصيد، والمحرم فاعل فيه بإمساكه له، فوجب أن يكون محرماً.
ولأن الإمساك فعل في الصيد، فوجب أن يكون المحرم منهياً عنه، كالذبح.
ولأن البقاء على حال الإمساك بمنزلة فعل مبتدأ بدلالة: أنه لو حلف: لا يمسكه، فبقي على تلك الحال، حنث، فإذا كان كذلك، أشبه اللبس، ولا خلاف أنه لو أحرم، وهو لابس، وجب عليه نزعه، كذلك إذا أحرم، وفي يده صيد، وجب أن يلزمه إرساله.
وليس كذلك إذا أحرم وعليه طيب؛ لأن بقاء الطيب عليه ليس بتطيب مبتدأ بدلالة: أنه لو حلف: لا يتطيب، وعليه طيب، فبقى عليه، لم يحنث.
واحتج المخالف بأنه لو كان مأموراً بإرساله، لوجب إذا لم يرسله حتى حل من إحرامه أن يُؤمر بإرساله، كما لو اصطاده، وهو محرم، فلم يرسله حتى حل من إحرامه؛ أنه يجب عليه إرساله.
والجواب: أنه ليس من حيث لم يجب عليه إرساله بعد الإحلال، يجب أن لا يجب في حال الإحرام، كالقميص يكون عليه والطيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 413

  • فصل: والدلالة على أنه لا يلزمه إرساله إذا كان في بيته: أن المحرم إنما نُهي عن فعله في الصيد، وهو لم يفعل بعد الإحرام فيه فعلاً، فوجب أن لا يلزمه شيء، ألا ترى أنه لو جرحه، وهو حلال، فمات من الجراحة بعد الإحرام، لم يلزمه شيء؛ لأنه م يفعل بعد الإحرام فيه فعلاً.
    وأما إذا كان ممسكاً، فهو فاعل في كل وقت، فهو كاصطياده ثانياً.
    فإن قيل: أليس [إذا] كان في قفصه، وجب عليه إرساله، وإن لم يكن فاعلاً فيه؟ وقد نص أحمد على هذا في رواية أبي داود في من أحرم، وفي يده صيد: يرسله، وإن كان في رحله يرسله، إلا أن يحرم بمكة، وفي بيته بالكوفة، فهذا لا يرسله.
    وقد أطلق القول -أيضاً- في رواية صالح في رجل أحرم، وعنده صيد في قفص: يُخلي سبيله إذا دخل الحرم.
    قيل له: ما هو في قفصه ورحله هو فاعل فيه بحبسه له مع قدرته على إرساله، ويسيره معه، ويبقى ملكه عليه، وليس كذلك ما في بيته؛ لأنه غير فاعل فيه شيئاً.
    ولأنه لا يمكنه إزالة ملكه عنه، فلو أحرم في بلده لزمه أن يرسل ما في بيته على هذا القياس.

الجزء: 2 - الصفحة: 414

فإن قيل: أليس لو اصطاد في حال إحرامه، وتركه في بيته، وجب عليه إرساله، وإن لم يكن فاعلاً في الصيد في تلك الحال؟ وكذلك يمنع من بيعه عندك، وغن لم يكن البيع فعلاً فيه.
قيل له: أما إذا اصطاده في حال إحرامه، وتركه في بيته؛ فإنه يجب عليه إرساله من ابتداء الملك دون استدامته، كالنكاح في حال الإحرام، والعدة.
وقد قال أحمد في رواية ابن القاسم وسندي في محرم اصطاد صيداً، وحمله معه حتى خرج من إحرامه، ثم ذبحه: لم يجز ذلك، قد اصطاده في وقت يحرم عليه صيده.
وأما بيع الصيد فإنما لم يجز؛ لأن يتضمن التسليم، وتسليمه فعل في الصيد، وهو ممنوع من ذلك.
واحتج المخالف بأن ما في بيته فهو في يده، ولو كان في يده وجب عليه إرساله، كذلك إذا كان في بيته.
والجواب: أنه لو كان كذلك، لوجب أن يُؤمر بإخراج الطيب من بيته وحله، كما لو كان ممسكاً للطيب مستمتعاً به، ولوجب أن يخرج القباء والقميص من رحله، كما يجب عليه نزعه لو كان عليه.
فإن قيل: إنما يجب إزالة الطيب عن يده؛ لأنه يحصل مستمتعاً به، وهو منهي عن ذلك، فأما إذا كان في بيته؛ فإنه لا يحصل له هذا

الجزء: 2 - الصفحة: 415

المعنى، فلا يلزمه إخراجه.
قيل له: وكذلك إذا كان الصيد في يده حصل ممسكاً له، وهو منهي عن إمساكه، وإذا كان في بيته لم يحصل هذا المعنى.
واحتج بأنه صيد يجب عليه الجزاء بقتله، فلزمه إرساله من رحله.
دليله: إذا اصطاده، وهو محرم، أو اصطاده في الحرم.
والجواب عنه: أن ما اصطاده يريد أن يبتدئ تملكه، وليس إذا مُنع من ابتداء التملك مُنع من الاستدامة، كالنكاح في حال الإحرام والعدة.
واحتج بأنه صيد يضمنه في حق الله -تعالى- بإتلافه، فوجب أن يضمنه بحبسه.
أصله: إذا مات في يده.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو انه إذا مات في يده، فقد وُجِد منه فعل في الصيد، وهو إمساكه بيده، وهذا معدوم هاهنا.

  • ... * ... *

204 -

مسألة

إذا اصطاد صيداً، وهو حلال، ثم أحرم، فأرسله من يده حلال أو محرم بغير أمره، لم يضمن:

وهذا قياس المذهب؛ لأنا نقول: لو قضى دين غيره بغير إذنه

الحديث: 204 - الجزء: 2 - الصفحة: 416

احتسب له به، لأنه فعل ما كان يلزمه فعله.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يضمنه.
دليلنا: أن المحرم مأمور بإرسال الصيد، فإذا أرسله غيره، فقد فعل ما كان على المحرم أن يفعله، فوجب أن لا يضمن، كما أن من أخذ الشيء المغصوب من يد الغاصب، ورده على المغصوب منه، لم يضمن للغاصب؛ لأنه فعل ما كان على الغاصب أن يفعله.
فإن قيل: لا نسلم أن يلزمه إرساله حتى يلحق بالوحش، وإنما يلزمه أن يرفع يده عنه، ولا يمسكه، وله أن يتركه في منزله وفي قفصه.
قيل له: أما على أصلنا فيلزمه ذلك، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية صالح وأبي داود؛ لأنه قال: يرسله.
وظاهر هذا يقتضي إرسالاً يلحق بالوحش.
وأما على قولكم، فإذا لم نسلم دللنا على أنه يلزمه إرساله حتى يلحق بالوحش.
والدلالة عليه: أنه صيد لزمه رفع يده عنه لحق الله تعالى، فلزمه إلحاقه بالوحش.
دليله: ما اصطاده في حال الإحرام، أو اصطاده في الحرم.
فإن قيل: لو كان له مال، فوجبت فيه الزكاة، فجاء غيره، وأخرج منه المقدار الواجب فيه بغير أمره، ضمنه، وإن كان قد فعل ما كان على

الجزء: 2 - الصفحة: 417

رب المال أن يفعله، وكذلك إذا قال: لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم، فجاء غيره، وتصدق بها بغير أمره، ضمنه.
قيل له: إنما ضمنه؛ لأن الوجوب لم يتعين في تلك العين؛ لأن له أن يخرج الزكاة من غيرها، وله أن يتصدق -أيضاً- في مسألة النذر بدراهم غيرها، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه قد تعين عليه وجوب إرسال ذلك الصيد، فإذا أرسله غيره، فقد فعل ما كان على المحرم أن يفعله.
وأيضاً فإن الإرسال حق تعلق بهذه العين، وتعين فيها، فإذا فعل غيره لم يضمن، كمن ذبح أضحية غيره بغير أمره لم يضمن.
واحتج المخالف بأنه لو أزال يده عنه في غير حال الإحرام ضمنه، فإذا أزالها في حال الإحرام يجب أن يضمنه قياساً على سائر أملاكه.
والجواب: أن سائر أملاكه ليس عليه أن يُزيل يده عنها، فإذا أزالها غيرها عنها ضمنه، وليس كذلك الصيد؛ فإن عليه أن يزيل يده عنه، فإذا لم يفعل ذلك، وأزالها غيره، لم يضمن؛ لأنه فعل ما كان على المحرم أن يفعله، فهو كالغاصب.
واحتج بأن المحرم إنما لزمه حق الله تعالى، ولزوم حق الله لم يسقط الضمان عن متناوله إذا لم يكن له ولاية على صاحبه بدلالة: أن من وجبت عليه زكاة في ماله، فلم يخرجها، وجاء غيره، فأخرجها بغير أمره، ضمن، وكذلك لو قال: لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم، فتصدق بها غيره بغير أمره.

الجزء: 2 - الصفحة: 418

ولا يلزم عليه الإمام إذا أخرجها؛ لأن له ولاية عليه.
والجواب عنه: ما تقدم من الفرق بين المسألتين.

  • ... * ... *

205 -

مسألة

في شجرة أصلها في الحرم، وأغصانها في الحل وقف طائر على هذه الأغصان، فقتله مُحل في الحل، فعليه الجزاء في إحدى الروايتين:

نقلها صالح وابن منصور وهو اختيار أبي بكر وفي رواية أخرى نقلها ابن منصور لا جزاء.
وهو قول الشافعي.
وجه الرواية الأولى: أن الشافعي قد قال: إن هذا الغصن لو قطعه ضمنه: فنقول: كل غصن لو أتلفه ضمنه لحرمة الحرم، فإذا أتلف الصيد الواقف عليه ضمنه.
دليله: لو كان الأصل والغصن جميعاً في الحرم.
ولأن هذا الصيد لو كان في الحرم ضمنه، فإذا كان على ما أصله في الحرم ضمنه.
دليله: الغصن.
فإن قيل: إنما ضمن الغصن؛ لأن الاعتبار في الشجرة بأصلها،

الحديث: 205 - الجزء: 2 - الصفحة: 419

وأصلها في الحرم، فتبعها الغصن، وليس كذلك الصيد؛ فإن الاعتبار فيه بعينه، وعينه في الحل.
قيل: يبطل إذا كان الصيد في الحل، والرامي في الحرم؛ فإن عينه في الحل ويضمنه.
وطريقة أخرى، وهو: أن ضمان الصيد إذا اجتمع فيه الموجب والمسقط غُلِّب الإيجاب.
دليله: لو كان أحد أبويه أهلي، والآخر وحشي، وهو مما يؤكل؛ فإنه يجب الجزاء تغليباً للإيجاب، وكذلك إذا كان الرامي في الحرم والصيد في الحل، كذلك هاهنا، قد اجتمع فيه موجب، وهو وقوفه على غصن مضمون لحرمة الحرم، ومسقط، وهو وقوفه في الحل، فغلب الإيجاب.
واحتج المخالف بأن الرامي والصيد جميعاً في الحل، فلا ضمان، كما لو كان الأصل والفرع جميعاً في الحل.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه لم يُوجد فيه معنى الإيجاب، وهاهنا وُجِد فيه.
واحتج بأن الاعتبار بعين الصيد، وقد أجبنا عنه.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون الغصن يجري مجرى الحرم في ضمان الصيد، كما لم يجر مجراه في غيره من الأحكام، وقد ثبت أن شجرة

الجزء: 2 - الصفحة: 420

لو كانت في المسجد، وغصنها خارج المسجد، لم يُمنع الجنب من الكون عليها.
وكذلك لو حلف: لا دخلت هذه الدار، فجلس على غصن أصله في الدار، وهو خارج منها، أو حلف: ليخرجن منها، فخرج، وجلس على الغصن، لم يحنث.
قيل: لا يمتنع أن يكون حكمه حكم الأصل في الحنث والبر، وفي التحريم حق الجنب، ويكون حكمه حكم الأصل في الجزاء بدليل الغصن ليس في حكم الأصل في ما ذكرت، وهو في حكمه في الجزاء لو قطعه قاطع ضمنه، كذلك في الصيد، ويكون إلحاق ضمان بضمان أولى.
ولأن اليمين يعتبر فيها الاسم، يعتبر فيها الاسم، واسم الدار لا يقع على ذلك الغصن، والمسجد إنما مُنع الجنب لحرمته، وذلك معدوم فيه.
فأما الجزاء المغلب فيه الضمان عند اجتماع الموجب والمسقط، وهاهنا سبب الإيجاب، وهو كونه على ما هو في الحرم.
فإن قيل: فالغصن متصل بالشجرة.
قيل: الصيد في الحرم منفصل، وهما سواء في الضمان.

  • فصل: فإن كان في الحرم، فرمى صيداً في الحل، ففيه الجزاء قياساً على المسألة التي تقدمت، وانه قد ضمن في صيد على غصن في الحل.
    ونقل ابن منصور: لا ضمان عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 421

وجه الرِّواية الأولى: أن الرامي في الحرم يضمن، كما لو كان الصيد في الحرم.
ولأن ضمان الصيد يتعلق برامٍ ومرمىً، ثم ثبت أن الرامي لو كان في الحل، والصيد في الحرم، ضمنه، كذلك إذا كان الصيد في الحل، والرامي في الحرم؛ لأنه قد اجتمع منه موجب ومسقط، فغُلب الإيجاب.
ووجه الرواية الثانية: أن الصيد في الحل، أشبه إذا كان الرامي في الحل أيضاً.
والجواب: أنه لم يُوجد هناك سبب الإيجاب، وهاهنا قد وُجد.

  • ... * ... *

206 -

مسألة

ضمان صيد الحرم مضمون على المحل والمحرم:

نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي: في حمام الحرم شاة.
وفي رواية ابن منصور في قوم أحلة صادوا صيداً في الحرم: عليهم الجزاء.
وفي رواية الأثرم في حلال دل حراماً على صيد في الحرم: يكفر الحلال؛ هو في الحرم.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي.

الحديث: 206 - الجزء: 2 - الصفحة: 422

وقال داود: هو غير مضمون.
دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: "في الضبع كبش، إذا أصابه المحرم"، ومن دخل الحرم يُسمى محرماً.
قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة مُحرماً وكان قتله في الحرم.
ولأنه صيد ممنوع من إتلافه لحق الله تعالى، فضُمن بالجزاء، كالصيد الممنوع منه لحرمة الإحرام.
فإن قيل: حرمة الإحرام آكد بدلالة أنها تمنع الطيب واللباس والجماع، وحرمة الحرم لا تمنعه.
قيل له: هذا اختلاف في غير الصيد، فأما في الصيد فهما متساويان، ألا ترى أنهما متساويان في المنع من تنفيره وجرحه وقتله؟ واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: 95].
فمنع المحرم من قتل الصيد، وأوجب عليه الجزاء، والحرم جميعه حرام، فدل على أنه لا يجب على غيرهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 423

والجواب: أن دليل الخطاب عام في مُحل، وفي الحل، وفي الحرم، فنحمله على مُحل في الحل بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأن الأصل براءة الذمة، فمن ادعى شغلها، فعليه الدليل.
والجواب: أنا قد دللنا على وجوب ذلك.
واحتج بأنها بلد من البلاد، فلم يُضمن صيدها، كسائر البلاد.
والجواب: أن سائر البلاد لا يُمنع من إتلاف صيدها، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه يُمنع من إتلافه لحق الله تعالى، أشبه المحرم.

  • ... * ... *

207 -

مسألة

للصوم مدخل في ضمان صيد الحرم:

قال في رواية ابن منصور في حلال أصاب صيداً في الحرم: يُحكم عليه، كما يُحكم على المحرم.
وظاهر هذا: أنه مثله في الضمان.
وقد نص على الصيام في ضمان شجر الحرم في رواية ابن القاسم.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا مدخل للصوم فيه.
دليلنا: أنه صيد منع من إتلافه لحق الله تعالى، فجاز أن يدخل

الحديث: 207 - الجزء: 2 - الصفحة: 424

الصيام في بدله.
دليله: الصيد المضمون بحرمة الإحرام.
ونقول: صيد مضمون بالجزاء، فجاز دخول الصوم في جزائه.
دليله: ما ذكرنا.
وهذا يلزم عليه صيد المدينة؛ فإنه لا مدخل للصوم فيه.
ولكن نقول: صيد يُضمن بالإطعام، وكان للصوم مدخل في جزائه.
دليله: ما ذكرنا.
ولا يلزم عليه صيد المدينة؛ لأنه لا يضمن بالإطعام، وضمانه سلب القاتل.
ولأن الصوم أحد أنواع الجزاء، فجاز دخوله في ضمان صيد الحرم.
دليله: الطعام والهدي.
وإن شئت قلت: فأجرى صيد المحرم جري صيد الحرم.
دليله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأن ضمان صيد الحرم يجري مجرى ضمان الأموال؛ لأنه يجب لحرمة في غير القاتل، وهو الحرم، كما يجب ضمان الأموال لحرمة في غير المتلف، وهو صاحب المال، ثم ثبت أن الصوم لا مدخل له في ضمان الأموال، كذلك في ضمان صيد الحرم.
والجواب: أن اعتباره بضمان صيد المحرم أولى من اعتباره

الجزء: 2 - الصفحة: 425

بحقوق الآدميين من وجوه: أحدها: أنه وجب ضمانه لحق الله -تعالى- دون الآدمي، وحقوق الله -تعالى- يدخلها الصيام، وحقوق الآدميين لا مدخل للصيام فيها.
ولأن البدل في حقوق الآدميين يجب معيناً، أما المثل في ما له مثل أو القيمة فيما لا مثل له، والبدل في هذا الصيد يجب على وجه التخيير، ولا يتعين، كما أن البدل في صيد الإحرام يجب على التخيير.
ولأنه متعلق بالصيد المملوك وغير المملوك، كما أن ضمانه للإحرام يتعلق بالمملوك وغير المملوك.
ولو كان بمنزلة حقوق الآدميين لكان مضموناً في حق الصبي والذمي، وعندهم أنه لا يضمنه الصبي والذمي.
واحتج بأنه صيد ضُمن لأجل المكان، فلم يكن للصيام مدخل في بدله.
دليله: صيد المدينة.
والجواب: أن هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأن عنده لا يُضمن صيد المدينة.
وأما على أصلنا؛ فإنه لا يُضمن بالإطعام والهدي، وهذا يُضمن بالإطعام والهدي، وكان للصوم مدخل في جزائه.
دليله: الصيد المضمون بحرمة الإحرام؛ لأن صيد الحرم يجب

الجزء: 2 - الصفحة: 426

رفع يده عنه، وصيد المدينة لا يجب عليه رفع يده.
واحتج بأنه ضمانه يجب لحرمة المكان، فلم يكن للصيام مدخل فيه.
دليله: شجر الحرم.
والجواب: أنا لا نسلم ذلك؛ لأن ابن القاسم روى عنه في الشجرة العظيمة على ما جاء الحديث.
فقيل له: فإن لم يجد ذلك قومه، ثم صام؟ فقال: هكذا يلزم في القياس.
قيل له: فإنهم يقولون: ليس في الشجرة إذا قطعت صيام.
فقال: ولم؟ وما الفرق بين هذا وغيره؟

  • ... * ... *

208 -

مسألة

ما أدخله الحلال الحرم من الصيد؛ فإنه يرسله:

نص عليه في رواية الجماعة، منهم صالح في حلال أصاب صيداً في الحل، أو اشتراه، ثم أدخله الحرم: يرسله.
وكذلك نقل حرب في محرم -أو غير محرم- أدخل طيراً مما هو صيد الحرم: يخلي سبيله.
وكذلك نقل الأثرم وابن إبراهيم.

الحديث: 208 - الجزء: 2 - الصفحة: 427

وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك والشافعي: لا يلزمه إرساله، وله ذبحه والتصرف فيه.
دليلنا: أن دخول الحرم يمنع الاصطياد، فوجب أن يمنع إتلاف الصيد بكل حال.
دليله: الإحرام.
وإن شئت قلت: معنى يوجب تحريم الاصطياد، فأوجب إرسال ما في يده مما اصطاده مثله.
دليله: الإحرام.
والعبارة الأولى أصح؛ لأن الثانية والثالثة تنتقض بالمدينة؛ فإن دخولها يمنع الاصطياد، ولا يوجب إرسال ما في يديه.
نص عليه في رواية الأثرم: وقد سئل [عن الرجل] يدخل المدينة بصيد: أيرسله؟ فقال: ما سمعنا بهذا، ولكن لا يصيد بها شيئاً.
فإن قيل: تأثير الإحرام في الحظر؛ لأن الإحرام يحظر الطيب والمخيط والحلق والاستمتاع، ولا يحرم الحرم إلا الصيد والشجر.
قيل له: فقطع الشجرة تمنع منه حرمة الحرم، ولا تمنع منه حرمة الإحرام.
ولأن حرمة الحرم مؤبدة، وحرمة الإحرام مؤقتة.

الجزء: 2 - الصفحة: 428

ولأنهما -وإن اختلفا في غير الصيد- فقد تساويا في الصيد في باب المنع من ابتداء صيد الحرم وقتله.
فإن قيل: إنما مُنع المحرم من ذبح الصيد الذي في يده؛ لأنه لا ضرر عليه في ترك ذلك في زمان إحرامه؛ لأنه يقصر، ولا يطول، وليس كذلك أهل الحرم؛ فإن الضرر عليهم مؤبد، والمشقة من المنع منه دائمة، فلهذا جاز له ذبحه.
قيل له: قد مُنع أهل الحرم من الاصطياد على التأبيد، وهو أمر يلتذه الناس، وتطلبه نفوسهم، كما تطلب أكل لحم الصيد، وعُوضوا عن ذلك الأمن بالسُّكنى في الحرم، كذلك لا يمتنع أن يُمنعوا من لحم الصيد، ويُعوضوا عنه الفضيلة بسُكنى الحرم.
ولأن بين الحل والحرم متقارب، فإذا ذُبح الصيد أدنى الحل، أمكنهم أكله طرياً، كما لو ذبحوه في الحرم.
وقياس آخر، وهو: أنه صيد في الحرم، فوجب الجزاء بقتله.
أصله: ما دخل بنفسه.
واحتج المخالف بقوله صلى الله عليه وسلّم: "لا يحل [مال] امرئٍ عن مسلم إلا عن طيب نفس منه".
وهذا ماله، فلا يجوز إرساله إلا بطيب نفسه.
والجواب: أنه محمول على غير الصيد بما ذكرنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 429

واحتج بما روى أبو الزبير، عن جابر بن عبدالله: [أنه] كان لا يرى بأساً أن يُؤخذ الصيد في الحل، ويُؤكل في الحرم.
وروى عطاء: أن عائشة أُهدي لها ظبي في الحرم، فأرسلته، فبلغ هشام بن عروة، فقال: وما علم ابن أبي رباح؟ قد كان ابن الزبير تسع سنين يراها في الأقفاص، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم لا يرون بها بأساً.
والجواب: أن أبا بكر النجاج روى بإسناده عن عطاء، عن ابن عمر وابن عباس وعائشة قالوا: من أدخل الحرم صيداً، فإذا ذبحه كان عليه الكفارة.
وفي لفظ آخر عن ابن عمر: من أدخل الحرم صيداً، فهو آمن، وكفارته على من قتله.
واحتج بأن أدخل مملوكاً في الحرم، فوجب أن لا يجب الجزاء بإتلافه لأجل الحرم.
أصله: إذا قطع شجرة من الحل، فأدخلها إلى الحرم، وغرسها فيه، وعلقت، ثم أتلفها.
والجواب: أن الشجرة إذا غرسها ملكها، وشجر الحرم المملوك لا يجب بقطعه شيء، كالذي ينبته الناس.

الجزء: 2 - الصفحة: 430

وأما الصيد فإن ملكه وملك غيره في التحريم سواء بدليل الإحرام، وذلك أن حرمة الإحرام يستوي فيها ملكه وملك غيره للصيد، كذا حرمة الحرم.
ولأن جنس ما ينبته الناس لا يجب به جزاء، وإن لم يُملك، وهو الرمان والجوز واللوز، وجنس ما يُملك من الصيد إذا كان في الحرم تعلق به الجزاء، فدل على مفارقة أحد الأمرين للآخر.
واحتج بأنه لما جاز له أن يملك الصيد في هذه الحال، جاز له إمساكه.
دليله: المحل في الحل.
والجواب: أنه لا يجوز له تملكه في هذه الحال عندنا، وقد نقل الأثرم عنه في الرجل يشتري القُمري من ملكه، فيحمله العراق، فقال: ما يعجبني.
وهذا يقتضي منع التملك.
وكذلك نقل أبو طالب عنه أنه قال: لا يخرج القمري من الحرم.
وإنما منع؛ لأنه لا يخلو إما أن يصيده، أو يتملكه، وكلاهما ممنوع منه.
ثم المعنى في المحل: أنه يجوز أن يبتدئ الاصطياد، فجاز له

الجزء: 2 - الصفحة: 431

القتل، ومن في الحرم لا يجوز له الاصطياد، فلا يجوز له قتل الصيد.
واحتج بأن هذا حرم يمنع الاصطياد، فلا يوجب إزالة ملكه عن الصيد، كالمدينة.
والجواب: أن حرم مكة أعظم، ألا ترى أنه يمنع من دخولها بغير إحرام، ويضمن صيدها بالسلب؟

  • ... * ... *

209 -

مسألة

شجر الحرم مضمون على المحل والمحرم:

نص عليه في رواية عبد الله وأبي طالب وابن القاسم.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك وداود: هو غير مضمون.
دليلنا: أنه مبني على أنه ممنوع من قطعه.
والدلالة عليه: ما روى أبو بكر الأثرم بإسناده عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال بالحجون: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولو لم أُخرج منك لما خرجت، لم تحلي لأحد قبلي، ولا تحلين لأحد بعدي، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار، لا يُعضد

الحديث: 209 - الجزء: 2 - الصفحة: 432

شجرها، ولا يُحتش حشيشها، ولا يُصطاد صيدها، ولا يلتقط لُقطتها إلا مُنشد".
وإذا ثبت بهذا الخبر أنه ممنوع منه، فنقول: أتلف ما هو ممنوع منه لحرمة الحرم، فلزمه الضمان، كما لو قتل صيد الحرم.
وقد دللنا على [أن] صيد الحرم مضمون والشجر مبني على ذلك.
ولأنه إجماع الصحابة: روي عن ابن عباس أنه قال: في الدوحة بدنة، وفي الشجرة الجزلة شاة.
وعن ابن الزبير أنه قال: في الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95].
دليله: أنه لا جزاء على غير القاتل.
والجواب: أنه إنما أوجب على القاتل جزاء المثل.
دليله: أنه لا يوجب على القاتل غير جزاء المثل.
ونحن لا نوجب المثل في الشجر.
واحتج بأنه لو وجب بقطع شجر الحرم الضمان، لوجب ذلك على

الجزء: 2 - الصفحة: 433

المحرم بقطع شجر الحل، كالصيد.
والجواب: أنه باطل بالمنع؛ لأن المحل في الحرم غير ممنوع من قطع الشجر، والمحل في الحرم ممنوع منه.
واحتج بأنه أتلف شيئاً من الجامدات دون الحيوانات، فلم يضمنه.
دليله: غير الشجر.
والجواب: أن غير الشجر لم يُمنع من إتلافه، وهذا قد مُنع منه لحرمة الحرم، فهو كالصيد.
واحتج بأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب شغلها إلا بدليل.
والجواب: أنا قد دللنا على ذلك.

  • ... * ... *

210 -

مسألة

وما أنبته الآدميون من الشجر يجوز قطعه، ولا ضمان عليه، وما نبت بنفسه، فلا يجوز قطعه، وإن قطعه ضمنه؛ سواء كان من جنس ما ينبته الآدميون، أو لم يكنْ:

وقد قال أحمد في رواية المروذي وابن إبراهيم وأبي طالب: وقد سُئل عن الريحان والبقول في الحرم، فقال: ما زرعته أنت فلا بأس، وما نبت فلا.
وظاهر هذا: أن جميع ما يزرعه له أخذه.

الحديث: 210 - الجزء: 2 - الصفحة: 434

وقال أبو حنيفة: إن كان من جنس ما ينبته الناس جاز قطعه؛ سواء أنبته منبت، أو لم ينبته، مثل شجر الجوز، واللوز، وغيره، وإن كان مما لا ينبته الناس، فأنبت منبت لم يجب بقطعه جزاء، وإن نبت بنفسه وجب فيه الجزاء، كالقصب ونحوه.
وقال الشافعي: يجب بإتلافه الجزاء سواء أنبته الناس، أو نبت بنفسه.
فالدلالة على [أن] ما نبت بنفسه لا يجوز قطعه، ويجب به الجزاء، وإن كان من جنس ما ينبته الناس: ما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا يُعضد شجرها"، وهذا عام.
ولأنه شجر نام غير مؤذٍ نبت أصله في الحرم، لم ينبته آدمي، فوجب أن يُمنع من إتلافه.
دليله: ما لا ينبته الناس إذا نبت بنفسه.
وقولنا: (شجر) احتراز من الإذخِر.
وقولنا: (نامٍ) احتراز من اليابس.
وقولنا: (غير مؤذٍ) احتراز من الشوك.
(نبت أصله في الحرم) [احتراز] مما نبت أصله في الحل.
(لم ينبته آدمي) احتراز مما أنبته الآدمي.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه ليس من جنس المملوك، وهذا من جنسه.

الجزء: 2 - الصفحة: 435

قيل له: فما أنبته الآدمي مما ليس من جنس المملوك يُضمن بالجزاء عندك.
ولأن ما أنبته الناس فهو مملوك؛ يجوز أخذه في الحرم، والانتفاع به، كالأنعام.
وما لم ينبته الناس فهو مباح الأصل، كالصيد، ولا يجوز تناوله في الحرم.
واحتج المخالف بأن هذا مما ينبته الناس، فلم يُمنع من أخذه.
دليله: ما أنبته الآدمي من الزرع.
والجواب: أن ذلك مملوك، فهو كالأنعام، وهذا مباح الأصل، فهو كالصيد.
ولأنه لا يجوز اعتبار ما ينبت بنفسه بما ينبته الناس، ألا ترى أن الشجر الذي لا ينبته الناس لو أنبته منبت لم يجب بقطعه جزاء، ولو نبت بأصله وجب الجزاء.

  • فصل: والدلالة على أن ما أنبته الآدميون يجوز أخذه: أنه غرس أنبته آدمي، فكان له قطعه.
    دليله: الزرع والعوسج.
    ولأنه مملوك الأصل، فهو كالأنعام.

الجزء: 2 - الصفحة: 436

واحتج المخالف بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا يُعضد شجرها".
والجواب: أنه مُنع من قطع شجر الحرم، وشجر الحرم ما أُضيف إليه، وهو الذي لا يملكه أحد، فأما المملوك فهو شجر مالكه، فيُضاف إليه، لا إلى الحرم، فلا يتناول الخبر.
واحتج بأنه شجر نامٍ غير مؤذٍ أصله في الحرم، أشبه ما نبت بنفسه.
والجواب: أن ذلك غير مملوك، وهذا مملوك.
ولأن ذلك نبت بنفسه، وهذا أنبته الآدمي، فهو كالرزع.
واحتج بأن الصيد ممنوع منه في الحرم، ولا فرق بين ما يدخل بنفسه إلى الحرم، وبين أن يدخله آدمي، ثم يخليه في باب أنه يمنع من أخذه وصيده، كذلك في الشجر.
والجواب: [....].

  • ... * ... *

211 -

مسألة

يضمن الشجرة الكبيرة بالبقرة، والصغيرة بالشاة:

نص على هذا في رواية أبي طالب وابن إبراهيم والمروذي، فقال: في الشجرة العظيمة إذا قُطعت بقرة.
ذكره أبو بكر في "التنبيه".

الحديث: 211 - الجزء: 2 - الصفحة: 437

وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يضمنها بالقيمة.
دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عباس وابن الزبير.
ولأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم، فضُمن بمُقدر، كالصيد المقتول في الحرم يُضمن الكبير بمقدر، والصغير بمثله وقد دللنا على ذلك فيما تقدم في جزاء الصيد؛ هل هو مضمون بالمثل، أم لا؟ والمخالف بنى هذا على ذلك الأصل.

  • ... * ... *

212 -

مسألة

لا يجوز أن يُرعى حشيش الحرم:

وقد قال أحمد في رواية الفضل بن زياد، وقد سأله عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا يُخْتلى خلاها"، فقال: لا يحتش من حشيش الحرم، ولا يعضد شجرة.
فقيل له: يأخذ المقرعة من الشجر؟ فقال: ما كان يابساً.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: يجوز.
وهو اختيار أبي حفص العكبري، وحكى فيه قول أحمد في رواية

الحديث: 212 - الجزء: 2 - الصفحة: 438

إبراهيم بن هانئ: لا بأس أن يحتش المحرم.
ولم يفرق بين حشيش الحرم والحل.
ذكره أبو إسحاق في خلاف مالك.
دليلنا: أنه لما لم يجز أن يتلفه بنفسه، لم يجز له أن يُرسل عليه ما يتلفه، كالصيد.
يبين صحة هذا: أنه لما جاز له إتلاف الإذخر بنفسه، جاز -أيضاً- أن يُرسل عليه ما يتلفه.
فإن قيل: المعنى في الصيد: أنه يمكن الاحتراز من إتلافه، وإرسال ما يتلفه، وليس كذلك الرعي؛ فإنه لا يمكن الاحتراز منه، فعُفي عنه.
قيل له: إدخالها إلى الحرم وإرسالها للرعي يمكن الاحتراز منه، فيجب أن يُضمن، وإنما لا يمكن الاحتراز منه إذا أدخل بهائمه لحاجته، فرعت، فهذا لا يجب به الجزاء؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه.
يبين صحة هذا: أنه لو أدخل كلباً إلى الحرم، فأخذ صيداً، لم يجب على مُدخله شيء، ولو أرسله على الصيد، وأغراه، ضمنه، كذلك الحشيش مثله.
وأيضاً فإن الرعي يؤدي إلى إتلاف حشيش الحرم، فمُنع منه، كالقطع.

الجزء: 2 - الصفحة: 439

ولأن ما ضُمن [بالقطع، ضُمن] بإرسال البهيمة عليه للقطع.
دليله: زرع الآدمي.
واحتج المخالف بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "لا يُختلى خلاها إلا لعلف الدواب".
والجواب: أن هذا لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلّم في حشيش الحرم، وإنما ذكره في المدينة، وذلك يجوز رعيه وقطعه؛ لأنه يجوز أن يُؤخذ من شجرها ما دعت الحاجة لرواحلهم من الوسائد والعوارض والمساند، وأخذ العلف للإبل؛ لأن المدينة لا يقاربها شجر، ولا زرع، فلو منعنا من احتطابها لأضررنا بأهل البلدان؛ فإنهم لا يجدون شيئاً غيرها، وليس كذلك مكة؛ لأنه يقاربها من القرى والبلدان ما يُحتطب ويُحتش منها ويُرعى، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج بأن الهدايا تدخل الحرم من لدن النبي صلى الله عليه وسلّم إلى يومنا هذا، ومعلوم أنها لا تخلو من أن ترعى منها، ولم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلّم، ولا عن أحد من أصحابه [الإنكار] عليهم في ذلك.
والجواب: أن الهدايا لا تدخل الحرم للرعي، وإنما تدخل للذبح فيه، وما تتناوله في حال السوق إلى الذبح لا يمكن التحرز منه، فهو

الجزء: 2 - الصفحة: 440

معفو عنه، وفي مسألتنا يمكن التحرز منه.
واحتج بأنه أُبيح لهم قطع العوسج والشوك؛ لأن في ترك ذلك ضرراً عليهم؛ لأنهم يتأذون به، وأبيح لهم الإذخر لحاجتهم إليه لبيوتهم وموتاهم، وجب أن تكون إباحة الرعي أولى لحاجتهم إليه.
والجواب: أن جواز قطع العوسج والشوك لا يدل على جواز أخذ غيره، ألا ترى أنه يجوز قتل سباع الحرم، وما فيه أذية، ولم يدل على جواز قتل صيده؟ وأما الإذخر؛ فإنه يفارق الحشيش، ألا ترى أنه يجوز إتلافه بنفسه، والحشيش لا يجوز إتلافه بنفسه؟ على أنا قد بينا أن الحاجة لا تدعو إلى ذلك.

  • ... * ... *

213 -

مسألة

صيد المدينة مُحرم اصطياده، وكذلك شجرها يحرم قطعه:

وقد نص على تحريم الصيد في رواية الأثرم وحنبل وأبي مسعود.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يحرم صيدها، ولا قطع شجرها.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن جابر بن عبد الله [قال]: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إن الله حرم بيت الله وآمنه، وإني حرمت المدينة

الحديث: 213 - الجزء: 2 - الصفحة: 441

ما بين لابتيها؛ لا يقطع عضاهها، ولا يُصاد صيدها".
وبإسناده عن أبي هريرة قال: حرم رسول الله ما بين لابتيها؛ لا يُنفر صيدها، ولا يُعضد شجرها؛ يعني: المدينة.
وبإسناده عن عامر بن سعيد، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إني أحرم ما بين لابتي المدينة، كما حرم إبراهيم مكة؛ لا يُقطع عضاها، ولا يُقتل صيدها، ولا يخرج منها أحد رغبة عنها إلا أبدلها الله خيراً منه، والمدينة خير لهم لو كانوا يعملون".
وبإسناده عن علي [أنه] كان يقول: صدق الله ورسوله، فقال له الأشتر: أسر هذا إليك رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟ فقال: ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بشيء خاص دون الناس إلا بشيء سمعته من صحيفة في قراب سيفي، فلم يزالوا حتى أخرج الصحيفة، [فإذا فيها]: "إن إبراهيم حرم مكة، وأنا أحرم المدينة ما بين حريتها وحماها [كُله]؛ لا يُختلى خلاها، ولا يُنفر صيدها، ولا تُلتقط لُقطتها إلا لمن أشار بها، ولا يُقطع شجرها إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يُحمل فيها سلاح لقتال".

الجزء: 2 - الصفحة: 442

فإن قيل: الامتناع من صيد المدينة وشجرها حكم تعم [به] البلوى، و [ذلك] لا يثبت من طريق الآحاد، وهذه أخبار آحاد.
قيل: عندنا يجوز أن يثبت ذلك من طريق الآحاد.
وعلى أنه لا يمتنع أن يكون قد بينه بياناً عاماً، ونُقل إلينا نقلاً خاصاً، كما أن حجته شهدها الخاص والعام، ونُقلت إلينا نقلاً خاصاً، وكذلك رجمه لماعز شهده جماعة الصحابة، ونُقل إلينا نقلاً خاصاً.
فإن قيل: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلّم منع من ذلك غير أهل المدينة حتى لا يضيق عليهم معاشهم، ويُشاركوا في مباحاتهم [....] ورفقائهم.
قيل له: النهي عن ذلك نهي عام.
وعلى أن عندك أن ذلك مباح في حق أهل المدينة وغيرهم، ثم لو صح هذا التأويل في المدينة، لوجب أن يقول [....] في مكة؛ لأن اللفظ واحد.
ولأن المدينة حرم لله تعالى أشبه مكة.

الجزء: 2 - الصفحة: 443

وقد دل على صحة هذه التسمية ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "المدينة حرم من بين كذا إلى كذا، من أحدث فيها حدثاً، أو آوى مُحدثاً، لعنه الله".
ولم توجد هذه التسمية لغير مكة والمدينة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2].
والجواب: أنه محمول على غير المدينة، كما كان محمولاً عندك على غير مكة.
واحتج بأن أبا عمير أخا أنس كان له نُغير يلعب به، فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم: "يا أبا عُمير! ما فعل النُّغير؟ ". فلم ينكر عليه صيده وإمساكه.
وروي عن عائشة قالت: كان لآل النبي صلى الله عليه وسلّم وحش، فإذا خرج لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله صلى الله عليه وسلّم قد دخل، ربض كراهية أن يؤذيه.
والجواب: أن هذا محمول على أنه لم يكن من صيد المدينة، وإنما أُدخل إليها، وذلك غير ممنوع من إتلافه.
ونص عليه أحمد في رواية بكر بن محمد: وقد سئل عن المدينة

الجزء: 2 - الصفحة: 444

يُدخل إليها الصيد، يُذبح؟ قال: نعم.
قال: والطير الأهلي يكون بالمدينة لأناس أن يُذبح، ومكة لا يُذبح بها شيء من الطير، ولا الصيد؛ كان بها، أو أدخل.
فقد نص على ذلك، وفرق بينها وبين مكة.
وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: إن بعض الناس احتج بحديث أنس: "يا أبا عمير! ما فعل النُّغير؟ " فقال: ذاك لعله صعو كان عندهم.
واحتج بأنها بقعة يجوز دخولها بغير إحرام، أو بقعة لا تصلح لأداء نسك، أو بقية لا يجوز ذبح الهدايا فيها، فلم يُمنع صيدها.
دليله: سائر البقاع.
والجواب: أن ما بعد الميقات وقبل الحرم لا يجوز دخوله بغير إحرام، وصيده مباح، فامتنع أن تكون العلة في إباحته الصيد ما ذكره، وكذلك عرفات؛ تصلح لأداء نسك، وهو الوقوف، وصيدها مباح.
ثم لا يجوز اعتبار المدينة بسائر البقاع في جواز الصيد، كما لم يجز اعتيادها في كراهية الصيد.
ولأن هذا يخالف الأخبار.
واحتج بأنه لو كان صيدها محرم، لوجب أن يُحرم ما يُدخل إليها، كالمسجد الحرام.
والجواب: أن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: من جهة السنة، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال في صيد مكة:

الجزء: 2 - الصفحة: 445

"لا يُنفر صيدها"، وأقر أبا عمير على الصيد.
والثاني: أنه يباح من شجر المدينة وعلفها قدر الحاجة.
ولأن جزاء الصيد يختص الواجد للقاتل، ومكة بخلاف ذلك.

  • ... * ... *

214 -

مسألة

يُضمن صيد المدينة وشجرها بالجزاء في أصح الروايتين:

نص عليه في رواية الأثرم: وقيل له: هؤلاء يقولون: صيدها حلال؛ لأنه لو كان حراماً كان يقول: فيه الجزاء، فقال: قد جعل النبي صلى الله عليه وسلّم سلبه لمن وجده.
قيل له: السلب أكثر من الجزاء! قال من وجه قد رُوي هذا، وهو صحيح.
وفيه رواية أخرى: لا جزاء فيه.
نص عليه في رواية بكر بن محمد فقال: ما سمعنا: أن النبي صلى الله عليه وسلّم ولا أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم حكموا في صيد المدينة، وإنما حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فحرم صيدها، وشجرها أن يعضد، وأن يُختلى خلاها، وأن يقطع بها الحشيش، فنصير إلى ما قال النبي صلى الله عليه وسلّم، ولم يبلغنا أن أحداً

الحديث: 214 - الجزء: 2 - الصفحة: 446

من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم حكم فيه بجزاء صيد، فالنبي صلى الله عليه وسلّم حرمها.
وللشافعي قولان، كالروايتين.
وقال مالك: لا جزاء.
فالدلالة على وجوب الجزاء: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن سليمان بن أبي عبد الله قال: رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلاً يصيد في حرم المدينة التي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فسلبه ثيابه، فجاء مواليه، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم حرم هذا الحرم، وقال: "من رأيتموه يصيد فيه فلكم سلبه"، ولا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولكن إن شئت أعطيتكم.
وروى بإسناده أن سعداً خرج، فرأى عبيداً من عبيد المدينة قطعوا من شجر المدينة، فسلبهم متاعهم، فجاء مواليهم إلى سعد، فقالوا: إن غلمانك أخذوا متاع غلماننا، فمُر فليردوه علينا، فقال: ليس غلماني، ولكن أنا أخذته، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم نهى أن يُقطع من شجر المدينة، وقال: "من فعل ذلك فلمن وجده سلبه"، فهو شيء أطعمنيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولكن سلوني من مالي.
فإن قيل: القصد بها الزجر عن الاصطياد، والمنع منه، دون الحقيقة،

الجزء: 2 - الصفحة: 447

كقوله: "من بنى مسجداً، ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة".
وأراد بذلك الزيادة في الحث والترغيب دون التحقيق.
قيل له: الظاهر من قوله: "فله سلبه" يقتضي الإيجاب، فمن حمله على الزجر احتاج إلى دليل، مع أنه قد تقدم منه بيان الزجر بقوله: "وإني مُحرم المدينة"، ولو كان المراد به الزجر لم يمنع سعد من تسليم السلب.
وأيضاً فإن المدينة بقعة يحرم صيدها، فوجب أن يكون مضموناً بالجزاء.
دليله: مكة.
أو نقول: كل حرمة حرمت الاصطياد، أوجبت الجزاء.
دليله: الإحرام والحرم.
واحتج المخالف بأنها بقعة يجوز دخولها بغير إحرام، وبقعة لا تصلح لأداء النُّسك، ولا تصلح لذبح الهدايا، فلا يُضمن صيدها بالجزاء.
دليله: سائر البقاع.
والجواب عنه: ما تقدم أن سائر البقاع لا يحرم صيدها، وليس

الجزء: 2 - الصفحة: 448

كذلك هاهنا؛ لأنه يحرم صيدها، أشبه الحرم.

  • ... * ... *

215 -

مسألة

وجزاء صيدها سلب القاتل، يكون للذي سلبه:

نص عليه في رواية الأثرم، فقال: وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلّم سلبه لمن أخذه، من كم وجه قد رُوي.
وللشافعي قولان على القول الذي يقول: إنه مضمون: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: يتصدق به على مساكين حرم المدينة.
دليلنا: ما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "من رأيتموه يَصيد فيه فلكم سلبه".
وقوله: "من رأيتموه" ينتظم أهل المدينة وغيرهم.
وقوله: "فلكم" إضافة بلام الملك، فاقتضى ذلك أن يكون ملكاً لمن أخذه.
ولأن سعد بن أبي وقاص امتنع من رد السلب، وقال: طُعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولم ينكر واحد من الصحابة عليه ذلك، فدل على أن المسألة إجماع.
ولأنه لما جاز لمن شاهده يصيد بها أخذ سلبه، جاز أن يملكه،

الحديث: 215 - الجزء: 2 - الصفحة: 449

كالقاتل إذا انفرد بقتل الكافر؛ لما جاز له أخذ سلبه، جاز أن ينفرد بملكه دون أهل الوقعة.
واحتج المخالف بأن هذا صيد مضمون بالجزاء، فوجب أن ينصرف جزاؤه إلى أهل حرمه.
دليله: حرم مكة.
والجواب: أن جزاء صيد المدينة لما فارق جزاء صيد مكة في الصفة، وهو أن صيد المدينة يُضمن بسلب القاتل، وصيد مكة يُضمن بمثله فيما له مثل، أو بالقيمة فيما لا مثل له، جاز أن يفارقه في المصرف، ألا ترى أن المأخوذ من الفئ والغنيمة لما خالف الزكاة في المقدار، خالفه في المصرف؟

  • ... * ... *

216 -

مسألة

ولا يحرك صيد وج، ولا شجرها، وهي بالطائف:

قال الشافعي: يُمنع من صيدها، وقتل الصيد بها، وهل يضمن؟ على قولين.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2].
وقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا يحل مال امرئ مُسلم إلا عن طيب نفس منه".

الحديث: 216 - الجزء: 2 - الصفحة: 450

ولأنه ليس بحرم لله تعالى، أو أنه أُبيح عضد شجرة، فأبيح صيده.
دليله: سائر البقاع.
وعكسه: مكة والمدينة.
واحتج المخالف بما روى عروة بن الزبير، عن أبيه: أنه قال: لما أترى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وجاً قال: "صيد وج وعضاهه حرم مُحرم".
والجواب: أنه خبر ضعيف، ونحمله على الاستحباب للخروج من الخلاف.

  • ... * ... *

217 -

مسألة

مكة أفضل من المدينة في إحدى الروايتين:

قال في رواية أبي طالب: وقد سئل عن الجوار بمكة، فقال: كيف لنا به؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "إنك لأحب البقاع إلى الله، وإنك لأحب البقاع إلي".
وبهذا قال الشافعي.
وقال في رواية أبي داود: وقد سئل عن المقام بمكة؛ أحب إليك، أم المدينة؟ فقال: بالمدينة لمن قوي عليه؛ لأنها مُهاجر المسلمين.

الحديث: 217 - الجزء: 2 - الصفحة: 451

وظاهر هذا: أنها أفضل من مكة؛ لأنه قدم المقام فيها على المقام بمكة.
وهو قول مالك.
وجه الأولى: ما روى أبو بكر بإسناده عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهو في سوق الحزورة بمكة: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب البلاد إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت".
وفي لفظ آخر رواه بإسناده عن عبد الله بن عدي بن الحمراء: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلّم، وهو واقف على راحلته بالحزورة من مكة، ويقول لمكة، "والله [إنك] لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى [الله عز وجل]، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت".
وهذا نص؛ لأنه قال: "لخير أرض الله، وأحبها إليه".
فإن قيل: يحمل هذا على أنها خير أرض الله بعد المدينة.
قيل: لا يمكن هذا؛ لأنه قال ذلك متأسفاً عليها، ألا ترى أنه قال: "لولا أني أُخرجت منك ما خرجت".
فلو كانت المدينة التي انتقل إليها خير منها لم يتأسف على تركها.

الجزء: 2 - الصفحة: 452

وأيضاً روى أبو حفص بإسناده عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه".
وروى بعضهم عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "صلاة في المسجد الحرام تعدل منه ألف صلاة، وصلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة، وصلاة في المسجد الأقصى تعدل خمس مئة صلاة".
وهذا نص في أن مكة أفضل؛ لأنه أخبر فضل العمل فيها على غيرها من البلاد.
وأيضاً فإنها تختص بأنه لا يجوز دخولها بغير إحرام؛ وانها محل للنسك والهدايا، والمدينة بخلاف ذلك.
واحتج المخالف بما روى نافع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "المدينة خير من مكة".
والجواب: أنا نحمله على الوقت الذي كانت مكة دار حرب، أو نحمله على الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلّم فيها، وكان الشرع يُؤخذ منه.

الجزء: 2 - الصفحة: 453

واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "إني دعوت للمدينة بمثل ما دعا إبراهيم لمكة، ومثله معه".
وقوله: "ولا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعاً، أو شهيداً يوم القيامة".
ولم يقل ذلك في غيرها.
وقوله: "لا يخرج عنها أحد رغبة عنها إلا أبدلها الله خيراً منه"؛ قاله في الأعرابي الذي استقاله بيعته.
وقوله: "أُمرت بقرية تأكل القرى تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد".
ولا معنى لقوله: "تأكل القرى" إلا فضلها على غيرها.

الجزء: 2 - الصفحة: 454

وقوله: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى جُحرها".
وقوله: "اللهم حبب إلينا المدينة كحُبنا مكة، أو أشد".
ولا يجوز أن يسأل ربه أن يُحبب إليه الأدون زيادة على الأعلى.
والجواب: أنا نحمل هذه الأخبار ونظائرها على فضلها على سائر البلاد سوى مكة.
وكذلك الجواب عن قوله: "اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي، فأسكني أحب البقاع إليك"؛ معناه: بعد مكة بدليل ما ذكرنا من حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عدي، وقوله لمكة: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب البلاد إلى الله تعالى".
واحتج بأن عمر أنكر على عبد الله بن عباس قوله: إن مكة خير من المدينة، وقال: أين القائل: لمكة خير من المدينة؟ ولم يُحفظ عن أحد إنكار عليه ما أنكره على ابن عباس.

الجزء: 2 - الصفحة: 455

والجواب: أن إنكاره عليه لم يرفع خلاف عبد الله؛ لأنه لم يُنقل عنه أنه رجع، وأكثر ما فيه أنه سكت، ويجوز أن ذلك هيبة له.
واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلّم مخلوق منها، وهو خير البشر، وتربته أفضل الترب.
والجواب: أن التفاضل في الخلقة لا يدل على التفاضل في التربة بدليل أن أحد الأئمة الأربعة أفضل من غيره، ولم يدل على أن تربته أفضل من تربة غيره.
واحتج بأن فرض الهجرة إليها يوجب كون المقام بها طاعة وقربة، ويدل على فضلها على سائر البقاع.
والجواب: أن المسجد الأقصى قد ورد الشرع بشد الرحال إليه، ولم يدل ذلك على فضله على مكة والمدينة، كذلك هاهنا.

  • ... * ... *

218 -

مسألة

تُستحب المجاورة بمكة:

نص عليه في رواية أبي طالب: وقد سُئل عن الجوار بمكة، قال: وكيف لنا؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "إنك لأحب البقاع إلى الله، وإنك لأحب البقاع إلي".
وجابر جاور بمكة، وابن عمر كان يقيم بمكة، ومن كان بالمدينة

الحديث: 218 - الجزء: 2 - الصفحة: 456

خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يُكره.
دليلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلّم تأسف على المجاورة بقوله: "لولا أن قومي أخرجوني لم أخرج"، فلولا أن الفضيلة في ذلك ما تأسف عليه.
رواه أبو بكر بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهو في سوق الحزورة بمكة: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب البلاد إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خَرجت".
وظاهر هذا: أنه تأسف على ترك المقام بها، فلولا أن فيه فضل ما تأسف عليه.
ولأن المقام بها أمنٌ، قال الله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97].
ولأ الطاعات فيها يتضاعف ثوابها.
ولأنها محل لفعل النُّسك، فيجب أن تكون للمجاورة فيها فضيلة.
واحتج المخالف بأن المقام بها يفضي إلى الملل لها.
ولأنه لا يأمن مواقعة المحظور، فيتضاعف عليه العذاب.
ولأنه يضيق على أهله.
والجواب عن قوله: (إنه قد يملها): [أنه] يبطل بالمقام بمسجد

الجزء: 2 - الصفحة: 457

النبي صلى الله عليه وسلّم، والنظر إلى قبره، والنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلّم حال حياته؛ والمداومة للنظر في وجوه الصالحين؛ فإن ذلك مستحب، وإن أدى إلى ما قالوه.
وقولهم: لا يأمن مواقعة المحظور، فيتضاعف عليه الوزر؛ فإنه يقابله: أن الثواب يتضاعف.
وعلى أنا نمنع المجاورة لمن علم من نفسه مواقعة المحظور.
وأما قولهم: إنه يضيق، فلا يصح؛ لأن العادة أنه يعامل أهل الموضع، فينتفع بهم، وينتفعون به، وإذا كان كذلك، لم يُفض إلى ما قالوه.

  • ... * ... *

219 -

مسألة

الهدي واجب على المحصر:

نص عليه في الجماعة؛ أبي طالب، وأبي الحارث، وابن منصور، وغير ذلك.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: لا هدي عليه.
دليلنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، فذكر الحصر، وعقبه بالهدي، فاقتضى الظاهر تعلق الهدي بالحصر.
فإن قيل: الظاهر مُطرح بالإجماع؛ لأنه يقتضي أن الهدي يجب

الحديث: 219 - الجزء: 2 - الصفحة: 458

بمجرد الحصر، وأحد لا يوجب ذلك، وإذا كان كذلك، ففي الآية إضمار، وتقديرها: فإن أحصرتم، فتحللتم، فما استيسر من الهدي.
فإذا كان تقديرها هذا، فالهدي المفعول بعد التحلل غير واجب بالإجماع.
قيل له: الظاهر اقتضى وجوب الهدي على المحصر بكل حال، فإن أسقطنا ذلك في موضع بدليل.
ولو سلمنا أن فيها إضماراً، فإنا نضمنر فيها: فإن أحصرتم، فأردتم التحلل، فعليكم ما استيسر من الهدي.
فإن قيل: يحمل هذا على المريض.
قيل: عند مالك: أن المرض لا يبيح التحلل، فلا يصح حمل الآية عليه.
فإن قيل: الهدي محله الحرم، وعندكم أن هدي المحصر لا يختص الحرم، فالظاهر مُطرح عندكم.
قيل له: الهدي المطلق يختص الحرم، وهذا الهدي ليس بمطلق، وإنما هو واجب لأجل العذر، فاختص بموضع العذر.
وأيضاً روى جابر بن عبد الله قال: أحصرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالحديبية، فنحرنا البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.
فنقل حكماً -وهو النحر- وسبباً -وهو الحصر- فاقتضى الظاهر

الجزء: 2 - الصفحة: 459

تعلق الحكم بالسبب.
فإن قيل: ذلك الهدي كان تطوعاً؛ لأن الصحابة ألفاً وأربع مئة، والنبي صلى الله عليه وسلّم ساق سبعين بدنة، وذلك لا يكفي جميعهم، فثبت أن الهدي لم يكن واجباً على جماعتهم.
قيل له: النبي صلى الله عليه وسلّم نحر عن بعضهم، وبعضهم كان قد ساق هدياً، فنحره، ألا ترى أنه روي في بعض الأخبار أنه قال: فنحرنا البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.
والنبي صلى الله عليه وسلّم لم يكن ساق بقراً.
على أن من لم يكن معه هدي فإنه كان قد صام بدلاً عن الهدي.
والقياس: أنه خرج من نسكه قبل التمام، فلزمه الهدي، كما لو فاته الحج.
فإن قيل: الفائت مفرط، فلهذا لزمه الهدي، وهذا غير مفرط.
قيل له: فمن حصره المرض هو غير مفرط، ومع هذا يجب عليه، وكذلك المتمتع أو القارن ليس بمفرط، والدم واجب عليهما.
فإن قيل: فهو أخف.
قيل له: في وجوب القضاء روايتان" نقل أبو طالب عنه: فمن حصره العدو، فإن كان معه هدي نحره، وعليه الحج من قابل، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلّم.
وظاهر هذا وجوب القضاء، فعلى هذا لا فرق بينه وبين الفوات.

الجزء: 2 - الصفحة: 460

ونقل ابن القاسم وابن منصور: لا قضاء عليه.
فعلى هذا ليس إذا سقط القضاء سقط الهدي؛ لأن الهدي إنما يجب جزاء لما ترك من النُّسك، فهو كما لو لبس أو تطيب في حجة حصر فيها؛ فإن الدم لا يسقط عنه؛ لأنه جبران لذلك، وإن كان القضاء يجب.
واحتج المخالف بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: "ليس عليه في المال سوى الزكاة".
وقوله: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه".
والجواب: أنه محمول على غير المحصر بمت ذكرنا.
واحتج بأنه غير منسوب إلى التفريط، فلم يلزمه الدم.
دليله: إذا أكمل الأفعال، فلم يُخل بشيء من الأفعال، لم يلزمه الدم، وإذا أحصر فتحلل، فقد أخل ببعض النُّسك، فلزمه لأجل ذلك الدم؟ واحتج بأنه لما خُفف عنه بالتحلل من إحرامه كان بأن يُخفف عنه في إيجاب الهدي أولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 461

والجواب: أن إيجاب الهدي عليه ليس على سبيل التغليظ، وإنما هو جبران لما ترك من النُّسك، كما يلزم القارن والمتمتع الدم، ولا يكون ذلك تغليظاً عليه، كذلك هاهنا.

  • ... * ... *

220 -

مسألة

وينحصر المحصر هديه في موضع تحلله من حل، أو حرم، رواية واحدة.
وهل يؤخر النحر والتحلل إلى يوم النحر، أم ينحر ويتحلل في وقت الحصر؟ على روايتين:

قال في رواية الميموني: إذا حصره العدو، فإذا كان معه هدي نحره مكانه، وحل، وليس عليه أكثر من هذا.
وكذلك نقل أبو طالب عنه: إذا أحصر بعدو نحر الهدي، وحل، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلّم.
وكذلك نقل ابن منصور عنه: أما هدي المتعة؛ فإنه يذبح يوم النحر، وأما هدي الإحصار؛ فإنه يختلف، يكون من عدو، فيذبح مكانه، ويرجع.
وظاهر هذا: أنه ينحر ويتحلل في الحال.

الحديث: 220 - الجزء: 2 - الصفحة: 462

وهو قول الشافعي.
ونقل ابن منصور عنه في محرم أحصر بحج، ومعه هدي قد ساقه: لا ينحر إلى يوم النحر، فقيل: قد يئس من الوصول إلى البيت، فقال: وإن يئس، كيف ينحر قبل يوم النحر؟ ولا يحل إلى يوم عرفة، فإن لم يكن معه هدي صام عشرة أيام.
وكذلك نقل أبو الحارث عنه في من أحصر بعدو: أقام حتى يعلم أن الحج قد فاته، فإذا فاته الحج نحر الهدي -إن كان معه- في موضعه، ورجع إلى أهله، وعليه الحج من قابل، وإن كان إحصار مرض لم يحل من إحرامه حتى يطوف بالبيت.
وكذلك نقل الأثرم عنه في من أحصر بحج، ومعه هدي قد ساقه: لا ينحره إلى يوم النحر.
قيل له: قد يئس من الوصول إلى البيت، فقال: وإن يئس.
وظاهر هذا: أنه لا ينحر، ولا يتحلل قبل يوم النحر.
وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يذبح هدي الإحصار إلا في الحرم، ويجوز ذبحه قبل يوم النحر.
فالدلالة على جواز ذبحه في الحل: ما روى جابر بن عبد الله قال:

الجزء: 2 - الصفحة: 463

أحصرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم عام الحديبية، فنحرنا البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.
والحديبية من الحل، ويؤكد هذا ما روى مجاهد قال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلّم عند الشجرة، وذلك الموضع حل.
فإن قيل: الحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم، وروي عن المسور بن مخرمة: أنه قال: كان خباء رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الحل، ومصلاه في الحرم.
وروى النجاد بإسناده عن عبد الله بن نيار، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلّم نحر في الحرم في الحديبية.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلّم أهل هو وأصحابه بذي الحُليفة، فلقيهم أهل مكة بالحديبية، فصدوهم، فلما مضى وقت الحج غلت الدماء في أجواف الهدي، فجعلت تطلب من المنحر، وجعل المشركون يردونها، وهي تضربهم بأخفافها، فقالوا: خل سبيل هديك، فليُنحر في منحره.
[....] لو كان النبي صلى الله عليه وسلّم ذبح هديه في الحرم لما قال الله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25].

الجزء: 2 - الصفحة: 464

[....] الهدي فيها مثل منى ونحوها.
[....] المحل في القرآن مطلق، فيجب أن يكون الهدي محبوساً على جميع محله.
وما ذكروه من أن النبي صلى الله عليه وسلّم ذبح في الحرم، فيعارضه ما روينا أن مضرب النبي صلى الله عليه وسلّم كان تحت الشجرة، وهو موضع المسجد، وذلك الموضع في الحل معروف.
وما رواه أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتك في كتاب "المناسك": ثنا أبي قال: نا عبد الله بن رجاء قال: إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس وعبيد بن عمير: أن النبي صلى الله عليه وسلّم نحر هديه يوم صُد بالتنعيم.
قال أبو محمد: يعني: بالحل.
[....] قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25] ليس يقتضي كونه ممنوعاً من الحرم أبداً، وإنما يقتضي كونه ممنوعاً منه في وقته، وعندنا مُنع منه، ثم زال المنع.

الجزء: 2 - الصفحة: 465

[....] الصد عن الوقت لا يكون؛ لأنه يمكن أن يقيم إلى ذلك الوقت.
على أنه محمول على الأمرين.
والقياس: أن خارج الحرم موضع إحلاله، فوجب أن يكون موضع ذبح هديه، كالمحصر في الحرم.
[....] الحرم محل للهدي في غير حال الإحصار، فكان محلاً لهديه في حال الإحصار، وليس كذلك الحل؛ فإنه ليس بمحل الهدي في غير حال الإحصار، فلم يكن محلاً له في حال الإحصار.
[....] لا يمتنع أن يكون محلاً للهدي في غير حال الإحصار، ويكون محلاً في حال الإحصار؛ لأن حال الإحصار حال اضطرار، فجاز فيها ما لا يجوز في حال الاختيار، ألا ترى أنه في حال الاختيار لا يجوز أن يتحلل بالهدي، ويكون تحلله بالأعمال؟ واستباح بالإحصار التحلل بالهدي، واستباح تقديمه على الزمان الذي يتحلل [فيه] من إحرامه في حال الاختيار، فلم يمتنع أن يتعين محل الهدي بالإحصار.
[....] لو كان الحل في هذا بمنزلة الحرم، لوجب أن يلزمه

الجزء: 2 - الصفحة: 466

ذبح الهدي في الحل، وأنه يجوز سوقه إلى الحرم، كما لو أحصر في الحرم؛ أنه يلزمه ذبحه فيه، ولا يجوز له أن يذبحه في الحل.
[....] وإنما جاز سوقه إلى الحرم؛ لأن محل الهدي هو الحرم، فإذا تمكن منه لم يجز العدول عنه، وإذا لم يتمكن صار معذوراً، فجاز النحر في موضعه، فهو كما لو عطب الهدي في الحل، نحره موضعه لعدم القدرة على إيصاله إلى الحرم.
ولأن الذبح أحد سببي التحلل في حق المحصر، فلم يختص الحرم، كالحلق.
[....] القارن يجوز أن يحلق خارج الحرم، إلا أن يلزمه دم، ولا يجوز أن يذبح خارج الحرم.
[....] القارن يلزمه الذبح في محل نسكه، وهو منى عند فراغه من الرمي، فلا فرق بينهما.
ولأن التحلل رخصة، فلو كلفناه الذبح في الحرم كان فيه مشقة عظيمة، والغالب أن الإحصار إذا كان من عدو لم يتمكن من إنفاذ الهدي، ولا إنفاذ من ينوب عنه في ذبح الهدي، فلا يتوصل إلى الرُّخصة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا

الجزء: 2 - الصفحة: 467

تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]. فالدلالة من الآية من وجوه: أحدها: أنه واجب على المحصر الهدي، وإطلاقه يقتضي إهداءه إلى الحرم، ألا ترى أنه لو قال: (لله علي هدي) لزمه أن يهدي شاة إلى الحرم، ويذبحها فيه.
والثاني: قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، ومحل الهدي الحرم، قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33].
والثالث: أنه جعل بلوغ الهدي محله غاية لجواز الحلق، فعُلم أن موضع الذبح غير موضع الإحصار؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما كان لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]-وهو قد يبلغ- معنى.
[....] عن دليله الأول، وأن إطلاق الهدي يقتضي الحرم: فلا نسلم أن الهدي هاهنا مطلق؛ لأن قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] يقتضي أن يكون الإهداء عقيب الإحصار؛ لأن الفاء للتعقيب، وهذا يدل على أن ذبح الهدي في موضع الإحصار.
وأما الدليل الثاني من قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وإن محله الحرم، فلا نسلم ذلك أيضاً، بل المحل هاهنا هو الذبح، وإيصاله إلى المستحق، فهو محله، كالموضع الذي يجب الذبح فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 468

والذي يبين صحة هذا: أن الحصر لو كان في الحرم تحلل بالهدي، ولم يكن عليه تبليغ الهدي محله، والمستحب المندوب من فجاج مكة، بل كان ما ذكرنا من الذبح، وتفرقة لحمه على مستحقه.
ولأنه علق جواز الحلق ببلوغ الهدي محله، والحلق إنما يجوز بعد حصول الذبح، فعُلم أن المراد بالمحل المذبح الذي يجوز بعد حصول الذبح، فعُلم أن المراد بالمحل المذبح الذي يجوز بعد الحلق دون الموضع.
وفي هذا جواب عن دليلهم الثالث من الآية.
واحتج بأنه دم تعلق وجوبه بالإحرام، فوجب أن يكون موضع إراقته من الحرم.
دليله: هدي القران والمتعة وجزاء الصيد.
ولأنه دم واجب لاستباحة ما حظره الإحرام -وهو الحلق- على وجه العذر، أشبه فدية الأذى, ولأنه لا يخلو إما أن يكون دم جناية، أو نسك، وكل ذلك يخنص الحرم.
والجواب: أنه إن كان القياس على الدماء الواجبة على المحصر، فلا نسلم ذلك، ويجوز ذبحها في موضعه من الحل، كما يجوز له أن يذبح هدي الإحصار فيه.
وإن كان القياس على الدماء الواجبة في حق غير المحصر، فالمعنى

الجزء: 2 - الصفحة: 469

في غير المحصر: لما كان موضع محله الحرم، كان موضع نحره الحرم، والمحصر: لما كان موضع محله الحل، جاز أن يكون موضع نحره الحل.
ولأن غير المحصر لا مشقة عليه في إيصاله الدم إلى الحرم، وهذا عليه فيه مشقة من الوجه الذي بينا.
واحتج بأنه موضوع لإباحة الإحلال على غير وجه البدل، أشبه الطواف.
وفيه احتراز عن موضع المتعة؛ لأنه بدل.
والجواب: أنه يبطل بالحلاق.
على أن الطواف لما اختص بموضع اختص بالحرم، والنحر لما لم يختص بموضع معين لم يختص بالحرم.
واحتج بأنه لو كان الحل موضعاً لذبح هدي الإحصار فيه، لما اختلف أن يكون الإحصار في الحل والحرم، ألا ترى أن الحرم لما كان موضعاً له، لم يختلف أن يكون الإحصار في الحل أو الحرم؟ فلما اتفقوا على أنه لو أحصر في الحرم لم يجز ذبحه في الحل، كذلك إذا أحصر في الحل.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أن محل الهدي الحرم، فإذا كان الحصر في الحرم، فهو متمكن منه، [أما إذا كان الحصر في الحل، فهو

الجزء: 2 - الصفحة: 470

غير متمكن منه]، فكان معذوراً في تركه، كما إذا عطب الهدي في الحل.
وينعكس هذا بالحلاق؛ فإنه لو أحصر في الحرم عن البيت، لم يلزمه الخروج إلى الحل ليحلق، ثم لو وقع الحصر في الحل جاز له الحلاق في موضعه.

  • فصل: والدلالة على أنه يجوز ذبحه قبل يوم النحر خلافاً لأبي يوسف ومحمد وإحدى الروايتين عن أحمد: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ولم يخص وقتاً دون وقت.
    فإن قيل: قد قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾؛ يعني: الوقت الذي يذبح فيه، [كما] يُقال: محل هذا المال كذا؛ يعني: الوقت الذي يحل فيه.
    قيل: له المراد بالمحل هاهنا: مكان الذبح، وهو موضع التحلل، فإذا بلغ الهدي ذلك، فقد بلغ محله.
    والذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، ثم قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾؛ يعني: في الحج والعمرة، ثم قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، ولا خلاف أن المراد بالمحل في العمرة المكان دون الوقت، كذا المحل في الحج؛ إذ هو محل واحد.
    فإن قيل: إذا احتمل الوقت والمكان حملناه عليهما جميعاً،

الجزء: 2 - الصفحة: 471

وجعلناهما شرطاً في إباحة الإحلال.
قيل له: يجب حمله على ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً؛ من شأن الاستثناء أن يُرد إلى المحكم.
وأيضاً الإحصار يباح به ما كان محظوراً عليه في الإحرام لأجل الصيد، فوجب أن يجوز تقديمه على يوم النحر قياساً على نسك الأذى.
ولأن دم الإحصار ليس بنسك في نفسه، إنما يجب لأجل ما يحصل له من الإحلال به، ووجدنا الدماء الواجبة في الإحرام ما لم تكن نسكاً جاز تقديم إراقتها قبل يوم النحر، كجزاء الصيد، ودم اللابس، والمتطيب، فوجب أن يكون دم الإحصار بمثابته.
ولا يلزم عليه دم المتعة والقران؛ لأنه نسك في نفسه، كالوقوف بعرفة والطواف.
وأيضاً المحصر بمنزلة من فاته الحج؛ لأنه يجوز له الإحلال بالهدي، كما يجوز للذي فاته الحج أن يتحلل بعمل العمرة، فلما لم تكن العمرة التي تجب بالفوات مؤقتة، وجب أن لا يكون دم الإحصار مؤقتاً.
فإن قيل: هذا دلالة لنا، وذلك أن العمرة التي يتحلل بها من فاته الحج من إحرامه لا يجوز تقديمها على يوم النحر، كذلك دم الإحصار يجب أن لا يجوز تقديمه على يوم النحر.
قيل له: الإحصار سبب لجواز الإحلال، وإذا كان السبب موجوداً

الجزء: 2 - الصفحة: 472

جاز تقديم الذبح والإحلال من الإحرام، وليس كذلك العمرة التي تلزم بالفوات؛ لأن سببها لا يُوجد إلا بفوات الحج، والحج لا يفوت إلا بفوات الوقوف بعرفة، فإذا لم يوجد سبب العمرة لم يجز تقديمها.
واحتج المخالف بأنه محرم بالحج، فوجب أن لا يجوز له الإحلال قبل يوم النحر قياساً على غير المحصر.
والجواب: أن الذي لم يُحصر لا يجوز إحلاله قبل يوم النحر؛ لأنه أتى بأفعال الحج على الترتيب، وهذا لم يأتِ بشيء من أفعال الحج، وسبب الإحلال موجود، وهو الإحصار، فوجب أن يجوز إحلاله لوجود السبب.
فإن قيل: يجوز أن يرتفع الإحصار، ويصل إلى البيت، ولا يجوز أن يحل حتى يتقين أنه لا يمكنه الوصول إليه، فحينئذٍ يحل.
قيل له: هذا يوجب أن لا يجوز للمحرم بالعُمرة إذا أُحصر أن يحل بالهدي؛ لأن المتعة ليس مؤقتة، ويجوز أن يرتفع الإحصار، فيصل إلى البيت.
فإن قيل: المحصر يذبح الهدي؛ ليحل من إحرامه، كالمتمتع والقارن، ولا خلاف أن دم التمتع والقران لا يجوز تقديمه على يوم النحر، كذلك دم الإحصار.
قيل له: [هدي] المتعة ترتبت عليه أفعال الحج والعمرة، وكذلك

الجزء: 2 - الصفحة: 473

هدي القران، فإذا أتى بأفعاله على الترتيب لم يجز تقديم الهدي قبل يوم النحر، وليس كذلك هدي الإحصار؛ لأنه لا ترتيب عليه في الأفعال، وإنما يحل به من الإحرام من غير أن يأتي بأفعال الحج على الترتيب، فهو في حكم من فاته الحج على ما بينا؛ أنه يحل من إحرام الحج من غير أن يأتي بأفعال الحج، ثم العمرة التي يتحلل بها من إحرامه غير مؤقتة، كذلك الدم الذي يتحلل به المحصر من إحرامه يجب أن لا يكون مؤقتاً.

  • ... * ... *

221 -

مسألة

إذا أُحصر في حج التطوع، فحل منه بالهدي، لم يلزمه القضاء في أصح الروايتين:

نص عليه في رواية أبي طالب في ما أخرجه النجاد، فقال: فإن حُصر بعدو، ينحر الهدي، ويحل، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلّم، فقيل له: فعليه القضاء؟ فقال: لم أسمع فيه قضاء، يحل ويرجع، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلّم.
وقال في رواية ابن القاسم: لا يُعيد من أُحصر بعدو حجاً ولا عمرة، إلا أن يكون رجلاً لم يحج قط.
وقال -أيضاً- في رواية الميموني: إذا حصره العدو نحر الهدي مكانه، وليس عليه شيء أكثر من هذا.
وبهذا قال مالك والشافعي.

الحديث: 221 - الجزء: 2 - الصفحة: 474

وفي رواية أخرى: عليه القضاء.
قال في رواية أبي الحارث في ما ذكره النجاد: إذا أُحصر بعدو أقام حتى يعلم أن الحج قد فاته، ونحر الهدي إن كان معه في موضعه، ورجع إلى أهله، وعليه الحج [من] قابل.
وقال -أيضاً- في موضع آخر في "مسائل أبي طالب" في المحصر: إن كان معه هدي نحره، وإلا فلا ينحر، وعليه الحج [من] قابل.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وجه الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وتقدير الآية: فإن أحصرتم، فأردتم التحلل، فما استيسر من الهدي.
فأوجب الهدي، ولم يوجب القضاء، فلو كان واجباً لبينه، وأمر به، كما أمر بالهدي.
فإن قيل: المقصود من الآية بيان ما يتحلل به دون ما يجب إذا تحلل منه، فلهذا لم يذكر القضاء.
قيل له: وجوب القضاء من أحكام التحلل، فلو كان واجباً لبينه؛ لأن المتحلل من إحرامه يحتاج إلى معرفة ما يجب عليه التحلل.
وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلّم أحرم بالعُمرة في سنة ست، ومعه أصحابه، وكانوا ألفاً وأربع مئة، هكذا روى عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم

الجزء: 2 - الصفحة: 475

عام الحديبية في بضع عشرة مئة، فلما أُحصر رجع من قابل، ومعه منهم نفر.
فلو كان القضاء واجباً لبين لهم النبي صلى الله عليه وسلّم.
فإن قيل: بيانه يكون [تارة] بالفعل؛ وتارة يكون بالقول، وقد بينه بالفعل؛ لأنه قضى تلك العمرة، وسُميت عمرة القضاء.
قيل له: فعل النبي صلى الله عليه وسلّم لا يدل على الوجوب على اختلاف الرواية عن أحمد، ولأنه قد يفعل الواجب والمستحب.
وأما تسميتهم أنها قضاء، فلا يدل على الوجوب أيضاً؛ لأن المستحب يُقضى، ويكون القضاء مستحباً.
وعلى أنا لا نعرف من سماها بهذا الاسم، فلم يكن فيه حجة.
وعلى أنه إنما سُميت بهذا الاسم لقوله في الكتاب: هذا ما قاضى محمد رسول الله سهيل بن عمرو، وكان اشتقاقه من (المقاضاة) و (القضية) دون ما ذكروه.
ولأن كل نفل جاز له التحلل منه مع صلاح الوقت له، لم يلزمه القضاء.
دليله: لو دخل في الظهر، وهو يظن أن الشمس قد زالت، ثم بان أنها لم تزل، فإن له الخروج من الصلاة، وإذا خرج لم يلزمه القضاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 476

ولا تلزم عليه حجة الفرض والنذر إذا أُحصر منها أنه يلزمه القضاء؛ لقولنا: نفل.
ولا يلزم عليه الفائت والمفسد؛ لأنه لا يجوز له التحلل.
وأيضاً فإن المحصر إنما يلزمه الهدي بدلاً عن الأفعال التي يتركها؛ ليقوم مقامها بدلالة أنه لا يجوز له التحلل إلا بعد الإتيان به، كما لا يجوز لغيره التحلل إلا بعد الإتيان بالأفعال، فثبت أن الهدي أُقيم مقام إكمال الأفعال، وقد ثبت أنه لو تحلل بعد إكماله لم يكن عليه القضاء، كذلك إذا أُحصر، فحل بالهدي.
فإن قيل: لو كان الهدي قائماً مقام الأفعال لما لزمه القضاء في حجة الإسلام والنذر؛ لأنه قد وُجد ما يقوم مقام الأفعال التي يتركها، فعلم أن هدي المحصر لإباحة التحلل.
قيل له: البدل إذا قام مقام المبدل في شيء لم يجب أن يقوم مقامه في جميع الأشياء، ألا ترى أن المسح على الخف يقوم مقام غسل الرجلين في استباحة الصلاة، ويخالفه في تقدير مُدته، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "من كسر أو عَرِج فقد حل، وعليه الحج من قابل".
ولم يفرق بين أن يكون الحج الذي كُسر فيه فرضاً، أو نفلاً.
والجواب: أن الخبر فيه إضمار بالإجماع؛ لأنه من كُسر أو عرج

الجزء: 2 - الصفحة: 477

لم يحل بذلك، فتقديرهم عندهم: من كُسر أو عرج تحلل، وعليه القضاء، وتقديره عندنا: من كُسر أو عرج، ففاته الحج، فعليه القضاء.
ونحن نوجب القضاء عليه بذلك الفوات، وإن كان معذوراً فيه.
واحتج بأن الله -تعالى- قال: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، فأوجب إتمامهما بالدخول فيهما، وإذا ألزمناه صار كالواجب بالنذر وبأصل الشرع، ولا خلاف أن الواجب بالنذر وبأصل الشرع إذا أُحصر فيهما لزمه القضاء، كذلك هاهنا.
والجواب: أن الظاهر مُطرح بالإجماع هاهنا؛ لأنه لا يلزمه الإتمام هاهنا، وله الخروج منها بالحصر، فلم يكن فيه حجة.
وأما حجة الفرض والنذر فقد قاسوا عليها بعبارات منها: أنه لم يحصل منه فعل الحج الذي دخل فيه، فلزمه القضاء، كالفرض والنذر والفائت والمفسد.
وكل من أفسد أو فاته الحج، لزمه القضاء، فإذا خرج منه بالإحصار، لزمه القضاء.
دليله: النذر والفرض.
ولأنه لما لزمه دم الإحصار، لزمه القضاء.
دليله: ما ذكرناه.
والجواب عن الفائت والمفسد: فإنما لزمه القضاء؛ لأن ذلك حل

الجزء: 2 - الصفحة: 478

بصنع من جهته؛ لأنه إما أن يكون الفوات بخطأ في الطريق أو في العدد من المفسد، فلا شك أن ذلك يُفعل من جهته، فهو متعد فيه، وليس كذلك المحصر؛ فإن المتمتع من جهة غيره، لا صنع له فيه، فأُبيح له التحلل من غير قضاء.
وأما الواجب بالشرع وبالنذر؛ فإنه لا يقضيه، ولكنه يتحلل منه، فيصير كأنه لم يرحم، ويعود إلى ما كان قبل إحرامه من وجوب الحج في ذمته، فيفعله إذاً، فكذلك في التطوع إذا تحلل منه، يجب أن يسقط حكم إحرامه، ويعود إلى حالته قبل إحرامه.
ولأن الفائت يلزمه أن يأتي بما يقدر عليه من الأعمال بعد زوال الإحصار، فلا يلزمه القضاء.
واحتج بأن العذر الخاص في حق آحاد الناس يوجب القضاء، كذلك العام.
والجواب: أنا لا نسلم هذا؛ فإن إسحاق بن إبراهيم نقل عن أحمد في رجل [أهل] بفرض الحج، [فمنعه] والده: يعجبني أن يفي به، فإن منعه سلطان يكون محصراً، عليه ما على المحصر.

الجزء: 2 - الصفحة: 479

وظاهر هذا: أن الحصر الخاص بمنزلة العام.
على أن الحصر الخاص يختص ببعض الناس، ولا تلحق مشقة عامة في إيجاب القضاء.

  • ... * ... *

222 -

مسألة

إذا أُحصر في حجة الفرض، فحل منها بالهدي، لزمه قضاء الحج، ولم تلزمه عمرة معها:

وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي الحارث وأبي طالب: عليه الحج من قابل، ولم يقل: عمرة.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يلزمه قضاء الحج وعمرة.
دليلنا: أنه تحلل من حج، فإذا قضى حجه كفاه.
دليله: لو تحلل منه قبل يوم النحر، وحج من سنته؛ فإنه لا يلزمه عمرة، ويكفيه الحج.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يفسد، فلهذا لم تجب عليه العمرة، كما لو لم يحل حتى حج من عامه ذلك، وليس كذلك هاهنا؛ لأن المحصر فائت، ومن فاته الحج لزمه بالفوات عمل عمرة، وإذا تحلل

الحديث: 222 - الجزء: 2 - الصفحة: 480

من الحجة الفائتة بغير عمل عمرة، لزمه قضاء العمرة إذا حج في السنة الثانية.
قيل له: قولك (إن المحصر فائت) غير صحيح؛ لأن الفائت من فاته الوقوف بعرفة مع بقاء إحرامه، ألا ترى أنه لو لم يحرم بالحج، لم يجز أن يُقال: وجبت عليه عمرة؛ لأنه قد فاته الحج في هذه السنة.
وعلى أن دم الإحصار يقوم مقام الطواف الذي يلزم بالفوات، ألا ترى أن المحصر يتحلل بالدم، كما يتحلل من فاته الحج بالطواف؟ وإذا قام الدم مقامه لم يلزمه عمرة.
فإن قيل: الهدي لا يقوم مقام الطواف، وإنما جُعل لأجل الإحلال به فقط، ألا ترى أن الطواف الذي يتحلل به لا يجوز قبل يوم النحر، ودم الإحصار يجوز قبل يوم النحر؟ فلو كان قائماً مقام الطواف لما جاز إلا في الوقت الذي يجوز فيه الطواف.
قيل له: الصوم في حق المتمع بدل عن الهدي، ويجوز في الوقت الذي لا يجوز فعل الهدي فيه؛ لأن الهدي يختص بيوم النحر، والصوم يجوز في ما قبله، وكذلك صلاة العصر المفعولة في وقت الظهر بحق الجمع بدل عن صلاة الوقت في حال الاختيار، وإن لم يكن هذا وقتاً لها في حال الاختيار.
ولأن الطواف يتقدم عندنا على يوم النحر، وهو بعد نصف الليل، فيجب أن يجوز الهدي في ذلك الوقت.

الجزء: 2 - الصفحة: 481

ولأنا إذا فرضنا الكلام في العمرة، لم يلزمنا هذا؛ لأن طوافها لا يختص بوقت.
فإن قيل: الذي يلزمه الفوات لا يخلو إما أن يكون عمرة، أو عمل عمرة، فإن كانت عمرة لم يجز أن يقوم الدم مقامها، وإن عمل عمرة فكذلك، ألا ترى أنه لو فاته الحج لزمه أن يتحلل منه بعمل عمرة، فإن أراد أن يرجع إلى بلده، ويقيم الدم مقامه لم يجز؟ فدل على أن الدم لا يقوم مقام العمرة.
قيل له: قد بينا: أن المحصر ليس بفائت؛ لن الفائت من فاته الوقوف بعرفة مع بقاء إحرامه، وليس الخلاف في الحصر بعد الفوات، وإنما الخلاف في الحصر قبله، وفي هذه الحالة ما لزمته عمرة، ولا عمل عمرة.
وعلى أنه لو كان الحصر بعد الفوات لم يضر، وكان له أن يخرج منه بعده.
ولأن حرمة الإحرام قبل الفوات أعظم منه بعد فواته، فإذا كان له التحلل قبل الفوات بالدم، فأولى أن يكون له بعده.
وذهب المخالف إلى أن هذا فائت، فلزمه أن يأتي بعمل العمرة، كالذي يفوته الحج، وقد أجبنا عنه.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 482

223 -

مسألة

هدي الإحصار يُجزئ عنه الصيام:

نص عليه في مواضع: فقال في رواية ابن منصور: المحصر إذا لم يجد الهدي يصوم عشرة أيام قبل أن يحل، فقيل له: يصوم ثلاثة، وسبعة إذا رجع؟ فقال: ليس هو بمنزلة القارن، والمحصر يصومهن كلهن قبل أن يحل.
وكذلك نقل أبو الحارث عنه: إذا لم يكن مع المحصر هدي يصوم عشرة أيام قبل يوم النحر، وإذا كان يوم النحر حل، فإذا كان إحرامه بعمرة يصوم عشرة أيام، ثم يحل.
وكذلك نقل الأثرم عنه: إذا لم يكن مع المحصر هدي صام عشرة أيام.
وقال أبو حنيفة: لا يجزئ عنه الصوم، وكذلك سائر الجنايات في الإحرام إلا ما أُبيح في حال العذر من حلق الرأس من أذى، وما في معناه.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة.
دليلنا: أن هذا دم تعلق وجوبه بالإحرام، فجاز أن يقوم الصوم مقامه، كهدي القران والمتعة.

الحديث: 223 - الجزء: 2 - الصفحة: 483

فإن قيل: نص الله -تعالى- على المحصر، فأوجب عليه الهدي، ونص على المتمتع، فأوجب عليه الهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، فلا يجوز حمل المحصر على المتمتع؛ إذ المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض، ألا ترى السارق -وإن كثرت جنايته- لا تُقطع يده ورجله قياساً على المحارب؛ لأن كل واحد منهما منصوص على حكمه؟ وكذلك لا يجوز أن يقاس التيمم على الوضوء في مسح الرأس والرجلين.
قيل له: الصوم في آية المحصر مسكوت عنه، وفي آية المتمتع منطوق به، فليس في قياس أحدهما على الآخر حمل المنصوص عليه.
وأما امتناع حمل السارق على المحارب، والمتيمم على المتوضئ، فالإجماع منع من ذلك.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، فأمر بالهدي، وأمره على الوجوب، وفي جواز العدول عنه إلى الصوم إسقاط لوجوب الهدي.
والجواب: أنه أوجب الهدي إذا استيسر، وخلافنا إذا عدم الهدي، وتعذر ولم يتيسر، وليس في الآية ما يدل على هذا عنده، فلم يصح الاحتجاج به، وأخذنا وجوبه من طريق القياس، كما أثبتوا جزاء الصيد في الحرم بالقياس على جزاء الصيد على المحرم، وكما أثبتوا كفارة

الجزء: 2 - الصفحة: 484

المفطر بالأكل والشرب بالقياس على الوطء، والمسح على الجُرمُوقين بالقياس على الخفين.
واحتج بأن إثبات الأبدال لا يجوز إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق، وليس في الصوم توقيف، ولا اتفاق، فلا يجوز إثباته بدلاً عن الهدي.
والجواب: أنه يجوز إثبات الأبدال بالقياس، كما جاز إثباتها بخبر الواحد، وكل ما جاز إثباته بخبر الواحد جاز بالقياس.

  • ... * ... *

224 -

مسألة

ومقدار الصوم عشرة أيام:

نص عليه في رواية الجماعة: الأثرم، وأبي الحارث، وابن منصور، وقد تقدم لفظ كلامه.
وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها: مثل هذا.
والثاني: أنه يقوم الهدي دراهم، ثم الدراهم طعاماً، فيكون عليه الإطعام إن أمكنه، وإن لم يمكنه صام عن كل مُد يوماً قياساً على جزاء الصيد.
والثالث: هو مُخير بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين؛

الحديث: 224 - الجزء: 2 - الصفحة: 485

لكل مسكين مُدَّان قياساً على فدية الأذى.
دليلنا: أن هذا المحصر شبيه بالمتمتع؛ لأنه يحصل له الترفه بالإحلال، كما يحصل للمتمتع الترفه بين الإحرامين، م ثبت أن المتمتع إذا وجد الهدي تعين عليه إخراجه، فإن لم يجده صام عشرة أيام، كذلك المحصر يجب أن يكون مثله.
ويفارق هذا في جزاء الصيد؛ لأنه يجب على وجه التعديل، واعتبار النظير.
ويفارق فدية الأذى؛ لأنها وجبت لارتكاب محظور، لا على وجه التعديل.

  • ... * ... *

225 -

مسألة

ولا يجوز التحلل حتى يأتي بالبدل؛ الذي هو الصوم، كما لا يحل حتى يأتي بالمبدل؛ الذي هو الدم:

نص عليه رواية ابن منصور، فقال: يصوم العشرة، ثم يحل، وفرق بينه وبين المتمتع والقارن.
وكذلك في رواية أبي الحارث: يصوم العشرة قبل يوم النحر، فإذا كان يوم النحر حل.

الحديث: 225 - الجزء: 2 - الصفحة: 486

وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا.
والثاني: يحل قبل الصيام.
دليلنا: أن الصوم قائم مقام الهدي، ثم ثبت أنه لا يجوز له أن يتحلل قبل ذبح الهدي، كذلك في الصوم؛ الذي هو قائم مقامه، وكان المعنى فيه: أن الهدي أُقيم مقام الأفعال الباقية عليه من الحج، ثم ثبت أنه لو لم يكن محصراً لم يتحلل حتى يكمل الأفعال، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأنه صيام وجب بالإحرام، فجاز أن يتقدمه التحلل.
دليله: صوم دم التمتع والقران وقتل الصيد وغير ذلك.
والجواب: أن مبدلات تلك الدماء لا يقف التحلل عليها، كذلك أبدالها، وليس كذلك هذا الصوم؛ لأن مبدله يقف التحلل عليه، كذلك بدله؛ لأن الدبل قائم مقام المبدل.

  • ... * ... *

226 -

مسألة

إذا وقف بعرفة، وصُد عن البيت، فله التحلل على ظاهر قول أحمد في المحصر: له التحلل، ولم يُفرق:

وقد صرح به رواية أبي طالب في المحصر عن مكة: فيه اختلاف، فإن حصر بُعذر ينحر الهدي، ويحل، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلّم بالحديبية.

الحديث: 226 - الجزء: 2 - الصفحة: 487

وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا وقف بعرفة لم يجز له التحلل.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، ولم يفرق بين أن يكون الحصر عن جميع الأركان، أو عن بعضها.
ولأنه مصدود عن البيت بغير حق، فجاز له التحلل.
دليله: لو لم يُمكن من الوقوف بعرفة.
وقيل: إحرام تام، فجاز التحلل منه بالإحصار.
دليله: قبل الوقوف.
ونريد بقولنا: (تام): أن محظوراته كلها باقية، والتلبية مسنونة، وبقاء التلبية يدل على بقاء الإحرام.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يحصل له أكثر الأركان، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يحصل له أكثر أركان الحج.
أو يمكنه فعل الأكثر، فلا يجوز أن يتحلل بالهدي؛ لأن الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأصول.
قيل له: إذا وقف بعرفة فقد أتى بالإحرام والوقوف، وبقى عليه ركنان آخران، وهما: الطواف [والسعي]، فلم يصح قوله: قد أتى بأكثر أركان الإحرام.
ولأن معظمها وأكثرها لا يقوم مقام الكل يدل عليه أن محظوراته كلها باقية، والتلبية مسنونة، ولو كان المعظم بمنزلة الكل لوجب أن

الجزء: 2 - الصفحة: 488

تكون المحظورات قد حلت، والتلبية قد انقطعت.
وأيضاً فإن الوقوف لا يتغير به حكم الإحرام إلا في الأمن من الفوات، والأمن من الفوات لا يدل على المنع من التحلل بالإحصار بدليل أن إحرام العمرة لا يفوت، ومع هذا فإنه يكون له التحلل منه بالإحصار، وقد نص على ذلك أحمد في رواية أبي الحارث.
فإن قيل: لو لم نجعله محصراً في العمرة لبقى محرماً لا يحل له شيء، فنضيق عليه، فأبحنا له التحلل تسهيلاً عليه، وتخفيفاً عنه، وليس كذلك المحرم بالحج إذا وقف بعرفة؛ لأنه يمكنه أن يحلق، فيحل له كل شيء إلا النساء، فلا يضيق عليه.
قيل: في ترك النساء مشقة؛ لأن الطباع داعية إلى ذلك محتاجة إليه، فلم يصح ما قاله.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، وهذه تمنع جواز التحلل قبل الطواف.
والجواب: أن هذا غير مُمكن من الإتمام، فلا يدخل تحت الظاهر.
واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "من وقف بعرفة فقد تم حجه"، والإحلال بالهدي يمنع تمامه؛ لأنه يوجب فسخه، والظاهر يمنع منه.

الجزء: 2 - الصفحة: 489

والجواب: أن معنى قوله: "قد تم" قرب التمام، كما قال لعبد الله ابن مسعود، وقد علمه التشهد: "إذا قلت هذا - أو قضيت هذا- قضيت صلاتك"، وروي: "فقد تمت صلاتك"، ومعناه: قرب التمام؛ لأنه قد بقي عليه الخروج منها.
وعلى أن التمام لا يمنع الفسخ، كمن يرتد، فينفسخ حجه.
واحتج بأنه يمكنه الوقوف بعرفة، فلا يجوز له أن يتحلل بالهدي، كما لو لم يحصر، وكما لو مُنع من الصفا والمروة والمزدلفة.
الجواب: أنه غير ممنوع من البيت، ولا من الوقوف، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه ممنوع من البيت بغير حق، أشبه إذا منع قبل الوقوف.
واحتج بأنه موضع يؤدي فيه ركن من أركان الحج، فإذا قدر على الوصول إليه في الحج لم يجز له أن يتحلل بالهدي، كما لو أمكنه الوصول إلى البيت، ومُنع من الوقوف.
والجواب: أنه يجوز له التحلل هاهنا، كما يجوز له إذا مُنع من الوقوف والبيت جميعاً، بل هذا أولى؛ لأنه إذا مُنع من الموقف فاته الحج فيلزمه القضاء على الصحيح من الروايتين.
ولأنه مصدود عن إكمال فرض نسكه بغير حق، وكان له التحلل،

الجزء: 2 - الصفحة: 490

كما لو صُد عن جميع الأفعال.
وقولنا: (مصدود عن [إكمال] فرض نسكه) يحترز منه إذا أُمكن من الوقوف والطواف، ومُنع من منى، فإن الباقي عليه من المبيت والرمي لا يتحلل له؛ لأنه قد مُكن من التحلل، وقد فعله، فلا يحل بعد أن تحلل من الحج.
ويتوجه أن يُقال: لا يتحلل؛ لأنه ممكن من البيت، ومن كان ممكناً من البيت، فليس بمحصر.
وقد أومأ إلى هذا في رواية ابن إبراهيم وابن منصور: فقال في رواية ابن إبراهيم في المكي: لا إحصار عليه، وقد وجب عليه الحج ساعة يلبي.
فلم يجعل للإحصار في حقه حكماً؛ لأن المكي مُمكن من حج البيت.
وقال -أيضاً- في رواية ابن منصور: وقد سُئل: على أهل مكة إحصار؟ قال: أهل مكة يهلون، ولا يحلون إلا بالوقوف بعرفة والرمي والطواف مثل الحاج.
واحتج بأنه لو مات بعد الوقوف لم ينفسخ إحرامه، ولم يُقض عنه الحج، كذلك إذا أحصر؛ لأنه قد حصل له الوقوف بعرفة.

الجزء: 2 - الصفحة: 491

قالوا: وقد قال أحمد في رواية أبي داود في من مات، وقد بقي عليه شيء من نسكه: يُقضي عنه، ويُوقف عنه بالمزدلفة.
والجواب: أن الأمر كما ذكرت، وأنه يُبنى على فعله في الحج، وكان المعنى فيه: أن المقصود حصول الحجة للمحجوج، فإذا أمكن برجلين، فلا معنى للمنع منه.
ولأنه لا يمنع أن تصح الحجة الواحدة من اثنين، ألا ترى أن الصبي الذي لا يمكنه الإحرام بالحج يحرم عنه وليه، ويأتي الصبي بأفعال الحج؟ فانعقد الإحرام من واحد، وبقية الحج من آخر، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا؛ لأنه مصدود عن البيت، فهو كما لو كان مصدوداً عن جميع أفعال الحج، ولا فرق بينهما.

  • ... * ... *

227 -

مسألة

إذا مرض المحرم لم يجز له التحلل، ويقيم على إحرامه حتى يصل إلى البيت، فإذا فاته الحج يفعل ما يفعله الفائت من عمل العمرة والهدي والقضاء على الصحيح من الروايتين:

نص عليه في رواية الجماعة؛ ابن منصور، وأبي الحارث، والأثرم: فقال: في رواية ابن منصور: إذا كان إحصار عدو نحر هديه،

الحديث: 227 - الجزء: 2 - الصفحة: 492

ورجع، وإذا كان مرضاً، أو كسراً، فهو محرم أبداً حتى يصل إلى البيت، ويطوف بالبيت.
وكذلك نقل أبو الحارث.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: الإحصار بالمرض، كالإحصار بالعدو سواء.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند": ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وهشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلّم على ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقال: إني أريد الحج، وأنا شاكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "حُجي، واشترطي: أن مَحِلي حيث حَبَستني".
وروى أحمد: نا يعقوب قال: نا أبي قال: فزعم ابن إسحاق، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وهي شاكية، فقال: "ألا تخرجين معنا في سفرنا هذا"، وهو يريد حجة الوداع، فقالت: يا رسول الله! إني شاكية، وأخشى أن تحبسني شكواي، قال:

الجزء: 2 - الصفحة: 493

"فأهلي بالحج، وقولي: اللهو مَحِلي حيث حبستني".
وروى -أيضاً- أحمد عن الضحاك بن مخلد، عن حجاج الصواف قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أحرمي، وقولي: إن محلي حيث تحسبني، فإن حُبست، أو مرضت، فقد أحللت من ذلك، شرطك على ربك عز وجل".
فوجه الدلالة: أنه أمرها أن تشترط، فلو كان المرض يُبيح الإحلال لما احتاجت إلى شرط الإحلال في الموضع الذي تُحبس فيه.
فإن قيل: قوله: "اشرطي" معناه: قولي في نفسك، واعقدي، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: 8].
وقوله: "اشترطي" من كلام الراوي؛ فإنه لما سمع النبي صلى الله عليه وسلّم يقول لها: "قولي" ظن أنه أراد القول حقيقة.
قيل له: "اشترطي" ظاهره يقتضي الكلام؛ لأنه قد روى أحمد: "وقولي: اللهم محلي حيث حبستني"، وهذا نص في أنه أمرها بالشرط.
وقولهم: (إن هذا من كلام الراوي) لا يصح؛ لأن الصحابي إذا

الجزء: 2 - الصفحة: 494

قال: قال النبي صلى الله عليه وسلّم، فالظاهر أنه من قوله؛ لأنه عزاه إليه.
وعلى أن القصد بالقلب، لا يعتبره أحد، فلا يجوز اعتباره، وحمل الخبر عليه.
فإن قيل: فائدة الشرط: أنه لا يلزم الدم حال الشرط، ويلزمه حال الإطلاق.
قيل: يجب أن يكون الشرط في الحكم المذكور، وهو إباحة التحلل دون غيره.
على أن هذا ليس بمذهب لهم؛ لأن عندهم أن الشرط لا يصح، وأن التحلل لا يكون إلا بالهدي، وقد جعله بعضهم في مسائل الخلاف، فلم يصح هذا السؤال.
ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير: فروى النجاد بإسناده من طريق أحمد عن ابن عباس: لا حصر إلا حصر عدو.
وروى أيضاً بإسناده من طريق أحمد عن ابن عمر: لا إحصار إلا من عدو.
وروى بإسناده من طريق مالك: أن ابن حُزابة المخزومي صُرع

الجزء: 2 - الصفحة: 495

ببعض الطريق، وهو محرم بالحج، فسأل عن الماء الذي كان عليه، فوجد عليه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، فذكر لهم الذي عرض له، فكأنهم أمروه أن يتداوى بما لا بد له منه، ويفتدي، فإذا صح اعتمر وحل من إحرامه، ثم عليه الحج قابلاً، ويفتدي.
والقياس: [أن] كل من لم يتخلص بتحلله من نسكه عن شيء من الأذى الذي هو فيه، لم يجز له التحلل.
دليله: لو أخطأ الطريق.
ولا يلزم عليه إذا أُحصر بعدو؛ لأنه يتخلص من الأذى، وهو الأمن من عدوه، والمريض لا يزول مرضه بتحلله.
ولا يلزم عليه إذا أحاط به العدو من جميع الجهات؛ لأنه قد يتخلص بالتحلل، وهو أن يمكنه الهرب والرجوع إلى بلده، وإذا لم يتحلل لم يمكنه.
فإن قيل: يستفيد بالتحلل استباحة الطيب واللباس وسقوط الفدية.
قيل له: هذا المعنى لا يوجب جواز التحلل، ألا ترى أن من أصابه شدة حر أو برد، فاحتاج إلى ذلك، لم يستبح التحلل؛ ليتطيب، ويلبس، ويسقط عنه الفدية.
وقياس آخر، وهو: أن كل ما لا يُبيح التحلل بعد الوقوف بعرفة لا يبيحه قبله.

الجزء: 2 - الصفحة: 496

أصله: الحيض والنفاس.
ولا يلزم عليه المحصر بعدو؛ لأنه يُبيح التحلل بعد الوقوف عندنا.
ولأنه مصدود عن البيت لمعنى في نفسه، فلا يجوز له التحلل.
دليله: الحائض؛ فإنها مصدودة عن البيت، ولا تتحلل.
وعكسه: المحصر بعدو؛ لأنه مصدود عنه لمعنى في غيره، وهو العدو.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]. قال النسائي وأبو عبيدة وثعلب وأكثر أهل اللغة: يُقال: أحصره المرض، وحصره العدو.
وقال تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]، فأطلق في العدو لفظ (الحصر) دون (الإحصار)، فإذا ثبت أن الإحصار أخص بالمرض منه بالعدو، وجب حمل الآية عليه.
والجواب: أنه لا يجوز أن يُقال: (إن الإحصار أخص بالمرض منه بالعدو) من وجهين: أحدهما: أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلّم عام الحديبية، وهو

الجزء: 2 - الصفحة: 497

مصدود بالعدو، فأبيح له التحلل بها، والسبب لا بد من أن يكون داخلاً في اللفظ الذي هو وارد فيه.
والثاني: أن هذا اللفظ عبارة عن الحبس والمنع، وذلك يحصل بالعدو، كما يحصل بالمرض، وكان عاما ًفيهما جميعاً، ولم يكن أخص بأحدهما من الآخر.
والذي يبين صحة هذا: قول ابن محمد العُتبي في "غريب القرآن": ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: 196]، من الإحصار، وهو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض، أو كسر، أو عدو، يقال: أُحصر الرجل إحصاراً، فهو محصر.
فإن حُبس في سجن أو دار قيل: حُصر، فهو محصور.
وقد بين أن اللفظ عام في المرض والعدو جميعاً.
وإذا ثبت أنه عام فيهما فقد اقترنت به قرينة دلت على أن المراد به: العدو دون المرض، والقرينة في ذلك من سياق الآية من أربعة أوجه: أحدها: أنه قال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِي﴾، فلو كان المراد بأول الكلام المرض لم يستأنف ذكره.
والثاني: قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فلو كان المراد بأول الآية المرض لم يرتب حلقه على بلوغ الهدي محله؛ لأن

الجزء: 2 - الصفحة: 498

لكم نصاً أن يحلق قبل النحر.
والثالث: قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾، والأمن إنما يكون من العدو دون المرض.
والرابع: قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، وهذا خطاب لجماعتهم، وإنما يكون هذا بالعدو، فأما المرض فيبعد أن يعم الجماعة.
فإن قيل: قد يكون الأمن من المرض هو أن يأمن زيادته.
قيل له: لم نسمع من أهل اللغة: أمن من المرض، وإنما يُقال: صح، وبرأ، واستقل، واندمل، وتماثل، وأفاق، ونقه.
فإن قيل: قد ثبت أن لفظ الإحصار يصلح للمريض والعدو، هو عام، وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ راجع إلى بعض ما تناوله العموم، وهو العدو، وهذا لا يوجب تخصيص العموم، ولذلك نظائر في مواضع.
قيل له: لا نسلم أن لفظ الإحصار هاهنا يعم المرض والعدو، حتى يقال: إنه خصص بعد ذلك بالحكم لما بينا، وهو قوله" ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: 196] يختص العدو؛ لأن المرض لا يعم في العادة.
واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "من كسر أو عرج فقد حل"؛ يعني: جاز له الإحلال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "إذا أقبل الليل من

الجزء: 2 - الصفحة: 499

هاهنا، وإذا أدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم"؛ يعني: جاز له أن يفطر؛ لأنه لو كان مفطراً بدخول الليل لما كان لنهيه عن الوصال معنى، وكان يُقال: حلت المرأة للأزواج إذا انقضت عدتها؛ يعني: جاز لها أن تتزوج.
والجواب: أن ظاهر الخبر يقضي أن يحل بنفس الكسر والعرج، وهذا مُطرح بالإجماع، ولا بد فيه من إضمار، فإذا جاز لهم أن يضمروا فيه: أنه يجوز له التحلل، جاز أن يضمروا فيه: من كسر أو عرج، وشرط التحلل، فقد حل.
ويكون هذا أولى؛ لأنه يحل من غير هدي، وظاهر الخبر يقضي تحللاً من غير هدي.
أو يضمر فيه: من كسر أو عرج، وفاته الحج، جاز له أن يتحلل بعمل عمرة، فنتساوى في ذلك.
واحتج بأن كل من تعذر عليه الوصول إلى البيت، أو الوقوف بعرفة، وقدر على توجيه الهدي، جاز له أن يحل بالهدي.
دليله: المحصر بالعدو.
ولا يلزم عليه إذا ضل عن الطريق؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون قادراً على توجيه الهدي، أو لا يكون قادراً عليه:

الجزء: 2 - الصفحة: 500

فإذا كان قادراً عليه، فهو ممنوع من الوصول إلى البيت؛ لأنه إذا لم يكن هناك عدو، ولا مرض، وقدر على توجيه الهدي، أمكنه أن يتوجبه بنفسه.
وإن لم يكن قادراً على توجيهه لم يلزمنا؛ لأنا قيدنا علتنا به.
والجواب: أنا لا نسلم أنه قد تعذر عليه الوصول، [ويبطل بالوصول] بعد الوقوف بعرفة، وبالحائض والنفساء؛ فإنهما قد تعذر عليهما الوصول إلى البيت، ويقدران على توجيه الهدي، ومع هذا، فلا يجوز لهما التحلل.
ويبطل -أيضاً- بمن ضل الطريق، وقدر على توجيه الهدي؛ فإنه قد تعذر عليه الوصول إلى البيت، ولا يجوز له التحلل.
وقولهم: (إنه إذا كان قادراً على توجيه الهدي، فهو غير ممنوع من الوصول) غير صحيح؛ لأنه قد يكون الرسول يهتدي الطريق، والمحرم لا يهتدي هو، فلا يمكنه أن يتوجه بنفسه.
ثم المعنى في الأصل: أن يتخلص بتحلله من الأذى الذي هو فيه؛ لأنه ينصرف فيأمن، وليس كذلك المريض؛ لأنه لا يزول المرض بتحلله، فلا معنى للإحلال.
فإن قيل: لو كان المعنى في إباحة الإحلال ما ذكرت دون وقوع الحبس عن النفاذ، لوجب أن لو كان أمامه عدو يمنع النفاذ، ومن خلفه أيضاً؛ أن لا يجوز الإحلال لأنه خائف في الرجوع، كما أنه خائف في

الجزء: 2 - الصفحة: 501

التقدم: فلما قلتم: يجوز الإحلال مع منعه من المضي والرجوع، ثبت أن المعنى المبيح للإحلال: كونه محبوساً عن المضي.
قيل له: لا نعرف الرواية عن أصحابنا في هذا، ولا يمتنع أن نقول: إذا كان هكذا لا يجوز له أن يتحلل.
وإن سلمنا هذا؛ فإنه يتحلل، وينقل [....] من جهة مكة إلى جهة بلده، فيقابل تلك الجهة، وينصرف.
فعلى هذا: قد يخلص من الأذى الذي كان إمامه.
فإن قيل: لو أحصر في بلده جاز له الإحلال، وإن لم يكن هناك رجوع إلى الموضع، فدل على أن الحكم لم يتعلق بالرجوع، وإنما تعلق بحدوث الحبس المانع من التقدم.
قيل له: الغرض من الرجوع إلى أهله وبلده الاستيطان، والتصرف باختياره، وهذا المعنى يستفيده بالحصر في البلد، فلهذا جاز له التحلل، وليس المراد بالتحلل في الطريق إلا الرجوع لهذه الأشياء.
فإن قيل: فالذي يدل على أن المعنى المجوز للإحلال وقوع الحبس عن التقدم: أنه لو أحرم، وعليه دين، فحُبس، جاز له أن يحل، ولا خوف هاهنا، فعُلم أن المبيح للإحلال ما ذكرنا.
قيل له: لا نسلم هذا؛ لأنه إذا كان موسراً، وقد أحرم، لزمه قضاء دينه، والنفوذ في نسكه، وإن كان معسراً، وجب إنظاره، فلا معنى

الجزء: 2 - الصفحة: 502

لتحلله، اللهم إلا أن يكون عبداً أحرم بغير إذن سيده، فله تحليله على إحدى الروايتين؛ لأنه تصرف في ملك غيره.
واحتج بأن سائر الفروض لا يختلف حكمها في كون المنع منها بعدو أو مرض، ألا ترى أن الخائف له أن يصلي قائماً، أو قاعداً إذا تعذر عليه فعلها قائماً، كما يحوز ذلك للمريض، وكذلك ترك استقبال القبلة، وكذلك جواز التيمم إذا منعه الوصول إلى الماء خوف العدو، أو مرض يخاف ضرره، وجب أن لا يختلف المرض وخوف العدو في إباحة الإحلال من الإحرام، وسقوط فرضه.
والجواب: أن المعنى في تلك الأشياء: أنه يخرج من المشقة المخوفة بصلاته جالساً، وبترك القبلة جالساً، وبترك القبلة، وبالتيمم، كما يخرج منها من خوف العدو، فاستويا، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ لأنه لا يخرج من المشقة بتحلله من المرض، ويخرج من ذلك في العدو، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج بأن المرأة إذا منعها زوجها من المضي في حجة التطوع بعد الإحرام بها، جاز لها الإحلال، وكذلك العبد إذا منعه مولاه من المضي فيه، كذلك المريض للعلة التي ذكرنا، وهو أنه ممنوع من الوصول إلى البيت.
والجواب: أن أصحابنا اختلفوا في الزوج، وفي السيد؛ هل لهما حصر العبد والزوجة عن حجة التطوع؟ فقال أبو بكر: ليس لهما ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 503

فعلى هذا: لا يصح السؤال.
وقال شيخنا أبو عبد الله: لهما ذلك.
فعلى هذا: الفسخ هناك لحق السيد؛ لما عليه من الضرر من تعطيل خدمته، وتفويت كسبه ومنافعه، وبالحصر والتحلل يزول هذا المعنى، فلهذا كان له ذلك، وهذا المعنى معدوم في المرض.

  • ... * ... *

228 -

مسألة إذا شرط المحرم: أنه إذا مرض، أو أخطأ العدد: أن محلي حيث حبستني، جاز له التحلل عند وجود الشرط، وكذلك إن شرط: إن حصرني عدو، تحلل، ولا دم عليه.
فيستفيد بالشرط عند المرض والخطأ التحلل وإسقاط الدم، وعند العدو إسقاط الدم:

وقد نص على هذا في رواية مهنا والمروذي والميموني.
وهو قول الشافعي.
وقال لي أبو بكر الشامي: مذهب الشافعي: إن حُصر بعدو جاز له التحلل، وعليه دم؛ سواء شرط التحلل في إحرامه، أو لم يشرط.
وإن حصره المرض لم يجز له التحلل، وإن شرط التحلل، فهل يجوز له التحلل؟ على قولين.

الحديث: 228 - الجزء: 2 - الصفحة: 504

فإن قلنا: يجوز له التحلل، فهل يسقط عنه الدم؟ على وجهين.
وقال أبو حنيفة ومالك: اشتراطه كلا اشتراط، ولا يحل إلا بالهدي في قول أبي حنيفة، وفي قول مالك لا يستفيد التحلل أصلاً في المرض وخطأ العدد.
دليلنا: ما تقدم من حديث ضُباعة، وأنه أمرها بالشرط، ففيه دلالة على جواز التحلل به من المرض، ودلالة على إسقاط الدم؛ لأن على قول أبي حنيفة لها أن تحل بغير شرط، فلا فائدة له على أصله إلا سقوط الهدي عنها.
فإن قيل: من الناس من يقول: إن محله لا يكون حيث حُبس، ويبقى حراماً حتى يطوف، فأفادنا هذا الخبر بطلان هذا المذهب، وأن كل من أُحصر فحكمه أن يحل من حيث حُبس.
قيل له: من يذهب إلى ذلم لا يفرق بين أن يشترط في إحرامه، وبين أن لا يشترط، فيجب أن يكون للأمر بالاشتراط فائدة، ولا فائدة له غير ما قلنا.
وأيضاً للشرط تأثير في إسقاط العبادات ولزومها في الشرع، بدلالة أن من قال: إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أصوم، فإذا أطلق ذلك لزمه الصوم سواء شفى الله مريضه، وهو صحيح، أو سقيم.
وإن قال: إن شفى الله مريضي، فعلي صوم يوم إن كنت صحيحاً؛

الجزء: 2 - الصفحة: 505

فإنه إن كان مريضاً حال شفائه، لم يلزمه الصوم.
فأثر الشرط في إسقاط الصوم عنه، كذلك -أيضاً- جاز أن يكون له تأثير في الحج في إباحة التحلل.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وهذا عام سواء شرط، أو لم يشرط.
والجواب: أنه محمول عليه إذا لم يشرط؛ لما ذكرنا من حديث ضُباعة.
فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد، فلا يجوز أن يعترض على الآية.
قيل له: هذا تخصيص، وتخصيص الآية بخبر الواحد يجوز.
فإن قيل: لم يثبت تخصيصها بالاتفاق، ولا يجوز تخصيصها بخبر الواحد.
قيل له: يجوز عندنا.
واحتج بأنه لو أطلق الإحرام، ولم يشترط شيئاً، لم يحل إلا بالهدي، فإذا شرط لم ينتف موجب الإطلاق بالشرط، ألا ترى أنه لما كان موجب الإطلاق يوجب الطواف عند الفوات، لم ينتف ذلك الواجب بالشرط في إحرامه؛ أنه إن فاته الحج حل بغير طواف، ولم يكن لهذا الشرط حكم، كذلك لو شرط أنه إن فسد الحج، لم يقضه، لم يصح هذا الشرط، وكذلك هذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 506

والجواب: أنه إذا شرط حين إحرامه أن يحل إن عرض له عارض؛ من مرض، أو ضياع نفقة، أو ضل الطريق، أو أخطأ العدد، أو فاته الحج، فله التحلل.
وقد قال أحمد في رواية مهنا: إذا قال عند الإحرام: محلى حيث حبستني، فأصابه شيء، أو أُحصر، أو مرض، أو ذهبت نفقته، [....] فأحل: لا شيء عليه.
فهذا غير مسلم، بلى إذا شرط: إن أفسد لم يقضه، لم يصح الشرط.
وكذلك إن شرط: أن لي أن أحل متى شئت، لم يصح؛ لأنه لا عذر له في ذلك.
وليس كذلك ما ذكرنا؛ لأن له عذراً فيه، فجاز أن يستفيد به التحلل بالشرط، ألا ترى أن الحصر والمرض لما كان عذراً استفاد به التحلل؟ كذلك هاهنا.
واحتج من قال: لا يجوز له التحلل بالشرط بعموم قوله: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. والجواب: أن هذا محمول على غير حالة الشرط بما ذكرنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 507

واحتج بأن كل معنى لم يجز التحلل معه متى لم يشرط، لم يجز، وإن شرط.
أصله: ضلال الطريق، وعكسه: العدو.
والجواب: أنا لا نسلم ذلك، وقد ذكرنا في ما قبل.
واحتج بأن كل عبادة لم يصح الخروج منها بالمرض عند عدم الشرط، لم يجز عند وجوده، كالصلاة.
وعكسه: الصوم.
والجواب: أنه إنما لم يخرج منها بالمرض عند الشرط وعدمه؛ لأنه يمكنه الإتيان بها على حسب حاله، ويجزئه، فلا يستفيد بالخروج منها فائدة، وهو [....] فصح الخروج منه.

  • ... * ... *

229 -

مسألة

لا تحج المرأة إلا مع ذي محرم:

نص عليه في رواية الجماعة؛ الأثرم، والمروذي، وابن منصور، وحرب، وابن القاسم، وبكر بن محمد، وأبي داود، والميموني:

الحديث: 229 - الجزء: 2 - الصفحة: 508

فقال في رواية الأثرم: [المحرم] من السبيل، فإن كان لها محرم حج بها، وإن كره الزوج، إذا كانت الحجة فريضة.
ونقل ابن منصور عنه في امرأة موسرة ليس لها محرم، فقال: المحرم من السبيل.
ونقل حرب عنه في امرأة لها مال، وليس لها محرم؛ هل تحج؟ قال: لا، إلا مع محرم، قال تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، وهذه لا تستطيع.
وقال في رواية أبي داود في امرأة موسرة، لم يكن لها محرم؛ هل وجب عليها الحج؟ فقال: لا.
وقال في رواية المروذي في امرأة لها خمسون سنة، وليس لها محرم: لا تخرج إلا مع محرم.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي: إذا كان معها نساء ثقات، فلها أن تحج بغير محرم.
ومن أصحاب الشافعي من قال: لا اعتبار بالمحرم، ولا بنساء ثقات، ولها أن تخرج وحدها إذا كان الطريق آمناً.
وهذا خلاف نص الشافعي.
دليلنا: ما روى أبو بكر في كتاب "الشافي" بإسناده عن عبد الله بن عباس قال: إن رجلاً قدم المدينة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم: ["أين نزلت؟ "،

الجزء: 2 - الصفحة: 509

فقال: على فلانة]، فقال: "أغلقت عليك بابها؟ أغلقت عليك بابها؟ لا تحجن امرأة إلا مع ذي محرم".
فإن قيل: يحمل ذلك على حجة التطوع، وإذا لم يحصل الأمن إلا به.
قيل له: هذا التخصيص بغير دلالة.
على أن ظاهره يقتضي السفر الذي يجوز لها الخروج منه بوجود المحرم؛ أذن الزوج، أو لم يأذن، وهذا لا يكون إلا في سفر الفرض.
وروى -أيضاً- بإسناده عن ابن عباس قال: جاء رجل [إلى] النبي صلى الله عليه وسلّم، فقال: إن امرأتي خرجت إلى الحج، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: "انطلق، فاحجج مع امرأتك".
فوجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلّم أمره أن يترك الفرض لأجله، فلولا أنه شرط لم يأمره بذلك.
وروى -أيضاً- بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا يحل لامرأة مُسلمة تُسافر سفراً إلا ومعها ذو محرم".
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:

الجزء: 2 - الصفحة: 510

"لا تسافر المرأة بريداً إلا مع ذي محرم".
وروى -أيضاً- بإسناده عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا تسافر المرأة مسيرة يوم إلا مع ذي محرم".
وروى بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذُو حرمة منها".
وروى بإسناده عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "لا تُسافر امرأة فوق ثلاث إلا مع ذي محرم".
وبإسناده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لا تسافر المرأة سفراً؛ ثلاثة أيام فصاعداً، إلا مع زوجها، أو ابنها، أو أخيها، أو ذي محرم".
فإن قيل: ألفاظ هذا الحديث مختلفة: فروي: سفراً.
وروي: بريداً.

الجزء: 2 - الصفحة: 511

وروي: يوماً.
وروي: ليلة.
وروي: ثلاثة أيام.
وروي: فوق ثلاث.
وهذا يدل على اضطرابه، فوجب اطراحه.
قيل له: هذا لا يوجب اطراحه؛ لأنا نقول بجمعها، وليس فيها ما يعارض الآخر؛ لأن السفر الطويل والقصير سواء عندنا في اعتبار المحرم.
والقياس أنها أنشأت سفراً في دار الإسلام، فوجب أن لا يجوز بغير محرم.
دليله: حجة التطوع، والتجارة.
وفيه احتراز من الهجرة؛ لأنها ليست في دار الإسلام.
وفيه احتراز من البكر إذا زنت؛ أنها تبقى بغير محرم، وإذا توجه عليها حق، وهي عايبة؛ فإن الحاكم يحضرها، وإن لم يكن لها محرم؛ لقولنا: أنشأت، وهذا إنما يكون مع الاختيار، وتلك خروجها بغير اختيار، فلا يلزم على العلة.
وإن شئت قلت: كل سفر منعت منه العدة، ومنع منه عدم المحرم.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: روى الكرابيسي عن الشافعي: أن لها الخروج مع

الجزء: 2 - الصفحة: 512

المسلم إذا كان الطريق آمناً من غير محرم لحجة التطوع.
قيل له: ليس بمعول عليه في المذهب، والمشهور عنه: أنه لا يجوز لها ذلك.
فإن قيل: لا يجوز اعتبار الفرض بالتطوع، ألا ترى أنه يجوز للزوج أن يمنع زوجته من التطوع في الصلاة والصيام والحج وليس له منعها من الفرض؟ كذلك هاهنا.
قيل له: العدة قد منعت من سفر الحج الفرض، كما منعت من سفر التطوع ومن التجارة، وإن اختلفا من الوجه الذي ذكرت، كذلك لا يمتنع أن يختلفا هاهنا.
على أنا لا نسلم وجوب الحج على إحدى الروايتين مع فقد المحرم، فالسفر إليه غير واجب.
وقياس آخر، وهو: أنه لما لم يجز لها أن تخرج بحجة التطوع والتجارة، لم يجز لها أن تخرج بحجة الإسلام.
دليله: المعتدة.
فإن قيل: العدة فرض مضيق، والحج موسع، فقُدم أداء العدة على أداء الحج، وليس كذلك إذا وُجد الأمن، وعُدم المحرم؛ فإن ذلك لا يؤثر.
قيل له: الحج عندنا فرض مضيق، كالعدة؛ لأنه على الفور.
وعلى أنا إذا قسنا على المعتدة من الطلاق لم تصح هذه المعارضة؛

الجزء: 2 - الصفحة: 513

لأن عندنا أنه لا يتعين قضاؤها في بيت زوجها، بل يجوز أن تعتد حيث شاءت، فليست هاهنا فرضاً مضيقاً.
وعلى أن ترك الخلوة بالأجانب فرض مضيق، فوجب أن تقدم على الحج الموسع على [....] قولهم.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، فعلق وجوب الحج بوجود الاستطاعة.
وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلّم عن الاستطاعة، فقال: "هي الزاد والراحلة".
وهذا خارج مخرج البيان، ومن حكم البيان أن يكون شاملاً لجميع ما أريد بيانه، والنبي صلى الله عليه وسلّم قصد إلى بيان حكم جميع المخاطبين بالحج، فلو قلنا: إن المحرم شرط في وجوب الحج على المرأة، لكان النبي صلى الله عليه وسلّم قد ترك لحكم بعض المخاطبين به، وهذا لا يجوز.
والجواب: أن وجوب الحج عليها متعلق بوجود الزاد والراحلة، والمحرم شرط لحال السفر وجواز الخروج، كما نقول: لو وجدت زاداً وراحلة وجب عليها الحج، فإن كانت معتدة لم يجز لها أن تخرج، فجعلنا خلوها من العدة شرطاً في جواز الخروج، لا في الوجوب، كذلك المحرم.

الجزء: 2 - الصفحة: 514

وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أبي جعفر محمد بن أبي حرب الجرجرائي: وقد سُئل عن المرأة لا يكون لها ولي؛ هل تعطي من يحج عنها، فقال: قد أيست؟ قيل: نعم، قال: تعطي من يحج عنها في حياتها.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم في امرأة ليس لها محرم؛ هل تدفع إلى رجل؛ ليحج عنها؟ فقال: إذا كانت قد يئست من المحرم، فأرى أن تجهز رجلاً يحج عنها.
وظاهر هذا: أنه أوجب الحج عليها، وإن لم يكن لها محرم؛ لأنه أمرها بإخراج حجة عن نفسها.
وقال في رواية أبي داود: وقد سُئل عن امرأة موسرة، لم يكن لها محرم؛ هل وجب عليها الحج؟ قال: لا.
وظاهر هذا: أن المحرم شرط في أصل الوجوب.
فعلى هذا يحمل بيان النبي صلى الله عليه وسلّم للسبيل بالزاد والراحلة في حق الرجال دون النساء بدليل ما ذكرنا من الأخبار.
أو يحمل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلّم بين الشرط الذي يعم جميع الناس، ولم يبين الشرط الذي يخص، ألا ترى أنه لم يبين عدم العدة، ولا وجود نساء ثقات.
أو يحمل على أنه بين الشرط الذي يحتاج إليه في سفر الحج،

الجزء: 2 - الصفحة: 515

والمحرم يُعتبر في كل سفر، فلا اختصاص له بسفر الحج.
واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
والجواب: أنه قال: "وبيوتهن خير لهن"، فلو جاز لها الخروج بغير محرم، لكان الخروج خير لها من كونها في بيتها؛ لأنها تخرج لأداء الفرض.
على أنا نمنعها على صفة، وبنيحها على صفة أخرى، ولا يكون هذا منعاً من المسجد [....]، ويباح ظاهراً.
واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال لعدي بن حاتم، وهو يرغبه في الإسلام: "يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة بغير جوار حتى تَحج البيت".
وروى: "حتى تطوف بالكعبة".
وهذا يدل على جواز خروجها بغير محرم؛ لأنه لم يشترط المحرم.
والجواب: أنه أخبر: أنها تخرج، وليس فيه دلالة على أن لها أن تخرج، وإنما قصد إلى الأخبار عن ما يؤول إليه حال الناس من الأمن

الجزء: 2 - الصفحة: 516

وزوال الخوف وطيب الزمان، حتى لو خرجت المرأة وحدها لم تخف إلا الله، ولا دلالة في ذلك على جواز خروجها بغير محرم.
يبين صحة هذا: ما روي في خبر آخر: أنه قال: "يُوشك أن تخرج الظعينة من القادسية إلى اليمن لا تخاف إلا الله".
ولا خلاف أنها لا تخرج لغير الحج بغير محرم.
فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلّم قصد إلى مدح الزمان الذي يأتي في المستقبل، فلو كان هذا فعلاً مذموماً، لما مدح الزمان الذي يقع فيه، كما لا يمدح الزمان الذي يُشرب فيه الخمر، ويكثر فيه الزنا.
قيل له: أليس أخبر: أنها تخرج من القادسية إلى اليمن؟ ولا خلاف أن خروجها إلى اليمن بغير محرم فعل مذموم.
وعلى أنه قد روي في الخبر: "لا تخاف إلا الله"، فذكر خوفاً يختص الخروج، وذلك الخوف؛ لأنها خالفت الواجب، وحجت بغير محرم.
يبين هذا: أن الإنسان يجوز أن يخاف الله في كل أحواله، وهاهنا ذكر خوفاً يخص الخروج، وما ذلك إلا ما ذكرنا.
واحتج بأنه سفر واجب، فوجب أن لا يكون من شرطه المحرم.
دليله: الهجرة، وخروجها للنفي، وحضورها مجلس الحاكم.

الجزء: 2 - الصفحة: 517

وقد نص أحمد على أن المحرم ليس بشرط في ذلك، فقال في روية الأثرم: المرأة تنفى بغير محرم.
وكذلك نقل المروذي عنه تُنفى المرأة بغير محرم.
ونقل ابن القاسم عنه: لا تحج امرأة إلا مع ذي محرم، فقيل له: فإن وجب عليها حق، وليس ثم حاكم؛ أليس يُخرج بها إلى الحاكم؟ فقال: ليس يشبه هذا أمر الحج.
والجواب: أن الهجرة آكد من السفر للحج بدلالة أن لها أن تهاجر، وهي معتدة، وليس لها أن تخرج إلى الحج، وهي معتدة، وبدلالة أنه لا يُعتبر في حقها زاد أو راحلة، وتعتبر في الحج.
ولأن المهاجرة تخاف على نفسها من المقام بين المشركين، فجُوِّز لها الخروج، وهذه تخاف على نفسها من الخروج؛ لأنها تصير معرضة للأجانب، وليس معها من يدفع عنها.
يبين صحة هذا: أن المعتدة إذا خافت من المقام في منزل زوجها، جاز لها الانتقال، ثم لا يجوز لها أن تنتقل مع عدم الخوف، كذلك هاهنا.
وأما خروجها للنفي ففيه روايتان: نقل المروذي عنه: أنها تُنفي إلى موضع لا تقتصر فيه الصلاة.
فعلى هذا: ليس هناك سفر كامل.

الجزء: 2 - الصفحة: 518

ونقل ابن منصور وأبو طالب والأثرم: تُنفى مسافة تقصر فيها الصلاة.
فعلى هذا: ذلك السفر عقوبة، فجاز أن لا يُعتبر المحرم فيه تغليظاً عليها.
وأما حضورها مجلس الحاكم في بلد آخر، فظاهر كلام أحمد: أنه لا يُعتبر فيه المحرم.
قال في رواية ابن القاسم: لا تحج إلا مع ذي محرم، فقيل له: أليس إذا وجب عليها حق من الحقوق يُخرج بها إلى الحاكم في ذلك؟ قال: ليس يشبه هذا أمر الحج؛ هذا حق لازم يقام عليها مثل الحدود.
وظاهر هذا: أنه لم يعتبر المحرم في ذلك، وكان الفرق بينهما أن حضوره حق لآدمي، فهو أغلظ، وهذا حق لله تعالى، فهو أضعف.
واحتج بأن كل عبادة لم يُشترط المحرم في وجوبها لم يُشترط في أدائها، كالصوم والصلاة.
والجواب: أنا قد حكينا روايتين: إحديهما: أنها شرط في الوجوب.
فعلى هذا: لا نسلم الوصف.

الجزء: 2 - الصفحة: 519

وإن قلنا: ليس بشرط، فلا يمتنع أن يكون من شرائط السفر ولزوم الأداء، كامرأة ثقة هي شرط في أدائها، وليس بشرط في وجوبها.
وقد نص على ذلك الشافعي، فقال: إذا وجدت المرأة الزاد والراحلة، وكانت مع نساء ثقات في طريق آمن، عليها الحج، وإن لم يكن معها محرم.
ثم نقول بموجبه، وأنه ليس بشرط في أدائها، وإنما شرط في قطع السفر بدلالة المكية بغير محرم.
ثم نقلب العلة فنقول: فاستوى نفلها وفرضها.
دليله: ما ذكره؛ لأن سائر العبادات لا تعلق للمحرم بأدائها، فلم يشترط فيها، وهذه للمحرم تعلق بأدائها، ألا ترى أنها تخاف على نفسها متى انفردت بالسفر، فلذلك شرط فيها.
ولهذا المعنى اعتبر أحمد المحرم في حق من تخاف أن ينالها الرجال، فقد [قال] في رواية أحمد بن إبراهيم الكوفي: وقد سُئل عن الجارية: متى لا يحل لها أن تسافر إلا مع ذي محرم؟ فقال: إذا كان لها سبع سنين، أو قال: تسعة.
واحتج بأنه لا يخلو إما أن يكون الاعتبار بالمحرم؛ لأنه لو كان

الجزء: 2 - الصفحة: 520

موجوداً، ولا أمن هناك لم يجب عليها.
والجواب: أن الاعتبار بالأمن؛ إلا أن المرأة لا تأمن إلا باستقامة الطريق ووجود محرم تأمن فيه العيبة من الأجانب، وليس يمنع أن تختلف صفة الأمن باختلاف الناس، ألا ترى أن الطريق الآمن يجب سلوكه للحج لعامة الناس، وإن كان منهم من يخاف لشيء يخصه لم يجب عليه؟ واحتج بأنه لو كان المحرم شرطاً في حج المرأة لاستوت فيه العجوز والشابة، كسائر الشرائط.
وقد نقل المروذي عنه: أنه قد سئل عن امرأة كبيرة، ليس لها محرم، وقد وجدت قوماً صالحين، فقال: إن تولت هي النزول، ولم يأخذ رجل بيدها، فأرجو.
والجواب: أن ذلك شرط في حق العجوز والشابة، وقد رواه المروذي عنه في موضع آخر في امرأة لها خمسون سنة، وليس لها محرم: لا تخرج إلا مع محرم، أرجو أن تُرزق، لعلها تتزوج.
ونقل الميموني عنه: أنه حُكي له قول مالك: العجوز تخرج مع عجائز مثلها، فقال: من فرق بين العجوز والشابة؟ وكذلك نقل حرب عنه في امرأة قد كبرت، وليس لها محرم:

الجزء: 2 - الصفحة: 521

لا تحج إلا مع محرم.
واحتج بأنه لو كان المحرم شرطاً في ابتداء سفرها كان شرطاً في استدامته، وقد قال أحمد في رواية الأثرم وأبي الحارث وابن إبراهيم: إذا مات محرمها في الطريق مضت لحجها.
والجواب: أن هذا يبطل بحجة النفل، وسفر التجارة؛ فإن المحرم معتبر في ابتدائه دون استدامته كذلك هاهنا.

  • فصل: وقصير السفر وطويله سواء في اعتبار المحرم.
    نص عليه في رواية بكر بن محمد، عن أبيه، عن أحمد: وقد سئل عن حديث ابن عباس في من وقع بأهله، وهو محرم، يحجان من قابل، فإذا بلغا الموضع الذي واقعها فيه تفرقا.
    قيل: أليس قد صارت بغير محرم؟ فقال: نعم، لا يعجبني هذا إلا أن يكون معها محرم غير الزوج إذا فارقها.
    قال: والسفر عندي، ولو كان ساعة، ابن عباس يروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا تُسافر سفراً".
    ذكرها أبو بكر الخلال في كتاب "العلل".
    وروى الميموني عنه: وقد سئل: تحج المرأة من مكة إلى منى

الجزء: 2 - الصفحة: 522

بغير محرم؟ فقال: لا يعجبني.
قيل له: لم؟ قال: لأن مذهبنا أن لا تسافر امرأة سفراً إلا مع ذي محرم.
وكذلك نقل ابن منصور عنه قال: لا تسافر سفراً.
وقال أبو حنيفة: المحرم شرط في السفر الطويل، وهو الذي تُقصر فيه الصلاة، وهو مسيرة ثلاثة أيام عنده.
دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عباس: "لا تحجن امرأة إلا مع ذي محرم".
وهذا عام في القصير والطويل.
وحديث أبي هريرة: "لا يحل لامرأة تسافر سفراً إلا مع ذي محرم".
وفي لفظ آخر: "لا تسافر بريداً إلا مع ذي محرم".
والبريد أربع فراسخ.
وفي لفظ آخر: "لا تُسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم".
وهذه الأخبار نص في النهي عن السفر القصير كالطويل.
ولأنه سفر يبيح صلاة النفل على الراحلة، ويبيح التيمم عند عدم

الجزء: 2 - الصفحة: 523

الماء، فلم يجز بغير محرم.
دليله: إذا كان قدره ثلاثة أيام.
الماء، فلم يجز بغير محرم.
دليله: إذا كان قدره ثلاثة أيام.
ولا يلزم عليه سفر الهجرة، والمنفية للزنا، ومن لزمها حضور مجلس الحاكم؛ لأنه لا يستوي في ذلك الأصل والفرع في إسقاط اعتبار المحرم.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه سفر صحيح، وليس كذلك هاهنا؛ فإنه بخلافه؟ قيل له: لا نسلم هذا؛ لأن أحكام السفر عندنا تتعلق بستة عشر فرسخاً.
وعلى أن حكم السفر فيه، وهو الصلاة على الراحلة والتيمم، وكان إلحاقه بهذين الحكمين أولى من غيره؛ لما فيه من الاحتياط.
وعلى أن تلك الأحكام لا تلحق بها المشقة في القصير، ويُخاف عليها أن ينالها الرجال في القصير.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "لا تُسافر المرأة فوق ثلاث إلا مع ذي محرم".
فاعتبر الثلاث، فدل على أن ما دونه لا يُعتبر فيه المحرم.
والجواب: أن نطقه يقتضي: أنها لا تسافر فوق ثلاث بغير محرم،

الجزء: 2 - الصفحة: 524

ودليله يقتضي جواز ذلك بغير محرم في ما دونه.
وقد روينا في لفظ آخر: "لا تُسافر يوماً ولا ليلة إلا مع ذي محرم".
وهذا لفظ خاص، فهو يقتضي على الدليل.
واحتج بأنها مسافة لا تستباح فيها رخصة السفر، فلم يُشترط المحرم فيها.
دليله: أطراف البلد.
والجواب: أنه لم يوجد هناك سفر، فلم يعتبر المحرم، وهاهنا قد وُجد بدليل أنه يستبيح به الصلاة النافلة على الراحلة، وجواز التيمم عند عدم الماء عندهم، ولا يستبيح ذلك في البلد المتباعد الأطراف.

  • ... * ... *

230 -

مسألة

إشعار البُدن من الإبل والبقر وتقليدها مسنون:

نص عليه في رواية حنبل والمروذي وابن إبراهيم.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يُكره الإشعار، وهو مُثلة.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" أنا هشيم، أنا أصحابنا؛ منهم

الحديث: 230 - الجزء: 2 - الصفحة: 525

شعبة، عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أشعر بدنته من الجانب الأيمن، ثم سلت الدم عنها، وقلدها نعلين.
ورواه حنبل بلفظ آخر عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما أتى ذا الحُليفة أشعر الهدي، ثم شق السنام، وأماط عنه الدم، وقلده، وأحرم بالحج.
ورواه حنبل بإسناده عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة: أن النبي صلى الله عليه وسلّم خرج في عام الحُديبية في بضع عشرة مئة، فلما كان بذي الحُليفة قلد الهدي، وأشعره، وأحرم منها بالعمرة.
وروى حنبل بإسناده عن القاسم، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أشعر بذي الحُليفة.
فإن قيل: روي عن عائشة: أنها قالت: إن شئت فأشعر، وإن شئت فلا، وإنما أشعر النبي صلى الله عليه وسلّم ليُعلم أنها هدي إذا ضلَّت.
فأخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلّم أشعر هديه؛ ليكون ذلك علامة لها، ومخالفنا يقول: إنه فعله على أنه نسك.
قيل له: هذا دليلنا؛ لأنها أخبرت: أن النبي صلى الله عليه وسلّم أشعر؛ ليكون

الجزء: 2 - الصفحة: 526

علامة، ونحن نستحب الإشعار لما فيه من العلامة، ونقول: إن النبي صلى الله عليه وسلّم فعل لهذا المعنى، ونقول: إن شاء فعل، وإن شاء ترك؛ لأنه ليس بواجب، فكان قول عائشة حجة لنا.
فإن قيل: هذا منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلّم عن المثلة، وهذا من المثلة.
قيل له: لا يجوز حمله على النسخ مع إمكان الاستعمال، والنسخ يحتاج إلى النقل والتوقيف، ونحن نبين وجه نهي النبي صلى الله عليه وسلّم عن المثلة في ما بعد.
وجواب آخر، وهو: أنه لو كان منسوخاً لما أشعرت الصحابة، ولا أمرت بذلك، وقد روى حنبل بإسناده عن ابن عمر قال: ما لم تُشعر، ولم تقلد، فليس بهدي.
وفي لفظ آخر عنه قال: البدن ما قُلِّد وأُشعر ووُقِف بعرفة، وإلا فإنما هي ضحايا.
وبإسناده عن نافع قال: أدركت الناس والبقر تُشعَر في أسنمتها، فما لم يكن لها سنام أُشعرت في موضع السنام.
وهذا إشارة إلى الصحابة وغيرهم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون أشعروا في الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلّم يشعر.

الجزء: 2 - الصفحة: 527

قيل له: ما روينا عن ابن عمر يقتضي أن يكون بعد النبي صلى الله عليه وسلّم؛ لأنه ابتداء قول من جهته، وبيان عن مسنون ذلك، وهذا لا يكون منه في وقت النبي صلى الله عليه وسلّم، ونافع لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلّم، فهو يخبر عما شاهد، وإنما كان هذا بعد النبي صلى الله عليه وسلّم.
فإن قيل: ففيهم من لم يُشعر.
قيل له: من لم يُشعر منهم نحمل أمره على أن تركه رخصة ليس بواجب.
فإن قيل: فقد روي عن إبراهيم النخعي: أنه كان يكره الإشعار.
ومن أصلنا: أن التابعي إذا أدرك زمن الصحابة، وسوغوا الاجتهاد في الحوادث، كان خلافه عليهم خلافاً، وكان إبراهيم يفتي في زمن الصحابة، وقد تقدم على كثير منهم.
وعن الأعمش أنه قيل له: لم أقللت مجالسة أنس بن مالك.
فقال: كنت أترك إبراهيم، وأجالس أنساً.
قيل له: لا نوافقك على هذا الأصل، ولا يكون خلافه عليهم خلافاً؛ [لما] لهم من المزية من مشاهدة التنزيل وحضور التأويل.
ويبين صحة هذا: أن قول الصحابي حجة عندنا وعند أبي حنيفة، وقو الشافعي ليس بحجة.
وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث: لا يُصلي بين التراويح.
واحتج بما روي عن عُبادة وأبي الدرداء، فقيل له: فعن سعيد والحسن:

الجزء: 2 - الصفحة: 528

أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح؟ فقال: أقول لك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم، وتقول التابعين! وقال أبو عبد الله القواريري: سمعت أحمد يذاكر رجلاً، فقال: الرجل: قال عطاء.
فأخذ نعله، وقام، وقال: أقول لك: قال ابن عمر، وتقول: قال عطاء! من عطاء؟ ومن أبوه؟ فإن قيل: يحتمل أن يكون بالبدنة داء، فودجها.
قيل له: التوديج ليس بإشعار.
ولأنه لو كان ذلك للتوديج لما تلاوه بنفسه، بل كان يأمر غيره به، وإنما الإشعار يتولاه بنفسه؛ لأنه سنة.
وأيضاً في الإشعار فوائد منها: أنه إذا [....] فاختلطت بغيرها، أو ضلت، استدل بذلك عليها.
ومنه أنه إذا قصد سارق، فرأى ذلك منها، تحرج عن أخذها.
ومنها أنها ربما تعطب، فتُنحر، وتُترك في موضعها، فإذا رأى المساكين عليها علامة الهدي أخذوها.
فاستحب ذلك، كما يُستحب التقليد عندهم لهذه المعاني، بل الإشعار أقوى؛ لأنه علامة لازمة لا تزول، والتقليد يزول بأن سقط عنها.

الجزء: 2 - الصفحة: 529

فإن قيل: التقليد يُغني عن ذلك.
قيل له: لا يغني؛ لأنه ليس بلازم.
ولأنه إيلام سليم لامتياز حق الله -تعالى- عن حق الآدمي، أشبه الكي في أفخاذ إبل الصدقة والجزية.
ولأنه إيلام سليم لغرض صحيح، فجاز فعله، كالفصد والحجامة.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه نهى عن المثلة.
بدلالة: أنه أشعر في غير حال الإحرام كان مثلة.
والجواب: أن هذا محمول على المثلة لغير غرض بدليل ما ذكرنا، وخبرنا أولى؛ لأنه خاص في موضع الخلاف.
واحتج بأنه هدي ساقه إلى الحرم، فلم يكن من سنته الإشعار.
دليله: الغنم.
والجواب: أن المخالف فرق بينهما، فاستحب التقليد في البدن، ولم يستحبه في الغنم، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر.
ولأن إبل الصدقة والجزية تُكوى في أفخاذها للعلامة، ولا تُكوى الغنم.
ولأن الإشعار لا يفيد في الغنم؛ لأن الدم يخفي في صوفه، فلا يتبين.

الجزء: 2 - الصفحة: 530

ولأن التقليد فيه كفاية في الغنم؛ لأنها لا تقوى على قطعه، وليس كذلك البدن؛ فإنها تقطعه، فجمع بين التقليد وبين الإشعار.
واحتج بأن فيه إيلام الحيوان، وهو منهي عنه في غير حال الإحرام، فوجب أن يكون منهياً عنه في حال الإحرام، كما لو قطع عضواً منه.
والجواب: أن القطع مخوف على الحيوان منه.
ولأن القطع لا يحتاج إليه.
ولأن الإشعار يغني إليه.
ولأنه لا يمتنع أن لا يُقطع، ويُشعر، كما قالوا في إبل الصدقة وإبل الجزية: تُوسم في أفخاذها، ولا تقطع.
واحتج بأن الإحرام يزيد تغليظاً وتأكيداً في حظر الأشياء قد كانت مباحة من قبل الإحرام، فوجب أن يكون الإحرام مؤكداً لحظره، ولا يوجب إباحته.
والجواب: أن الإشعار غير مُحرم قبل الإحرام إذا احتيج إليه لإبل الجزية، ونعم الصدقة، وهاهنا حاجة.
ولأن الإيلام لغرض غير محرم، كالحجامة والفصاد ونحوها.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 531

231 -

مسألة

وصفة الإشعار: أن يشق صفحة سنامها الأيمن في أصح الروايات:

نص عليه في رواية ابن منصور، فقال: تشعر البدن صفحة سنامها الأيمن، وذكر حديث ابن عباس.
وهو قول الشافعي.
والثانية: أن يشق صفحة سنامها الأيسر حتى يظهر الدم.
نص عليه في رواية حنبل، فقال: لا ينبغي للرجل أن يسوق بدنة حتى يشعرها من شقها الأيسر، ويجللها بثوب أبيض، ويجعل في عنقها نعلاً أو علاقة سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأصحابه.
وبه قال أبو يوسف ومحمد.
ونقل المروذي عنه: وقد سُئل: من أين تشعر البدنة؟ فقال: مثل فعل ابن عمر، أي من الشقين فعل فهو جائز.
وكذلك نقل أبو إسحاق بن إبراهيم عنه: أنه قال: من أين أشعرت البدنة فهو جائز بحديث ابن عمر.
وظاهر هذا: أنه مُخير في صفحتها اليمنى واليسرى، وليس أحدهما بأولى من الآخر.
وجه الأولى: ما تقدم من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلّم أشعر

الحديث: 231 - الجزء: 2 - الصفحة: 532

بدنته من الجانب الأيمن.
ولأن التيامن مستحب في كثير من الأشياء.
ووجه الثانية: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا أهدى هدياً من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة؛ فقلده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، [وهو] موجه إلى القبلة، يقلده نعلين، ويشعره من الشق الأيسر، ثم يُساق معه حتى يُوقف به مع الناس بعرفة.
والجواب: أن ما روينا عن النبي أولى من فعل ابن عمر.
واحتج بأن هذه ملاقاة النجاسة، فكان اليسار به أولى.
والجواب: أنه يبطل بالذبح؛ فإنه يستحب باليد اليسار، وهو ملاقاة نجاسة.

  • ... * ... *

232 -

مسألة

التقليد مسنون في الغنم:

نص عليه في رواية حنبل، وابن منصور، وابن إبراهيم:

الحديث: 232 - الجزء: 2 - الصفحة: 533

فقال في رواية حنبل: تُقلد الغنم.
فقيل له: فتُشعر؟ فقال: ما سمعنا أن الغنم تشعر، ولكن الإبل والبقر.
وقال في رواية ابن منصور: وقد سئل: تقلد الشاة؟ فقال: النبي صلى الله عليه وسلّم أهدي غنماً فقلدها.
وقال في رواية ابن إبراهيم: وقد سئل عن الغنم إذا قُلدت، يذهب بها إلى عرفة؟ فقال: إن شاء ذهب بها، وإن شاء لم يذهب.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: التقليد ليس بمسنون.
دليلنا: ما روى حنبل بإسناده عن عائشة قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم من الغنم بيدي هاتين، ثم لا نحتنب شيئاً مما يجتنبه المحرم.
فإن قيل: ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلّم أمرها بذلك.
قيل له: هذا لا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلّم.

الجزء: 2 - الصفحة: 534

وروى أبو داود بإسناده عن الأسود، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أهدى غنماً، مُقلدة.
فإن قيل: يحتمل أن تكون قُلدت للحفظ، وهذه عادة جارية في الغنم.
قيل له: لا يصح؛ لأنه نقل تقليد معلق بالهدي، فلو كان القصد به الحفظ، لم يختص به الهدي.
وعلى أن نستحب ذلك لما فيه من زيادة الحظ للهدايا.
فإن قيل: يحتمل أن يكون هذا في أول الأمر، ثم نُسخ، وقد روي عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلّم أهدي غنماً مُقلدة مرة.
وروي عن الزهري وعطاء: أن ذلك كان في صدر الإسلام.
قيل له: النسخ يحتاج إلى توقيف، وليس هاهنا ما يدل عليه.
وعلى أن حنبل روى بإسناده عن عطاء قال: كانت الغنم تدم مكة مقلدة.
وفي لفظ آخر: رأيت الغنم تُقلد، وإنها لتعرفه.
وروى عن عبيد الله بن أبي زيد قال: رأيت الغنم تقدم مكة مقلدة.
وروي عن هشام، عن أبي جعفر قال: رأيت الكباش تقلد.

الجزء: 2 - الصفحة: 535

وهذا الانتشار عنهم يمنع النسخ.
فإن قيل: هذا يدل على جواز فعله، وأن فاعله لا يُنكر عليه، ونحن نقول هذا، وخلافنا هل هو مسنون، أم لا؟ وليس في ذلك ما يدل عليه.
قيل له: لا يجوز أن يجتمعون على مثل هذا إلا ويكون قربة؛ لأنه في معنى التلاعب، ولو شد الخيط على رجلها كام مباحاً، ولم يفعلوا ذلك حيث لم يكن فيه قربة.
ولأنه نوع هدي من النعم، فوجب أن يُستحب تقليده.
أصله: الإبل والبقر.
يبين صحة هذا: أن الإبل والبقر إنما قُلدت؛ لئلا تنفر، فتختلط بغيرها، فتتميز بذلك، وهذا في الغنم أولى؛ لأنها أكثر نفوراً من الإبل؛ لأن الإبل تقاد بأزمتها، والغنم مخلاة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: 2]، فعطف القلائد على الهدي، وقد ثبت أن البدن مراده بقوله: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾، فيجب أن يكون الهدي غير القلائد؛ لأن الشيء يعطف على غيره، ولا يعطف على نفسه، فلو كان من سنة الغنم التقليد، لكان قد عطف القلائد على نفسه، وإذا ثبت أنها غير القلائد، وقد جعل الله -تعالى- من صفتها أن تكون مقلدة، ولم يجعل ذلك من صفة الهدي، عُلم أنها لا تُقلد.
والجواب: أن الله -تعالى- ذكر الهدي وأراد به الإبل والغنم إذا

الجزء: 2 - الصفحة: 536

كانت مقلدة، ولا يمتنع أن يكون المراد بالثاني الأول، ويعطف عليه لاختلاف اللفظ، كما قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68].
وقال الشاعر: فألفى قولها كذباً ومينا والمين هو الكذب.
وعلى أن [....]. قال: القلائد في رقاب البهائم [....]. واحتج بأن الناس كانوا يهدون الغنم في زمان النبي صلى الله عليه وسلّمكما كانوا يهدون الإبل، فلو كان تقليد الغنم ثابتاً، لورد النقل به، ورووه كتقليد البدن، فلما لم يرد النقل به متواتراً عُلم أنه غير ثابت.
والجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يهدي الإبل أكثر من هدي الغنم، فلهذا كان النقل في الإبل أظهر وأشهر.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 537

233 -

مسألة

ليس من شرط الهدي أن يُوقف بعرفة، ولا الجمع بين الحل والحرم، فإذا اشتراه في الحرم، ونحره في الحرم، ولم يُعرف به، أجزأه:

نص عليه في رواية أبي طالب في الغنم والبدن: إن لم يذهب بها؛ يعني: إلى عرفة، وليس عليه شيء، قول عائشة للأسود: إن شئت وقفت، وإن شئت لم تقف.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم.
وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: إذا كان محرماً بالحج؛ فإنها تساق من الحل إلى الحرم، وتوقف بعرفة، فإن لم يقفها بعرفة إلا أنه جمع بين الحل والحرم، أجزأه.
فالاعتبار عنده بالجمع بين الحل والحرم.
دليلنا: أن الهدي مشتق من الهدية، والهدية ما أُهدي، فإذا أهداه من ملكه إلى منحره، فقد أهدى.
ويبين هذا: قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة" إلى قوله: "كالمهدي بيضة"، فدل على أن هذا اسم لغوي وشرعي.

الحديث: 233 - الجزء: 2 - الصفحة: 538

ولأن النحر قد وُجد في الحرم بسبب الإحرام، فأجزأه، كما لو ساقه من الحل إلى الحرم، ونحره فيه.
واحتج المخالف بما روى عطاء قال: عرف رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالبدن الذي كان أهداها.
والجواب: أن هذا محمول على طريق الاستحباب، ونحن نستحب ذلك لتراها الناس.
واحتج بما روى نافع، عن ابن عمر: أنه كان يقول: الهدي ما قُلد، وأشعر، ووقف بعرفة.
وفي لفظ آخر عنه: من اشترى يوم النحر ناقة، أو بدنة، لم يقفها بعرفة، فإنما هي ضحية.
وروى إبراهيم، عن الأسود: أنه أرسل إلى عائشة يسألها: أنعرف بالبدنة؟ قالت: نعم.
وعن ابن الحنيفة قال: عرفوا بها.
والجواب: أن أبا بكر النجاد روى أيضاً بإسناده عن الأسود قال: أرسلنا إلى عائشة غلاماً لنا يُقال له: معبد، فقال: معنا هدي، فقالت: ما استطعتم أن تعرفوا فعرفوا، وما لم تستطيعوا فدعوه.
وروى عن ابن الزبير: أنه اشترى عشرة من البدن، فأصابتها صاعقة

الجزء: 2 - الصفحة: 539

بعرفات، فاحترقن، فاشترى مكانها بمنى حتى نحرهن.
وهذا يعارض ما رووه.
واحتج بأنه لم يجمع فيه بين الحل والحرم، فلم يجز، كما لو نحره في الحل.
والجواب: أن الحل ليس بمحل تحلله، فلهذا لم يكن محلاً لنحره، وهذا بخلافه.
واحتج بأن الإحرام شرطه الجمع بين الحل والحرم، كذلك الهدي.
والجواب: أنا نقول: لم كان كذلك؟ على أنه لما كان إلحاقه بالإحرام أولى من إلحاقه بالطواف والسعي والرمي، وجميع ذلك ليس من شرطه الجمع بين الحل والحرم؟!

  • ... * ... *

234 -

مسألة

أي موضع نحر من الحرم أجزأه:

نص عليه في رواية ابن القاسم: وذُكر له قول مالك: إذا لم يقف بها نُحرت بمكة، فقال: مكة ومنى، وأخذ ابن عباس يقول: نُزهت مكة عن الدماء.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: لا يُنحر في الحج إلا بمنى، ولا في عمرة إلا بمكة.
دليلنا: حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "فجاج مكة كلها

الحديث: 234 - الجزء: 2 - الصفحة: 540

طريق ومنحَر".
وقوله: "فجاج مكة"، لم يرد نفس بنيان مكة، وإنما أراد به الحرم، والفج الطريق، فقد أخبر أن فجاجها منحر، فدخل فيه جملة الحرم.
ولأنه نحر في الحرم، فأجزأه، كما لو نحر بمكة، أو بمنى.
فإن قيل: مكة بقعة شريفة، ولهذا تختص بالنُّسك، فجاز أن تختص بالنحر.
قيل: ليس في النحر تشريف لها، بل تنجيس.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33].
وقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].
وظاهر هذا: أنه لا يجوز نحره في غيره.
والجواب: أن هذا لا يمنع جواز الذبح في غير مكة، كما لم يمنع عنده جواز ذلك بمنى.
واحتج بما روى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "عرفة كلها موقف، ومُزدلفة كلها موقف، ومنى وفجاج مكة كلها طريق ومنحر".
فخض مكة ومنى بالنحر، فدل على أنه لا يجوز النحر في غيرهما.
والجواب: أن تخصيصها بالذكر لا يمنع غيرهما، كما خص الأشياء

الجزء: 2 - الصفحة: 541

الستة بتحريم الربا، ولم يدل على أن غيرها ليس في حكمها.
على أنه قد جعلناه حجة لنا.
واجتج بأن مكة مخصوصة بالبيت وبالطواف، ومنى خصت بالرمي والمبيت بها لبقاء االنسك، وليس هذه المزية لغيرهما من الحرم، فجاز أن يختصا بالذبح.
والجواب: أن تخصيصها بهذه الأفعال فضيلة، وليس في تخصيصها بالذبح فضيلة لما ذكرنا، وهو أنه تلويث مكان شريف بالنجاسة، ولهذا روى عطاء، عن ابن عباس قال: المنحر بمكة، ولكنها نُزهت عن الدماء.
فإن قيل: فلم استحببتم النحر بها.
قيل: ليكون اللحم غضاً طرياً لأهلها، وإذا ذبح خارجاً منها في بعض الحرم ربما فات ذلك.

  • ... * ... *

235 -

مسألة

يجوز أن يشترك السبعة في البدنة والبقرة سواء كان هديهم تطوعاً، أو واجباً، سواء اتفقت جهات قربهم، أو اختلفت، وكذلك إن كان بعضهم متطوعاً، وبعضهم عن واجب، وكان بعضهم يريد اللحم، وبعضهم متقرباً:

نص على هذا في رواية حنبل: لا بأس أن يشرك القوم في البقرة

الحديث: 235 - الجزء: 2 - الصفحة: 542

عن سبعة أهل البيت وغيرهم، وذكر حديث جابر: كنا نذبح البقرة عن سبعة.
وقال في رواية مهنا في سبعة اشتركوا، فقال أحدهم: أريد حصتي لحماً، لا أريد أضحية، وقال الستة: هي عنا جميعاً، فنحروها على هذه الحال: تجزئهم، وإن كانوا سبعة، فقال ستة: نريد حصتنا لحماً، وقال الواحد: بل هي أضحية، فنحروها على هذه الحال: تجزئ الواحد، ولا تكون أضحية وفرضاً للستة.
وقال في رواية حرب في ثلاثة اشتروا بقرة، فذبحوها على أنهم إن جاءهم شركاء شاركوهم بعد الذبح، فجاءهم قوم، فشاركوهم في ذلك اللحم: أجزأ عنهم.
وقال في رواية ابن القاسم في جماعة اشتروا بدنة؛ لينحروها عنهم، وهم يظنون أنهم سبعة، فإذا هم ثمانية: يشترون شاة أخرى، فتكون البدنة والشاة عندهم، ويجوز إن شاء الله.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن كانوا مُتقربين صح الاشتراك، وإن كان

الجزء: 2 - الصفحة: 543

بعضهم متقرب، وبعضهم يريد اللحم، لم يصح.
وقال مالك: إن كانوا متطوعين صح الاشتراك، وإن كان عليهم هدي واجب لم يصح.
فالدلالة على مالك بما روى عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده عن أبي هريرة قال: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن من اعتمر من نسائه في حجة الوداع البقرة بينهن.
فإن قيل: نحن نقول بموجبه؛ لأنهن كن أهل بيت واحد، وهو بيت النبي صلى الله عليه وسلّم.
قيل: لو لم يجز في حق أهل أبيات، لم يجز في حق أهل بيت، كالشاة.
وروى بإسناده عن جابر قال: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالعمرة إلى الحج، فكنا ننحر البدنة عن سبعة.
وفي لفظ آخر: كنا نذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها.
فإن قيل: لو لم يجز لانتقلوا إلى الصيام.
ولأن كل بدنة جاز أن يخرجها الواحد، جاز أن يخرجها الجماعة عن تلك الجهة.

الجزء: 2 - الصفحة: 544

دليله: إذا كانوا متطوعين.
وكل ما جاز أن يشترك فيه السبعة إذا كانوا متطوعين، جاز أن يشتركوا فيه إذا كانوا مفترضين، كالسبع من الغنم.
وإن شئت قلت: ما جاز أن يشترك فيه أهل بيت واحد، جاز أن يشترك فيه أهل أبيات.
دليله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بما روي عن ابن عباس: أنه قال: ما كنت أرى دماً يقضي عن أكثر من واحد.
وعن ابن عمر: أنه قال: لا اشترك في شيء من النسك.
والجواب: أنه يعارضه ما روى مسلم عن رجل، عن علي بن أبي طالب قال: البقرة تُجزئ عن سبعة يضحون بها.
وهذا يعارض قولهم.
على أن هذا محمول على منع الاشتراك في الشاة، فنجمع بين أقاويلهم.
واحتج بأن الاشتراك في الدم يوجب أن يكون لكل واحد قسط من اللحم، وذلك يوجب القسمة، وهي بيع.

الجزء: 2 - الصفحة: 545

والجواب: أن القسمة عندنا إفراز الحقوق، وتعديل الأنصبة، وليستع ببيع.
واحتج بأنه حيوان يجزئ في الهدي، فلا يصح الاشتراك فيه، كالشاة.
والجواب: أن الشاة لما لم يصح الاشتراك في التطوع فيها، لهذا لم يصح في الواجب، كالسبعة من الغنم.
واحتج بأنه حصل مخرجاً لبعض بدنة، فلم يجزئه، كما لو اشترى لحماً.
والجواب: أن القربة تحصل بإراقة الدم، وبشراء اللحم لا يوجد هذا المعنى.
يبين صحة هذا: أنه في التطوع لو اشترى لحماً لم تحصل له القربة، ولو أخرج جزءاً من بدنة على وجه الشركة حصلت له القربة، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه اشتراك في دم واجب، أشبه اشتراك العشرة في البدنة.
والجواب: أن تلك الشركة لا تصح في التطوع، فلهذا لم تصح في الواجب.
واحتج بأنه إزالة ملك عن حيوان على وجه الحتم والوجوب، فلم يصح الاشتراك فيه.
دليله: كفارة العتق في القتل والظهار.

الجزء: 2 - الصفحة: 546

ولأنه حيوان وجب عن جناية لحق عبادة، فلم يجزئ الواحد منه عن سبعة.
دليله: الواطئ في رمضان.
والجواب: أن الفرض هناك لا يسقط بأقل من رقبة، فلهذا لم يصح الاشتراك فيها، فمثال الرقبة هناك الشاة هاهنا؛ فإنه يصح الاشتراك.

  • فصل: الدلالة على أبي حنيفة: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة".
    فعم، ولم يخص؛ لأن كل ما جاز أن يشترك فيه السبعة إذا كانوا متقربين، جاز أن يشتركوا فيه إذا كان بعضهم متقرباً، وبعضهم غير متقرب، كالسبعة من الغنم.
    ولأن نية كل واحد من الشركاء غير معتبرة في حق شريكه بدليل: أنه يجوز أن ينوي أحدهم عن تمتع، والآخر عن قران، ونية القران في التمتع كلا نية.
    فإذا كانت النية غير معتبرة في حقه، فلا فرق أن يكون الشريك متقرباً، أو غير متقرب.

الجزء: 2 - الصفحة: 547

واحتج المخالف بأن الدم لا يتبعض، فلا يصح أن يقع بعضه قربة، وبعضه غير قربة، كما لو كان أحدهم ذمياً.
والجواب: أن الدم يتبعض عندنا، ألا ترى أنه يجوز أن يجتمع في الدم الواحد في قُرب مختلفة، فيكون بعضه عن قران، وبعضه عن تمتع، وبعضه عن جزاء صيد، وبعضه عن فدية حلق، أو لبس مخيط، أو طيب، أو ترك نسك.
وإذا اختص كل سبع بقربة مخالفة للقربة الأخرى دل على أنها تتبعض.
وأما المشاركة للذمي، فلا نسلمه، ويجوز على قياس قول أحمد، وإنما اختلفت الرواية عنه في ذبح الذمي ضحايا المسلمين على روايتين، فأما في المشاركة لهم، فما نعرف الرواية عنه، وقياس قوله جوازه.
واحتج بأنه دم لم يقع بعضه عن القربة، فلم يقع باقيه عنها، كالمجوسي والمسلم إذا اشتركنا في الذبح.
والجواب: أن ذلك الاشتراك لما أثر في سبع من الغنم، لهذا أثر في البدنة، وكان المعنى فيه: أنه يصير المذبوح ميتة، وليس كذلك في ما اختلفنا فيه؛ لأنه يصح في السبع، فصح من البدنة.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 548

236 -

مسألة

لا يأكل من شيء من الهدايا إلا هدي التمتع والقران والتطوع إذا بلغ محله في أصح الروايتين:

رواها أبو طالب عنه، فقال: لا يأكل من جزاء الصيد، ولا كفارة، ولا نذر، ويأكل من الهدي عن العمرة والقران والتطوع.
وبهذا قال أبو حنيفة.
ونقل ابن إبراهيم وابن منصور: لا يُؤكل من النذر، ولا من جزاء الصيد، ويُؤكل ما سوى ذلك.
وظاهر هذا: أن ما عدا هذين الدمين يجوز الأكل منهما.
وقال مالك: يأكل من الهدي كله إلا من جزاء الصيد، وفدية الأذى، ونذر المساكين.
وقال الشافعي: لا يأكل إلا من التطوع.
فالدلالة على مالك: أنه دم تعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل، فلم يجز الأكل منه.
دليله: جزاء الصيد، وفدية الأذى.
ولا يلزم عليه التمتع والقران والتطوع؛ لأنه لم يتعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل؛ لأنه دم نسك عندنا على ما نبينه في ما بعد.
ولا يلزم عليه إذا صال عليه الصيد، فقتله، أو كان به أذى من رأسه؛ لأن هناك، وإن لم يكن الفعل محرماً في الحال، ففي الأصل الإحرام

الحديث: 236 - الجزء: 2 - الصفحة: 549

يحظره، فلهذا لم يُبح أكله.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَالْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 36].
والجواب: أن المراد بذلك: هدي القران والمتعة.
ثم رتب قضاء التفث عليه بقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29]، والهدي الذي يترتب عليه قضاء التفث هو هدي التمتع والقران، ونحن نقول: يجوز الأكل من ذلك.
واحتج بأنه هدي لم يسلم للمساكين، ولا مدخل فيه للإطعام، فهو كالتطوع وهدي القران والتمتع.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لا يتعلق بمعنى يحظره الإحرام، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه يتعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل، أشبه ما ذكرنا.

  • فصل: والدلالة على الشافعي، وأنه يجوز الأكل من هدي التمتع والقران: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَالْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 28 - 29]، والهدي الذي يترتب عليه قضاء

الجزء: 2 - الصفحة: 550

التفث هو هدي القران والمتعة؛ لأن له أن يذبح سائر الهدايا أي وقت شاء.
فإن قيل: يجوز أن يكون المراد به التطوع إذا ساقه؛ فإنه يترتب عليه الحلق، ويقدمه على الحلاق.
قيل له: إلا أنه لو حلق قبل الذبح جاز، فالترتيب هناك غير واجب.
فإن قيل: المراد به التطوع بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم﴾ [الحج: 36].
قيل له: هي لنا بمعنى: استحقاقنا للثواب بها، وإن كانت علينا.
فإن قيل: قوله: ﴿فَكُلُوا﴾ [الحج: 28] أمر، وأقل أحواله الندب، وليس بمندوب أن يأكل من الواجب.
قيل له: هو مندوب إلى الأكل من دم التمتع.
وأيضاً ما احتج به أحمد، ورواه أبو حفص في كتاب "المناسك" بإسناده عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلّم حج ثلاث حجج؛ حجتين قبل أن يُهاجر، معها عمرة، وساق ثلاثاً وستين بدنة، وجاء علي بتمامها من اليمن، فيها جمل لأبي جهل في أنفه بُرة من فضة، فنحرها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأمر من كل بدنة ببضعة، فطُبخت، وشرب من مرقها.

الجزء: 2 - الصفحة: 551

وبإسناده عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا أنه الحج، فلما دنونا من مكة، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم من لم يكن معه هدي، إذا طاف بالبيت، وسعي بين الصفا والمروة، أن يحل.
قالت عائشة: فدُخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن أزواجه.
قال أحمد في رواية المروذي: يأكل من هدي متعته، قد أكل أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم من الهدي؛ من البقر؛ لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم تمتعوا.
وقال في رواية بكر بن محمد، عن أبيه: يأكل من هدي المتعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلّم ساق الهدي في حجة الوداع، وجمع بين الحج، وإن كان متمتعاً، وأكل من هديه في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر.
فقد نص على أن النبي صلى الله عليه وسلّم وأزواجه كانوا متمتعين، وفيه بيان أن جعفر بن محمد بن محمد ثابت الحديث [....]. وأيضاً ما روى عبد الرحمن بن أبي حاتم في "سننه" قال: ذكر أبي قال: نا محمد بن علي بن الحسين بن سفيان قال: سمعت أبي يقول: أنا أبو حمزة، عن جابر، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،

الجزء: 2 - الصفحة: 552

عن علي بن أبي طالب قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بهدي المتعة أن أتصدق بجلودها ولحومها سوى ما يأكل.
وهذا نص.
فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلّم كان منفرداً، فالهدي الذي ساقه كان تطوعاً.
قيل له: النبي صلى الله عليه وسلّم كان متمتعاً، وقد دللنا على ذلك في ما تقدم.
وعلى أن قوله: (أمر بهدي) لا يقضي الهدي الذي كان معه خاصة، بل يقضي كل هدي؛ أن يُفعل به مثل ذلك.
وأيضاً هدي التمتع والقران لم يجب بإيجابه، ولا بمعنى يحظره في الأصل، أشبه هدي التطوع.
ولا تلزم عليه فدية الأذى؛ لأنه تعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل، وهو الحلق، وإن كان مباحاً في هذه الحال.
ولا يلزم عليه النذر؛ لأنه وجب بإيجابه.
وكل تصرف جاز في الأضحية، جاز في هدي التمتع، كالتصدق به.
واحتج المخالف بأنه دم تعلق وجوبه بالإحرام، فصار كجزاء الصيد وغيره.
والجواب: أن ذلك يتعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل.
واحتج بأنه دم واجب، فلم يجز الأكل منه.

الجزء: 2 - الصفحة: 553

دليله: النذر.
والجواب: أن النذر إن كان على وجه الأضحية؛ فإنه يجوز الأكل منه، ذكره أبو بكر في كتاب "التفسير".
ولأن النذور محمولة على أصولها في الشرع، والأضحية الشرعية يؤكل منها.
وإن كان نذر مطلقاً لم يُؤكل؛ لأن النذر آكد في اللزوم، ألا ترى أنه لا ينوب الصيام عن الإطعام عنه؟ والأجود من هذا: أن دم القران والضحايا المنذورة القصد منها إراقة الجم، ولهذا يختص بزمان، وتفرقة اللحم تبع، وقد حصل المقصود، وهاهنا القصد تفرقة اللحم، ويُتوصل بالذبح إليه.
واحتج بأن دم القران يجب لجبران النقص الداخل في الإحرام، أشبه دم اللابس والمتطيب والحالق.
والجواب: أن القران لا يوجب نقصاً في الإحرام عندنا؛ لأنه لو أوجب نقصاً لما جاز الجمع بينهما من غير ضرورة به إليه، ألا ترى أنه ليس للمحرم أن يحلق من غير عذر؛ لأن الحلق يوجب نقصاً فيه، فلما اتفقنا على جواز القران لغير عُذر علمنا أنه لا يوجب نقصاً في الإحرام، وإذا لم يوجب نقصاً فيه الدم الواجب بالقران دم نسك.
فإن قيل: قد قال أحمد في رواية الأثرم في من أخذ حجة عن

الجزء: 2 - الصفحة: 554

ميت، فتمتع، أو قرن: فالدم عليه دون الميت.
وهذا يدل على أنه دم جبران.
قيل له: أحمد لم يوجب الدم على الحاج؛ لأنه دم جبران، لكن لأجل أنه خالف ما أُمر به.
فإن قيل: فكان يجب أن يغرم النفقة -أيضاً- لمخالفة الأمر.
قيل له: إنما [لم] يغرم النفقة؛ لأنه قد حصل له ما أمره به وزيادة، فلهذا لم يغرم النفقة.

  • ... * ... *

237 -

مسألة إذا أوجبت بدنة، جاز بيعها، وعليه بدنة مكانها، فإن لم يوجب مكانها حتى زادت في بدن، أو شعر، أو ولدت، كان عليه مثلها زائدة، ومثل ولدها، ولو أوجب مكانها قبل الزيادة والولد، لم يكن عليه شيء في الزيادة:

ذكره الخرقي في "مختصره" فقال: ويجوز أن يُبدل إذا أوجبها بخير منها.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتري الأضحية، فيسميها للأضحى؛ يبدلها بما هو خير منها؟ يبيعها؟ قال: نعم.
وقد أطلق القول في رواية صالح وابن منصور وعبد الله: يجوز أن

الحديث: 237 - الجزء: 2 - الصفحة: 555

يُبدِّل الأضحية بما هو خير منها.
ورأيت في "مسائل الفضل بن زياد": إذا سماها لا يبيعها إلا لمن يريد أن يضحى بها.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي: قد زال ملكه، فلا يجوز بيعه.
دليلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلّم ساق الهدي لينحرها عن التمتع، فلما أُحصر صرفها إلى الإحصار، ثم أبدلها في العام القابل، فلو كانت قد خرجت عن ملكه بالإيجاب لما تصرف فيها بعد ما أوجبها لغيره.
فإن قيل: من أين لكم: أنه قد أوجبها؟ قيل له: لو لم يكن أوجبها لما كانت الثانية بدلاً.
ولأنه جعله هدياً، فجاز بيعه، كما لو ساقه متطوعاً، وكما لو أهدى داراً، أو ثوباً.
فإن قيل: هناك لم يزل ملكه عنه إذا كان تطوعاً، وهاهنا قد زال.
قيل: لا نسلم لك هذا.
فإن قيل: الدار والثوب إذا جعلهما هدياً يجب بيعها، وهاهنا لا يجب.
قيل له: ليس إذا لم يجب لم يجز، كما لو عطب، وكالمال الذي

الجزء: 2 - الصفحة: 556

وجبت فيه الزكاة.
ولأنه حق لله -تعالى- تعلق بالرقة، فإذا لم يتم، لم يوجب زوال ملكه.
دليله: أنه لو نذر أن يتصدق بهذه الدراهم.
ولا يلزم عليه إذا استولد أُمَّه، أو نذر أن يعتق عبداً؛ أنه لا يجوز بيعه؛ لأن الحق هناك لآدمي، فهو كالرهن.
ولأن النذور محمولة على أصولها في الفروض، وفي الفروض أن الحق إذا تعلق بعين المال، جاز إخراج بدله بدلالة الزكاة، كذلك هاهنا.
ولأنها لو عطبت في الطريق، جاز بيعها، فلو كان ملكه زال عنها بالإيجاب، لما عادت إليه بالهلاك.
فإن قيل: لا يمنع أن يزول ملكه، ويعود إليه بالهلاك، كما لا يمتنع أن يتعلق بها الحق، ثم يسقط بالهلاك.
قيل له: قد وجدنا حقاً تعلق بالعين، ويبطل الحق المتعلق بها، ولم نجد شيئاً يخرج عن ملكه، ثم يعود إليه بالهلاك، وكان يجب أن نقول: يسقط بهلاكه على ملك الفقراء؛ لأنه على ملكهم.
واحتج المخالف بما روى سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، [عن] عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله! إني أهديت نجيباً، وأُعطيت به

الجزء: 2 - الصفحة: 557

ثلاث مئة دينار، فأبيعه، وأشتري مكانه بُدناً؟ قال: "لا، انحره".
ومعلوم أن النجيب يُقصد به الركوب، ولحم البدن أنفع للمساكين منه، ومع هذا أمره -عليه السلام- بنحره.
والجواب: أنا نكره له فسخ المتعين، وإقامة غيره مقامه، فمنعه -عليه السلام- من ذلك لأجل الكراهية.
ولأنه سأله عن بيعها من غير أن يقيم غيرها مقامها، وذلك لا يجوز عندنا.
واحتج بأنها عين نذر إخراجها في حق الله تعالى، فإذا لزم النذر، لم يجز البيع، كما لو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد.
ولأنه حق إذا تعلق بالعين سرى إلى الولد، فوجب أن يمنع جواز البيع، كإحبال الأمة.
والجواب: أن الاستيلاد لا يوجب خروج الأمة عن ملكه، فيجب أن لا يزول ملكه هاهنا.
على أن الاستيلاد، والنذر لعتق عبد بعينه، إنما منع من التملك لما يتعلق به حق العتاق، وهو حق لآدمي، فهو كالراهن، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه حق لله -تعالى- تعلق بالرقبة، فإذا لم يتم، لم يمنع

الجزء: 2 - الصفحة: 558

البيع، كما لو نذر أن يتصدق بمال بعينه، وكالزكاة إذا تعلقت بالمال، جاز الإخراج من غيره.
وإن قاسوا عليها إذا أعتق العبد، ثم أراد بيعه، لم يجز؛ لأن الإتلاف قد حصل هناك بالعتق، فهو كالذبح.
وإن شئت قلت: المعنى هناك: أنه نحر الفدية، وهاهنا لم ينحرها.
واحتج بأنه لو أتلفها عقيب العقد ضمنه، فدل على زوال ملكه؛ لأنه يسري إلى ولدها.
والجواب: أن الراهن إذا أتلف الرهن ضمنه، وإن كان ملكه باقياً، والمكاتبة يتبعها ولدها، وإن كان ملك السيد باقياً عليها.

  • ... * ... *

238 -

مسألة

إذا نذر هدياً، لزمه شاة، فإن أخرج جزوراً أو بقرة كان أفضل، ولا يُجزئ فيه إلا ما يُجزئ في الأضحية:

وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في الجديد.
وقال في القديم، و"الإملاء": يجب ماله قيمة من بيضة، أو لقمة، أو كف من طعام.
وهل يختص بمساكين الحرم؟ فيه وجهان.
دليلنا: أن النذور محمولة على أصولها بالفروض، وقد ذكر الله -تعالى- الهدي في مواضع، والمراد بجميعها الحيوان، كذلك النذور.

الحديث: 238 - الجزء: 2 - الصفحة: 559

وقد روى ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلّم سُئل عن الهدي، فقال: "أدناه شاة".
ولأنه حق وجب بلفظ الهدي المطلق، فلا يجزئ فيه أقل من شاة، كهدي المتعة والإحصار.
واحتج المخالف بقوله صلى الله عليه وسلّم: "المبكر [إلى] الجمعة، كالمهدي بدنة" إلى أن قال: "ثم كالمهدي بيضة".
والجواب: أن هذا هدي مقيَّد، ومثله يجزئ في النذر؛ لأنه لو قال: لله علي أن أهدي بيضة، أجزأه إذا أطلق.

  • ... * ... *

239 -

مسألة

إذا قال: لله عليَّ أن أهدي بدنة، فإن نوى بها شيئاً، فهو ما نوى، وإن لم تكن له نية، فهو مُخير بين الجزور وبين البقرة في إحدى الروايتين:

قال في رواية حنبل: العشر من الغنم تجزئ مكان الجزور؛ إذا

الحديث: 239 - الجزء: 2 - الصفحة: 560

كان عليه بدنة، فنحر عشرة من الغنم، أو في ذلك عنه، إن شاء الله.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وفيه رواية أخرى: عليه جزور، فإن لم يقدر أخرج بقرة.
وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب، فقال: إذا كان عليه جزاء أو نذر بدنة، فلم يجد بدنة، جعل مكانها سبعة من الغنم.
فأجاز العدول عن الجزور إذا لم يجد.
وهو قول الشافعي.
ومن أصحابه من قال: هو مُخير.
وجه الأولى: ما روى ابن الزبير، عن جابر قال: اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلّم في الحج والعمرة؛ كل سبعة في بدنة، فقال رجل: أرأيت البقرة أيُشترك فيها كما يُشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البدن.
فإذا ثبت أن البقرة من البدن، وجب أن يكون مُخيراً بينها وبين الجزور.
وروى الأثرم بإسناده عن جابر قال: كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثم تذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها.
ولأنها تجزئ في الهدي والأضحية عن سبعة، كما تجزئ

الجزء: 2 - الصفحة: 561

الجزور، وكما جاز أن يهدي الجزور كذلك البقرة.
واحتج المخالف بأن اسم البدنة يختص الجزور، ألا ترى أن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه جعل البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.
ففصل بين البدنة وبين البقرة في الاسم.
وروي -أيضاً- عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: "المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة".
ففصل بين البدنة وبين البقرة.
فإذا ثبت أنه يختص الجزور، والبقرة تقوم مقامه، لم يجز العدول عن الأصل إلا في حالة عدمه.
والجواب: أنا قد بينا: أن النبي صلى الله عليه وسلّم سماها بدنة بقوله: ما هي إلا من البُدن.
وعلى أنا نسلم أن اسم البدن يتناول الإبل حقيقة في اللغة، وإنما الكلام بيننا وبينكم في الحكم، وهو أن الموضع الذي تدخل فيه البدنة؛ هل تقوم البقرة مقامها، أم لا؟ وقد دللنا على أنها تقوم مقامها.

  • ... * ... *

الجزء: 2 - الصفحة: 562

240 -

مسألة

إذا أوجبت هدياً، أو أضحية معينة، ثم أصابها عور، أجزأت عنه:

نص عليه في رواية صالح في من اشترى أضحية، فاعورت، أو عجفت: يذبحها، ويجزئه.
وكذلك نقل إبراهيم بن الحارث في من اشترى أضحية سوية؛ ليضحي لها، فأصابها عيب عنده، فسهل في ذلك.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا تجزئ إلا أن يكون حدوثه حال الذبح مثل أن تضطرب، فتنكسر رجلها، أو تصيب السكين عينها، فتعور، فتجزئه.
دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري قال: قلت يا رسول الله! إني أوجبت على نفسي أضحية، وإنه أصابها عوار، فقال: "ضح بها".
فإن قيل: يحتمل أن يكون أراد به: ضح بها، ويكون تطوعاً؛ لا أنها أضحية شرعية.
قيل له: ظاهر قوله: "ضح بها" يقتضي أن تكون أضحية شرعية؛ لأنه عن هذا سُئل.
ولأنه نقص حدث بعد الوجوب، فلم يؤثر في جهة القربة، كما لو حصل النقص حال الذبح بأن انفلتت السكين، فأصابها عوار، أو غيره.
فإن قيل: القياس أن لا يجوز إلا أنهم استحسنوا ذلك.

الحديث: 240 - الجزء: 2 - الصفحة: 563

قيل له: المعنى الذي لأجله تركت القياس هناك موجود هاهنا.
فإن قيل: في حال معالجة الذبح لا تخلو من عيب يصيبها؛ لأنها تضطرب، فلهذا لم نعتبر استشرافها في تلك الحال، وهذا المعنى معدوم قبل تلك الحال.
قيل له: ليس الأمر على هذا، بل الغالب من المذبوح: أنه يسلم من عوار يلحقه في معالجة الذبح.
ولأنه يمكنه الاحتراز من ذلك بأن يشد قوائمها ويربطها.
وعلى أن هذا يبطل بموتها حال الذبح بالخنق والقطع؛ فإنه لا يمكن التحرز منه، ومع هذا فلا يعفى عنه.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "استشرفوا العين والأذن".
وروي أنه نهى عن العوراء البيت عورها، والعرجاء البين ظلعها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تُنقي.
فنهى عن العور، ولم يخص حالاً دون حال.
والجواب: أن هذا محمول عليه إذا كان موجوداً قبل الإيجاب.
واحتج بأن القربة تُستوفى بالذبح؛ لأنها لو هلكت قبل بالذبح وجبت أخرى مكانها، ولو هلكت بعد الذبح لم يجب شيء، فلو كان

الجزء: 2 - الصفحة: 564

الاعتبار بحال الإيجاب لوجب إذا عطبت أو سُرقت قبل الذبح أن لا يجب عليه شيء.
وإذا صح أن الاعتبار بالذبح وجب أن تُراعى صحة أعضائها في حال الذبح، فإذا كان في أعضائها نقص في تلك الحال لم تجزئه، وإن كانت سليمة الأعضاء أجزأت.
قالوا: وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا هلك قبل أن يبلغ الحرم، فإن كان تطوعاً فليس عليه بدل، وإن كان هدي متعة والصيد والكفارات فعليه البدل.
ونقل عنه في موضع آخر في البدنة تهلك قبل أن تبلغ الحرم: فإذا كانت نذراً أو جزءاً صيد أبدلهما، ويأكل، وإن شاء باع، وإن كان تطوعاً لم يأكل.
والجواب: أن هذا باطل بحال الذبح؛ فإنها لو هلكت في تلك الحال وجب أخرى مكانها، ولو عابت لم يمنع الإجزاء.
ثم نقول: إذا عين أضحية بالنذر، فعطبت قبل الذبح، لم تلزمه أخرى مكانها.
نص عليه في رواية حنبل، فقال في الهدي إذا عطب في الحرم: فقد أجزأ عنه إلا ما كان من التمتع، فأما ما كان من نذره، أو تطوع؛ فإنه يُجزئ عنه.
وكذلك نقل علي بن سعيد في رجل اشترى أضحية، فهلكت:

الجزء: 2 - الصفحة: 565

ليس عليه بدلها، فإن اشترى أخرى، ثم وجد الأولى يذبحهما جميعاً على الحديث.
فإن قيل: فما معنى قول الخرقي: ولو أوجبها ناقصة وجب عليه ذبحها، ولم تجزه.
قيل له: معناه: لم تجزه عن الشرعية، ولم يرد أن عليه بدلها.
واحتج بأن حدوث العور قبل حال الذبح يمنع الإجزاء، كما لو كان قبل الإيجاب.
والجواب: أن المعنى هناك: أن العيب كان قبل الإيجاب، وهاهنا حدث بعده، فهو كما لو حدث في حال الذبح.
واحتج بأن الأضحية على ضربين: واجبة، ومسنونة.
وقد ثبت بأنه لو أفرد شاة، ونوى أن يضحي بها تطوعاً، ثم حدث بها نقص قبل الذبح، فإذا حدث النقص قبل حال القربة منع الإجزاء، والتقرب في الأضحية الواجبة حال الإيجاب، وإذا حدث النقص بعده لم يؤثر.
واحتج بأنه لو ثبت في ذمته هدي، فعينه في حيوان، فعاب،

الجزء: 2 - الصفحة: 566

فإنه لا يجزئه، كذلك ما كان معيناً حال الإيجاب.
وقد قال في رواية أبي داود: من ساق الهدي من جزاء، أو قران، أو واجب، فعطب، أو مات، فعليه البدل.
والجواب: أن الواجب هناك حصل ابتداء في معين، وهاهنا حصل ابتداء في غير معين، وفرق بينهما بدليل: أنه لو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد، فعاب عبده، أعتقه، وأجزأه، ولو وجب في ذمته عتق رقبة عن كفارة، فعين رقبة ليعتقها، فعابت لم تجزه، كذلك هاهنا.

  • ... * ... *

241 -

مسألة

فإن فقأ رجل عين الهدي تصدق بالأرش:

وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يأخذ النقصان ويبيعه؛ ليشتري بالثمن وبالأرش هدياً صحيحاً.
دليلنا: أن المسألة مبنية على أن حدوث العور بعد الإيجاب لا يخرجه من كونه هدياً.
وذهب المخالف إلى أنه قد خرج بالعور من أن يكون هدياً، وقد تعلق به الإيجاب، ولا يمكن ذبحه، وجب أن يبدل بثمنه وأرشه هدياً مكانه.

الحديث: 241 - الجزء: 2 - الصفحة: 567

242 -

مسألة

إذا قال: (لله علي أن أتصدق بفدية) ولم ينوِ شيئاً، ولم ينحرها إلا في الحرم:

وقال أبو حنيفة: ينحرها حيث شاء.
وى خلف أنه لو قل: لله علي أن أتصدق بجزور؛ أن له نحره حيث شاء، و [لو] قال: أهدي بدنة، أو جزوراً؛ أنه يختص نحره بالحرم.
فالدلالة على المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: 36] إلى قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ﴾ [الحج: 33]، وذلك عام في البدن كلها سواء كانت هدياً، أو غيرها.
فإن قيل: البدن المذكور في هذه الآية هي بدن القران والمتعة بدليل قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 28]، وليس له أن يأكل من النذر.
ثم قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29]، والبدن التي ترتب عليها هذه الأفعال هي التي للقران والمتعة.
قيل له: قوله ﴿وَالْبُدْنَ﴾ عام، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ تخصيص بعض ما شمله الاسم، وذلك لا يوجب تخصيص أوله.
واحتج المخالف بأن البدنة اسم للبقرة، أو الجزور، وسُميت بذلك لأجل البدانة، وهي الجُثة، وليس في ذكرها ما يوجب إراقة دمها

الحديث: 242 - الجزء: 2 - الصفحة: 568

في الحرم، وفي مكان دون مكان، فهو كقوله: على جزور أو بقرة.
وليس كذلك قوله: علي هدي؛ لأن نفس اللفظ يقتضي إهداء إلى موضع، فلهذا اقتضى الحرم؛ لأن الموضع الذي يُهدى إليه هو الحرم، كأنه قال: لله علي أن أهدي إلى الحرم.
والجواب: أن نفس اللفظ في قوله: (علي جزور أو بقرة) لا يقتضي اختصاص الموضع، وليس كذلك في قوله: بدنة؛ لأن نفس اللفظ يقتضي اختصاصاً بموضع بدليل ما ذكرنا من قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ [الحج: 36] إلى قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33].

  • ... * ... *

243 -

مسألة

فإن غصب شاة، فذبحها لمتعته، أو قرانه، ثم أجازه مالكها، أو ضمنها، لم يجز:

وقال أبو حنيفة: تجزئ.
دليلنا: أن ذلك الذبح لم تتعلق به قربة في الابتداء، فلا يصير قربة في الثاني، كما لو ذبح شاة لا ينوي بها هدياً، ولا أضحية، ثم نوى بها في الثاني؛ أنها لا تجزئه عما نوى.
وكذلك لو أعتق عبداً لا ينوي به كفارة، ثم نوى عن الكفارة؛ أنها لا تجزئه.

الحديث: 243 - الجزء: 2 - الصفحة: 569

واحتج المخالف بأنه لما غصبها تعلق عليه الضمان، فإذا ضمن قيمتها بعد الذبح يملكها من وقت الغصب، فصارت كأنها ملك له من ذلك الوقت، فتجزئ عنه، ألا ترى أنه لو غضب عبداً، فباعه، ثم ضمن قيمته؛ أنه يجوز لهذه العل؟ ولو التقط لُقطة، فعرفها حولاً، ثم تصدق بها، فجاء صاحبها، واختار تضمين الملتقط؛ أنه يجزئ عنه، ويصير كأنه تصدق بملك نفسه، كذلك هاهنا.
والجواب: أنا لا نقول: إنه يملكها من وقت الغصب بالضمان، ولهذا نقول: إنه إذا ضمن قيمة العبد الآبق لم يملكه الغاصب، ولو باعه لم يصح بيعه.
وأما اللقطة إذا تصدق بها، فإنما صحت صدقته؛ لأنه مأذون له فيها حين التصدق؛ لأنه مخير بين التملك والصدقة، والقربة حاصلة حين الفعل، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه غير مأذون له حين الذبح، فالقربة غير حاصلة.

  • ... * ... *

244 -

مسألة

إذا حج، ثم ارتد، ثم أسلم، فعليه حجة الإسلام، ولا يُعتد بما كان فعله:

نص عليه في رواية ابن منصور.

الحديث: 244 - الجزء: 2 - الصفحة: 570

وهو قول أبو حنيفة.
وقال الشافعي: لا حج عليه.
دليلنا: أن هذه الحجة سُميت في الشريعة حجة الإسلام، وعُلقت به، وقد تجدد له إسلام، فتجب له حجة.
ولأنها توبة من كفر، فوجب أن يلزم بعدها حجة بوجود شرائطها.
دليله: الكافر الأصلي.
ولأنها عبادة يجوز أن تلزم في الإسلام الأول، فجاز أن تلزم في الإسلام الثاني بعد أدائها في الأول، كالصوم والصلاة والزكاة.
فإن قيل: تلك العبادات تتكرر في الإسلام الواحد، وهذه لا تتكرر.
قيل: الشهادة لا تتكرر في إسلام واحد، وتجب في الإسلام الثاني.
ولأنها عبادة لا تفعل في العمر مع استمرار الإسلام إلا مرة، فوجب إعادتها بعد الرِّدَّة، كالإيمان.
فإن قيل: لا يُعلم إيمانه إلا بالشهادتين، وليس كذلك الحج؛ لأنه لا يُعلم إيمانه به.
قيل له: الإسلام الأول لا يُعلم به إيمانه، ومع هذا يجب عليه الحج، كذلك في الإسلام الثاني.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: 275]. والجواب: أن هذا في الرِّبا؛ من أسلم فله ما قبض منه، ويسقط

الجزء: 2 - الصفحة: 571

ما لم يقبض، روي ذلك عن السدي وغيره، وأول الآية شاهد على ذلك.
واحتج بما روي عن الأقرع بن حابس قال: الحج مرة، أو أكثر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "بل مرة".
والجواب: أن الذي نقول: إن الحج المعتد به مرة، وما تقدم الردة لا يُعتد به عندنا، كالحجة التي جامع فيها.
واحتج بأنه أسقط فرض حجة الإسلام، فلم تلزمه إعادتها.
دليله: ما تقدم.
والجواب: أنا لا نسلم: أن الفرض سقط، بل هو من أعاد عندنا؛ لأن الردة تؤثر بعد الفراغ من العبادات، كما تؤثر إذا تخللتها.
ثم المعنى في الأصل: أنه لا يلزمه تجديد الإسلام، فلم تلزمه إعادة الحج، ولما كان المرتد مأموراً بفعل الإسلام لزمه الحج بعده بوجود الزاد والراحلة، كما يلزم في الإسلام الأول.
واحتج بأن المسألة مبنية على أن الردة تُحبط العمل عندنا، وعندكم لم تُحبط ما مضى من عمله، فلا وجه لإيجاب حجة ثانية.

الجزء: 2 - الصفحة: 572

والجواب: أن ما مضى من توحيده لم يبطل، ومع هذا فيلزمه توحيد ثانٍ، كذلك في الحج.

الجزء: 2 - الصفحة: 573

فصول الكتاب · 10 فصل
فصول التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمد
المقدمةكتاب الاعتكافـ[ت]ــ[مـ]ــ[ـتـ]ــ[ـمـ]ـكتاب الحجـ[ـقـ]ــ[ـتـ]ـ
مسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألةمسألة
كتاب البيوع
جارٍ التحميل