245 -
مسألة
بيع ما لم يره المشتري ولا البائع من غير صفة غير جائز في أصح الروايتين:
نص عليه في مواضع:
فقال في رواية الأثرم في الرجل يبتاع هذه الجرب، ثم يبيعها لم ير ما فيها، فقال: ينبغي للذي يبيع أن يصف له، وينبغي للمشتري إذا باع أن يصف أيضًا، فإن جاء خلاف رجع واحد على واحد، فأما إذا جاءت على الصفة، فليس له أن يرد.
وقد نقل الأثرم هذه المسالة في ثلاثة مواضع من الكتاب بهذا المعنى.
وكذلك نقل الميموني عنه: أنه قال: البيع بيعان:
بيع صفة.
الحديث: 245 - الجزء: 3 - الصفحة: 7
وبيع شيء حاضر، فلا يبيعه حتى يراه، ويعرفه.
وذلك نقل أبو طالب عنه: إذا لم يعرف صفته، ولا ذرعه، وباعه، فهو بيع مجهول فاسد، يرده له.
قيل له: هو بالخيار عند النظر؟ قال: لا أقول له الخيار، ولكن إذا وصفه، فإن كان مثل صفته، جاز عليه البيع، وإن لم يكن مثل صفته رده.
وكذلك نقل حرب في بيع الثوب المطوي: أكرهه إلا أن ينشر، أو يصفه، فيجده على صفته.
ونقل -أيضًا- في كتاب (الورع) للمروذي في بيع الدينقي والقوهي والجرب التي فيها المتاع تباع، ولا تصف كم ذرعه، ولا يذكر وصفه: لا يجوز بيعه، كيف يبيع من غير أن يسمي ويصف؟!
وبهذا قال مالك والشافعي.
وفيه رواية أخرى: جواز العقد، وللمشتري الخيار إذا رآه.
نص عليه في رواية حنبل في ما رواه أبو حفص العكبري في كتابه، فقال: إذا اشتراه في جرابه؛ يعني: الثياب التي في الجرب، فلم يقلب، ولم ينظر، فله خيار الرؤية إذا نشرهن إذا كان معيبا رده بعيبه، ولا يجوز بيعه حتى يقلبه، وينظر إليه، وكذلك الثوب المدرج؛ له الخيار إذا اشتراه؛ لأنه لا يعلم ما في جوفه من العوار والحدث.
الجزء: 3 - الصفحة: 8
فظاهر هذا جواز العقد، وإثبات الخيار عند وجود عيب، فإن لم يكن معيبًا، فلا خيار له.
وقال أبو حنيفة: ما لم يره البائع، ولا المشتري، ولا وصفاه جائز، وللمشتري الخيار سواء كان المبيع معيبًا، أو لم يكن.
وأما البائع، فهل يكون له الخيار؟ على روايتين، والصحيح عنه: أنه لا خيار له.
فالدلالة على أن البيع باطل من أصله: ما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الغرر.
والغرر ما تردد بين سلامة المال وهلاكه، والغرر هاهنا موجود؛ لأنه لا يدري؛ هل هو باقٍ، أم لا؟ وإن كان باقيًا، فلا يدري؛ هل يسلم له، أم لا؟ فيجب أن يكون منهيًا عنه.
ولأنه مبيع مجهول الصفة عند العاقد، فوجب أن يكون باطلًا.
أصله: إذا قال: بعتك ثوبًا.
ولا يلزم عليه إذا وصفه؛ لأنه معلوم الصفة.
وكذلك لا يلزم عليه بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشره، وبيع الصبرة التي لم يشاهدها باطنها؛ لأن ذلك غير مجهول الصفة؛ لأنه قد شاهد ظاهره، وذلك الظاهر داخل في جملة المبيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 9
وكذلك لا يلزم عليه تراب المعدن الذي فيه تبر، وتراب الصاغة الذي فيه ذهب وفضة؛ لأنه قد شاهد التراب، وذلك داخل في جملة المبيع.
ولا يلزم عليه الجهالة بمواضع العيب؛ لأنا قلنا: بيع، وهذا إشارة إلى جميعه، والجهالة هناك ببعضه، فلا يلزم نقضًا.
فإن قيل: المبيع في الأصل مجهول في عينه، فأما أن يكون مجهول الصفة فلا.
قيل له: ما جهلت عينه، فقد جهلت الصفات وزيادة، وقد تجهل الصفات، ولا تجهل العين.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن تلك الجهالة تمنع التسليم؛ لأن كل عبد يحضره البائع يلتمس المشتري غيره.
وفي مسألتنا إذا قال: بعتك الثوب الذي في كمي، لم يتعذر التسليم؛ لأن القاضي يأمره بإخراج ما في كمه، فإن رضيه المشتري، أخذه، وإن لم يرضه رده.
قيل له: الجهالة في الأصل، لا التسليم؛ لأنه يعطيه ما يقع اسم الثوب، كالوصية والإقرار، وكما لو أسلم في ثوب جيد، أعطاه ما يقع عليه الاسم، أو يعطيه ثوبًا وسطًا، كما لو تزوج على ثوب.
وقياس آخر، وهو: أن الرؤية أو الصفة في بيوع الأعيان جهة يتوصل بها إلى معرفة المبيع لعدمها تأثير في العقد، وهو إبطال العقد
الجزء: 3 - الصفحة: 10
عندنا، وإثبات الخيار عند مخالفينا، فوجب أن يكون وجودها شرطًا فيه، كالصفة في السلم.
فإن قيل: هذا باطل بالعلم بأن المبيع معيب؛ لأنه معنى يتوصل به إلى معرفة مقدار المعقود عليه، ومع هذا لا يبطل العقد.
قيل له: لا يبطل؛ لأن العلم بالعيب إنما يحصل بالرؤية، أو الصفة، ونحن عللنا للرؤية في الجملة، فلا تلزم عليه الأحوال.
ولأنا قلنا: (جهة يتوصل بها إلى معرفة المبيع)، وهذا إشارة إلى جميعه، ومواضع العيب بعض المبيع.
فإن قيل: لو كانت الرؤية أو الصفة في الأعيان بمنزلة الوصف في السلم، لوجب أن لا يجوز تقديمها على العقد، كما لا يجوز تقديم الوصف في السلم على العقد.
قيل له: إذا جاز تقديم الرؤية [على] العقد، جاز أن يتقدم الوصف، ولا فرق بنيهما، وذلك أنه لو قال: أريد أن أسلفك في كر حنطة، ووصفه بالصفات، فلما كان بعد ذلك قال: قد أسلفتك في كر حنطة على الصفات التي تقدم ذكرها، وعجل له الثمن، جاز.
فإن قيل: المعنى في صفات السلم: أن جهالتها تمنع التسليم، وهذه الجهالة لا تمنع التسليم، وفرق بينهما، ألا ترى أنه لو باع صبرة مجهولة القدر جاز البيع؛ لأن جهالتها لا تمنع التسليم، ولو باع صبرة غير معينة
الجزء: 3 - الصفحة: 11
لم يجز العقد؛ لأن الجهالة تؤثر في التسليم.
قيل له: إذا قال: بعتك أحد هذين العبدين، لا على شرط الخيار، فهذا لا يمنع التسليم، ولا يصح العقد، فكذلك إذا قال: بعتك ثوبًا، لا يمنع تسليم ما يقع عليه الاسم، ولا يصح؛ لأنه يمكنه أن يعين أحد العبدين، ويدفع ما يقع عليه اسم ثوب.
وقياس آخر، وهو: أنه مبيع لم تسبق من المشتري رؤية له، ولا صفة، فلم يصح بيعه.
دليله: اللبن في الضرع، والحمل في البطن، والنوى في التمر.
ولا يلزم عليه تراب المعدن، وتراب الصاغة؛ لأن المبيع هناك التراب وما فيه، فهو مرئي للمشتري، فهو يجري مجرى بيع الجوز واللوز، هو مرئي للمشتري، وإن لم يشاهد باطنه؛ لأنه قد شاهد ظاهره.
فإن قيل: المعنى في اللبن، وفي الحمل: أنه باع ما تضمنته خلقة الحيوان غير شائع في جميعه، فصار كبيع يده ورجله.
وأما النوى في التمر، فإن تسليمها لا يمكن إلا بضرر لم يستحق بالعقد، وهو بكسر التمر.
قيل له: بقاء الشيء على خلقة الأصل إذا لم يزل عنها، ولم يتغير عن صورتها، لا يوجب فساد البيع، ألا ترى أنه إذا باع تمرة على رؤوس النخل، جاز، وإن باع سعفها، أو أغصان التوت النابتة على أصولها، جاز البيع، كما يجوز بعد قطعها وتغيرها عن أصل خلقتها.
الجزء: 3 - الصفحة: 12
وأما حصول الضرر بانتزاع النوى من التمر، فلا يوجب فساد البيع؛ لأن النقص الذي يدخل بذلك قد رضي به، فهو كما يبيع أحد مصراعي الباب، وأحد زوجي الخف؛ فإنه يصح، وإن كان يدخل بذلك النقص في ما لا يبيعه.
وقياس آخر، وهو: أن من يجيز هذا البيع أثبت فيه خيار الرؤية، وذلك خيار مجهول لم يوجبه نقص، ولا يتعلق بكل بيع، فأبل العقد المتضمن له، كما لو قال رجل لرجل: بعتك هذا الثوب على أن لي الخيار متى شئت.
ولا يلزم عليه خيار الرد بالعيب؛ لأنه يوجبه نقص.
ولا يلزم عليه خيار المجلس؛ لأنه يثبت في كل بيع.
فإن قيل: كيف يصح هذا على أصلكم؟ وقد قال أحمد في رواية ابن منصور في رجل اشترى شيئًا، وهو فيه بالخيار، ولم يسم إلى متى: فله الخيار أبدًا، أو يأخذه.
قيل له: المذهب الصحيح: أن هذا خيار باطل، وقد نقله ابن منصور عنه في موضع آخر في الرجل يبيع بشرط، ولا يسمي أجلًا: أي شيء يكون إذا سمي، فهو أحسن.
فإن قيل: المعنى هناك: أن الخيار ثبت شرطًا، وهاهنا ثبت حكمًا، فلا تؤثر الجهالة فيه بدلالة الخيار الرد بالعيب، وخيار المجلس.
قالوا: ويبين صحة هذا: أن الخيار، كالأجل.
الجزء: 3 - الصفحة: 13
ولأن كل واحد منهما ملحق بالعقد، ثم لو شرطا أجلًا مجهولًا بطل العقد، ولو تأجل الثمن حكمًا لم تؤثر جهالته بالعقد، مثل أن يفلس المشتري، أو يأبق العبد، فيتأخر تسليم الثمن حتى يتمكن البائع من التسليم.
قيل له: قولك: (إنه ثبت شرطًا، فلهذا نافته الجهالة) يبطل على أصلكم بالبراءة من العيوب؛ فإنه يصح عندهم، وثبت شرطًا، والجهالة لا تنافيه.
وأما خيار المجلس فالعادة أنه زمان يسير، فعفي عنه، كما عفي عن تأخير القبض في الصرف والسلم مدة المجلس، وكما جاز تأخير القبول في مدة المجلس ثبت للحاجة، وهو اختيار المبيع؛ هل له فيه حظ؟ وخيار الرؤية لا حاجة به إليه؛ لأنه يمكنه أن يشاهده.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه] قال: (من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه).
فلو لم يجز البيع لما أثبت الخيار.
والجواب: أن أبا الحسن الدارقطني رواه عن عمر بن إبراهيم بن خالد الكردي، عن وهب السكري، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.
ورواه من طريق آخر عن عمر قال: أخبرني القاسم بن الحاكم، عن أبي حنيفة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 3 - الصفحة: 14
ثم قال: عمر بن إبراهيم يضع الأحاديث، وهذا باطل لا يصح، لم يروه غيره، وإنما يروى عن ابن سيرين موقوفًا.
ولو صح حملنا قوله: (لم يره)، ولكنه وصفه، (فهو بالخيار إذا رآه) على خلاف صفاته، كما هو بالخيار فيما شاهده إذا وجده معيبًا في فسخ العقد، وفي إمضائه.
فإن قيل: هذا الخيار متعلق بفقد الصفة، لا بالرؤية، والخبر يقتضي تعلقه بالرؤية.
قيل له: لما كان فقد الصفة يعلم بالرؤية، جاز أن يعلقه بها.
وقد قيل في جوابه: من ابتاع شيئًا لم يره حال العقد، وكان قد رآه قبل العقد، فهو بالخيار إذا تغير.
واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه، واشترى منه شيئًا، فهو بالخيار إذا رأى السوق).
ولا خلاف أنه إذا كان قد رآه، فلا خيار له، فعلم أن المراد به: إذا كان قد اشترى شيئًا في وعاء، ثم حمله إلى السوق، ونظر إليه؛ إنه بالخيار.
والجواب: أن إثبات الخيار هاهنا عند أصحابنا رجع إلى ظهور
الجزء: 3 - الصفحة: 15
الغبن في المبيع دون الجهالة.
يبين صحة هذا: قوله: (فهو بالخيار إذا رأى السوق)؛ لأن بها يعتبر الغبن من غيره.
واحتج بما روى زيد بن ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
ومعناه عندنا: أن يشتري المتاع في الوعاء، فلا يبيعه هناك قبل أن يراه؛ لئلا يلزم نفسه مبيعًا مجهول الصفة.
والجواب: أن معناه عندنا: أن يشتري مكيلًا، أو موزونًا، فلا يبيعه هناك قبل نقله؛ لأن بيعه قبل قبضه لا يصح.
واحتج بما روي: أن عثمان بن عفان باع مالًا بالكوفة من طلحة ابن عبيد الله، فقال طلحة: لي الخيار؛ لأني اشتريت ما لم أره، وقال عثمان: لي الخيار؛ لأني بعت ما لم أره، فحكما بينهما جبير بن مطعم، فقضى جبير بالخيار لطلحة.
وروى معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: وددنا لو أن عثمان وعبد الرحمن تبايعا، ثم ننظر أيهما أعظم جدا في التجارة، فابتاع عبد الرحمن من عثمان فرسًا بأرض له أخرى
الجزء: 3 - الصفحة: 16
بأربعين ألف درهم، أو نحو ذلك، إن أدركتها الصفقة وهي سالمة، ثم مشى قليلًا، ثم رجع إليه، وقال: أزيدك ستة آلاف درهم إن وجدها رسولي سالمة، قال: نعم، فوجدها رسول عبد الرحمن وقد ماتت.
فدل هذا على معنيين:
أحدهما: جواز شراء ما لم يره.
والثاني: جواز الزيادة في الثمن بعد انبرام العقد.
وروى يونس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: كنا إذا تبايعنا كل واحد منا بالخيار ما لم يتفرق المتبايعان، قال: فتبايعت أنا وعثمان مالًا بالوادي بمالٍ له كثير، قال: فلما بعته طفقت أنكص على عقبي خشية أن يرادني عثمان المبيع قبل أن أفارقه.
وروى شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله ابن عمر: أنه ركب مع عبد الله ابن بحينة إلى أرض له برئمٍ، فابتاعها
الجزء: 3 - الصفحة: 17
منه عبد الله بن عمر على أن ينظر إليها، قال: ورئم بالمدينة قريب من ثلاثين ميلًا.
فاتفق هؤلاء الصحابة على جواز بيع ما لم يره المشتري، ولا يعرف لهم مخالف.
والجواب: أنه لا حجة في ذلك، وأما حديث عبد الرحمن مع عثمان فيحتمل أن يكون عثمان وصفه له، فقال عبد الرحمن: لي الخيار إذا وجدته على خلاف صفته، وكذلك بيع ابن عمر لعثمان ماله بالوادي يحتمل أن يكون وصفه له، وكذلك ابتياع ابن عمر من عبد الله ابن بحينة.
ولأنه يحتمل أن يكون عثمان لم يره حين العقد، وكان قد رآه قبل ذلك، فظن أنه على تلك الصفة، وكذلك طلحة، فأثبت الخيار لطلحة لمخالفة الصفة.
يدل على هذا: أنه أثبت الخيار لطلحة، وعندهم إذا لم توجد الرؤية من البائع، ثبت الخيار له.
واحتج بأنه عقد من العقود، فوجب أن لا يكون من شرط صحته رؤية المعقود عليه.
دليله: النكاح.
والجواب: أنا نقول بموجبه، وأنه ليس من شرطه رؤية المعقود عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 18
فإن قالوا: فنقول: فلم يكن من شرطه صفه المعقود عليه، كالنكاح.
فالجواب: أن النكاح لا أثر لعدم الرؤية والصفة فيه، ألا ترى أن بعدمهما لا يثبت الخيار، ولا يتعلق به حكم، والرؤية والصفة في البيع لعدمها تأثير، وبوجودها يصير المبيع معلومًا، وكان وجودا شرطًا، كالصفة في السلم.
ولأن القصد في البيع طلب الفضل والربح، ولوجود الرؤية والصفة تأثير في هذا المعنى، فاشترطت، وليس كذلك النكاح؛ فإنه لا يقصد به ذلك، وإنما القصد منه الألفة والوصلة.
فإن قيل: قد تقصد به ألفة على صفة دون صفة، ألا ترى إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أوقع الله في قلب أحدكم خطبة امرأةٍ، فلينظر إليها)؛ كي يؤدم بينهما.
ولأنه لو وجدها برصاء أو رتقاء ملك الفسخ، كالبيع.
قيل له: الخير حجة لنا؛ لأنه لما كان القصد الألفة أمر بالنظر إليها؛ ليحصل له المقصود، وكذلك يجب أن يكون في البيع.
وأما البرص والرتق فإنما ثبت به الفسخ؛ لأنه يفوت معه المقصود
الجزء: 3 - الصفحة: 19
الأعظم، ألا ترى أن ما لا يفوت معه ذلك في سائر العيوب لا يثبت به الفسخ، وفي البيع جميع العيوب يفوت معها المقصود.
واحتج بأن العين معلومة، وإنما جهلت صفاتها، وجهالة الصفة ليست بأكثر من عدم الصفة، لا تمنع جواز البيع فجهالتها أحرى.
والذي يدل على أن عدم الصفة لا يمنع جواز البيع اتفاقهم على أنه لو اشترى عبدًا على أنه صحيح العينين، فوجده أعمى، جاز البيع، وثبت له الخيار.
والجواب: أنا لا نسلم أن العين معلومة؛ لأنه إذا قال: بعتك عبدًا، فإنما يعرف الجنس، ولا تعرف العين، ألا ترى أنه لو رآه بعد ما اشتراه، لم يعلم أن هذا هو المشترى
وعلى أنه لا فرق عندك بين أن تكون العين معلومة، أو مجهولة؛ لأنه لو قال: (بعتك ما في هذا البيت، أو ما في كمي هذا)، جاز، وإن لم تكن العين معلومة؛ لأنه لم يكن جنسًا يتعين به، وقد نص أبو يوسف على هذا، وليس عن أبي حنيفة فيه رواية.
وعلى أن هذا باطل به إذا قال: (بعتك أحد هذين العبدين على أن تختار من شئت منهما)؛ فإن العين معلومة؛ بمعنى: أنه قد تميز المبيع بكونه عبداً من غيره، ومع هذا فالعقد باطل بجهالة صفته.
ولأن جهالة الصفة أكثر من عدم الصفة المشروطة بدليل أن فقد الصفة في العين لا يبطل، وعدم الصفة في السلم يبطل، وكذلك فقد
الجزء: 3 - الصفحة: 20
التعيين لا يبطل، ويبطل إذا باع ثوبًا من الثوبين، ولم يشترط الخيار.
وأما إذا اشترى عبدًا على أنه صحيح، فبان أعمى، إنما [لا] يبطل؛ لأنه يجرى مجرى ظهور العيب، وذلك لا يبطل.
واحتج أن بيع الباقلاء في قشره والجوز واللوز والبيض جائز، وليس المعقود عليه والمقصود بالشراء قشورها، وإنما المقصود منها ما فيها من اللب، ثم لم يمنع عدم رؤية المقصود منها جواز العقد عليها، كذلك هاهنا.
وكذلك يجوز بيع الصبرة، وإن كان لا يشاهد باطنها، وكذلك الجهل بمواضع العيب لا يمنع الصحة، كذلك هاهنا.
وربما قالوا: جهالة لا تؤثر في تسليم المبيع، فأشبه ما ذكرنا.
ولا تلزم عليه جهالة رأس المال؛ لأنها تؤثر في التسليم؛ لأنه يجد بعضه زيوفًا، فيرده، فلا يدري كم الباقي من المسلم فيه.
ولا يلزم عليه إذا باع درة في صدفة؛ لأنه ليس المانع من البيع هناك الجهالة، وإنما المانع أنه باعه ما يتضمنه الحيوان خلقة.
والنوى مما يباع في مضمون الخلقة مما يفسد بتسليمه، ولهذا لو ظهر بعض النواة لم يجز البيع، وإن زالت الجهالة بظهور بعضها.
والجواب: أنه يبطل به إذا قال: (بعتك أحد هذين العبدين على أنك بالخيار)، فإنها جهالة لا تمنع من التسليم؛ لأنه يمكنه أن يختار أحدهما،
الجزء: 3 - الصفحة: 21
ومع هذا فإنه لا يصح.
وكذلك إذا قال: (بعتك ثوبًا)، فإنه لا يمتنع؛ لأنه يمكنه تسليم ما يقع عليه الاسم؛ لأن النظر إلى موضع العيب يشق، فعفي عنه، ألا ترى أنه لا أثر لعدمه في العقد؟ لأنه لو رأى تلك المواضع سليمة لم يثبت له الخيار.
والنظر إلى المواضع الظاهرة لا يشق، فكان شرطًا، ألا ترى أن لعدمه تأثيرًا في العقد بالإجماع، وهذا كما أن ضبط صفات المسلم فيه الباطنة ليس بشرط، وضبط الظاهرة المقصودة شرط.
ولأن السلامة من العيب معلومة بالشرع؛ لأنها موجب البيع ومقتضاه، فلا يفتقر العقد إلى مشاهدتها، والوقوف عليها.
وليس كذلك الصفات؛ لأنها مجهولة، وليست من موجب البيع؛ لأنه لا يقتضي وجودها، ولا عدمها، فدل على الفرق بينهما.
وأما الجوز واللوز والصبرة فإنما جاز البيع في ذلك؛ لأن الرؤية حصلت فيها على حسب العادة، وقد يستدل برؤية ذلك على ما لم ير، فأما هاهنا فلم تحصل رؤية البيع بوجه، ولا صفة، فلم يصح.
ولأن عدم رؤية باطن الصبرة وما في الجوز واللوز لا أثر له في البيع بوجه، ألا ترى أنه لو وجد ذلك سليمًا لزم العقد، ولم يكن لعدم الرؤية تأثير؟ ولعدم رؤيته هذا المبيع وصفته تأثير؛ لأنه لو وجده
الجزء: 3 - الصفحة: 22
معيبًا ثبت له الخيار في فسخ البيع، فكان وجودها شرطًا فيه.
ولأن مشاهدة باطن الجوز واللوز يشق؛ لأنه يؤدي إلى فساده إذا قشر، إذا لم يكن معيبًا.
واحتج بأنه أحد البدلين في البيع، فلم تكن رؤيته شرطًا في صحة العقد، كالثمن إذا لم يكن معيبًا.
والجواب: أنَّا نقول بموجبه؛ أن الرؤية ليست شرطًا في الفرع، كالأصل، والصفة شرط في الفرع، كما هي شرط في الأصل، وقد وافقنا المخالف على اعتبار الصفة في الثمن، فيجب أن تكون معتبرة في المثمن، فقد صار الأصل حجة لنا من هذا الوجه.
واحتج بأن الرؤية معنى لا يتأتى إلا في معين، فلم تكن شرطًا في بيوع الأعيان، كالذوق واللمس والشم.
والجواب: بأنه ينتقض بالتعيين، وهو قوله: الثوب الذي في كمي.
والمعنى في الأصل: أن عدمه لا يؤثر، وعدم الرؤية يؤثر في العقد.
- فصل: إن قلنا: إن البيع صحيح، فهل يثبت له خيار الرؤية؟
الجزء: 3 - الصفحة: 23
قد نقل حنبل روايتين:
إحديهما: لا يثبت له خيار الرؤية؛ لأنه قال: إذا اشترى الثياب في الجراب، فله خيار الرؤية إذا نشره، إن كان معيبًا رده بعيبه.
وظاهر هذا: أنه إذا لم يكن به عيب لم يرده.
ونقل في موضع آخر: وذكر له قول سفيان في رجل استأجر رجلًا في كل شهرٍ بكذا: هو مكروه، هو بمنزلة قولك: اشتري منك هذا الجراب، كل ثوب بكذا وكذا.
قال أبو عبد الله: هذا يخالف الجراب؛ لأن الثياب له فيها خيار الرؤية، وهو مغيب عنه، وهذا يستأجره كل شهر بشيء مسمى، هذا جائز.
وظاهر هذا: إثبات الخيار.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي على القول الذي يجيز بيعه بالصفة.
وجه الرواية الأولى: عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (البيعان كل واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرقا).
وهذا عام.
ولأنه خيار لم يوجبه نقص، ولا يثبت في كل مبيع، فلم يثبت على وجه مجهول.
دليله: لو ابتاعه بشرط خيار مجهول.
الجزء: 3 - الصفحة: 24
وفيه احتراز من خيار المجلس والرد بالعيب.
ولأنه [لو] وجد المبيع سليمًا فلم يملك الخيار، كما إذا كان قد سبق منه رؤية، كالمسلم إذا وجده على صفات.
ولا يلزم ليه إذا كان المبيع بشرط الخيار؛ لأنه يستوي فيه الأصل والفرع.
ووجه الثانية: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من ابتاع شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه).
والجواب: أنا قد بينا: أن هذا محمول عليه إذا لم يره، ولكنه وصفه، ولم يجده على الصفة، فله الخيار.
واحتج بأن في إسقاط الخيار إسقاط معنى المسألة؛ لأن هذا المبيع مسمى ببيع خيار الرؤية.
والجواب: أنه ليس كذلك؛ لأن هذا المبيع موصوف ببيوع الأعيان الغائبة من غير رؤية، ولا صفة.
الجزء: 3 - الصفحة: 25
246 -
مسألة
بيع الأعيان الغائبة بالصفة جائز، وكذلك الحاضرة التي تشق رؤيتها، كالأعدال تباع على [البرنامج] وشبهه:
وقد نص على ذلك في رواية الأثرم وأبي طالب.
وبه قال مالك.
وللشافعي قولان:
قال في القديم: مثل هذا.
وقال في الجديد: لا يجوز بيعها إلا على الرؤية.
دليلنا: أن الصفة تقوم مقام الرؤية عند تعذرها، كالسلم.
فإن قيل: لا فرق عندك بين أن تكون الأعيان غائبة، فيصفها.
قيل له: إذا ثبت جواز بيع الغائبة بالصفة ثبت جواز الحاضرة؛ لأن أحدًا ما فرق.
وإن شئت قلت: أحد نوعي المبيعات، فجاز أن تباع على الصفة، كالذي يباع على الذمة.
الحديث: 246 - الجزء: 3 - الصفحة: 26
يبين صحة هذا: أنه إذا جاز السلم في الموصوف، وهو غير معين، فجواز البيع في العين الموصوفة أولى؛ لأن الصفة تمكن في العين المشاهدة ما لا تمكن في المعدوم.
فإن قيل: السلم حجة لنا، وذلك أن ما اختلفنا فيه هو بيع عين بصفة، فكان باطلًا، كالسلم في الأعيان.
قيل له: إذا أسلم في عين، ولم يشرط أجلًا، جاز، وكان بيعًا عبر عنه بالسلم، وإن أسلم فيها مؤجلًا بطل العقد؛ لدخول التأجيل في العين، لا لأنه عقد على عين موصوفة.
فإن قيل: السلم لما لم يمكن مشاهدته جاز أن تقوم الصفة مقام المشاهدة، وفي بيوع الأعيان يمكن مشاهدتها، فلهذا لم تقم الصفة مقامها.
قيل له: إذا كانت غائبة قد لا يمكن مشاهدتها.
وعلى أن الثمن يمكن مشاهدته، ومع هذا فيجوز بالصفة.
وقياس آخر، وهو: أن الصفة في بيوع الأعيان جهة نتوصل بها إلى معرفة المبيع، فصح العقد معها.
يبين صحة هذا: أن الصفة يعلم بها الموصوف، والرؤية لا يعلم بها، ألا ترى أن من باع فصًا، فرآه المشتري، وهو لا يعلم؛ أجوهر هو، أو زجاج؟ جاز العقد، وإن كانت الجهالة باقية مع الرؤية.
الجزء: 3 - الصفحة: 27
وكذلك إذا ابتاع الدرياق ممن رآه من ليس [بطبيب] لا يعرفه، صح العقد مع بقاء الجهالة.
فإن قيل: لا نسلم أن الصفة جهة يتوصل بها إلى معرفة المبيع.
قيل له: الدليل على صحة ذلك: السلم.
ويبين صحة هذا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ولا تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها كأنه يراها).
فلولا أنها تقوم مقام الرؤية لم ينه عن ذلك.
ولأنا قد بينا: أن العلم يحصل بها ما لا يحصل بالرؤية بدليل بيع الفص والدرياق.
وقياس آخر، وهو: أنه أحد البدلين في البيع، فلم تكن رؤيته شرطًا في صحة العقد، كالثمن إذا كان غير معين.
وإن شئت قلت: أحد البدلين في البيع، فقامت الصفة فيه مقام الرؤية.
دليله: الثمن.
فإن قيل: المعنى في الثمن: أنه في الذمة، فهو كالمبيع
الجزء: 3 - الصفحة: 28
إذا كان في الذمة.
قيل له: لو كانت الرؤية شرطًا لم يصح العقد على ما في الذمة؛ لعدم الرؤية فيه.
واحتج المخالف بما روى أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الغرر.
والغرر ما تردد بين جائز من سلامة المال وهلاكه.
وفي هذا البيع غرر من وجهين:
أحدهما: أن العبد الغائب لا يدري؛ هل هو باقٍ، أم لا؟
وإن كان باقيًا، فلا يدري؛ هل يسلم له، أم لا؟
والجواب: أن الغرر ما كان الغالب منه عدم السلامة بدلالة: أن الخارج في المفازة بغير صحبة، يقال: غرر بماله، ولا يقال للخارج في صحبة: غرر، وإن جاز أن يسلم، وجاز أن يهلك؛ لأن الغالب منه السلامة.
ولو كان الغرر عما تردد بين الجواز والهلاك، كانت الساعات كلها غررًا؛ لجواز أن يهلك قبل القبض، ولكان ما عاينه وابتاعه- وليس بحاضر- غررًا، فعلم أن معنى الخبر: ما الغالب منه عدم السلامة، كبيع العبد الآبق، والجمل الشارد، والطائر في الهواء، والسمك في الماء، ونحو ذلك.
واحتج بما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن
الجزء: 3 - الصفحة: 29
عمرو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يحل شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك).
قالوا: ومن باع عبدًا بالبصرة، فقد باع ما ليس عنده.
والجواب: أن البيع في مسألتنا يجوز في ما ليس عنده باتفاق إذا كان قد رآه، ويبطل عندهم في ما هو عنده، إذا لم يكن قد رآه، فعلم أن الفساد عندهم لمعنى آخر، وهو الجهالة، أو عدم الرؤية، فأما أن يكون لما ذكر في الخبر فلا، فلم يبق إلا أن يحمل الخبر على بيع ما ليس في ملكه؛ لأن العقد لا ينفذ فيه للمعنى المذكور في الخبر دون غيره.
يبين ذلك: أن الخبر خرج على هذا السبب، وهو أن حكيم بن جزام قال: كنت أدخل السوق، فأستجيد السلع، وأخرج، فأبيعها، ثم أرجع، فأبتاعها، ثم أسلمها.
فبان هذا السبب شاهدًا لما ذكرناه من التأويل.
واحتج بأنه بيع لم يره ولا شيئًا منه، أشبه إذا لم يره، ولا وصفه.
والجواب: أالمبيع هناك مجهول الصفة عند العاقد، فلهذا بطل، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه معلوم الصفة فصح، كما لو شاهده.
ولأن عدم الرؤية والصفة لو وجدا في الثمن أبطل العقد، كذلك إذا واجد في المثمن، وليس كذلك الصفة؛ لأنها لو وجدت في الثمن
الجزء: 3 - الصفحة: 30
صح معها العقد، كذلك إذا وجدت في المثمن.
واحتج بأن بيوع الأعيان أحد نوعي المبيع، فوقع على وجه واحد، كالنوع الثاني، وهو بيع ما في الذمة.
والجواب: أنه يبطل بالثمن في بيوع الأعيان؛ فإنه أحد النوعين، ويقع على وجهين؛ معينًا، وموصوفًا.
ولأنا نعكس العلة فنقول: فكانت الصفة طريقًا في تصحيحه.
دليله: ما ذكرت.
ولأن ما في الذمة لو وقع على وجهين، خرج العقد عن موضوعه؛ لأنه يصير من بيوع الأعيان، ويخرج عن بيوع الذمة، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الصفة لا تخرجه من موضوعه.
ولأنه بيع عين مع الصفة، كما هو بيع عين مع المشاهدة.
واحتج بأنها عين لم ير شيئًا منها، فلم يصح العقد عليها، كاللبن في الضرع، والنوى في التمر، والحمل.
والجواب: أنه يلزم عليه عقد النكاح، وعقد السلم ينكسر به؛ فإنه يصح مع عدم الرؤية.
والمعنى في الأصل: أنه مجهول الصفة، وهاهنا معلوم، كمال لو رآه.
- فصل:
فإن وجد المبيع على الصفة المذكورة لم يكن له الخيار.
نص عليه في رواية الأثرم، وأبي طالب، وجعفر بن محمد النسائي
الجزء: 3 - الصفحة: 31
-واللفظ لجعفر- في رجل يبيع المتاع، فيفتح جرابًا، فيريه، ثم يقول: الباقي على صفة هذا، فقال: إذا جاء به على صفته ليس له أن يرده.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة، والشافعي على القول القديم: يملك الخيار.
دليلنا: حديث ابن عمر وغيره: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا).
فدل على أنهما إذا تفرقا، فلا خيار بينهما، فهذا عام في كل بيع.
ولأنه وجد المبيع على صفته المذكورة، فلم يكن له الخيار.
دليله: السلم.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: (من ابتاع شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه).
والجواب: أنه محمول عليه إذا لم يجده على صفاته المذكورة بدليل ما ذكرناه.
- فصل:
ويحتاج فيه إلى استيفاء كل وصف يختلف الثمن لأجله.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية الأثرم، فقال في الجرب يؤتى بها من
الجزء: 3 - الصفحة: 32
الري، أو من أصبهان، فتباع من غير أن تفتح، فقال: ينبغي أن يصفوها على معنى السلم، فإذا وجدت على صفتها جاز البيع.
فقد شبه ذلك بالسلم، والسلم تعتبر فيه الصفات التي يختلف الثمن لأجلها.
ونقل جعفر بن محمد النسائي في الرجل يبتاع المتاع، فيفتح جرابًا، فيريه، ثم يقول الباقي على صفة هذا، قال: إذا جاء به على صفته، فليس له رده.
وهذا محمول على أن هذه الثياب لها عرف في بلدها.
وقال بعض الشافعية: إذا ذكر معظم صفاته جاز اتكالًا على خيار الرؤية في الثاني.
دليلنا: أنه مبيع اعتبرت صفاته، فاعتبر فيه كل صفة يختلف الثمن لأجلها.
دليله: السلم.
وما ذكروه من خيار الرؤية فقد بينا: أنه غير ثابت فيه، كما لا يثبت في عقد السلم.
...
247 -
مسألة
شراء الأعمى جائز:
وكذلك بيعه في قياس المذهب، وأن الرؤية ليست شرطًا في عقد
الحديث: 247 - الجزء: 3 - الصفحة: 33
البيع، وإنما الاعتبار بالصفة، وهذا يمكن في حق الأعمى.
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: لا يجوز.
دليلنا: أن جماعة من الصحابة كانوا عميانًا مثل: العباس، وابن عباس، وابن عمر، وابن أم مكتوم، وكانوا يبيعون ويشترون، ولم ينكر عليهم أحد، ولا قال: إن بياعاتهم وأشريتهم باطلة مفسوخة.
وكل من جاز أن يلي عقد السلم جاز أن يلي شراء العين.
دليله: التعيين.
ولأن كل عقد جاز أن يليه البصير جاز أن يليه الأعمى، كالسلم.
وبنى المخالف على أصله، وأن الرؤية شرط في صحة الشراء، والأعمى لا يرى، وقد دللنا على أن الرؤية ليست شرطًا في صحة الشراء.
...
248 -
مسألة
خيار المجلس ثابت في عقد البيع إلى أن يفترقا:
نص عليه في مواضع؛ في رواية الأثرم، والمروذي، وإبراهيم بن
الحديث: 248 - الجزء: 3 - الصفحة: 34
الحارث، والحسن بن الحسين، وعبد الله.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: خيار المجلس ليس بثابت، ويلزم البيع بالإيجاب والقبول.
دليلنا: ما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كل بيعين فأحدهما على صاحبه بالخيار حتى يتفرقا، أو يكون خيار).
وفي لفظ آخر قال: (إذا تبايع المتبايعان [بالبيع]، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا، أو يكون بيعهما عن خيار، فإذا كان [بيعهما] عن خيار فقد وجب).
وكان عبد الله إذا أراد أن لا يقيل الرجل مشى هنيًة.
وفي لفظ آخر قال: (كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، أو يقول لصاحبه: اختر).
وروى أيضًا بإسناده عن سمرة بن جندبٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
وروى -أيضًا- بإسناده عن حكيم بن حزام، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
الجزء: 3 - الصفحة: 35
(البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو حتى يتفرقا).
وروى بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) قال: (أو أن يكون بيعهما خيار).
وروى -أيضًا- بإسناده عن أبي الوضيء قال: كنا في سفر ومعنا أبو برزة الأسلمي، قال: فباع رجل من أهل العسكر فرسًا، قال: ثم ندم، فأراد أن يرد البيع، فأبى البائع أن يقيله، فاختصما إلى أبي برزة، قال: فقصا عليه القصة، فقال أبو برزة: إن شئتما قضيت بينكما بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
وروى بإسناده عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله).
ذكر عبد الله هذه الأخبار في (مسائله).
ووجه الدلالة منها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت الخيار للمتبايعين إلى أن
الجزء: 3 - الصفحة: 36
يتفرقا، والتبايع اسم مشتق من فعل، فلا يطلق اسم الفاعل إلا بعد وجود الفعل منه، كالقاتل والشارب، فصار حقيقة الاسم أن بعد وجود البيع منهما، لهما الخيار ما لم يتفرقا.
فإن قيل: الخبر خبر واحد، وقد اختلف على نافع فيه، ونحن نعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل جميع هذه الألفاظ، وإنما تكلم بواحد منها، فوجب التوقف حتى نعرف لفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها، فنعمل بمقتضاه.
قيل له: يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك في مجالس مختلفة، وقضايا مختلفة، فسمع قوم في مجلس بلفظ، وسمع آخرون بلفظ آخر في مجلس آخر، وليس يجب على النبي - صلى الله عليه وسلم - إعادة اللفظ إذا كان الثاني يعطي معناه؛ لأن الاعتبار بالمعنى.
فإن قيل: هذا محمول على المشتري إذا ساوم، فقال: بعني هذا العبد، فقال البائع: بعتك، فكل واحد منهما بالخيار؛ إن شاء البائع رجع عن الإيجاب، وإن شاء أقام عليه، والمشتري بالخيار؛ إن شاء قبل، وإن شاء لم يقبل، فإذا افترقا عن مجلسهما بطل خيار كل واحد منهما.
قالوا: وهذا هو الصحيح؛ لأن حقيقة المتبايعين: المتشاغلان بالبيع، كالمتقاتلين، فإذا تم البيع، فقد تقضى بيعهما، فالاسم فيهما مجاز؛ لأنهما كانا متبايعين.
قيل له: هذا تأويل ترده اللغة والشرع؛ لأن في اللغة: من لم يوجد
الجزء: 3 - الصفحة: 37
منه الفعل لا يسمى فاعلًا، كالآكل والضارب، والقائم، والقاعد، ونحوه.
و [في] الشرع: لو قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، فقال له المشتري: بعني، فقال: بعتك، لم يعتق.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الخيار إلى التفرق، وهذا لا يكون من المتساومين.
وجواب آخر، وهو: أنا لو سلمنا لهم: أنا نحمل الخبر على ضرب من المجاز، فما ذكروه مجاز أيضًا؛ لأنهم يحملون الخبر على بائع تقدم منه الإيجاب، ومبتاع لم يوجد منه القبول، وبائع ليس في مقابلته مبتاع، فما ذكرنا فيه مجاز من وجه، وما ذكروه فيه مجاز من وجوه، وحمل الخبر على ما ذكرنا أولى من وجوه.
أحدها: أن الحالة التي تحملون الخبر عليها [ما] فيها ثابت بالإجماع، فلا يفيد حمل الخبر عليه.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل لهما الخيار على جهة واحدة، فاقتضى تساويهما فيه، وإن يثبت لأحدهما فيه مثل ما ثبت للآخر، وعلى ما ذكروه ثبت للبائع خيار الفسخ، وللمبتاع خيار الإمضاء والقبول، وهما مختلفان.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت لهما الخير بالتبايع، وعلى قولهم يقطع الخيار بالتبايع.
الجزء: 3 - الصفحة: 38
ولأن الراوي للخبر فسره بما ذكرنا؛ ففي حديث ابن عمر: أنه كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى قليلًا.
وعن أبي برزة: أن رجلين تخاصما إلى - صلى الله عليه وسلم -، وكانا قد تبايعا فرسًا، وأقاما يومًا وليلة، فقال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، وما أراكما تفرقتما، فجعل له الفسخ.
والراوي أعرف بمعنى الحديث، فالمصير إلى قوله أولى.
فإن قيل: يحمل قوله: (ما لم يتفرقا) على الافتراق بالأقوال.
ومعناه: إذا قال: بعتك، فله أن يرجع فيه ما لم يقل المشتري: قد قبلت، وكذلك المشتري بالخيار قبل أن يقول: اشتريت؛ بين أن يقيله، وبين أن لا يقيله، فإذا قال: قبلت، فقد فارقه بالقول، فبطل خيار البائع في الرجوع، وخيار المشتري في الرد.
والتفرق يحصل بالأقوال، قال تعالى: ﴿ومَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [البينة: 4]، وأرد به: التفرق بالقول.
ويقال: اجتمع القوم على كذا، وهم حضور في المجلس.
قال: ويدل على أنه لم يرد التفرق بالأبدان ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله).
الجزء: 3 - الصفحة: 39
معنى؛ لأن الاستقالة لا تكون إلا في البيع الذي لا خيار فيه لواحد منهما، فأما إذا كان فيه خيار، فلكل واحد منهما أن يفسخه، ولا يحتاج إلى أن يستقيل صاحبه.
قيل له: لا يصح حمله على التفرق بالأقوال من وجوه:
أحدها: أن حقيقة التفرق بالبدن دون القول؛ لأن التفرق هو تباعد الأجسام، والاجتماع تقاربها.
والثاني: أن بوجود الإيجاب والقبول فهي حالة اجتماع؛ لأنهما قبل ذلك يختلفان في الثمن والمثمن، ثم يجتمعان عليه، وينعقد البيع، فلا يصح أن يحمل هذا [....] على التفرق.
والثالث: في حديث ابن عمر في ما رواه أبو بكر في كتاب (الشافعي): (وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع).
ولا يكون التفرق بعد التبايع إلا بالبدن.
وروى أبو بكر النيسابوري بإسناده عن ابن عمرو: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحدٍ منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما).
وهذا نص في فرقة الأبدان.
الجزء: 3 - الصفحة: 40
وفي حديث عمرو بن شعيب: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله).
وهذا لا يحتمل المفارقة بالقول؛ لأنه تجوز له المفارقة بالقول.
ولأن ابن عمر حمل الافتراق على الأبدان، وكذلك أبو برزة من الوجه الذي ذكرنا.
فأما قوله تعالى: ﴿ومَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [البينة: 4]، فلا يمتنع أن يكون المراد به الأبدان؛ لأنهم لما اختلفت اعتقاداتهم افترقوا بأبدانهم، واجتمع كل فريق منهم، وفارقوا مخالفيهم، ولو كان المراد به الافتراق بالأقوال فهو مجاز.
وكذلك قوله: افترق الناس على كذا، ويراد به الأقوال على طريق المجاز، والحقيقة ما ذكرنا من أن التفرق هو تباعد الأجسام، والاجتماع تقاربها.
وأما قوله: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله)، فقد جعلناه حجة لنا من جهة أنه لو كان المراد به الأقوال لم يمنعه من التفرق خشية الإقالة؛ لأنه يجوز له ذلك بالأقوال، فعلم أن المراد به الأبدان.
وقولهم: (إن الإقالة لا تكون إلا في البيع الذي لا خيار فيه لواحد منهما، فأما الذي فيه الخيار، فلا يحتاج فيه إلى إقالة) فغير صحيح؛ لأن
الجزء: 3 - الصفحة: 41
فسخ العقد بالخيار استقالة في المبيع لا بالخيار.
على أن المراد بهذا: أنه لا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يفاسخه بما يثبت له من خيار المجلس، فعبر عن الفسخ بالاستقالة؛ لأن الإقالة فسخ.
الدليل على ذلك شيئان:
أحدهما: أنه ذكر في الخبر أمرًا يقتضي أن تنقطع الإقالة بالتفرق، والإقالة لا تفوت بالتفرق.
والثاني: أنه نهى عن المفارقة خوف الاستقالة، وحرم ذلك، والتفرق خوف الاستقالة غير محرم؛ لأن الإقالة غير واجبة، وإنما المنهي عنه هو المفارقة عن المجلس خوف الفسخ لحق الخيار؛ لأنه منهي عن أن يفارق صاحبه بغير إذنه ورضائه؛ ليلزم العقد بذلك، فثبت أن المراد به ما ذكرنا.
ووجه آخر من الاحتجاج بالخبر، وهو: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار).
والمراد به: البيع الذي قطع الخيار فيه؛ لأن الاستثناء ضد المستثنى منه، والمستثنى منه هو إثبات الخيار، وكان الاستثناء ضده، وهو قطع الخيار، وإذا ثبت أن المراد بذلك قطع الخيار، ثبت أن الخيار ثابت لهما بعد التبايع إلى أن يقطعاه.
الجزء: 3 - الصفحة: 42
فإن قيل: المتبايع اسم الفاعل، وقوله: (إلا بيع الخيار) مصدر، ولم يتقدم ذكر مصدر حتى يخرج بعضه بالاستثناء، فكان هذا الاستثناء منقطعًا؛ بمعنى: لكن، فلا يلزم أن يكون إثباتًا من نفي، أو نفيًا من إثبات؛ لأن هذا يكون في الاستثناء الصحيح، فأما المنقطع فالذي يلزم فيه: أن يخالف الأول ضربًا من الخلاف، فتقدير الخلاف: كل متبايعين؛ أي: كل متشاغلين بالبيع، فلا بيع بينهما حتى يفترقا، لكن بيع الخيار -وإن افترقا- لم يتم البيع بينهما.
فنكون قد أثبتنا الخلاف من وجه، وحملنا قوله: (إلا بيع الخيار) على البيع المشروط فيه الخيار، وهذا هو المفهوم من الخيار في الشرع.
قيل له: أما قولك: (إن المتبايع اسم الفاعل) فصحيح، إلا أنه يتضمن وجود الفعل منهما حتى يتصفا به، وإنما يحصل ذلك بالإيجاب والقبول.
وقولك: (إلا) مصدر، فلا يضر؛ لأن موضوعها في اللغة الاستثناء، فالظاهر يقتضي أن له الخيار إلا أن يشترطا قطعه؛ لأنه استثناء من إثبات، فكان نفيًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 43
وقولهم: (نحمله على الاستثناء المنقطع) لا يمكن؛ لأن (إلا) موضوعة للاستثناء الحقيقي.
على أنه لو حمل على المنقطع لم يضر؛ لأنه لابد من حصول الخلاف بين [المستثنى و] المستثنى منه.
وقولهم: إنه قد يحصل ضرب من الخلاف، فإنما يحصل ذلك على ما قالوه من المتساومين، وقد بينا فساد ذلك، وأنه لا يمكن حمله على المتساومين.
وأما حمله على خيار الشرط فلا يصح؛ لما بينا، وهو: أن الاستثناء ضد المستثنى منه، والمستثنى منه إثبات الخيار، فكان الاستثناء ضده، وهو قطع الخيار، وعلى ما ذكروه يكون استثناء إثبات الخيار من إثباته، وهذا لا يصح.
فإن قيل: قوله: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) غاية، ومن حكم الغاية أن يكون ما بعدها بخلاف ما قبلها، فصار كالمنطوق.
ولأنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، فيتم البيع بينهما إلا بيع الخيار؛ فإنهما- وإن تفرقا- لم يتم البيع بينهما.
قيل له: حكم الغاية إنما يستفاد من الدليل، لا باللفظ، والاستثناء يعود إلى اللفظ دون ما يستفاد منه.
وهذه الطريقة إنما تصح على الرواية التي تحمل قوله: (إلا بيع
الجزء: 3 - الصفحة: 44
الخيار) على قطع الخيار، فأما على الرواية الأخرى التي تحمل (إلا) بمعنى الواو، وأن قوله: (إلا بيع الخيار)؛ معناه: وبيع الخيار، فلا تصح هذه الطريقة، ويكون الاحتجاج بالطريقة الأولى من الخبر.
والقياس: أنه عقد يقصد به تمليك المال، فلا يلزم بالإيجاب والقبول.
دليله: الهبة.
فإن قيل: الهبة عقد تبرع، وهي أضعف في إيجاب الملك من البيع بدليل: وقوف الملك فيهما على القبض.
قيل له: فالصرف والسلم أضعف من البيع بدليل: أن لزومهما يقف على القبض، ومع هذا لا خيار فيهما عندك.
ولأن قبول المشتري هو قول أحد المتبايعين، فوجب أن يتعقبه الخيار.
أصله: إيجاب البائع؛ لأنه إذا قال: بعتك كذا؛ فإنه بالخيار؛ إن شاء قال: رجعت فيه وفسخته، وإن شاء أقام.
وإن شئت قلت: أحد طرفي البيع، فوجب أن يتعقبه الخيار.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يوجد العقد، وليس كذلك هاهنا؛ لأن العقد قد وجد، فجاز أن يلزم.
الجزء: 3 - الصفحة: 45
قيل له: فالهبة إذا وجد فيها الإيجاب والقبول، فقد وجد العقد، ولا يلزم.
ولأنه إن لزم فهو في حكم ما لم يلزم بدليل: أنها حالة، كقبض رأس مال السلم، وعوض الصرف.
ولأن عقيب العقد زمان يصح قبض رأس مال السلم فيه، أو قبض عوضي الصرف، فوجب أن يثبت فيه الخيار.
دليله: عقيب الإيجاب.
فإن قيل: عقيب الإيجاب لسي بزمان لقبض رأس مال السلم والصرف؛ لأن العقد لم يوجد، فيقبض عوضه.
قيل: لم نقل: (زمان يجب قبض رأس المال فيه) حتى تحصل الممانعة، وإنما قلنا: (يصح) وهذا مسلم.
وعلى أنه إن لو يوجد كمالة فقد وجد طرفه، فجاز أن يجعل في هذا الحكم بمنزلة وجوده، ألا ترى أن من باع شيئًا بشرط رهن أو ضمين صح، ولم يجز أن يقال: (إن الرهن والضمين لا يصح في هذه الحالة؛ لأنها وثائق، فيجب أن يتوثق بها بعد ثبوت الحق)، كذلك هاهنا.
ولأن البيع نوع معاوضة محضة، فوجب أن يلحقها الفسخ مع
الجزء: 3 - الصفحة: 46
الإطلاق والسلامة من وجهين، كالصرف يلحقه الفسخ من وجهين:
أحدهما: تلف المبيع قبل قبضه.
والثاني: التفرق قبل [القبض].
كذلك غيره من بيوع الأعيان وجب أن يلحقه الفسخ من وجهين:
أحدهما: تلف المبيع قبل القبض.
والثاني: ما نقوله من الفسخ بحق خيار المجلس
فإن قيل: نقول بموجبه في خيار الرؤية؛ فإن الفسخ يثبت به في الأعيان الغائبة وبتلف المبيع.
قيل له: نصبنا التعليل لنفي اللزوم في جميع هذا النوع مع الإطلاق والسلامة، وأنت تقول بموجبه في بعض النوع.
فإن قيل: نقلبه، فنقول: وجب أن لا يتعلق لزومه بالافتراق.
دليله: الصرف.
قيل له: الصرف يتعلق لزومه بالافتراق على إحدى الروايتين.
وعلى أنا نقول بموجب القلب، وهو أنه لا يتعلق لزومه بالافتراق وحده حتى ينضم إليه اختيار العاقد؛ لأنه لو هرب أحدهما من صاحبه، أو فسخ في المجلس، ثم تفرقا، لم يلزم.
وأيضًا فإن الخيار على ضربين:
خيار يتعلق بزمان ومدة.
الجزء: 3 - الصفحة: 47
وخيار يتعلق بفقد الصفات.
ثم الخيار المتعلق بالصفات على ضربين:
منه ما يستفاد بالشرع.
[ومنه ما يستفاد بالشرط]، وهو إذا اشترى جارية على أنها جعدة، فخرجت سبطة، أو على أنها بكر، فخرجت ثيبًا، فله الخيار، وإنما يستفاد ذلك بالشرط؛ لأن بالإطلاق لا يستفيده.
كذلك الخيار المتعلق بالمدة، وجب أن يكون منه ما يستفاد بالشرط، وهو خيار الثلاث، ومنه ما يستفاد بالشرع، وليس كذلك إلا خيار المجلس.
وتحرير هذا المعنى: أنه أحد نوعي الخيار، فوجب أن ينقسم شرعًا وشرطًا، كالخيار المتعلق بفقد الصفات، ولا يكنهم القول بموجب ذلك في إثبات خيار الرؤية في الأعيان الغائبة؛ لأن ذلك لم يتعلق بمدة وزمان، وإنما يتعلق بالرؤية أو باختيار الفسخ قبلها من غير اعتبار مضي مدة، وخيار المجلس متعلق بمدة، وهو وقف مقامهما في مجلس التبايع.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29].
الجزء: 3 - الصفحة: 48
وظاهره يقتضي إباحة الأكل، وإن كانا في مجلسهما ذلك، وعندكم ليس له أن يأكله ما لم يتفرقا.
والجواب: أن الآية قصد بها الفرق بين الأكل بالتجارة والأكل بالباطل في الجملة.
وعلى أنا نحمل ذلك على ما بعد القبض.
واحتج بقوله تعالى: ﴿وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282]، فأمر بالإشهاد على البيع توثيقًا، فلو كان الاستحقاق لا يتعلق به حتى يفترقا لأمر بالإشهاد على البيع عند التفرق في الحال الذي يصح أن تؤخذ الوثيقة.
والجواب: أن الآية قصد بها حصول الوثيقة في الجملة خوفًا أن يتجاحد التبايع بعد التفرق، وقد يختلفان في الثمن والمثمن، فتكون الشهادة وثيقة بذلك، وثبوت الخيار لا ينفي حصول الوثيقة، كثبوت خيار الثلاث.
واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان؛ صاع البائع، وصاع المشتري.
وهذا يقتضي أنه إذا جرى الصاعان جاز بيع المشترى، وإن لم يتفرقا.
والجواب: أنه محمول على ما بعد القبض.
وهكذا الجواب عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يجزي ولد والده إلا أن
الجزء: 3 - الصفحة: 49
يجده مملوكاً فيشتريه، فيعتقه)؛ أي: يعتق عليه.
وظاهره يقتضي بعتق بنفس الشراء، وإن لم يوجد الافتراق، وهو محمول على ما بعد التفرق.
واحتجَّ بما روي عن عمر- كرم الله وجهه- أنه قال: إن الناس قائلون غدًا: ماذا قال عمر؟ ألا إن البيع صفقة، أو خيار.
فجعل البيع ضربين:
بيع خيار.
وبيع صفقة.
وعندكم البيع كله ضرب واحد، وهو بيع خيار.
والجواب: أن أحمد روى عن منصور بن سلمة الخزاعي، عن موسى بن أعين، عن مطرِّف بن طريف، عن عامر، عن عمر قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
ذكره عبد الله في «مسائله».
وهذا يدل على أن قول عمر مثل قولنا.
وعلى أنه قوله: (صفقة، أو خيار)؛ معناه: صفقة وخيار؛ لأن العرب تعطف بـ (أو) كما تعطف بالواو:
الجزء: 3 - الصفحة: 50
قال تعالى: ﴿إلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147]، ومعناه: ويزيدون.
وقال: ﴿ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: 24].
وقال: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: 6].
وعلى أنا قد روينا ذلك عن عثمان وابن عمر وأبي برزة؛ اعتبار الخيار بالمجلس.
واحتج بأنه عقد من العقود فوجب أن لا يثبت فيه خيار المجلس.
دليله: النكاح، والخلع، والعتق على مال، والكتابة.
والجواب: أن المعنى في تلك العقود: أنه لا يثبت فيها خيار الشرط مع جواز التفرق فيها قبل التقابض، وإمكان رد المعقود عليه على صفته، ويثبت ذلك في البيع، فإذا افترقا في خيار الشرط من هذا الوجه، جاز أن يفترقا في خيار المجلس.
ولا يلزم على علة الأصل الصرف والسلم؛ لأنه لا يثبت فيهما خيار الشرط، ويثبت خيار المجلس على إحدى الروايتين؛ لأن هناك لا يجوز التفرق فيهما قبل التقابض، وهاهنا يجوز.
وكذلك لا يلزم عقد الإجارة؛ أنه لا يثبت فيها خيار الشرط على أحد الوجهين، ويثبت خيار المجلس؛ لأنه لا يمكن رد المعقود عليه
الجزء: 3 - الصفحة: 51
على صفته، وإنما يرد بعضه؛ لأن بمضي الزمان تتلف المنافع المعقود عليها، وزمان المجلس يسير يجري فيه العفو والمسامحة.
وجواب آخر، وهو: أن القصد من النكاح أعيان المتناكحين دون المال، ألا تراه يصح مع عدم ذكر المال، ولا يصح مع عدم ذكر المال، ويصح مع عدم ذكر أعيان المتبايعين، فإذا كان كذلك، فالخيار إنما يثبت في ما يقصد منه المال دون ما لا يقصد ذلك منه.
فإن قيل: فيجب أن لا يثبت الخيار في عقد النكاح بالعيب.
قيل له: لم يثبت لعدم المال، لكن ثبت لفوات المقصود، وهو الاستمتاع.
وأما الكتابة فلا فائدة في إثبات الخيار فيها؛ لأن السيد لا حظ له فيها، والعبد له الخيار على التأبيد؛ لأنه يعجز نفسه متى شاء، وفي ثبوت الخيار في البيع فائدة؛ لينظر المبتاع ما ابتاعه، ويتأمله، ويستدرك حقه فيه.
وأما الخلع فيفارق البيع؛ لأنه لا يدخله خيار الشرط، ولا خيار الرؤية عندك، ولا خيار فقد التعيين، ولا خيار الإقالة، والبيع بخلاف ذلك.
واحتج بأنه بيع لم يشترط فيه خيار، وقد حصل برضا المالك، فوجب أن يجوز تصرف المشتري فيه بعد القبض.
دليله: بعد الافتراق.
الجزء: 3 - الصفحة: 52
والجواب: أنه يبطل بيوع الأعيان الغائبة؛ فإنه يشرط فيها خيار، وقد حصلت برضا المالك، وفيها الخيار عندهم.
وعلى أنه لا يجوز اعتبار ما قبل التفرق بما بعده، كما لا يجوز ذلك في قبض رأس المال في السلم، وقبض العوضين في الصرف.
واحتج بأنه نوع خيار لا يثبت بعد المجلس، فلا يثبت في حال مجلس في فسخ البيع.
دليله: خيار المعاينة في ما اشتراه من المصر، وعكسه: خيار الرد بالعيب، وخيار الشرط؛ لما ثبت بعد المجلس ثبت في المجلس.
والجواب: أنا لا نسلم هذا الأصل؛ لأن عندنا أن خيار المعاينة في ما يخرج عن العادة ثابت في المجلس وبعد المجلس.
على أنا قد بينا: أنه لا يجوز اعتبار المجلس بما بعده.
واحتج بأنه عقد صحيح فيه بالإيجاب والقبول، فلا يقف تمامه على الافتراق، كالهبة.
والجواب: أنا قد جعلنا الهبة حجة لنا، وأنها لا تلزم بمجرد العقد، ثم الهبة لا فائدة في إثبات الخيار فيها؛ لأن الواهب لا حظ له فيها، والموهوب له خيار على التأبيد.
واحتج بأن زمان المجلس مجهول، والخيار المجهول لا يثبت في البيع، كما لو شرطا خيارًا مجهولًا.
والجواب: أنا قد حكينا كلام أحمد في رواية ابن منصور جواز
الجزء: 3 - الصفحة: 53
ذلك، وحكينا خلافه، وهو الصحيح، وكان المعنى فيه: أنه زمان يسير، فعفي عن الجهالة فيه.
وعلى أن هذا يبطل بخيار الرؤية.
ولأن ذلك الخيار ثبت شرطًا، فجاز أن تنافيه الجهالة، وهذا الخيار ثبت، فجاز أن يثبت مع الجهالة، كما قالوا في خيار الرؤية، وكما قلنا في خيار الرد بالعيب؛ لأن مدته غير معلومة.
ويبين صحة هذا، وأنه فرق بين المدة التي تثبت بالشرط، والتي تثبت بالإطلاق في باب الجهالة: أن مدة قبض المسلم فيه لما استفيدت بالشرط، لم يصح أن تكون مجهولة، ومدة قبض الأعيان المبيعة لما لم تكن متعلقة بالشرط، صح أن تكون مجهولة.
واحتج بأنه لو خير أحدهما صاحبه في المجلس، فاختار، لزم البيع، أو تعاقدا على أن لا خيار لهما، لزم البيع، ودخولهما في البيع رضًا بالبيع يوجب أن يكون لازمًا.
والجواب: أن الرواية مختلفة عن أحمد في ذلك:
فروى الأثرم وإبراهيم بن الحارث: لا ينقطع خيارهما، وإن شرطا قطعه حال العقد، أو في المجلس، كما لو شرطا قطع الشفعة، أو باعه بشرط البراءة.
الجزء: 3 - الصفحة: 54
ونقل الميموني وحرب: ينقطع الخيار، وهو ظاهر الحديث.
فعلى هذا: إن الرضا بالبيع بعد ثبوت الخيار مخالف له قبل ثبوته، ألا ترى أن رضا الشفيع بالشراء لا يسقط حقه من الشفعة، ورضاه بعده يسقط حقه منها؟
وعلى أن ذلك الرضا لا يسقط الخيار ما ثبت لفظ، ألا ترى أنهما لو أقاما بعد العقد مدة طويلة، ولم يتلفظا بشيء، لم ينقطع خيارهما؟ وهذا المعنى معدوم حال العقد؛ لأنه إنما يوجد الرضا من طريق الاستدلال، لا من طريق اللفظ.
واحتج بأن التفرق بالبدن لو كان شرطًا في لزوم البيع، لكان الوالد إذا باع من ولده الصغير مال نفسه، أو باع من نفسه مال ولده؛ أن لا يلزم أبدًا؛ لأن التفرق لا يحصل.
والجواب: أنه يحتمل أن نقول: يلزم باختيار اللزوم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما لم يتفرقا، أو يخير أحدهما صاحبه).
والتفرق هاهنا متعذر، واختيار اللزوم ممكن، فإذا اختار اللزوم لزم.
ويحتمل أن نقول: يلزم بمفارقة مجلس العقد؛ لتعذر اعتبار التفرق بالبدن، وإذا أمكن اعتبار التفرق بالبدن وجب اعتباره بالسنة.
الجزء: 3 - الصفحة: 55
249 -
مسألة
لا ينقطع خيار المجلس بالتخاير، وسواء تخايرا في نفس العقد؛ فتعاقدا على أن لا خيار بينهما، أو تخايرا بعد العقد في المجلس في أصح الروايتين:
نقلها الجماعة؛ منهم الأثرم، وإسحاق بن إبراهيم، والمروذي، وغيرهم: إذا تخايرا في المجلس قبل التفرق لم ينقطع الخيار.
وهذا منه تنبيه على أنه إذا كان في حال العقد أولى أن لا ينقطع الخيار؛ لأن ما بعد العقد قد ثبت ملك كل واحد منهما على الخيار، وحال العقد ما ثبت.
ونقل الميموني عنه: إذا تخايرا حال العقد انقطع الخيار
قال أبو بكر: وتابعه حرب.
وهذا أيضًا تنبيه على ما بعد العقد؛ لأن حالة العقد أضعف، وقد قطع الخيار بينهما.
وقال أصحاب الشافعي: إن تخايرا بعد العقد في حالة المجلس انقطع الخيار، وإن تخايرا في حالة العقد، فعلى قولين؛ أصحهما: أنه لا ينقطع الخيار.
فالدلالة على أن الخيار لا ينقطع في الحالين: ما احتج به أحمد من حديث سمرة وحكيم بن حزام وأبي برزة الأسلمي: (البيعان بالخيار
الحديث: 249 - الجزء: 3 - الصفحة: 56
ما لم يتفرقا) و (حتى يتفرقا).
وهذا عام فيه إذا وجد منهما تخاير، أو لم يوجد، فهو على العموم.
ولأنهما لم يتفرقا في مجلس العقد، أشبه إذا لم يتخايرا.
ولأنه خيار ثبت بالعقد، فلم يصح قطعه حال العقد.
دليله: خيار الشفيع، وخيار الرد بالعيب.
ولأن حالة المجلس تجري [مجرى] حالة العقد بدليل: أنها حالة لقبض رأس مال السلم، وثمن الصرف، لم يثبت أنه لا يصح التخاير حالة العقد على القول الصحيح، كذلك في حالة المجلس.
فإن قيل: حالة العقد أسقط الخيار قبل وجوبه، وبعد العقد أسقطه بعد وجوبه.
قيل: قد بينا أن حالة المجلس قد أجريت مجرى حالة العقد.
فإن قيل: حالة العقد لا يسقط فيها خيار الشفعة وخيار الرد بالعيب، وحالة المجلس يسقط فيهما ذلك، كذلك هاهنا.
قيل: خيار الشفعة والعيب لا يبطل بالتفرق، وهذا يبطل بالتفرق، فلا يبطل بالتخاير، كخيار الإيجاب.
ولأنه خيار يبطل بالتفرق، فلا يبطل بالتخاير.
الجزء: 3 - الصفحة: 57
دليله: خيار الإيجاب في البيع، وفي الإقالة، وذلك أنه إذا قال: بعتك، فقبل أن يوجد القبول من المشتري البائع بالخيار في الرجوع في هذا الإيجاب، ولو أسقطه في المجلس لم يسقط، وكذلك الإقالة.
واحتج المخالف بما روى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كل بيعين فأحدهما على صاحبه بالخيار حتى يتفرقا، أو يكون خيار).
وفي لفظ آخر: (كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، أو يقول لصاحبه: اختر).
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار).
والجواب عن قوله: (إلا بيع الخيار) أو (أن تكون صفقة خيار) فيحتمل [أن تكون] (إلا) بمعنى الواو، [و] تقديره: المتبايعين بالخيار مالم يتفرقا، وبيع الخيار -أيضًا- ما لم يتفرقا.
ويكون القصد بذلك إزالة الإشكال؛ لئلا يظن ظان أن شرط ذلك يقطع الخيار.
وهذا شائع في اللغة: قال تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ
الجزء: 3 - الصفحة: 58
إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 150]؛ معناه: والذين ظلموا.
ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الكلب إلا المعلم؛ معناه: والمعلم.
كذلك هاهنا.
وأما قوله: (حتى يتفرقا، أو يقول لصاحبه: اختر)؛ معناه: وإن كان خيار، وإن قال لصاحبه: اختر، كما قال تعالى: ﴿ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى﴾ [النساء: 102]، ومعناه: وإن كنتم مرضى.
وكما قال تعالى: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ [البقرة: 286]؛ معناه: وإن أخطأنا.
وجواب آخر، وهو: يحتمل أن يكون قوله: (إلا بيع الخيار) من كلام الراوي، وكذلك قوله: (حتى يتفرقا، أو يكون خيار) أو (يقول لصاحبه: اختر)، كما روي عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (عهدة الرقيق ثلاثة أيام).
إن وجد داًء في الثلاث رد غير بينة، وإن وجد [داًء] بعد الثلاث كلف البينة: أنه اشتراه وبه داء.
والكلام الآخر من عند قوله: (إن وجد داء) من كلام قتادة
الجزء: 3 - الصفحة: 59
واحتج المخالف بأن الخيار غرر، فإذا جاز العقد مع الغرر، كان مع فقده أجوز، ومن الفساد أبعد.
والجواب: أنه يبطل بعقد الكتابة؛ يجوز مع الأجل، وهو غرر، ولا يجوز مع فقده.
واحتج بأن الخيار من مصلحة العقد، كالرهن والضمان، ثم ثبت أنه لو عري عن الرهن والضمين صح، كذلك إذا عري عن الخيار.
والجواب: أن الرهن والضمين يثبت بالشرط، وخيار المجلس من موجب العقد ومقتضاه، فإذا شرط قطعه لم يصح.
واحتج بأنه أسقط الخيار بعد وجوبه؛ يعني بذلك: إذا كان بعد العقد، فصح.
دليله: خيار الشفعة، والرد بالعيب، وخيار المخيرة، وخيار القبول.
والجواب: أنا قد جعلنا ذلك حجة لنا، وهو أنه إذا شرط قطع ذلك حال العقد لم يسقط، يجب إذا شرط قطع خيار المجلس حال العقد أم لا يسقط، وعندهم يسقط على أحد القولين.
وعلى أن خيار الشفعة والرد بالعيب لا يبطل بالتفرق، وهذا يبطل بالتفرق، فهو كخيار الإيجاب.
وعلى أن تلك الخيارات لا يقف إبطالها على التفرق بالأبدان، بل تبطل إذا أخذ في حديث آخر، فإذا قطع خياره، فقد أخذا في حديث آخر، وهذا الخيار يقف على التفرق بالأبدان، فهو آكد.
الجزء: 3 - الصفحة: 60
250 -
مسألة
ينتقل الملك في بيع الخيار بنفس العقد سواء في ذلك خيار المجلس، أو خيار الشرط:
ذكره الخرقي في كتاب (الزكاة) فقال: والماشية إذا بيعت بالخيار، فلم ينقص الخيار حتى ردت، استقبل البائع بها حولًا؛ سواء كان الخيار للبائع، أو للمشتري؛ لأنه تجديد ملك.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية حبيش بن سندي في رجل اشترى عبدًا، فوهب للعبد مال قبل أن يفترقا، واختار البائع العبد: فهو للمشتري بضمانه.
وهذا يدل على أنه كان على ملك المشتري؛ لأنه جعل الغلة له.
وقال أبو حنيفة: إن كان الخيار للبائع لم يزل ملكه عن المبيع، وإن كان الخيار للمشتري خرج من ملك البائع، ولم يدخل في ملك المشتري.
وقال مالك: لا ينتقل الملك إلا بانقطاعه سواء كان الخيار للبائع، أو للمشتري.
واختلف قول الشافعي على ثلاثة أقاويل:
أحدهما: مثل قولنا، وهو الصحيح.
والثاني: مثل قول مالك.
والثالث: هو مراعى؛ فإن لم يفسخا تبينا أنه كان ملك بالبيع، وإن فسخا تبينا أنه لم يكن ملك.
الحديث: 250 - الجزء: 3 - الصفحة: 61
وتبين فائدة الخلاف في من اشترى زوجته على أنه بالخيار ثلاثة أيام؛ عندنا ينفسخ، وعند أبي حنيفة ومن وافقه لا ينفسخ؛ لأنه لم يملكها عنده، وعندنا قد ملكها.
وكذلك إذا اشترى أباه أو ابنه على أنه بالخيار عتق عليه عندنا، وعنده لا يعتق.
فالدلالة على انتقال الملك في الجملة: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من باع عبدًا- وله مال- فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع).
فظاهر هذا: أنه بالشرط يكون للمبتاع؛ سواء كان هناك خيار، أو لم يكن، فهو على العموم.
ولأنه بيع منعقد، أو بيع صحيح، فوجب أن ينقل الملك.
دليله: إذا شرط فيه خيار الثلاث.
ولا يلزم عليه إذا قال: [إن] بعتك عبدي فهو حر، فباعه؛ أنه يعتق، لا لبقاء الملك، لكن لما نذكره فيما بعد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن تصرف المشتري يجوز فيه بوجود القبض، فدل على أن زوال الملك في مسألتنا لما لم ينفذ تصرفه مع وجود القبض المأذون فيه، فدل على أنه لم يملكه.
الجزء: 3 - الصفحة: 62
قيل له: التصرف قد يمنع منه [مع] تمام الملك؛ لتعلق حق الغير، كالرهن يمنع الراهن من التصرف فيه مع تمام ملكه عليه؛ لتعلق حق المرتهن به، وفي مسألتنا حق البائع في الفسخ متعلق به، وفي تصرف المشتري إسقاط هذا الحق؟
فإن قيل: يبطل هذا به إذا كان بالعوض عيب؛ فإن حق الفسخ ثابت للبائع، وتصرف المشتري يجوز.
قيل له: تصرفه لا يسقط حقه من الخيار؛ لأنه يفسخ البيع، ويرجع بقيمة ما خرج من ملكه، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن حقه من الخيار يسقط بتصرف المشتري، فمنع منه.
وعلى أنا لا نسلم هذا على الإطلاق؛ لأن تصرف المشتري بالعتق ينفذ رواية واحدة.
وليس لهم أن يقولوا: إن المعنى في الأصل: أنه بيع لا خيار فيه؛ لأنا لا نسلم هذا؛ لأن فيه خيار المجلس.
وقياس آخر، وهو: أن انقطاع الخيار معنى يستقر به العقد، فلم يقف انتقال الملك عليه، كالقبض.
ولأنه خيار ثابت في بيع، فلا يمنع انتقال الملك.
دليله: خيار العيب.
الجزء: 3 - الصفحة: 63
فإن قيل: خيار العيب لا يمنع التصرف، وكذلك القبض، وهذا بخلافه.
قيل له: قد أجبنا عن هذا.
ولأنها معاوضة تقتضي تمليكًا، فانتقل الملك فيها بالعقد.
دليله: النكاح.
واحتج المخالف بأن البائع لما استثنى الخيار لنفسه علمنا أنه لم يرض بخروج الشيء عن ملكه، وعدم الرضا يمنع انتقال الملك في البيع، ألا ترى أنه لو باع مكرهًا، أو هزل بالبيع، لم يخرج البيع عن ملكه.
والجواب: أنا علمنا أنه لم يرض بلزوم العقد، ولم نعلم أنه لم يرض بزوال الملك وانتقاله، فلا نسلم الوصف.
وأما المكره فهو غير راضٍ بنفس العقد، ولا سببه، وهاهنا قد رضي بالعقد، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج بأنه لو كان عبدًا نفذ عتق البائع فيه، ولو كان شقصًا في دار لم تجب للشفيع الشفعة، فدل على أن خياره يبقي الشيء على ملكه؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما نفذ عتقه، ولوجبت الشفعة في الشقص.
والجواب: أنه لا ينفذ عتق البائع.
نص عليه في رواية ابن القاسم.
الجزء: 3 - الصفحة: 64
فإن قيل: إن لم تسلم العتق المباشر، فإنا نلزم العتق بالصفة، وقد نص على وقوع ذلك في رواية الأثرم في رجلين؛ قال أحدهما: إن بعت منك غلامي فهو حر، وقال الآخر: إن اشتريته فهو حر، فباعه منه، عتق من مال البائع، قيل له: كيف؟ وإنما وجب العتق بعد البيع! فقال: لو وصى لرجل بمئة درهم، ومات، يعطاها، وإن كان وجبت بعد الموت، ولا ملك له، وهذا مثله.
فقد صرح: أن العتق يقع بعد زوال ملكه، وشبهه بالوصية.
قيل له: العتق المعلق بالصفة وجد أحد طرفيه في ملك، وهو حين عقد الصفة، والطرف الآخر في غير ملك، فقويت حاله، فنفذ، وفي مسألتنا جميعه يحصل في غير ملك، وفرق بينهما، ألا ترى أنه لو أعتق شقصًا له في عبد سرى إلى حصة شريكه؛ لأن هذا العتق تضمن الملك- وهو حصته- وغير الملك- وهو حصة شريكة- ولو أعتق عبدًا لا لشريك له لم ينفذ عتقه؛ للمعنى الذي بينا.
ويبين صحة هذا على أصلنا: لو قال: إن ابتعت هذا العبد فهو حر، فابتاعه، عتق؛ لأن أحد طرفي اليمين في ملكه، والطرف الآخر في غير ملك.
وكذلك عندنا، وعندهم: لو قال لأمته: حملك حر، وكان في بطنها علقة، عتق، وإن كان حين عقد اليمين لم يكن في ملكه، وإنما
الجزء: 3 - الصفحة: 65
صار في ملكه بعد أن حلته الروح.
وأما الشفعة فلعمري إنها لا تثبت.
نص عليه في رواية حنبل: وقد ذكر له قول مالك: إن الشفيع لا يأخذ الشفعة حتى يلزم البيع، فقال: وأنا أرى ذلك.
وكان المعنى فيه: أن أخذ الشفعة يسقط حق البائع من الخيار، فلم تجز المطالبة بالشفعة؛ لتعلق حق البائع به، لا لأن الملك لم ينتقل إلى المشتري.
واحتج بأنه إيجاب غير لازم، فلم ينقل الملك قياسًا على الإيجاب إذا لم ينضم إليه القبول.
والجواب: أنه يبطل بمن باع ثوبًا بعبد، ووجد به عيبًا، فله رده، وفسخ البيع، كذلك إذا شرط أن العبد صانع، ولم يكن صانعًا، فله الخيار، فالإيجاب غير لازم في هذين، والملك ينتقل.
ثم المعنى في الأصل: إن الإيجاب لم [يضامه] قبول، وهاهنا قد [ضامه] قبول صحيح، فنقل الملك.
واحتج بأنه لو زال ملكه لم يكن له فسخه بغير رضا المشتري، وأنه [لا] يجوز تصرف المشتري.
الجزء: 3 - الصفحة: 66
والجواب: أن ثبوت الفسخ لا يمنع نقل الملك، كما لو ظهر هناك عيب بأحد العوضين بفقد الصفات.
وأما منع المشتري من التصرف فلأجل تعلق حق الغير، وهو البائع.
- فصل:
والدلالة على أن الخيار إذا كان للمشتري خرج المبيع عن ملك البائع، ودخل في ملك المشتري: ما تقدم، ونخص ذلك بأنه بيع أزال ملك البائع، فوجب أن يدخل في ملك المشتري.
دليله: إذا لم يكن هناك شرط.
ولأنه مملوك، فلابد له من مالك، ولما لم يملكه البائع، وجب أن يملكه المشتري.
فإن قيل: إذا اشترى الإمام عبدًا لخدمة الكعبة، فإن البائع يزول ملكه عنه، ولا يملكه أحد.
وكذلك إذا أوصى لعبده الغائب، ثم مات الموصي، خرج العبد من ملكه، ولم يدخل في ملك الموصى له حتى يقبله.
قيل له: أما العبد المشترى لخدمة الكعبة، فإن ملكه لله تعالى، وكذلك ارتفاع الوقف على المساجد والجوامع الملك فيها الله تعالى؛ لأن الملك في الشريعة ضربان:
الجزء: 3 - الصفحة: 67
أحدهما: لله تعالى.
والآخر: للآدميين.
كما أن الحقوق على ضربين:
أحدهما: لله- تعالى- أن يكون موكولًا إلى نظر الإمام وولايته دون غيره.
وملك البيع ليس لله تعالى؛ لأنه ليس النظر فيه موكولًا للإمام، فدل على أنه للآدمي، ولا يملكه البائع، ولا غير المشتري من الأجانب، فوجب أن يكون للمشتري.
فإن قيل: فجميع الأشياء ملك لله تعالى، فلا معنى لتخصيصكم العبد لخدمة الكعبة، والوقف على المسجد.
قبل له: قد بينا: أن العلامة في ما كان حقًا لله تعالى: أن الإمام يتولى النظر فيه.
وأما العبد الموصى به لغائب فإن الملك فيه مراعى.
فإن قيل: تبينا أنه ملكه بالموت، وإن لم يقبل تبينا أنه على ملك الورثة، فلم يخل من مالك.
ولأنها معاوضة تقضي تمليكًا من الطريفين، فإذا زال بها الملك عن
الجزء: 3 - الصفحة: 68
أحد المتعاوضين، وجب أن [لا] يزول عن الآخر.
دليله: ملك الصداق في النكاح.
ولأن الخيار حق للمشتري، ودخول الشيء في ملكه حق له أيضًا، ولم نجد في الأصول حقًا لإنسان يمنع ثبوت حق آخر له.
واحتج المخالف بأن المشتري إذا كان له الخيار لم يخرج الثمن عن ملكه، فلو قلنا: إن المبيع ينتقل إليه، أدى إلى اجتماع البدل والمبدل في ملك واحد، وهذا لا يجوز.
والجواب: أنه لا يؤدي إلى اجتماعهما؛ لأنه عندنا يزول ملك المشتري عن الثمن، ويملكه البائع، ويزول ملكه عن المبيع، ويملكه المشتري، وقد بينا هذا في المسألة التي قبلها.
وعلى أن هذا يبطل على قولهم بمن غصب مدبرًا، فأبق منه، فغرم قيمته للمغصوب منه، [فالمغصوب منه] ملك القيمة، والمدبر باق على ملكه.
وكذلك من ملك عصير العنب، فصار في يده خمرًا، فالخمر ملكه، فإذا اشترى بها عبدًا، وقبضه، فإن العبد ملكه والخمر، فاجتمع في ملكه البدل والمبدل.
وكذلك إذا اشترى ثوبًا بعبد مدبر، وقبض الثوب، كانا جميعًا في ملكه.
الجزء: 3 - الصفحة: 69
فإن قيل: نحترز من هذا فنقول: يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل في ما يصح نقل الملك فيه.
ولا يصح نقل الملك فيه.
ولا يصح نقل الملك في الخمر والمدبر.
قيل له: لو كان لا يجوز اجتماع البدل والمبدل في ملك واحد لوجب أن لا يصح تقويم الآبق؛ لأنه يؤدي إلى اجتماع البدل والمبدل منه في ملك.
واحتج بأن قبول المشتري غير لازم مع سلامة المبيع، فلم يدخل في ملكه، كما لو اشترى عبدًا من عبدين على أنه بالخيار.
والجواب: أن المبيع هنا مجهول، فلم يوجب دخول الملك في ملك المشتري، وهاهنا المبيع صحيح، فإذا زال به الملك عن البائع، دخل في ملك المشتري.
دليله: لو لم يكن هناك خيار.
...
251 -
مسألة
فإن أعتق البائع العبد في مدة الخيار، وتمم المشتري العقد، أو فسخه، لم ينفذ عتقه:
نص عليه في رواية ابن القاسم، فقال: إذا أعتقه البائع لم يجز؛
الحديث: 251 - الجزء: 3 - الصفحة: 70
لأن ملكه قد زال، وإنما له فيه حق الخيار.
نقلت هذه الرواية من كتاب أبي بكر الخلال من البيوع.
وهو اختيار أبي بكر في كتاب (التنبيه) وشيخنا أبي عبدالله.
فإن وطئ البائع الأمة قبل الفسخ، فنقل أبو بكر في كتاب (الخلاف) عن أحمد في رواية مهنا: إذا وطئ البائع قبل الافتراق، فعليه الحد إن كان عالمًا، وإن وطئها المشتري، فلا حد عليه؛ لأن الملك له.
قال الشافعي: ينفذ عتقه سواء تمم المشتري العقد، أو فسخه.
دليلنا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق فيما لا يملك)، وهذا غير مالك، فيجب أن لا ينفذ عتقه.
ولأن ملكه قد زال بالبيع، فلم ينفذ عتقه ابتداًء.
دليله: لو أعتقه بعد انقضاء هذا الخيار.
ولا يلزم عليه إذا قال: إن بعت هذا العبد فهو حر، فباعه، عتق عليه؛ لقولنا: (فلا ينفذ عتقه ابتداء)، وهناك لم ينفذ ابتداء، وإنما نفذ بالصفة المتقدمة.
ولأن أكثر ما فيه أنه يملك فسخ العقد، والرجوع فيه، وهذا لا يدل على نفوذ العتق بدليل: أنه لو وهب لابنه عبدًا، وأقبضه، ثم أعتقه بعد ذلك قبل الرجوع في الهبة، لم ينفذ عتقه، وإن كان له فسخ
الجزء: 3 - الصفحة: 71
الهبة، والرجوع فيها.
وكذلك لو باع عبدًا بثوب، ووجد بالثوب عيبًا، فأعتق العبد، لم ينفذ عتقه، وإن كان له فسخ العقد بالعيب الذي وجده في الثوب، كذلك هاهنا.
وكذلك لو أصدقها عبدًا، فأبق العبد قبل الدخول، لم ينفذ عتقه، وإن كان له الرجوع بالطلاق قبل الدخول، كذلك هاهنا.
وكذلك إذا أفلس المشتري بثمن السلعة، وثبت للبائع حق الفسخ، فأعتق البائع قبل الفسخ لم ينفذ، كذلك هاهنا.
وكذلك إذا أفلس المشتري بثمن السلعة، وثبت للبائع حق الفسخ، فأعتق البائع قبل الفسخ لم ينفذ، كذلك هاهنا.
وقد ذكر لي أبو بكر الشامي: أن لهم في هذه المسائل الثلاث وجهان، إلا أن الصحيح: أنه مسلم، وأن تصرفه لا ينفذ.
وفرق بينهما بأن الملك مستقر في هذه المواضيع، ألا ترى أن الموهوب له والمشتري غير ممنوع من التصرف؟ وليس كذلك البيع بشرط الخيار؛ لأن ملك المشتري غير مستقر، ألا تراه يمنع من التصرف بالبيع والهبة؟ فلهذا نفذ عتق البائع.
قيل له: منع المشتري من التصرف بالبيع والهبة، لا يدل على ضعف ملكه، وإنما منع لئلا يسقط حق البائع من الفسخ.
يدل على هذا: الراهن ملكه تام مستقر على الرهن، وإن كان
الجزء: 3 - الصفحة: 72
ممنوعًا من التصرف فيه؛ لأجل حق المرتهن في الوثيقة، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن له فسخ العقد، والرجوع في العبد، فإذا أعتقه دل ذلك على فسخه، فيجب أن ينفذ ذلك.
والجواب: أن له فسخ الهبة على ابنه، وفسخ المبيع إذا وجد بالثوب عيبًا، ومع هذا لا ينفذ عتقه، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه لو قال لعبه: إن بعتك فأنت حر، ثم باعه، نفذ عتقه على البائع.
نص عليه في رواية الأثرم ومهنا.
كذلك إذا وجهه بالعتق يجب أن ينفذ.
والجواب: أنه ليس إذا وقع عتقه بالصفة، يجب أن يقع عتقه المباشر بدليل: أن المجنون يقع عتقه في حال جنونه بالصفة المتقدمة في حال إفاقته، ولا يقع طلاقه المباشر في حال جنونه، وكذلك عندهم إذا حلف على زوجته أو على عبده بالطلاق والعتاق أن لا يفعل شيئًا، ثم أزال ملكه عنه، وفعل المحلوف عليه، صح وجود الصفة في حال البينونة، وإن لم تنعقد منه صفة في تلك الحال، كذلك هاهنا.
وعلى أنا أجبنا عنه فيما تقدم.
فإن قيل: فما تقولون في تصرف البائع بالبيع؟ هل ينفذ، ويكون فسخًا للبيع، أم لا؟
قيل: لا ينفذ، ولا يكون فسخًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 73
نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل باع ثوبًا من رجل، ثم باعه من آخر قبل الافتراق، ولما يسلمه إلى المشتري الأول، واستهلكه البائع: فإنه يؤخذ له بالخلاص من حيث باع، فإن لم يقدر أن يخلصه، فعليه قيمته يوم استهلكه، فإن كان مما يكال أو يوزن فعليه المثل.
وهذا يدل من كلام أحمد على أن بيعه لا ينفذ، و [لا] يكون فسخًا للخيار.
وكذلك يتخرج على هذا جميع تصرفاته بالعتق والوطء لا تنفذ، ولا تكون دلالة على الفسخ، ولا يثبت الفسخ من جهته إلا بلفظ الفسخ؛ لأن ملكه قد زال، وتصرفاته باطلة، فلم تكن دلالة على الفسخ.
وليس كذلك المشتري؛ لأن المبيع على ملكه، وتصرفه ينفذ، فلهذا كان دلالة على الرضا.
وقد قال أحمد في رواية محمد بن ماهان: إذا ابتاع دارًا أو ثوبًا، وشرط الخيار لنفسه ثلاثًا، فعرضه على البيع قبل الثلاث، لزمه.
وأومأ إليه- أيضًا- في رواية العباس بن محمد: إذا سكن الدار، ولبس الثوب، لزمه.
وذكر أبو بكر في كتاب (التنبيه) فقال: إذا باع البائع في مدة خيار
الجزء: 3 - الصفحة: 74
المجلس، فالبيع باطل، ولو باع المشتري كان موقوفًا على افتراق الأبدان، فإن تفرقا لزم، وإن تفاسخا بطل، وإذا وطئ، فلا حد عليه، ويكون فسخًا.
وقد نص أحمد على هذا في رواية أبي طالب في رجل اشترى ثوبًا بشرطٍ، فباعه قبل انقضاء الشرط: يرده على صاحبه الأول إن طلبه، فإن لم يقدر عليه رد قيمته، ولو سرق، أو احترق، فليس عليه شيء؛ لأن البيع جناية، والحارق والسارق جنى عليه.
قال: وأنا أقول: إذا اشترى جارية بشرط، ثم أعتقها قبل الشرط، جاز، وليس عليه قيمة، أرأيت لو مات؟
فقد نص على أنه يغرم القيمة؛ لتعذر التسليم بالبيع، ولا يلزم بتعذر ذلك بالعتق.
...
252 -
مسألة
فإن أعتق المشتري في مدة الخيار نفذ عتقه:
نص عليه أحمد في رواية المروذي، وابن القاسم، وابن الحارث، والميموني، وصالح.
الحديث: 252 - الجزء: 3 - الصفحة: 75
وقال الشافعي: إذا تمم البائع العقد نفذ عتقه، وإن لم يتممه لم ينفذ.
دليلنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا عتق في ما لا يملك ابن آدم).
دليله: أنه ينفذ عتقه في ما يملك، وهو مالك في هذه الحال.
[و] لأن هذا عتق من مالك جائز التصرف، فنفذ.
دليله: لو تمم البائع البيع.
ولا يلزم عليه عتق المكاتب عبده؛ لوجهين:
أحدهما: أن المكاتب ليس بجائز التصرف على الإطلاق؛ لأنه لا يملك التبرعات.
والثاني: أنه يستوي فيه الأصل والفرع.
يبين صحة هذا: أنه لو أهل شوال في مدة الخيار، ثم فسخ، كانت فطرة العبد على المشتري، فدل على ثبوت ملكه عليه.
ولأن أكثر ما في: أن البائع يملك استرجاعه، وهذا لا يمنع نفوذ العتق بدليل: أنه لو باعه بثوب، فقبضه المشتري، وأصاب البائع بالثوب عيبًا، كان له الرد واسترجاع العبد، ومع هذا ينفذ عتق المشتري فيه.
وهكذا لو وهب لولده عبدًا ملك الولد عتقه، وإن كان الوالد
الجزء: 3 - الصفحة: 76
يملك أن يسترده، وكذلك هاهنا.
ولأن المبيع- لو تم ولم يفسخ بعد العتق- للمشتري، وإن كان قد صادف حالًا يملك البائع فيها الفسخ، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن ملكه غير تام عليه بدليل: أن البائع يملك استرجاعه من يد المشتري، وإزالة ملكه عنه، وإذا لم يكن تامًا، لم ينفذ عتقه فيه، كالمكاتب.
والجواب: أن ثبوت حق الرجوع لا يمنع نفوذ العتق بدليل العبد الموهوب من أبيه، والعبد المشترى بثوب إذا ظهر بالثوب عيب.
وأما المكاتب فالمعنى فيه: أنه ليس بكامل التصرف على الإطلاق، ألا ترى أنه [لا] يملك التبرعات، والحر بخلافه.
واحتج بأن عتق المشتري إمضاء، ورد البائع فسخ، والفسخ مقدم على الإمضاء، كما لو فسخ البائع وأمضى المشتري في مدة الخيار.
والجواب: أنه ليس إذا لم يثبت الإمضاء من المشتري لم يثبت العتق بدليل: أن العبد المشترك لا ينفذ بيع جميعه من الشريك، وينفذ
الجزء: 3 - الصفحة: 77
عتق جميعه؛ لأن للعتق تغليبًا وسرايًة.
واحتج بأن البائع له خيار الفسخ واسترجاع الملك، وفي تنفيذ عتق المشتري بإسقاط المقصود بالفسخ، فلم ينفذ، ألا ترى أن المشتري لو وقف الشقص لم يلزم وقفه؟ لأن لزومه إسقاط حق الشفيع.
وكذلك لو أعتقت تحت عبد كان لها الخيار، فلو طلقها زوجها لم يقع الطلاق؛ لأن إيقاعه إسقاط خيارها.
وكذلك لو أعتق شركًا له في عبد قوم عليه نصيب شريكه، فلو أن شريكة أعتق نصيب نفسه لم ينفذ عتقه فيه؛ لأن فيه إسقاط حق المعتق.
والجواب: أن نفوذ العتق من الابن يسقط حق الأب في الرجوع، وكذلك نفوذ العتق من المشتري يسقط حق البائع من الرد إذا ظهر بالثمن عيب، ومع هذا ينفذ.
وأما ما ذكروه من المشتري إذا أوقف الشقص؛ فإنه يصح وقفه عن أصحابنا، ويسقط حق الشفيع، كما ينفذ العتق هاهنا؛ لأن الوقف كالعتق بدليل: أنه لا يلحقه الفسخ.
وأما الأمة إذا أعتقت تحت عبدٍ، وطلقها الزوج، وقع الطلاق؛ لأنه مطلق للفسخ.
الجزء: 3 - الصفحة: 78
وأما عتق الشريك نصيبه بعد عتق شريكه فإنما لم ينفذ؛ لأن ملكه زال يعتق الأول بالسراية، فلم يبق هناك ملك ينفذ عتقه فيه، وليس كذلك هاهنا؛ فإن ملك المشتري باقٍ على العبد، فلهذا نفذ.
واحتج بأن المشتري لو باع أو وهب أو عتق أو وقف وُقِفَ جميع ذلك على إمضاء البائع، كذلك العتق.
والجواب: أنه يمنع أن لا ينفذ بيعه وهبته، وينفذ عتقه؛ لما فيه من التغليب والسراية، كما قلنا في العبد المشرك: ينفذ عتقه في حصة شريكه، ولا ينفذ بيعه وهبته.
235 -
مسألة
إذا وطئ البائع الأمة قبل القبض رجع المشتري عليه بالمهر:
قال في رواية مهنا في من اشترى جارية، ووزن ثمنها، فوطئها البائع: فعليه الحد، فإن كان جاهلًا فعليه المهر للمشتري.
وقال أبو حنيفة: لا مهر عليه.
دليلنا: أنه لو وطئها بعد القبض لزمه المهر، فإذا وطئها قبله لزمه، كالأجنبي.
الجزء: 3 - الصفحة: 79
واحتج المخالف بأنه لو وجب العقد لتعلق وجوبه بالعقد؛ لأنه لو لم يجر بينهما عقد لما وجب بالوطء شيء، ولو تعلق وجوبه بالعقد لصار مبيعًا في الذمة، والمبيع في الذمة لا يثبت إلا على وجه السلم، وهذا ليس بسلم.
ولا يلزم عليه وطء الأجنبي؛ لأن وجوب العقد عليه لا يتعلق بالعقد؛ لأنه لو لم يكن هناك عقد، فوطئها، وجب عليه، فلا يصير مبيعًا في الذمة.
والجواب: أنه يبطل بالوطء بعد القبض؛ فإنه يلزمه، وإن لم يكن هناك معنى أوجبه إلا العقد؛ لأنه لو لم يكن هناك عقد لم يلزمه المهر.
وعلى أنا لا نقول: العقد أوجب المهر، وإنما زوال ملكه أوجب المهر.
...
254 -
مسألة
فإن باع البائع، أو وهب وأقبض، أو أوقف في مدة الخيار، لم ينفذ شيء من ذلك، ولم يكن فسخًا للبيع:
نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل باع ثوبًا من رجل، ثم باعه البائع من آخر قبل الافتراق، ولما يسلمه إلى المشتري الأول، واستهلكه البائع: هل يضمن المشتري الأول القيمة؟ وهل يؤخذ بالخلاص من حيث باع؟ فقال: يؤخذ بالخلاص، فإن لم يقدر أن يخلصه فعليه
الحديث: 254 - الجزء: 3 - الصفحة: 80
قيمته يوم استهلكه، فإن كان مما يكال أو يوزن فعليه المثل.
فقد نص على أن تصرفه بالبيع باطل، ولم يجعله بذلك فاسخًا للبيع خلافًا لأصحاب الشافعي في قولهم: ينفذ ذلك منه، ويكون فسخًا للبيع.
وكذلك القول عندهم في العتق والوطء يكون فسخًا للبيع، وينفذ العتق.
دليلنا: أنا قد دللنا في المسألة التي قبلها أن عتقه لا ينفذ، فأولى أن لا ينفذ بيعه وهبته ووقفه؛ لأن للعتق من النفوذ ما ليس لغيره.
ولأن ما ذكرناه هناك من الدليل على إبطال العتق فهو دليل هاهنا، وهو أن ملكه قد زال بالبيع، فلم ينفذ بيعه وهبته ووقفه بحق الملك.
دليله: بعد انقضاء مدة الخيار.
ولأن أكثر ما فيه: أنه قد ثبت له حق الفسخ، وهذا لا يدل على جواز تصرفه كالواهب يملك الرجوع، ولا يصح تصرفه.
وكذلك إذا باع عبدًا بثوب، وظهر على عيب في الثوب، لم يصح تصرفه في العبد.
وإذا لم يصح تصرفه لم يكن ذلك فسخًا، كما لم يكن في العين الموهوبة، وفي المبيع إذا ظهر ببدله عيب، والمفلس، كذلك هاهنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 81
فإن قيل: المعنى في تلك المسائل: أن الملك تام بدليل: أنه لا يمنع من التصرف، فلهذا لم يصح فسخ الملك فيه إلا بالصريح، والملك هاهنا ضعيف، فجاز فسخه بالكناية.
قيل: قد أجبنا عنه في ما تقدم.
واحتج المخالف بأنه لو أراد إتمام البيع والإمضاء لما تصرف هذا التصرف، فهو كما لو فسخ بالقول.
والجواب: أن الواهب لو أراد إتمام الهبة لم يتصرف هذا التصرف، وكذلك إذا باع عبدًا بثوب، وظهر على عيب في الثوب، لو أراد إتمام العقد لم يتصرف في العبد، وقد ثبت أن ذلك لا يفسخ الهبة والمبيع، فدل على أن وجوده كعدمه، وكذلك هاهنا.
واحتج بأن الفسخ تدارك الملك واسترجاعه، والملك يقع بالقول والفعل معًا؛ لأن يملك بالشراء، ويملك بالاصطياد والاحتطاب، كذلك تداركه له يكون بالفعل وبالقول.
والجواب: أن فسخ الهبة والمبيع إذا ظهر بالثمن عيب هو تدارك للملك، ولم يقم الفعل فيه مقام القول.
الجزء: 3 - الصفحة: 82
255 -
مسألة
إذا وطئ البائع في مدة الخيار قبل الفسخ مع علمه بالتحريم؛ فهل يجب عليه الحد؟
فنقل أبو بكر في كتاب (الخلاف) عن أحمد في رواية مهنا: إذا وطئ البائع قبل الافتراق، فعليه الحد إن كان عالما، وإن وطئها المشتري، فلا حد؛ لأن الملك له خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولها: لا حد، ويكون ذلك فسخًا للبيع.
دليلنا: أنه بيع صحيح، أو بيع منعقد، إذا تعقبه وطء البائع أو وجب الحد.
دليله: إذا لم يكن في البيع خيار، أو تبايعا على أن لا خيار بينهما.
ولأن أكثر ما فيه: أن له حق الفسخ، وهذا لا يسقط الحد، كما لو باع جارية بثوب، ووجد بالثوب عيبًا، ملك فسخ البيع، فلو وطئها قبل الفسخ وجب الحد، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن له فيها ملكًا، أو شبهة ملك.
ولأن هذا مختلف في كونه ملكًا له؛ لأن من الناس من قال: ما زال ملكه، فصار شبهًة، وجرى مجرى الوطء في النكاح بلا ولي، وبلا شهود.
والجواب: أن شرب النبيذ شبهة؛ لأنه مختلف في إباحته، وفي
الحديث: 255 - الجزء: 3 - الصفحة: 83
إيجاب الحد فيه، ومع هذا يجب الحد عند الشافعي.
وإذا قتل الجماعة قتلوا به، وإن كان مختلفًا فيه.
كذلك إذا وطئ امرأة وجدها على فراشه يظنها زوجته، فبان أنها أجنبية، فعليه الحد عند أبي حنيفة، وإن كان هذا مختلفًا فيه.
وأما النكاح بلا ولي، وبلا شهود، ففيه تفصيل:
فإن كان جاهلًا بتحريم ذلك؛ بأن يكون أسلم قريبًا، فتخفى عليه الأحكام، لم يجب الحد.
وإن كان يعرف حكم ذلك، لكنه كان حنفيًا يعتقد إباحة الوطء في هذا النكاح، فلا حد عليه أيضًا؛ لأنه وطئ وطئًا يعتقد الإباحة.
وإن كان يعتقد تحريم ذلك؛ بأن يكون حنبليًا، أو شافعيًا؛ فهل عليه الحد، أم لا؟ على روايتين:
إحديهما: عليه الحد كمسألتنا.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
والثانية: لا حد عليه؛ لأنه مختلف في إباحته؛ فمن الفقهاء من أباحه.
الجزء: 3 - الصفحة: 84
وأما في مسألتنا فمجمع على تحريمه، ومن أسقط الحد فيه لأجل الشبهة، لا لأنه مباح.
...
256 -
مسألة
إذا كان المبيع عبدًا، فمات في مدة الخيار، لم يبطل الخيار في أصح الروايتين:
وبه قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: يبطل.
وفائدة الخلاف: أنهما إذا لم يجز البيع، وفسخاه بعد التلف، بماذا يرجع البائع على المشتري إذا كان تلف المبيع في يده؟ على روايتين:
إحديهما: يرجع عليه بالقيمة.
والثانية: يرجع بالثمن المسمى.
فإن قلنا: يرجع بالقيمة، فالخيار بحاله؛ لأنه قد ملك الفسخ، وتعذر الرجوع في العين، فوجب الرجوع في القيمة.
وإن قلنا: يرجع البائع على المشتري بالثمن، فالخيار قد بطل؛ لأنه غير مالك للفسخ، فرجع بالمسمى لبقاء العقد.
وقد نقل ابن القاسم وصالح عنه: إذا أعتق المشتري العبد نفذ عتقه، ورجع البائع عليه بالقيمة.
الحديث: 256 - الجزء: 3 - الصفحة: 85
وهذا يدل على أنه كان له الفسخ.
ونقل أبو الحارث والميموني: إذا أعتق نفذ عتقه، ورجع عليه بالثمن.
وهذا يدل على أنه لا يملك الفسخ.
وهذا اختيار الخرقي وأبي بكر.
ووجه الدلالة: أن الخيار مدة ملحقة بالعقد، فلم تبطل بتلف المبيع بعد القبض
دليله: الأجل.
فإن قيل: الأجل يحل بالثمن، والثمن محله الذمة، والذمة لم تتلف بتلف المبيع، فمثاله أن يموت من عليه الحق المؤجل، فيبطل الأجل، ويحل الحق.
قيل: لا يبطل الأجل بموت من عليه الحق على المذهب الصحيح، ولا يبطل- أيضًا- بإفلاس المشتري رواية واحدة، وإن كانت الذمة قد خربت وتلفت بدليل أن المبتاع أحق بالرجوع في عين المبيع.
واحتج المخالف بأنه خيار فسخ، فبطل بتلف المبيع.
دليله: خيار الرد بالعيب، و [في] الهبة، وخيار الإقالة.
وذلك أنه لو كان المبيع عبدًا، فمات، ثم ظهر على عيب بعد موته، لم يملك الرد، وكذلك لو تلف البيع لم تصح الإقالة، وكذلك
الجزء: 3 - الصفحة: 86
إذا تلفت العين الموهوبة.
ولا يلزم عليه إذا باع ثوبًا بثوب، وتقابضا، وتلف عند أحدهما، وظهر على عيب في الآخر؛ أنه يفسخ- ذكره في رواية حنبل- لأنا قلنا: فبطل بتلف المبيع، وهناك بعضه تلف.
ولا يلزم عليه [أنهما] إذا اختلفا في الثمن بعد تلف السلعة تحالفا وفسخا؛ لأن الفسخ حصل باليمين، لا بالخيار.
والجواب: أن خيار الرد بالعيب إنما بطل؛ لأنه يستدرك النقص بأخذ الأرش، فلهذا لم يملك الفسخ.
وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لا يستدرك المقصود إلا بالفسخ؛ لأنه إنما شرط لينظر: هل له الحظ في المبيع؟ وهل غبن فيه، أم لا؟ وهذا لا يحصل له إلا بالفسخ.
ولهذا قلنا: لو اختلف المتبايعان في الثمن- والسلعة تالفة- تحالفا؛ لأنه لا يحصل له غرضه من كمال الثمن إلا بالتحالف والفسخ، وكذلك هاهنا.
وأما الإقالة فإنما لم تصح بعد التلف؛ لأنها في حكم العقد المبتدأ، ألا ترى أنه يعتبر فيها رضا كل واحد من المتعاقدين، والفسخ لا يعتبر فيه ذلك.
ومن نصر الرواية الثانية، وأن الخيار يبطل بهلاك المبيع على
الجزء: 3 - الصفحة: 87
ظاهر كلام الخرقي وأبي بكر، يحتج بالعلة التي تقدم ذكرها.
ونجيب عن قولهم: إنه يستدرك المقصود في العيب بأخذ الأرض، وهاهنا لا يستدرك إلا بالفسخ؛ فإنه يبطل بخيار الرجوع في الهبة؛ لأنه لا يسقط بهلاك العين، وإن لم يستدرك المقصود.
وعلى أنه إذا فسخ رجع إلى قيمة الهالك، ويجوز أن تكون قيمته أقل من المسمى، فلا يكون له في الفسخ بالعيب حظ.
وإن قاسوا عليه إذا باع ثوبًا بثوب، وتلف أحدهما، وظهر بالآخر عيب؛ أنه يثبت الفسخ؛ لأن هناك عينًا يقع عليها الفسخ، وليس كذلك هاهنا؛ فإنه ليس هناك عين، فهو كما لو باع ثوبًا في الذمة، وتلف، ثم ظهر على عيب.
ونجيب عن قولهم: الإقالة تجري مجرى العقد؛ لافتقارها إلى رضاهما، وهذا بخلافه؛ لأن علة الفرع تبطل بالرد بالعيب، وبالخيار في الهبة؛ فإنه لا يعتبر تراضيهما، ومع هذا يسقط بالإتلاف.
وإن قالوا: معنى يوجب فسخ المبيع مع بقاء السلعة، فأوجب مع تلفها، كما لو اختلفا في قدر الثمن بعد تلفها، وتحالفا، وفسخا.
والجواب: أن في ذلك روايتين أيضًا.
وعلى أنه إنما ثبت التحالف هناك لأجل الاختلاف في الثمن والمثمن، وتعذر إنفاذ الحكم لأحدهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، وهذا المعنى موجود بعد التلف، كما هو مع بقائها.
الجزء: 3 - الصفحة: 88
257 -
مسألة
إذا ابتاع ثوبًا من أحد هذين الثوبين، أو من أحد ثلاثةٍ، أو من أحد أربعةٍ، فالعقد فاسد:
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن ابتاع ثوبًا من ثوبين- أو من ثلاثة- على أنه بالخيار، صح العقد، وإن ابتاعه مطلقًا- أو ابتاع ثوبًا من أربعة- على أنه بالخيار، فالعقد فاسد.
وقال مالك: إذا باعه عبدًا من جملة أعبدٍ، أو ثوبًا من جملة ثياب، أو شاة من غنم، وكلها صنف متقارب الصفة غير متفاوت، جاز إذا كان الخيار للمشتري.
ولم يخص ذلك بثوب من ثلاثة، أو عبد من ثلاثة.
دليلنا: أنه مبيع مجهول حال العقد، فلم يصح العقد.
دليله: إذا ابتاع ثوبًا من أربعة، أو ثوبًا من ثوبين، ولما يشترط الخيال.
ولا يمكن منازعة الوصف؛ أنه مجهول؛ لأنه يحتاج إلى تعيين حتى يصير معلومًا، ولهذا لم يصح إذا لم يشترط الخيار، وإذا كان ثوبًا من أربعة؛ لأن الشيء إنما يصير معلومًا من أحد وجهين:
الحديث: 257 - الجزء: 3 - الصفحة: 89
إما بالمشاهدة.
أو بالصفة.
وهذا معدوم هاهنا.
ولا يلزم عليه إذا ابتاع قفيزًا من صبرة؛ أنه يصح من غير شرط الخيار، فعلم أنه معلوم.
فإن قيل: المعنى فيه إن لم يشترط الخيار: أن المبيع مجهول في الحال، ولا يصير معلومًا في الثاني؛ لأنه ليس له الخيار حتى يختار أيهما شاء، فيحصل المبيع معلومًا.
وليس كذاك إذا شرط الخيار؛ فإنه وإن كان مجهولًا في الحال؛ فإنه يصير معلومًا في الثاني عند بطلان الخيار.
قيل له: هذا المعنى موجود في ثوب من أربعة على أنه بالخيار في أن يأخذ أي الأثواب شاء، ومع هذا يبطل البيع.
فإن قيل: لا يمتنع أن يختص هذا المبيع بثلاث ...
بل يجوز الزيادة عليها.
على أن هذا الخيار عند المخالف بعد ثلاثة أيام؛ لأنه إذا مضى ثلاثة أيام أجبر على أن يختار، وخيار الشرط عنده يبطل بمضي الثلاثة، فلم يكن أحدهما بمنزلة الآخر.
الجزء: 3 - الصفحة: 90
فإن قيل: قد ثبت التخيير في الأصول بين ثلاثة أشياء مثل كفارة اليمين، وجزاء الصيد، وفدية الأذى، ولم يثبت بين أربعة أشياء، فلا يمتنع أن يثبت الخيار بين ثوب من ثلاثة، وإن لم يثبت في ثوب من أربعة.
قيل له: قد ثبت عندنا بين أربعة أشياء، وهو: أن الإمام مخير في الأسارى بين أربعة أشياء: القتل، والاسترقاق، والمن، والفداء.
على أن هذا يبطل بمن اشترى ثوبًا من ثلاثة على أنه بالخيار؛ فإنه مخير بين أربعة خيارات؛ لأن له أن يختار كل واحد من الأثواب، وذلك ثلاث خيارات، أو يفسخ البيع، ويختار الثمن، وذلك خيار رابع.
وقياس آخر، وهو: أن كل بيع لا يصح من غير شرط الخيار، لم يصح مع شرط الخيار.
أصله: سائر البيوع الفاسدة.
فإن قيل: إذا كان في العقود ما يصح بتاتًا، ولا يصح مع الخيار، وهو الصرف والسلم، جاز أن يكون فيها ما يصح مع الشرط، ولا يصح مع عدمه.
قيل له: لم كان ذلك؟ وقد علمنا: أن الخيار عذر في عقد البيع، فلا يجوز أن يقال: لما صح العقد مع عدم العذر، يجب أن يصح مع وجوده.
الجزء: 3 - الصفحة: 91
فإن قيل: إذا شرط الخيار زالت الجهالة بفعل المتعاقدين، وإذا لم يشرط ثبتت الجهالة، فلم يصح.
قيل له: إذا ابتاع ثوبًا من أربعة بشرط الخيار زالت الجهالة، ومع هذا لا يصح، مع أنا قد بينا أن الجهالة موجودة.
فإن قيل: المعنى في سائر العقود الفاسدة: أن الحاجة لا تدعو إليها، وليس كذلك هذا العقد؛ لأن الحاجة تدعو إليه، ألا ترى أن ذوات الخدور وأكابر الناس لا يحضرون الأسواق، وقد لا يرضون باختيار الوكلاء؟ فجوز لهم هذا العقد؛ ليتوصلوا به إلى اختيار ما يروه، وسومح فيه بالجهالة.
قيل له: فهذا المعنى موجود في ثوب من أربعة.
وعلى أن هذا يوجب أن يقول: إذا كان الموكل ممن يحضر الأسواق، لا يجوز ذلك في حقه.
وإلا يمكن أن يتوصلوا إلى اختيار ما يريدونه: إما أن يكون مقبوضًا على وجه السوم، أو يعقد الوكيل على كل ثوب عقدًا منفردًا بشرط الخيار.
الجزء: 3 - الصفحة: 92
واحتج المخالف بأن ما يحصل له في هذا العقد، وإن كان مجهولًا في الحال؛ فإنه يصير معلومًا في الثاني عند بطلان الخيار، أشبه العقد على ثوب بعينه على شرط الخيار؛ أنه لا يعلم في حال العقد ما كان يحصل في الثاني، يصير معلومًا عند بطلان الخيار، جاز البيع، كذلك هاهنا.
والجواب: أن المبيع هناك معلوم، وإنما شرط الخيار للفسخ، فلهذا صح، وليس كذلك هاهنا؛ لأن العقود عليه مجهول، فلم يصح، كما لو اشترى ثوبًا من ثوبين بغير خيار، أو ثوبًا من أربعة بالخيار.
وجواب آخر: أن الخيار لو كان بمنزلة التعيين حال العقد، لوجب أن يجوز ذلك في ثوب من أربعة وأكثر بشرط الخيار، كما جاز ذلك في التعيين حال العقد، ولما لم يقل هذا، دل على أنه لا يجري مجراه، ولا يصير المبيع معلومًا.
فإن قيل: التعيين إذا حصل في زمان الخيار كان بمنزلة الموجود حال العقد، ألا ترى أنه إذا باع مئة دينار بغير عينها بألف درهم، ثم عينا، وتقابضا في المجلس، صح العقد، وكان بمنزلة ما لو عينا في حال العقد.
قيل له: يجوز إطلاق العقد في الدراهم والدنانير، فدل على أنه واقع على معلوم، وليس كذلك الثوب؛ لأنه لا يجوز إطلاق البيع فيه، فلم يكن معلومًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 93
واحتج بأن كل عينين جاز بيع كل واحدة منهما بعينها، جاز بيع إحداهما بغير عينها.
أصله: قفيز من صبرةٍ، ومن اختلط عبده بعبد غيره، فباع من مالك لآخر.
والجواب: أنه ليس إذا جاز بيع كل واحد معينًا، جاز بيع أحدهما بغير عينها، كما لو باع ثوبًا من ثوبين، ولم يشترط الخيار، أو باع ثوبًا من أربعة وشرط الخيار؛ فإنه يجوز معينًا، ولا يجوز غير معين.
وعلى أن أجزاء الصبرة متساوية، فإذا عقد على قفيزٍ منها، فهو معلوم، ولهذا لا يفتقر إلى شرط الخيار، ولا يختص بعدد من القفزان، وهذا معدوم هاهنا.
وأما إذا اختلط عبده بعبد غيره، فيحتمل أن لا يصح العقد حتى يقع التمييز.
وبماذا يقع؟
يحتمل أن يقرع بينهم، فيتعين بالقرعة، ثم يبيعه؛ لأنه قد اختلط المستحق بغيره.
ويحتمل أن يقف على المراضاة.
ولو سلمناه، فلا يشبه هذا؛ لأنه لا يجوز البيع بغير خيار، ولا يجوز
الجزء: 3 - الصفحة: 94
بيع عبدين من خمسة.
ولأن الجهالة هناك بغير فعله، فعفي عنها.
وجواب آخر، وهو: أجود ما يقال فيه: أنهما يبيعان العبدين، ويقتسمان الثمن على قيمة العبدين، كما لو قلنا فيه إذا اختلط زيت أحدهما بزيت الآخر، وأحدهما أجود من الآخر: أنهما يبيعان الزيت، ويقتسمان الثمن على القيمة.
واحتج بأنها جملة يجوز بيعها، فجاز بيع بعضها غير معين، كما لو باع بعضها مشاعًا.
والجواب: أن أربعة أثواب يجوز بيها، ولا يجوز بيع بعضها غير معين.
وعلى أنه إذا باع بعضها مشاعًا فهو متعين، ولهذا لا يختص بعدد من العبيد، ولا يفتقر إلى شرط الخيار.
واحتج بأن هذه جهالة لا تمنع صحة الإجازة، فلا تمنع صحة البيع.
وبيان هذا: لو استأجر أرضًا؛ ليزرعها حنطة أو شعيرًا، جاز، أو استأجر دابة؛ ليركبها إلى النهروان، أو إلى عكبراء.
والجواب: أنه إنما يجوز التخيير في ما يتقارب ضرره؛ لأن إطلاق العقد يقتضيه، ولا يجوز فيما يختلف.
الجزء: 3 - الصفحة: 95
ولأنه لو كان الخيار هناك بين أربعة أشياء؛ الحنطة والشعير والذرة والأرز، صح.
ولأنه يبطل باستئجار الظئر بطعامه وكسوته؛ لا تمنع هذه الجهالة الإجارة، وتمنع البيع.
- فصل:
وفي ما ذكرنا دلالة على مالك.
واحتج بأن الثياب إذا كانت صفاتها متقاربة غير متفاوتة، وكانت جنسًا واحدًا، فالغرر يسير يعفى عن مثله.
ولأن البائع قد علم أن المشتري إنما يختار أعلاها وأجود ما فيها، فقد دخلا على أمر معلوم بالعادة.
والجواب عن قوله: (إن البائع قد علم أنه يختار أعلاها) فيبطل إذا كانت أجناسًا، فباعه واحدًا منها؛ فإنه يعلم أن المشتري يختار أعلاها، ومع هذا لا يصح العقد.
وقولهم: (إن الغرر يسير) يلزم عليه إذا شاهد أكثر المبيع، أو وصفه بأكثر صفاته، فإن الغرر يقل، ولا يجوز.
الجزء: 3 - الصفحة: 96
258 -
مسألة
إذا اشترى شيئًا على أنه بالخيار إلى الليل، أو إلى الظهر، أو إلى الغد، فله الخيار إلى أن يطلع الفجر، وإلى أن تزول الشمس، وإلى أن تغرب الشمس في أصح الروايتين:
نص عليها في رواية محمد بن موسى [....] في رجل حلف على شيء أن لا يفعله إلى يوم الفطر، فلما كان يوم الفطر بالغداة فعله: لم يحنث.
فلم يجعل يوم العيد داخلًا في يمينه.
وهو قول الشافعي.
وفيه رواية أخرى: له الخيار إلى الليل كله، وإلى الظهر كله، والغد كله.
نص عليه في رواية أحمد بن صدقة في رجل حلف على شيء أن لا يفعله إلى يوم الفطر، فلما كان يوم الفطر فعله: يحنث.
فجعل يوم العيد داخلًا في يمينه.
وهو قول أبي حنيفة.
وجه الأولى: أن أهل اللغة أجمعوا على أن (من) لابتداء الغاية،
الحديث: 258 - الجزء: 3 - الصفحة: 97
فقال: إذا قالوا: سرت من الكوفة إلى البصرة، فإن معناه: ابتدأت بالمسير من الكوفة، فانتهيت به إلى البصرة.
وإذا كان كذلك، كان ظاهر اللفظ يقتضي أن يكون الخيار ينقطع عند انقضاء النهار، ولا يدخل الليل فيه.
فإن قيل: المفهوم من قولهم: (سرت من الكوفة إلى البصرة): أنه دخل البصرة.
قيل له: لا يفهم ذلك باللفظ، وإنما يفهم بدليل.
وأيضًا فإن ما جعل حدًا ب (إلى) لم يدخل في المحدود بظاهر اللفظ.
دليله: الإقرار والطلاق والتأجيل والثمن والبيع.
وبيان هذا: لو قال: لفلانٍ عليَّ من درهم إلى عشرة؛ أنه يلزمه تسعة ولا يدخل العاشر في الإقرار.
وكذلك إذا قال: أنت طالق من واحد إلى ثلاث؛ أنها تطلق طلقتين، والثالثة لا تقع عليها.
وكذلك إذا قال: بعتك بكذا درهمًا إلى شهر رمضان، لم يدخل رمضان في الأجل.
وإذا قال: من هذا الحائط إلى هذا الحائط لفلان، لم يدخل الحائطان في الإقرار.
وإذا قال: بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط، لم يدخل الحائط.
الجزء: 3 - الصفحة: 98
وإذا قال: لا كلمت فلانًا إلى شهر رمضان، لم يدخل رمضان في اليمين.
ولا يلزم على هذا قوله تعالى: ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]؛ أن المرافق داخلة في المحدود، وإن كانت بحرف (إلى)؛ لقولنا: لم يدخل في المحدود بظاهر اللفظ، وهناك دخلت بدليل، لا بظاهر اللفظ.
فإن قيل: فنحن- أيضًا- لم نقل: إنه يدخل بظاهر اللفظ، وإنما دخل بدلالة شرعية.
قيل له: يجب أن تبين تلك الدلالة.
وإن شئت قلت: مدة مضروبة في عقد بيع، أشبه الأجل، أو مدة ملحقة بالعقد، فكانت (إلى) غاية، كالأجل.
فإن قيل: اليمين مستحق، وإنما تتأخر المطالبة بالتأجيل، ودخول الغاية في الجملة محتمل، فلم يجز تأخير المطالبة المستحقة بالعقد بالشك، وليس كذلك لزوم العقد وانبرامه؛ لأنه إنما يحصل بمضي مدة الخيار.
والغاية فيها احتمال:
فتارة تدخل، كقوله تعالى: ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6].
وتارة لا تدخل كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].
الجزء: 3 - الصفحة: 99
فلم يجز لنا إلزام صاحب الخيار العقد بالشك، وكذلك الطلقة الثالثة، والدرهم العاشر، والحد في الإقرار، إنما لم يدخل ذلك في الجملة؛ لأن الغاية قد تدخل في الجملة تارة، ولا تدخل أخرى، فلم يجز إلزامه درهمًا بالشك، ولا إيقاع طلقة بالشك، ولا إلزام الحد بالشك، كما قلنا في مسألتنا: لا يلزمه العقد بالشك.
وكذلك شهر رمضان لم يدخل في اليمين؛ لأن الغاية محتملة، فلا نثبت عقد اليمين في شهر رمضان بالشك.
قيل له: زمان الغاية ليس بمشكوك فيه؛ لأن الظاهر من الغاية: أنها لا تدخل في الحكم.
وقوله: ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾؛ فإنها تدخل المرافق في الغسل لدليلٍ آخر.
وإذا كان كذلك، لم يكن فيه إزالة اليقين بالشك، بل هو إزالة اليقين باليقين؛ لأن ظاهر اللفظ وحقيقة الكلام بمنزلة اليقين، ويجب ترك الأصل وشغل الذمم بذلك.
وقولهم: (ليس في الأجل إزالة اليقين بالشك) غير صحيح؛ لأن الملك يوجب المطالبة، فإذا أدخله زالت المطالبة في المدة التي تيقنا فيها التأجيل، وفي موضع الغاية وجبت المطالبة لبقاء سببها، وهو الملك، كذلك العقد، فوجب انتقال الملك إلا في مدة الخيار على أصله، وفي الموضع الذي يشك في الخيار يجب أن يثبت الملك، ولا يثبت الخيار؛
الجزء: 3 - الصفحة: 100
لقيام سبب الملك فيه، وهو العقد، فيكون قيام العقد مع الشك في الخيار بمنزلة قيام الملك مع الشك في التأجيل.
فإن قيل: إذا قال: بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط، لم يدخل الحائطان؛ لأن الحدود لا تدخل في المحدود بالعرف، ألا ترى أنهم يقولون: إلى دار فلان، وإلى المسجد، وإلى الطريق.
قيل له: وكذلك الغاية لا تدخل في المحدود شرعًا من الوجه الذي ذكرنا.
واحتج المخالف بما تقدم، وهو: أن الغاية فيها احتمال قد تدخل في الكلام تارة، كالمرافق والكعبين، ولا تدخل أخرى، كالليل مع النهار في الصيام، والعقد لا يتعلق به استحقاق، وإنما ينبرم بمضي مدة الخيار، فلم يجز إلزام صاحب الخيار العقد بالشك.
ويفارق الأجل إلى رمضان؛ لأن الثمن مستحق، وإنما تتأخر المطالبة بالتأجيل، وإذا احتمل أن تدخل الغاية واحتمل أن لا تدخل، لم يجز تأخير المطالبة بالثمن بالشك.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أن الغاية غير محتملة، بل الظاهر منها: أنها لا تدخل في الحكم.
ثم يبطل بالأجل؛ فإن فيه إثبات المطالبة بالشك؛ لأنه لا تدخل
الجزء: 3 - الصفحة: 101
الغاية في الأجل، وفي ذلك إثبات المطالبة بالشك.
ويبطل به إذا قال: إن لم أفعل كذا إلى شهر رمضان فعبده [حر]، فلم يفعل حتى أهل رمضان، عتق العبد، فقد أزال ملكه عن العبد بغاية مشكوك فيها.
فإن قيل: اليمين لا يجوز إثباتها في شهر رمضان بالشك، فإذا لم تثبت اليمين، فوقوع العتق فرع على مضي المدة التي انعقدت اليمين عليها، فاعتبر اليقين في الأصل، وتبعه ما يترتب عليه من وقوع العتق.
قيل: [....].
واحتج بأن الجملة متى كانت منتظمة للغاية وما عداها، فإن دخول الغاية ينفي ما عداها، كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] يتناول العضو إلى المنكب، ألا ترى أن عمار تيمم إلى الآباط بظاهر الآية؟ وكذا قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
كذلك قوله: (على أنه بالخيار إلى وقت الظهر)؛ أن ذلك لإسقاط ما عدا الغاية؛ لأن قوله: (على أنك بالخيار) يقتضي خيارًا مؤبدًا، ولذلك يفسد البيع إذا أطلق، فإذا قال: (إلى وقت الظهر)، فإنما ذكر
الجزء: 3 - الصفحة: 102
الغاية لإسقاط ما عداها.
ومتى دخلت على جملة لا تنتظم الغاية وما عداها، فإنما تدخل للتحديد، كقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]، وأراد به النهار.
فلما لم تنتظم هذه الجملة الليل كان قوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] للتحديد، فلم يدخل في الجملة، كما لا يدخل حد الدار في الدار.
والجواب: أنها لإسقاط ما عداها وإسقاطها- أيضًا- بدليل: الإقرار والطلاق والتأجيل واليمين، وقد بينا ذلك.
وما استشهدوا به من قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فلم نقل: إن تلك الغاية دخلت في الجملة بمقتضى اللفظ، وإنما دخلت بدليل آخر، وهو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدلك الماء على مرافقه، وقال: (ويل للأعقاب من النار).
...
259 -
مسألة
يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث:
نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد في الرجل يبيع، ويجعل
الحديث: 259 - الجزء: 3 - الصفحة: 103
للمشتري الخيار شهرًا: فجائز.
قال أبو بكر في كتاب (التنبيه): يجوز شهرًا، وسنة.
وبهذا قال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، وداود.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز شرطه أكثر من ثلاث.
وقال مالك: يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث إذا احتيج إلى ذلك في اختيار المبيع، فإن لم يحتج إليه لم يجز.
دليلنا على جواز الزيادة عليه في الجملة: عموم قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1].
وقول - صلى الله عليه وسلم -: (المؤمنون عند شروطهم).
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لكل مؤمن شرطه).
وأيضًا فإن الخيار مدة ملحقة بالعقد، فجاز أن يزيد على الثلاث.
دليله: الأجل في الثمن.
فإن قيل: الأجل في الثمن لا ينافي موجب العقد؛ لأن لكل واحد منهما التصرف في العوض، وليس كذلك الخيار؛ لأنه ينافي موجب العقد، وهو التصرف؛ لأن المشتري ممنوع منه حال الخيار، فجاز أن يمنع من كثيره، ولا يمنع من كثير الأجل.
الجزء: 3 - الصفحة: 104
قيل له: حبس المبيع في يد البائع ينافي المقصود، ومع هذا لا يتقدر بالثلاث عندك، وكذلك خيار المجلس ينافي، ولا يتقدر، وكذلك المدة في السلم تنافي المقصود، وتجوز أكثر من ثلاث.
وعلى أن ما تدعو الحاجة إليه يصح شرطه- وإن نافى- كالثلاث، وما زاد عليه قد تدعو الحاجة إليه؛ فإنه ليس كل البيع يختبر في ثلاث.
وقياس آخر، وهو: أنه خيار معلوم في عقد بيع، فصح.
دليله: الثلاث.
فإن قيل: الثلاث في حكم القلة، فجاز أن يعفى عنها، وليس كذلك ما زاد عليها؛ لأنه في حكم الكثرة، فجاز أن يمنع منها؛ لما فيها من كثرة الغرر.
قيل له: فالزيادة على الثلاث في الأجل في حكم الكثرة، ومع هذا تجوز، وكذلك السنة في حق العنين، والأربعة أشهر في حق الموتى، ومع هذا يجوز، وكذلك شرط الأجل في المسلم فيه زيادة على الثلاث يجوز، وإن كان في حكم الكثرة.
فإن قيل: لا يمتنع أن يجوز ذلك في الثلاث، ويتقدر به، وإن لم يجز في ما زاد عليه بدليل: مدة المسح في حق المسافر، وخيار التصرية، وجعلت مدة لانتظار العذاب بقوله تعالى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 65].
قيل له: وقد يتعلق الحكم بزيادة على ذلك من الوجه الذي ذكرنا
الجزء: 3 - الصفحة: 105
من مدة العنة، والإيلاء، وأكثر الحيض، وأكثر النفاس، والأجل في الثمن، والسلم.
وقياس آخر، وهو: أنه خيار للفسخ، فجاز أن يزيد على الثلاث.
دليله: خيار المجلس، وخيار الرد بالعيب.
فإن قيل: خيار المجلس ثبت شرعًا، فجاز أن يزيد على الثلاث.
قيل له: خيار التصرية ثبت شرعًا، ولا يزيد على ثلاث، والأجل في الثمن [يثبت] شرطًا، ويزيد على الثلاث، فلم يصح الحكم في الأصل والفرع.
فإن قيل: خيار المجلس لا يطول بينهما في العادة، فلا يكثر الغرر فيه.
قيل له: وكذلك خيار الشرط لا يشترط في العادة زيادة على الثلاث، فإذا شرط فهو نادر، فيجب أن يجوز، كما تجوز الزيادة على العادة في المجلس.
فإن قيل: خيار العيب لا يمنع المقصود بالعقد؛ لأنه لا يمنع جواز التصرف في المبيع، وهذا بخلافه.
قيل: قد أجبنا عن هذا في ما تقدم.
فإن قيل: خيار الرد بالعيب يقف على العلم به؛ لأنه متى علم به، فلم يطالب بالفسخ سقط حقه.
الجزء: 3 - الصفحة: 106
قيل له: إلا أنه لو علم بالعيب بعد سنة كان له الخيار، ولم يتقدر خيار الفسخ بالعيب بالثلاث.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن الغرر.
وبيع الخيار غرر؛ لأنه متردد بين الصحة والبطلان.
والجواب عن هذا: ما تقدم في مسألة بيع الأعيان الغائبة بالصفة، وبينا أن الغرر ما كان الغالب منه عدم السلامة، كبيع الآبق، والجمل الشارد، والسمك في الماء، والطير في الهواء، وهذا معدوم هاهنا.
واحتج بما روي أن حبان بن منقذ كانت بلسانه لوثة، وكانت قد أصابته آمة في رأسه، فكسرت لسانه، ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة، ولا يزال يغبن، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك، فقال: (إذا بايعت فقل: لا خلابة، ثم أنت في كل سلعة تبتاعها بالخيار ثلاث ليالٍ، فإن رضيت فأمسك، وإن سخطت فردها على صاحبها).
وعاش ثلاثين ومئة سنة إلى زمان عثمان، فكان يبتاع، ويغبن، ويرد السلع على أصحابها، ويقول: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعلني بالخيار ثلاثًا،
الجزء: 3 - الصفحة: 107
فكان يمر الرجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيقول للتاجر: ويحك إنه صدق! إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان جعله بالخيار ثلاثًا.
قالوا: فوجه الدلالة من الخبر من وجهين:
أحدهما: أن حبان بن منقذ كان أحوج الناس إلى ثبوت الخيار له، فلما لم يجعل له النبي - صلى الله عليه وسلم - خيارًا أكثر من ثلاث، دل على أن ذلك لا يجوز.
والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حد الخيار بالثلاث، والحد إما أن يفيد المنع من الزيادة، أو المنع من النقصان؛ لأنه لابد أن يتعلق به فائدة، فلما لم يفد حده المنع من النقصان، أفاد المنع من الزيادة.
والجواب: أن الخبر مطرح الظاهر بدليل: أنه جعل له الخيار في الفسخ من غير شرط، وليس هذا لغيره، وكان الشرط فيه: أنه نهاه عن البيع، فلم ينته، ولم يكل الخيار إلى اختياره؛ لأنه لم يكن من أهله، فقدره في حقه حفظًا لماله، وخصه بالثلاث؛ لأن العادة أنه يختبر في مثله، فعلق الحكم على الغالب، وإن جازت الزيادة عليه، كخيار المصراة؛ علقه الثلاث لأن الغالب: أنها تختبر في ذلك، وإن جازت الزيادة عليه؛ لأنه لو لم تظهر التصرية إلا بعد الثلاث ملك الفسخ.
وكذلك علق الاستجمار بالثلاث، وإن جازت الزيادة عليه إذ لم يحصل الإنقاء بذلك، وجاز النقصان- أيضًا- إذا كان الحجر كبيرًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 108
وفي هذا جواب عن قولهم: إن التقدير إذا لم يفد النقصان منع الزيادة.
واحتج بأن الخيار معنى يمنع المقصود بالعقد، فإذا شرطه مع استغناء العقد عنه، يجب أن لا يصح.
أصله: إذا قال: بعتك على أن لي الخيار متى شئت.
وبيانه: أن القصد من البياعات الأرباح، وثبوت الخيار يمنع من ذلك؛ لأنه لا يمكن التصرف فيه.
ولا تدخل عليه مدة الثلاث؛ لأن الحاجة تدعو إليه.
والجواب: أنه لا يمنع المقصود من الوجه الذي ذكرنا، وهو: أنه قد لا يختبر المبيع في الثلاث، ويحتاج إلى زيادة [على] ذلك، والقصد من الخيار الاختبار، فلا نسلم أنه يمنع المقصود.
ثم يبطل هذا بخيار المجلس، وحبس المبيع، والأجل في السلم؛ فإن ذلك يمنع المقصود، ومع هذا تجوز الزيادة على الثلاث.
ثم المعنى في الأصل: أنها مدة مجهولة، وهذا خيار معلوم، أشبه الثلاث.
الجزء: 3 - الصفحة: 109
واحتج بأنها مدة قدرها الشرع بالثلاث، أشبه مدة المسح، [....] والصوم في كفارة اليمين، وخيار التصرية.
والجواب: أنا لا نسلم أن الشرع قدرها بالثلاث، والذين يذهبون إليه من حديث حبان فقد تكلمنا عليه.
ثم يفسد بالأحجار؛ قدرها الشرع بالثلاث، ومع هذا فتجوز الزيادة عليه.
ويبطل- أيضًا- بخيار المصراة، مقدرة بالثلاث، وتزيد عليه.
ولأن ما قدر الشرع لا يجوز الزيادة عليه، وإن زاد على الثلاث، كمدة العنة والإيلاء والحمل ونحوه، فلا معنى لقولهم: قدره بالثلاث.
ثم الكفارة من جنسها ما يزيد على الثلاث.
وأما مدة المسح فلأنها ضربت لأجل المشقة، ولا تلحق المشقة في ما زاد على الثلاث.
وأما خيار التصرية فعندهم يجوز أن يزيد على الثلاث.
واحتج بأنه خيار يزيد على الثلاث يمنع استقرار العقد، فلم يصح.
أصل ذلك: إذا قال: لي الخيار متى شئت.
والجواب: أنه يلزم عليه خيار الرد بالعيب، وخيار المجلس،
الجزء: 3 - الصفحة: 110
والمدة في عقد السلم، وحبس المبيع في يد البائع على قبض الثمن، جميع ذلك يمنع الاستقرار، ويجوز أن يزيد على الثلاث.
ثم المعنى في الأصل: أنه خيار مجهول، فلهذا لم يصح، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه خيار معلوم في عقد بيع، فصح:
أصل ذلك: الثلاث.
*فصل:
والدلالة على مالك في اعتبار ما يختبر المبيع فيه: ما تقدم من عموم الآية والأخبار.
ولأنه خيار معلوم أشبه ما يختبر بمثله.
ولأنه لو ابتاع شيئًا يختبر مثله في ساعة بشرط الخيار ثلاثًا صح، فلو كان ذلك موقوفًا على قدر ما يختبر في مثله لم يجز شرط الثلاث؛ لأنه لا حاجة به إليه، فلم يصح.
والجواب: أن هذا يوجب أن لا يصح شرط الثلاث في بيع يستغني عنه.
الجزء: 3 - الصفحة: 111
260 -
مسألة
إذا اشترى سلعة، وشرط: أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما، فالبيع جائز:
نص عليه في رواية عبد الله في الرجل يشتري من الرجل الشيء، ويشترط عليه: إن لم يعطه الثمن في يوم كذا، أو ساعة كذا، فلا بيع لك: فهو جائز، ويرجع عليه في بيعه.
وكذلك نقل ابن منصور عنه في رجل باع شيئًا، وقال: إن لم تحمله غدًا، فلا بيع بيني وبينك: فهو على شرطه.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: البيع باطل.
دليلنا: أن هذا بمنزلة شرط الخيار؛ لأنه علق الإجازة والفسخ بفعله، وهو أن ينقد الثمن في الثلاث، فيصح البيع، أو يترك نقده حتى تمضي الثلاث، فيفسخ البيع، فإذا كانت إجازته وفسخه متعلقين على فعله أشبه البيع بشرط الخيار، وقد ثبت جوازه بالسنةِ، كذلك هذا.
ولأنه نوع عقد فجاز أن ينفسخ بتأخير القبض عن زمان، كالصرف والسلم.
ولا يمكن القول بموجبه في بيع الطعام بالطعام؛ لأن التعليل لبيع الأعيان التي لا ربا فيها، ولأن بيع الطعام بالطعام يمكن أن يكون أصلًا لعلتنا أيضًا.
الحديث: 260 - الجزء: 3 - الصفحة: 112
واحتج المخالف بأن هذا يؤدي إلى تعليق البيع على الخطر؛ لأن تقديره: إذا نقد الثمن إلى ثلاثة فسأبايع، وإن لم ينقد لم يكن بينهما بيع، والبيع لا يتعلق على الخطر، ألا ترى أنه لو علقه بدخول الدار، وبقدوم زيد، لم يجز.
وليس كذلك شرط الخيار؛ لأن البيع غير معلق فيه على الخطر؛ لأن البيع واقع صحيح، والخيار مشروط للفسخ.
والذي يدل على أن هذا مفارق لشرط الخيار: أن هاهنا ينفسخ البيع بمضي الثلاث إذا ترك نقد الثمن في الثلاث، وشرط الخيار يتم البيع بمضي الثلاث.
والجواب: أن العقد واقع في الوضعين، وليس واحد منهما معلقًا على الخطر، بل إجازته وفسخه يتعلقان على قوله؛ أما الجواز في مسألتنا فمعلق على نقد الثمن في الثلاث، وفسخه معلق على ترك الفسخ في الثلاث، وفسخه يتعلق على رده البيع في الثلاث، وجميعه فعله، فلا فرق بين الموضعين.
ولو جاز أن يقال: إن العقد في مسألتنا معلق على الخطر، لجاز أن يقال ذلك في شرط الخيار.
واحتج بأن قوله: (إن لم ينقدني، فلا بيع) تعيق الفسخ بالصفات، وذلك لا يصح، كما لو قال: بعتك بشرط الخيار، فإن قدم زيد، فلا خيار.
الجزء: 3 - الصفحة: 113
والجواب: أن هذا موجود في شرط الخيار، وأنه علق الفسخ بصفة، وهو: انقضاء مدة الخيار، ومع هذا فالعقد صحيح.
واحتج بأن العقد الذي يجوز تعلقه بخطر، وهو الوكالة، لا يقف فسخه على خطر، فالعقد الذي لا يتعلق على خطر أولى أن لا يقف فسخه على خطر.
والجواب: أنه يبطل بشرط الخيار.
وعلى أن عقد الوكالة لما سوغ تعليقه بالخطر لم يسامح بدخول الخطر في فسخه، والبيع لما ضيق حكم عقده حتى لا يجوز تعليقه بالخطر سومح في فسخه.
يبين صحة هذا: أن النكاح لما لم يتعلق ابتداؤه بخطر، جاز أن يتعلق رفعه بخطر، وهو الطلاق.
...
261 -
مسألة
إذا اشترى جارية على أنه بالخيار ثلاثة أيام، فلمسته الجارية في مدة الثلاث لشهوة، وأقر المشتري أنها فعلت ذلك، لم يبطل خياره:
أومأ إليه أحمد في رواية أبي الصقر عن رجل اشترى جارية، له فيها الخيار يومًا، أو يومين، فانطلق بها إلى بيته، فغسلت رأس المشتري،
الحديث: 261 - الجزء: 3 - الصفحة: 114
وغمزت رجليه، [أو طحنت له]، أو خبزت: لم يكن مستوجبًا حتى يبلغ منها ما لا يحل لغيره، فيبطل خياره، فإن مشطها، أو خضبها، أو حفها، بطل خياره؛ لأنه وضع يده عليها.
فقد نص على أن مسها إياه بتغميز رأسه ورجليه لا يبطل خياره، وأبطل ذلك بمسه إياها.
وقال أبو حنيفة: يبطل خياره.
دليلنا: أن الخيار حق للمشتري، فلا سبيل لها إلى إبطاله، ألا ترى أنها لو رضيت بالقول لم يبطل خياره، كذلك إذا لمسته.
ولأن لمسها معنى لو وجد من جهتها إلى البائع، لم يكن فسخًا للبيع، فإذا وجد منها إلى المشتري، لم يكن له إمضاء.
دليله: الخدمة من جهتها.
واحتج المخالف بأن الفعل الذي يتعلق به بطلان الخيار لا يختلف وجوده من جهته، أو من جهتها، ألا ترى أنه لا فرق بين أن تشج نفسها، أو يشجها هو في أن خياره يبطل في الحالتين جميعًا، كذلك اللمس بشهوة.
والجواب: أن لنا في ذلك روايتين:
إحداهما: أن جنايته عليها وجنايتها على نفسها لا تمنع الرد.
فعلى هذا: لا يصح القياس.
والثانية: تمنع.
الجزء: 3 - الصفحة: 115
وفيها ضعف, فعلى هذا: إذا شجت نفسها، فقد فات خدمتها، فلزمه ذلك الجزء، [فلما] لزمه ذلك لزمه الباقي.
وليس كذلك اللمس؛ لأنه لا يوجب فوات جزء منها، ولا حدوث عيب بها، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج بأن بطلان الخيار حكم يتعلق باللمس والنظرة، فوجب أن لا يختلف وقوعها من جهتها، أو من جهته في تعلقه بها، كالتحريم لما كان حكمًا يتعلق بها، لم يختلف وقوعه من جهتها أو من جهته، ألا ترى أنها لو قبلته لشهوة حرمت على أبيه وابنه، كما لو قبلها، أو لمسها، كذلك هاهنا.
والجواب: أنه إنما كان وجود ذلك من جهة المشتري مبطلًا لخياره؛ لأنه دليل على الرضا منه، وهو مالك للرضا بالعقد، وليس كذلك وجوده من جهتها؛ لأنه ليس فيه دلالة على وجود الرضا بالعقد، وليست مالكة للرضا بالعقد.
ويفارق هذا تحريم المصاهرة؛ لأنها لو لمست البائع ثبت تحريم المصاهرة، ولم يكن ذلك فسخًا للعقد، كذلك لا يمتنع أن يثبت التحريم هاهنا، ولا يكون ذلك مبطلًا لخيار المشتري.
الجزء: 3 - الصفحة: 116
262 -
مسألة
إذا شرط الخيار، وسكتا عن ضرب مدته، بطل البيع في أصح الروايتين:
قال في رواية ابن منصور في الرجل يبيع البيع بشرط، ولا يسمي أجلًا: فلا يعجبني حتى يسمي يومًا أو يومين.
وهذا قول أبي حنيفة والشافعي.
وفيه رواية أخرى: يصح، ويكون لهما الخيار أبدًا.
نقله ابن منصور في موضع آخر في من اشترى شيئًا بالخيار، ولم يسم إلى متى: فله الخيار أبدًا، أو يأخذه.
قال مالك: البيع صحيح، ويضرب للسلعة من المدة ما تختبر في مثلها في العادة.
دليلنا: أنها مدة مضروبة في عقد بيع، فإذا كانت مجهولة، وجب أن تقع باطلة.
دليله: الأجل في الثمن، والأجل في عقد السلم.
واحتج المخالف بأن قدر ما يحتاج إليه مقرر في العرف فإذا سكتا عنه، فقد دخلا في العرف فيه، فصح.
والجواب: أن الخيار لا تقف مدته على العرف بدليل: أنه لو كان مثله يختبر في ساعة، فشرط الخيار ثلاثًا، صح.
الحديث: 262 - الجزء: 3 - الصفحة: 117
وإذا كان كذلك فمتى شرطا خيارًا مطلقًا، فليس هناك عرف مستقر يرجع إليه؛ لأنه قد يقدر مدة، فيطالبه صاحبه بزيادة عليها، أو نقصان منها.
فإن قيل: أليس خيار المجلس وخيار الرد بالعيب مدته مجهولة، ويصح؟ كذلك خيار الشرط.
قيل له: هناك ثبت شرعًا، وهذا ثبت شرطًا، وفرق بينهما، ألا ترى أن مدة قبض المسلم فيه لما استفيدت بالشرط، لم يصح أن تكون مجهولة؟ ومدة قبض الأعيان المبيعة لما لم تكن متعلقة بالشرط، صح أن تكون مجهولة، كذلك هاهنا.
...
263 -
مسألة
إذا شرطا أجلًا مجهولًا، أو خيارًا مجهولًا، فالعقد باطل، وإن اتفقا على إسقاطه قبل مضي جزء من المدة المجهولة:
نص على ذلك في الشرط الفاسد، فقال في رواية أحمد بن الحسين في من اشترى ثوبًا إن جاز عنه، وإلا رده: لم يجز، وإن باعه بربح، لم يعجبني أن يطيب له الربح.
الحديث: 263 - الجزء: 3 - الصفحة: 118
ونص- أيضًا- في المزارعة: إذا شرط فيها شرطًا فاسدًا، بطلت من أصلها.
ورواية أخرى: الشرط باطل، والعقد صحيح لا يعتر اتفاقهما على إسقاطه.
قال في رواية عبيدالله بن محمد الفقيه: إذا ابتاع جارية، واشترط عليه أن لا يبيع، ولا يطأ: البيع جائز، والشرط باطل.
وقال- أيضًا- في رواية ابن منصور: إذا استأجر بيتًا إذا شاء أخرجه، وإذا شاء خرج، فقد وجب بينهما إلى أجله.
وقال أبو حنيفة: إن اتفقا على إسقاطه قبل مضي جزء من المدة المجهولة صح العقد.
وكذلك عندهم إذا شرط خيار أربعة أيام، ثم أسقط قبل اليوم الرابع.
وقال الشافعي: العقد باطل، ولا تلحقه الصحة، كالرواية الأولى.
دليلنا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيعٍ وشرطٍ.
والنهي يدل على فساد المنهي عنه في عموم الأحوال، وعندهم هو فاسد إذا أسقطاه صح.
والقياس أنه عقد فاسد، وجب أن لا تلحقه الصحة بإسقاط ما أفسده.
دليله: إذا باع درهمًا بدرهمين، ثم اتفقا على إسقاط أحدهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 119
ولا يلزم عليه إذا تزوج الحربي خمسًا، ثم أسلم، فاختار أربعًا؛ أن عقده صحيح؛ لأنا لا نحكم بفساده في الأصل، بل نقول: إنه واقع صحيحًا في الجميع، ويعين أربعًا بينهن بالاختيار.
والدلالة على صحته في الجميع: أنه لو طلق الخمسة قبل أن يختار ثلاثًا، لم يكن له أن يعقد على واحدة منهم إلا بعد زوج، ولو أخر الاختيار لزمه نفقة جميعهن.
ولا يلزم عليه إذا حكم به حاكم؛ أنه يصح؛ لقولنا: فلم تلحقه الصحة بإسقاط ما يفسده، وهناك لحقته بحكم الحاكم.
فإن قيل: الدرهم الذي تعلق به فساد العقد ليس بمعين، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فلم يصح إسقاطه.
قيل له: الفساد تعلق بالزيادة على ما في مقابلة الدرهم؛ لأن التماثل في الوزن مستحق في الذهب والفضة، فإذا سقطت الزيادة فقد أسقط ما تعلق به الفساد؛ لأن الفساد تعلق بزيادة غير معينة في الظاهر والباطن، فإذا سقطت فقد زال ما أوجب الفساد، ألا ترى أن في الابتداء لو بيع درهم بأحد الدرهمين صح البيع، ولم يكن ربا.
فإن قيل: الفساد هناك داخل في نفس العقد، وفي مسألتنا في شرط
الجزء: 3 - الصفحة: 120
ملحق به، فإذا أسقط الشرط بقي العقد عاريًا عن المعنى الموج لفساده، فصح.
قيل له: الفساد في البدل وفي الأجل سواء بدلالة تأثيرهما في العقد الفساد.
وقياس آخر، وهو: أن كل ما لو لم يتفق المتبايعان على إسقاطه لم يصح، كذلك وإن اتفقا على إسقاطه.
دليله: إذا مضى جزء من المدة.
فإن قيل: إذا مضى جزء من المدة لم يمكن إسقاط الماضي من المدة، فتمكن ذلك الفساد في العقد، فبقي بحاله، وقبل مضي جزء من المدة لم يتمكن الفساد، فأمكن إسقاطه.
قيل له: هذا باطل على أصله إذا شرط الخيار أربعة أيام، فأسقط الزيادة في اليوم الثالث؛ فإنه يصح العقد عنده، وإن كان قد مضى جزء من المدة لا يمكن إسقاطه.
فإن قيل: تلك المدة لا توجب فساد العقد، فلهذا مضيها لم يوجب فساده، وليس كذلك الزيادة على الثلاث؛ فإن الفساد بها يحصل، فإذا مضى جزء منها تمكن الفساد.
قيل له: إذا شرطا خيار أربعة أيام، فالكل فاسد عنده، ولا يصح
الجزء: 3 - الصفحة: 121
أن يقال: إن الفاسد منها خيار اليوم الرابع دون الثلاثة؛ لأن من مذهبه إذا شهد شاهدان؛ أحدهما بألف درهم، والآخر بألفين: أنه لا يحكم بشهادتهما بألف، ويزعم أنهما شاهدان مختلفان، وإن كان في ضمن الألفين ألف؛ لأن لفظة الألفين ليست بعبارة عن ألف بحال.
ويحتج أصحابه على هذا بأن من قال: في الدار ثلاثة رجال، وكان فيها رجل واحد؛ أنه كاذب في جميع خبره، ويقولون: إذا قال النصراني: الله ثالث ثلاثة؛ أنه كاذب في جميع خبره، ولا يجوز أن يقول: إنه صادق في واحد، كاذب في اثنين.
فإذا كان هذا مذهب المخالف لم يصح أن يقول: إنه من شرط خيار أربعة أيام كان الشرط صحيحًا في ثلاث، فاسدًا في الزيادة، بل يجب أن يكون فاسدًا في الجميع.
فإذا كان كذلك لم يكن فرق بين إسقاط الزيادة في اليوم الرابع، وبين إسقاطها في الثالث.
وأيضًا فإنهما تفرقا عن فساد بيع، فوجب أن لا تلحقه الصحة.
أصله: إذا تفرقا في الصرف والسلم قبل القبض.
فإن قيل: المعنى فيه: أن الافتراق حصل عن دين بدين، وهذا
الجزء: 3 - الصفحة: 122
المعنى لا يمكن رفعه من العقد، وفي مسألتنا افترقا عن خيار صحيح وفاسد، وإسقاط الخيار ممكن، فإذا أسقطاه قبل تمكنه صار كأن لم يكن.
قيل له: لا فرق بين أن يكون الصرف عينًا بعين أو دينًا بدين في البطلان.
وعلى أنه لا فرق بين أن يكون جميع الخيار فاسدًا لأجل جهالته في جميع الأجل، وبين أن يكون بعضه فاسدًا وبعضه صحيحًا، فلا معنى لهذا الكلام.
واحتج المخالف بأن المعنى الذي لأجله كنا نحكم بفساد البيع هو الأجل والخيار، فإذا أسقطاه قبل مضي جزء منه عري العقد منه، وحصل العقد عاريًا عن المعنى الموجب لفساده، فصح، كما لو وقع العقد في الابتداء من غير شرط الخيار.
ولا يلزم عليه إذا اشترى عبدًا على أن يعتقه، أو على أن لا يبيعه؛ لأنه لا فرق ينهما؛ فإنهما إذا أسقطاه بعد ذلك صح العقد.
والجواب: أنه لا يصح إسقاطه عندنا؛ لأن الأجل والخيار غير ثابت، ويفارق الخيار الصحيح في الأجل الصحيح؛ لأنه ثابت، فصح إسقاطه، وهذا كما نقول: إن الثمن في البيع الفاسد لا يصح إسقاطه،
الجزء: 3 - الصفحة: 123
والإبراء منه؛ لأنه غير ثابت، ويصح إسقاط الثمن في البيع الصحيح؛ لأنه ثابت.
ثم هذا يبطل إذا أسقطا أحد الدرهمين.
واحتج بأنه شرط ملحق بالعقد، فجاز إسقاطه.
دليله: إذا كان الخيار معلومًا.
والجواب: أنا قد بينا: أنه ليس هاهنا شرط ثابت، فيلحقه الإسقاط.
ثم المعنى في الأصل: أن الخيار هناك صحيح، والأجل صحيح، فصح إسقاطه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه فاسد، فهو كما لو أسقطاه بعد مضي جزءٍ منه.
واحتج بأنه شرط ملحق لا يقتضيه العقد، فجاز أن تتعلق بالعقد أحكام الصحة، كالبيع بشرط الصحة.
والجواب: أن وصف العلة ضد المقتضي؛ لأن ما لم يقتضيه العقد يمنع صحته.
وعلى أن المبيع بشرط العتق مضمون بالثمن، فلهذا تعلق به أحكام الصحة، وهذا بيع فاسد، أشبه بيع درهم بدرهمين.
*فصل:
والدلالة على من قال من أصحابنا بصحة العقد، وإبطال الشرط،
الجزء: 3 - الصفحة: 124
وإن لم يبطل: نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع وشرط، والنهي يقتضي الفساد.
ولأنه عقد معاوضة شرط فيه شرطًا فاسدًا، فأبطله، كالسلم والصرف.
ولأن إسقاط الشرط يؤدي إلى جهالة الثمن؛ لأنه يحتاج أن يسقط من الثمن ما قابل الشرط؛ لأنه إنما نقصه من الثمن لأجل الشرط.
وهذا يلزم عليه إذا ابتاع بشرط البراءة بطل الشرط، وصح العقد بالمسمى، وإن كان الشرط قد قابله جزء من الثمن.
وكذلك إذا ابتاع حرًا وعبدًا صح العقد في العبد بقسطه من الثمن، وبطل في الحر، وسقط ما قابله من الثمن، ويبقى العبد بقسطه، وإن كنا نعلم أنه لو ابتاعه بقيمته لم يصح العقد، وقد صح هاهنا.
واحتج من ذهب إلى جواز العقد بحديث بريرة، وأن عائشة شرطت الولاء لمواليها؛ يعني: لما اشترت بريرة، فأجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - العقد، وأبطل الشرط.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون الشرط تقدم العقد، أو كان مقارنًا للعقد، لكن عائشة كانت مخصوصة بجواز ذلك الشرط، وكان نهيه عن ذلك راجعًا إلى غيرها من الناس.
وقد قال أحمد في رواية الأثرم: كان قد تقدم من النبي - صلى الله عليه وسلم - القول
الجزء: 3 - الصفحة: 125
فيه فتقدم [....] على نهي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان هذا تغليظًا.
ويأتي الكلام على هذا الخبر في مسألة البيع الفاسد إذا اتصل به القبض.
واحتج بأنه عقد ليس من شرطه القبض في المجلس، أشبه النكاح، لا يبطله الشرط الفاسد.
والجواب: أن الشرط الفاسد في النكاح على ضربين:
أحدهما: يفسد النكاح رواية واحدة، وهو الشرط الذي يمنع استقرار العقد، وأن يطلقها في وقت بعينه، أو شرط يوجب التشريك في البضع، كنكاح الشغار، فهذا الضرب يبطل النكاح.
والضرب الثاني: ما لم يوجد فيه شيء من ذلك، مثل أن تشرط عليه أن لا يطأها في وقت، أو تمنعه الولد، أو يشترط عليها أن لا ينفق عليها، ولا يصدقها، وإن أصدقها رجع فيه، ويشترط هو عليها أن لا يطأها، فقال أبو بكر في كتاب (المقنع): فيها قولان:
أحدهما: النكاح فاسد أيضًا؛ لأنه شرط، فأشبه الشرط الأول.
والثاني: أنه صحيح؛ لأن النكاح يصح على المجاهيل، وهو مهر المثل، فلم يبطله الشرط، كالعتق والطلاق، ويفارق هذا البيع؛ لأنه لا يصح مع الجهالة، فلهذا أبطله الشرط.
الجزء: 3 - الصفحة: 126
واحتج بأنه عقد تمليك، فلا تبطله الشروط الفاسدة.
دليله: العمرى.
والجواب: أن ذلك الشرط على غير العاقد، وهم الورثة؛ لأن هذا الشيء كان يصير إليهم بعد موته، والشرط إذا كان على غير العاقد لم يبطل العقد، كما لو قال: بعتك هذه الدار على أن لا ينتفع بها فلان.
...
264 -
مسألة
إذا شرطا الخيار لأحدهما، فاختار فسخ العقد بغير محضرٍ من الآخر جاز:
وهذا على قياس قوله: إذا وجد بالمبيع عيبًا ملك الرد بغير حضرته، وكذلك الوصي يعزل نفسه بعد موت الموصي، والوكيل يعزل نفسه من الموكل.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
دليلنا: ما روى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه جعل لحبان ابن منقذ ثلاثة أيام، فإن رضي أخذ، وإن سخط ترك.
ولم يفرق بين أن يكون بحضرة صاحبه، أو غيبته، فهو على عمومه.
الحديث: 264 - الجزء: 3 - الصفحة: 127
وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من اشترى شاة مصراة فهو بخير النظرين ثلاثًا؛ إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها).
فجعل له ردها في الثلاث، ولم يفرق بين الحضور وعدمه.
والقياس: أن من لا يعتبر رضاه في رفع العقد، لا يعتبر حضوره قياسًا على الزوجة في الطلاق.
ولا تلزم عليه الإقالة؛ لأنها لما افتقرت إلى رضا المقيل، افتقرت إلى حضوره.
ولا يلزم عليه حضور الزوجة في مجلس اللعان، وإن لم يعتبر رضاها؛ لأنه يجوز لعان الزوج في غيبةٍ من المرأة.
فإن قيل: المعنى في الطلاق: أنه يقتضي إسقاط حق الزوج عن البضع، فلهذا لم يحتج إلى حضور المرأة، كالبراءة من الدين؛ لا تحتاج إلى حضور الذي عليه الدين، وليس كذلك البيع؛ فإنه يتعلق به حق كل واحد من المتعاقدين، فلا يجوز لأحدهما إسقاط حق صاحبه إلا بحضرته.
قيل: أما النكاح فيتعلق به حق كل واحد من الزوجين.
يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228].
الجزء: 3 - الصفحة: 128
ولأنه إذا طلقها قبل الدخول بها سقط نصف المهر، وزال سبب وجوب نفقتها في المستقبل، وذلك إسقاط لحقها.
وكذلك الرجعة تصح في غيبتها، وهو يسقط حقها؛ لأنها جارية في العدة، وتملك نفسها بانقضائها، كما يملك كل واحد من المتبايعين بانقضاء مدة الخيار، وتصح الرجعة في غيبتها، ويسقط حقها.
وأيضًا فإنه فسخ بيع في مدة خيار، فصار كما لو فسخ بحضرة صاحبه.
ولأن ما كان فسخًا للبيع بحضور أحد المتبايعين، كان فسخًا في غيبة الآخر.
دليله: وطء البائع وقبلته للأمة في مدة الخيار في غيبة من المشتري.
فإن قيل: الوطء والقبلة لم يجعلا للفسخ، وإنما ينفسخ البيع بهما من طريق الحكم، فلم يعتبر حضور المشتري، وليس كذلك قوله: فسخت البيع، ورددته، وأبطلته؛ فإنه موضوع للفسخ، فلم يصح إلا بحضور المشتري.
قيل له: ما لم يجعل للفسخ، إذا انفسخ به البيع في الحالين، فالذي وضع للفسخ أولى بذلك، ألا ترى أن الكتابة لما وقع بها الطلاق مع القصد والنية، كان وقوعه بالصريح الذي وضع للإيقاع به أولى؟ وإذا صحت الفرقة بالردة، كانت بالطلاق أولى، وإذا صحت الرجعة بالوطء، كانت باللفظ الصريح أولى.
الجزء: 3 - الصفحة: 129
واحتج المخالف بأن فيه فسخ البيع بغير محضرٍ من صاحبه، فوجب أن لا يجوز، كما لو قال أحدهما: أقلني، ثم غاب، فقال الآخر بعد غيبته: أقلتك؛ فإنه لا يجوز.
ولا يلزم عليه إذا كان البائع بالخيار، فأعتق، أو قبل؛ أن البيع ينفسخ، وإن لم يكن الآخر حاضرًا؛ لأن العتق والقبل ليسا بفسخ، وإنما ينفسخ البيع بعد القبل ونفاذ العتق من طريق الحكم.
[....] أنه يجوز أن يقول في غيبته: أقلتك، ويصح ذلك إذا كان على الفور، فلو كان واقفًا عند باب داره، فقال له: (أقلني)، ثم أطبق الباب في وجهه، فقال: (أقلتك) في الحال، صح، وإن لم يكن مشاهدًا له.
[....] نقيسه عليه إذا تطاول الزمان بالغيبة.
[....] هناك بطل بالإعراض، وهو أخذه في الغيبة، لا بالغيبة، ولهذا لو كان حاضرًا، فتشاغل بعمل آخر، ثم أقاله، لم يصح.
وقد قيل: إنه بطل بالتأجير، لا بالغيبة، ولهذا نقول: لو كان حاضرًا، وقال له: أقلتك، وهو سمعه بعد زمان متراخٍ لم يصح.
وعلى أنه يبطل بعتق البائع وقبله؛ فإنه فسخ، وينفذ بغير حضور.
الجزء: 3 - الصفحة: 130
وعلى أن الإقالة يعتبر فيها رضا البائع، فلهذا اعتبر حضوره، وهاهنا لا يعتبر رضاه.
واحتج بأن المشتري قد تعلق له بالعقد له بالعقد حق، وهو حصول الملك بمضي المدة، وجواز التصرف فيه، كما أن المودع قد تعلق له حق بالوديعة، وهو إمساكها، ثم اتفقوا أنه لا يجوز للمودع إبطال حق المودع بقوله: (قد فسخت الوديعة، وأبطلت حقه عن إمساكها) بغير محضرٍ منه، كذلك يجب أن لا يجوز للبائع إبطال حق المشتري بقوله: (قد فسخت البيع، وأبطلته) بغير محضر من المشتري.
ولا يلزم عليه إذا استهلك البائع المبيع في يده؛ أنه يبطل حق المشتري، وإن لم يكن حاضرًا؛ لأن الاستهلاك ليس بفسخ، وإنما ينفسخ به البيع من طريق الحكم.
[....] أنه يبطل النكاح؛ فإنه يتعلق [به] حق الزوجين، ويصح طلاق الزوج في غيبة الزوجة، وكذلك وطء البائع الجارية المبيعة في مدة الخيار وقبله في غيبة المشتري.
وعلى أنا لا نسلم الأصل؛ لأن الوديعة تنفسخ، وتبطل بالفسخ والعزل عن الإمساك، وإن كان في غيبة المودع، وإذا بلغه لزمه ردها عليه على حس الإمكان، ولا يجوز له إمساكها.
الجزء: 3 - الصفحة: 131
[....] لو كانت قد انفسخت لكانت إذا هلكت في يد المودع يجب عليه ضمانها.
[....] الوديعة تنفسخ، ويبقى الشيء على الأمانة في يده إلى أن يتمكن من ردها، ألا ترى أنه لو كان المودع حاضرًا، ففسخ الوديعة، انفسخت، وبقيت على الأمانة إلى أن يفرط في ردها، فلو قام المودع في الحال إلى موضع الوديعة؛ ليردها عليه، فوقع الحريق، فاحترقت قبل وصوله إلى موضعها، لم يجب عليه ضمانها.
واحتج بأن المشتري قد ثبت له حق جواز التصرف بالعقد متى مضت المدة، كما ثبت للمضارب والوكيل والشريك جواز التصرف في المال، ثم ليس لرب المال أن يفسخ المضاربة والشركة والوكالة بغير محضر من الآخر، كذلك هاهنا.
[....] أنا لا نسلم هذا ونقول يجوز لرب المال أن يفسخ المضاربة والشركة والوكالة غير محضرٍ من الآخر.
واحتج بأنا نفرض المسألة في الرد بالعيب، وأنه ليس للمشتري أن يفسخ بغير حضور البائع، ولا حكم الحاكم، فنقول: كل من ثبت له الخيار في فسخ العقد لأجل العيب، لم يتم الفسخ به وحده، واعتبر
الجزء: 3 - الصفحة: 132
في حال وقوعه حضوره وحضور غيره، كخيار امرأة العنين؛ أنه يحتاج إلى حضورها، وحضور الحاكم.
والجواب: أن خيار امرأة العنين يختلف في تعلق الفسخ بها في الجملة، فمنهم من لا يرى ذلك، فافتقر
ذلك إلى الحاكم؛ لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس كذلك فسخ البيع بالخيار والعيب؛ لأنه مجمع عليه
في الجملة، وإن اختلف في مواضعه، فلم يعتبر فيه رضا ولا قضاء، كخيار المطلقة.
...
265 -
مسألة إذا ابتاع شيئًا وشرط الخيار لغيره صح؛ سواء شرط الخيار لنفسه، وجعله وكيلًا له في الإمضاء والرد، أو شرطه للوكيل دونه، إلا أنه إن شرطه لنفسه، وجعله وكيلًا، كان له دون الوكيل، وإن شرطه للوكيل، كان الخيار لهما:
وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا قال لرجل: زوجتك بنتي إن رضيت أمها، وهي صغيرة، لا أرى شيئًا وقع بعد حتى ترضى أمها.
وظاهر هذا: أنها إذا رضيت صح، ولزم العقد، وهذا خيار لغير العاقد.
الحديث: 265 - الجزء: 3 - الصفحة: 133
وقال أصحاب أبي حنيفة: يصح، ويكون لهما.
وقال أصحاب الشافعي: إن شرطه له، وجعله وكيلًا في الإمضاء والرد صح وجهًا واحدًا، وإن شرطه للوكيل فعلى وجهين:
أحدهما: لا يصح.
والثاني: يصح.
وهل يكون للوكيل، أو لهما؟ على وجهين.
والدلالة على أنه إذا شرطه لنفسه، وجعله وكيلًا في الإمضاء والرد يصح: أنه إذا جاز أن يكون وكيلًا في أصل البيع، جاز أن يكون وكيلًا في الخيار، بل هذا أولى.
والدلالة على أنه يصح إذا كان لغيره: أنه خيار مستفاد بالشرط، وكان لمن شرط له.
دليله: لو شرطاه لأحد المتبايعين؛ فإنه يكون له، كذلك هاهنا.
والدلالة على أنه يكون لهما: أنه إذا ثبت بهذا الدليل أنه يكون لمن شرط له، وجب أن يكون للموكل أيضًا؛ لأن هذا فرعه، وعنه ملك، فاستحال أن يكون للوكيل زيادة على موكله.
[و] احتج من منع صحته للوكيل بأنه لا يصح أن يملكني ملك
الجزء: 3 - الصفحة: 134
غيري، ويملك ملكي بغير أمري.
والجواب: أنه ملكه بأمره.
وعلى أنه يلزم عليه إذا جعل الخيار لأحدهما.
واحتج بأن خيار الشرط لينظر كل واحد من المتبايعين الحظ في الفسخ والإمضاء، وهذا يستحيل أن يكون لمن لا حظ له فيه، وإنما يكون له الحظ.
والجواب: أنه يكون لمن له الحظ، أو من يقوم مقامه، وهذا الوكيل قائم مقامه، فيجب أن يصح، كما صح التوكيل في أصل العقد، وإن كان القصد بالعقد طلب الحظ.
...
266 -
مسألة إذا اشترى رجلان من رجلٍ عبدًا على أنهما بالخيار ثلاثة أيامٍ، فرضي أحدهما، كان للآخر أن يرد نصيبه خاصة على قياس قوله: إذا اشترى رجلان عبدًا، فوجدا به عيبًا، فرضي أحدهما، كان للآخر أن يرد نصيبه خاصة:
نص عليه في رواية ابن القاسم في من اشترى ثوبًا بينه وبين آخر، فوجد به عيبًا، فرضي أحدهما، ولم يرض الآخر: فإن شاء أخذ أرش الثوب بقدر حصته، وإن شاء رد نصفه على البائع.
وهو قول الشافعي.
الحديث: 266 - الجزء: 3 - الصفحة: 135
وقال أبو حنيفة: ليس له أن يرد نصيبه.
دليلنا: أنه رد جميع ما ملكه بالعقد بخيار الشرط، فجاز له ذلك من غير رضا البائع.
دليله: إذا اشتريا صفقتين.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن البائع فرق الصفقة فيها، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن البائع لم يفرق الصفقة في النصفين، وإنما جمع بينهما، وخرج جميع العبد من ملكه صفقة واحدة، فلم يجز تبعيضها في الفسخ.
قيل له: بيعه من اثنين تبعيض للصفقة، لأن ذلك بمنزلة أن يقول: بعتك النصف بكذا، وبعتك النصف الآخر بكذا، أو قوله: (بعتكما) بنيته على الاختصار قائم مقام تكرار اللفظ، وكان بيعه من أحدهما غير بيعه للآخر.
فإن قيل: لو كان في حكم الصفقتين، لجاز أن يقبل البيع في نصيبه دون الآخر، كما يجوز ذلك في الصفقتين.
قيل له: يجوز ذلك.
ويبين صحة هذا، وأنهما في حكم الصفقتين: أنه لو اشترى رجلان من رجل شقصًا في دار، جاز للشفيع أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر، كما لو اشترياه في صفقتين، فدل على أن شراء الاثنين من
الجزء: 3 - الصفحة: 136
واحد- وإن كان صفقة واحدة- في حكم الصفقتين.
فإن قيل: إنما يجوز أن يأخذ أحدهما دون الآخر؛ لأنه ليس فيه تفريق الصفقة على واحد.
قيل له: قد بينا أنه هو المبعض للصفقة، فجرى مجرى ما لو أفرد كل واحد منهما بالعقد.
واحتج المخالف بأنه خرج العبد عن ملك البائع صفقة واحدة، فلا يجوز رد بعضه إليه إلا برضاه، كما لو كان المشتري واحدًا.
والجواب: أنا لا نسلم: أنه خرج صفقة واحدة، وإنما هو صفقتان من الوجه الذي ذكرنا.
وأما إذا كان المشتري واحدًا، فلم يرد جميع ما ملكه بالعقد، وهاهنا قد رد جميع [ما] ملكه بالعقد بخيار الشرط، أشبه إذا اشترياه صفقتين.
واحتج بأن خيار الشرط يمنع تمام الصفقة، فلو جاز لأحدهما أن يرد نصيبه خاصة، لكان فيه تفريق الصفقة على البائع في الإتمام، وهذا لا يجوز، ألا ترى أنه لو أوجب في عبدين لم يجز للمشتري أن يقبل البيع في أحدهما دون الآخر، كذلك هاهنا.
والجواب: أنا قد بينا: أن البائع فرق الصفقة على نفسه.
وأما إذا أوجب في عبدين لواحد، فقبل في أحدهما، لم يصح؛ لأنه قبل في بعض ما أوجبه العقد، فمثاله: أن يرد بعض ما ملكه بالعقد، فلا يجوز.
الجزء: 3 - الصفحة: 137
واحتج بأن العبد خرج من ملك البائع صفقة واحدة غير معيبٍ بالشركة، فلا يجوز رد بعضه إلى ملكه معيبًا بالشركة إلا برضاهما، كما لو كان المشتري واحدًا، ووجد به عيبًا، لم يجز له أن يرد بعضه، كذلك
هاهنا.
قالوا: والشركة عيب؛ لأنه ينقص الثمن عند التجار في العادة، ولهذا نقول: لو تزوج امرأة على دار، فاستحق بعضها، كان لها أن ترد الباقي لأجل الشركة؛ لأجل أنها عيب.
والجواب: أن البائع هو الذي بعض الملك على نفسه حيث باعه من نفسين؛ لأنه يعلم أن الذي يؤول إليهما مبعض، إلا أن هناك يؤول مبعضًا في وقتين، وهاهنا في وقت واحد.
وأما إذ كان المشتري واحدًا فلأن عقد البيع في الأصل لم يتضمن التفريق، فأما المشتريان فالملك تفرق
عليهما بأصل العقد.
...
267 -
مسألة
خيار الشرط لا يورث:
نص عليه في رواية الأثرم وابن منصور.
الحديث: 267 - الجزء: 3 - الصفحة: 138
وهو قول أبي حنيفة وداود.
وقال مالك والشافعي: يورث.
دليلنا: أنه مدة ملحقة بالعقد، أو مدة مضروبة في البيع، فوجب أن تبطل بالموت، كالأجل.
فإن قيل: هذا لا يصح على أصلكم؛ لأن حنبلًا وأبا الحارث وابن ثواب نقلوا عن أحمد: أن الأجل لا يبطل بالموت.
قيل له: ونقل ابن منصور عنه: إذا أفلس لم يحل دينه بالموت أحرى أن يحل دينه.
فعلى رواية ابن منصور القياس صحيح، وعلى رواية غيره- أيضًا-: إذا لم يوثق الورثة، كان لصاحب الدين المطالبة في الحال.
فإن قيل: الأجل حق للمشتري، وفي تبقيته بعد موته ضرر على الميت وعلى ورثته:
أما على الميت فلما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وإن نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)، رواه أبو هريرة.
وأما على ورثته؛ فإنه لا يجوز تصرفهم في التركة.
فلذلك سقط بالموت.
الجزء: 3 - الصفحة: 139
قيل له: أما دخول الضرر على الميت فغير مؤثر في ذلك؛ لأنه لو مات، وعليه دين مؤجل، وتركته دين مؤجل له على غيره، لا تركة له غيرها؛ فإن الميت لا ضرر عليه في بقاء الدين الذي عليه؛ لأنه غير مطالب به؛ إذ لا تركة له ليستوفى منها الحال؛ لأن تركته مؤجلة، ومع هذا فالدين الذي عليه حال.
وعلى أن الضرر إنما يدخل على الميت عند محل الأجل، فأما قبل المحل، فلا ضرر عليه؛ لأنه غير مطالب به، ألا ترى أنه في حال الحياة لا يطالب به قبل الأجل.
وأما دخول الضرر على الورثة، فلا يصح؛ لأنه لو كان الدين على بعض الورثة مؤجلًا، فإن له في ذلك فائدة في تأخيره عليه، فكان يجب أن تتأخر المطالبة.
على أن الشيء إذا كان موروثًا انتقل إلى الورثة، وإن استضروا به، كما ينقل العبد المقطوع اليدين والرجلين، والتراب الموضوع في ملك الغير، فيلزم الوارث نقله.
وعلى أن للورثة في الأجل فائدة، وهو أن يتأخر بيع التركة، ولا يتعجل في الحال، فتتغير أسعارها.
ولأنا نلزمهم جواز تصرف الورثة، لو بقي الأجل، كما أن الولي يتصرف في الحساب المأذون له إذا كان عليه دين مؤجل.
فإن قيل: الموت يوجب نقل الدين إلى التركة، ولو بقي الأجل
الجزء: 3 - الصفحة: 140
لبقي في الأعيان، وتأجيل الأعيان لا يصح، ألا ترى أنه لو قال: بعتك هذا العبد على أن أسلمه بعد شهر، لم يصح قبل الذي عليه.
قيل له: لو كان كذلك لبطل الرهن بدين الميت؛ لأن الحق انتقل إلى العين، والرهن بالأعيان لا يصح، دل على بطلان هذه الطريقة.
ولأن المدين لو لم يترك إلا دينًا على وارثه سقط الأجل، وإن كان يثبت في دين، ولا يتعلق بعين.
ولأن الموت يسقط التأجيل من طريق الحكم، فسقط الخيار.
دليله: انقضاء مدة الخيار ومدة الأجل.
وقياس آخر، وهو: أنه حق ليس فيه معنى المال والوثيقة، فجاز أن [لا] ينتقل إلى الوارث.
دليله: خيار القبول والإقالة والوكالة والمضاربة.
ولا يلزم عليه إذا اشترى عبدًا على أنه خباز، فوجده بخلاف ذلك؛ لأن هذا الخيار فيه معنى المال بدلالة: أنه لو لحقه عيب عند المشتري، رجع بنقصان ذلك.
وكذلك خيار الرد بالعيب فيه معنى المال؛ لأنه معوض عنه بمال، وينتقل إلى الأرش ند تعذر الفسخ.
وهذه أجود طريقة في المسألة، لكن يلزم عليها حد القذف إذا
الجزء: 3 - الصفحة: 141
طالب به الميت؛ أنه يورث، وليس [فيه] معنى المال، وقد احترزنا عنه بقولنا: فجاز أن لا ينتقل إلى الوارث، فإذا كان التعليل للجواز لم تلزم عليه أعيان المسائل.
ويجاب عنه بجواب آخر: أنه إذا طالب بالحد قبل الموت ما انتقل إلى الوارث، وإنما يستوفى بحكم المطالبة من الميت، فنظيره في مسألتنا: أن يختار، ثم يموت.
فإن قيل: المعنى في خيار القبول والإقالة: أنه حق غير ثابت بدلالة: جواز الرجوع عنه، وخيار الشرط ثابت.
قيل له: ملك الموهوب له غير ثابت بدلالة: أن للواهب الرجوع، ومع هذا لا يورث، وملك البضع والأجل وعقد الكتابة ثابت، ولا يورث.
فإن قيل: خيار القبول يبطل بالافتراق، والموت أعظم من الافتراق، وخيار الشرط لا يبطل بالافتراق.
قيل له: خيار المجلس يبطل بالافتراق، ولا يبطل بالموت عندكم، والأجل لا يبطل بالافتراق، وكذلك النكاح، ومع هذا يبطل بالموت.
وعلى أن خيار القبول إنما بطل بالافتراق؛ لأنه يدل على الإعراض، والميت لم يوجد منه إعراض، فكان يجب أن يبطل خياره.
فإن قيل: إنما لم يكن للوارث أن يقبل البيع أو الإقالة؛ لأن من شرط القبول أن يوجد عقيب الإيجاب، فإذا مات المشتري قبل القبول،
الجزء: 3 - الصفحة: 142
ووارثه غائب عن المجلس، تراخى القبول، فلم يجز.
فإن قيل: قد قال أصحابنا: إنه يجوز.
قيل له: هذا خلاف الإجماع، ثم هذا فاسد؛ لأن البائع إنما أوجب البيع لزيد، وكيف يجوز أن يقبله عمرو؟ ولو جاز هذا لجاز أن يقبله الأجنبي، وهذا ظاهر الفساد.
وقد قال أحمد في رواية إسحاق بن هانئ: لا تجوز معاقدة الأب إلا بشهودٍ وقبول الزوج، وقوله: (قد قبلت)، ولا يجوز قوله: (قد قبلت) بعد وفاة الأب.
وإن شئت قلت: إنما جعل له الخيار ليرتئي؛ فيأخذ المبيع، أو يرده، والرأي لا يورث بدليل: خيار القبول، وخيار الإقالة؛ فإن الوارث لا يقوم مقام المشتري في الرأي في القبول في الشراء وفي الإقالة.
وكذلك المضارب والشريك لا يقوم الوارث مقام الميت في ما جعل إليه من الارتياء في التصرف، والامتناع منه.
ولا يلزم عليه خيار العيب؛ لأن الوارث ليس يرث الرأي، وإنما يرث بدل جزء فائت، [قد] أخذه البائع، ولم يسلم الجزء بإزائه، فيطالب البائع، كما يطالب بسائر ديونه، [و] خيار الشرط ليس هناك
الجزء: 3 - الصفحة: 143
إلا الرأي، والرأي لا يورث.
وقياس آخر، وهو: أن كل من ثبت له خيار من جهة الشرط؛ فإنه لا ينتقل إلى وارثه.
دليله: إذا خير رجلًا في طلاق زوجته، فمات قبل إيقاع الطلاق؛ فإنه لا ينتقل إلى وارثه.
وكذلك الوكيل بالبيع إذا شرط الخيار، ثم مات، لم ينتقل إلى وارثه.
وكذلك إذا شرط الخيار للأجنبي، فمات، لا ينتقل إلى ورثته.
ولا يلزم عليه إذا اشترى عبدًا على أنه كاتب، أو خباز، فلم يجده على الصفة المشروطة؛ لأن هذا الخيار لم يثبت من جهة الشرط، وإنما ثبت بعدم الصفة المستحقة، فهو كخيار العيب.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الخيار ثبت من جهة الوكالة، والوكالة تبطل بالموت، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لم يثبت من جهة الوكالة.
قيل له: خيار القبول يثبت للمشتري من غير جهة الوكالة، وكذلك خيار الرجوع في الهبة، ومع ذلك فلا ينتقل الخيار في الأصل الذي قسنا عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 144
فإن قيل: إنما لم ينتقل الخيار إلى وارث الوكيل، لأنه حق متعلق بالبيع، والمبيع لا ينتقل إليه، فلا ينتقل الحق المتعلق به، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن المبيع ينتقل إلى وارث المشتري، فيجب أن يتعلق الحق المتعلق به.
قيل له: هذا يبطل بالبائع والمشتري إذا كانا بالخيار، وماتا جميعًا؛ أن المبيع ينتقل إلى ورثة أحدهما، والخيار ثبت لورثة كل واحد منهما، فينقل الخيار إلى من لا ينتقل إليه المبيع، فبطل أن يقال: إن وارث الوكيل لا ينتقل إليه الخيار.
ويبطل- أيضًا- بخيار القبول في البيع وفي الإقالة.
وقياس آخر، وهو: أنه حق فسخ ثبت لا لفوات معنى، فلا يورث، كالرجوع في الهبة.
فإن قيل: الرجوع في الهبة ثبت للأب لفضيلته، وهذا المعنى لا يوجد في وارثه.
قيل له: فلو وهب الجد لابن ابنه، ثم مات، فورثه الأب، لم يجز له الرجوع مع وجود الفضيلة.
وهذه الطريقة أجود الطرق، والاعتماد عليها.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: (من ترك كلا أو دينًا فعلي، ومن ترك مالًا أو حقًا فلورثته).
الجزء: 3 - الصفحة: 145
والخيار حق من الحقوق.
والجواب: أنا نقول: أثبتوا أنه قد ترك الخيار حتى يدخل تحت الظاهر؛ فإن عندنا أن خياره يبطل بموته.
وعلى أنا نحمله على الديون ونحوها بما ذكرنا.
واحتج بأن الموت معنى يزيل التكليف، فوجب أن لا يقطع الخيار، كالجنون والإغماء.
والجواب: أن الإغماء لا يزيل التكليف عندنا.
وعلى أنه لا يجوز اعتبار الموت بالجنون والإغماء؛ لأن خيار الوكيل يبطل بموته، ولا يبطل بالجنون والإغماء، وكذلك خيار الرجوع في الهبة، وكذلك الشركة والوكالة والمضاربة والنكاح والكتابة.
واحتج بأنة خيار ثابت في بيع، فجاز أن يقوم الوارث فيه مقام مورثه.
دليله: خيار العيب.
والجواب: أنه لا تأثير لقوله: (في بيع)؛ لأن الإجارة والصلح والصداق والخلع سواء.
وربما قالوا: خيار ثابت في عقد معاوضة محضة، فقام الوارث مقامه فيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 146
دليله: خيار الرد بالعيب.
وفيه احتراز من خيار القبول والإقالة؛ لأنه غير ثابت، ألا ترى أن لصاحبه أن يبطله بأن يرجع في الإيجاب.
وقوله: (معاوضة محضة) احتراز من المكاتب؛ أنه بالخيار، ثم إذا مات بطل خياره؛ لأن الكتابة ليست بمعاوضة محضة.
وربما قالوا: خيار ثابت لفسخ معاوضة لا يبطلها الموت، أشبه خيار العيب.
ولا تلزم عليه الكتابة؛ لأنه يبطلها الموت.
وربما قالوا: خيار ينفرد به كل واحد من المتبايعين، فجاز أن يقوم الوارث فيه مقام مورثه، كالعيب.
وفيه احتراز من خيار القبول والإقالة؛ لأن كل واحد منهما لا ينفرد هـ، ألا ترى أن لصاحبه أن يمنعه من القبول بأن يرجع في الإيجاب، وخيار الثلاث ينفرد به كل واحد منهما؛ لأنه ليس لصاحبه أن يمنعه منه، كخيار العيب.
والجواب: أن هذه الأصناف تبطل بخيار الوكيل؛ أنه ثابت في عقد معاوضة محضة، ولا تبطل تلك المعاوضة بالموت، وينفرد به كل واحد من المتبايعين، ومع هذا لا يقوم الوارث مقامه.
وتبطل بخيار الإقالة؛ فإنه ثابت، ويبطل بالموت.
الجزء: 3 - الصفحة: 147
وليس إذا ملك إبطاله لم يكن ثابتًا بدليل: حق الرجوع في الهبة، وإذا كان الخيار لهما أيضًا؛ فإنه ثابت، وإن ملك إبطاله.
وعلى أن خيار العيب آكد؛ لأنه يثبت في الصرف والسلم والنكاح، ولا يثبت خيار الشرط.
ثم المعنى في خيار العيب: أن فيه معنى المال؛ لأن العقد اقتضى تسليم المعقود عليه صحيحًا، فإذا سلمه معيبًا، فقد حبس جزءًا من المبيع، وقد أخذ بدل ذلك الجزء، ولم يكن مستحقًا له، فجعل للمشتري التوصل إلى استدراك ذلك الجزء، فإذا مات قبل وصوله إليه، قام وارثه مقامه في التوصل إليه، كما يقوم مقامه في سائر أمواله وديونه.
ويبين صحة هذا: أن للمشتري أن يصالح البائع عن ذلك الجزء على مال، كما يجوز أن يصالح عن سائر الديون، فلو لم يكن فيه مال، وكان بمنزلة خيار الشرط، لما جاز الصلح عنه على مال، [كما] لا يجوز الصلح عن خيار الشرط.
ويبين صحة هذا: أنه متى تعذر رده بالهلاك أو نحوه، ثبتت المطالبة بالمال، وهو الأرش، ولو لم يكن هناك إلا الخيار لما ثبتت المطالبة بالمال عند تعذر الرد، كما لا تثبت في خيار الشرط.
فإن قيل: ما يأخذه من الأرش ليس في مقابلة الخيار، وإنما هو في مقابلة الجزء الفائت.
قيل له: إلا أنه إنما استحق الأرش عندك عند فوات الخيار، وليس
الجزء: 3 - الصفحة: 148
هذا المعنى موجودًا في خيار الشرط؛ لأنه لو فات بانقضاء مدته لم يستحق به مال بحال.
وجواب آخر، وهو: أن خيار الرد بالعيب غير موروث، وإنما ثبت للورثة ابتداء، ألا ترى أنه لو مات المشتري قبل قبض المبيع، وحدث بالمبيع عيب في يد البائع، ثبت الخيار للورثة ابتداء؛ لأن المشتري له الخيار في حياته، فلا يجوز أن يكون موروثًا.
فإن قيل: لا يجوز أن يثبت للورثة خيار الرد بالعيب؛ لأنهم لم يملكوا المبيع بالعقد، وإنما يثبت الرد لمن ثبت له العقد.
وأما حدوث العيب بعد موت المشتري؛ فإنما يثبت للوارث حق الرد؛ لأنه يثبت للمشتري؛ لأنه مضمون على البائع بعقد البيع، فصار ما حدث من العيب كأنه موجود حال العقد، ويثبت للمشتري، وانتقل إلى الورثة ميراثًا، كما نقول: إن من حفر بئرًا في طريق المسلمين، ثم مات، فوقع فيه إنسان، أو بهيمة فماتت، وجب الضمان على الميت، وتعلق بميراثه بمنزلة وجوده في حال الحياة؛ لوجود السبب الذي تعلق به الضمان في حال الحياة.
قيل له: فخيار القبول سبب في ثبوت الملك، وقد وجد في حال
الجزء: 3 - الصفحة: 149
حياته، ومع هذا لا يورث، وكذلك خيار الإقالة.
واحتج بأن الخيار من حقوق الملك، ومن ورث شيئًا ورثه بحقوقه، كما لو ورثوا دارًا ورثوها بحقوقها، وكذلك لو ورثوا دينًا، وبه رهن، ورثوه بحقه، وهو إمساك الرهن.
والجواب: أنا لا نسلم أن الخيار من حقوق الملك، بل هو من حقوق العقد، كالأجل.
ثم يبطل ما قالوه بمن أوصى بخدمة عبده؛ أن الملك ينتقل إلى الورثة، ولا تنتقل لهم حقوق الملك من المنافع.
واحتج بأن الخيار شرط لينظر كل واحد ما له فيه الحظ، وهذا المعنى موجود في الوارث.
والجواب: أن الوكالة عقدت لحظ الموكل، وورثته يحتاجون إلى هذا الحظ، ولا يثبت لهم.
وكذلك المضاربة وخيار الإقالة أثبته البائع لحظ المشتري، ووارثه يحتاج إلى هذا المعنى، ولا يثبت له.
واحتج بأن الخيار حق لازم يتعلق بعينٍ، لا يبطل بموت المستحق عليه، فوجب أن لا يبطل بموت المستحق.
دليله: الرهن.
الجزء: 3 - الصفحة: 150
والجواب: أن هذا باطل بالكتابة على أصلهم؛ فإنها لازمة من جهة المولى، ولا تبطل بموته، وتبطل بموت
المكاتب.
وإذا تزوج أمة غيره؛ أن حق الزوج لا يبطل بموت المستحق عليه، وهو المولى، ويبطل بموت المستحق.
فإن قيل: الأمة يستحق عليها، ويبطل بموتها.
قيل له: الأمة لا تملك شيئًا، فيستحق عليها، وإنما الملك للمولى، فالاستحقاق يقع عليه.
ولو جاز أن يقال ذلك في النكاح لجاز أن يقال في الرهن إذا كان المرهون أمة: إن المستحق عليه الأمة، ويبطل بموتها.
ثم الرهن فيه معنى المال، فلهذا لم يبطل، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه حق ليس فيه معنى المال، أشبه خيار
القبول والإقالة، ولهذا قلنا في خيار القصاص والكفالة: لا يبطل؛ لأن فيه معنى المال، وهو الانتقال إلى
الدية وإلى ذمة الكفيل.
واحتج بأنه لو طالب بالخيار قبل الموت، ومات؛ فإنه يورث عنه، كذلك إذا لم يطالب.
والجواب: أنه لو طالب برد الهبة، ومات، ملك وارثه المطالبة بالعين، ولو مات قبل ذلك لم يملك.
واحتج بأن عقد البيع باقٍ، وزمان خيار الشرط باقٍ، ولم يوجد
الجزء: 3 - الصفحة: 151
ممن له الخيار رضًا بتركه، فوجب أن يكون الخيار باقيًا.
أصله: إذا كان من له الخيار باقيًا.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يوجد ممن له الخيار رضا، ويسقط خياره، كما لو أعتق الآخر إذا كان الخيار لهما.
ويبطل به إذا كان الخيار للمشتري، فحدث نده عيب في مدة الخيار؛ فإنه يبطل خياره.
ثم نقلبه فنقول: فلا نثبت الخيار لمن لم يثبت له بالعقد، كما لو كان العقد باقيًا.
ثم المعنى في الأصل: أنه لم يحدث ما يسقط التأجيل حكمًا، فلم يسقط الخيار حكمًا، وفي مسألتنا الموت يسقط التأجيل من طريق الحكم، وكذلك يسقط خيار الشرط.
واحتج بأن الخيار لعقد الصفة المشروطة إذا ورث، فالخيار المشروط أولى بذلك؛ لأن الصفة تثبت بالشرط، ولولا الشرط لم تثبت الصفة بمطلق العقد، وثبت الخيار بفقدها، فالخيار الذي يثبت بالشرط من غير واسطة أولى بالتأكيد والتبقية بعد الموت.
والجواب: أن ذلك الخيار لم يثبت شرطًا، وإنما ثبت بعدم الصفة المستحقة فهو كخيار العيب.
والذي يبين صحة هذا: أنه لو حدث في المبيع ما يمنع الرد، كان له الرجوع بأرش ذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 152
واحتج بأن خيار الشرط إذا ثبت فهو حق من حقوق البيع متعلق بعين المبيع، فوجب أن يورث.
أصله: التمسك بالمبيع حتى يستوفي الثمن، ووجوب التسليم إذا استوفاه، وخيار الرد بالعيب، وخيار فقد الصفة.
والجواب: أنا لا نسلم أنه من حقوق البيع، وإنما هو معنى عارض يجوز أن يوجد في البيع، ويجوز أن لا يوجد في البيع.
ولا نسلم- أيضًا- أنه متعلق بعين المبيع، وإنما يثبت به فسخ العقد في المبيع، فهو كخيار الإقالة.
فأما الإمساك والتسليم فهي موجبات البيع، فتجري مجرى الملك، فتثبت لوارث المتبايعين.
وأما الخيار بفقد الصفة فهو خيار العيب؛ لأن الشرط أوجب كون البيع على صفة، فيجب الخيار بعدمها.
...
268 -
مسألة
إذا مضت مدة الخيار، ولم يكن من مشترطه رد ولا إجازة حكم عليه بنفس مضي المدة:
وقال مالك: لا يحكم عليه.
دليلنا: أن الخيار مدة ملحقة بالعقد، فيجب أن ينقضي بانقضاء المدة.
الحديث: 268 - الجزء: 3 - الصفحة: 153
دليله: الأجل في الثمن.
ولأنه خيار لفسخ بيع، فلم يقف إبطاله على وجود قولٍ من جهته، كخيار الرد العيب والمجلس.
وقد قيل: إن المسألة مبنية على أصل، وأن الخيار عندنا مشروط للفسخ إذ العقد بغير شرط يقتضي الإجازة [....]، فوجب أن يكون شرط الخيار فائدة، وما له إلا الفسخ.
واحتج المخالف بأن مدة الخيار إنما ضربت لحقه، لا لحق عليه، فلم يلزم الحكم بنفس مضيه، وكذلك العنين.
والجواب: أنه يبطل بالأجل؛ فإنه ضرب لحق من عليه الدين، ثم يلزمه الحكم بنفس مرورها.
ثم المعنى في العنة والإيلاء: أنها فرقة متعلقة بسبب من جهة الزوج، فافتقرت إلى قول، وهذا فسخ بيع.
واحتج بأن العقد كان موقوفًا على الإجازة، فإذا انقضت المدة فقد عدمت الإجازة.
[والجواب: ...].
الجزء: 3 - الصفحة: 154
269 -
مسألة
إذا تقدم القبول على الإيجاب لم ينعقد البيع سواء كان القبول بلفظ الماضي مثل أن يقول: ابتعت منك بكذا، أو كان بلفظ الطلب، فقال: بعني بكذا، وكذلك النكاح في إحدى الروايتين:
نقلها مهنا عنه في من قال لرجل: بعني هذا الثوب بدينار، فقال: قد فعلت، لا يكون هذا بيعًا حتى يقول الآخر: قد قبلت.
وهو اختيار أبي بكر ذكره في كتاب (الشافي)، وقال: هذا مثل رجل قال لرجل: زوجني بنتك، فقال: قد فعلت، فلابد من قبوله للنكاح.
وفيه رواية أخرى: يصح البيع، ولا يصح النكاح، ولا فرق- أيضًا- في ذلك بين لفظ الماضي أو الطلب.
نص عليه في رواية علي بن سعيد النسوي في الرجل يقول للرجل: بعني هذا بكذا، فيقول البائع: هو لك، جائز وقد تم البيع، فإن قال: زوجني ابنتك، فقال: قد زوجتك، ففي النكاح يقول: قد قبلت؛ النكاح أشد.
قال أبو حنيفة: إذا تقدم القبول على الإيجاب في عقد النكاح صح، وإن تقدم في لفظ البيع نظرت؛
فإن كان بلفظ الماضي صح.
وإن كان بلفظ الطلب والأمر لم يصح.
الحديث: 269 - الجزء: 3 - الصفحة: 155
وقال مالك والشافعي: يصح في البيع والنكاح سواء كان بلفظ الماضي، أو بلفظ الطلب.
والكلام في ثلاثة فصول:
أحدها: أن البيع لا ينعقد على الرواية المشهورة.
والثاني: مع أبي حنيفة في فرقه بين البيع والنكاح.
والثالث: على الرواية التي تحكم بصحة البيع؛ لا فرق بين لفظ الماضي والطلب خلافًا لأبي حنيفة.
والدلالة على أن البيع لا يصح في الجملة خلافًا لمالك والشافعي: أن القبول تقدم الإيجاب في عقد يلحقه الفسخ، فلم يصح.
دليله: لو تأخر الإيجاب عن القبول ساعة، وهما في مجلس العقد.
فإن قيل: المعنى هناك: أن الإيجاب لو تقدم وتأخر القبول عنه هذه المدة لم يصح، كذلك القبول إذا تقدم وتأخر الإيجاب.
قيل: لا نسلم لك هذا، وقياس مذهبنا: أنه إذا وجد الإيجاب والقبول في مجلس العقد صح، وإن لم يكن عقيبه بناء على قول أحمد في خيار المخيرة.
ولأن القبول إنما كان قبولًا للإيجاب، فمتى لم يوجد الإيجاب لم يكن قبولًا لعدم معناه، كما أن الشفيع لو أسقط شفعته قبل البيع لم
الجزء: 3 - الصفحة: 156
تسقط، والمعتقة إذا أسقطت خيارها قبل القبول لم يسقط لعدم موجبه، وهو ثبوت النقص عليها بعتقها تحت عبد، ودخول الضرر على الشريك بحدوث ملك الثاني، كذلك هاهنا.
وذهب المخالف إلى أن الزوجة لو قالت لزوجها: اخلعني على ألف درهم، فقال: قد خلعتك، صح، وإن كان القبول قد تقدم، والخلع معاوضة.
والجواب: أن الخلع لا يلحقه الفسخ، وهذا يلحقه؛ لأن الخلع يصح تعليقه بشرط، وهو أن تقول: إن طلقتني ثلاثًا فلك ألف درهم، فطلقها، استحق العوض، وإن كان خلعًا، ولو قالت: إن بعتني ثوبك فلك ألف، لم يصح.
واحتج بأن الطلب يتضمن الرضا، فهو بمنزلة القبول بعد الإيجاب.
والجواب: أن بعد الإيجاب يوجد معناه، وهاهنا لا يوجد.
ولأن هناك تأخر القبول، وهاهنا تقدم، فهو كما لو تقدم ووجد الإيجاب بعد ساعة، وهما في المجلس.
*فصل:
والدلالة على أن النكاح لا يصح- أيضًا- خلافًا لأبي حنيفة: أنه عقد يلحقه الفسخ، تقدم القبول فيه على الإيجاب، أشبه البيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 157
فإن قيل: القياس في النكاح: أن لا يجوز، وإن تركناه في النكاح لحديث الموهوبة؛ قام رجل، فقال: زوجنيها، فقال: (زوجتكها على ما معك من القرآن)، فتقدم القبول.
قيل له: إذا كان القياس يقتضي بطلانه، فيجب الحكم به؛ إذ ليس هاهنا ما هو أولى منه.
وأما الخبر فيحتمل أن يكون المتزوج أعاد القبول بعد الإيجاب، ولم ينقل.
فإن قيل: عقد النكاح يجوز أن يليه واحد، ألا ترى أن للرجل أن يزوج ابنة أخيه من ابن أخيه، وهما صغيران، ويجوز أن يكون الوكيل الواحد للرجل والمرأة، فيزوج أحدهما من الآخر، ولا يجوز ذلك في البيع.
قيل: يجوز أن يليه واحد، وهو أن يبيع مال ابنه من ابنته، وهما صغيران، فيكون العاقد واحدًا.
فإن قيل: العادة قد جرت بالمساومة والمراوضة في البيع، فإذا تقدم القبول احتمل أن يكون سومًا، والنكاح بخلافه.
قيل: العادة جارية في النكاح بالمساومة والمراوضة في قدر الصداق والزيادة والنقصان فيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 158
- فصل:
والدلالة على أنه يصح إذا كان بلفظ الطلب والأمر على الرواية الأخرى خلافًا لأبي حنيفة: أن العقد إذا تقدم القبول فيه لم يفترق الحال بين لفظ الماضي والطلب.
دليله: عقد النكاح، وعقد الخلع، ولا فرق بين أن يقول: زوجني بنتك، وبين أن يقول: قبلت نكاح ابنتك، وكذلك لا فرق بين أن تقول: اخلعني، وبين أن يقول: قبلت خلعك على كذا، فالحكم سواء في الصحة.
وذهب المخالف إلى أنه إن لم يوجد منه لفظ الماضي، أشه إذا قال: بعتك، فقال: أنا آخذه بذلك، لم يصح.
نص عليه في رواية مهنا.
وكذلك إذا قال: تبيعني بكذا، فقال: قد بعتك، لا يصح.
نص عليه في رواية مهنا.
والجواب: أنه يبطل بالقبول في الخلع والنكاح.
وعلى أن هناك وعد بالقبول، فليس فيه ما يدل على الرضا، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الطلب يدل عليه، فلهذا فرقنا بينهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 159
270 -
مسألة
إذا تبايعا بما لا يتغابن الناس بمثله في العادة، وكان أحدهما ممن لا يخبر سعر ذلك المبيع، فله الخيار:
نص عليه في رواية محمد بن العباس في مريض وهب هبة على عوض، وكان العوض يقارب الهبة: فهو جائز، وشبهه بالبيع، وإن كان غير متقارب لا يتغابن الناس بمثله لم يجز، ولا يجوز في ذلك إلا ما يجوز في البيع.
وقال- أيضًا- في رواية أبي النضر إسماعيل بن ميمون العسكري: الخلابة: الخداع، وهو أن يغبنه في ما لا يتغابن الناس في مثله؛ يبيعه ما يسوى درهمًا بخمسة.
وقال- أيضًا- في رواية أبي سعيد اللحياني: إنما كره غبن المسترسل، فإذا ساوم وعرف، فلا بأس.
وقال أبو بكر في كتاب (التنبيه): وحد الغبن الثلث، وقيل: السدس.
وظاهر هذا: أنه محدود عند أبي بكر بالثلث والسدس، والمنصوص عن أحمد: أنه غير محدود، وهو على ما يتغابن الناس بمثله في العادة.
وهو قول مالك، ومن أصحابه من حده بالثلث.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا خيار له بذلك.
الحديث: 270 - الجزء: 3 - الصفحة: 160
وقال داود: البيع باطل من أصله.
دليلنا على ثبوت الخيار: عموم قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، والمغبون غير راضٍ بهذه التجارة.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا ضرر، ولا ضرار)، وفي إلزامنا المبيع في حق المغبون إلحاق ضررٍ به؛ لأنا نلزمه إخراج شيء من ماله لا يقابله عوض.
فإن قيل: وفي إثبات الخيار إلحاق ضررٍ بالآخر؛ لأنا نفسخ العقد عليه.
قيل له: الضرر حاصل في جهة المغبون؛ لأنه يخرج من ماله ما لا يقابله عوض، وهذا معدوم في حق البائع.
وقوله: (لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا عن طيب نفسٍ منه)، وهذا الثمن مال المشتري.
ويدل عليه ما روى الدارقطني في كتاب (الأفراد) بإسناده عن أبي أمامه الباهلي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما زاد التاجر على المسترسل فهو ربا)، ومعناه: حكمه حكم الربا في تحريم الأخذ.
الجزء: 3 - الصفحة: 161
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لحبان: (بع، وقل: لا خلابة)؛ يعني: لا غبن.
وهذا يقتضي سلامة العقد من الغبن، فإذا غبن ملك الفسخ، كما قال [النبي - صلى الله عليه وسلم - للعداء] ب خالد بن هوذة، وقد اشترى منه عبدًا، أو أمةً: (لا داء، ولا غائلة، بيع المسلم للمسلم).
اقتضى سلامة المبيع من العيب، فإذا ظهر به عيب فسخ.
ولأنه غبن يخرج عن العادة، فملك الفسخ.
دليله: غبن الركبان.
وقد دل على ذلك الأصل ما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: (لا تلقوا الركبان، فمن يلقى فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق، إن شاء أجازه، وإن شاء رده).
ومعلوم أنه إنما جعل له الخيار لأجل الغبن.
فإن قيل: البائع هناك غير مفرط؛ لأنه لا يعرف القيمة، وهذا مفرط؛ لأنه يمكنه أن يعرف القيمة.
قيل له: إذا ظهر بالمبيع عيب فهو مفرط؛ لأنه كان يمكنه أن
الجزء: 3 - الصفحة: 162
يختبر المبيع، ومع هذا يملك الرد.
ولأنه معنى يملك الركبان الفسخ به، فملك غيرهم الفسخ.
دليله: العيب في المبيع.
وإن شئت قلت: نقصان في أحد العوضين، أشبه النقصان في المبيع بالعيب.
وإن شئت قلت: نقصان بثمن العين، أشبه العيب.
فإن قيل: لو كان الغبن يجري مجرى العيب، لوجب أن يملك الفسخ به إذا وجد بعد العقد وقبل القبض، كما يملك ذلك في العيب الحادث بعد العقد وقبل القبض.
قيل له: إنما ملك الرد بالعيب إذا كان موجودًا حال العقد، وإذا حدث قبل القبض؛ لأنه عيب في الموضعين، وليس كذلك الغبن؛ لأنه إنما يكون غبنًا في أحد الموضعين، وهو حال العقد؛ لأن الغبن هو فعل التغابن، وهذا لا يوجد بعد العقد، والعيب هو نقص يحصل في السلعة بغير فعل العاقد، وهذا يوجد في الموضعين.
وعلى أن هذا يبطل بغبن الركبان يثبت به الفسخ حين العقد، ولا يثبت بعد العقد وقبل القبض.
فإن قيل: لو كان هذا يجري مجرى العيب لاستوى قليله وكثيره، كما قلت في العيب.
قيل له: قد يفرق بين يسير العيب وكثيره.
الجزء: 3 - الصفحة: 163
قال في رواية أبي طالب: يرد من الغبن إذا كان الغبن شديدًا، وبما ألفى الرجل.
وظاهر هذا: أنه لا يرد من اليسير.
وكذلك نقل مهنا عنه في الرجل يشتري مصحفًا على أنه جامع، فخرج فيه آية، أو آيتان ساقطة: ليس هذا بعيب، ولا يخلو المصحف من هذا.
وعلى أن هذا باطل بغبن الركبان يثبت به الفسخ، وإن فرق بين قليله وكثيره، وكذلك الحاكم وأمين الحاكم والوصي والأب إذا باعوا بنقصان في الثمن، فإن كان يسيرًا جرت العادة بمثله جاز، ولو كثر لم يجز.
وعلى أن البياعات تسلم من العيب اليسير، كما تسلم من الكثير، فلهذا ملك الفسخ فيهما، وليس كذلك الغبن المطابق للعادة؛ لأن البياعات لا تخلو منه.
ولأن كل واحد يقصد الاسترخاص، فأجيز ذلك على حسب تعارفهم فيه، فإذا خرج عن ذلك جاز أن يملك الفسخ.
وعلى أن غلظ الدابة عيب إذا زاد وتفاحش، وليس بعيب إذا كان يسيرًا، وكذلك يسير الرمد في العين ويسير الحمى ليس بعيب، وإن كان كثيره عيبًا.
فإن قيل: المعنى في العيب: أنه نقص في المعقود عليه، وليس
الجزء: 3 - الصفحة: 164
كذلك هاهنا؛ لأنه نقص في ما لم يعقد عليه.
قيل له: النقص يحصل في الثمن، وذلك معقود عليه.
ثم يبطل هذا بغبن الركبان.
فإن قيل: لو كان ثبت به الفسخ، لوجب أن يكون محرمًا، كما أن التدليس العيب محرم.
قيل: الرد بالعيب ثابت، وإن لم يكن قصد التدليس؛ لأن غبن الركبان يثبت الفسخ، وإن لم يكن محرمًا.
ثم لا يمتنع أن نقول: محرم إذا كان مسترسلًا، وقد قال أحمد: إنما كره غبن المسترسل.
واحتج المخالف بما روى ابن عمر: أن حبان بن منقذٍ أصابته آمة في رأسه، وكان يخدع في البيع، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا بعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا).
قال: فلو كان الغبن سبيلًا يملك به الفسخ لما احتاج إلى شرط الخيار مع استغنائه عنه.
والجواب: أنا قد جعلناه حجة لنا؛ لأنه نهى عن الغبن، فاقتضى سلامته منه، كما اقتضى سلامته من العيب.
وعلى أن راوي الحديث عمر بن الخطاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال
الجزء: 3 - الصفحة: 165
عمر: وكان ضريرًا.
هكذا روى الدارقطني في (سننه) بإسناده عن طلحة بن يزيد بن ركانة: أنه كلم عمر بن الخطاب في البيوع، فقال: ما أجد لكم سببًا أوسع مما جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحبان بن منقذٍ: أنه كان ضرير البصر، فجعل له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهدة ثلاثة أيام؛ إن رضي أخذ، وإن سخط ترك.
وإذا كان ضريرًا لم يصح عقده عند الشافعي، فلا يصح الاحتجاج به.
وعلى أنه لم يمتنع شرط الخيار مع استغنائه عنه، كما قال: (فمن ابتاع مصراة فهو بخير النظرين ثلاثًا).
فشرط له الخيار مع استغنائه عنه.
وعلى أنه يحتمل أنه كان يغبن غبنًا لا يخرج عن العادة، وكان الخيار لأجل ذلك.
واحتج بأنه نقص لا يغير المبيع، ولا ينقصه، فلا يملك به الخيار، كما لو كان النقص غبنًا في العادة.
أو يقول: كل ما لو حدث بعد العقد وقبل القبض لم يثبت به الخيار، فإذا كان موجودًا في حال العقد لم يثبت به الخيار.
الجزء: 3 - الصفحة: 166
دليله: ما ذكرنا.
والجواب عن اليسير: ما ذكرنا، وهو: أن ذلك لا تأثير له في العقد بدليل جوازه في حق الآدميين والوصي والأب.
ولأن البياعات لا تنفك عن غبن يسير، فلا يمكن الاحتراز عنه.
ولأن اليسير لا يثبت به الخيار في حق الركبان، والكثير يثبت، فبان الفرق.
وأما الجواب عن حدوثه بعد العقد وقبل القبض: ما تقدم، وهو: أن هذا لا يوجب الفسخ في تلقي الركبان.
ولأن ذلك لا يسمى غبنًا؛ لأن الغبن فعل الغابن.
واحتج بأن خيار المغابنة لما لم يثبت من جنسه شرطًا، [لم يثبت شرعًا، ألا ترى أن خيار المجلس لما ثبت شرعًا، ثبت من جنسه شرطًا]، وهو خيار الثلاث.
والجواب: أنه يبطل بخيار الركبان؛ ثبت شرعًا، وإن لم يثبت شرطًا.
ولأنه قد يثبت الشيء شرطًا، وإن لم يثبت شرعًا، كالأجل في الثمن في بيوع الأعيان، وقد يثبت شرعًا، وإن لم يثبت شرطًا، كالأجل في المسلم فيه.
وعلى أنه لا يمتن أن نقول: من جنسه ما ثبت شرطًا، وهو: إذا شرط ثبوت الخيار في الغبن اليسير.
الجزء: 3 - الصفحة: 167
واحتج بأن الغبن في العقد لا يثبت الخيار.
دليله: الغبن في عقد الصداق، وهو أن تكون الزوجة مغرورة أو الزوج مغرورًا في قدر الصداق.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ذلك، غير أن قياس قوله يقضي أن لا خيار هناك؛ لأنه قد نص في رواية إسحاق بن هانئ: إذا تزوجها على أنها بكر، فلم تكن كذلك، فلها المهر كاملًا.
فلم يجعل له النقصان في المهر مع شرط صفة يختلف المهر لأجلها، فأولى أن لا يجعل له مع الإطلاق.
وحكى هذا الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن النقصان في الصداق والزيادة فيه لما لم يثبت الخيار في حق أهل الركبان، لم يثبته في حق غيرهم، والبيع بخلافه.
والثاني: أن المهر غير مقصود في نفسه، ولهذا المعنى يجوز أن يعرى العقد عن تسميته، ولهذا المعنى يجب أن يسمى عين الناكح إذا كان القابل وكيلًا، ولا يجب ذلك في عقد البيع، فإذا لم يكن مقصودًا لم تؤثر الزيادة والنقصان فيه.
*فصل:
والدلالة على أن البيع لا يبطل من أصله: ما تقدم من حديث تلقي
الجزء: 3 - الصفحة: 168
الركبان؛ وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل لهم الخيار، ولم يحكم ببطلان العقد من أصله.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ساوم جابرًا بعيرًا بدراهم إلى أن بلغ به أوقية.
وروي أنه قال: (إذا زنت أمة أحدكم فليبعها، ولو بضفيرٍ).
وهذا يدل على صحة البيع مع الغبن.
ولأن الغبن نقص في الثمن، كالعيب نقص في المثمن، ثم ثبت أن ظهور العيب يثبت الخيار، ولا يوجب بطلان العقد، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ [الإسراء: 26]، وإذا باع ما يساوي ألفًا بدرهم فهذا نفس التبذير، وقد نهى عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
والجواب: أن الآية انصرفت إلى غير هذا من صرف المال في الفساد، ولم تنصرف إلى هذا؛ لأنه إذا كان راضيًا به فهو كالواهب [من] ماله قدر الغبن، وهو غير ممنوع من ذلك.
*فصل:
والدلالة على أنه لا يتقدر بالثلث والسدس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت
الجزء: 3 - الصفحة: 169
الخيار للركبان، ولم يقدره بذلك.
ولأن الغبن إنما أثبت الفسخ؛ لأنه نقصان في أحد العوضين، كالعيب، ثم الفسخ بالعيب لا يقدر بذلك، كذلك الغبن.
فإن قيل: العيب يستوي يسيره وكثيره، وهاهنا يفرق بين القليل والكثير، فجاز أن يحد بالثلث؛ لأنه آخر حد القلة.
والجواب: أنا قد بينا: أن العيب يفرق بين يسيره وكثيره.
وعلى أنه ليس إذا فرق بين يسير هذا وكثيره، يجب أن يتقدر بالثلث، كالعمل اليسير في الصلاة لا يتقدر بثلث أفعالها.
...
271 -
مسألة
الربا ثابت في غير الأعيان المنصوص عليها على ما نبينه: وهو قول الجماعة.
وقال داود وأهل الظاهر من نفاة القياس: لا ربا إلا في المنصوص عليه، وهي الأعيان الستة.
وبنوا هذا على أصلهم في نفي القول بالقياس، ونحن نبني هذا على أصلنا في وجوب القول بالقياس، فنلحق غير المنصوص عليه بالمنصوص في حكمه عند وجود علته.
الحديث: 271 - الجزء: 3 - الصفحة: 170
ثم نستدل من حيث الاسم على إثبات الربا في غير المنصوص عليه بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].
والربا هو الزيادة لغة وشرعًا:
أما الشرع فقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5]؛ يعني زادت وعظمت.
وأما اللغة فيقال: فلان أربى على فلان في الشتم؛ إذا زاد عليه فيه.
فالظاهر يقتضي تحريم الزيادة الحاصلة في كل مبيعين سواء كان مما نص عليه، أو لم ينص عليه، إلا ما منع منه الدليل.
وطريقة أخرى، وهو: ما روى الدارقطني بإسناده عن معمر بن عبدالله: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ)، وكان طعامنا يومئذ الشعير.
والطعام اسم لكل مطعوم لغة وشرعًا:
أما الشرع فقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ
الجزء: 3 - الصفحة: 171
لَكُمْ} [المائدة: 5]؛ يعني: ذبائحهم.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249]؛ يعني: الماء.
وقالت عائشة- رضي الله عنها-: عشنا زمانًا ما لنا طعام إلا الأسودان؛ الماء والتمر.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ماء زمزم: (إنه طعام وشفاء).
وأما اللغة فإن القائل يقول: ما طعمت اليوم شيئًا؛ يعني: لم أذق شيئًا من المأكول، ولا يصح أن ينفي ذلك عن نفسه إذا كان قد أكل فاكهة، أو غيرها.
وقال لبيد:
لمعفرٍ قهدٍ تنازع شلوه .... غبس كواسب ما يمن طعامها
وإذا ثبت أن ذلك اسم لكل مطعوم، فالخبر يقتضي وجوب التماثل
الجزء: 3 - الصفحة: 172
في جميعه، إلا ما خصه الدليل.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وهذا عام.
والجواب: أنه قد قال تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، وقد بينا: أن الربا في الشرع واللغة: الزيادة، وهذا موجود هاهنا.
...
272 -
مسألة
العلة في فساد العقد عند وجود التفاضل زيادة كيلٍ في جنس المكيلات في أصح الروايات: رواها الجماعة عنه:
فنقل الميموني عنه قال: أذهب إلى حديث عمار، وهو حديث جامع؛ ما يكال وما يوزن مما يؤكل ويشرب، وما لا يؤكل، ولا يشرب.
وروى حنبل عنه وبكر بن محمد: لا بأس بخيارة بخيارتين، وبطيخة ببطيختين، ورمانة برمانتين؛ لأنه ليس أصله كيلًا ولا وزنًا.
وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه.
وفيه رواية أخرى: مأكول مكيل أو موزون جنس.
وعلى هذا لا ربا في ما يؤكل، وليس بمكيل، ولا موزون، مثل الرمان والسفرجل، ولا في غير المأكول مما يكال ويوزن، كالثوم والجص والأشنان ونحوه.
الحديث: 272 - الجزء: 3 - الصفحة: 173
وقد نص على هذا في رواية حنبل فقال في القوارير المكسورة: أكثر لا بأس يدًا بيد؛ ليس هو مما يوزن مما يؤكل.
وبهذا قال الشافعي في القديم.
وفيه رواية ثالثة: مطعوم جنس.
فتدخل فيه سائر المطعومات دون غيرها.
قال أبو بكر في كتاب «الشافي»: روى ذلك جماعة منهم محمد بن يحيى في ما حدثنا أبو بكر الخلال عنه: وقد سئل عن البيض بالبيض والرمان بالرمان قال: لا يجوز إلا مثلًا بمثل؛ هذا يؤكل.
قيل له: إن لم يؤكل، ولم يوزن؟ قال: نعم.
قيل له: مثل أي شيء يجوز؟ قال: مثل الحديد، وما أشبه هذا.
وبهذا قال الشافعي في الجديد.
وقال مالك: مقتات، وما يصلح المقتات والمدخرات في جنس.
والصحيح عندي: أن يقال: العلَّة كونه مكيل جنس، وهو ظاهر كلام أحمد؛ لأنه اعتبر الكيل، وظاهر السنة يقتضي ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وما كيل مثل ذلك».
وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كيلًا بكيلٍ».
وهو اختيار الخرقي وشيوخ أصحابنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 174
والدلالة على ذلك: ما روى الدارقطني في (سننه) قال: نا أبو محمد بن صاعد ومحمد بن أحمد بن الحسن وآخرون قالوا: نا عبدالله ابن أحمد بن حنبل قال: ثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: نا أبو بكر ابن عياش، عن الربيع بن صبيحٍ، عن الحسن، عن عبادة وأنس بن مالك، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما وزن مثلًا بمثلٍ إذا كان نوعًا واحدًا، وما كيل مثل ذلك، وإذا اختلف النوعان، فلا بأس به).
وهذا نص؛ لأنه اعتبر المماثلة في الوزن والكيل، وعند المخالف هي معتبرة في المأكول.
فإن قيل: فقد قال الدارقطني: لم يروه عن أبي بكر غير الربيع هكذا، وخالفه جماعة، فرووه عن الربيع، عن ابن سيرين، عن عبادة وأنس بلفظٍ غير هذا اللفظ.
قيل له: انفراده بالرواية لا يوجب ضعف روايته، ولا الطعن فيها؛ لأنه إسناد صحيح، واختلاف الرواية على الربيع لا يقدح فيه.
وأيضًا ما روى أحمد في (المسند) قال: نا حسن بن محمد، قال: نا خلف؛ يعني: ابن خليفة، عن أبي جنابٍ، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم الدرهمين، ولا الصاع بالصاعين؛ فإني أخاف عليكم الرماء) - والرماء هو الربا- فقام رجل، فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل يبيع الفرس
الجزء: 3 - الصفحة: 175
بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال: (لا بأس إذا كان يدًا بيد).
فوجه الدلالة: أنه معلوم أنه لم يرد نفس الظرف لاتفاق المسلمين على جواز بيع الصنفين بعضها ببعض متفاضلًا، فعلم أنه أراد ما يدخل في الصاع، ويكال به، فاقتضى عمومه تحريم التفاضل في جنس المكيلات.
ومخالفنا يزعم أن بيع قفيز جص بقفيزي جص يجوز، وكذلك قفيز نورة بقفيزين.
فإن قيل: ما يدخل في الصاع مضمر، فكيف تعتبر عموم المضمر؟
قيل له: اسم الصاع يتناول في الحقيقة ما يكال، ويتناول في الحقيقة الكيل، بدليل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه فرض صدقة الفطر صاعًا من تمر، أو شعير.
ويقول القائل: هذا قفيز، وبعتك قفيزًا من هذا الطعام.
فإذا تناولهما الاسم حقيقة، ثم دل الدليل على أن أحدهما لم يرد بقي الآخر.
وأيضًا روى أبو كر الأثرم بإسناده عن عبادة بن الصامت، ن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الذهب بالذهب وزنًا بوزنٍ، والفضة بالفضة وزنًا بوزنٍ،
الجزء: 3 - الصفحة: 176
والبر بالبر كيلًا بكيلٍ، والشعير كيلًا بكيلٍ، ولا بأس ببيع الشعير بالبر، والشعير أكثرهما يدًا بيدٍ، والتمر بالتمر، والملح بالملح، فمن زاد أو ازداد فقد أربى).
وروى أحمد في (مسند أبي هريرة) بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح؛ كيلًا بكيلٍ، ووزنًا بوزنٍ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى إلا ما اختلف ألوانه).
وروى أبو بكر في كتاب (الشافي) بإسناده عن عبادة بن الصامت، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة الفضة تبرها وعينها، والبر بالبر مديًا بمديٍ، والشعير بالشعير مديًا بمديٍ، والملح بالملح مديًا بمديٍ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما يدًا بيدٍ، وأما نسيئة، فلا).
وجه الدلالة: قوله: (مثلًا بمثلٍ) (كيلًا بكيلٍ)، فأوجب استيفاء المماثلة من طريق الكيل في جواز البيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 177
وخلافنا في علة التحريم.
قيل له: الأمر باستيفاء المماثلة من طريق الكيل يقتضي النهي عن التفاضل في الكيل؛ إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده.
وعلى أن ذكر التساوي والتفاضل علة في الحكم، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة إلا بطهورٍ) بيانًا لعلة الحكم.
ولأن ذكر الصفة في الحكم تعليل، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: 2]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: 38]؛ فإن الربا والسرقة علة في إيجاب الحد.
فإن قيل: فقد قال في الخبر: (عينًا بعينٍ)، ولم يدل على كونه علة.
قيل له: منع ذلك الإجماع.
وأيضًا فإن البطيخ وما أشبهه غير مكيل، ولا موزون، فوجب أن لا يحرم التفاضل فيه.
دليله: الثياب والعبيد، ونحو ذلك.
ولا يلزم عليه الماء؛ لأنه يجوز بيعه متفاضلًا.
وأيضًا فإنا وجدنا للتفاضل في الكيل والتساوي فيه تأثيرًا في
الجزء: 3 - الصفحة: 178
العقد، ولم نجد للتفاضل في المطعم تأثيرًا، ألا ترى أنه يجوز بيع قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة رديئة؛ لوجود التساوي في الكيل، [ولا يجوز مع عدم التساوي في الكيل] مثل قفيز حنطة ونصف رديئة بقفيز حنطة جيدة.
فإن قيل: اعتبرنا المساواة في الكيل في جواز البيع، وخلافنا في علة التحريم، وليس في هذا دلالة عليها.
قيل: علة التحريم كونه مكيلًا، والحكم هو جريان الربا، وفساد العقد وصحته.
فإن قيل: العلة عندنا كونه مطعومًا، وهذا معنى لا يتزايد.
قيل له: وكذلك العلة عندنا كونه مكيلًا، وهذا معنى لا يتزايد، لكن لما كان ما ذكرناه علة أثر المكيل في الذي به صار مكيلًا، ثم وجدنا الطعم الذي صار به مطعومًا لا يؤثر، دل على أن كونه مطعومًا ليس بعلة.
وتلخيص هذا: أنه لو كانت العلة كونه مطعومًا لأثر في الطعم الذي صار به مطعومًا، كما قلنا نحن في المكيل: لما كان علة أثر في المكيل الذي صار به كيلًا، فلما لم يؤثر فيه، بل جاز بيع مكوكٍ خفيف
الجزء: 3 - الصفحة: 179
بمكوكٍ ثقيل، دل على أن كونه مطعومًا ليس بعلة.
فإن قيل: قد يؤثر اختلاف الطعم؛ لأنه لو باع طعامًا، فوجده عفنًا، رده لنقصان طعمه.
قيل له: هذا تأثير في إثبات الخيار، ونحن نطلب تأثيرًا في صحة العقد وفساده.
وإن شئت قلت: الزيادة في الأكل ليس لها تأثير في تحريم البيع، فوجب أن لا يكون الأكل مع غيره علة، كالزيادة في الاقتيات؛ لما لم يكن لها هناك تأثير في تحريم البيع، لم يكن الاقتيات مع غيره علة، وكالزيادة في الذرع، وإذا ثبت صح أن العلة ما اعتبرنا.
ولأنه لا يخلو الأكل والجنس [إما] أن يكون علة لتحريم التفاضل في الجملة، أو لتحريمه من جهة الكيل.
ولا يجوز أن يكون علة للتحريم في الجملة؛ لأنه قد يوجد، ولا تحريم، مثل قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة عفنة.
وقد يوجد من جهة العدد، ولا يحرم أيضًا، مثل مكوكٍ بمكوك حنطة يجوز، وإن كان عدد الحبات في إحدى الخبيتين أكثر.
ولا يجوز أن يكون علة لتحريم التفاضل من جهة الكيل؛ لأن
الجزء: 3 - الصفحة: 180
الرمان والسفرجل والبطيخ والقثاء ليست مكيلة، ويثبت فيها التحريم عنده بهذه العلة.
ولأن الطعم ليس بعلمٍ للمقدار، فلا يكون علة، كاللون والرائحة.
ولأن المعدودات تضمن بالقيمة، فلا يدخل الربا في نقدها.
دليله: الثياب.
أو نقول: لأنها تباع في العادة عددًا، أشبه الثياب.
ولأن غير المطعومات من المكيلات زيادة كيل من جنس، فهو كالحنطة بالحنطة.
فإن قيل: المعنى فيها: أنها مطعوم.
قيل له: بين الحكم؛ فإن قلت: لا يجوز التفاضل فيها، انتقض بالتساوي من الكيل إذا تفاضلا في العدد.
وإن قلت: فلا يجوز التفاضل فيها كيلًا، فقد عللت بما ذكرنا، وضممت إليه وصفًا آخر، وهذا لا يصح.
فإن قيل: الماء مكيل جنس، ولا ربا فيه.
قيل له: لا نسلم أنه مكيل؛ لأن ما لم ينص النبي - صلى الله عليه وسلم - على بيعه كيلًا، رجع في معرفة ذلك إلى المدينة، وليس نعلم أن الماء يباع بالمدينة كيلًا.
ولأن الطعم منفعة، فلا يكون علة، كالشم والذوق.
الجزء: 3 - الصفحة: 181
واحتج المخالف بما روى معمر بن عبدالله: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثلٍ.
ومنه دليلان:
أحدهما: أنه ذكر الصفة في الحكم تعليل، فيدل على تعليق الحكم تلك العلة، فلهذا نقول: إن قول الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الحجرات: 6] يدل على تعليق التبين بالفسق.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (في سائمة الغنم زكاة) يدل على تعليق الزكاة بالسوم.
وكذلك قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38].
و: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2].
وقوله: جزاء للمحسنين، وعذابًا للكافرين، وما أشبه ذلك.
والثاني: أن نهيه عن بيع الطعام بالطعام يقتضي عموم جميع الأطعمة مما يكال، ولا يكال، كالبيض والسفرجل وغيره.
والجواب عن الدليل الأول، فهو: أن ذكر الصفة في الحكم قد يكون علة، وقد لا يجعل علة الدليل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا بأس بيع الحيوان بالحيوان؛ اثنين بواحدٍ يدًا بيدٍ)، ولم يدل ذلك على
الجزء: 3 - الصفحة: 182
اختصاص الحكم بالحيوان.
وكذلك نهيه عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، ونهيه عن بيع الطعام قبل قبضه.
والجواب عن الثاني، وأن الطعام عام في البيض والرمان: فالظاهر يمنع دخوله تحت الخبر؛ لأن اسم الطعام قد صار مخصوصًا في العرف بنوع من الأطعمة حتى إذا أطلق لم يعقل منه غيره، ألا ترى أنه إذا قيل: سوق الطعام، لم يعقل منه سوق الصنادلة، وإن كان يباع فيها أشياء مطعومة، وإنما يعقل منه السوق التي تباع فيها الحنطة، فإذا كان كذلك انصرف الخبر إلى ما يعقل من إطلاقه، ولم يجز حمله على كل مطعوم.
فإن قيل: تسمية سوق الطعام معنى لا تعرفه العرب.
قيل له: الكوفة والبصرة معربان، والقوم تثبت الحجة بقولهم، وسموا هذه الأسواق بلغتهم.
فإن قيل: لو كانت النورة والجص مثل الطعام، لم يكن لتخصيص الطعام معنى.
قيل له: كما خص النهي عن بيع الطعام قبل القبض، وإن كان الطعام وغيره سواء.
واحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على أعلى المأكولات، وهي الحنطة، وعلى أدناها، وهي الملح، وحرم التفاضل فيهما، فنبه على حكم سائر
الجزء: 3 - الصفحة: 183
المأكولات؛ لأن من شأن العرب أن تنص على الأعلى والأدنى، فتنبه على ما عداهما.
والجواب: أنا نقلب عليهم فنقول: نص على أعلى المكيلات وعلى أدناها، فنبه بذلك على سائر المكيلات.
فإن قيل: نص على أشياء مختلفة في الأكل، فلو كان مراده تعليق الحكم بالكيل، لذكر جنسًا واحدًا، واقتصر عليه.
قيل له: هي متفقة في الأكل، وإنما تختلف في معانٍ أخر، وهي الطعوم ونحوها، فنقول لك: لو كان مراده تعليق الحكم بالأكل، لذكر جنسًا واحدًا، واقتصر عليه.
وعلى أنه قد ذكر الذهب والفضة، والعلة فيهما واحدة عندهم، وهو كونها قيم المتلفات.
واحتج بأن الله- تعالى- نهى عن أكل الربا بقوله: ﴿لا تَاكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: 130]، ولا يجوز أن ينهي عن أكل ما لا يتأتى فيه الأكل.
والجواب: أن هذا يقتضي ثبوت الربا في المأكول، وفي غيره موقوف على الدليل.
وعلى أن الأكل يفيد التناول بدلالة قوله تعالى: ﴿وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188].
وقال: ﴿وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 2]، والمراد به الأخذ.
واحتج بأن الكيل معنى يتخلص به الربا، فوجب أن لا يكون
الجزء: 3 - الصفحة: 184
علة في التحريم.
أصله: القبض في المجلس؛ فإنه لما كان معنى يتخلص به من الربا، لم يكن علة فيه.
والجواب: أن علة التحريم زيادة كيل في جنس، وعلة التحليل التساوي في الكيل، فعلة التحريم غير علة التحليل، وإذا كان كذلك، فلم يجعل ما يتخلص به من الربا علة في التحريم.
ولو جعلنا العلة الكيل لم يلزمنا ما قالوه أيضًا؛ لأنا نجعله علة لتحريم التفاضل، وعلة لإباحة التساوي، ولا يمتنع أن يكون الشيء الواحد علة لتحريم شيء، وإباحة شيء آخر، كالحيض هو علة لتحريم الوطء، ولإباحة الإفطار.
فأما القبض في المجلس فهو دليلنا؛ لأنه لما كان سببًا للتخلص من الربا، كان فقده موجبًا للربا.
وعن هذه أجوبة أخر غير ما ذكرنا:
أحدها: أنا لا نسلم أن الكيل يتخلص به من الربا، وإنما التخلص بالمساواة في الكيل.
ولأن ما جاز أن يقال: إنه يتخلص به من الربا مع المساواة، جاز أن يقال: لا يتخلص به من الربا، ويراد به: مع التفاضل.
الجزء: 3 - الصفحة: 185
وجواب ثانٍ: القول بموجب العلة، ولأن الكيل ليس بعلةٍ للربا، وإنما العلة مكيل جنس، والتفاضل علة في بطلان العقد.
وجواب ثالث، وهو: أن القبض لا يختص عقود الربا بدليل أنه شرط في الهبة، والكيل يختص بعقد الربا، ولا يتعداه، فلهذا كان علة.
واحتج بأن بيع القصيل بالقصيل جائز لعدم الأكل، وإذا عقد الحب لم يجز لوجود الأكل، وكذلك المسلوخة بالمسلوختين لا يجوز لوجود الأكل، وقد كان قبل ذلك يجوز بيع شاة بشاتين.
والجواب: أنا نقلب عليهم فنقول: بيع القصيل بالقصيل يجوز لعدم الكيل، وإذا عقد الحب لم يجز لوجود الكيل، فعلم أن الاعتبار بالكيل.
وكذلك المسلوختان، وإنما لم يجز متفاضلًا لوجود الوزن فيهما، [لا] لوجود الأكل.
واحتج بأن الكيل موضوع لمعرفة المقادير، فلا يجوز أن يكون علة لتحريم البيع متفاضلًا، كالذرع والعدد.
والجواب: أنا قد بينا: أن علة تحريم المبيع زيادة الكيل، وزيادة الكيل لم توضع لمعرفة المقادير.
الجزء: 3 - الصفحة: 186
على أن زيادة الذرع ليس لها تأثير في تحريم البيع، فلم يجز أن يكون الذرع علة.
فعلى هذا القياس لما لم يكن لزيادة الأكل تأثير في تحريم البيع، وجب أن لا يكون الأكل علة، وأما زيادة الكيل فلها تأثير في تحريم البيع، فجاز أن يكون الكيل علة.
ولأن الذرع والعد كل واحد منهما لم يجعل علمًا للتخلص من الربا، فلم يكن علة فيه، ولما كان الكيل والوزن مقدارًا [....] جعل علمًا للتخلص، جاز أن يكون علة فيه.
واحتج بأن علتنا تلازم المعلول؛ لأن المأكول لا يخرج عن كونه مأكولًا، وعلتكم تفارقه؛ لأن الشيء قد يكون مكيلًا في وقت، ثم تتغير العادة، فيصير موزونًا، وقد يكون مكيلًا في موضع، وموزونًا في موضع آخر، فيجب أن تكون علتنا أولى.
والجواب: أن التي تلازم المعلول والتي تفارقه سواء عندنا، ألا ترى أن السوم علة لوجوب السائمة، ويجوز أن تفارق المعلول، ثم هي والتي تلازم المعلول سواء.
واحتج بأن علتنا أعم من علتكم وأجرى في الفروع؛ لأنها توجد في جميع المأكولات مثل الرمان والسفرجل والخوخ والبيض والجوز واللوز.
الجزء: 3 - الصفحة: 187
والجواب: أن كونها أعم لا نرجح به العلة عندنا.
وعلى أن هذا يوجب أن تكون علتنا في الذهب والفضة- وهو الوزن والجنس- أولى من علتهم؛ لأنها أعم منها.
واحتج بأن علتنا تجري في معلولاتها، ولا يردها أصل، ولا تعارضها علة هي أولى منها، فيجب أن تكون هي علة للحكم.
والجواب: أن علتنا تجري في معلولاتها، ولا يردها أصل، ولا تعارضها علة هي أولى منها، فيجب أن تكون هي علة الحكم.
على أن قولهم: (لا يردها أصل) غلط؛ لأن الأكل عند مخالفنا علة لتحريم البيع في المكيلات إذا عدم التساوي فيها من جهة المكيل، وقد أجاز بيع الثمرة على رؤوس النخل بالتمر إذا كان خمسة أوسق، وإن لم تعلم المساواة بينهما من جهة الكيل، ولم يجز في خمسة أوسقٍ فصاعدًا، وإن كانت موضوعة على وجه الأرض.
وأجاز- أيضًا- بيع البقول التي يأكلها الناس بعضها ببعض متفاضلًا مع وجود العلة التي يعتبرها في هذا الباب.
وأجاز بيع السمك والجراد متفاضلًا، وهو مطعوم مباح؛ لأنه لا تقف إباحته على ذكاة، ولكن أكله يقف على ما يستصلح به، فهو كاللحم باللحم لا يباع متفاضلًا، وإن كان أكله يقف على استصلاح.
الجزء: 3 - الصفحة: 188
واحتج بأن الأكل علة ذاتية، والكيل فعلية، والذاتية أشبه بالعقلية، والفعلية أشبه بالشرعية، وإذا اجتمعت عقلية وشرعية كانت العقلية أولى.
والجواب: أن الأكل يختلف، ألا ترى أن الهنيد تأكله العرب، ولا يأكله غيرهم، ولم يمنع اختلاف العادة في الأكل أن يكون علة.
والهنيد: شيء يعمل من حب الحنظل، ومن دهنه، حتى قال شاعرهم:
غنينا بالهنيد عن الثريد
وعلى أن الأكل اعتياد الناس لأكل الشيء وفعلهم [له]، والكيل اعتياد الناس بيعه كيلًا وفعلهم له، فأحدهما كالآخر.
واحتج بأن ما ذكرتموه يؤدي إلى أن يكون الجنس الواحد معللًا بعلتين؛ لأن الحنطة فيها الربا؛ لأنها مكيل، فإذا خبزت جرى فيها الربا؛ لأنه موزون، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز تعلل الموزون بعلتين.
والجواب: أن الخبز بالصنعة قد صار في حكم جنس آخر، وبهذا انتقل عن أصله في الكيل.
الجزء: 3 - الصفحة: 189
واحتج بأن الأعيان تكال وتوزن في بلد، ولا تكال وتوزن في غيره، فيؤدي إلى أن يكون الشيء فيه الربا في بعض البلاد دون بعض.
والجواب: أنه لا يمتنع ذلك، كما أن الشمس تغيب في بعض البلاد، فيباح الفطر، وهي باقية في غيره، فيحرم الفطر، وتزول في بعضها، فيدخل الوقت.
على أن هذا لا يصح على أصلنا؛ لأن الاعتبار عندنا في الأشياء بمكة والمدينة، فما كان مكيلًا بالمدينة فهو مكيل في سائر البلاد، وإن خالف عادتهم، وكذلك الموزون.
*فصل:
والدلالة على مالك في اعتبار القوت، وما يصلحه من المدخرات: ما تقدم من حديث عبادة وأنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ما وزن مثلًا بمثلٍ، وما كيل مثل ذلك).
وهذا يعم المقتات والمدخر وغيره.
وكذلك حديث ابن عمر: (لا تبيعوا الصاع بالصاعين).
وبينا أن المراد به: ما يدخل في الصاع، وذلك عام في المقتات وغيره.
ولأن غير المقتات، كالسمسم وبزر كتان والأشنان والنورة مكيل،
الجزء: 3 - الصفحة: 190
فوجب أن يحرم التفاضل فيه.
دليله: المقتات المدخر.
ولأن التأثير للكيل دون الاقتيات بدليل أنه متى وجدت الزيادة في الكيل حرم البيع، ومتى وجد التساوي جاز البيع، وإن تفاضلا في الاقتيات، مثل قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة رديئة عفنة.
وإن شئت قلت: إن الزيادة في الاقتيات لها تأثير في تحريم البيع، فوجب أن لا يكون الاقتيات مع غيره علة.
دليله: الزيادة في الطعم والزيادة في الذرع.
ولأن القوت والادخار ليس بعلم للمقدرات، فلا يكون علة، كاللون والرائحة.
والقوت لا يجوز أن يكون علة؛ لأن الملح ليس بقوت، ويجري فيه الربا، وكونه مصلحة للقوت لا يجوز أن يكون علة؛ لأن الماء والحطب من مصلحته، وليس بعلة.
واحتج المخالف بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على أربعة أشياء جميعها مكيلة، فلو كان المراد مجرد الكيل لاقتصر على واحد منها.
قالوا: ولا تنقلب علتنا في القوت؛ لأنا نستفيد بنصه على كل واحد من الأعيان الأربعة ما لا نستفيد بنصه على أحدهما، وهو:
الجزء: 3 - الصفحة: 191
أنه نبه بالبر على كل مقتات تعم الحاجة إليه، وتقوم الأبدان بتناوله.
ونص على الشعير تنبيهًا على مشاركته في معناه مما يقتات حال الضرورة، كالذرة والدخن وغيرهما، وأن انفراده بكونه علفًا للبهائم لا يخرجه عن حكم القوت، وأن الربا لا يتعلق بما يقتات حال الرفاهية والسعة دون حال الضرورة.
وذكر التمر تنبيهًا به على العسل والزبيب والسكر وكل حلاوة مدخرة غالبًا للاقتيات، وأن الربا يتعلق بنوع الحلاوات.
وذكر الملح تنبيهًا على الأبازير، وما يتبع الاقتيات، ويصلح المقتات، وأن الربا ليس بمقصور، [ولو كان] مراده تعليق الحكم بالقوت، لاقتصر على ذكر الشعير، فيكون منبهًا على ما يقتات حال الضرورة من التمر والزبيب، فلما كرر ذلك التمر والشعير، وهما يقتاتان حال الضرورة، دل على أنه لم يرد تعليق الحكم بالقوت.
وجوا آخر، وهو: أنه لا يمتنع أن تكون العلة الكيل، ولا تقتصر على أحد المكيلات، كما كانت العلة عند مالك في الذهب والفضة كونها ثمنًا، ومع هذا فلم يقتصر على أحدهما، بل قد قال: الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلًا بمثل، كذلك هاهنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 192
واحتج بأن علتنا يتعلق تأثيرها بكل واحد من المنصوص عليه؛ لأنه لو لم يذكره لم يستفد تعلق الربا بنوعه، ولا يوجد ذلك في علتكم؛ فإنه يستوي فيها نصه على واحد منها، وعلى جميعها؛ لأن الكيل واحد فيها.
والجواب: أنا قد بينا: أنه قد كان يستفيد بذكر أحدها على غيره؛ لأن في ذكر الشعير تنبيهًا على الحنطة التي هي أعلى منها، وعلى التمر- أيضًا- الذي هو أعلى من الشعير؛ لن فيه قوتًا وحلاوة.
واحتج بأن الربا شرع تحريمه حراسة للأموال وحفظًا لها، ولانتفاء الضرر عن الناس فيها، وقد ثبت أنه ليس عام عندنا وعندكم في كل المتمولات، فوجب أن يكون في ما تمس الحاجة إليه، وتشتد الضرورة إلى حفظه، وهي الأقوات، وما في معناها من [....]، وهو الأثمان.
والجواب: أن الحاجة لا تمس الملح؛ لأنا نعلم أن الحاجة إليه تابعة لغيره، ومع هذا ففيه الربا، كذلك لا يمتنع في ما عداه أن يكون الربا يجري فيه، وإن لم تمسه الحاجة.
وعلى أنا قد بينا: أن الاقتيات لا يجوز أن يكون علة من الوجه الذي ذكرنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 193
273 -
مسألة
لا يجوز بيع تمرةٍ بتمرتين، وحبةٍ بحبتين:
نص عليه في رواية جعفر بن محمد: وقد سئل عن تمرة بتمرتين، فقال: لا، كيلًا بكيل، ومثلًا بمثل.
وكذلك نقل ابن منصور عنه: أكره تمرة بتمرتين.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
دليلنا: ما تقدم من حديث عبادة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الذهب بالذهب مثلًا بمثلٍ، والفضة بالفضة مثلًا بمثلٍ، والبر بالبر كيلًا بكيلٍ).
وروى أبو بكر في لفظ آخر: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح إلا مثلًا بمثل، سواء بسواء، فمن زاد أو ازداد فقد أربى.
ولم يفرق بين القليل والكثير.
فإن قيل: الخبر لا يتناول إلا ما يتأتى فيه الكيل، والقليل لا يتأتى فيه الكيل.
قيل له: المساواة كيلًا ذكرها في الاستثناء دون المستثنى منه، وتخصيص الاستثناء لا يوجب تخصيص المستثنى منه، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] عام، ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] خاص في الرجعيات.
الحديث: 273 - الجزء: 3 - الصفحة: 194
وجواب آخر، وهو: أن اليسير يتأتى كيله في حفرة من خشبة أو أرض، أو قشر فستقة، وما أشبه ذلك، فوجب اعتبار المساواة بذلك، وإن خرج عن العادة، كما اعتبرنا المساواة في الموزونات، وإن كانت صغيرتان لا يمكن وزنهما بالميزان في العادة.
ولأن كل جنس يجري فيه الربا وجب أن يستوي قليله وكثيره.
أصله: الذهب والفضة.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن العلة توجد في قليله وكثيره، وهو الوزن مع الجنس، ويعدم في قليل الكيل.
قيل له: قد بينا أنها توجد في قليل المكيل، كما توجد في كثيره، وإن خرج عن العادة لقلته، كما يعتبر الوزن في الموزون، وإن خرج عن العادة لكثرته.
واحتج المخالف بأنه ليس بمكيل، ولا موزون، فوجب جواز بيع بعضه ببعض متفاضلًا، كالثياب ونحوها.
والجواب: أنا لا نسلم أنه ليس بمكيل من الوجه الذي ذكرنا.
وعلى أن الثياب جنس لا يجري فيه الربا، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه جنس يجري فيه الربا، فاستوى قليله وكثيره، كالموزون.
واحتج بأن على مستهلكها القيمة، فهي كالثياب.
والجواب: أنا لا نسلم هذا، بل عليه المثل دون القيمة.
الجزء: 3 - الصفحة: 195
ثم المعنى في الثياب ما تقدم.
...
274 -
مسألة
[علة] تحريم البيع متفاضلًا في الذهب والفضة زيادة وزنٍ في جنسٍ:
نص على هذا في رواية ابن القاسم وسندي، فقال: رطل حديد برطلي حديد لا يجوز قياسًا على الذهب والفضة.
ونقل عنه أيضًا: رطل تبرٍ برطلي تبرٍ لا يصلح.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي: العلة كونها أثمان الأشياء، وقيم المتلفات.
دليلنا: ما تقدم من حديث أنس: (ما وزن مثلًا بمثلٍ إذا كان نوعًا واحدًا)، وهذا عام في جميع الموزونات.
ويدل عليه ما روى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث سواد بن غزية أخا بني عدي من الأنصار، وأمره على خبير، فقدم عليه بتمر جنيب؛ يعني:
الحديث: 274 - الجزء: 3 - الصفحة: 196
الطيب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (أكل تمر خيبر هكذا؟) قال: لا والله يا رسول الله! إنا نشتري الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة آصع من الجمع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تفعل، ولكن بع هذا، واشتر بثمنه من هذا، وكذلك الميزان).
ومعلوم أنه لم يرد نفس الميزان؛ لاتفاق المسلمين على جواز بيع الموازين بعضها ببعض متفاضلًا، فعلم أنه أراد به ما يدخل في الوزن، فاقتضى عمومه تحريم التفاضل في سائر الموزونات، ومخالفنا يزعم أن التفاضل في الموزونات لا يحرم إلا الذهب بالذهب والفضة بالفضة خاصة.
فإن قيل: هذا دعوى العموم في المضمرات.
قيل له: أهل اللغة تحذف المضاف، وتقيم المضاف إليه مقامه، فقوله: (وكذلك الميزان)؛ يعني: ذي ميزان.
والاسم إذا بطل حمله على حقيقته، وجب حمله على التوسع؛ لئلا يبطل كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ولأن الحديد والرصاص موزون جنسٍ، فوجب أن يحرم التفاضل فيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 197
دليله: الذهب والفضة.
أو نقول: زيادة وزن من جنس، فتعلق بها التحريم، كالأثمان.
ولأنه لا يعرف بها المقدار، فلم تكن علة لكونه ذهبًا.
ولأن علتهم تبطل بالفلوس؛ لأنها إذا أنفقت أثمان، ولا ربا فيها.
ولأن تحريم التفاضل من الذهب والفضة مستفاد من جهة النص، ولا معنى لأن تستنبط منهما علة لا تثبت حكمًا في فرع، ولا تفيد إلا ما أفاده النص، ألا ترى أنا لما استفدنا أن الظهر أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات بالإجماع، لم يجز أن نستنبط منهما علة لا تثبت حكمًا في فرع، ولا تفيد غير ما أفاده الإجماع.
فإن قيل: النص أفاد تحريم التفاضل فيهما، ولم يفدنا المعنى الذي لأجله حرم، وإذا استنبطنا منهما علة عرفنا المعنى الذي به تعلق الحكم، واستفدنا الفرق بين حكم معلل، وبين حكم استأثر الله بعلمه، ولم يطلعنا عليه.
قيل له: فيجب أن تطلب العلة في أن الظهر لم كانت أربعًا، والمغرب ثلاثًا لهذا المعنى؟
وجواب آخر، وهو: أنه لا فائدة في معرفة معنى الحكم إذا لم يتعد إلى غيره؛ لأنه لا يفيد إلا ما أفاده النص.
وربما سأل المخالف هذا السؤال على وجه آخر، وهو أنه قال: يفيد الفرق بينه وبين غيره.
الجزء: 3 - الصفحة: 198
قيل له: فهل مثل هذا في الظهر والفجر يجب أن يطلب الفرق بينهما؟!
فإن قيل: لا يمتنع أن تكون علة صحيحة، وإن دلت على ما دل عليه النص، كما أن خبر الواحد يكون دالًا على ما دل عليه نص القرآن، ويكون صحيحًا.
وقد يكون في الفرع نص، ويصح مع ذلك القياس على أصلٍ بعلته، كما نقول في تحريم النبيذ: فيه نصوص كثيرة، ونقيسه على الخمر، فثبت تحريمها.
قيل له: نص القرآن وخبر الواحد كل واحد منهما يدل على نفس الحكم، وما اختلفنا فيه يدل على علته، وعلة الحكم من شأنها أن تكون متعدية مفيدة بدليل علة الربا؛ نحن نعلم أن النص ورد على ستة أشياء، فلما طلبنا علة الحكم، وجب تعديها، فالمخالف يعديها إلى كل مطعوم، ونحن نعديها إلى كل مكيل، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن الربا لا يثبت في معمول الصفر والنحاس، فلم يثبت في أصله، كالطين، وعكسه: الذهب والفضة.
والجواب: أنا لا نسلم الوصف؛ فروى أبو طالب وأحمد بن هشام وحرب: لا يباع فلس بفلسين، ولا سكين بسكينين، ولا إبرة بإبرتين؛ أصله الوزن.
الجزء: 3 - الصفحة: 199
وبه قال أبو بكر من أصحابنا.
ونقل ابن منصور وإبراهيم ويعقوب بن لحيان وحنبل: لا بأس ثوب بثوبين وكساء بكسائين يدًا بيدٍ.
فعلى هذا المعنى في المعمول وفي الأصل: أنه لا يكال، ولا يوزن، وهذا موزون جنسٍ، أشبه الذهب والفضة.
واحتج بأن إسلام الفضة والذهب في الصفر والنحاس جائز، ولو كان الربا ثابتًا فيهما بعلة واحدة، لم يجز ذلك، كما لا يجوز إسلام الذهب في الفضة، ولا الطعام في الشعير، فلما جاز ذلك ثبت أنه لا تجمعهما علة واحدة في الربا، كالدراهم مع الثياب، والذهب مع الطعام.
والجواب: أن القياس يقتضي المنع، لكن أجزناه لأجل الحاجة، وهو: أن الدراهم والدنانير أثمان الأشياء، وبهم حاجة إلى السلم، فلو منعنا من ذلك كان فيه مشقة عظيمة، وللمشقة تأثير بدليل جواز بيع العرايا، وهو بيع رطبٍ بتمرٍ خرصًا لأجل الحاجة، وكذلك قرض الخبز والعجين، والقياس يمنع.
وجواب آخر، وهو: أنه إنما لم يجز إسلام الذهب في الفضة لاتفاق معانيها، وهي كونها ثمنًا، وكذلك المكيل متفق المعنى، وهو أن جميعها مثمن، فلما اتفقت الأعيان التي جمعتها العلة في الصفة حرم النساء فيها.
الجزء: 3 - الصفحة: 200
فأما الوزن فيوجد في أشياء متفقة كلها مثمنة, كالزعفران والحديد والرصاص, فيوجد تحريم النساء فيها لاتفاقها, كما أوجب في المكيلات, ويوجد في أشياء مختلفة بعضها ثمن وبعضها مثمن, فلما اختلف معناها, صار ذلك كاختلاف العلة, فجاز أن يسلم بعضها في بعض.
يبين ذلك: أن المكيلات كلها تكال على صفة واحدة, والموزونات تختلف؛ منها ما يوزن بالقبان, ويسامح فيه, كالحديد والرصاص, فدل على افتراق الحكمين, فخرج من هذا أنه إنما جاز إسلام الذهب والفضة في الموزونات لاختلاف معانيها من وجهين: أحدهما: أن أحدهما ثمن, والآخر مثمن.
والثاني: أنهما مختلفان في صفة الوزن, فحصلا في حكم الجنسين من هذا الوجه.
فإن قيل: فيجب أن لا يجوز سلم الحلي في الزعفران؛ لأن كل واحد مثمن.
قيل: الحلي من جنس الثمن, ولهذا يحرم التفاضل فيه.
واحتج بأن الوزن معنى يتخلص به من الربا, وجب أن لا يكون علة فيه.
أصله: القبض.
الجزء: 3 - الصفحة: 201
والجواب عنه: ما تقدم في التي قبلها, وهو: أن العلة زيادة وزن من جنس, أو العلة فيه كونه موزونًا, فعلة الربا غير المعنى المخلص من الربا.
وعلى أنا قد بينا: أنه لا يمتنع أن يكون علةً لتحريم الوطء, ولإباحة الإفطار.
وجواب آخر, وهو: أنه ليس المخلص من الربا الوزن, وإنما المخلص المساواة في الوزن.
وجواب آخر, وهو: أن القبض لا يختص عقود الربا, والوزن بختصها من الوجه الذي ذكرنا في التي قبلها.
واحتج بأنه معنى يقدر به الشيء, أو جعل لمعرفة المقادير, أشبه العد والذرع.
والجواب: أنا قد بينا: أن الزيادة هي علة التحريم, وليس الزيادة هي التي يقدر بها الشيء.
على أن زيادة الذرع والعد ليس لها تأثير في تحريم المبيع, فلم يجز أن يكون الذرع والعد علة, وليس كذلك زيادة القدر؛ فإنها تؤثر في تحريم المبيع, وهو الزيادة في الذهب والفضة, فجاز أن يكون الوزن علة.
الجزء: 3 - الصفحة: 202
ولأن العدد والذرع كل واحد منهما لم يجعل علمًا للتخلص من الربا, فلم يكن علة فيه, ولما كان الكيل والوزن مقدارًا جعل علمًا للتخلص من الربا, جاز أن يكون علة فيه.
واحتج بأن علتنا لا تنتقض, ولا تخالف نصًا ولا إجماعًا.
والجواب: أن هذه الطريقة لا تدل على الصحة؛ لأن المختلفين في المذهب يعلل كل واحد منهما مذهبة بعلةٍ على هذه الصفة, ثم إحداهما باطلة, فعلم أن هذا بدليل.
على أنها تبطل بالفلوس إذا أنفقت؛ فإنها أثمان, ولا ربا فيها عندهم.
وعلى أنا ندعي في علتنا مثل ما ادعوه, فلا فرق بينهما.
...
275 -
مسألة
لا يجوز بيع فلسٍ بفلسين سواء كانت نافقةً, أو كاسدةً, وسواء كانت بأعيانها:
وهذا بناء على المسألة التي بعدها, وأن الربا يجري في معمول الحديد والرصاص.
وقد قال أحمد في رواية حنبل: أكره السلم في الفلوس, أو تأخر
الحديث: 275 - الجزء: 3 - الصفحة: 203
القبض فيها؛ هو صرف.
وظاهر هذا من كلامه: أنه جعلها جارية مجرى الأثمان.
وقال أبو حنيفة: إن كانت كاسدة, فلا ربا فيها بحال, وإن كانت نافقة, فباعها بأعيانها, جاز فلس بفلسين, وإن باعها بغير أعيانها, لم يجز بيع فلس بفلسين.
دليلنا: أن ما لم يجز بيع بعضه ببعض متفاضلًا إذا كان في الذمة لم يجز إذا كان معينًا, كالذهب والفضة.
فإن قيل: إذا كانت بغير أعيانها صار فلس بفلس قصاصًا, ويبقى فلس لي بإزائه شيء, وهذا لا يجوز؛ لأنه أكل مالٍ بالباطل, وهذا المعنى معدوم فيها إذا كانت بأعيانها, فلهذا جاز التفاضل.
قيل له: هذا باطل ببيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة عينًا بعين؛ فإن القصاص لا يحصل, ومع هذا لا يجوز التفاضل فيها.
فإن قيل: الذهب والفضة قبضها مستحق في المجلس, والفلوس قبضها غير مستحق في المجلس.
قيل له: لا نسلم لك هذا, وقد كرهه أحمد في رواية حنبل.
الجزء: 3 - الصفحة: 204
واحتج بأنها معدودة, فجاز التفاضل فيها, كالثياب.
والجواب: أنه يبطل بها إذا كانت بغير أعيانها.
وعلى أنا نسلم أنها معدودة, بل هي موزونة, والمعنى في الثياب: أنه يجوز التفاضل فيها إذا كانت في الذمة, وهذا بخلافه.
...
276 -
مسألة
يجري الربا في معمول الصفر والنحاس والرصاص, ونحو ذلك:
نص عليه في رواية أبي طالب وأحمد بن هشام وحرب فقال: لا يباع فلس بفلسين, ولا سكين بسكينتين, ولا إبرة بإبرتين.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
دليلنا: ما يثبت الربا بتبره يثبت في معمولة.
دليله: الذهب والفضة, وعكسه: الطين.
فإن قيل: معمولة وتبره موزون, فلهذا جرى الربا فيه, وما عمل منه خرج بالصنعة عن حد الوزن, فصار في حكم المعدود, فلهذا لم يثبت الربا فيه.
الحديث: 276 - الجزء: 3 - الصفحة: 205
قيل له: ليس الأمر على هذا, بل العادة فيها الوزن, وإن ثمن الثقيل منها أكثر من ثمن الخفيف, فكيف يقال: إنها معدودة؟!
ولو كان هذا لجاز أن يقال: المصوغ من الذهب والفضة معدود, وليس بموزون؛ لأن الخواتيم الصغار والسكاكين المحلاة يقصد منها عددها وصفتها, دون وزنها, ومع هذا فالوزن معتبر فيها.
ولأن كل صفة لو كان عليها الذهب والفضة جرى فيها الربا, فإذا كان عليها الحديد والرصاص جرى فيه الربا.
دليله: إذا كان تبرًا.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد في رواية ابن منصور وابن إبراهيم وحنبل ويعقوب بن لحيان في ثوب بثوبين وكساء بكساوين: لا بأس به يدًا بيدٍ.
قيل له: إنما قال هذا في ثياب لا يبتغى منها الوزن, كالصوف والقطن, فأما للإبريسم؛ فإنه لا يجوز ذلك فيها؛ لأنه يبتغى منها الوزن, فهي كالصفر والنحاس.
وذهب المخالف إلى الأسئلة التي تقدمت, وقد أجبنا عنها.
الجزء: 3 - الصفحة: 206
277 -
مسألة
التفاضل جائز في الماء:
أومأ إليه أحمد في رواية أبي الصقر في عين ماء بين أقوام بينهم نوائب, فاقترض بعضهم نوبة صاحبه, فقال: إن كان محدودًا يعرف, ثم يجمع, فلا بأس.
فقد أجاز قرضه, ولم يعتبر فيه كيلًا, ولا وزنًا, ولو كان فيه الربا لاعتبر ذلك.
وروي عن مالك رواية: أنه لا يجوز.
وروي عن محمد: أن الماء مكيل.
دليلنا: أن كل ما لم ينص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه يباع كيلًا, أو وزنًا؛ فإنه يرجع في كونه مكيلًا أو موزونًا إلى مكة والمدينة, وعندهم إلى العادة.
ومعلوم أن الماء ليس بمكيل ولا موزون بمكة والمدينة, ولا في العادة, ولا فيه نص أيضًا, فلم يكن مكيلًا, كالمعدودات والمذروعات.
واحتج المخالف بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل بالصاع, ويتوضأ بالمد, فلو لم يكن مكيلًا ما قدره بالمد والصاع.
والجواب: أنه قدر ذلك بالصاع والمد في الوضوء والغسل بضرب من التقريب, فأما أن يكون مكيلًا في العقود, فلم ينقل ذلك,
الحديث: 277 - الجزء: 3 - الصفحة: 207
والربا إنما يدخل في ما كان مكيلًا في العقود.
...
278 -
مسألة
إذا باع جنسًا يجري فيه الربا بعضه ببعض, وتفرقا قبل القبض, بطل البيع, وذلك مثل المكيل بعضه ببعض, والموزون بعضه ببعض:
نص على هذا في رواية صالح فقال: لا يجوز بيع البر بالبر, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر إلا يدًا بيد.
وقال- أيضًا-في رواية أبي طالب: الفلوس والنحاس أصله وزن, لا يباع واحد باثنين, ولا الرطل بالرطلين, أذهب إلى قول الثوري, شبهه بالذهب والورق؛ لا يباع إلا يدًا بيد.
فقد نص على التقابض في البر والشعير والتمر, ونص على ذلك في الحديد والنحاس, وبهذا قال مالك والشافعي, إلا أن مالكًا اعتبر ذلك بأصله, وهو المقتات المدخر.
والشافعي اعتبر المطعوم.
الحديث: 278 - الجزء: 3 - الصفحة: 208
وقال أبو حنيفة: يجوز التفرق في ذلك قبل القبض, ولا يجوز شرط الأجل فيه.
دليلنا: ما روى الدارقطني بإسناده عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الذهب بالذهب, والفضة بالفضة, والبر بالبر, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر, والملح بالملح, مثلا بمثل, يدًا بيدٍ, فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ).
وروى- أيضًا- بإسناده عن عبادة بن الصامت: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يباع الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزنٍ, والورق وزنًا بوزنٍ؛ تبره وعينه, وذكر الشعير بالشعير, والبر بالبر, والتمر بالتمر, والملح بالملح, ولا بأس بالشعير بالبر يدًا بيد, والشعير أكثرهما يدًا بيدٍ, فمن زاد, أو أزاد, فقد أربى.
فشرط في بيع البر بالبر وبيع البر بالشعير أن يكون يدًا بيد, وهذا يمنع جواز التفرق قبل القبض.
فإن قيل: قوله: (يدًا بيدٍ) لا يفيد القبض, وإنما يفيد التعيين, وأنه يكون نقدًا, ولا يكون نسيئة, ألا ترى أن ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان إلا يدًا بيدٍ.
واتفقوا أن القبض في المجلس ليس بشرط في بيع الحيوان بالحيوان؟
الجزء: 3 - الصفحة: 209
فثبت أنه أراد به التعيين, وأنه لا يكون نسيئة.
ويقال أيضًا: فلان يبيع يدًا بيد؛ يعني: يبيع نقدًا, ولا يبيع نسيئة.
قيل له: حقيقة قوله: (يدًا بيدٍ) تقتضي التقابض في الحال.
ولأنه قد قال: (عينًا بعينٍ) , فلا يجوز أن يحمل قوله: (يدًا بيد) على معنى التعيين؛ لأن فيه حمل اللفظ على التكرار.
ولأنه قد قال: (الذهب بالذهب مثلًا بمثلٍ يدًا بيدٍ) , واتفقنا أن المراد به القبض.
والقياس: أن ما حرم فيه النساء, حرم فيه التفرق قبل التقابض.
دليله: الذهب والفضة.
ولا يلزم عليه بيع الجواهر بعضها ببعض؛ أنه يحرم فيها السلم, ولا يحرم فيها التفرق قبل التقابض؛ لأنا قلنا: (ما حرم فيه النساء) , والتحريم هناك يرجع إلى العقد؛ لأنه عقد على المجهول؛ لأن الجوهرة لا تضبط, فإذا عقد على مجهول كان المحرم هو العقد دون النسيئة.
يدل عليه: أنها لو كانت في حقةٍ, وعقد عليها مع حضورها, لم يصح البيع عندنا, ويكون المحرم العقد لأجل الجهالة دون البيع نقدًا.
وإن شئت قلت: ما حرم فيه النساء لأجل الربا, حرم فيه التفرق قبل القبض, كالذهب والفضة.
الجزء: 3 - الصفحة: 210
ولا يدخل عليه بيع الجواهر؛ لأن النساء يحرم فيها لأجل الجهالة دون الربا.
يبين صحة هذا: أن التفرق قبل التقابض والنسيئة يجريان مجرى واحدًا, ألا ترى أن الذهب والفضة لما حرما في كل واحد منهما حرما في الآخر, وكذلك رأس مال السلم لما حرم فيه أحدهما حرم الآخر, وما لا ربا فيه لما لم يحرم النساء فيه, لم يحرم التفرق قبل القبض.
فإن قيل: المعنى في الذهب والفضة: أنهما لا يتعينان بالعقد, وإنما يتعينان بالقبض, فكان النساء محرمًا؛ لأن العوض الذي في الذمة غير معين, ومن شرطه أن يكون معينًا, وليس كذلك إذا كانا معينين, فتفرقا قبل التقابض؛ فإن تعينهما بالعقد يغني عن القبض.
قيل: لا نسلم لك هذا؛ لأن الذهب والفضة يتعين بالعقد, ولا يجوز التفرق فيه قبل القبض.
فإن قيل: المصوغ من جنس ما لا يتعين, فألحق بنفسه.
قيل له: إذا فارق جنسه في التعيين, جاز أن يفارقه من حكم
الجزء: 3 - الصفحة: 211
التعيين, ولا يشترط القبض فيه, كما أن الجزء المشاع من الصبرة لما فارق جنسه في التعيين, فبيع غير معين, فارقه في حكمه عندهم, فاشترط فيه القبض.
وقياس آخر, وهو: أن كل عقد أفسده دخول الأجل فيه, كان القبض في المجلس شرطًا فيه.
دليله: لو باع جزءًا مشاعًا من صبرة.
ولا يلزم عليه بيع الجواهر؛ لأن المفسد هناك الجهالة, وليس المفسد دخول الأجل.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع الطعام حتى يقبض.
فظاهره: أنه إذا قبض بعد الافتراق جاز بيعه.
وروي عنه: أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان؛ صاع البائع, وصاع المشتري.
والجواب: أن هذا احتجاج من دليل الخطاب, والمخالف غير قائل به.
على أن الخبر قصد به منع التصرف في المبيع قبل قبضه, ولم يقصد به بيان صحة العقد, وهذا يقف على القبض قبل التفرق, وقد بين ذلك في خبرنا, فهو أولى.
الجزء: 3 - الصفحة: 212
واحتج بأنهما عينان من غير جنس الأثمان, فوجب أن لا يكون القبض في المجلس شرطًا فيهما.
دليله: الأشياء المعدودات, كالحيوان والثياب والعقار.
والجواب: أن المصوغ من الذهب والفضة قد خرج عن أن يكون ثمنًا, ومع هذا فإن القبض شرط في المجلس.
ثم المعنى في تلك الأشياء: أن الربا لا يدخلها, فلهذا لم يحرم التفرق قبل القبض.
ولا يلزم على هذا الجواهر؛ لأنه لم يحرم للتفرق, وإنما حرمت للجهالة, وليس كذلك هاهنا؛ لأنهما عينان يحرم فيهما النساء, فحرم التفرق قبل القبض, كالذهب والفضة.
...
279 -
مسألة
الحنطة والشعير جنسان, يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا ومتماثلًا:
نص عليه في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث: فلا بأس بصاع حنطة بصاعين شعيرًا يدًا بيدٍ.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
الحديث: 279 - الجزء: 3 - الصفحة: 213
وقال مالك: هما جنس واحد, لا يجوز التفاضل فيهما.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية حنبل, فقال: الحنطة والشعير والسلت صنف, وقال: يكره أن يبيع الحنطة بالشعير اثنين بواحد, ويجمعهما في الصدقة.
دليلنا: ما تقدم من حديث عبادة: (ولا بأس بالشعير بالبر, والشعير [أكثرهما]).
وهذا نص.
روى أحمد بإسناده عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الحنطة بالحنطة, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر, والملح بالملح كيلًا بكيل, وزنًا بوزن, فمن زاد, أو ازداد, فقد أربى, إلا ما اختلفت ألوانه).
ولون الشعير يخالف لون الحنطة.
رواه أحمد في (المسند).
ولأنهما عينان لا يقتاتان في بلد واحد غالبًا, فوجب أن يكونا جنسين, كالتمر والزبيب.
يبين هذا: أن الزبيب والتمر يتفاوتان في المنفعة, كما يتفاوت التمر والشعير.
فإن قيل: فرق بينهما بدليل أنه تضم الحنطة إلى الشعير في إيجاب الزكاة, ولا يضم التمر إلى الزبيب.
الجزء: 3 - الصفحة: 214
قيل: قد يضم الذهب إلى الفضة في إيجاب الزكاة, وهما جنسان, وكذلك القطاني.
واحتج المخالف بما روي: أن معمر بن عبد الله أرسل غلامه بصاع من قمح, فقال: بعه, واشتر شعيرًا, فأخذ زيادة بعوض صاع, فقال: رده, ولا تأخذن إلا مثلًا بمثل؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ) , وكان طعامنا يومئذ الشعير.
والجواب: أنا نحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ) على البر بالبر, والشعير بالشعير بدليل حديث عبادة.
وقوله: (كان طعامنا يومئذ الشعير) لا يوجب حمل اللفظ على سببه, بل يعتبر عمومه عندنا.
وأما امتناع معمر بن عبد الله من ذلك, فالجواب عنه كالجواب عما روي عن عمر وسعد ومعيقيب الدوسي وعبد الرحمن بن عبد يغوث بالمنع, وهو محمول على طريق الكراهية منه, دون التحريم بدليل ما ذكرنا من حديث عبادة.
واحتج بأنهما يتقاربان في المنافع, ويتفقان في المنبت والحصاد,
الجزء: 3 - الصفحة: 215
وأحدهما لا يخلو من الآخر, وكانا كالجنس الواحد اعتبارًا بالعلس مع الحنطة, والقشمش مع الزبيب.
والجواب: أن التمر مع الزبيب يتقاربان في المنافع؛ لأنهما حلوان ويقتاتان, وكذلك الذهب والفضة؛ لأنهما قيم المتلفات, وأروش الجنايات, ومع هذا فهما جنسان, ويجوز التفاضل بينهما, كذلك هاهنا.
فإن قيل: أليس قد جعلتموها في حكم الجنس الواحد في ضم أحدهما إلى الآخر في إيجاب الزكاة, يجب أن تفعلوا مثل هذا في الربا.
والجواب: أن الذهب والفضة يضم بعضه إلى بعض, وكذلك القطاني, ومع هذا لم يوجب ذلك أن يكونا جنسًا واحدًا, وكذلك هاهنا.
وعلى أن في مسألة الضم روايتين.
...
280 -
مسألة
ما لا ربا فيه يجوز بيع بعضه ببعض نساءً, وهو ما عدا المكيل والموزون في أصح الروايات:
نص عليها في رواية حنبل, فقال: إذا لم يكن أصله الكيل والوزن, فلا بأس به اثنين بواحد يدًا بيد, ونسيئةً.
الحديث: 280 - الجزء: 3 - الصفحة: 216
وبهذا قال الشافعي, إلا أن الشافعي ما لا ربا فيه عنده: عدا المطعوم.
وفيه رواية أخرى: الجنس بانفراده يحرم النساء.
أومأ إليه في رواية حنبل في موضع آخر: وقد ذكر له قول مكحول: إذا كان الحيوان من صنف واحد فمكروه بيعه نسيئة, وإذا اختلفت فلا بأس؛ البقرة بشاتين, فقال أبو عبد الله: ولا أرى به بأسًا إذا اختلفت, وأتوقاه من جنس واحد.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وفيه رواية ثالثة: العروض بانفرادها يحرم النساء سواء اتفقت أجناسها, أو اختلفت.
نص عليها في مواضع:
فقال في رواية حنبل في موضع آخر: لا يباع شيء من الحيوان اثنين بواحد إلى أجل, وإن اختلفت أجناسهم.
وقال- أيضًا- في رواية أبي طالب: لا يعجبني بعير ببعيرين نساءً.
وقال- أيضًا- في رواية أبي الحارث وجعفر بن محمد: ثوب بثوبين يدًا بيد, ولا يجوز نسيئة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن إبراهيم: ثوب قطن بثوبي كتان
الجزء: 3 - الصفحة: 217
نسيئة لا يجوز؛ اختلف, أو لم يختلف.
وهو اختيار الخرقي.
وقال مالك: الزيادة في الجنس تحرم النساء, فأما التساوي في الجنس, أو الزيادة في الجنسين, فلا تحرم النساء.
وجه الرواية الأولى: ما روى الدارقطني بإسناده عن عمرو بن العاص: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يجهز جيشًا, قال عبد الله: ليس عندنا ظهر, فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبتاع ظهرًا إلى خروج المصدق, وابتاع عبد الله بن عمرو بالبعيرين وبالأبعرة إلى خروج المصدق بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال الدارقطني: حديث صحيح جيد الإسناد.
فوجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عبد الله أن يبتاع إبلًا على أن يرد بدلها إبلًا مؤجلة, فابتاع عبد الله بعيرًا ببعيرين إلى أجل, فلو كان الجنس بانفراده يحرم النساء لما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ إبلًا مؤجلة.
فإن قيل: ليس في الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بإثبات الإبل في ذمته إلى أجل, ويجوز أن يكون أمره بشراء الإبل بالدراهم؛ ليبيع إبل الصدقة, ويقضي من ثمنها.
قيل: في الخبر قال: ابتعت البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة.
الجزء: 3 - الصفحة: 218
وهذا يقتضي: أن الشراء وقع على نفس الأبعرة دون أثمانها, وفعل ذلك بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فإن قيل: يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يثبت إبلًا مثلها في إبل الصدقة, فأخذ عبد الله على أن تبقى ثابتة في إبل الصدقة, ومثل هذا جائز عندنا, وإنما الخلاف في جواز ثبوتها في الذمة بعقد البيع, وليس في الخبر أنها ثبتت في ذمة النبي - صلى الله عليه وسلم - , أو في ذمة عبد الله.
قيل له: لا يصح إثباتها في إبل الصدقة؛ لأن العوض المطلق في البيع إنما يثبت في الذمة دون غيرها.
وقد روينا في الخبر: فابتاع البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى خروج المصدق.
والقياس: أنهما عوضان لا يحرم فيهما التفرق قبل التقابض, فوجب أن لا يحرم إسلام أحدهما في الآخر لأجل الربا, أو لا يحرم إسلام أحدهما في الآخر إذا أمكن ضبطه بالوصف.
دليله: بيع ثوب كتان بثوب قطن, أو إبريسم, والثوب الهروي بالمروي.
ولا تلزم عليه الجواهر؛ لأنه لا يحرم فيها التفرق قبل القبض, ولا يجوز إسلام أحدهما في الآخر؛ لقولنا: لأجل الربا, وهناك لم يمنع لأجل الربا, لكن لأجل الجهالة, ولعدم ضبط صفاته.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه عدم وصفي علة تحريم التفاضل,
الجزء: 3 - الصفحة: 219
وهو: الجنس, والكيل أو الوزن, وليس كذلك هاهنا؛ لأن أحد وصفي علة تحريم التفاضل موجود, وهو الجنس.
قيل له: إذا كان القياس على الثوب الهروي بالمروي, لم تصح المعارضة في الأصل؛ لأن أحد وصفي العلة موجود, وهو الجنس؛ لأن أصلهما القطن, وهو جنس واحد.
فإن قيل: الصنعة تجعلهما جنسين.
قيل له: الصنعة في الفضة لا تخرجها عن أصلها, ولا تجعلها جنسًا آخر, بل الخلاص من جنس الدراهم المضروبة والحلي سواء.
فإن قيل: الصنعة في الفضة لا تخرجهما عن حد الوزن.
قيل له: وكذلك أواني الحديد والرصاص.
ويبين صحة هذا على أصلنا, وأن الصفة لا تجعله في حكم الجنسين على أصلنا: أن الخل والدبس من جنس واحد عندنا, ولا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا, وكذلك الرائب- وهو الدوخ- والحليب جنس واحد, وإن كان الرائب حامضًا بالصنعة, وكذلك المصل بالجبن جنس واحد.
وقد قال أحمد- في رواية أحمد بن سعيد- في اللبن بالزبد والمصل اثنين بواحد: أكرهه؛ لأن أصلهما الطعام, وكذلك الأدهان
الجزء: 3 - الصفحة: 220
كلها ما كان منها من السمسم لا يجوز واحد باثنين, وإن تفاضلت بالصنعة [....].
وأما الكلام على علة الفرع فيأتي في أدلتهم, إن شاء الله تعالى.
ولأن الأجل أحد وجهي الربا, فوجب أن لا يعم الأموال, أو نقول: فلا يجوز تحريمه بمجرد الجنس.
دليله: تحريم التفاضل؛ فإنه لا يعم جميع الأموال, ولا يتعلق بمجرد الجنس, بل يختص بالمكيل والموزون, وكذلك الأجل يجب أن لا يعم, ولا يتعلق بمجرد الجنس.
ولا يصح قولهم: (إن جهات الربا ثلاثة: التفرق قبل القبض, والنساء, والتفاضل)؛ لأن التفرق قبل القبض والنساء نوع واحد, وهو الافتراق من غير تقابض, والتفاضل نوع آخر من جهة أخرى.
فإن قيل: تحريم النساء أعم وآكد من تحريم التفاضل؛ لأن تحريم التفاضل يختص الجنس الواحد, وتحريم النساء يعم الجنس والجنسين, فلو باع به الشعير مكوك بمكوكين جاز.
قيل له: تحريم التقابض أعم من تحريم التفاضل, ومع هذا لا يعم الأموال, ولا يتعلق بالجنس.
الجزء: 3 - الصفحة: 221
وبيانه: أن بيع الذهب بالفضة يحرم فيه التفرق قبل التقابض, ولا يحرم التفاضل في ذلك.
واحتج المخالف بما روى أحمد في (المسند) بإسناده عن سمرة قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
والجواب: أنا نحمل ذلك على النسيئة في العوضين جميعًا, وهو الظاهر من الخبر؛ لأن النسيئة صفة الحيوان المذكورة في الخبر, فرجع إليهما جميعًا, وتكون الدلالة على هذا خبرنا, وهو أحصر.
واحتج بما روى أبو بكر بإسناده عن أسامة بن زيد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما الربا في النسيئة).
والجواب: أنه محمول على ما يجرى فيه الربا بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأن الجنس أحد وصفي علة تحريم التفاضل يدًا بيد, فوجب أن يحرم النساء.
دليله: المعنى المضموم إلى الجنس, وهو الكيل.
قالوا: ولا يلزم عليه الدراهم في سائر الموزونات؛ لأن من أصلنا جواز تخصيص العلة الشرعية.
وقد احترز بعضهم عن ذلك, فقال: أحد وصفي علة تحريم
الجزء: 3 - الصفحة: 222
التفاضل في غير جنس الأثمان, أو في ما يتعين.
ولا يلزم عليه الدراهم في سائر الموزونات؛ لأنها من جنس الأثمان, ولأنها لا تتعين.
والجواب: أنا لا نسلم: أن التحريم في الأصل ثبت لوجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل, وإنما ثبت لوجود علتيه, وهو الكيل والجنس.
فإن قاسوا على المكيل من جنسين, كالحنطة والشعير, وأنه يحرم النساء لوجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل, فالمعنى في الأصل: أنهما عوضان يحرم إسلام أحدهما في الآخر لأجل الربا, فلهذا حرم فيهما النساء, وليس كذلك هاهنا؛ لأنهما عوضان لا يحرم التفرق فيهما قبل التقابض, فوجب أن لا يحرم النساء.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: ما ذهبتم إليه يفضي إلى أن يكون المعقود عليه- وهو الثمن- مستحقًا, وهو إذا أسلم في ثوب هروي ثوبًا مرويًا, ثم حل الأجل, استحق عليه تسليم ما كان ثمنًا, فلم يجز ذلك.
قيل: يجوز ذلك إذا كان استحقاقه بسبب آخر, وهو كونه عوضًا عما في ذمته, بمثابة ما لو باع الثوب الذي كان عوضًا في السلم, ثم اشتراه؛ فإنه يصح, وإن كان مستحقًا في العقد الأول, ومستحقًا في العقد الثاني.
الجزء: 3 - الصفحة: 223
- فصل:
والدلالة على مالك في جواز التفاضل في ذلك: ما تقدم من حديث عمرو بن العاص؛ وأنه أخذ بعيرًا ببعيرين إلى إبل الصدقة.
ولأنهما عوضان لا يحرم النساء فيهما مع التساوي, فلم يحرم مع التفاضل.
دليله: الجنسان.
وعكسه: الذهب والفضة؛ لما حرم النساء فيهما مع التساوي, حرم مع التفاضل.
واحتج المخالف بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الربا في النسيئة).
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن في الزيادة ذريعة إلى القرض الذي يجر نفعًا؛ لأنه كأنه أقرضه بعيرًا ببعيرين إلى أجل؛ لأنه ليس هناك اختلاف أغراض, وتباين منافع, فيحمل التفاضل عليه, فلم يبق إلا ما قلنا, وإذا قويت التهمة فيه منعناه؛ لكونه ذريعة إلى الأمر الممنوع منه.
ويفارق هذا إذا تساويا؛ لأن هذه الذريعة معدومة.
قالوا: ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب في من باع طعامًا إلى أجل, فحل الأجل: فلا يأخذ قيمته طعامًا, ولا تمرًا, ولا شيئًا يكال ويوزن؛ لأنه يؤدي [إلى] دخول النساء في ما يدخله الربا.
والجواب: أنه لا يجوز أن يحمل على القرض, وله وجه مقصود
الجزء: 3 - الصفحة: 224
في البيع؛ لأنه قد يقصد الربح ببيع بعير ببعيرين نساء, كما يقصد ذلك بعقد السلم, فوجب حمله عليه.
واحتج من نصر الرواية الثالثة بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إنما في النسيئة).
والجواب: أنه محمول على ما يجري فيه الربا.
واحتج بأن الأشياء نوعان: أثمان, ومثمنات.
ثم ثبت أن الأثمان تحرم النساء بانفرادها, كذلك المثمنات.
والجواب: أن المعنى في الأثمان: أن يجري فيها الربا, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لا يجري فيه الربا.
واحتج بما روى أحمد في ما تقدم في مسألة علة الربا بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تبيعوا الدينار بالدينارين, ولا الدرهم بالدرهمين, ولا الصاع بالصاعين) , فقام رجل, فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس, والنجيب بالإبل؟
فقال: (لا بأس إذا كان يدًا بيد).
فقد اعتبر القبض في بيع الحيوان متفاضلًا.
والجواب: أنه محمول عليه إذا كان النساء من الطرفين, فيحصل بيع دين بدين.
فإن قيل: فذلك لا يكون يدًا بيد, وإنما يكون يدًا بنسيئة.
الجزء: 3 - الصفحة: 225
قيل: إنما قال: (يدًا بيدٍ) على طريق إلحاق أحدهما بالآخر اسمًا, وذلك كثير في اللغة؛ قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67] , والنسيان إنما كان في أحد الطرفين, وهو في حق الآدمي, وإنما أخرجه للجزاء.
...
281 -
مسألة
إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان, فباع من أهل الحرب درهمًا بدرهمين, أو درهمين بدرهمٍ, لم يجز:
نص عليه في رواية أبي الحارث وابن إبراهيم وابن القاسم: وقد سئل عن الأسير يشتري الدرهم بدرهمين, فقال: معاذ الله! ما أحل الله الربا في موضع من المواضيع.
وقال- أيضًا- في رواية المروذي: وقد سئل عن الربا في بلاد العدو, قال: لا.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
دليلنا: ما روى عبادة بن الصامت, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب, ولا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل).
الحديث: 281 - الجزء: 3 - الصفحة: 226
ولم يفرق بين دار الحرب ودار الإسلام, فهو على العموم.
ولأن ما حرم فعله عل المسلم في دار الإسلام, حرم في دار الحرب, كالزنا وارتكاب الفواحش.
وإن شئت قلت: لأنها إحدى الدارين, فلم يجز فيها بيع درهم بدرهمين.
دليله: دار الإسلام.
فإن قيل: سائر الفواحش لا يجوز استباحتها على أهل دار الحرب بوجه, وليس كذلك هاهنا, لأن ما أخذه على وجه الاستباحة, ولا خلاف أن أخذ مال الحربي على وجه الاستباحة يجوز, فلهذا فرقنا بينهما.
قيل له: فيجب أن يأخذه في دار الإسلام على الوجه الذي يأخذه في دار الحرب؛ لأن أخذ ماله يجوز على وجه الاستباحة.
قيل له: دار الإسلام دار إباحة في حق الحربي إذا لم يكن له أمان.
يدل عليه: أنه إذا دخل دار الإسلام؛ فإنه يؤخذ, وما معه من المال, كما يؤخذ في دار الحرب, وإذا كان له أمان منع الأمان من أخذ ذلك.
وكذلك دار الحرب دار إباحة لمن لا أمان له من الكفار, ومن له أمان لا يجوز أخذ ماله.
وقد نص أحمد على هذا في رواية الميموني: وقد سئل عن بيع
الجزء: 3 - الصفحة: 227
الأسير في أرض العدو الدرهم بالدرهمين, فقال: إذا كان موثقًا في أيديهم, ولم يأتمنوه, سرق منهم, وأخذ ما شاء, وإذا دخل بأمان لم يبع الدرهم بالدرهمين, ولم يسرق.
فإن قيل: فيجب إذا سرق منهم مالًا, أو قهرهم على مال, وخرج إلى دار الإسلام: أن لا يملكه, ويجب رده إليهم.
قيل: هكذا نقول: إذا دخل دار الحرب بأمان, وكذلك إذا استقرض منهم, واشترى منه في ذمته, وخرج إلى دار الإسلام, وجب عليه أن ينفذ العوض إلى صاحبه.
وقد قال أحمد في رواية أبي داود في أسير قال لعلجٍ: أخرجني إلى مأمني, وأعطيك كذا: يفي له بذلك, فإن لم يجد يفديه المسلمون, إن لم يوجد في بيت المال.
واحتج المخالف بما روى مكحول, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب).
فنفى أن يكون بينهم ربا.
والجواب: أنا لا نعرف هذا الخبر.
ولو صح حملنا قوله: (لا ربا)؛ معناه: لا يجوز الربا, كما [قال - صلى الله عليه وسلم -]: (لا جلب, ولا جنب, ولا شغار في الإسلام).
الجزء: 3 - الصفحة: 228
وقوله: (لا صرورة في الإسلام).
وقوله: (لا صلاة إلا بطهور).
وما أشبه ذلك.
فيكون حجة عليهم, وتكون فائدة التخصيص بدار الحرب؛ ليبين أنها- وإن ما يأخذه المسلم من الحربي في دار الحرب لا يأخذه على وجه البيع؛ لأن بيع درهم بدرهمين لا يجوز, وإنما يأخذه على وجه الاستباحة, وله أن يأخذه على هذا الوجه؛ لأن أموالهم مباحة لنا ما لم يحظره الأمان, فإذا أعطاه درهمين بطيبة نفسه, وأخذ درهمًا, حملنا الأمر على الوجه الذي يجوز, وهو أن ذلك القدر لم يدخل تحت الأمان.
والجواب: أنها في حق من دخل إليهم بأمان دار حظر, وليست بدار إباحة.
وعلى أنها دار إباحة في حق الكفار, فأما المسلمون وأموالهم غير مباحة فيها, والخلاف في المسلمين إذا تبايعوا فيما بينهم, وإذا تبايعوا
الجزء: 3 - الصفحة: 229
مع أهل الحرب واحد.
ثم يبطل هذا بمن تزوج منهم بخمس نسوة, فيجب أن تكون مأخوذة بالاسترقاق دون العقد, ويجب إذا قتل منهم في دارهم, وبيع جسده بمال أن يملك المال بالاستباحة, ولا يجوز ذلك لما روى ابن المنذر في كتابه عن ابن عباس: أن مشركًا قتل يوم الأحزاب, فبعث المشركون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ابعث إلينا جسده, ونعطيك عشرة آلاف درهم, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا خير في جسده, ولا ثمنه).
وهذا يدل على أن أخذ المال على ذلك لا يحل.
فإن قيل: هذا كان بالمدينة في الوقت الذي حاصروا النبي - صلى الله عليه وسلم - , وكانت دار إسلام.
ولأنه يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك غيظًا لهم, واستخفافًا بهم.
قيل له: النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل العلة في رد ديته؛ لأنه لا خير في جسده, وعلى قولهم العلة فيه أنه كان في دار الإسلام, أو قصد غيظهم, وهذا خلاف الظاهر.
الجزء: 3 - الصفحة: 230
282 -
مسألة المكيلات المنصوص عليها مكيلة أبدًا, لا يجوز بيع بعضها ببعض إلا كيلًا, والموزونات المنصوص عليها موزونة أبدًا, وما لم ينص على تحريم التفاضل فيه كيلًا ولا وزنًا, فالمرجع فيه إلى عرف العادة بالحجاز في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فما كانت
العادة فيه الكيل, لم يجز إلا كيلًا في سائر الدنيا.
وما كانت العادة فيه الوزن, لم يجز إلا وزنًا في سائر الدنيا.
فأما ما ليس هناك عرف, أو حدث لشيء عرف بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - احتمل أن يرد إلى أقرب الأشياء به شبهًا بالجحاز, واحتمل أن يعتبر بحاله بالعرف في موضعه:
وقال أبو حنيفة: ما لم ينص على تحريم التفاضل فيه كيلًا, ولا وزنًا, فالمرجع فيه إلى عادة الناس, ولا نخصه بعادة أهل الحجاز.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الوزن وزن أهل مكة, والمكيال مكيال المدينة).
وفي رواية أخرى: (المكيال مكيال أهل المدينة, ولا ميزان إلا بمكة).
وإنما قصد رد البلاد كلها إلى هذين البلدين, ولم يرد أيضًا: أن
الحديث: 282 - الجزء: 3 - الصفحة: 231
الاعتبار بمكيال المدينة دون مكيال مكة, ولا اعتبار بميزان مكة دون المدينة.
ولأن العرف في البلدان يومئذ سواء, وإنما نص على مكيال المدينة؛ لينبه به على مكيال مكة, ونص على ميزان مكة؛ لينبه به على ميزان المدينة.
فإن قيل: يحمل المكيال مكيالهم في تقدير الصاع بالكفارات, والميزان ميزانهم في نصاب الزكاة.
قيل: هذا تخصيص بغير دليل.
واحتج المخالف بما روي في حديث عبادة وأنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما وزن مثلًا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا, وما كيل مثلًا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا) , ولم يفصل.
والجواب: أنه محمول على ما نص على وزنه أو كيله بما ذكرنا.
واحتج بأن ما لم ينص على كونه مكيلًا, جاز بيع بعضه ببعض وزنًا.
أصله: الدراهم والدنانير.
ولم ينص على كونه موزونًا, جاز بيع بعضه ببعض كيلًا.
أصله: الطعام والملح.
الجزء: 3 - الصفحة: 232
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه منصوص عليه وزنًا وكيلًا, فلهذا جاز, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه غير منصوص على كونه وزنًا, ولا يثبت عرفه بالحجاز وزنًا, فلم يجز بيعه وزنًا, كالطعام.
واحتج بأن كل بقعة لا تعتبر عادة أهلها في غير زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - , لا تعتبر عادة أهلها في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - , كسائر البقاع.
والجواب: أنه إن ما لم يعتبر في غير زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - , وأقر عليه, فهو شرعه وأمره, وليس إذا لم يجب العمل بفعل غيره وقوله, لا يجب بقوله [....].
...
283 -
مسألة
لا يجوز بيع الحنطة بالدقيق في أصح الروايتين:
رواها ابن إبراهيم, وابن بختان, وأبو الحارث, وابن منصور في إحدى الروايتين.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وفيه رواية أخرى: يجوز ذلك وزنًا.
رواها ابن منصور في موضع آخر.
الحديث: 283 - الجزء: 3 - الصفحة: 233
وروى حرب- أيضًا- عنه: وقد سئل عن بيع الدقيق بالخبز, فلم يعجبه, وسهل في الدقيق بالبر وزنًا.
واختلف أصحاب مالك في تحصيل مذهبه في بيع الحنطة بالدقيق؛ فمنهم من قال: المسألة على روايتين.
ومنهم من قال: المسألة على اختلاف حالين؛ فإن كان كيلًا لم يجز, وإن كان وزنًا جاز.
وكذلك الخلاف في بيع الحنطة بالسويق, وبيع السويق بالدقيق.
وقال في رواية حنبل: لا بأس بالبر بالسويق, والسويق بالدقيق وزنًا, ولا يجوز كيلًا.
وقال في رواية أبي الحارث: السويق بالحنطة أكرهه.
وكذلك في رواية مهنا: أكره حنطة مقلية بغير مقلية.
فالدلالة على أنه لا يجوز في الجملة هو: أنه جنس فيه الربا, بيع بعضه ببعض على صفة ينفرد أحدهما بالنقصان عن الآخر في المستقبل, في ما قدر به, فلم يجز.
دليله: بيع الرطب بالتمر.
وافق مالك على ذلك, والرواية لا تختلف عن أحمد في ذلك أيضًا.
ولا يلزم عليه بيع الرطب بالرطب؛ لأنهما يتساويان في النقصان.
ولا تلزم عليه الحنطة العفنة بالجيدة؛ لأن النقصان لا يحصل في ما قدر به.
الجزء: 3 - الصفحة: 234
وإن شئت قلت: جنس فيه الربا, بيع بعضه ببعض على صفتين مختلفتين, أشبه الرطب بالتمر.
ولا يلزم عليه الرطب بالرطب؛ لأن الصفة واحدة.
والأولى أصح؛ لأن هذه تنتقض بالعفنة والجيدة, والبياض مع السواد.
فإن قيل: فيجب إذا باع حنطة بدقيق, ثم طحنت الحنطة, فلم يزد كيلها على كيل الدقيق؛ أن يجوز.
قيل له: الغالب أنها تزيد, والحكم للغالب.
واحتج المخالف بأن الدقيق هو الحنطة بعينها, وإنما تفرقت أجزاؤها, فصار كالصحاح بالمكسرة.
والجواب: أن التساوي هناك بالوزن, وقد وجد, وهو المعتبر, والتساوي هاهنا يعتبر بالكيل, وهما [غير] متساويين.
ولأن الحنطة إذا طحنت زادت على كيل الدقيق, فلذلك لم يجز.
*فصل:
فإن قلنا: يجوز بيع الحنطة بالسويق, وبيع السويق بالدقيق, فإنما يجوز متساويًا, ولا يجوز متفاضلًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 235
نص عليه في رواية حنبل.
وقال مالك وأبو يوسف ومحمد: يجوز متساويًا ومتفاضلًا.
دليلنا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الطعام بالطعام مثلًا بمثل).
واسم الطعام يتناول الدقيق والسويق باتفاق, فوجب اعتبار المساواة فيه لعموم الخبر؛ لأن الدقيق والسويق من أجزاء الحنطة, فلا يجوز التفاضل فيهما.
دليله: الدقيق بالدقيق, والخبز بالخبز.
وإن شئت قلت: هما من أجزاء الحنطة, فكانا جنسًا واحدًا.
دليله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأن الصنعة قد غيرت حكم السويق, وجعلته جنسًا مفردًا عن الحنطة, وللتغيير بالصنعة تأثير في اختلاف الجنسية, ألا ترى أن لحم الضأن والمعز لا يجوز متفاضلًا, ثم بيع النيئ بالمطبوخ منه متفاضلًا جائز؛ لاختلاف الأغراض منه, كذلك السويق والدقيق.
وربما قالوا: كل واحد منهما لا يعود مثل صاحبه, فهو كالناطف والخل.
والجواب: أن هذا المعنى موجود في الدقيق مع الحنطة؛ فإن
الجزء: 3 - الصفحة: 236
الصنعة قد غيرت حكم الدقيق, وجعلته في حكم جنس آخر لاختلاف المنافع, وكذلك الحنطة المقلية وغير المقلية جنس واحد عند أبي يوسف ومحمد, ولا يعود مثل صاحبه, ومع هذا فلا يجوز التفاضل.
وقد نص أحمد على هذا في رواية مهنا: وقد سئل عن الحنطة المقلية بغير المقلية, فكرهه.
وما ذكروه من اللحم النيئ بالمطبوخ, وأنه يجوز متفاضلًا, فغير صحيح؛ لأنه لا يجوز عندنا؛ لا متفاضلًا, ولا متساويًا؛ لأنه يجري مجرى الرطب بالتمر, والخبر بالحنطة.
وكذلك الناطف بالخل لا يجوز.
وقد نص أحمد على هذا في رواية ابن القاسم: وقد سئل عن اللحم المطبوخ باللحم النيئ, وأن مالكًا يقول: لا بأس بهم تفاضلًا لما قد دخله من الصنعة, فكرهه.
قيل له: يقولون في اللحم النيئ بالمشوي: لا يجوز, فقال: نعم, هكذا هو.
وقيل له: واللحم الطري بالقديد؟ فقال: هذا بمنزلة الرطب بالتمر؛ لأن اللحم الطري رطب, وهذا يابس.
وقد نص- أيضًا- في بيع الخبز بالحنطة في رواية ابن
الجزء: 3 - الصفحة: 237
إبراهيم, فقال: لا يعجبني.
ونص في رواية ابن القاسم وسندي في بيع الخبز بالدقيق: لا يجوز.
...
284 -
مسألة
يجوز بيع الدقيق بالدقيق إذا كانا على صفة واحدة من النعومة:
ذكره أبو بكر في كتابه (الشافعي).
وهذه المسألة تدل على أن للدقيق مثل؛ إذ لو لم يكن له مثل لم يجز بيع بعضه ببعض لعدم المساواة.
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: لا يجوز, ولا مثل له عنده.
دليلنا: ما روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ).
واسم الطعام يتناول الدقيق باتفاق.
وكل عين جاز بيع بعضها ببعض قبل تفرق أجزائها, جاز بعد تفرقها إذا جاز تفريقها.
دليله: الشيرج بالشيرج, والعصير بالعصير.
الحديث: 284 - الجزء: 3 - الصفحة: 238
وإن شئت قلت: ما كان له مثل قبل تفريق أجزائه, كان له مثل, وإن تفرقت.
دليله: الدراهم.
وكل جنس جاز بيع بعضه ببعض إذا كان على صفة الادخار, جاز بيع بعضه ببعض إذا زال عن حال الادخار.
دليله: بيع الحنطة بالحنطة؛ يجوز إذا كان على صفة الادخار, ويجوز إذا زالا عن ذلك بالعفن.
أو نقول: كل جنس جاز بيع بعضه ببعض إذا كان على صفة ادخاره, جاز بيع بعضه ببعض على غير تلك الصفة.
دليله: اللبن باللبن, والعصير بالعصير.
فإن قيل: معظم منافع اللبن حال رطوبته تجرى مجرى ادخاره.
قيل له: عامة منافع اللبن طريًا توجد حال رطوبته, وكذلك عامة منافع الدقيق؛ لأنهما قد اتفقا في الصفة والمقدار, أشبه بيع الحنطة بالحنطة.
ولا يلزم عليه بيع الرطب بالتمر؛ لاختلافهما في الصفة.
واحتج المخالف بأنه جنس فيه الربا, بيع بعضه ببعض على صفة يتفاضلان في حال الكمال والادخار, فوجب أن لا يصح.
دليله: بيع الحنطة بالدقيق, والرطب بالتمر, واللحم بالحيوان.
والجواب: أنه ينتقض ببيع الحنطة العفنة بالعفنة؛ فإن هذا
الجزء: 3 - الصفحة: 239
الوصف موجود فيه, وقد يجوز.
وقد احترز بعضهم, فقال: قوت زال عن هيئة الادخار بصنعة آدمي, فأشبه الحنطة بالدقيق, والناعم بالخشن.
والجواب: أن قولهم: (قوت) لا تأثير له؛ لأن غير القوت, وهو اللحم الطري باللحم الطري لا يجوز, وإن لم يكن قوتًا.
ثم لا نسلم أنه زال عن حال بقاء نوعه, وإنما زال عن حال بقاء أصله, وهذا لا يمنع البيع, كالعصير بالعصير, وقد زال عن حال بقاء أصله, وهو الزبيب, ومع هذا يجوز.
ثم المعنى في الناعمة بالخشنة, والحنطة بالدقيق, والرطب بالتمر, واللحم بالحيوان: أنه يفضي إلى أن ينفرد أحدهما بالنقصان في الثاني؛ لأن الخشن لو أعيد الطحن عليه زاد, وهذا لا يوجد في الناعمين.
وكذلك الحنطة لو طحنت تفرقت أجزاؤها, فزادت.
وكذلك الرطب إذا جف, وبلغ في الجفاف حالة التمر, نقص عنه.
وكذلك الحيوان إذا ذبح, نقص عن قدر اللحم, فلهذا لم يجز.
وليس كذلك هاهنا؛ لأن المساواة موجودة حال العقد على وجه لا يفضي إلى أن ينفرد أحدهما بالنقصان في الثاني, فهو كالحنطة بالحنطة.
الجزء: 3 - الصفحة: 240
وإن شئت قلت: المعنى في هذه الأصول: أن الصفة مختلفة, وهاهنا الصفة متفقة.
واحتج بأن أجزاءه مختلفة بالنعومة والخشونة, فلم يكن له مثل.
والجواب: أن هذا النوع من الاختلاف غير مؤثر بدليل الحنطة الرزينة بالخفيفة, والتمر الحديث بالعتيق؛ فإنه لا يمنع المثلية لأجل المساواة في المكيال, كذلك هذا.
واحتج بأن بيع الدقيق بالدقيق يؤدي إلى التفاضل حال كونها بوزن؛ لأن دقيق الحنطة الثقيلة أكثر من دقيق الحنطة الخفيفة, فكأنه باع حنطة بحنطة متفاضلة, وهذا لا يجوز.
والجواب: أن هذا يبطل بخل العنب والعصير؛ فإنه يجوز مثلًا بمثل, ونحن نعلم أنا إذا رددناهما إلى العنب كان أحدهما أكثر من الآخر؛ لأن العصير من بعض العنب يكون من بعض, ثم لا يجري مجرى العنب بالعنب متفاضلًا.
...
285 -
مسألة
يجوز بيع الخبز وزنًا:
قال في رواية أبي الحارث: رغيف برغيف لا بأس به إذا لم يرد
الحديث: 285 - الجزء: 3 - الصفحة: 241
الفضل خلافًا لأصحاب الشافعي في قولهم: لا يجوز.
دليلنا: أن ما يخالطه من الماء والملح يراد لمصلحته, وهو غير متفاوت, فلم يمنع من البيع, كبيع الثمر بالثمر وفيه نواة, والجوز واللوز في قشره؛ فإن النوى والقشر غير مأكول, ولم يمنع من البيع.
ولا يلزم عليه إذا باع طعامًا وماءً وملحًا بطعام وماء وملح؛ لأن ذلك ليس من مصلحته.
ولا يلزم عليه إذا باع الهريسة بعضها ببعض والعصيدة؛ لأن التفاوت يكثر في ما يحصل فيها من اللحم والدبس.
واحتج المخالف بأن مع البر من غير جنسه, وهذا لا يجوز.
ولأن أصل كل واحد الكيل, فلا يجوز بيعه وزنًا.
ولأن عمل النار فيه لا يختلف.
والجواب عن قولهم: (إن مع البر من غير جنسه) فيبطل بالنوى في التمر, والقشر في اللوز والجوز.
وأما قوله: (إن الأصل فيه الكيل) فقد انتقل عن ذلك إلى الوزن, فهو كاللبن؛ يباع بعضه ببعض كيلًا, فإذا صار أقطًا أو جبنًا بيع وزنًا.
وأما قوله: (إنه يتفاوت في الجفاف) فيبطل ببيع التمر بالتمر؛ فإنه يختلف جفافه في الشمس, ومع هذا يجوز بيع بعضه ببعض, كذلك هاهنا.
وهذه المسألة تدل على أن للخبز مثلًا؛ إذ لو لم يكن مثله
الجزء: 3 - الصفحة: 242
لم يجز بيع بعضه ببعض؛ لعدم المساواة.
...
286 -
مسألة
لا يجوز بيع الحنطة المبلولة باليابسة:
وقد قال أحمد في رواية الميموني: إذا كانت الثمرة واحدة, فلا يجوز أن يشترط رطبًا بيابس.
واحتج بالتمر بالرطب, وقال: الحنطة اليابسة بالرطبة فلا.
دليلنا: أن إحدى الحنطتين تخالف الأخرى في الصفة المقصودة, فلم يجز.
دليله: المقلية بغير المقلية.
فإن قيل: المقلية فيها زيادة صفة لها قيمة, كالصبغ في الثوب, فيصير بمنزلة من باع قفيز حنطة بقفيز, وشرط مع أحدهما زيادة درهم.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون المانع ما ذكرت؛ لأن المصوغ من الذهب والفضة للصنعة قيمة, ومع هذا لا يجوز بيعه بالتبر من جنسه.
وأيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم - في بيع الرطب بالتمر: (أينقص الرطب إذا يبس؟)
الحديث: 286 - الجزء: 3 - الصفحة: 243
قالوا: نعم.
قال: (فلا إذًا).
وهذا موجود هاهنا.
واحتج بأن المساوة موجودة حال العقد, أشبه إذا كانا يابستين.
والجواب: أنه يبطل بالمقلية مع غير المقلية.
وعلى أن الكلام يأتي في ذلك في مسألة بيع الرطب بالتمر.
...
287 -
مسألة
خل العنب وخل التمر جنسان, يجوز التفاضل فيهما:
ذكره أبو بكر في كتاب (الخلاف) , وحكاه عن أحمد في رواية مهنا.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: هما جنس واحد, لا يجوز التفاضل فيهما.
وقد روى مهنا عن أحمد: وقد سئل عن الخل من الخمر بخل
الحديث: 287 - الجزء: 3 - الصفحة: 244
التمر, فقال: كل واحد لا يصلح إلا مثلًا بمثل.
هكذا رواه أبو بكر في كتاب (الشافعي).
وهو قول مالك.
فالدلالة على الجواز: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما وزن مثلًا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا.
وخل العنب وخل التمر نوعان, فدليل الخطاب يقتضي أن لا تجب الماثلة فيهما.
ولأنهما نوعان لأصلين هن أجناس, ويجوز التفاضل فيها, وكانت الفروع أجناسًا, يجوز التفاضل فيها.
دليله: الأدقة, والأخباز, والشبرق مع الزيت.
ولا يلزم عليه اللحمان والألبان؛ لأنهما أجناس على الصحيح من الروايات.
واحتج المخالف بأن منافعهما متقاربة, أشد تقاربًا من لحم الضأن والماعز, ومع هذا فهما جنس واحد, كذلك هاهنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 245
ولأنه لو حلف: لا يأكل خلًا, فأي خل أكل حنث, فنقول: شمله اسم جمع خاص, أشبه لحم الضان والماعز, وخل العنب بخل العنب.
والجواب: أنه يبطل بالأخباز والأدقة وبالزيت مع الشبرق؛ فإن هذه الأشياء قد شملها الاسم الخاص في كونها دقيقًا وخبزًا, وكونها دهنًا, ولو خلف: لا أكل دقيقًا- أو خبزًا- أو دهنًا, حنث بكل واحد منهما.
وأما خل العنب بخل العنب فالمعنى فيهما: أنه لما جرى الربا في أصلهما, جرى في فرعهما.
وأما اللحمان وألبان الغنم مع البقر ففيه روايتان؛ فعلى إحداهما: لا نسلم.
والثانية: يجري فيهما الربا, وإن لم نجزه في أصولهما؛ لأنه لما لم يجز الربا في أصولها, لم يمكن اعتبار حالها بها, فاعتبرنا الاتفاق والاختلاف حالة حدوث حكم الربا في الفروع, وليس كذلك هاهنا؛ لأن أصولها يجري فيها الربا, فكان اعتبار الفروع بها.
الجزء: 3 - الصفحة: 246
288 -
مسألة
لا يجوز بيع شيء من المكيلات والموزونات على التحري:
أومأ إليه في رواية حنبل: وذكر له قول مالك: لا خير في الخبز قرصًا بقرصين إذا كان بعض ذلك أفضل, فأما إذا كان يتحرى مثلاُ بمثل, فلا بأس, وإن لم يوزن, ويرد مثل وزنه, فقال أحمد: الموزون أحب إلي, وكذلك الخمير الذي يعار يوزن, ويرد مثل وزنه.
وقال- أيضا- في رواية الأثرم: الدنانير عددًا, وهي تنفق برؤوسها, وفي مكان أقل فلا.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز بيع اللحم باللحم, والخبز بالخبز على التحري, وكذلك بيع الحلي المكسور والتبر من الذهب والفضة, وكذلك بيع الدنانير بالدنانير, والدراهم بالدراهم, إلا أنه مكروه عندهم في الدنانير بعضها ببعض, والدراهم بالدراهم.
ووافقوا في المكيلات: أنه لا يجوز بيع بعضها ببعض بالتحري.
واختلف أصحابه بعد هذا؛ فمنهم من أجاز ذلك على الإطلاق.
ومنهم من شرط فيه تعذر الموازين, كالبوادي والأسفار.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن أبي سعيد, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
الحديث: 288 - الجزء: 3 - الصفحة: 247
(لا يصلح صاع تمر بصاعين, ولا درهم بدرهمين, والدرهم بالدرهم, والدينار بالدينار, لا فضل بينهما إلا وزنًا).
فأمر بالمساواة بينهم بالميزان, وهذا عام.
ولأنه جنس فيه الربا, فلم يجز بيعه بجنسه على التحري.
دليله: المكيلات في الحضر والسفر, والموزونات في الحضر.
فإن قيل: المكيل لا يعدمون ما يكيلونه به, وإن لم تكن مكاييل معتادة؛ لأنه يجوز بالزنبيل والغرارة والكوز ونحو ذلك, وليس كذلك الموزون؛ فإنهم يعدمون ما يزينونه [به] في الغالب, فجاز أن يسامحوا في ذلك للضرورة, ألا ترى أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز في غير العرايا, ويجوز في العرايا لأجل الحاجة والضرورة, كذلك هاهنا.
قيل: لا فرق بينهما, وذلك أنهم كما لا يعدمون مكيلًا, وإن خرج عن المعتاد, كذلك لا يعدمون ميزانًا, وإن خرج عن المعتاد؛ لأنهم لا يعدمون خشبة وخيطًا وشيئًا يشبه الكف من أي شيء كان, فيزين بعضًا ببعض.
ولأنه إذا تعذر الميزان فقد لا يتعذر غيره, وهو أن يعرض كل واحد منهما لصاحبه ثوبه بعد ذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 248
واحتج المخالف بأن قرض الخبز يجوز من غير ميزان مع القدرة على الوزن, والعلم بحصول التفاضل فيه؛ لأنهم لا يقصدون الربا في ذلك, فأولى أن يجوز ذلك في حال الضرورة.
وقد قال أحمد في رواية الميموني: قد سهل قوم أن يأخذ أكبر, ويدفع أصغر, فإذا لم تكن مروضة, ولا مواطأة, فلا بأس.
وقال- أيضًا- في رواية الفضل بن زياد في الرغيف بالرغيفين: ما لم يرد به الربا, فلا بأس به.
والجواب: أن الضرورة عادة في قرض اليسير من الخبز والخمير؛ لأن العادة أن ذلك القدر لا يبيعه الناس من بيوتهم, وبهم حاجة إلى إقراضه, وهذا معدوم هاهنا؛ لأنهم يتوصلون إلى وزنه بغير الميزان المعتاد, ويتوصل إلى ملكه- أيضًا- بعقد في الذمة من غير جنسه.
واحتج بأن النقل مستفيض عن الصحابة: أنهم كانوا يقتسمون اللحوم على التحري, والقسمة: إما بيع, أو في حكم البيع.
والجواب: أن القسمة عندنا إقرار حق, وليست ببيع.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية الأثرم في الشريكين إذا كان بينهما النخل, فأراد أن يقتسما بالخرص: جاز.
فقد أجاز قسمة الثمار بالخرص, ولو كان بيعًا لم يجز؛ لأنه لا يجيز بيع الثمار بعضها ببعض خرصًا إلا في العرايا فقط.
الجزء: 3 - الصفحة: 249
واحتج بأن الحزر في الشرع قد جعل طريقًا إلى جواز البيع في ما شرط فيه الكيل والوزن عند تعذرهما, كالزكاة والعرايا, كذلك في مسألتنا للضرورة, وهو: أن الموازين تتعذر, وتشق, فلو قلنا: إنهم لا يقتسمون اللحم في الأسفار إلا بميزان لشق, ولأدى إلى ضياعه, وإلى فوات الانتفاع به, فجاز لهذه الضرورة.
وإذا جاز اقتسامه على التحري جاز في البيع؛ لأن أحدًا لا يفرق بينهما.
والجواب: أن بيع العرايا لأجل الحاجة إلى شراء الرطب, ولا يكون في يده ثمن, ولا تباع بالنسيئة, فجوز لتلك الحاجة, ولا حاجة هاهنا إلى بيع الجزاف من الوجه الذي ذكرنا من اعتبار ميزان يخرج عن العادة, والبيع بغير جنسه.
وأما الخرص للثمار فلأجل الحاجة أيضًا, وهو أن يعرف قدر نصيب الفقراء, فيتصرف المالك في الثمرة, لا طريق لنا غير ذلك, وهذا معدوم هاهنا.
...
289 -
مسألة
اللحوم أجناس باختلاف أصولها, وكذلك الألبان في إحدى الروايات:
رواها حنبل عنه, فقال: لا بأس بلحم بقر بلحم غنم رطلين
الحديث: 289 - الجزء: 3 - الصفحة: 250
برطل, ولحم جمل رطل برطلين, وكذلك من الوحش من الظباء والأيل.
وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا.
وهو قول أبي حنيفة.
وفيه رواية أخرى: أنها أربعة أجناس لحم الأنعام صنف, والوحش صنف, ولحوم الطير صنف, ولحوم دواب الماء صنف, يجوز بيع كل واحد بخلافه متفاضلًا, ولا يجوز بصنفه إلا متماثلًا.
نص عليه في رواية مهنا, وأبي الحارث, وإبراهيم بن هانئ, وحرب, ويعقوب بن لحيان, وابن مشيشٍ, واللفظ له, ومهنا: وقد سئل عن رطل لحم غنم برطلي لحم بقر, فكرهه.
قيل له: فلحم سمك؟ قال: هذا أبعد.
قيل له: فلحم الطير؟ قال: هذا أبعد.
فمنع من التفاضل بين لحوم الأنعام, وأجازه بين لحوم الطائر والسمك بقوله: هذا أبعد؛ يعني: أبعد من الربا.
وبه قال مالك.
والثالثة: ما أطلق الخرقي القول, فقال: وسائر اللحمان جنس واحد, وهذا يعم سائر اللحمان من لحم الأنعام والوحش والطير والسمك.
وقد أطلق أحمد هذا في رواية.
الجزء: 3 - الصفحة: 251
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل رواية حنبل, وأنها أجناس باختلاف أصولها.
الثاني: أن جميعها جنس واحد.
ما نقله حنبل: أن اللحمان والألبان فروع لأصول هي أجناس, فوجب أن تكون هي أجناسًا في أنفسها.
دليله: الأدقة والأخباز.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن أصولها فيها الربا, فأمكن اعتبار تلك الحالة فيها, فبني فروعها عليها في اختلاف الأجناس.
وليس كذلك في اللحمان والألبان؛ فإن أصولها لا ربا فيها, فلا يمكن اعتبار حالها بها, فاعتبر الاتفاق والاختلاف حال حدوث حكم الربا في الفروع.
قيل: هذا يبطل بالفواكه؛ فإنه لا ربا في أصولها التي هي الشجر, ومع ذا فهي أجناس في أنفسها, وكذلك اللحمان والألبان.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ).
وهذا عام.
والجواب عنه: ما تقدم, وأنه قد حصل لهذه التسمية عرف تنصرف إليه, وهي الحبوب.
الجزء: 3 - الصفحة: 252
ولأن هذا عام, فنحمله على غير مسألتنا بما ذكرنا.
واحتج بأنه شمله اسم جمع خاص حين حدوث الربا فيه, وإن كان صنفًا واحدًا, كالتمور.
وقولنا: (جمع خاص) احتراز من الفواكه؛ لأنها أصناف, ولكن شملها اسم عام يعم العنب والتفاح والسفرجل وغير ذلك.
وقولنا: (حين حدوث الربا) فيه احتراز من الأدقة والأخباز؛ لأنها أصناف؛ لأن الاسم شملها بعد حدوث الربا فيها؛ فإن الربا في هذه الحبوب كان قبل كونها دقيقًا.
والجواب: أنا لا نسلم: أن اللحم اسم خاص, بل هو عام؛ لأنه يشتمل على أجناس مختلفة, فهو عام من هذا الوجه, خاص بالإضافة إلى غيره, كقولنا: حيوان اسم خاص بالإضافة إلى غيره, عام في اشتماله على أجناس مختلفة.
ولأن الاسم الخاص إذا دل على الجنس الواحد, فلا فرق بين أن يسمى به حال حدوث الربا, وبعد حدوثه, فلا معنى لهذا الوصف.
ثم المعنى في التمور: أن أصولها جنس واحد, وكانت في حكم أصولها, واللحمان خرجت من أجناس مختلفة, وكانت مختلفة, كالأدقة والأخباز.
الجزء: 3 - الصفحة: 253
وفي ما ذكرنا دلالة على مالك, ونخصه بأن هذا لحم, فكان معتبرًا بأصله.
دليله: لحم الغنم والطائر ولحم السمك؛ لما كانت أول تلك أجناسًا, كانت فروعها أجناسًا, كذلك لحم الغنم والبقر؛ لما كانت أصولها أجناسًا, وكذلك فروعها.
فإن قيل: لحم السمك والطائر ليس من جنس لحم البقر والغنم؛ لأنهما لا يتفقان في غرض, ولا منفعة, ولا يؤكل أحدهما على الوجه الذي يؤكل عليه الآخر, فدل على أنهما جنسان.
ولأن لحم السمك لا يحتاج إلى زكاة, فكان جنسًا يفارق ما يحتاج إلى زكاة, كالعسل والخل, وهذا معدوم في بقية اللحوم.
ولأن لحم السمك لا يضاف إليه, وإنما يقال: سمك, ولا يقال: لحم سمك.
قيل له: ولحم الإبل والغنم لا يتفقان في الغرض, ولا يؤكل أحدهما على الوجه الذي يؤكل الآخر؛ لأنا نعلم خلقًا من الناس يمنعون من لحم الإبل, وكذلك لا تتفق الأغراض في كثير من الوحش, كالثعلب والضبع, كما تتفق في لحوم الغنم.
واحتج المخالف بأن الإبل والبقر من بهيمة الأنعام, ومن ذوات الأربع, فلم يجز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا.
دليله: ضمها في الزكاة.
الجزء: 3 - الصفحة: 254
وهذه فروع لأصول هي أجناس.
دليله: الأخباز والأدقة.
...
290 -
مسألة
لا يجوز بيع الرطب بالتمر:
نص عليه في رواية الجماعة؛ حنبل, والميموني, وعبد الله- واللفظ لحنبل- فقال: لا يباع الرطب بالتمر, ولا الزبيب بالعنب, ولا رطب بيابس؛ لأنه ينقض إذا جف.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
دليلنا: ما روى أحمد في (المسند) قال: أنا سفيان, عن إسماعيل ابن [أمية, عن عبد الله بن] يزيد, عن أبي عياش قال: سئل سعد عن بيع سلت بشعير, أو شيء من هذا, فقال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تمر برطب, فقال: (أتنقص الرطبة إذا يبست؟) قالوا: نعم.
قال: (فلا إذًا).
وروى الدارقطني بإسناده عن سعد قال: نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التمر بالرطب, وقال: (إذا يبس نقص).
الحديث: 290 - الجزء: 3 - الصفحة: 255
فإن قيل: هذا الخبر يرويه زيد أبو عياش, وهو مجهول.
وقال أبو حنيفة: لا أقبل خبره.
وقد صوب هذا الطعن عبد الله بن المبارك, فقال: كيف يقال: إن أبا حنيفة لا يعرف الحديث, وهو يقول: زيد أبو عياش لا أقبل خبره؟!
قيل له: من أصل أبي حنيفة: أن من عرف إسلامه, وجهلت حاله, فهو على العدالة, وخبره حجة مل لم يثبت جرحه.
وأما على مذهبنا فإن زيدًا أبا عياش معروف بالثقة والعدالة, وقيل: هو من أهل المدينة, مولى لبني مخزوم.
وقد احتج بهذا الحديث أحمد, ومالك, وذكره أصحاب الحديث, فسقط الطعن.
فإن قيل: الطعن أولى من التعديل, وقد طعن أبو حنيفة فيه.
قيل له: أبو حنيفة لم يطعن, وإنما قال: أبو عياش مجهول غير معروف, وهذا ليس بطعن, ولا يعارض شهادة من عرفه, وشهد بعدالته.
فإن قيل: قد يقف العالم على قبول الحديث مع عدالة الرواة, فلا يلزمه, ألا ترى أن عمر بن الخطاب وقف على قبول خبر عمار في التيمم للجنب مع عدالة عمار, فلا يلزم حكم الخبر عمر لشكه فيه.
قيل له: لا يجوز التوقف في قبول الخبر مع عدالة الرواة, بل يجب العمل به؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:63].
الجزء: 3 - الصفحة: 256
وأما توقف عمر [....].
فإن قيل: قد اختلف في هذا الحديث: فروي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الرطب نسيئة.
وروي: أن سعدًا سئل عن الرجل يسلف الرطب بالتمر, فقال سعد: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا.
قيل له: هذا الاختلاف لا يمنع الاحتجاج؛ لأنه يمكن الجمع بينهما, والقول بهما.
فإن قيل: يحمل الخبر على أن المراد به: النهي عن بيعه بالتمر نساءً.
يدل عليه ما روي عنه: أنه نهى عن بيع الرطب بالتمر نساءً.
وراوي هذين واحد, ومن أصلنا أن نجعل الزيادة كأنها مذكورة فيهما.
ولأن من أصلكم بناء المطلق على المقيد, ويجعل النساء كالمذكور في خبر المطلق.
ويلزم على أصلكم في القول بدليل الخطاب: أن نقول: إن نهيه عن بيع أحدهما بالآخر نساء يدل على أن بيع أحدهما بالآخر يدًا بيدٍ جائز.
قيل له: إنما جعل الزيادة كأنها مذكورة فيهما, وبناء المطلق على
الجزء: 3 - الصفحة: 257
المقيد, والدليل الخاص يقضي على اللفظ العام, إذا لم يكن في المطلق ما يمنع من حمله عليه, وفي هذا المطلق ما يمنع من حمله عليه, وفي هذا المطلق مانع من ذلك, وهو تعليل النبي - صلى الله عليه وسلم - بنقصان الرطب إذا يبس, وهذا لا يصلح للمنع من النسيئة؛ لأن التمر اليابس لا يجوز أن يباع بعضه ببعض نسيئة, وكذلك بيع البر بالبر, والشعير بالشعير, والبر بالشعير؛ فإنه [لا] يجوز نسيئة.
وتعليله عندهم: وجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل.
وتعليله عندنا: أنه يجري الربا في نقده.
وإذا كان كذلك, لم يجز أن يحمل المطلق على النسيئة.
فإن قيل: فإذا لم يجز هذا, وجب أن يتعارضا, ويسقط الاحتجاج به.
قيل له: لا يجب هذا؛ لأنا نجمع بينهما فنقول: لا يجوز بيع الرطب بالتمر نقدًا ونسيئة؛ جمعًا بين الخبرين.
فإن قيل: يحمل نهيه على وجه الإرشاد, لا على وجه التحريم؛ كأنه لما شاوره مشتري الرطب بالتمر بين له أن لا حظ له في هذا البيع؛ لأنه يأخذ أقل مما يعطي.
قيل له: ظاهر النهي يقتضي التحريم, والإنسان لا يحرم عليه ذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 258
وأيضًا ما رواه أحمد في (المسند): ثنا سفيان, عن الزهري, عن سالم, عن أبيه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع التمر بالتمر, ورخص في العرايا بأن يشترى بخصرها؛ يأكلها أهلها رطبًا.
وروى الدارقطني بإسناده عن سالم, عن أبيه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يباع الرطب بالتمر الجاف.
وهذه الأخبار نصوص.
والقياس: أنه جنس فيه الربا, بيع ببعض على صفتين مختلفتين, فلم يجز العقد.
دليله: بيع الحنطة بالدقيق.
ولا يلزم عليه بيع الرطب بالرطب؛ لأن الصفة واحدة.
وإن شئت قلت: بيع بعضه ببعض على صفة, ينفرد أحدهما بالنقصان عن الآخر في المستقبل, في ما قدر به, أشبه ما ذكرنا.
ولا يلزم عليه بيع الرطب بالرطب؛ لأن أحدهما لا ينفرد بالنقصان.
ولا يلزم عليه التمر الحديث بالمسوس, والحنطة الجيدة بالعفنة؛ لأن أحدهما لا ينقص عن اآخر في ما قدر به؛ لأن المكيال يأخذ من
الجزء: 3 - الصفحة: 259
كل واحد مثل ما يأخذ من الآخر.
ولا يلزم عليه العرايا؛ لأن ذلك البيع يقع على صفة لا ينقص أحدهما عن الآخر في المستقبل؛ لأنه لا يجوز ببعضه حتى يغلب الظن: أنهما يتساويان حال الجفاف.
وهذه العبارة أجود من التي قبلها.
فإن قيل: المعنى في الحنطة بالدقيق: أن المساواة معدومة في الحال؛ لأن قفيز حنطة أكثر من قفيز بدلالة: أنه إذا فرق أجزاءها بالطحن كان أكثر من قفيز, ومعلوم أنه لم تزد فيها بالطحن أجزاء لم تكن موجودة.
وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن المساواة موجودة في الحال, وإنما يحدث النقصان في أحدهما في الثاني في أجزاء كانت موجودة حال العقد, وهذا [لا] اعتبار به, كما ينقص التمر الحديث.
قيل له: هذا يبطل ببيع حنطة جيدة مكتنزة بحنطة ضامرة؛ فإن البيع صحيح, وإن علمنا أن دقيق إحدى الحنطتين أكثر.
فإن قيل: فقد أجزت بيع الرطب بالتمر على وجه حزر, وهو العرايا, ولم تجز بيع الدقيق بالحنطة بحال, فدل على الفرق بينهما.
قيل له: الموضع الذي أجزت بيعه به حزرًا إنما بيع على صفة يتساويان حال الجفاف, وهذا المعنى معدوم في مسألتنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 260
وقد احتجَّ من نصر هذه المسألة بأنه جنس فيه الربا, بيع منه ما هو على هيئة الادخار بما منه من غير هيئة الادخار على صفة يتفاضلان حال الادخار, أشبه الحنطة بدقيقها.
وهذه العبارة لا تصح على أصولنا؛ لأنا لا نعتبر في جواز البيع أن يكونا- أو أحدهما- على هيئة الادخار, ولهذا يجوز بيع الدقيق بالدقيق والرطب بالرطب.
وعلى أنها تبطل بيع التمر المسوس بالحديث, والحنطة العفنة بالجيدة؛ فإن العفن والمسوس على غير هيئة الادخار, والآخر على هيئته, ويجوز البيع.
واحتج المخالف بأن الرطب لا يخلو: إما أن يكون من جنس التمر, أو من غير جنسه.
فإن كان من جنسه جاز لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (التمر بالتمر).
وإن كان من غير جنسه فهو أحرز لقوله: (إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم).
ولا يلزم عليه الحنطة بالدقيق؛ لأن هذا ليس باعتلال, وإنما هو استدلال بظاهر الخبر, فلا يتوجه النقض عليه.
والجواب: أن الرطب من جنس التمر, إلا أنه لا يتناوله اسم التمر,
الجزء: 3 - الصفحة: 261
كما أن الماعز من جنس الضأن, ولا يتناوله اسم الضان, وإذا لم يتناوله اسم التمر لم يدخل تحت قوله: (التمر بالتمر).
وكذلك الدقيق من جنس الحنطة, ومع هذا لا يسمى حنطة, ولا يدخل تحت قوله: (الحنطة بالحنطة).
على أنا نحمل قوله: (التمر بالتمر) إذا تساويا في الصفة بما ذكرنا.
واحتج بأن المساواة موجودة حال العقد, وإنما يحدث النقصان في أحدهما في الثاني, وحدوث النقصان في أحدهما في الثاني لا اعتبار به, إذا كانت المساواة موجودة في حال العقد, كما تقول في التمر الحديث بالتمر العتيق.
والجواب: أن النقصان الذي يحدث في التمر الحديث لا يمكن الاحتراز منه؛ لأنه ما من تمر إلا وقد يكون فيه قليل رطوبة إذا زاد جفافه زالت, فعفي عن ذلك؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه لقلته, فهو كالتراب اليسر الذي يكون في الطعام, فعفي عنه لقلته.
ولأنه لا يمكن الاحتراز منه, وليس كذلك الرطوبة التي في الرطب؛ لأنها كثيرة يمكن التحرز منها, فلهذا لم يعف عنها.
واحتج بأنه باع التمر بجنسه متساويًا, أشبه التمر الحديث بالعتيق.
والجواب: أن قوله: (باع التمر) لا تأثير له؛ لأنه إذا باع الزبيب
الجزء: 3 - الصفحة: 262
بجنسه, أو باع حنطة بجنسها, أو شعيرًا بجنسه, ونحو ذلك في ما يجري فيه الربا كان هكذا, فلم يصح الوصف.
ثم المعنى في الأصل ما تقدم.
واحتج بأن النقصان الحادث بعد العقد لا يؤثر في العقد, كما لو سرق أحد المبيعين.
والجواب: أن النقصان بالجفاف مفارق لما يحصل بالسرقة, ألا ترى أنه إذا باع طعامًا بطعام, ثم سرق أحدهما لم يفسد العقد, ولو باع طعامًا بدقيق لم يصح؛ لحصول المفاضلة بينهما في الثاني, كذلك هاهنا.
واحتج بأنه بيع رطب بتمر نقدًا, أشبه بيع العرايا.
والجواب: أن بيع العرايا لا يجوز إلا مع المساواة في الثاني, وهو أن يغلب على الظن: أنهما يتساويان حال الجفاف, وهذا معدوم في مسألتنا.
واحتج بأن ما جاز بيعه بالدراهم, جاز بالرطب, كالعنب.
ولأن ما جاز بيعه بالرطب قبل الجذاذ, جاز بيعه بعده, كالعنب.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يجوز بيعه بالدراهم, ولا يجوز بالرطب, كالدقيق؛ يجوز بيعه بالدراهم, ولا يجوز بالحنطة.
ولذلك لا يمتنع أن يجوز بيعه قبل الجذاذ, ولا يجوز بعده, كالحنطة بالحنطة؛ يجوز قبل حصول الطحن في أحدهما, ولا يجوز
الجزء: 3 - الصفحة: 263
بعد حصوله في أحدهما.
ثم المعنى في العنب مع الرطب: أنهما جنسان, وليس كذلك هاهنا؛ لأنهما جنس واحد فيه الربا, بيعا على صفتين مختلفين, أشبه بيع الحنطة بالدقيق.
واحتج بأنه إذا كان النقصان من الطرفين لا يمنع, وهو بيع رطب برطب, أولى أن لا يمنع من أحدهما.
والجواب: أن إذا وجد من الطرفين حصلت المساواة في الصفة, وإذا وجد من أحدهما عدمت المساواة, فجرى مجرى البر بالدقيق.
...
291 -
مسألة
يجوز بيع الرطب بالرطب:
نص عليه في رواية الحسن بن ثواب.
وهذا يدل على أن له مثلًا؛ إذ لو لم يكن له مثل لم توجد المساواة.
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: لا يجوز, ولا مثل له عنده.
دليلنا: أن كل جنس جاز بيع بعضه ببعض حال جفافه, جاز حال رطوبته.
دليله: اللبن باللبن.
وإن شئت قلت: الرطوبة التي فيهما مقصودة بالعقد, فجاز بيع
الحديث: 291 - الجزء: 3 - الصفحة: 264
أحدهما بالآخر, كاللبن باللبن.
يبين صحة هذا, وأن الرطوبة التي في الرطب مقصودة: جواز بيع العرايا, وهو رطب بتمر؛ لأنه يقصد في هذه الحال, كما يقصد اللبن حال رطوبته.
فإن قيل: عامة منافع اللبن توجد حال رطوبته, فاعتبر التساوي في هذه الحال؛ التي هي حال كماله, وعامة منافع الرطب تحصل حال جفافه, فكانت تلك حال الكمال, فاعتبر التساوي فيها.
قيل له: منافع اللبن طريًا توجد حال رطوبته, وكذلك عامة منافع الرطب, فأما الادخار فاللبن والتمر سواء, تؤخذ منافعهما بعد.
ولأنهما قد اتفقا في الصفة والمقدار, أشبه الحنطة بالحنطة, والتمر بالتمر.
ولا يلزم عليه الرطب بالتمر؛ لاختلافهما في الصفة.
ولأنه يجوز بيع بعضه ببعض على صفة الادخار, فجاز على غير صفته.
دليله: الحنطة العفنة بالعفنة, والتمر المسوس بالمسوس.
والقياس على هذا الأصل أجود؛ لأن فيه إسقاط أن التمر والحنطة على هيئة الادخار؛ لأن العفن والمسوس قد خرج عن ذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 265
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الرطب بالتمر, وجعل العلة فيه النقصان, وهذا المعنى موجود في الرطب [بالرطب].
والجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل المؤثر في العقد نقصان الرطب عن كمال التمر الموجود في الحال, وهذا لا يوجد في الرطب بالرطب؛ لأنه لا كمال في واحد منهما, ويجري هذا مجرى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لبريرة: (ملكت بضعك فاختاري).
ومعناه: ملكتيه تحت عبد, فاختاري؛ لأن زوجها كان عبدًا.
ولم يعتبر عموم التعليل, كذلك هاهنا؛ لما نهى عن بيع الرطب بالتمر, وعلل فيه بهذا التعليل, يجب أن يكون المراد به: الرطب بالتمر.
واحتج بأن كل ما لم يجز بيع بعضه ببعض عند التفاضل في الكيل, لم يجز بيع بعضه ببعض مع الجهل بالمساواة, كالطعام بالطعام.
والجواب: أنا نقول: إن أردت بقولك: (لم يجز بيعه مع الجهل بالمساواة) حال العقد, فلا نسلم أنه مجهول المساواة حال العقد؛ لأن التساوي موجود كيلًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 266
وإن أردت بالجهل المساواة في الثاني, فيبطل ببيع اللبن باللبن.
ثم المعنى في الطعام إذا باعه صبرة بصبرة: أن المساواة معدومة حال الكيل, وهاهنا هي موجودة مع الاتفاق على الصفة, فهي كالحنطة بالحنطة, والتمر بالتمر.
واحتج بأنه جنس فيه الربا, بيع بعضه ببعض على صفة يتفاضلان حال الادخار, فلم يجز.
أصله: الرطب بالتمر.
والجواب: أنه يبطل ببيع اللبن باللبن, والعصير بالعصير.
ثم المعنى في ذلك: اختلافهما في الصفة, وهاهنا قد اتفقا في المقدار والصفة.
واحتج بأن كل معنى لو وجد في البدلين منع صحة العقد, فإذا وجد فيهما منع.
أصله: الجهل.
والجواب: أنه يبطل ببيع اللبن باللبن؛ فإن هذه الرطوبة لو وجدت في أحد البدلين منعت صحة العقد, وإذا وجدت فيهما لم تمنع.
وعلى أنه إذا وجد في أحدهما, فالاتفاق في الصفة معدوم, وليس كذلك هاهنا؛ لأنهما يتفقان في الصفة والمقدار, فلهذا فرقنا بينهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 267
292 -
مسألة لا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض, ومع أحدهما, أو معهما, من غير جنسهما مثل مد عجوة ودرهم بمدي عجوة, أو درهمين وثوب بدرهمين, أو مد حنطة ومد شعير بمدي حنطة ومد شعير, أو مد حنطة جيدة ومد حنطة رديئة بمدين جيدين, أو رديئين, أو وسطين, أو دينار جيد
ودينار وسط بدينارين جيدين, أو وسطين:
وقد نص على هذا في مواضع:
فقال في رواية أبي داود: لا يباع السيف المحلى بفضة بدارهم حتى تنزع الحلية منه.
وكذلك نقل حنبل عنه في الخاتم والمنطقة والسيف وما أشبه ذلك: لا أرى أن يباع حتى يفصل, وتخرج الفضة منه, والقلادة على ذلك.
وكذلك نقل صالح عنه في من باع ثلاثة دنانير مكسرة بدينارين عينًا ودراهم: لا يعجبنا هذا, ولكن إن شاء باعها بدراهم, واشترى بها من الذهب ما شاء.
الحديث: 292 - الجزء: 3 - الصفحة: 268
وكذلك نقل أبو الحارث عنه في ذهب محمول عليه: لا يباع بورق حتى يخلص, فإن باع الذهب منه بفضة, والفضة بذهب, لم يجز حتى يخلص.
وكذلك نقل الحسن بن علي عنه في ألف درهم صحاح ودينار بألف درهمٍ ومائة درهمٍ مقطعةٍ ودينارٍ: باطل.
وكذلك نقل عبد الله عنه في ألف درهم وستين دينارًا بألف درهم وخمس مائة دينار: فهو خبيث رديء, لا يعجبنا.
وقد علق القول في رواية ابن القاسم: وذكر له قول مالك في دراهم صحاح وفضة مكسورة بدراهم مكسورة وزنًا بوزن سواء: لا يجوز, فقال: نعم, فيه شيء؛ إنما أراد أن يدخل الفضة مع الصحاح؛ لتجوز معها.
فقيل له: فالتمر البرني مع [....] بتمر آخر, ويزيد مثل ذلك, فقال: التمر غير هذا, فأجازه في التمر, ولم يجزه في الفضة.
وظاهر هذا: الفرق بينهما, ولا فرق بينهما؛ لأن الجميع يدخله الربا.
ونقل الميموني- أيضًا- كلامًا فيه احتمال, فقال كلامًا طويلًا, ومنه أنه قال: الذهب والفضة إذا اجتمعا, وهذه الأشياء لا نشتريها مجتمعة حتى نفصلها.
الجزء: 3 - الصفحة: 269
قيل له: وإن اشتراها بذهب, وفيها فضة, يفصلها؟ أو بفضة, وفيها ذهب وفضة, يفصلها؟ قال: على ظاهره, كذا هو, ولو كان ذهب بدراهم, أو دراهم بذهب, فليشتر كيف شاء, وإنما تكلموا إذا اجتمعا فلا يشتريه بأحدهما حتى يفصله.
وهذا موضع نظر.
قال الميموني: ورأيت أبا عبد الله إذا اجتمعا جميعًا ذهب وفضة, أو جوهر, فاشتراه بأحدهما, فلا بأس, وإنما يقع التفصيل إذا اشترى منها ذهبًا بذهب, وما فصله, أو فضة بفضة, ولم يفصلها.
قال أبو بكر الخلال في كتاب (العلل): هذا توهم من الميموني, ومذهب أبي عبد الله: أن لا يشتري أصلًا على أي معنى كان, إلا أن يفصل.
والمذهب على ما حكينا في المنع.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع النوعين بالنوع على الإطلاق, فأما الجنس بعضه ببعض إذا كان مع أحدهما غيره:
فإنما يجوز ذلك إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره, فيقابل العوض بعضه, ويكون الباقي في مقابلة مثله من جنسه.
الجزء: 3 - الصفحة: 270
فأما إذا كان مثله, أو دونه, فلا يجوز.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أبي حرب الجرجرائي: إذا دفع دينارًا كوفيًا ودرهمًا, وأخذ دينارًا شاميًا, فإن كان وزن الدينارين سواء, فلا يجوز, إلا أن ينقص أحد الدينارين, فيعطيه بحسابه فضة.
وقال في رواية ابن منصور في بيع الزبد باللبن الذي فيه زبدة, فقال: إذا كان الزبد أكثر من الزبد الذي في اللبن, فيكون بعضه في مقابلة الزبد الذي في اللبن, وبعضه في مقابلة المخيض.
وقد نقل مهنا عنه خلاف هذا, فقال: أكره بيع الزبد باللبن.
فمنع منه على الإطلاق.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن فضالة بن عبيد قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر بقلادة فيها خرز معلقة بذهب, ابتاعها رجل بسبعة دنانير, أو تسعة دنانير, فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا حتى تميز بينه وبينه) ,قال: إنما أردت الحجارة.
قال: (لا حتى تميز بينهما) , قال: فرده حتى ميز بينهما.
فنقل السبب, وهو بيع الخرز والذهب بالذهب, والحكم, وهو إبطال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك البيع, فاقتضى الظاهر تعلق ذلك الحكم بذلك السبب, ثم أكد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله: (لا حتى تميز بينه وبينه)؛ يعني: إنما لم يجز البيع؛ لأنه ذهب وخرز غير متميز بيع بذهب.
الجزء: 3 - الصفحة: 271
فإن قيل: لنا في هذا الخبر مثل ما لكم؛ لأن (حتى) للغاية, وحكم ما بعد الغاية بخلاف ما قبلها, فلما نهى عن بيعها قبل التفصيل اقتضت الغاية جواز بيعها بعد التفصيل بذهب.
قيل له: لم يرد بالتفصيل من جهة المشاهدة, وإنما أراد به في العقد, وأن لا يجمع بين الذهب والخرز في عقد واحد, وأنتم تبيحون الجمع بينهما.
فإن قيل: ما أنكرت أن يكون منع من بيعهما قبل التمييز؛ لأنه لم يعلم أن الذهب الذي في القلادة أكثر من الذهب الذي بإزائه, أو مثله, أو أقل, وعندنا لا يجوز حتى يعلم أن الذهب الذي مع الخرز أقل من الذهب الذي بإزائه.
قيل له: لو كان المانع من بيعه قبل التفصيل ما ذكرتم, لوجب أن يستفصل, ويسأل, ولما لم يسأل عن ذلك, دل على أن الحكم لم يختلف لأجل ذلك.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا حتى تميز) , فجعل العلة في إبطال البيع هذا, وإذا حملوا الخبر على ما ذكروا أسقطوا هذه العلة؛ لأنه روي في الخبر: أن المشتري قال: إنما قصدت الحجارة, قال: (لا حتى تميز) , وإذا كان الحجر هو المقصود استحال أن يباع مع الذهب بمثل وزن الذهب الذي معه, إنما يكون بزيادة على ذلك؛ ليحصل له
الجزء: 3 - الصفحة: 272
الغرض من الحجارة.
فإن قيل: فالدلالة على أنه لم يحظر بيعها قبل التفصيل لأجل أنه صفقة, وإنما حظر لأنه لم يعلم أن الذهب الذي مع الخرز أكثر من الذهب الذي بإزائه, أو مثله, أو أقل: ما روى الليث بن سعد, عن خالد ابن أبي عمران, عن حنش, عن فضالة بن عبيد قال: أصبت قلادة يوم خيبر فيها ذهب وخرز, فأردت أن أبيعها, فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - , فذكرت ذلك له, فقال: (افصل بعضها من بعض, ثم بعها كيف شئت).
فأطلق له بعد التمييز بيعها كيف شاء.
قيل له: معنى قوله: (بعها كيف شئت)؛ معناه: بعقد واحد إذا لم يقابله من جنسه, أو بعقدين إذا قابله من جنسه.
وأيضًا فإنه جنس فيه الربا, بيع بعضه ببعض, ومع أحدهما من غير جنسه, فلم يصح العقد.
دليله: إذا كان أحد العوضين مثل الآخر, ومع أحدهما من غير جنسه.
وأيضًا فإن الصفقة إذا تناولت شيئين مختلفي القيمة, يقسط الثمن على قيمتهما, لا على أجزائهما.
دليله: إذا باع شقصًا وسيفًا بمائة, فإن الشفيع يأخذ الشقص بقسطه
الجزء: 3 - الصفحة: 273
من الثمن, لا بنصفه.
وكذلك إذا باع قفيزين من طعام من صبرتين قيمتهما واحدة بعشرة دراهم, وتلف أحدهما قبل التسليم, قبض المشتري ما بقي بنصف الثمن, وإن كان أحد القفيزين رديئًا يساوي درهمين, والآخر جيدًا يساوي أربع دراهم, فتلف القفير الرديء, فإن المشتري يأخذ القفيز الجيد بثلثي الثمن.
وإذا كان كذلك قلنا: إذا باع مد عجوة قيمته درهم ودرهمًا بمدي عجوة قيمتهما ثلاثة دراهم, فإن ثلث المدين يقابل الدرهم, وثلثاه يقابل المد, وهو مد وثلث, فيكون ذلك ربا.
وكذلك إذا باع نوعين مختلفين بنوع واحد, فإن الثمن يتقسط على القيمة, فكأنه إذا باع مائة دينار قيمتها ألفان, ومائة قيمتها ألف, وثمانين قيمتها ألفان, فإن ثلث المائتين الوسط يقابل المائة دينار الدون, وثلثاها يقابل المائة الجياد, وهذا ربا محض, فيبطل البيع.
وهذا الذي ذكرناه إذا كان قد علم قيمة المبيعين, وأن التقسيط عليهما يفضي إلى ذلك, فإن لم يعلم ذلك فالبيع باطل للجهل بالمساواة.
ولهذا قلنا: إذا باع دراهم بدراهم جزافًا لم يجز للجهل بالمساواة.
وإن كانت قد علمت أيهما احتمل أن يصح العقد, ويحتمل أن
الجزء: 3 - الصفحة: 274
لا يصح أيضًا؛ لأنه قد يجوز أن يتعين حال العقد, فالمساواة مجهولة بكل حال, وإنما يعلم بالتقويم بعد العقد, والجهل بالمساواة يبطل العقد في ما فيه الربا.
وللمخالف على هذه الدلالة سؤالان هما دليلاه في أصل المسألة, ويأتي الكلام عليهما في أدلته.
فإن قيل: إنما تقسط القيمة على الأجزاء في ما لا مثل له.
قيل له: وقد تقسط على ما له مثل بدليل أنه لو ابتاع قفيزين من صبرتين, فتلف أحدهما, يقسط الثمن على قدر القيمة, وإن كان ذلك مما له مثل.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الحنطة بالحنطة مثلًا بمثلٍ كيلًا بكيلٍ).
وقفيز حنطة جيدة وقفيز حنطة رديئة بقفيزين جيدين, أو وسطين, أو رديئين مثل بمثل من طريق الكيل, فيجب أن يجوز.
وكذلك قوله: (الذهب بالذهب مثلا بمثلٍ وزنًا بوزنٍ) يقتضي جواز بيع مائة دينار جياد ومائة وسط بمائة دينار جياد؛ لوجود المماثلة في الوزن.
الجزء: 3 - الصفحة: 275
والجواب: أن الخبر يقتضي الجواز مع المساواة, وهذا يقتضي مساواة من جميع الوجوه.
وعلى أنا نحمله على المساواة في المقدار والصفة بما ذكرنا.
واحتج بأنه يجوز بيع دينارين جيدين بدينارين وسطين, أو رديئين, أو مكسورين, كذلك دينار جيد ودينار وسط بدينارين وسطين, أو جيدين.
والعلة فيه: وجود المماثلة في الذهب بالذهب من جهة الوزن.
قالوا: وقد نص أحمد على جواز ذلك, فقال في رواية صالح والفضل بن زياد ومهنا: الدراهم الصحاح بالمكسرة لا بأس بذلك, إذا كان وزنًا بوزن.
وقال- أيضًا- في رواية الميموني في الدنانير البهرجة يباع بوضيعة الدرهم والدرهمين في الدينار, هل يؤخذ بوزنها دنانير جيادًا؟ وقد تكون شامية لا وضائع على غيرها, فقال: إن كانت إنما تكره من قبل سكتها كان أهون, تؤخذ مثلًا بمثل على حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - , وأما إن كان ذهبًا, قد حمل عليه, ودخل فيه شيء من الفضة والنحاس, أو خالطه غيره, فقد زال عنه اسم الذهب لما دخل فيه.
والجواب: أن أجزاء كل واحد من العوضين متساوية, فإذا قسم
الجزء: 3 - الصفحة: 276
أحدهما على الآخر على قدر قيم أجزائه, لم يؤد إلى التفاضل, فلهذا جاز, وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن أجزاء العوضين مختلفة القيمة, وإذا قسم الأجزاء عليه أخذ كثير القيمة أكثر مما يأخذ قليل القيمة, فيؤدي إلى التفاضل.
وإن شئت قلت: إن التقويم هناك يقع على أحد العوضين, وأجزاؤه متساوية, فإذا قسم عليه العوض الآخر لم يفض إلى التفاضل, وهاهنا يقع التقويم على أحدهما, وأجزاؤه مختلفة القيمة, فإذا قسم عليه الآخر تفاضل.
واحتج بأن الجودة في الذهب والفضة إذا لاقت جنسها, فلا قيمة لها, ألا ترى أنه لو باع دينارًا جيدًا بدينار وسط جاز, وإن كانت الجودة معتبرة لم يجز؛ لأنه يصير كأنه باع دينارًا بدينار وزيادة.
وكذلك لو باع دينارًا فاسانيًا بدينارين رديئين, وقيمة الفاساني مثل قيمة الرديئين, لم يجز, ولو كانت الجودة معتبرة لوجب أن يجوز.
وإذا سقط اعتبار الجودة في الدينار مع الوسط, صار كأنه باع دينارين جيدين بوسطين, ولا يشبه هذا إذا اشترى عبدين؛ أن الثمن ينقسم عليهما على قدر قيمتهما؛ لأن الجودة في غير المكيل والموزون لها قيمة؛ سواء لاقت جنسها, أو غير جنسها, فلهذا اعتبر قيمتهما
الجزء: 3 - الصفحة: 277
في انقسام الثمن عليهما.
والجواب: أنه لو كان كذلك لوجب إذا استقرض دينارًا جيدًا, أو أتلف دينارًا جيدًا: أن لا يكون للجودة قيمة, وإذا رد دينارًا رديئًا يجب قبوله, وهذا لا يقوله أحد.
وأما إذا باع دينارًا جيدًا بدينار رديء, أو باع طعامًا جيدًا بطعام رديء؛ فإنه يجوز؛ لأنه لا يؤدي إلى التفاضل في الكيل, أو الوزن.
وعلى أنا قد بينا العلة فيه إذا باع قفيزًا جيدًا بقفيز رديء في الدليل الذي تقدم.
واحتج بأن العقد إذا كان له وجهان؛ أحدهما: إذا حمل عليه صح, والآخر: إذا حمل عليه لم يصح, حمل عليه الوجه الذي يصح دون الوجه الذي لا يصح, ألا ترى أنه لو اشترى ثوبًا بعشرة دراهم, وفي البلد نقد معروف, وفي بلد آخر نقود مختلفة, حمل العقد على نقد هذا البلد ليصح, ولا يحمل على نقود ذلك البلد؛ لأنه إذا حمل عليها بطل.
والجواب: أنا لا نسلم أن له وجهًا في الصحة لما بينا, وهو: أن الصفقة إذا تناولت شيئين مختلفي القيمة يقسط الثمن على القيمة, وإذا قسطناه على القيمة أفضى إلى الربا.
ولأن العقد إذا كان له مقتضى حمل عليه, وإن كان ذلك يفضي إلى فساده, وكذلك لو باع عبدًا بألف درهم سلمه إلى المشتري, ولم
الجزء: 3 - الصفحة: 278
يقبض الثمن, ثم اشترى ذلك العبد وعبدًا آخر بألف ومائة درهم, وقيمة العبد الآخر ألف درهم, أو خمسمائة درهم, بطل العقد في العبد الذي باع أولًا؛ لأنه ابتاع ما باعه بأقل منه, وقد كان يمكن حمل العقد على وجه يصح, وهو أن يجعل كأنه اشترى الأول بألف والثاني بمائة, ولم يجعلوا.
وكذلك إذا اشترى صاعًا من تمر بصاعي تمر لم يجعل صاع بإزاء صاع, والصاع الآخر هبة, ليصح العقد.
فبطل قولكم: إن العقد إذا كان له وجهان؛ أحدهما: إذا حمل عليه صح, والآخر إذا حمل عليه لم يصح, حمل العقد على الوجه الذي يصح.
وإنما وجب حمله على نقد بلده؛ لأنه أقرب إليه؛ لأنه موضع العقد, لا لأنه يؤدي إلى الصحة بدليل: أنه لو كان نقد بلده مختلفًا بطل العقد.
فإن قيل: هما دخلا في عقد البيع, فلا يجوز أن يلزمهما عقد هبة, كما إذا دخلا في عقد هبة, لا يجوز أن يلزمهما عقد بيع وإجارة.
قيل له: وإن دخلا في عقد البيع, فقد قصدا أن يكون الثمن متقسطًا على المبيعين على قدر قيمتهما؛ لأنه معلوم من قصد من يشتري درهمًا
الجزء: 3 - الصفحة: 279
في قرطاس بثلاثة دراهم: أنه لم يقصد أن يشتري درهمًا بدرهم والقرطاس بدرهمين, وإنما قصد أن يقابل القرطاس قدر قيمته من الثمن, ويقابل الدرهم قدر قيمته.
وكذلك من اشترى درهمين؛ أحدهما جيد, والآخر رديء, بدرهمين وسطين؛ فإنه يعلم أن لم يقصد أن يكون درهم من الوسطين في مقابلة درهم جيد, والآخر في مقابلة الرديء, بل قصد أن يتقسط الدرهمان على قيمة الدرهمين, فليس الاعتبار بما ذكروه بأولى من اعتبار هذا القصد.
...
293 -
مسألة إذا ابتاع عبدًا- ومعه مال- بثمن من جنس المال الذي معه, وكان المال بقدر الثمن, أو أكثر منه, ولم يقصد المال, وإنما قصد العبد؛ لنفاسة في حسنه وجماله, إن كانت أمة يقصد الاستمتاع بها, أو كان عبدًا يقصد قوته وصناعته وعقله, جاز البيع:
نص عليه في غير موضع, ذكره الخرقي في (مختصره) , وأبو بكر- أيضًا- في (مختصره).
الحديث: 293 - الجزء: 3 - الصفحة: 280
قال أبو بكر: وكذلك إذا ابتاع نخلة عليها رطب بتمر, قال: ولو قصد الرطب بطل العقد, خلافًا للشافعي في قوله: العقد باطل؛ قصد المال الذي معه, أو لم يقصده إذا قلنا: إن العبد لا يملك, وكذلك يبطل بيع النخلة وعليها رطب بتمر, وكذلك إذا ابتاع شاة فيها لبن.
دليلنا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز التفاضل في القرض لعدم القصد للزيادة اعتبارًا بأن المقصود به الرفق, فروت عائشة قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخبز والخمير؛ يقرض الخبز الجيران, ويردون أكثر وأقل, قال: (ليس به بأس ليسا هذه مرافق الناس, لا يراد فيها الفضل).
فأجاز التفاضل في ذلك لعد القصد, وإن كان ذلك مما يجري فيه الربا.
وكذلك يجوز أخذ العوض عن القرض إذا كان دراهم أو دنانير بعد مدة, ولا يجوز تأخير القبض عن مجلس العقد في الصرف؛ لأن القصد من القرض الرفق, فحمل على المقصود به.
ولأنها لو شرطت عليه في عقد النكاح أن لا يطأها بطل العقد, ولو شرط عليها أن لا ينفق, لم يبطل العقد؛ لأن المقصود بالنكاح الوطء, فشرطه ينافي المقصود, فدل على أن القصد معتبر.
ولأن ما ليس بمقصود في حكم المعدوم بدليل ما روي: أن رجلًا
الجزء: 3 - الصفحة: 281
باع من رجل حريرة بمائة, ثم اشتراها بخمسين, فسأل ابن عباس عن ذلك, فقال: دراهم بدراهم متفاضلة, دخلت بينهما حريرة.
فبين أن الحريرة لما لم تكن مقصودة, كانت في حكم عدمها, ويحصل البيع كدراهم بدراهم متفاضلة.
وكذلك حديث زيد بن أرقم لما باع إلى العطاء, ثم اشترى بأقل من ذلك, قالت عائشة: أبطل جهاده.
فلم يجعل للمبيع حكمًا, وجعله بيع دراهم بدراهم متفاضلًا, كذلك هاهنا؛ لما لم يكن المال الذي معه مقصودًا, كان كعدمه.
واحتج المخالف بما روي عن فضالة بن عبيد: أن أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر بقلادة فيها خرز معلقة بذهب, ابتاعها رجل بسبعة دنانير, أو بتسعة دنانير, فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا, حتى تميز بينه وبينه).
قال: إنما أردت الحجارة, قال: (لا, حتى تميز بينهما).
فوجه الدلالة: أنه أبطل البيع مع قوله: إنه قصد الحجارة, فدل على أنه لا اعتبار بالقصد.
الجزء: 3 - الصفحة: 282
والجواب: أنه يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - اتهمه في قوله: قصدت الحجارة؛ لأنه معلوم أن الذهب مقصود بالعقد, وقصده أولى من قصد الحجارة, وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الإنسان في العادة قد يقصد العبد لمعنى فيه من صنعة وقوة, ويقصد الأمة لجمالها, فيقر عليهما ما كان معهما من الذهب.
كذلك يقصد النخلة دون الرطب؛ لكثرة ريعها ونماها, وكذلك الشاة, فهو كالقصد في قرض الخبز والعجين المراد به: دفع الحاجة وسد الخلة دون الزيادة.
واحتج بأن العقد إذا كان له مقتضى حمل على مقتضاه, ولا يعتبر قصد, كذلك هاهنا.
والجواب: أنه ليس الظاهر هناك: أنه قصد بأحدهما الهبة, بل قصد المعاوضة, وليس كذلك هاهنا؛ لأن الظاهر يحتمل ما قاله من القصد لعين العبد والأمة, كما أن الظاهر من القرض الرفق.
فإن قيل: إذا شرط المشتري المال علمنا أنه مقصود له؛ لأنه لو لم يقصده لم يشترطه.
قيل له: قد لا يقصده وإن شرطه؛ لأنه [قد] يكون قصده صرفه إلى العبد, وبقاؤه عليه, ويتأول مذهب من قال: العبد يملك.
فإن قيل: لما لم يجز شراء المال الذي معه منفردًا عن العبد بثمن
الجزء: 3 - الصفحة: 283
أقل منه, كذلك إذا كان معه العبد.
قيل: لا يمنع أن [لا] يجوز ذلك منفردًا, ويجوز مع العبد على طريق التبع, كالثمرة لو ابتاعها قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع منفردًا عن الأصل لم يجز, ولو ابتاعها مع الأصل جاز, كذلك هاهنا, فهما سواء؛ لأن المال تبع للعبد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من باع عبدًا وله مال) , فأضاف المال إليه.
وكذلك الثمر هو تبع للأصل بدليل حديث ابن عمر: نهى عن بيع النخل حتى يزهو.
ومعناه: عن ثمرة النخل.
...
294 -
مسألة
لا يجوز بيع اللحم المأكول بالحيوان المأكول:
نص عليه في رواية أبي طالب وحرب ومهنا.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
وقال مالك: إن كان الحيوان لا يصلح في الغالب إلا للحم مثل
الحديث: 294 - الجزء: 3 - الصفحة: 284
الكباش المعلوفة للقصاب والهراس والبقر المعلوفة للحم, لم يجز بيعه باللحم, وإن كان لا يراد اللحم جاز.
هكذا ذكره ابن القصار.
دليلنا: ما روى مالك, عن الزهري, عن سهل بن سعد الساعدي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع اللحم بالحيوان.
وروى الحسن, عن سمرة, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله.
وروى زيد بن أسلم, عن سعيد بن المسيب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع اللحم بالحيوان.
وروى أبو بكر من أصحابنا بإسناده عن سعد بن المسيب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) لا يباع حي بميت).
فإن قيل: نحمله على بيع اللحم بالحيوان نسيئة.
قيل له: اللفظ عام.
وعلى أنه لو كان المراد به النسيئة, لم يخص اللحم؛ لأن عند المخالف لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة, فلا معنى
الجزء: 3 - الصفحة: 285
لتخصيص ذلك باللحم.
ولأن أبا بكر النيسابوري روى هذا الحديث في (الزيادات) عن زيد بن أسلم, عن سعيد بن المسيب: أنه قال: نظرة, أو يدًا بيد.
وهذا نص في إبطال السؤال.
فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد به: النهي عن بيع اللحم بالحيوان المذبوح.
قيل له: قد روى أبو بكر من أصحابنا بإسناده عن سعيد, عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يباع حي بميت).
وروى أبو بكر النيسابوري, عن محمد بن يحيى, عن عبد الرازق, عن معمر, عن زيد بن أسلم, عن سعيد بن المسيب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع اللحم بالشاة الحية.
وهذا يسقط السؤال.
وعلى أن بعد الذبح لا يسمى حيوانًا إلا على سبيل المجاز, وإنما كان حيوًان.
فإن قيل: أراد به: إذا باع اللحم الذي في الحيوان دون غيره من الجلد والبطون وغيرها, وهذا يحتمل في اللغة, فيكون معناه: نهى عن
الجزء: 3 - الصفحة: 286
بيع اللحم في الحيوان.
وتكون الباء قائمة مقام (في) , كما تقول: بعت بالسوق, وفي السوق.
قيل له: ظاهر الباء البدل عند المخالف؛ لقوله: بعتك بكذا, فيجب حمل اللفظ على ظاهره.
وعلى أنه لا يحتمل؛ لما رويناه من قوله: (لا يباع حي بميت).
وروى الشافعي بإسناده عن عبد الله بن عباس: أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر, فجاء رجل بعناق, وقال: أعطوني جزاءًا بهذا العناق, فقال أبو بكر: لا يصلح هذا.
قال هذا بحضرة الصحابة.
فإن قيل: روى أبو بكر النيسابوري في (الزيادات) عن محمد بن يحيى, عن عبد الرزاق, عن معمر, عن يحيى بن أبي كثير, عن رجل, عن ابن عباس: أنه قال: لا بأس أن يباع اللحم بالشاة.
قيل له: قد قال أبو بكر النيسابوري: ما وجدت فيه غير هذا.
فإن قيل: [يحتمل] أن يكون ذلك الجزور من إبل الصدقة, فنحر للمساكين, [فحضر] أبو بكر؛ ليفرقه عليهم, فلهذا قال لصاحب
الجزء: 3 - الصفحة: 287
العناق: لا يصلح هذا.
قيل له: لو كانت من إبل الصدقة لم يخف على الناس أن بيعها لا يجوز, فكان لا يطلب الرجل أن يبتاع منها.
ولأن الذي نقل في الخبر حكم, وهو المنع, وسبب, وهو شراء لحم بحيوان, فيجب حمل الحكم على ذلك السبب.
والقياس: أنه فرع يجري فيه الربا, بيع بأصله الذي هو منه, فلم يصح.
دليله: بيع الزيت بالزيتون, والعصير العنب, والحنطة بالدقيق, والسيرج بالسمسم إذا كان في الأصل أكثر من الفرع.
ولا يلزم عليه بيع العرايا؛ لأنا قلنا: فرع بيع بأصله, وهناك بيع أصل بأصل؛ لأنا نبيع التمر بما في الرطب من التمر, ولهذا نجيزه خرصًا.
ولا يلزم عليه بيع دراهم ببقرة؛ لأن كل واحد منهما أصل؛ لأنه يجيء من الدراهم بقرة.
ولا يلزم عليه بيع دجاجة فيها بيض ببيض؛ فإنه لا يجوز.
ولا يلزم على هذا بيع لحم السمك بسمك حي؛ فإنه لا يجوز.
ولا يلزم عليه بيع الحمار أو العبد بلحم الغنم؛ لأنه لا رواية فيه.
وعلى أنه لا يلزم؛ لأنا قلنا: بأصله الذي فيه منه, وليس ذلك بأصل للحم الغنم.
الجزء: 3 - الصفحة: 288
وفرَّقوا بين هذه الأصول وبين مسألتنا بفرق هو دليلهم, ويأتي الكلام عليه في أدلتهم.
واحتج المخالف بأن الحيوان معدود, فوجب أن يجوز بيع اللحم به, كسائر المعدودات.
والجواب: أن سائر المعدودات الحيوان ليس بأصل لها, وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الحيوان أصل له, فلم يجز بيعه به.
دليله: ما ذكرنا من الشيرج بالسمسم, والحنطة بالدقيق, والزيت بالزيتون, والعنب بالعصير.
واحتج بأن اعتبار اللحم في حال حياة الشاة ساقط؛ لأنه لو اعتبر لحمها في حياتها لما جاز بيعها بالدراهم؛ لأن لحم الشاة لا تحله إلا الزكاة, وهي في هذه الحال غير مذكاة, فلما جاز بيعها في حياتها, علم سقوط اعتبار لحمها, فإذا سقط اعتباره, صار كأنه باع اللحم بغير جنسه, فيجوز على الإطلاق.
ولا يلزم عليه بيع اللبن بشاة في ضرعها لبن, والصوف بشاة على ظهرها صوف؛ لأن إباحتها غير موقوفة على حصول الزكاة في الشاة, ألا ترى أنه يجوز أخذها في حال حياة الحيوان والانتفاع بها, فلا يسقط اعتبارهما في هذه الحال.
وإذا كان مع الشاة لبن معين لم يجز بيعها بلبن أو صوف إلا على الاعتبار.
الجزء: 3 - الصفحة: 289
وكذلك دهن السمسم بالسمسم, ودهن اللوز باللوز, ودهن الجوز بالجوز, والزيت بالزيتون.
والجواب: أن اللحم الذي في الشاة معتبر إذا قابله لحم من جنسه, وإذا كانت إباحته تقف على الزكاة, كما أن الصوف الذي على ظهرها, واللبن الذي في ضرعها معتبر إذا قابله لبن أو صوف, وإن كان جواز بيعه يقف على جزه وعلى حلبه, كما أن إباحة اللحم تقف على زكاته, ولا فرق بينهما.
وقولهم: إن اللبن والصوف لا يقف على زكاة, فقد بينا أنه تقف إباحة بيعه على معنى آخر, وهو الجز والحلب, فلا فرق بينهما.
فإن قيل: فلو كان اللحم الذي في الحيوان معتبرًا, لوجب إذا باعه بحيوان مثله أن لا يجوز البيع.
قيل له: لا يمتنع أن يسقط اعتباره إذا بيع بحيوان مثله, ألا ترى أنه إذا باع شاة في ضرعها لبن بشاة في ضرعها لبن, أو شاة عليها صوف بشاة عليها صوف, صح البيع, ولو باع بلبن مفرد أو صوف مفرد لم يصح, كذلك هاهنا.
*فصل:
والدلالة على مالك: ما تقدم من نهيه عن بيع اللحم بالحيوان, ونهيه عن بيع حي بميت, وهذا عام في حيوان قصد لحمه, أو لم يقصد.
فإن قيل: المراد به: الحيوان الذي يقصد لحمه بدليل أن راوي هذا
الجزء: 3 - الصفحة: 290
الحديث سعيد, وقد فسره على هذا, فروى أبو الزناد, عن سعيد: أنه كان يقول: نهى عن بيع الحيوان باللحم, فقلت لسعيد: أرأيت رجلًا اشترى شاتين بعشرة شياه؟ فقال سعيد: إن كان اشتراها لينحرها, فلا خير في ذلك.
قيل له: الخبر عام, وتخصيص سعيد واعتباره النحر مذهب له, لا يوجب تخصيص الخبر, لا سيما وسعيد لم يشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فيكون ممن حضر التأويل, فيعرف مواقع كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولأنه بيع لحم مأكول بحيوان من جنسه, فلم يجز.
دليله: إذا باعه بحيوان يقصد لحمه.
فإن قيل: إذا قصد لحمه, فهو في حكم جنس واحد؛ لأنه لا غرض فيه إلا اللحم, فلهذا لم يجز, وليس كذلك إذا لم يقصد لحمه؛ لأن الغرض مختلف, فهو في حكم جنس آخر, فلهذا فرقنا بينهما.
قيل له: لو كان الحيوان الذي لا يصلح إلا اللحم في حكم اللحم, لوجب أن لا يجوز بيعه بحيوان مثله إلا على الاعتبار, كما لا يجوز بيع لحم بلحم إلا على الاعتبار, ولما جاز من غير اعتبار دل على أنه ليس في حكم اللحم, وجرى مجرى الحيوان الذي لا يقصد لحمه.
ومنهم من يقول: لا يجوز بيع هذا الحيوان بمثله إلا على الاعتبار.
الجزء: 3 - الصفحة: 291
ومن امتنع من هذا لزمه أن لا يجيز بيع سمسم بسمسم؛ لأن الغرض من كل واحد الدقيق, وأحد لم يقل هذا, كذلك الحيوان بالحيوان.
واحتج المخالف بأنه لحم بحيوان لا يقصد لحمه, أشبه بيع لحم الشاة ببغل وحمار.
والجواب: أن ذلك ليس بأصل له, فلهذا لم يمنع, كما لا يمنع من بيعه بالدراهم والدنانير, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه أصل له, أشبه الحيوان الذي يبتغى لحمه.
...
395 -
مسألة
هل يجوز بيع شاة في ضرعها لبن بلبن؟ أو شاة عليها صوف بصوف؟ يتخرج على روايتين نص عليهما في بيع النوى بالتمر الذي فيه النوى:
أحدهما: المنع على الإطلاق.
وهو قول الشافعي.
والثانية: الجواز على الإطلاق.
وهو قول أبي يوسف.
الجزء: 3 - الصفحة: 292
وقال أبو حنيفة: يجوز على الاعتبار؛ فإن كان اللبن المفرد أكثر من اللبن الذي في الشاة جاز.
فالوجه في المنع: أنه جنس فيه الربا, بيع بأصله الذي فيه منه, فلم يجز.
دليله: إذا كان اللبن مثل اللبن الذي في الشاة.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه ليس له وجه في الصحة, وإذا كان اللبن المفرد أكثر كان له وجه في الصحة, وهو إنما زاد على ذلك في مقابلة الشاة.
قيل له: قد أجبنا عن هذا السؤال في مسألة مد عجوة بما فيه كفاية.
وطريقة أخرى, وهو: أن اللبن في الضرع يأخذ قسطًا من الثمن بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المصراة: «من ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ثلاثًا؛ إن سخطها ردها وصاعًا من تمرٍ».
فلولا أنه يأخذ قسطًا لما رد معها تمرًا, ألا ترى أنه لو اشترى شاة حائلًا, فحملت عنده, ثم ظهر على عيب, كان له ردها, وإمساك ولدها من غير أن يرد معها شيئًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 293
وإذا ثبت أنه يأخذ قسطًا من الثمن, فهو بيع لبن بلبن, ومع أحدهما غيره, وهذا لا يجوز, كما لا يجوز مد عجوة بمدي عجوة, أو مد بمد وثوب.
فإن قيل: لو كان يأخذ قسطًا من الثمن لم يجز بيع الشاة في ضرعها لبن, لا بلبن, ولا بغيره؛ لأنه بيع لبن مجهول, فهو كما لو باع شاة, ومعها لبن في قدح مغطى.
قيل: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أنه إذا كان في الضرع, فهو مستكن فيما فيه مصلحة, فلهذا جاز, وليس كذلك إذا كان في قدح؛ لأنه مستور بما لا مصلحة فيه, فلهذا لم يجز, ألا ترى أنه لو باع الجوز واللوز جاز, ولو باع لب الجوز مستورًا بشيء وقشر الجوز لم يجز؟ وكان الفصل بينهما هذا, كذلك هاهنا.
ولأن اللبن إذا كان في الضرع كان تبعًا للشاة بدليل أنه يدخل في البيع بإطلاق العقد, فلهذا جاز, وليس كذلك إذا كان في القدح؛ لأنه مقصود في نفسه غير تابع لغيره, ألا ترى أنه [لا] يدخل في البيع بإطلاق العقد؟
فجاز أن تدخل الجهالة تبعًا, فلا تمنع صحة العقد, وإن كانت
الجزء: 3 - الصفحة: 294
تمنع صحة العقد إذا كانت مقصودة, ألا ترى أنه لو باع ثمرة قبل بدو صلاحها مطلقًا لم يجز, ولو باعها مع النخل جاز, وإن كان لو أفرد بالعقد لم يصح.
فإن قيل: فإن جاز أن يأخذ اللبن قسطًا, جاز أن يأخذ الحمل قسطًا.
قيل: فيه روايتان:
إحداهما: يأخذ قسطًا كاللبن, ولا فرق بينهما.
والثانية: لا يأخذ.
والفصل بينهما: أن اللبن في الضرع مقدور على تناوله, فهو كاللب في الجوز, يكسر ويؤخذ, واللبن في قدح, فلهذا أخذ قسطًا من الثمن, والحمل لا يمكن استخراجه من الجوف حتى يخرج بنفسه بقدره, فهو كالأعضاء منها, فلهذا لم يأخذ قسطًا.
فإن قيل: إذا كان يأخذ قسطًا كان يجب أن يجوز إفراده بالعقد.
قيل له: لا يمتنع أن يجوز على وجه البيع, وإن لم يجز إفراده, ألا ترى أن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها مفردة عن النخل لا يجوز, ولو باعه مع النخل صح تبعًا, وإن لم يصح إفراده.
الجزء: 3 - الصفحة: 295
واحتج المخالف بأن اللبن والصوف موزون, فجاز بيعه بالحيوان.
دليله: الذهب والفضة.
والجواب: أنا نقول بموجبه, وهو إذا لم يكن هناك لبن ولا صوف مع الشاة.
وعلى أن الشاة ليست بأصل للذهب والفضة, وليس كذلك هاهنا؛ لأنها أصل اللبن والصوف, أشبه إذا كان اللبن مثل اللبن الذي في الشاة.
...
296 -
مسألة
إذا تبايعا دراهم بدنانير في الذمة بالصفة, وتقابضا, ثم وجد أحدهما بعد التفرق عيبًا من جنسه, كان له البدل:
نص عليه في رواية حرب والمروذي والميموني خلافًا للشافعي في أحد القولين: له الخيار في الفسخ, وليس له البدل.
دليلنا: أن كل ما جاز استبداله قبل التفرق جاز مع صحة العقد بعد التفرق, كالسلم.
ولا يلزم عليه إذا كان الصرف عينًا بعين؛ لما لم يجز استبداله قبل التفرق, كذلك بعد التفرق.
الحديث: 296 - الجزء: 3 - الصفحة: 296
واحتج المخالف بأنه لو ثبت له البدل حكمنا بصحة الصرف مع وجود التفرق به قبل القبض؛ لأنه إذا رده لا يأخذ بدل ما رده, وإنما يأخذ الأصل الذي وقع عليه العقد, فقد فارقه قبل قبض ذلك, وبهذا يبطل الصرف.
والجواب: أنه لا يفضي إلى هذا؛ لأن الذي قبضه, وإن كان معيبًا, فهو قبض صحيح, فالمقبوض هو الذي وقع عليه العقد.
الدليل عليه: أنه لو كان غيره لبطل العقد؛ لأنه وجد التفرق قبل القبض, ولو كان غيره لما جاز له إمساكه, ألا ترى أنه لو كان من غير جنسه, فأراد إمساكه لم يكن له؟
فإذا ثبت أنه قبض صحيح, فإذا أراد الرد كان قطعًا للعقد حين الرد؛ لأنه رفع العقد من أصله بدليل: أنه لو كان المبيع شاة, فحملت ووضعت, ثم أصاب بها عيبًا, ردها دون النماء, وكذلك لو كانت نخلة,
فأثمرت, ردها دون النماء, فإذا كان قطعًا للعقد في الحال ثبت أنه ما عري عن القبض بحال؛ إما قبض الأصل أو ما قام مقامه.
ولا فصل بين القبضين أكثر من أنه إذا قبض المعيب كان قبضًا جائزًا, وإذا قبض الأصل كان قبضًا لازمًا, فإذا رد المعيب فلابد من قبض الأصل قبل التفرق.
واحتج بأن الصرف يتعين تارة بالقبض, وتارة بالعقد, ثم ما تعين
الجزء: 3 - الصفحة: 297
بالعقد لا يكون له البدل, كذلك إذا تعين بالقبض.
والجواب: أنه يبطل به إذا قبض فأصابه العيب قبل التفرق, وكان الصرف في الذمة؛ فإنه قد تعين بالقبض, ومع هذا له البدل.
على أنه إذا تعين بالعقد لو جاز البدل أخذ غير ما اشتراه, فلهذا لم يصح, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه إذا أبدل أخذ ما اشتراه.
...
297 -
مسألة
الدراهم والدنانير تتعينان بالعقد إذا عينت:
ومعناه: أن أعيانهما تملك بالعقد, وأن تعيينها يمنع استبدالها وثبوت مثلها في الذمة, وإذا خرجت مغصوبة بطل العقد.
وقد قال أحمد في رواية ابن منصور في رجل قال لرجل: بعني ثوبك هذا بهذه المائة درهم, فلما دفعها إليه إذا هي زيوف: يرد المبيع.
ونقل في موضع آخر: إذا اشترى لحمًا بهذا الدرهم والدرهم مردود له قيمة اللحم إذا استهلكه.
وقال في رواية عبد الله وأبي الحارث وأبي داود في عبد له مال سأل غيره, أن يشتري له نفسه من سيده بهذه الألف: فإن اشتراه بعين المال فالشراء باطل, وإن اشتراه لا بعين المال صح, وعتق.
الحديث: 297 - الجزء: 3 - الصفحة: 298
وهذا يدل على أنا تتعين؛ لأنها لو لم تتعين لم يبطل العقد بتعيينها في حق العبد, ولا بخروج الدرهم رديئًا؛ لأنه يجوز العدول عنها.
وكذلك نقل المروذي عنه في من اشترى جارية بمال حرام, فقال: اشتريت منك هذه الجارية بهذا المال بعينه: لم يطأها, وإن كان قد اشتراها, ثم أعطى المال بعد, فالبيع قد وقع, وكان بينهما فرق.
وقد علق القول في رواية أبي داود: وقد سئل عن عبد دفع إلى رجل مالًا, فأمره أن يشتريه, فاشتراه به, فأعتقه, قال: يرد الدراهم على المولى, ويؤخذ المشتري بالثمن, والعبد حر.
ويحمل قوله: (اشتراه به) بمعنى: نقده في ثمنه, وكان الشراء في ذمته.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يتعين, ولا يملك بالعقد, ويجوز استبدالها وثبوت مثلها في الذمة.
وحكى ابن نصر المالكي أن الظاهر من قول أصحابهم: أنها لا تتعين.
وحكي عن ابن القاسم: أنها تتعين.
دليلنا: ما روي في حديث عبادة بن الصامت, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
الجزء: 3 - الصفحة: 299
(لا تبيعوا الذهب بالذهب, ولا الورق إلا سواء بسواء, عينًا بعينٍ, يدًا بيدٍ).
وهذا يدل على أنهما يتعينان؛ لأنهما إذا لم يتعينا بالتعيين, وكانا في الذمة, لم يكن عينًا بعين, وإنما يكون عينًا بعين إذا ملكت عين كل واحدة منهما بعين الأخرى.
فإن قيل: لم يرد بالتعيين في حال العقد لاتفاقنا على جواز بيع الدراهم بالدراهم بغير أعيانها, وإنما أراد به تعيينه في المجلس وقبضه؛ لئلا يتفرقا عن دين بدين.
قيل له: بل أراد بالتعيين حال العقد, لأنه قال: لا تبيعوا إلا عينًا بعينٍ.
وهذا يقتضي بيعًا بالعين, وعندهم أن العين لا تملك بالعقد.
وقولهم: (إنه يجوز بيعها بغير أعيانها) , فإنما كان كذلك؛ لأنه مخير بين التعيين بالعقد, وبين التعيين بالقبض في المجلس, ويكون بمنزلة التعيين بالعقد.
والقياس: أنه عوض مشار إليه في العقد, فوجب أن يتعين به.
أصله: العروض.
ولا يلزم عليه السلم؛ لأنه غير مشار إليه, وإنما هو موصوف في
الجزء: 3 - الصفحة: 300
الذمة، ولو أشير إليه بطل عقد السلم.
ولهم فرق بين العروض وبين الدراهم والدنانير مذكور في أدلتهم.
وإن شئت قلت: ما يتعين بالقبض، جاز أن يتعين بالعقد، إذا لم يبطل العقد بالتعيين.
دليله: العروض.
ولا يلزم عليه المسلم فيه؛ لأنه يجوز أن يتعين بالعقد، لكن في بيوع الأعيان.
وإن شئت قلت: ما تعين في الغضوب والودائع، جاز أن يتعين بالعقود إذا عين، كالعروض.
ومعنى تعيينها في الغصوب والودائع: أنه إذا طولب بها، لزمه تسليمها بعينها، ولا يجوز له أن يعدل عنها، ويعطي غيرها، كالعروض يجب أن يكون حكمها في العقود كذلك.
فإن قيل: إذا جاز أن يتعين في الغصوب والودائع يجب أن يتعين في مسألتنا؛ ألا ترى أن العروض تتعين في الغصوب والودائع، [و] لا تتعين في السلم، وكذلك المكيال والميزان يتعينان في الغصوب، ولا يتعينان في عقد البيع.
قيل له: إنما لم تتعين العروض في السلم؛ لأن تعيينها يفسد العقد،
الجزء: 3 - الصفحة: 301
وليس كذلك تعيين الدراهم والدنانير في مسألتنا؛ لأنه لا يفسد العقد، فهو كالعروض.
وأما المكيال والميزان فيأتي الكلام عليه في أدلتهم.
ولأن كل ما جاز أن يتعين به غير الدراهم، جاز أن تتعين به الدراهم.
دليله: القبض.
ولأن كل جهة تتعين بها الأعيان، فإنه تتعين بها الأثمان، كالغضب والوديعة.
فإن قيل: القبض لا يقع إلا على عين، فلهذا تعين بالقبض، والعقد قد يقع على غير عين، فإذا عين لم يتعين، كالمكيال.
قيل: لا يمتنع أن يقع العقد على غير عين، ثم إذا عين به تعين، كالوصية بالثلث؛ تقع على غير عين، وإذا عينت بشيء بعينه تعينت.
وكذلك إطلاق العبد في المهر والكتابة يصح، ويقع على غير عين، وإذا عين تعين.
وكذلك بيع قفيز من صبرة يصح، [و] إذا عين منها جزءًا تعين.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ﴾ [يوسف: 20].
قال الفراء: الثمن ما يثبت في الذمة.
فجعل من صفة الثمن ثبوته، فيجب أن تكون هذه الصفة لازمة له في جميع الأحوال، ومخالفنا يزعم: أنه إذا عين لم يثبت في الذمة.
الجزء: 3 - الصفحة: 302
والجواب: أن قول الفراء لا يقبل في الأحكام؛ لأنه لا معرفة له بذلك، وإنما يقبل في ما طريقة اللغة، والدراهم؛ هل تتعين، أم لا؟
حكم، وليس طريقه اللغة.
فإن قيل: قوله: (الثمن ما يثبت في الذمة) حكاية عن أهل اللسان، فيقبل قوله، وإن كان تحته حكم شرعي، كما لو قال:
الحرام: اسم لما لا يجوز تناوله.
والمباح: اسم لما يجوز تناوله.
يقبل قوله، وإن كان تحت ذلك حكم شرعي.
قيل له: إذا قال:
الحرام: اسم لما لا يجوز تناوله.
والمباح: اسم لما يجوز تناوله.
لم يقبل منه ذلك أيضًا؛ لأنه حكم شرعي، ولكن لو قال:
الحرام عندهم: ما يكرهونه، وتعافه نفوسهم.
والحلال: ما تميل إليه نفوسهم.
قبل؛ لأنه ليس بحكم شرعي.
وعلى أنه يمكن تأويله، وهو: أنه إذا أراد به الثمن المطلق؛ فإنه يثبت في الذمة عند الإطلاق، وهذا يختص به الثمن دون غيره من المثمنات.
واحتج بأنه لو تعينت لما صح العقد عليها، فلما اتفقوا على أنه لو
الجزء: 3 - الصفحة: 303
قال: (اشتريت منك هذا الثوب بعشرة دراهم) صح العقد، ولو لم يصف العشرة إذا كان هناك نقد معروف، دل على أنها لا تتعين.
والجواب: أن جواز إطلاق العوض في العقد لا يدل على أنه إذا عقد على عينه لا يتعين.
الدليل عليه: إطلاق الوصية بعبد، أو شاة، أو بعير، أو دابة، أو ثوب، أو قفيز من طعام يصح، ويتعين بعقد الوصية ما عين منها.
وكذلك يجوز إطلاق اليمين في الدراهم والدنانير، [و] لو حلف على دراهم بأعيانها، أو دنانير بأعيانها، تعينت، وتعلقت اليمين بها.
وكذلك يجوز إطلاق العبد في المهر والكتابة، ويتعين بالتعيين.
وكذلك يجوز بيع قفيز من صبرة وصاع زيت، أو شيرج، أو برد من شيء مجتمع، وإذا عين جزء منه، وأفرد بالعقد، صح وتعين، كذلك هاهنا.
وعلى أن الدراهم والدنانير إذا أطلقت فهي بمعنى الموصوفة؛ لأن نقد البلد إذا كان واحدًا انصرف العقد إليه، ويكون بمنزلة المشروط فيه؛ لأن العرف القائم بينهم يقوم مقام الشرط، ألا ترى أن النقود إذا كانت مختلفة لا مزية لبعضها على بعض لم يجز إطلاق العقد فيها، وإنما يجوز إطلاق العقد إذا كان النقد المتعامل به واحدًا لا يختلف، فيحمل إطلاق العقد عليه، ويكون بمنزلة قوله: بعتك من هذا النقد بكذا.
الجزء: 3 - الصفحة: 304
وليس كذلك العروض؛ فإنه يجوز العقد عليها بالوصف، وتثبت في الذمة، ولا يجوز إطلاق العقد عليها من غير وصف؛ لأنه لا عرف فيها يحمل العقد عليه، ويقوم مقام الشروط فيه، فلو كان في نوع من العروض عرف قائم في المعاملة، لحملنا إطلاق العقد عليه من غير وصف، وأقمنا العرف فيه مقام الشرط والوصف.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية جعفر بن محمد النسائي في الرجل يبتاع، فيفتح جرابًا، فيريه، ثم يقول: الباقي على صفة هذا، قال: إذا جاءت على صفة، فليس له رده.
وهذا يدل على أن الثياب قد يثبت لها عرف في بلدها، فتعلق عليها الصفة، كالنقود.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد في رواية الأثرم في رجل باع ثوبًا بكذا وكذا درهمًا، أ, اكترى دابة بكذا وكذا درهمًا، فاختلفا في النقد، فقال: له نقد الناس.
فقيل له: إن نقد الناس بينهم مختلف، فقال: له أقل ذلك؟!
ونقل ابن القاسم عنه في رجل اشترى ثوبًا بدراهم، والدراهم على ما علمت من اختلافهم، ثم اختلفا في النقد: فليس له أن يعطيه أردأ الدراهم، ولا أفضلها، ولكن الوسط.
قيل له: فإن اختلفا، فأي الدراهم يعطيه؟ قال: أقلها؛ يعني: المقطعة.
قالوا: وهذا يدل من كلام أحمد على أنه يجوز إطلاق الثمن، وإن كان نقد البلد مختلفًا، فامتنع أن تكون العلة.
الجزء: 3 - الصفحة: 305
وكذلك نقل صالح عنه في رجل صالح رجلًا على ألف درهم، ولم يذكر صحاحًا، ولا مكسرة: وقع الصلح على الصحاح ما لم يتواصفا على شيء.
وقد أطلق الصلح على ألف، وإن كانت مختلفة بالصحاح والمكسرة، والصح بيع.
قيل: أما كلامه في مسائل الأثرم وابن القاسم، فهو محمول على أن نقد البلد مختلف، والأقل منه أغلب، فجعل له الأقل؛ لأنه غالب نقد البلد.
ويمكن أن يحمل ذلك على أن البائع عين أحد النقدين، ثم اختلفا في ذلك النقد، فأسقط التحالف بينهما، وردهما في موضع إلى الأقل، وفي موضع إلى الوسط.
والأول أشبه؛ لأن الاختلاف في الأجود والأقل اختلاف في قدر الثمن، وذلك يوجب التحالف.
وكذلك يجب أن يحمل قوله: (يعطى الوسط)، أو (يعطى الصحاح) إذا كان ذلك غالب نقد البلد، وإنما كان كلامه محمولًا على الوجه الذي ذكرنا؛ لأنه قد نص على أن تعين الثمن شرط، فقال في رواية حرب في رجل ابتاع من رجل برًا على سعر ما يبيع: لم يجز حتى يبين له السعر.
الجزء: 3 - الصفحة: 306
وكذلك نقل ابن منصور.
واحتج بأنه لو أطلق العقد، ولم يعينها، ولم يصفها، لم تتعين، فإذا عينها يجب أن لا تتعين، كالمكيال والميزان.
والجواب عن جواز الإطلاق عليها: ما تقدم.
وأما المكيال والميزان:
فإن لم يعرف مقدار المكيال، ولا مقدار الصنجة، لم يصح العقد؛ لجهالة ذلك.
وإن كان مقدار المكياج معروفًا في البلد، وكذلك مقدار الصنجة، صح العقد؛ لأنه معروف المقدار، ولكن لا يتعين؛ لأنه ليس بمستحق بالعقد، وإنما يتوصل به إلى معرفة مقدار الحق، فلهذا لم يتعين، وكذلك الميزان، وليس كذلك الموزون؛ فإنه نفس المستحق، فلهذا تعين.
واحتج بأنه ثمن، فوجب أن يكون موضعه الذمة، كما لو أطلق العقد.
والجواب: أنه إذا أطلق العقد؛ لم يثبت في الذمة لكونه ثمنًا بدليل: أنه لو أطلق العقد في الإجارة، أو النكاح، أو الخلع، ثبت في الذمة، وإن لم يكن ثمنًا.
وعلى أن المعنى في الأصل: أن الثمن هناك غير معين، ولا مشار إليه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه بدل مشار إليه، فتعين.
دليله: العروض.
الجزء: 3 - الصفحة: 307
واحتج بأنها لو تعينت بالعقد لم يجز التصرف فيها قبل القبض، كالعروض إذا تعينت بالعقد، لم يجز التصرف فيها قبل قبضها، فلما جاز التصرف فيها قبل القبض، دل على أنها لم تتعين، وأنا محلها الذمة.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية ابن منصور: وقد سئل عن اقتضاء دراهم من دنانير ودنانير من دراهم في البيع، فقال: يأخذ بالقيمة، وإن اقتضاه في الدين فبالقيمة.
فأجاز التصرف فيه قبل القبض بأخذ العوض عنه.
والجواب: أنه إنما جاز التصرف في الثمن إذا كان متعينًا؛ لأنه يجوز التصرف في الثمن- أيضًا- إذا كان متعينًا قبل القبض؛ لأن من أصلنا: لو ابتاع ثوبًا جاز بيعه قبل قبضه، فإذًا الثمن والعروض على حد سواء في باب التصرف.
وإن كان الثمن في الذمة جاز التصرف أيضًا فيه؛ لأنه قد أمن انتقاض العقد بهلاك الثمن، ولم يؤمن انتقاضه بهلاك المبيع.
وعلى أن هذا لا يصح على أصلهم؛ لأن العقار يتعين بالعقد، ويصح بيعه قبل قبضه، فامتنع أن يكون جواز التصرف دلالة على عدم التعيين.
والمسلم فيه غير متعين، ولا يجوز التصرف فيه، فامتنع أن يكون ثبوته في الذمة دلالًة على جواز التصرف فيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 308
واحتج بأنه لا غرض في إثبات الدراهم والدنانير، وإنما الغرض في مقدارها، فإذا عينت لم تتعين، وكان ذلك بمنزلة تعيين المكيال والميزان والأوزان، وكما لو استأجر أرضًا يزرعها حنطة؛ فإنه يجوز أن يزرعها حنطة وما ضرره ضرر الحنطة.
والجواب: أن هذا باطل بالدراهم والدنانير في الوديعة والغصب؛ فإنه لا يجوز إبدالها بمثلها، وإن وجد معناها.
وكذلك يبطل به إذا ابتاع قفيزًا من صبرة بعينها، أو صاع زيت من جملة زيت؛ فإنه يتعين، ولا يجوز للبائع إبداله بغيره من تلك الصبرة ومن ذلك الزيت، وإن لم يكن في أعيانها غرض؛ لأنه طعام واحد وزيت واحد، وإنما الغرض في قدرها.
وعلى أن الدراهم والدنانير قد تكون أعيانها مقصودة بأن تكون دراهم يعتقد أنها حلال لا شبهة فيها، وغيرها مشكوك فيه، أو تكون دراهم يتيقن أنها مملوكة له، وغيرها يشك في ذلك من حالها، فلا يأمن إذا أخذها ربما ظهر استحقاقها.
ويفارق هذا المكيال والميزان من الوجه الذي ذكرنا.
ويفارق هذا إذا استأجر أرضًا ليزرعها حنطة؛ لأن في ذلك الموضع حق المستأجر منفعة الأرض دون الحنطة، وإنما يستوفي حقه بالحنطة، فملك استيفاءها بالحنطة وما يقوم مقامها، كما لو كان لرجل على رجل
الجزء: 3 - الصفحة: 309
دين؛ فإنه يملك استيفاءه بنفسه وبوكيله.
وليس كذلك الدراهم والدنانير إذا عينت؛ لأنها حق للمشتري، وإذا أبدلها البائع بغيرها كان متصرفًا في حق غيره، لم يكن له ذلك.
...
298 -
مسألة
من باع نخلًا غير مؤبرٍ، فثمرته للمشتري:
قال في رواية الأثرم في من اشترى رقبة الأرضـ، وفيها ثمر ونخل لم يبد صلاحه: فالثمرة تابعة للأرض إذا لم يقصد الثمر، وإنما قصد الأرض.
معنى قوله: إذا قصد الأرض، ولم يقصد ثمره: لم يبد صلاحها على البقاء، وجعل شراء الأرض ذريعة إلى ذلك.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: الثمرة للبائع إلا أن يشترطها المبتاع.
دليلنا: ما روى أحمد في (المسند) قال: نا إسماعيل قال: نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من باع نخلًا قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع).
ومن دليلان: أحدهما: من دليله، والثاني: من لفظه.
أما من دليله: فهو أنه خص المؤبر بالذكر، وعلق الحكم عليه.
الحديث: 298 - الجزء: 3 - الصفحة: 310
فدل على أن غير المؤبر حكمه بخلافه.
فإن قيل: تخصيص الشيء بالذكر لا يدل عندنا على أن ما عداه بخلافه، بل يكون موقوفًا على الدلالة.
قيل له: عندنا يدل على أن ما عداه بخلافه، ولنا أن نبني فروعنا على أصولنا.
والدلالة الثانية من لفظه، وهو: أن (من) [من] حروف الشرط في اللغة، فيدل اللفظ على أن التأبير شرط في كون الثمرة للبائع.
وإذا ثبت أنه شرط فيه، لم يملكه بعدم الشرط، وعندهم وجود الشرط وعدمه سواء.
فإن قيل: لم يخرج هذا على وجه الشرط، وإنما خرج على العادة الجارية بينهم بتأبير النخل، ولم يكونوا يتركونه يخرج كلامه على العادة، كما قال تعالى: ﴿ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم﴾ [النساء: 23]، فخص الربيبة التي تكون في حجره، وحرمها عليه؛ لأن العادة أن الربيبة تكون في حجر الرجل، فخرج الكلام على العادة، ثم لم يكن الحكم مقصورًا عليها، بل التي ليس في حجره كالتي في حجره في التحريم.
وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا قطع في الثمر حتى يؤويه الجرين»،
الجزء: 3 - الصفحة: 311
فخص الجرين بالذكر؛ لأن العادة أن الثمرة قد استحكمت إذا اجتمعت في الجرين، فخرج كلامه على العادة، ثم لم يكن الحكم مقصورًا عليه، كذلك هاهنا.
قيل له: حقيقة اللغة ما ذكرنا، فوجب أن نحمل اللفظ على حقيقته، فإن تركناه في موضعٍ فلدلالةٍ دلت عليه.
وعلى أن هذه العادة لا نعرفها، والإنسان يبيع النخل وقت حاجته إلى بيعها، وقد تكون في وقت الحاجة مطلعة، وقد لا تكون مطلعة، فكيف يبيعها مؤبرة؟ فسقط هذا السؤال.
فإن قيل: يحتمل أن يكون خرج هذا على سؤال سائل عن بيع النخل بعد أن يؤبر، فقال: (من باع نخلًا بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع).
فذكر التأبير لذكر السائل، لا أنه شرط فيه.
قيل له: لم يجئ للسؤال، فلم يجب حمله عليه.
وعلى أنه يجب حمله على ما تقتضيه اللغة، وإن كان قد تقدمه سؤال؛ لأن السؤال بغير حكمه.
وعلى أن أبا بكر الأثرم رواه في (مسائله) بإسناده عن جابر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من باع عبدًا، وله مال، فله ماله، وعليه دينه، ومن
الجزء: 3 - الصفحة: 312
أبَّر نخلًا، فباعه بعد تأبيره، فله ثمرته، إلا أن يشترط المبتاع).
هذا معناه، وهذا يدل على أن الاعتبار بالتأبير.
والقياس: أنه نماء كامن لظهوره غاية، فجاز أن يكون قبل ظهوره تابعًا لأصله.
دليله: الحمل واللبن.
وقولنا: (نماء) احتراز من الدقيق.
و (كامن) احتراز من الظاهر.
(لظهوره غاية) احتراز من الجوز واللوز؛ فإن اللب لا يخرج من قشره إلا بكسره وإخراجه، وكذلك الحنطة في السنبل.
وقولنا: (فجاز أن يكون تابعًا) احتراز من النخل الكبير إذا كان بعضها مؤبرًا، وبعضها غير مؤبر، فباعها؛ أنه لا يبيع مالم يؤبر منها على الأصل على اختلاف أصحابنا؛ لأن التعليل للجواز.
ولا يلزم عليه عقد الرهن؛ فإن النماء يتبعه أيضًا، كالبيع.
ولا يلزم عليه طلع الفحول؛ لأنه لا يفرق بينه وبين غير الفحول.
فإن قيل: لو كان هذا بمنزلة الولد، لوجب إذا باع مئة نخلة في بستان؛ بعضها مؤبر، وبعضها غير مؤبر، أن لا يدخل المؤبر في البيع، ويدخل ما لم يؤبر، كما لو باع عشرين شاة، وقد ولدت واحدة منها، ولم تلد تسعة عشر؛ أن التي ولدت لا يتبعها ولدها، والتي لم تلد يتبعها.
الجزء: 3 - الصفحة: 313
قيل له: تأبير بعضه جعل بمنزلة تأبير جميعه، كما جعل بدو الصلاح في بعضه كهو في جميعه، ولم نجد في الأصول أن ظهور الحمل في أحد الغنم جعل بمنزلة ظهور ما لم يظهر حملها، فلهذا فرقنا بينهما.
فأما إذا لم يظهر واحد منهما، فهو في [الكمون] سواء، فيجب أن يتساويا في الحكم.
فإن قيل: لو كان بمنزلة الولد، وجب أن يكون المؤبر منها وغير المؤبر سواء في كونه تابعًا؛ لاتصاله به في الحالين جميعًا، كالولد المتصل.
فلما اتفقنا على أن الثمرة الظاهرة مع اتصالها بالنخل لا تكون تابعًا لها في البيع، ولا تكون بمنزلة الولد المتصل بالأم، بل هي كمال منفرد عن النخل، لا يتبع النخل في البيع، كذلك التي لم تؤبر.
قيل له: الحمل له استتار وظهور، وليس له اتصال؛ لأنه غير متصل بالأم، وإنما هو مودع في الجوف، فكانت الثمرة في حال استتارها بالطلع كالحمل، وفي حال ظهورها كالولد الظاهر، وليس له اتصال.
ولأن الثمرة إذا ظهرت أخذت شبهًا من الولد الظاهر لظهورها من وعائها، وشبهًا من الجنين لاتصالها بالأصل، فلم يكون أحدهما أولى من الآخر، فبقيت الثمرة على ملك مالكها كما كانت.
الجزء: 3 - الصفحة: 314
وليس كذلك إذا كانت الثمرة كامنة في وعائها؛ فإنها بمنزلة الحمل قبل ظهوره، وكانت تابعة للأصل.
فإن قيل: لو كانت كالحمل واللبن لم يجز استثناؤها في البيع، كما لا يجوز استثناء الحمل واللبن.
قيل له: روى ابن القاسم وسندي جواز استثناء الحمل في البيع.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
ونقل ابن منصور وحنبل: لا يصح.
وإنما اختلفتا من هذا الوجه؛ لأن الحمل واللبن أجريا مجرى أجزاء الجارية في أنها تتبع في البيع، فحين لم يجز بيع بعض أعضائها بشرط القطع، لم يجز استثناء الحمل واللبن، والطلع أجري مجرى أجزاء النخل، فلما جاز إفراد بعض أجزاء النخل من السعف وغيره بشرط القطع، جاز استثناء القطع أيضًا، فاختلفا في هذا؛ لاختلافهما في هذا المعنى، وهما متساويان فيما ذكرنا.
واحتج المخالف بأن العقد على الشجر لا يوجب دخول الثمر في البيع بغير شرط.
دليله: المؤبر، وإذا باع مئة نخلة في بستان واحد، ونخلة منها مؤبرة، وتسع وتسعون نخلة غير مؤبرة؛ أنه لا يدخل شيء منها في البيع.
والجواب: أنها إذا أبرت فقد ظهرت، وإذا لم تؤبر، فلم تظهر، وفرق بينهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 315
الدلالة عليه: الحمل واللبن.
ولأنها إذا أبرت فقد أخذت شبهًا من الحمل ومن الولد الظاهر، فتعارضها، وبقيت الثمرة على ملك مالكها، وليس كذلك إذا لم تؤبر؛ فإنها جارية مجرى الحمل، فكانت تابعة للأصل.
فإن قيل: ليس من حيث كانت في إحداهما ظاهرة والأخرى كامنة، يجب أن يختلف حكمها، ألا ترى أن صوف الشاة ظاهر، ولبنها كامن، وجميعها يتبعان الأصل في البيع، والزرع ظاهر، والبذر كامن، ولا يتبع الأصل في العقد عليه.
قيل له: إنما كان الشعر كاللبن في البيع، وإن اختلفا في الظهور؛ لأنهما في حكم واحد بدليل: أنه لا يجوز إفراد الشعر الظاهر بالعقد، كما لا يجوز إفراد اللبن الباطن بالعقد.
وأما الزرع والبذر فإنما لم يتبعا؛ لأن البذر مودع، وليس بنماء الأرض، ولا جزء منها، فهو بمنزلة المال المدفون، والزرع الظاهر بمنزلة الطلع المؤبر.
وأما إذا أبر بعض نخيل بستان، ولم يؤبر جميعه، فإن أصحابنا اختلفوا في ذلك:
الجزء: 3 - الصفحة: 316
فقال أبو بكر: لا يكون تأبير البعض تأبيرًا للكل، بل يكون للبائع ما أبر دون ما لم يؤبر.
وقال شيخنا: تأبير بعضه قد جعل بمنزلة تأبير جميعه، كما جعل بدو الصلاح في بعضه بدوًا في جميعه.
واحتج بأن الثمرة لا تتبع الأصل في البيع بحال.
دليله: ثمار سائر الأشجار، وإذا كان النخل مؤبرًا.
والجواب عنه إذا كان مؤبرًا: ما تقدم.
وأما سائر الأشجار فإن ثمارها تتبع أصولها إذا كانت كامنة في وردها، فإذا ظهرت الثمار، وتناثر الورد، لم تتبع أصولها، فإذًا لا فرق بينهما.
واحتج بأنه نماءٌ خارج من الأصل، وله غاية ينتهي إليها في العادة، وهي كالشجرة نفسها.
وفيه احتراز عن الولد في البطن، واللبن في الضرع؛ لأنهما غير خارجين عن الأصل.
والجواب: أن الشجرة نفسها نماء ظاهر، فلهذا لم تتبع الأرض في البيع، فهي كالثمرة المؤبرة، والولد الظاهر.
واحتج بأن الطلع يجوز إفراده بالبيع، فلم يكن تابعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 317
أصله: الثمر المنفصل.
والجواب: أنه يبطل بأغصان الشجرة، وسعف النخلة؛ تتبع الأصل، وبالشجرة تكون في الدار تتبع الدار في البيع، وإن كان يجوز إفرادها بالبيع، وكذلك البناء يتبع الأرض في البيع، وإن جاز إفراده بالبيع.
...
299 -
مسألة
إذا باع نخلًا مؤبرًا، فثمرته للبائع، وله تركها حتى تدرك:
ذكره الخرقي في (مختصره).
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يؤخذ البائع بقطعه، ويجبر عليه.
دليلنا: حديث جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أرأيت لو منع الله الثمرة، بم يأخذ أحكم مال أخيه؟!).
وهذا يدل على أن الثمرة المبيعة يجب تركها إلى حال إدراكها؛ لأنه لو كان يجب قطعها في الحال لما أصابتها الجائحة، ولا منعت الثمرة.
وأيضًا فإن من ابتاع شيئًا متعلقًا بحق غيره، فإنما يجبر الغير على إزالته ونقله على حسب العادة في ذلك، ألا ترى أن المشتري إذا زرع الأرض، فاستحق الشفيع الأرض، لم يجبر على قلع الزرع حتى
الحديث: 299 - الجزء: 3 - الصفحة: 318
يبلغ أوان الحصاد.
وكذلك لو ابتاع من رجل دارًا ليلًا، وفيها طعام وقماش كثير، لم يجبر على نقله ليلًا؛ لأن العادة لم تجر بذلك، ولا يجبر- أيضًا- على جمع الحمالين دفعة واحدة، بل ينقله شيئًا فشيئًا على حسب العادة.
وكذلك لو ابتاع أرضًا ذات نخل وشجر، واستثنى البائع النخل والشجر، لم يجبر البائع على نقلها؛ لأن ذلك لا ينقل في العادة.
وكذلك الثمار في العادة لا تقطع إلى وقت الجذاذ، فلم يجبر البائع على إزالتها ونقلها قبل تلك الحالة.
فإن قيل: القياس كان يتقضي أنه يجب على المشتري نقل زرعه، لكن تركناه استحسانًا.
قيل له: المعنى الذي تركت لأجله القياس في حق الشفيع موجود هاهنا، فيجب أن تتركه له.
فإن قيل: إنما لم يجبر على نقل الطعام والقماش ليلًا؛ لأنه لا يمكن نقله ليلًا، ولا يجد من ينقله.
قيل له: النقل بالليل يمكن، ويوجد، ولكن تلحق المشقة فيه، وكذلك في قطع الثمرة قبل بدو صلاحها يمكن، لكن تلحقه المشقة فيه.
فإن قيل: فإذا استثنى النخل والشجر ملك ذلك بأصله من الأرض، لهذا لم يجبر على نقله.
قيل له: إنما ملك ذلك بأصله من الأرض؛ لأن العادة جارية ببقاء
الجزء: 3 - الصفحة: 319
النخل على الدوام، ألا ترى أنه لو باع أرضًا فيها زرع مستثنى للبائع، لم يكن له ذلك بأصله من الأرض؛ لأن العادة فيه أنه لا يبقى على الدوام.
فإن قيل: هذا يبطل بالثمرة إذا جذها، وتركها في أرض يشمسها، أو قطف العنب، وتركه فيها ليصير زبيبًا، ثم باع الأرض؛ فإنه يجبر على نقله قبل جفافه، وإن لم تجر العادة بذلك.
قيل له: لا عادة في تجفيفه في أرض بعينها، فلهذا لزمه نقلها؛ ليجففها في أي موضع شاء.
وأيضًا من ابتاع شيئًا، وحصلت منفعة مستثناة لغير المشتري، فإن المستحق لتلك المنفعة له استيفاؤها على الكمال، كما لو باع أمًة مزوجة؛ فإن منفعة البضع تكون مستثناة للزوج على الكمال.
فإن قيل: فالزوج لا يملك استيفاء منفعة البضع ليلًا ونهارًا، وإنما له ذلك ليلًا، فلا يحصل له ذلك على التمام.
قيل له: القدر الذي حصل مستثنى هو الذي حثل للزوج بعقد النكاح، وذلك القدر هو الاستمتاع بالليل دون النهار، وعلى المشتري تمكينه، فأما الاستمتاع نهارًا، فلم يكن ذلك حقًا للزوج حتى يكون مستثنى بالعقد.
واحتج المخالف بأن ملك المشتري مشغول بمال البائع، فيجبر على نقله على حسب الإمكان، كما لو جذ الثمرة بعد ما أدركت، وتركها في أرضه، وأراد تجفيفها، ثم باع الأرض، أو قطف العنب، وتركه في أرضه؛ ليصير زبيبًا، ثم باع الأرض، أو باع داره، وله فيها متاع؛ أنه
الجزء: 3 - الصفحة: 320
يجبر على نقل ذلك كله على حسب الإمكان.
والجواب: أن الواجب في ذلك نقلها على ما جرت العادة دون الإمكان بدليل ما ذكرنا من الشفيع لا يجبر المشتري على نقل الزرع قبل حصاده، وإن كان ذلك ممكنًا، وكذلك لا يجبر البائع على نقل المتاع ليلًا، وإن كان ممكنًا، كذلك هاهنا.
وأما إذا كان فيها ثمرة يشمسها ويجففها، فإنما كلف نقلها قبل ذلك؛ لما ذكرنا، وهو: أن ذلك لا يختص بمكان دون مكان.
واحتج بأنا لو أجبرنا المشتري على تركها إلى وقت إدراكها صار كأن البائع باع شيئًا، واستثنى لنفسه منفعته، وهذا لا يجوز، ألا ترى أنه لو قال: (بعتك هذه الدار على أن أسكنها سنة) لم يصح العقد؟
والجواب: أنه يصح ذلك عندنا، ويأتي الكلام فيه في ما بعد، إن شاء الله.
على أن هذا باطل بالزرع في حق الشفيع؛ فإنه لا يملك إجبار المشتري على قطعه، وإن أدى ذلك إلى المعنى الذي ذكره.
...
300 -
مسألة
إذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها لم يجز، إلا أن يشترط قطعها:
نص على هذا في رواية ابن القاسم وسندي: لا بأس أن يشتري
الحديث: 300 - الجزء: 3 - الصفحة: 321
البلح ليقطعه، والحصرم إذا كان يقطعه.
كذلك نقل أبو طالب عنه: يجوز أن يبيع البلح على أن يصرمه.
وقد علق القول في رواية عبد الله: إذا اشترى بلحًا في نخل ليقطعه على المكان فنعم، فإن اشتراه ورأيه قطعه، وباعه على مثل ذلك، ثم إن المشتري تركه حتى أدركته عاهة، يرجع على البائع بماله، هو في ملك البائع قبل أن يجذه.
وظاهر هذا: أنه أجاز البيع من غير شرط إذا كان عزمه قطعه.
والمذهب: أنه لا يصح، وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يشترط قطعها جاز البيع.
دليلنا: ما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى أن تباع الثمار حتى يبدو صلاحها، وتنجو من العاهات.
وروى بإسناده في لفظ آخر عن ابن عمر: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة.
وروى بإسناده في لفظ آخر عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري.
الجزء: 3 - الصفحة: 322
وبإسناده عن جابر قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمر حتى تشقح.
قلت: متى تشقح؟ قال: تحمار، وتصفار، ويؤكل منها.
وروى بإسناده عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة.
وروى بإسناده عن أنس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، وعن العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد.
ذكر عبد الله هذه الأخبار في (مسائله)، وظاهر هذه الأخبار يقتضي تحريم بيعها في جميع الأحوال، إلا أن الدلالة دلت على جواز بيعها بشرط القطع، فأجزناه، وبقي ما عداه على موجب حكم النهي مستعملًا في بيعها على الإطلاق.
وفيها دليل آخر، وهو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق النهي فيها بعدم صفة من الثمرة، وهو بدو الصلاح فيها وحصول الإزهاء، وعندهم النهي لا يتعلق بذلك، وإنما يتعلق بشرط التبقية.
فإن قيل: المراد بالخبر: النهي عن بيعها بشرط التبقية بدلالة ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ
الجزء: 3 - الصفحة: 323
أحدكم مال أخيه).
والموجود من الثمرة في الحال غير ممنوع، وإنما يجوز أن تمنع الأجزاء التي ينتظر حدوثها بتركها إلى أن يتنامى عظمها بأن لا يوجدها الله تعالى.
قيل له: لا يصح هذا التأويل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق جواز البيع ببدو الصلاح، والبيع المشروط فيه التبقية لا يجوز عندكم بعد بدو الصلاح.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق النهي عن البيع لمعنى يعود إلى الثمرة، وهو عدم بدو الصلاح فيها، والبيع المشروط فيه التبقية يبطل عندهم لا لمعنى يعود إلى الثمرة.
وأما قولهم: إنه جعل العلة في إبطال العقد هلاك الثمرة، وهذا إنما يكون في الأجزاء التي تنتظر، وذلك إنما يكون بشرط التبقية، فليس كذلك؛ لأن عندنا أن الثمار إذا بيعت مطلقًا، فإن إطلاق العقد يقتضي تبقيتها إلى أوان الجذاذ، فيلحقها التلف والعاهة، كما لو شرط تبقيتها.
فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد بالخبر النهي عن بيع الثمرة قبل ظهورها بدلالة قوله: (أرأيت إن منع الله الثمرة)، وإنما يمنع المعدون بأن لا يوجدها.
قيل له: لا يمكن حمله على هذا؛ لأنه نهى عن بيع الثمار حتى يبدو
الجزء: 3 - الصفحة: 324
صلاحها، فاقتضى أن يكون هناك ثمرة موجودة يتوجه النهي إليها.
والقياس: أنها ثمرة نامية أفردت بالبيع قبل بدو صلاحها، لا على شرط القطع، فلم يصح بيعها.
دليله: لو باعها بشرط التبقية.
وقولنا: (نامية) احتراز منه إذا باع ثمرة في أصلها، والأصل مقطوع من الأرض؛ لقولنا نامية.
وقولنا: (أفردت بالعقد) احتراز منه إذا بيعت مع أصلها.
وقولنا: (قبل بدو صلاحها) احتراز منه إذا باعتها بعد بدو الصلاح.
وقولنا: (لا على شرط القطع) احتراز منه إذا شرط قطعها.
فإن قيل: إذا شرط تركها، فقد نفى موجب العقد، فبطل العقد، وليس كذلك إذا أطلق العقد؛ لأنه لم ينف موجبه.
قيل له: لا نسلم أنه نفى موجب العقد؛ لأن تسليم الثمرة على أصولها يكون بالتخلية بينها وبين المشتري، ولو تلفت بعد ذلك كانت من ضمان المشتري، فلم يكن شرط التبقية منافيًا؛ لأن نقلها بعد التسليم ليس من أحكام العقد، وإنما هو بحكم العادة، كما قالوا في المشتري إذا زرع: لم يكن للشفيع أخذه بالقطع.
وأيضًا فإنا نبني المسألة على أن إطلاق العقد يقتضي التبقية، ونستدل عليه بما تقدم من أن من باع دارًا ليلًا، وفيها طعام وقماش، لم يجبر على نقله ليلًا، ولا يجبر على نقله دفعة واحدة.
الجزء: 3 - الصفحة: 325
وإذا باع أرضًا فيها نخل وشجر، واستثنى ذلك، لم يجبر على نقله.
وكذلك المشتري إذا زرع، لم يجبره الشفيع على قطعه.
وإذا كان كذلك، فالعادة في الثمار: أنها لا تنقل وتزال عن النخل إلى وقت الجذاذ، فحمل إطلاق العقد عليه، فنقول: إطلاق العقد إذا كان له عرف وعادة تحمل عليه صار بمنزلة المشروط في العقد.
دليله: الأثمان؛ فإنها تحمل عند الإطلاق على نقد البلد، ويصير كالمشروط فيه، كذلك هاهنا.
فإن قيل: إنما حملنا المطلق من الثمن على النقد المعتاد؛ لأنه لا يؤدي إلى فساد البيع، وفي الثمرة إذا حملنا الإطلاق على العادة في التبقية يؤدي إلى فساد البيع؛ لأنه يصير بمنزلة من باع طعامًا في بيت، وشرط تركه فيه.
قيل له: نقد البلد لو كان مختلفًا- ولم يكن بعضها أغلب من بعض- ببطل، وإن كان نقد أقرب البلدان إليه واحدًا، ووجب حمله على نقد بلده، وإن أدى إلى فساد البيع.
ثم هذا باطل بالمشتري إذا زرع، ثم أخذه الشفيع؛ فإنه لا يجبره على نقله، وإن أدى إلى المعنى الذي قال.
وما ذكره من بيع الطعام والمتاع فإنما وجب نقله؛ فإنه لا عادة في تركه، وتبقيته عليه.
فإن قيل: لو وجب حمل البيع على المعتاد، لوجب بأن يكون بيع
الجزء: 3 - الصفحة: 326
الثمار باطلًا؛ لأن العادة ببغداد أن أصحاب الثمار يشترطون [.....] على المشتري، ومعلوم أن هذا بيع باطل.
قيل له: العادة إذا كانت مخالفة للشرع ولم يحمل العقد عليها، وإنما يحمل على عادة صحيحة جائزة غير مخالفة الشرع.
واحتج المخالف بأنه لو شرط قطعها جاز، كذلك إذا أطلق العقد [و] لم يشترط، يجب أن يجوز، كما لو بدا صلاحها.
والجواب: أنه إذا شرط القطع لا يكون معقودًا على غرر؛ لأنها إذا قطعت سلمت من العاهة، فلهذا صح البيع، وكذلك إذا بدا الصلاح قد نجت من العاهة، فلا يكون العقد على غرر.
وليس كذلك إذا لم يبد صلاحها، وباعها مطلقًا؛ لأن ذلك يقتضي تبقيتها على ما قررناه، وفي ذلك غرر، ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وحتى تنجو من العاهة، وحتى تزهي، ولهذا قال: (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه).
واحتج بأن العقد على الأعيان لا بفتقر في صحته إلى شرط نقلها عن ملك البائع بدلالة: العقد على الطعام في أرض البائع أو في داره، والثوب، والعبد.
الجزء: 3 - الصفحة: 327
والجواب: أن العرف في سائر الأعيان تسليمها في الحال، فحمل مطلق العقد فيها على العرف، فيجب على هذا القياس أن يحمل مطلق العقد على الثمرة قبل بدو صلاحها على العرف فيها، وهو التبقية، فوجب حمله عليه، كما حمل على العرف في الأثمان.
وإن قاسوا على الثمرة المبيعة مع الأصل، فالمعنى فيها: أن الغرر قد سقط هناك؛ لكونها تبعًا للأصل، فجاز، كما قلنا للمجهول من أساس الدار وأطراف الجذوع وطي البئر، وكذلك بيع الحمل، والصوف على الظهر.
وإن قاسوا على الوصية بها مطلقًا؛ احتمل المنع، واحتمل الجواز، ويكون الفرق بينهما: أنه لا ضرر على الموهوب له والموصى له في ملكها قبل بدو صلاحها؛ لأنه لم يبذل عوضًا في مقابلها حتى إذا تلفت ذهب عوضه، فلذلك صحت تلك العقود.
فأما المبتاع فعليه ضرر في الابتياع قبل بدو الصلاح؛ لأنه بذل عوضًا في مقابلها، فإذا ذهب عوضها، فكان فيه ضرر، فلم يجز، ألا ترى أن الوصية تجوز بالمعدوم والمجهول، وإن لم يخرص البيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 328
301 -
مسألة
إذا باع الثمرة بعد بدو صلاحها بشرط التبقية صح:
ذكره الخرقي في (مختصره).
وقد نص أحمد في رواية الجماعة على أنه إذا اشترى الثمرة، ولحقتها جائحة: أنها تتلف من مال البائع.
وهذا يدل من أصوله على أن له شرط البقاء إلى وقت الجذاذ.
وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا شرط البقاء بطل البيع.
دليلنا: ما تقدم من نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن [بيع] الثمرة حتى يبدو صلاحها، وحتى تزهي، وحتى تنجو من العاهة، وحتى تشقح، وحتى تطيب.
ومنه دليلان:
أحدهما: أنه أجاز البيع بعد بدو صلاحها على الإطلاق، فيدخل فيها البيع بشرط القطع، والبيع مطلقًا من غير شرط.
والثاني: أنه علق النهي بغاية، وهو بدو الصلاح فيها، وما بعد الغاية بخلاف ما قبلها، فلما كان البيع قبل بدو الصلاح بشرط التبقية باطلًا، اقتضى بحكم الغاية أن يكون بعد بدو الصلاح بشرط التبقية صحيحًا.
الحديث: 301 - الجزء: 3 - الصفحة: 329
وأيضًا فإن العادة في الثمار تبقيتها على أصولها إلى أوان الجذاذ، فإذا جاز إطلاق العقد فيها، جاز بشرط التبقية، ألا ترى أن النقد إذا كان معروفًا معتادًا في البلد، جاز إطلاق العقد عليه، وجاز شرطه.
ولأنا نبني هذه المسألة على ما قبلها، وأنا إطلاق العقد في الثمار يقتضي التبقية، فإذا شرط ذلك في العقد كان تأكيدًا، فلم يغيره، كما لو شرط تسليم المبيع.
واحتج المخالف بأن تسليم المبيع في الحال من موجب العقد، فإذا شرط ترك الثمرة، فقد نفى موجب العقد، ونفي موجب العقد يفسد العقد، كما لو اشترى عبدًا على أن لا يسلمه إليه إلى شهر بطل العقد؛ لأنه نفى موجبه.
والجواب: أنه موجب العقد هو التسليم، وتبقية الثمرة ليس بتأخير التسليم؛ لأن تسليم الثمرة على رؤس النخل بالتخلية بينها وبين المشتري، وإنما الكلام في نقلها، والنقل ليس من موجب البيع، وإنما يجب النقل على حسب العادة بدليل: أن الثمرة لو بقيت مع الأصل، لم يجب على البائع نقلها إلى أوان الجذاذ، وإن لم تكن الثمرة مبيعة، ولا معقود عليها.
واحتج بأنه اشترى ثمرة على شرط الترك، فوجب أن لا يجوز، كما لو اشتراها قبل بدو صلاحها، وشرط تركها.
والجواب: أن [في] بيعتها قبل بدو صلاحها غرر كثير؛ لأنها
الجزء: 3 - الصفحة: 330
تعرض للهلاك، ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أرأيت إن منع الله الثمرة)، وإذا بدا الصلاح زال الغرر، فجاز بيعها.
واحتج بأنه شرط الانتفاع بملك البائع في عقد البيع، فهو كما لو باع بيتًا فيه طعام على أن ينقله بعد شهر.
والجواب: أنه يجوز ذلك على أصلنا.
على أنه لا عادة في تبقية الطعام، وفي الثمار عادة.
...
302 -
مسألة
إذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فلم يقطعها حتى بدا صلاحها، وأتى عليها أوان جذاذها، بطل البيع، وتكون الثمرة بزيادتها للبائع، ويرد الثمن على المشتري في أصح الروايتين:
نقلها أبو طالب، وحنبل في موضع:
فقال في رواية أبي طالب: لو باعه نخلًا على أن يصرمه، فتركه حتى اصفر، أو احمر، فسد البيع، وكذلك الحشيش إذا لم يقطعه وسنبل، فسد البيع، وتكون الثمرة والسنبل لصاحب الأرض.
وكذلك نقل حنبل في موضع: إذا باعة نخلًا على أن يصرمه،
الحديث: 302 - الجزء: 3 - الصفحة: 331
فتركه حتى بلغ، فذلك للبائع، ويرد عليه الثمن.
وكذلك نقل أبو طالب في من اشترى قصيلًا؛ ليجزه وهو حشيش، فتركه حتى سنبل، فسد البيع.
وهذه الرواية اختيار الخرقي وأبي بكر.
وفيه رواية أخرى: العقد صحيح لم يبطل.
نص عليه في رواية [......] ابن سعيد، وحنبل في موضع آخر:
فقال في رواية ابن سعيد: لا يشتري الرطبة إلا جزة، فإن تركها حتى تطول وتكبر، كان للمبتاع ما جز منها، وكان البائع شريكًا للمبتاع في النماء الزائد، إلا أن يكون يسيرًا قدر يوم، أو يومين، وكذلك النخل.
وكذلك نقل حنبل: لا يجوز بيع الرطببة الأجزه، فإن باعة على أن يجزه، أو نخلًا على أن يصرمه، فتركه حتى زاد، فالزيادة لا يستحقها واحد منهم، ويتصدقان به.
فقد اتفقا عنه على أن البيع لم يبطل، واختلفا في قدر الزيادة؛ فنقل ابن سعيد: أنهما يشتركان فيها، ونقل حنبل: يتصدقان بالزيادة.
وقوله: يتصدقان، ويشتركان بالزيادة؛ يريد به: الزيادة في القيمة؛ لأن الزيادة هاهنا في عين الثمرة، وليست أعيانًا يشار إليها؛ فينظر: كم كان قيمتها وقت العقد؟ فإذا قيل: مئة، قيل: وكم قيمتها بعد الزيادة؟ قالوا: مئتان، فيتصدقان أو يشتركان في القيمة الزائدة.
الجزء: 3 - الصفحة: 332
وهذا عندي على طريق الاستحباب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ربح ما لم يضمن، وهذه الثمرة قبل قطعها ليست من ضمان المشتري بدليل: أنها لو تلفت بآفة سماوية، أو بعطش كانت من ضمان البائع، ولهذا كره له أخذ ربحها.
وكره للبائع أيضًا؛ لأنها حدثت على ملك المشتري.
وقوله: (يشتركان) على طريق الاستحباب؛ لأن المشتري تعدى بتركها في نخل البائع، فاستحب له أن يستطيبه بجزء منها.
والفقه في ذلك إذا قلنا: العقد لم يبطل: أن تكون بزيادتها للمشتري.
ونقل أبو طالب في موضع آخر: إذا اشترى قصيلًا، ثم مرض، أو توانى حتى صار شعيرًا، فإن أراد الحيلة فسد البيع.
وظاهر هذا: أنه إذا لم يقصد ذلك فالعقد صحيح.
ومعنى هذا: أنه إذا لم يقصد الحيلة فهو أسهل في بابه، بمعنى: أنه إذا لم يأثم بذلك لو قصد الحيلة، وهو: أن يشترط القطع حال العقد، وفي نيته تبقيته إلى وقت الجذاذ، أثم بذلك؛ لأنه يغر البائع، وإلا فهما يتفقان في حكم البطلان والصحة، وإنما يختلفان في المأثم؛ لأن ما يبطل البيع لا فرق بين القصد فيه وعدمه، كتلف المبيع قبل قبضه.
الجزء: 3 - الصفحة: 333
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: العقد صحيح لم يبطل، والثمرة للمشتري بزيادتها.
وجه الأولى، وأن العقد باطل، والثمرة بزيادتها للبائع: ما تقدم من نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى تزهو، وحتى يبدو صلاحها.
وهذا عام فيه إذا كان بشرط القطع، وبشرط البقاء، إلا أنا خصصنا جواز ذلك إذا كان بشرط القطع وتعقبه القطع بالإجماع، وبقي ما عداه- وهو إذا لم يقطع- على موجب الظاهر.
وأيضًا فإنه أخر قبضًا مستحقًا لحق الله تعالى، أشبه تأخير قبض رأس مال السلم والصرف.
ولأنها ثمرة أفردت بالعقد، لم يبد صلاحها، ولم تقطع في وقت إمكان القطع، فبطل العقد، كما لو شرط البقاء، أو أطلق العقد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن العقد أوجب الغرر، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الغرر حدث بعده.
قيل: لا يمتنع أن يحدث بعده، ويجري مجرى الموجود حال العقد بدليل: التفرق قبل قبض رأس مال السلم، وثمن الصرف.
ثم لا نسلم: أن الغرر حدث بعده، وهو أنه قد يشرط القطع؛ ليسلم له العقد، ويعتقد الترك؛ ليحصل له الغرض، فيجعل الشرط ذريعة إلى ذلك، والذرائع معتبرة لما نبينه في ما بعد.
ونبني المسألة على أصل، وهو: إذا ابتاع ثمرة، فلم يقبضها حتى
الجزء: 3 - الصفحة: 334
حدثت ثمرة أخرى، ولم تتميز الثانية من الأولى؛ أن العقد يبطل عندنا، وعند أبي حنيفة، وأحد القولين للشافعي، كذلك إذا كانت الزيادة متصلة بعلة: أنه أحد نوعي الزيادة، فإذا حدثت قبل القبض، جاز أن تؤثر في بطلان العقد، كالزيادة المنفصلة إذا لم يتميز المبيع منها.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الزيادة منفصلة، وليس كذلك هاهنا؛ لأنها متصلة بالمبيع، فهي كما لو ابتاع عبدًا هزيلًا، فقبل أن يقبضه سمن.
قيل: هذا لا يوجب الفرق بينهما في البطلان، كما لم يوجبه في الفسخ، وقد ثبت أنه لو ظهر على عيب، وقد زاد المبيع زيادة متصلة أو منفصلة ملك الفسخ، وكذلك إذا أفلس بالثمن وهناك زيادة.
ونبني المسألة على أصل آخر، وهو: القول بالذرائع، وذلك أنا لو حكما بصحة البيع كان ذريعًة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها على الترك إلى وقت الجذاذ؛ لأنه يشترط القطع؛ ليسلم له العقد، ويعتقد الترك؛ ليحصل له الغرض، والذرائع معتبرة في الأصول، ألا ترى أن الله- تعالى- نهى عن سب الآلهة، وإن كان مباحًا؛ لئلا يكون ذريعًة إلى سب الله- تعالى- بقوله: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108].
الجزء: 3 - الصفحة: 335
وامتنع النبي - صلى الله عليه وسلم - من قتل المنافقين؛ لئلا يقولوا: إن محمدًا يقتل أصحابه.
ومنع من أن يأكل من هديه إذا عطب دون محله؛ لئلا يكون ذريعة إلى أنه قصر في علفه.
والجماعة يقتلون بالواحد؛ لئلا يكون ذريعة إلى أن من أراد قتل غيره شارك غيره؛ ليسقط القصاص عنه.
وكذلك حرام القاتل الإرث؛ لئلا يكون ذريعة إلى تعجيل الميراث.
وكذلك لم يجز قرض الإمام المباح وطؤهن؛ لئلا يكون ذريعة إلى الاستباحة بغير عقد ولا ملك.
وكذلك قال أصحابنا: الفرار من الزكاة لا يسقط؛ لأنه يكون ذريعة إلى إسقاط الزكاة جملة.
وكذلك إذا باع طعامًا إلى أجل، فلما حل الأجل، باع المشتري من البائع ذلك الطعام بالثمن الذي له عليه، فلم يصح البيع؛ لأنه ذريعة إلى حصول بيع طعام بطعام.
وكذلك من أراد أن يقرض دينارًا بدينارين إلى أجل، فباعه سلعة بدينارين إلى سنة، لا بقصد البيع، ثم رجع، فابتاعها منه بدينار نقدًا، ويبقى له دينار إلى سنة، كذلك هاهنا.
وقد روي أن رجلًا باع من رجل حريرة بمئة، ثم اشتراها بخمسين، فسئل ابن عباس عن ذلك، فقال: دراهم بدراهم متفاضلة،
الجزء: 3 - الصفحة: 336
دخلت بينهما حريرة.
وقد ذكر الحضرمي في كتاب (البيوع) هذا الحديث بلفظين أخرجه إلينا أبو محمد النجشي بإسناده قال: قال ابن عباس: اتقوا هذه العينة، لا تكون دراهم بدراهم بينهما حريرة.
وبإسناده عن أنس: أنه سئل عن العينة؛ يعني: بيع الحريرة، فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله.
وروى ابن بطة في تحريم النبيذ بإسناده عن الأوزاعي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع)؛ يعني: العينة.
وهذا يقتضي أن ذكر البيع في ما يقصد به الربا لا يبيحه، [و] ذلك يقتضي أن ذكر الشرط في ما يقصد به عدمه لا يبيحه.
فإن قيل: الذرائع غير مؤثرة في التحريم، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر أخا [بني] عدي على خيبر جاءه بتمر جنيبٍ، فقال: (أكل تمر خيبر هكذا؟) قال: لا، لكن بعت الصاعين بالصاع، فقال: (لا تفعل، ولكن بع تمركم بعرضٍ، واشتروا به تمرًا).
وهذا نفس الذريعة إلى بيع تمر بتمر متفاضلًا.
وكذلك من أراد أن يزني بامرأة، فعقد عليها عقد نكاح، جاز أن يطأها، وإن كان العقد ذريعة إلى ذلك الفعل الذي كان ممنوعًا منه، كذلك هاهنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 337
قيل: أما حديث [أخي بني] عدي فيحتمل أن يكون أمره بشراء العرض من غير من ابتاع منه التمر الجيد، فيكون العرض في تلك الحال مقصودًا، وإنما يمنع لو ابتاع به عرضًا ممن يبتاع منه التمر الجيد؛ لأنا تعلم أن العرض غير مقصود في تلك الحال.
وأما عقد النكاح فإنه مقصود في نفسه، وإن كان يتوصل به إلى الوطء؛ لأنه يقصد به لحوق النسب، وثبوت التوارث، وغير ذلك من الأحكام، فلهذا صح؛ لأنه مقصود في نفسه.
فإن قيل: فالعقود لا يعتبر فيها القصد.
قيل: المكره لا تصح عقوده لعدم القصد لها، والوكيل يعتبر قصده بالشراء لموكله.
واحتج المخالف بأن المبيع بحاله وذاته، وإنما انضاف إليه غيره على وجه لا يتميز عنه، وهذا لا يوجب بطلان العقد، كما لو كان المبيع عبدًا صغيرًا، فكبر، وطال، وسمن؛ فإن البيع لا يبطل، كذلك الثمرة.
والجواب: أن القبض هناك لحقهما، وهاهنا لحق الله تعالى، وقد فات مع الإمكان، فهو كالقبض في السلم والصرف.
والثاني: أن ذلك ليس بذريعة إلى فعل المحظور، وهذا يحصل
الجزء: 3 - الصفحة: 338
ذريعة إلى فعل المحظور، وهو بيع ما لم يبد صلاحه على الترك.
واحتج بأنه لو باع ثمرة بعد ما بدا صلاحها، فلم يقبضها حتى حدثت ثمرة أخرى مثل التين والباذنجان والبطيخ ونحوه، فلم يأخذه حتى حدثت ثمرة أخرى، ولم يتميز، فإن العقد لا يبطل، كذلك إذا كانت ثمرة واحدة، فزادت عينها وذاتها.
والجواب: أن الخلاف فيهما واحد، والقول في الثمرة إذا اختلطت بثمرة أخرى وفي الثمرة الواحدة إذا زادت سواء، وفي العقد روايتان؛ أظهرهما: بطلان العقد، ولا فرق بينهما.
وقد قال أبو بكر في كتاب (الشافي): أما بيع الباذنجان والورد والرطبة وما أشبهه، فلا يجوز البيع فيه إلا لقطة لقطة، والرطبة كل جزة، فإن بيع ما ظهر على قطعه جاز، ويفسد البيع إن تأخر حتى تطلع بقيته.
واحتج بعضهم بأنه مبيع لو قبضه في الحال صح، فإذا أخر قبضه لم يبطل.
دليله: غير الثمرة.
والجواب: أنه يبطل بالصرف، ورأس مال السلم؛ لو قبضه في حال صح، ولو أخره لم يصح.
ثم المعنى في الأصل، وفيه إذا قبضه في الحال: أنه قد أمن فيه الغرر، وبالتأخير الغرر حاصل، ولهذا المعنى تأثير في الفساد بدليل
الجزء: 3 - الصفحة: 339
بيع الثمرة التي لم يبد صلاحها على الترك أو مطلقًا لم يصح لخوف الغرر، ولو شرط القطع صح، كذلك هاهنا، وهذا المعنى الذي نبه الشرع عليه.
فإن قيل: المعنى هناك العقد أوجب الغرر، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الغرر حدث بعده.
قيل: قد أجبنا عن هذا في السؤال عن القياس.
...
303 -
مسألة
إذا بدا الصلاح في نوعٍ من الثمار كان صلاحًا لبقية ذلك النوع في قراحٍ واحد في إحدى الروايتين:
نقلها حنبل فقال: إذا كان في بستان بعضه بالغ وغير بالغ، بيع إذا كان الأغلب عليه البلوغ.
وظاهر كلامه: أنه صلاح لبقيته إذا كان الغالب عليه الصلاح.
وفيه رواية أخرى: لا يكون ذلك صلاحًا لما لم يبد صلاحه من ذلك النوع، كما لا يكون صلاحًا لنوع آخر.
واختار أبو بكر ذلك في كتاب (الشافي).
وقال في رواية ابن منصور: لا يباع حتى تؤمن عليه العاهة، فإن احمر بعضه، وبعضه أخضر، يباع الذي بلغ.
الحديث: 303 - الجزء: 3 - الصفحة: 340
وكذلك نقل جعفر بن محمد، ومحمد بن أبي حرب.
ويجب أن يحمل هذا على أنه لا يكون صلاحًا لنخلة أخرى، أو شجرة أخرى، فأما في النخلة الواحدة والشجرة الواحدة، فيكون صلاحًا رواية واحدة؛ لأنه لا يمكن إفراد البيع لذلك من نخلة واحدة؛ لأنه لو أفرد البسر بالعقد اختلطت بغيرها في يوم واحد؛ لأن البسرة تصفر في يومها، وليس كذلك من نخلتين؛ لأنه لا يأمن الاختلاط؛ لأت التمييز قد حصل بتعيين النخلة.
واختار أبو إسحاق في بعض تعاليقه أن بدو الصلاح في نوع لا يكون صلاحًا لبقيته، وقال: قوله: (حتى يبدو صلاحه) يقتضي الكل بدلالة قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: 29]؛ اقتضى ذلك الكل، لا البعض.
وقال مالك: إذا بدا الصلاح في نوع من الثمار كان صلاحًا لبقيته من ذلك القراح وما جاوره من الأقرحة في ذلك البلد، إذا كان الصلاح المعهود، لا المنكر في غير وقته.
فالدلالة على أنه لا يكون صلاحًا لثمرة قراح آخر، ولا يجوز بيع غير القراح الذي فيه النخلة التي بدا صلاحها: [ما] روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع العنب حتى يسود.
وظاهر هذا: أنه لا يجوز بيع ما لم يسود من ذلك النوع في القراح
الجزء: 3 - الصفحة: 341
الواحد، إلا أن الدليل دل على جواز ذلك، وبقي ما عداه في الأقرحة على ظاهره.
ولأنه إذا بدا الصلاح في بسرة منها لا يخلو: [إما] أن تعتبر تلك البسرة نفسها، أ, تعتبر حتى يبدو في جميعها.
فبطل أن يقال: تعتبر بنفسها؛ لأنه لو أفردها بالعقد اختلطت بغيرها في يوم واحد؛ لأن البسرة تصفر في يومها.
وبطل أن يقال: تعتبر في جميعها؛ لأنه لو اعتبر هذا لأكلت الثمرة قبل جواز بيعها.
ثبت أن الاعتبار يلحق غيرها بها بقدر الحاجة إليه، وليس غير الحائط الواحد.
واحتج المخالف بأن المعتبر في ذلك هو الأمن من الآفة على الثمرة دون الحيازة، ألا ترى أنها لو كانت حائطًا واحدًا، جاز بيع باقيه؛ لأن مجاورة الأقرحة لهذا القراح، كمجاورة سائر نخيل القراح لهذه النخلة، فيجب تساويهما.
والجواب: أنا لا نسلم أن العلة في القراح الواحد الأمن، وإنما جعلنا بدو الصلاح في بسرة كبدو الصلاح في كل النوع في الحائط الواحد لسوء المشاركة واختلاف الأيدي، وهذا معدوم في الحائطين، فوجب اعتبار كل حائط بنفسه.
الجزء: 3 - الصفحة: 342
- فصل:
والدلالة على أنه يكون صلاحًا لبقية ذلك النوع في القراح الواحد، وهو: أن الصلاح لو بدا في نخلة واحدة كان صلاحًا لبقية ثمرة تلك النخلة، كذلك في بقية نخيل ذلك القراح.
فإن قيل: إنما كان صلاحًا في النخلة الواحدة؛ لأنه لو أفرد البسرة بالعقد اختلطت، وامتنع التمييز، وهذا المعنى لا يوجد في نخلتين.
قيل له: إن لم يوجد الاختلاط في نخلتين؛ فإنه يوجد معنى آخر، وهو سوء المشاركة واختلاف الأيدي، وهذا معدوم في الحائطين، فكان يجب أن يكون صلاحًا في القراح الواحد لهذه العلة.
واحتج من منع ذلك من أصحابنا بأنه لما لم يكن صلاحًا لقراح آخر، كذلك هاهنا.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أنه لا حاجة بنا إلى ذلك، وبنا حاجة في القراح الواحد من اختلاف الأيدي.
ولا يجوز قياس هذا على الأنواع المختلفة، وأن بدو الصلاح في بعضها لا يكون صلاحًا لنوع آخر؛ لأن الأنواع يختلف إدراكها وطلوعها، فلا تختلط، والنوع الواحد يتلاحق إدراكه، فيختلط، فلهذا لم تجعل كالنوع الواحد. - فصل: فإن باع نخلًا من قراحٍ قد أبر بعضه، فهل يكون الكل للبائع، كما
الجزء: 3 - الصفحة: 343
لو كان قد أبر جميعه؟
اختلف أصحابنا؛ فقال شيخنا أبو عبد الله: يكون جميعه للبائع، كما لو باع نخلًا من قراح قد بدا الصلاح في بعضه؛ أنه يكون صلاحًا لبقية ذلك النوع.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو بكر في كتاب (الخلاف): يكون للبائع ما أبر، وما لم يؤبر فهو للمشتري.
وحكاه عن أحمد في رواية علي بن سعيد.
وهو اختيار أبي إسحاق- أيضًا- ذكره في (تعاليقه).
والوجه في أنه يكون جميعه للبائع: حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من باع نخلًا بعد أن أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع).
وإذا أبر بعضها انطلق هذا الاسم عليها، فيقال: هذه نخلة مؤبرة.
ولأنا لو جعلنا المؤبرة منها للبائع، وغير المؤبرة للمبتاع، أدى إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي والخصومة التي لا تنقضي، فلهذا جعلناها كالمؤبرة كلها.
ولهذا قلنا: إن بدو الصلاح في بعض النوع صلاحًا لجميعه من ذلك القراح على الصحيح من المذهب لهذا المعنى، كذلك هاهنا.
واحتج أبو بكر بأنه باع ما أبر، وما لم يؤبر، فوجب أن يكون ما لم
الجزء: 3 - الصفحة: 344
يؤبر للمشتري، كما لو باع نخلًا من حائطين.
ولأنها نخل لم تؤبر، فلا تكون ثمرتها للبائع.
دليله: لو باعها بانفرادها.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار القراحين بالقراح الواحد، وما أفرد بما بيع مع غيره، ألا ترى أن بدو الصلاح فرقنا فيه بين القراح الواحد وبين القراحين، وبين أن يفرد ما بدا صلاحه بالبيع، وبين أن يبيعه مجتمعًا.
ولأن القراحين لا تؤدي إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي، وهذا معدوم في القراح الواحد.
ومن نصر قول أبي بكر أجاب عن الخبر بأنه حجة [له]؛ لأن ما لم يؤبر لا يقع عليه اسم المؤبر.
وأجاب عن سوء المشاركة بأنه يبطل إذا كان في القراح جنسين؛ فإن تأبير أحدهما لا يكون تأبيرًا للآخر، وإن أفضى إلى سوء المشاركة.
وأجاب عن بدو الصلاح في بعضه؛ أنه صلاح لبقية النوع بأنه إنما يكون هذا في النخلة الواحدة؛ لأنه يفضي إلى اختلاط المبيع بغيره، فأما في نخلة أخرى، فلا يكون صلاحًا، كمسألتنا سواء.
...
304 -
مسألة
يجوز بيع ما ظهر من المقاثي والمباطح دون ما بطن:
نص على هذا في رواية حنبل وابن سعيد وأبي طالب.
الحديث: 304 - الجزء: 3 - الصفحة: 345
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز بيع ما ظهر منها، وما لم يظهر إذا بدا أوانها.
وكذلك إذا جاز بيع الأصول المغيبة في الأرض، كالجزر والفجل والبصل، وما أشبه ذلك.
دليلنا: ما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الغرر.
وهذا منه؛ لأنه يعقد على ما لم يخلق، وقد يخلق في ما بعد، وقد لا يخلق، وإذا خلق يختلف اختلافًا متباينًا؛ صغيرًا أو كبيرًا، وصحيحًا وفاسدًا، ووحشًا وحسنًا.
[و] لأنه بيع ثمرة لم تخلق، فلم يصح، كما لو أفرد الثمرة المعدومة بالبيع.
وكل ثمرة لم يجز إفرادها بالعقد لم تجز مع غيرها.
دليله: ثمرة النخل سنين.
يبين صحة هذا: أن ثمرة النخلة لا تكاد تختلف، ولا يتناثر وردها وقدها صغيرًا وكبيرًا، وهذا يختلف اختلافًا شديدًا قدرًا وقدًا، فإذا لم يجز هذا في النخل ففي القثاء أولى.
الجزء: 3 - الصفحة: 346
ولأن الجزر والفجل إذا لم يقلع فهو بيع مجهول فلا يصح، كما لو اشترى منه شيئًا لم يره، ولم يصفه.
واحتج المخالف بعموم قوله: ﴿وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: 275].
والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا.
واحتج بأن الحاجة داعية إلى جواز هذا البيع؛ لأنا لو لم نجزه لاختلطت الثانية بالأولى، ولا تتميز عنها، فلا يمكن بيع هذه الثمرة بحال.
والجواب: أنه ليس كذلك؛ لأن الثمرة الثانية تكون متميزة عن الأولى فيمكن إفراد الأولى بالعقد.
واحتج بأنه لو بدا الصلاح في بعض الثمار جاز بيع الجميع، ويكون ما لم يبد فيه الصلاح تابعًا لما بدا فيه الصلاح، كذلك هذا، وكذلك ما يحدث من الزيادة في الثمار وما يحصل فيها من الصفرة والحمرة يتبع ما يكون موجودًا حال العقد، كذلك هاهنا جاز أن تتبع الثمرة التي لم توجد الثمرة الموجودة.
والجواب: أنه باطل بالشجر الذي يحمل في السنة حملين؛ فإن الصلاح إذا بدا في الثمرة تبعها ما لم يبد الصلاح فيه، ولا يتبع الحادث الموجود في جواز العقد على الجميع.
وأما ما يحدث بالزيادة في الثمرة والحمرة والصفرة فليس بتابع للموجود، وإنما يكون ذلك للمشتري؛ لأنه موجود في ملكه.
الجزء: 3 - الصفحة: 347
305 -
مسألة
يجوز بيع الباقلا في قشره الأعلى، وكذلك بيع الحنطة في سنبلها:
نص على هذا في رواية أبي طالب فقال: لا يجوز بيع الباقلا، وهو ورد، ولكن إذا اشترى الباقلا منه، وأدرك، وكان الغالب فيه الباقلا، اشتراه، يكون قد أمن من العاهة.
وقال- أيضًا- في رواية صالح وابن منصور: إذا باع زرعًا وقد استحصد، فالزكاة على البائع، وإن لم يكن استحصد، فسخته.
فقد أجاز بيعه إذا استحصد، ولم يجزه قبل ذلك على البقاء.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وقال الشافعي في ذلك: باطل.
دليلنا: ما روى أحمد بإسناده عن أنس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، وعن العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد.
وروى في لفظ آخر عن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة.
الحديث: 305 - الجزء: 3 - الصفحة: 348
فعلق جواز البيع في الخبرين بغاية، وهو أن يشتد ويبيض، وحكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها.
ولأن القشر الأول يحفظ الباقلا من الفساد، ويحرس رطوبته، ولهذا إذا قشر وترك اسود، فهو كقشر الرمان والموز.
ولأنه في مضمون خلقة ما ليس بحيوان، وهو مما يجوز بيعه، فجاز بيع ما هو فيه.
أصله: الجوز واللوز في قشر واحد.
ولأنه مأكول دونه حائل من أصله خلقته، فجاز بيعه.
دليله: الجوز، واللوز، والباقلا في قشرته السفلى.
فإن قيل: المقصود هناك مستور بما له فيه مصلحة؛ لأن بقاءه عليه حافظ لمنفعته، وإذا أزيل عنه فسد، فلهذا جاز بيعه على تلك الصفة، والمقصود هاهنا مستور بما لا مصلحة له فيه، فلم يجز بيعه.
قيل له: فيبطل بالحمل في البطن، واللبن في الضرع؛ يجوز بيعه مع أمه، وإن كان مستورًا بما لا مصلحة له فيه.
وعلى أن القشرة العليا من الباقلا في بقائها مصلحة؛ لأنه لا يجف إلا في قشرته العليا، ومتى أخرج منه- وهو رطب- اسود، ولحقه الفساد.
وكل حب حاز بيعه إذا خرج من سنبه، جاز بيعه في سنبله.
الجزء: 3 - الصفحة: 349
دليله: الشعير.
فإن قيل: الشعير المقصود منه بالعقد ظاهر مرئي، وليس كذلك الحنطة؛ لأن المقصود منها غير مرئي.
قيل له: المقصود من الجوز واللوز غير مرئي، ومن الشعير مرئي، ثم هما سواء في جواز العقد عليهما.
وكل حالة يجوز فيها بيع الشعير، جاز فيها بيع الطعام.
دليله: إذا خرج من سنبله.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الغرر.
وفي هذا غرر؛ لأنه مغيب، ومحول دونه.
والجواب: أنا قد بينا: أن بيع الغرر ما لا يقدر على تسليمه مثل بيع الطير في الهواء، وبيع السمك في الماء.
واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الطعام حتى يفرك.
يعني: يفعل فيه الفرك، وعندكم يجوز بيعه قبل الفرك.
والجواب: أن لنا في هذا الخبر ما للمخالف؛ لأن ظاهره يقتضي جواز بيعه بعد الفرك، ومخالفنا يقول: لا يجوز حتى يميز بعد الفرك، فإذا تساوينا في الاستدلال بهذا الخبر لم يجز أن يعترض به على الخبر الذي ننفرد نحن بالاستدلال به.
الجزء: 3 - الصفحة: 350
على أنا نحمل قوله: (حتى يفرك)؛ يعني: يبلغ أوان الفرك.
واحتج بأن المقصود بالبيع مستور يزال منه في حال الادخار، فوجب أن لا يجوز بيعه.
دليله: تراب الصاغة وتراب المعدن بالفضة.
والجواب: أن التراب الذي فيه الفضة يجوز بيعه بغير فضة، كما يجوز بيع الحنطة في سنبلها بغير الحنطة، ولا يجوز بيعه بالفضة، كما لا يجوز بيع الحنطة التي في السنبل بالحنطة.
وقد نص أحمد على جواز بيع تراب الصاغة بغير جنسه.
على أنا قد بينا: أن القشرة العليا لا تزال عنه حال الادخار؛ لأنها تنشف رطوبته، وفي بقائها مصلحة له.
واحتج المخالف بأن حكم الجهالة يسقط في العقود في ما تدعو الحاجة إليه، كالإجارات على ما لم يخلق، والجوز واللوز في قشره، ولا حاجة بنا إلى قشرة الباقلا العليا.
والجواب: أنا بحاجة إليه من الوجه الذي ذكرنا.
واحتج بأنه لا يعلم صغار هو، أم كبار.
والجواب: أن هذا غير مقصود في العادة، ولهذا لم يقشر حال الشراء؛ ليعلم كباره من صغاره.
فإن قيل: أليس لو قال: (بعتك الحنطة التي في هذا التبن) لم يصح لجهالته؟ كذلك إذا باع ذلك في سنبله.
الجزء: 3 - الصفحة: 351
وقد نص أحمد على هذا في رواية ابن منصور: إذا باع حنطة هذا البيدر، أو تبن هذا البيدر قبل أن يداس وينقى، فهو مكروه.
قيل له: قياس المذهب صحة البيع؛ لأنه قد نص على جواز بيع تراب الصاغة.
ولو سلم فإنما لم يجز ذلك؛ لأنه مستور بما لا مصلحة له فيه، وليس كذلك إذا كان في سنبله؛ لأن له فيه مصلحة من الوجه الذي ذكرنا.
...
306 -
مسألة
لا يجوز أن يبيع ثمرة بستان ويستثني منه أمدادًا معلومة، ولا أن يبيع صبرًة ويستثني منها أقفزًة:
ذكره الخرقي.
وقد نص عليه أحمد في رواية أبي بكر بن محمد، عن أبيه، عنه: وذكر له بيع الطعام جزافًا، فقال: إذا أراد أن يستثني قال: أبيعك نصفه، أبيعك ثلثه؛ من الطعام، والحائط يقول: أبيعك نصف هذا الحائط، أو ثلثه، أو ربعه، أو يقول: لا أبيعك هذه النخلة، ولا هذه.
وكذلك نقل أبو طالب عنه: وذكر له قول مالك في الاستثناء،
الحديث: 306 - الجزء: 3 - الصفحة: 352
فقال: يستثني كذا وكذا نخلة، ويريها المشتري، ويكون معلومًا.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز.
ونقل عبد الله عنه: أنه قال في رجل يبيع ثمرة أرضه، ويستثني كرًا، أو كرين: لا يكون به بأس.
وظاهر هذا: أنه أجاز ذلك، كما قال مالك.
ونقل عنه في موضع في رجل باع حائطًا: لا يستثني ثلثًا، أو ربعًا، أو كرًا، أو كرين؛ لأنه ليس بمعلوم، ويستثني نخلات معلومات.
وظاهر هذا: أنه منع استثناء الثلث والربع، كما لا يجوز استثناء كر، ولا كرين.
نقل ذلك أبو حفص البرمكي في مجموع له، والصحيح ما حكينا في المذهب.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثنيا إلا أن تعلم.
والمراد بالثنيا: بيع شيء، ويستثني بعضه، فهو عام.
فإن قيل: فقد قال: (إلا أن تعلم)، وهذا معلوم.
الجزء: 3 - الصفحة: 353
قيل: قوله: (إلا أن تعلم) يرجع إلى الاستثناء، والمستثنى منه هاهنا مجهول.
ولأن البيع إنما يصح إذا كان معلوم القدر، وإنما يصير معلومًا بالمشاهدة بأن يقول: بعتك هذه الصبرة، أو ثمرة هذا النخل، ويشير إليه.
أو يكون المبيع جزءًا معلومًا بأن يقول: بعتك ثلث هذه الصبرة، أو نصفها.
وهذا المبيع غير معلوم بالمشاهدة؛ لأنه إذا استثنى من الصبرة عشرة أمداد، فالباقي غير معلوم بالمشاهدة، ولا هو جزء معلوم، فلم يصح، كما لو قال: بعتك ثوبًا من هذه الثياب، أو عبدًا من هؤلاء العبيد.
ولا يلزم عليه إذا قال: بعتك هذه الصبرة إلا ثلثها؛ لأن المبيع هناك جزء معلوم، فهو بمنزلة أن يقول: بعتك ثلاثة أرباع هذه الصبرة.
ولا يلزم عليه إذا قال: بعتك ثمرة هذا النخل إلا هذه النخلة؛ لأن المبيع هناك معلوم بالمشاهدة، وهو ما عدا النخلة المستثناة.
واحتج المخالف بأن ذلك إجماع أهل المدينة عملًا متواترًا بينهم.
والجواب: أن إجماع أهل المدينة ليس بحجة عندنا.
واحتج بما روي عن ابن عمر: أنه باع من رجل ثمرة، فقال: أبيعكها بأربعة آلاف وطعام الفتيان.
الجزء: 3 - الصفحة: 354
ويروى عنه: أنه كان يستثني على بيعه إذا باع التمر في رؤوس النخل بالمذهب أن لي منه كذا بحساب بكذا.
والجواب: أن قوله: (وطعام الفتيان) ظاهره يقتضي: أنه لم يذكر مقدارًا معلومًا، وأجمعنا على بطلان ذلك، فهم يضمرون فيه: أنه استثنى أرطالًا معلومًة، ونحن نضمر فيه: أنه استثنى ثلثًا، أو ربعًا.
وكذلك نحمل قوله: ولي بحساب ذلك.
واحتج بأنه استثنى قدرًا معلومًا، فجاز كاستثناء الجزء والنخلة.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أن ذلك معلوم بالمشاهدة، أو بالمقدار، وهذا بخلافه.
فإن قيل: فقد روى حنبل عنه: أنه إذا باع جارية، واستثنى حملها، وجب له؛ لأن البيع وقع على الأم، وهو خارج من الشراء، كأنه باع نخلة، واستثنى منها عشرين رطلًا، فله ثنياه.
فقد أجاز استثناء أرطال من ثمرة نخلة، والنخلة الواحدة كالصبرة.
قيل له: يحتمل أن يكون قال هذا على الرواية التي أجاز استثناء الحمل، وتلك رواية ضعيفة.
ويحتمل أن يكون أجاز ذلك؛ لأن الجهالة يسيرة في النخلة الواحدة، ولهذا أجزنا بيع التمر الحديث بالعتيق؛ لأنه نقصان يسير، وكذلك بيع
الجزء: 3 - الصفحة: 355
العرايا جائز فيما دون خمسة أوسق؛ لأنه يسير.
...
307 -
مسألة
فإن باع شاًة واستثنى الرأس والسواقط من الجلد والأطراف جاز:
نص عليه في رواية مهنا وحرب حنبل، فقال: إذا استثنى الرأس والجلد جاز، وله قيمة الجلد والرأس إن لم يذبح.
قيل له: فإن استثنى الشحم؟ فقال: لا أدري! وكأنه كرهه.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يصح هذا الاستثناء.
دليلنا: ما تقدم من حديث جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الثنيا إلا أن تعلم.
وهذا معلوم.
ولأنه إجماع الصحابة.
روى أبو حفص العكبري بإسناده عن عروة قال: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة، ومعه أبو بكر، وعامر بن فهيرة، فسلكوا طريق ركونة، فمروا براعي غنمٍ، فذهب أبو بكر وعامر، فاشتريا شاة،
الحديث: 307 - الجزء: 3 - الصفحة: 356
وشرطا له سلبها.
وروى أبو بكر بإسناده عن الشعبي قال: قضى زيد بن ثابت وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بقرة باعها رجل، واشترط رأسها، فقضوا بالشروى؛ يعني: أنه يعطيه رأسًا مثل رأس.
وروى عبد الله قال: حدثني أبي قال: نا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن بشير، عن عمرو بن راشد الأشجعي: أن رجلًا باع بختية، واشترط ثناياها، فرغب فيها، فاختصما إلى عمر، فقال: اذهبا إلى علي، فقال علي: اذهبا إلى السوق، فإذا بلغت أقصى ثمنها، فأعطوه حساب ثناياها من ثمنها.
وهذا إجماع منهم منتشر ظاهر.
ولأن الاستثناء والمستثنى منه معلومان، فصح البيع، كما لو قال: بعتك هذه الغنم العشرة إلا هذه الشاة.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن الثنيا.
والجواب: أنا قد روينا فيه زيادة، وهو قوله: إلا أن تعلم، وهذا معلوم.
الجزء: 3 - الصفحة: 357
واحتج بأنه باع حيوانًا، واستثنى جزءًا منه، فلم يصح، كما لو استثنى أرطالًا، واستثنى شحمها.
والجواب: أن الشحم مجهول فلم يصح، واستثناء جزء منها يؤدي إلى جهالة المستثنى منه، وهوا ما يبقى، فهو كاستثناء صاع معلوم من الثمن؛ فإنه لا يصح لهذه العلة.
وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لا يوجب جهالة الباقي؛ لأنه معلوم بالمشاهدة، فهو كما لو باع ثمرة هذه النخيل إلا ثمرة هذه النخلة.
على أن مهنا قد نقل عنه: أنه إذا قال: أبيعك هذه الشاة بعشرين درهمًا على أن لي رأسها، فلا بأس.
قيل له: وكذلك إذا قال: أبيعك هذه الشاة على أن لي من لحمها خمسة أرطال؟ قال: نعم، لا بأس به.
وظاهر هذا جواز ذلك، والصحيح عندي المنع.
واحتج بأنه لما لم يجز إفراد السواقط بالعقد لم يصح استثناؤها.
والجواب: أنه لا يصح اعتبار الشراء بالاستثناء؛ لأنه لو ابتاع أرطالًا من ثمرة بستان صح الشراء، ولو استثنى أرطالًا منها لم يصح.
ولأنه لو باع دارًا واستثنى أساساتها أو استثنى مطامير فيها صح، ولو ابتاع ذلك لم يصح البيع، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه استثناء ما لا يجب تسليمه؛ لأنه لو امتنع المشتري من
الجزء: 3 - الصفحة: 358
الذبح لم يجبر عليه، فلم يصح الاستثناء.
والجواب: أنا نقول بأن الاستثناء يضمن أحد شيئين؛ السواقط، أو قيمتها، كما قلنا في من تزوج ثيبًا على قديمة كان حقها في أحد شيئين؛ الثلث بلا قضاء، أو السبع مع القضاء.
...
308 -
مسألة
توضع الجائحة عن المشتري في ما قل وكثر في أصح الروايتين:
نقلها الأثرم وأبو طالب.
وروى حنبل عنه: توضع إذا أتت على ثلث الثمرة فأكثر.
وهو قول مالك.
وقال أبو إسحاق في (تعاليقه): الجوائح بأربعة: النار، والريح، والبرد، والمطر.
وقال أبو حنيفة: لا يوضع منها شيء.
وهو الأظهر من قول الشافعي.
دليلنا: ما روى أحمد بإسناده عن جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السنين، ووضع الجوائح.
الحديث: 308 - الجزء: 3 - الصفحة: 359
فإن قيل: قال سفيان بن عيينة: كان حميد يذكر كلامًا بين السنين وبين وضع الجوائح لم أحفظه عنه.
وهذا يسقط الاحتجاج به؛ لأنه ربما كان ذلك الكلام يغير الأحكام.
قيل له: هذه الزيادة لم يروها أحمد، فلا يلزمنا الكلام عليها.
فإن قيل: يحتمل أن يكون أمر العمال بوضع الجوائح عن مالك الثمار حتى لا يأخذوا عشرها.
قيل له: قد روي في لفظ آخر مفسرًا: (إذا بعت من أخيك [ثمرًا]، فأصابته جائحة، فلا تأخذ من ثمنها شيئًا، بم تأخذ مال أخيك؟!).
وهذا صريح في أن الوضع راجع إلى الثمر دون العشر.
وروى أحمد: ثنا روح، ثنا ابن جريجٍ، أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا).
وقوله: (إن بعت) خطاب للبائع، وقد نهاه عن الأخذ، فعلم بهذا أن ما أبهمه في موضع آخر المراد به المشتري.
والثاني: أنه خص ذلك بالجائحة من السماء، ولو كان المراد به البائع، لم يخص ذلك؛ لأنه لا فرق بين الجائحة من السماء وغيرها في
الجزء: 3 - الصفحة: 360
أنها لا تلزم البائع، بل توضع عنه، وإنما يفترق الحال في حق المشتري على قولنا.
والثالث: أن البائع هو الذي وضع [عن] المشتري؛ لأن التلف يكون من مال المشتري عند المخالف، والبائع لم يتلف منه شيء، فعلم أن قوله: (ووضع الجوائح) عمن أصابته الجائحة، والإصابة حصلت بالمشتري.
فإن قيل: نحمل هذا على أن البيع على ثمار لم يبد صلاحها، ولم تخلق، كعادتهم، وأنهم كانوا يبيعون ثمرة سنين؛ فإن الهلاك يكون من مال البائع.
أو نحمله على أنها ثمرة موجودة قد بدا صلاحها، لكنها تلفت قبل التسليم إلى المشتري.
قيل له: لا يصح حمله على ثمرة لم تخلق، أو خلقت ولم يبد صلاحها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتبر الجائحة في ذلك، وأمر بوضعها، ولو كان المراد به ما قالوه لم يكن لذكر الجائحة فائدة؛ لأن المبيع يكون من مال البائع؛ لأنه يقع باطلًا سواء أصابته جائحة، أو لم تصبه.
ولأنه اعتبر في ذلك أن تكون جائحة من السماء، ولو كان المراد به ما قالوه لم يفترق الحال بين ما كان من السماء، أو من جهة آدمي.
وقولهم: (نحمله على أن الهلاك حصل قبل القبض) لا يصح أيضًا؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن لتخصيصه بالثمرة فائدة؛ لأن كل مبيع إذا
الجزء: 3 - الصفحة: 361
تلف قبل قبضه عندهم يتلف من مال البائع.
ولأنه لو كان كذلك لم يخصه بما كان من جهة السماء؛ لأنه يتلف قبل القبض من مال البائع سواء كان من جهة الله تعالى، أ, من جهة آدمي.
ووجه آخر، وهو: أن الثمار على رؤوس النخل تجري مجرى الإجارة؛ لأن الثمار توجد حالًا فحالًا، كالمنافع تستوفى أولًا فأولًا، ثم المنافع إذا تلفت قبل مضي المدة كانت من ضمان المكري، كذلك الثمار يجب أن تكون من ضمان البائع.
فإن قيل: إنما كانت المنافع من ضمان المكري؛ لأنها غير مقبوضة قبل مضي المدة، وليس كذلك الثمرة؛ لأنها مقبوضة.
يبين صحة هذا: أنه لا فرق في المنافع بين أن يكون الإتلاف من جهة آدمي، أو من جهة الله- تعالى- في باب الضمان، وفي الثمرة يفترق الحال.
قيل له: لا فرق بين المنافع وبين الثمار في أن كل واحد منهما في حكم المقبوض من وجه، وهو جواز التصرف في كل واحد منهما، والعقد عليه، فيجب أن يكون في حكم ما لم يقبض من وجه آخر، وهو: أنه يكون ضمان للبائع، كما كانت المنافع من ضمان المؤجر، لمشاركتهما في أن كل واحد منهما يستوفى أولًا أولًا.
وقولهم: إنه لا فرق في الإجارة بين أن يتلف من جهة آدمي، أو
الجزء: 3 - الصفحة: 362
من جهة الله تعالى، فلا يمتنع أن يتساويا.
فنقول: إن تلفت يد العبد بأكله رجع بالأجرة على المؤجر، وإن أتلفها أجنبي رجع عليه بقيمة المنفعة.
ونبني المسألة على أصل، وأن مجرد التخلية في بيع الثمار لا يكون قبضًا.
والدلالة عليه: اتفاقنا على أنها لو تلفت بعطش كانت من ضمان البائع، فلو كانت مقبوضة بنفس التخلية، لم يكن ضمانها من البائع بوجه، كالعبد والثوب.
فإن قيل: قد يتصور القبض من غير تمام.
ألا ترى أن من ابتاع صبرة على أنها كر، وصدقه المشتري على ذلك، وقبضها، كان القول قوله في قدر ما خرجت حتى يكيلها البائع عليه، فيتم القبض.
قيل له: ما اتفقا على قدره، فالقبض فيه تام، وما اختلفا فيه فالقول فيه قول المشتري، وإذا كان كذلك لم نسلم أن القبض هناك غير تام.
وأيضًا لما لم يكن للبائع مطالبة المبتاع بقطعها، علم أنها غير مقبوضة، ولم ينفع وجود التخلية، كمن ابتاع طعامًا من رجل، وكاله ليلًا، وخلى بينه وبينه، لم يلزمه نقله حتى يصبح، ولم تكن تلك التخلية قبضًا له.
فإن قيل: كيف يصح هذا على أصلكم؟ وعندكم أن المبيع إذا تعين
الجزء: 3 - الصفحة: 363
بالعقد فهو في حكم المقبوض.
قيل له: إنما نقول هذا في مبيع يقبض في وقت واحد، وفي مبيع يملك البائع مطالبة المشتري بنقله، وهذا معدوم هاهنا.
وأجود من هذه العبارة أن نقول: في مبيع لم ينقطع علق البائع منه، وهو التعاهد بالسفي، فكان من ضمانه.
دليله: لو ابتاع قفيزًا من صبرة، وتلفت الصبرة قبل قبضها، والعلة هناك تميزه من ملكه.
ولأنها ثمرة مبيعة محتاجة إلى تبقيتها في النخل تلفت بآفة سماوية، فوجب أن تكون من البائع.
أصله: إذا تلفت قبل القبض.
فإن قيل: إذا تلفت قبل القبض فهي من ضمان البائع؛ سواء تلفت بآفة سماوية، أو أرضية.
قيل له: لا نسلم هذا.
ولأنه مبيع لا يمكن قبضه عقيب العقد، فإذا تلف بغير فعل آدمي لم يسقط حق المشتري، كما لو ابتاع طعامًا كثيرًا.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن بيع الثمار حتى تزهي.
قيل: وما تزهي؟ قال: حتى تحمر.
قال: (أرأيت إن منع الله
الجزء: 3 - الصفحة: 364
الثمرة، فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟!).
فمنع من البيع، وعلل بأن الثمرة ربما تلفت، فيأخذ البائع مال المشتري بغير حق، فلو كان الضمان على البائع لما كان يأخذ مال أخيه.
والجواب: أن قوله: (بم يأخذ)؛ معناه: بم يعتقد أنه يجوز له الأخذ، أو بم يستحل جواز الأخذ.
فخرج هذا مخرج الإنكار على البائع في أخذه الثمن، كما قال تعالى: ﴿وكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21]؛ معناه: كيف يجوز لكم أخذه وقد أفضى؟!
واحتج بما روى أحمد بإسناده عن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (تصدقوا عليه).
قال: فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك).
الدلالة من الخبر: أنه قال: (أصيب في ثمار ابتاعها، فكثر دينه)، فلو كانت من ضمان البائع لم يكثر دينه؛ لأنه كان يأخذ منه الثمن، فعلم أنه كثر دينه؛ لأن الثمر تلف من ضمانه.
والجواب: أنه يتحمل أن يكون أصيب فيها بأمر من جهة آدمي،
الجزء: 3 - الصفحة: 365
أو أصيب فيها بعد أن بلغت أوان نقلها حتى تلفت؛ فإنها تكون من ضمانه.
واحتج بما روى أحمد بإسناده عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: بأبي وأمي! ابتعت أنا وابني من فلان ثمر أرضه، فأتيناه نستوضعه؛ والله ما أصبنا من ثمره شيئًا، إلا شيئًا أكلناه في بطوننا، أو نطعمه مسكينًا رجاء البركة، فحلف: أن لا يفعل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (تألى أن لا يفعل خيرًا! تألى أن لا يفعل خيرًا! تألى أن لا يفعل خيرًا!)، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! إن شئت الثمر كله، وإن شئت ما وضعوا، فوضع عنهم ما وضعوا.
قالوا: فوجه الدلالة: أنه لم يقل لها: إن ذلك يلزم البائع، بل قال: حلف أن لا يفعل خيرًا، فجعل الوضع من فعل الخير.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون القوم استوضعوه لجميع ما تلف وما أكلوه وتصدقوا به، فأبى ذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (تألى أن لا يفعل خيرًا!) في أن يضع الجميع، ولا يلزمه جميع ذلك، وإنما يلزم بقدر ما تلف.
وقد قال أحمد في رواية أبي طالب: فإن أصيب بعضه، يضع
الجزء: 3 - الصفحة: 366
عنه بقدر ذلك.
ويحتمل أن تكون الإصابة بفعل آدمي، أو بعد أن بلغت أوان نقلها، فأحب له النبي - صلى الله عليه وسلم - رد الثمن؛ لأنه أكمل الأخلاق وأشرفها.
واحتج بما روى أبو الزبير عن جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من اشترى ثمرًة، فأصابتها جائحة، فهو من مال المشتري، ولا يرجع على البائع بشيء).
والجواب: أن هذا الخبر لا يعرف، ولا يمكن أن يقام له إسناد.
ولو صح حملناه على أنها أدركت، وجاء أوان جذاذها ونقلها، فلم ينقلها حتى ذهبت، فتكون من ضمان المشتري؛ لأنه إذا ترك النقل في وقته مع القدرة عليه فهو المفرط.
ويحتمل أن يحمل على أن الجائحة من جهة آدمي.
واحتج بأنه مبيع لو أتلفه آدمي كان من ضمان المشتري، فإذا تلف بجائحة سماوية وجب أن يكون من ضمانه، كما لو كان المبيع ثوبًا، أو عبدًا، فتلف بعد القبض.
والجواب: أنه إذا تلف بفعل آدمي رجع بالضمان على المتلف، فلا ضرر على المشتري في ذلك، وإذا تلف بفعل الله- تعالى- لم يرجع على أحد بشيء، فعليه فيه ضرر، فجاز أن يرجع على البائع لعدم كمال القبض.
ولهذا قلنا: إن الغاضب إذا غصبت منه العين، وتعذر الرجوع على
الجزء: 3 - الصفحة: 367
الغاصب الأول، رجع على الثاني، ولو لم يكن غاصب آخر سقطت مطالبته.
وكذلك إذا كان بالحق ضامن، وتعذر المضمون عنه، رجع على الضامن.
وكذلك العبد الجاني لو أتلفه متلف، رجه المجني عليه [عليه]، ولو مات سقط حقه.
وجواب آخر، وهو: أنه لا يمتنع أن لا يسقط حق المشتري بفعل الله، ويسقط بفعل الآدمي، كالموت؛ لا يسقط الإرث، والقتل يسقطه، وكذلك الخمر إذا تخللت بفعل الله تعالى.
وأما الثوب والعبد فالمعنى فيه: أن كمال القبض قد وجد فيهما، وليس كذلك هاهنا؛ لأن القبض التام لم يوجد بدليل: أنها لو عطشت كانت من ضمان البائع، فبان الفرق بينهما.
واحتج بأن المشتري ملك التصرف فيه، فكان من ضمانه.
دليله: ما ذكرنا.
والجواب: أن أبا بكر عبد العزيز قال في (تعاليق أبي إسحاق): إذا اشترى الرجل الثمرة وقد بدا صلاحها، وقبضها المشتري، ليس له أن يبيعها.
قال: وهو قول زيد بن ثابت.
قال: وهو قول أحمد: إنه لا يبيعها المشتري حتى يصرمها.
الجزء: 3 - الصفحة: 368
وهذا صريح من أبي بكر بالمنع من التصرف فيها بالبيع.
وجهه: أنه مبيع لو تلف قبل قبضه كان من ضمان البائع، فلم يجز له التصرف فيه.
دليله: لو ابتاع قفيزًا من صبرةٍ.
وعلى أن ثبوت التصرف لا ينفي الضمان على البائع بدليل أن المستأجر ملك التصرف في المنافع، ومع هذا فلا ننفي الضمان عن المؤجر.
وكذلك المبتاع ملك التصرف في العبد المشترى قبل القبض بالعتق، ومع هذا فلو تلف كان من ضمان البائع عندهم.
وكذلك إذا ابتاع عبدًا قد وجب عليه القصاص، فقتل في يد المشتري؛ فإنه من ضمان البائع، وإن كان قد ملك التصرف.
ثم المعنى في الأصل: ما ذكرنا.
واحتج بأنه لو كانت من ضمان البائع، لوجب أن تكون الثمرة بعد خرصها في يد المالك من ضمان الفقراء، حتى إذا تلفت بآفة سماوية تسقط عنه الزكاة.
والجواب: أنا هكذا نقول، وأن الزكاة تسقط.
نص عليه في رواية حنبل، فقال: إذا خرص، وترك في رؤوس النخل، فعليهم حفظه، فإن أصابته آفة جائحة، فذهبت الثمرة، سقط عنه
الجزء: 3 - الصفحة: 369
الخرص، ولم يؤخذ به.
واحتج بأنه لو كانت الثمرة من ضمان البائع، لوجب أن يكون الزرع من ضمان البائع أيضًا، وهو إذا ابتاع حنطة في سنبلها بعد إصلاحها، أو باقلًا في قشرته العليا، فتلف قبل قبضه.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ذلك، ويحتمل أن يقال: إنه من ضمان البائع، كالثمار؛ لأن أحمد أسقط عن أرباب الزرع الزكاة في مقدار ما يأكلون، كما أسقطه في الثمار، ذكره في رواية المروذي، وجعل الحكم فيها سواء.
ويحتمل أن يفرق بينهما، ويكون الزرع من ضمان المشتري، والثمرة من ضمان البائع، وهو أشبه؛ لأن الزرع والباقلا لا يجوز بيعه من غير شرط القطع إلا بعد تكامل صلاحه وأوان جذاذه، فإذا تركه بعد ذلك فرط، فضمنه، وليس كذلك الثمار؛ لأنه يجوز بيعها بعد بدو الصلاح، وقبل تكامل ذلك على الترك، فهو غير مفرط.
فإن قيل: فما تقولون فيه إذا أدركتها الجائحة بعد أوان جذاذها ونقلها، إلا أنه لم ينقلها.
قيل له: ظاهر كلام أحمد: أنها توضع عنه أيضًا؛ لأنه أطلق القول بالوضع، ولم يفرق؛ لأن الجائحة حصلت قبل القبض، فأشبه إذا وقعت قبل أوان الجذاذ.
ويحتمل أن لا توضع عنه؛ لأنه إذا ترك النقل في وقته مع القدرة
الجزء: 3 - الصفحة: 370
عليه، فهو مفرط فيه، فلهذا كان عليه الضمان.
- فصل:
والدلالة على أنها توضع فيما دون الثلث خلافًا لمالك ورواية حنبل: ما تقدم من الأخبار، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بوضعها، ولم يعتبر في ذلك مقدارًا.
فإن قيل: روى ابن وهب قال: أخبرني زيد بن عياض، عن رجل حدثه، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معنٍ الأنصاري: أنه بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا ابتاع المرء الثمرة، فأصابته عاهة تذهب بثلث الثمرة، فقد وجب على صاحبه الوضيعة في المال).
فخص ذلك بالثلث، وهذا مقيد، فهو يقضي على تلك الأخبار المطلقة.
قيل له: هذا الخبر غير معروف، ولا يقوم به سند.
وعلى أن نطقه: أن الجائحة إذا ذهبت بالثلث، وجب على صاحبه، ونحن نقول بذلك.
ودليله: أن ما دون الثلث لا يجب على صاحبه.
ولفظ خبرنا عام، وفيه تعليل يدل على القليل، وهو قوله: (بم يأخذ مال أخية؟!).
الجزء: 3 - الصفحة: 371
فإن قيل: فعلماء أهل المدينة أجمعوا على تقدير ذلك بالثلث، فلولا أن الخبر وارد بالثلث لم يقدروه بذلك؛ لأنهم أعرف به من غيرهم.
فروى عبد الرحمن بن القاسم وربيعة وأبي الزناد، عن القاسم بن محمد قال: إذا أصيب المبتاع بثلث الثمن، فقد وجب على البائع الوضيعة.
وعن ربيعة وأبي الزناد قالا: لا وضيعة في الجائحة.
وعن يحيى بن سعيد مثل ذلك.
قيل له: علماء أهل المدينة تأولوا ظاهر الخبر، كما تأولته، وخصوه على الثلث، كما خصصته، ولا يلزمنا قولهم.
والقياس: أنها ثمرة مبيعة محتاجة إلى تبقيتها في النخل، فإذا تلفت كانت من ضمان البائع.
دليله: الثلث فصاعدًا.
أو كل ما كان سببًا في الضمان على البائع إذا وافق الثلث فصاعدًا، كان سببًا في ضمانه في ما دون الثلث.
دليله: إذا تلفت بعطش.
ولأنه لا يخلو؛ إما أن تكون مقبوضة، أو لا تكون، فإن كانت مقبوضة، وجب أن لا يفرق بين الثلث وما دونه، كسائر المبيعات بعد القبض، وإن لمتكن مقبوضة، وجب أن لا يكون من ضمانه شيء، كسائر المبيعات قبل القبض.
فإن قيل: الثمرة لا بد أن يطرح الطير منها والريح وغير ذلك الشيء
الجزء: 3 - الصفحة: 372
اليسير، فلو قلنا: هو من ضمان البائع، كان تعسفًا، ولو قلنا: الكل من ضمان المشتري، كان ضررًا عليه، فحددناه بالثلث، فقلنا: الثلث فما دون من ضمان البائع، وما نقص من ضمان المشتري؛ لأن الثلث آخر حد القلة، وأول حد الكثرة، وقد جعلت مقدارًا في الأصول بدليل: الوضيعة، وتحمل العاقلة، ومساواة جراح المرأة جراح الرجل.
قيل له: فيجب أن يعتبر مثل هذا إذا تلفت بعطش.
وعلى أن العادة لم تجر في ذلك بمقدار الثلث والربع، وإنما جرت بالشيء اليسير الذي هو دون الثلث بكثير، فكان يجب أن نقول: ما يخرج عن العادة يضمن.
...
309 -
مسألة بيع العرايا جائز- وهو: بيع ثمرةٍ على النخل خرصًا بمثله من التمر الموضوع على الأرض نقدًا من الواهب لها ومن غيره- إذا كان دون خمسة أو سقٍ لمن به حاجة إلى أكل الرطب، ولا ثمن معه، فإن لم يكن به حاجة لم يجز:
نص على هذا في رواية الجماعة؛ صالح وأبي الحارث وابن القاسم وسندي: فقال في رواية ابن القاسم وسندي: العرية: أن يهب الرجل للجار،
الحديث: 309 - الجزء: 3 - الصفحة: 373
أو ابن العم النخلة والنخلتين؛ ما لا تجب فيها الزكاة، فللموهوب أن يبيعها بخرصها تمرًا.
ومالك يقول: لا يبيعها إلا من ربها الذي وهبها.
وله أن يبيعها ممن شاء من الناس.
ومالك يقول: يبيعها إلى الجذاذ بثمن، ولا يبيعها بتأخير، إنما يبيعها ممن يقبضه.
وقال الخرقي: يبيعها لمن يأكلها رطبًا، فإن تركه المشتري حتى يتمر، يبطل البيع.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك بحال.
وقال مالك: يجوز بيعها من واهبها خاصة دون غيره من الناس، ولا يجوز بيعها بتأخير الثمن عن وقت العقد، وهل يختص ذلك بما دون خمسة أوسق؟ على روايتين.
وقال الشافعي: يجوز بيع العرية للمحتاج إلى أكل الرطب أو غير المحتاج فيما دون خمسة أوسقٍ قولًا واحدًا، وفي خمسة أوسق فصاعدًا قولان:
أحدهما: المنع.
والثاني: الجواز.
فالدلالة على جواز بيع العرية في الجملة خلافًا لأبي حنيفة: ما روى أحمد في (المسند) بإسناده عن سهل بن أبي حثمة قال: نهى
الجزء: 3 - الصفحة: 374
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع التمر بالتمر، ورخص في العرايا أن تشترى بخرصها يأكلها أهلها رطبًا.
وروى أبو داود بإسناده عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في بيع العرايا بالتمر والرطب.
وروى- أيضًا- بإسناده عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في العرايا فيما دون خمسة أوسقٍ، أو في خمسة أوسق.
شك داود بن الحصين.
وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن زيد بن ثابت قال: رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العرايا؛ نخل المدينة كانت توهب للمساكين، فلا يستطاع أن ينتظر بها، فيباع ثمرها بما شاؤوا من تمر.
وروى محمود بن لبيد: أنه قال لرجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إما زيد بن ثابت، وإما غيره: ما عراياكم هذه؟ فقال- وسمى رجالًا محتاجين من الأنصار-: شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الرطب يأتي، ولا نقد
الجزء: 3 - الصفحة: 375
بأيديهم يبتاعون بها رطبًا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم؛ يأكلونه رطبًا.
وهذه الأخبار نصوص في جواز بيع العرية.
فإن قيل: هذا عندنا، وهذا محمول على رجل وهب ثمرة نخلة لرجل، فلم يجذها الموهوب له حتى يبدو للواهب، فيمنعه منها كراهية أن يدخل بستانه، فيضر به، ويعوضه منها خرصها تمرًا، ويقبل ذلك الموهوب له، فتطيب للواهب والموهوب، ويخرج من حكم من وعد وعدًا، ثم أخلفه، ويخرج الموهوب من حكم من أخذ عوضًا عن شيء لم يملكه، فيجوز ذلك؛ لأن الغرض منه إيصال هذا القدر إليه.
قالوا: ويبين صحة هذا التأويل: العرية مأخوذة من العارية، والعارية تمليك بغير بدلٍ إلا أنه يختص تمليك المنافع، والعرية تمليك الأعيان بلا بدل، وإنما اختلف بناء اللفظتين في الوضيعة لاختلاف المعبر عنه، كما تقول: عدل وعديل، وحصان وحصين، ورزان ورزين.
الجزء: 3 - الصفحة: 376
ويدل عليه قول الشاعر:
ليست بسهناء ولا رجبيًة ... ولكن عرايا في السنين الجوائح
فمدح النخيل بأنها موهوبة الثمرة في السنين التي تصيب الثمار آفة فتجتاحها، ولو كانت العرية بيعًا لما كان ذلك مدحًا.
قالوا: ويدل عليه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا خرصتم فدعوا الثلث، أو الربع؛ فإن في المال العرية والوصية).
وروي: (خففوا في الخرص؛ فإن في المال العرية والوصية).
فضم العرية إلى الوصية، والوصية تمليك بغير بدل، وكذلك العرية.
ولأنه أمر بتخفيف الخرص لأجله، ومنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث أبا حثمة خارصًا، فجاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! إن أبا حثمة زاد علي في الخرص، فدعاه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال له: (إن ابن
الجزء: 3 - الصفحة: 377
عمك يزعم أنك زدت عليه في الخرص)، فقال: يا رسول الله! قد تركت عليه خزمة أهله.
فدل على أنه أراد ما يهبه أهله؛ إذ لو كان المراد به البيع لما تركها عليه.
قيل له: العرية ليست هي العطية فحسب، بل هي اسم لكل ما أفرد عن جملة؛ سواء كان للهبة، أو للبيع، أو للأكل.
هكذا قال أبو عبيدٍ.
ومثله قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا زكاة في العرية)، والمراد به: ما يفرده من المال ليأكله، ولهذا تسقط الزكاة فيه عندنا.
وإذا كانت اسمًا لكل ما أفرد عن جملة؛ سواء كانت لهبة، أو لبيع، لم يمكن حملها على الهبة في هذا الموضع لوجوه كثيره، منها:
أنه نقل عنه: أنه أرخص في بيع العرايا.
وما ذكروه ليس ببيع، وإنما هو رجوع في الهبة، فالاسم لا يتناوله حقيقة، ولا مجازًا.
فإن قيل: لما كان معناه عندنا: أن الواهب يعاوض الموهوب على ذلك خرصًا سماه بيعًا على طريق المجاز، كما قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُم﴾ [التوبة: 111]، وأطلق اسم الشراء على ما ليس بشراء حقيقة على طريق التشبيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 378
وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الناس غاديان؛ بائع نفسه فموبقها، ومشترٍ نفسه فمعتقها).
قيل له: نفس الحر لا يمكن بيعها، فجاز أن يحمل البيع فيها على المجاز، وبيع التمر بالتمر يمكن حمله على الحقيقة في الشرع، فلم يجز حمله على المجاز.
وما ذكروه من الرجوع في الهبة لا يسمى بيعًا حقيقة، ولا مجازًا.
الثاني: قوله: رخيص في بيع العرايا.
فسماه رخصة، وهذا الاسم لا يقع إلا على ما فيه ضرب من التسهيل والتخفيف، وإنما يكون هذا في العرايا؛ لأنه مستثنى من بيع الرطب بالتمر، فأما فيما ذهبوا فليس فيه ضرب من التخفيف.
الثالث: قوله: فيما دون خمسة أوسق.
وما ذكروه لا يختص بهذا القدر، بل يجوز في هذا القدر وزيادة عليه.
فإن قيل: يجوز أن يكون السؤال وقع عن هبة هذا المقدار، فخرج جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سؤال السائل، فرخص له في هبته على هذا الوجه.
قيل له: هذا الكلام خرج منه ابتداًء، ولم يخرج على سؤال سائل.
الجزء: 3 - الصفحة: 379
والرابع: قوله: رخص في العرايا أن تباع بخرصها تمرًا.
ولا تأثير للخرص عندهم.
فإن قيل: نعتبر الخرص، ولكن لا نجعله مستحقًا، بل نعتبره؛ لنخرج به من حكم من وعد وعدًا، فأخلفه.
قيل له: فالخبر يقتضي كونه شرطًا؛ لأنه علق جواز ذلك بشرط الخرص.
الخامس: قوله: يأكلها أهلها رطبًا.
فبين أنه إنما جاز بيع العرايا؛ ليحصل لمن يشتريها رطب يأكله، والموضع الذي حملوا عليه الخبر لا يوجد فيه هذا؛ لأن الرطب هناك لصاحب النحل، فلا يحتاج أن يدفع التمر ليحصل الرطب؛ لأن الرطب ملك له.
السادس: أن الراوي قد نقل خلاف ما قالوا، وهو حديث محمود: أن قومًا شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الرطب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعوا به رطبًا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم، يأكلونه رطبًا.
وهذا يمنع أن يكون المراد بالرخصة الهبة على الوجه الذي ذكرتم.
الجزء: 3 - الصفحة: 380
فإن قيل: يحمل هذا على أنه أجاز هذا البيع قبل تحريم الربا، فلما نزل تحريم الربا نسخه.
قيل له: لو كان كذلك لما خص بما دون خمسة أوسق.
وعلى أنه رخص في العرايا في الموضع الذي نهى عن بيع التمر بالتمر، وذلك النهي كان في الحالة التي يحرم فيها الربا.
وقد قيل: إن كل عقد جاز في دار الحرب، جاز في دار الإسلام.
دليله: بيع التمر بالتمر.
وليس لهم أن يقولوا: إن الربا لا يجري في دار الحرب؛ لأنا لا نسلم ذلك.
وإن شئت قلت: كل بيع لو اتصل به القبض صح، كذلك إذا لم يتصل به.
دليله: ما ذكرنا.
وعكسه: سائر العقود الفاسدة.
وإن شئت قلت: بيع رطب بتمر خرصًا على رؤوس النخل، فجاز.
دليله: اليسير، كالتمرة والتمرتين.
وليس لهم أن يقولوا: إن علة الربا لا توجد في اليسير؛ لأنا قد
الجزء: 3 - الصفحة: 381
بينا في علة الربا: أن اليسير يوجد فيه الكيل على قدره.
وقيل: إن الخرص قد ورد الشرع بكونه تتقدر به الأشياء، فجاز أن يتخلص به من الربا.
دليله: الكيل والوزن.
وقد ورد الشرع بالخرص؛ ليعرف مقدار النصاب الذي تجب فيه الزكاة بدليل قوله: (يخرص النخل فتؤدى زكاته تمرًا، كما يخرص العنب فتؤدى زكاته زبيبًا).
وعندهم أن الخرص لا يتخلص به من الربا بحال.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن المزابنة.
وهي: بيع الثمرة على رؤوس النخل بخرصها تمرًا.
والجواب: أن هذه الأخبار مطلقة في النهي، وفي أخبارنا زيادة، وهو: أنه نهى عن ذلك، وأرخص في العرايا، والأخذ بالزائد أولى.
ولأنا نحمل النهي على خمسة أوسق فصاعدًا بدليل ما ذكرنا من أخبارنا، وهي خاصة.
واحتج بأنها لو كانت موضوعة على الأرض لم يجز بيعها بخرصها تمرًا، كذلك إذا كانت على رؤوس النخل قياسًا على ما زاد على خمسة
الجزء: 3 - الصفحة: 382
أوسق إذا كانت أقل.
دليله: إذا كانت على الأرض.
والجواب: أن هذا قياس يسقط نصوص الأخبار التي ذكرناها، ولا يجوز استعماله مع إسقاط النص، ولهذا قال أبو حنيفة: القياس يقتضي أن الأكل ناسيًا يفطر، لكن تركته لحديث أبي هريرة: (إن الله أطعمك وسقاك)، ونترك القياس في الوضوء بنبيذ التمر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ به في حديث ابن مسعود، كذلك هاهنا.
وعلى أن ما زاد على خمسة أوسق قدر كثير لا تدعو الحاجة إلى جواز بيعه، وكذلك الرطب على الأرض لا حاجة إلى جواز بيعه بالخرص، فلم يجز، وما دون خمسة أوسق قليل تدعو الحاجة إلى جواز بيعه على رؤوس النخل بالتمر؛ ليحصل للمشتري رطب يأكله مع الناس، وهذا هو المعنى الذي جوز بيع العرايا لأجله.
وقد تبيح الحاجة البيع، وتوجب العفو، كما نقول: إن القياس يقتضي أن لا يصح عقد الإجارة؛ لأنها تعقد على معدوم، وكذلك السلف، ولكن الحاجة لما مست إليه أجيز، ورخص فيه.
ولهذا فرقنا بين ما دون خمسة أوسق وبين الخمسة؛ لأن ما دونه
الجزء: 3 - الصفحة: 383
في حكم القليل، ولهذا نقول: ما نقص من الثمار لا تجب فيه الزكاة للقلة.
واحتج بأن ما يعتبر فيه استيفاء المماثلة من جهة الكيل إذا كان أكثر من خمسة أوسق، اعتبر- أيضًا- إذا كان دون خمسة أوسق.
دليله: التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير.
والجواب عنه: ما تقدم.
- فصل:
والدلالة على مالك في جوازه من الواهب له ومن غيره: ما تقدم من الأخبار.
ووجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز بيع العرايا، ولم يخص بها أحدًا، فدل على جوازها في حق الواهب وغيره.
ولأن كل عقد جاز مع الواهب جاز مع غيره.
دليله: سائر العقود.
ولأن الأصل في جواز بيع العرية: أن الحاجة تدعو إلى ذلك ليحصل للمشتري رطب يأكله مع الناس، وقد دل على ذلك حديث محمود بن لبيد، ولا حاجة للواهب إلى ذلك؛ لأن النخل له.
الجزء: 3 - الصفحة: 384
ولأن بيعها من غيره يحصل به سد الحاجة، كما يحصل به منه، فلا معنى لتخصيصه.
فإن قيل: نسلم لكم: أنها جوزت للحاجة، ولكن الحاجة غير ما ذكرت، وإنما هي: أن الواهب يلحقه ضرر بدخول الموهوب له وخروجه إلى بستانه لأجل النخلة، فرخص في بيعها منه لتزول عن الواهب هذه الضرورة.
قالوا: والذي يدل على أن هذا هو الأصل ما روى حماد بن سلمة، عن أيوب وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى المبتاع والبائع عن المزابنة.
قال: وأرخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العرايا؛ النخلة والنخلتين توهبان للرجل، يبيعها بخرصها تمرًا.
قيل له: قد روينا في حديث محمود بن لبيد نصًا صريحًا: أن القوم شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الرطب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبًا يأكلوه مع الناس، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم.
فتبين أن الرخصة خرجت على هذا دون ما قالوه.
الجزء: 3 - الصفحة: 385
ولأنه لو كان كما قالوا، لم يختص ذلك بما دون خمسة أوسق، ولوجب أن يجوز زيادة على ذلك؛ لوجود الضرر في الكثير، كما هو في القليل، ولما خصوه بما دون خمسة أوسق، دل على أن الحاجة إلى ذلك ما ذكرنا من أكل الرطب.
وأما حديث ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرخص في العرايا؛ النخلة والنخلتين توهبان للرجل.
فليس فيه تخصيص ببيعها من واهبها، أو من غيره، فالخبر مطلق، فوجب حمله على عمومه.
- فصل:
والدلالة على أنه لا يجوز بيعها نسيئًا خلافًا لمالك أيضًا: ما روى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الرطب بالتمر نسيئة.
وهذا عام في بيعه مطلقًا، وفي بيعه على وجه الأرض.
ولأنه جنس فيه الربا، بيع بعضه ببعض نسيئًا، فلم يجز.
دليله: بيع التمر بالتمر، والرطب بالرطب، والبر بالبر، ونحو ذلك مما يجري فيه الربا.
فإن قيل: لما فارقت العرية غيرها في جواز بيع الرطب بالتمر خرصًا على طريق الرخصة، جاز أن تفارق غيرها في باب الأجل.
الجزء: 3 - الصفحة: 386
ولأنه لما كان موضوع العرية لأجل الحاجة، وهو أكله للرطب، فمعنى الحاجة موجود هاهنا، وهو أن لا يجد تمرًا يبتاع به الرطب، فجاز أن يبتاع في ذمته.
قيل له: ليس إذا دخلها الربا من وجهٍ، يجب أن يدخلها من وجه آخر، ألا ترى أنه لا يجوز بيعها متفاضلًا؟
ولأنه إنما جاز بيعه خرصًا؛ لأنه يتعذر كيله، والقبض في المجلس غير متعذر.
ولأن مالكًا أجاز بيع الموزونات جزافًا عند عدم الميزان، ولم يوجب ذلك جواز بيعها نسيئًا.
- فصل:
والدلالة على أنه لا يجوز ذلك ممن لا حاجة به إلى أكل الرطب خلافًا للشافعي، وهو: أن العرية مستثناة لأجل الحاجة الداعية إلى أكل الرطب لمن لا تمر معه، وبهذا وردت السنة في حديث محمود بن لبيد قال: رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم؛ يأكلون به رطبًا.
فرخص لهم لأجل الحاجة إلى أكله.
وكذلك في حديث سهل بن سعد: يأكلها أهلها رطبًا.
وإذا كانت الرخصة وردت على هذا الوجه، وجب أن تكون مقصورًة عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 387
والذي يبين صحة هذا: أنهم خصوا ذلك بما دون خمسة أوسق على الصحيح من قولهم.
فإن قيل: لا يمتنع أن يعلق الحكم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمعنى، ثم يكون ذلك الحكم ثابتًا في عدم معناه، ألا ترى أن السعي والرمل والاضطباع في الحج كان لسبب، وهو: أن مكة كانت دار شرك، وقصدوا ذلك إظهار الجلد عليهم، ثم مع هذا فالسنة باقية، كذلك هاهنا.
قيل له: الأصل في هذا: أن الحكم إذا تعلق بمعنى أن يزول بعدم معناه، فإن وجدنا في موضع بقاء الحكم مع عدم معناه فلدليلٍ دل عليه، وهناك دل الدليل من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو: أنه استدام الرمل في وقته بعد زوال معناه.
واحتج المخالف بعموم الأخبار: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرخص في العرايا.
وهذا عام في الغني والمحتاج.
والجواب: أنا قد روينا في حديث سهل زيادة: وهو قوله: يأكلها أهلها رطبًا.
وفي حديث محمود: أن هذا الإطلاق خرج على وجه الرخصة.
واحتج بأن كل بيع [جاز مع الفقراء] جاز مع الأغنياء، كسائر البيوع.
الجزء: 3 - الصفحة: 388
والجواب: أن سائر البيوع لا يختلف الغرض فيها بالفقراء والأغنياء، وهذا البيع يختلف الغرض فيه من الوجه الذي ذكرنا.
- فصل:
والدلالة على أنه لا يجوز بيع ذلك إذا كان خمسة أوسق خلافًا للشافعي في أحد القولين، ولمالك في إحدى الروايتين: ما تقدم من حديث أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرخص في العرايا فيما دون خمسة أوسق، أو خمسة أوسق.
الشك من داود بن الحصين.
فموضع الدلالة: أن الأصل قد ثبت في النهي عن المزابنة، وهو: بيع التمر بالتمر مطلقًا، وورد الخبر في الرخصة في أقل من خمسة أوسق من غير شك، ووقع الشك في الخمسة، فوجب أن يحمل على الأصل في المنع.
وأيضًا روى أبو سعيد الخدري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا زكاة في العرية).
ثبت أن العرية قدر لا تجب فيه الزكاة، وهو ما دون خمسة أوسق.
ولأن الأصل في جواز العرية الحاجة، والخمسة أوسق في حد الكثرة بدليل وجوب الزكاة فيها، ولا حاجة بها، فيجب أن يمنع منه، ويجوز بما دونه؛ لكونه قليلًا تدعو الحاجة إليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 389
فإن قيل: خمسة أوسق إلا رطلًا كثير؛ لأن الرطل لا يؤثر فيه، وأنتم تجيزون به.
قيل: له تأثير بدليل أنه يسقط الزكاة.
وذهب المخالف إلى عموم قوله: أرخص في العرايا.
وهذا مطلق، وقد روينا في حديث أبي هريرة تخصيصًا بما دون ذلك، فوجب حمله عليه.
...
310 -
مسألة
إذا قال: بعتك هذه الصبرة؛ كل قفيزٍ بدرهمٍ، فالبيع صحيح في جميعها على ما سمى:
ذكره الخرقي في (مختصره).
وعلى قياسه إذا قال: بعتك هذا الثوب؛ كل ذراع بدرهم، أو اشترى إبلًا، أو بقرًا، أو غنمًا، أو جرابًا هرويًا، فقال: كل واحد من هذا بكذا.
وقد علق القول في رواية أبي طالب في رجل قال لرجل: اشتريت منك كل ما في البيت؛ كل كر بكذا من الطعام، والشعير بكذا، والأرز
الحديث: 310 - الجزء: 3 - الصفحة: 390
بكذا، ما اشترى، ثم يكيله، ويقبضه، فيقع الشراء، أرأيت لو احترق البيت قبل أن يكيله، أليس من مال البائع؟
وظاهر هذا: أنه لا يصح العقد حتى يوجد الثمن، وليس هذا على ظاهره، ومعناه: أنه لا يلزم قبل قبضه.
وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة في غير الصبرة: إن كان لا يعلم مبلغ الذرع والعدد فالبيع فاسد، وإن علم مبلغ ذلك فهو بالخيار؛ إن شاء أخذ كل ذراع وكل قفيز بدرهم، وإن شاء ترك.
وأما الصبرة قال: بيع صحيح في قفيز منها بدرهم؛ سواء علم مبلغ كيلها، أو لم يعلم.
دليلنا: أن ثمن كل ثوب معلوم، وإنما بقي أن يعلم جملة الثمن، ويمكننا أن نصل إلى معرفة ذلك على صفة لا تفتقر إلى المتعاقدين ولا إلى واحد منهما بأن تعد الثياب أو الكيل، فيجب أن يجوز كما لو قال: (بعتك برأس مالي وربح درهم في كل عشرة) صح البيع؛ لأنا نتوصل إلى معرفة مبلغه على صفة لا تفتقر إلى المتعاقدين ولا إلى واحد منهما، وهو أن تعد الدراهم، كذلك هاهنا.
فإن قيل: كيف يصح هذا على أصلكم؟ وقد قال أحمد في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث: أكره أن يقول: للعشرة كذا، وكذا، أو ده
الجزء: 3 - الصفحة: 391
دوا زده، أو ده يازده، لكن يقول: قام علي بكذا، وأبيعه بكذا.
فقد منع أحمد من بيع المرابحة على هذا الوجه.
قيل: إنما كره أحمد ذلك، ولم يبطله، وخلافنا في صحة العقد وبطلانه، وإنما كره بيع المرابحة على ذلك الوجه لما رواه أحمد عن ابن عمر وابن عباس: أنهما كرها بيع ده دوا زده، وهذا معدوم هاهنا.
ولأنه لو قال: (علي أنه مئة ذراع، كل ذراع بدرهم) جاز، وإن كنا لا نعلم جملة الثمن في الحقيقة إلا بالذرع؛ لأنه يجوز أن يزيد، ويجوز أن ينقص، كذلك هاهنا؛ لأن الثمن إذا صار معلومًا في التفصيل لم يجبب أن يكون معلومًا في الجملة؛ لأن العلم بقدر الثمن في التفصيل ينفي غرر الجهالة عن العقد، كما ينفيه العلم بقدره في الجملة.
فإن قيل: التفصيل مخالف للجملة؛ لأنه إذا عرف في الجملة، وجهل في التفصيل، كان ما يجب عليه بالعقد معلومًا.
وإذا كان معلومًا في التفصيل معلومًا أمكن الوقوف على مقداره بالكيل والعد، فهو كما لو تلف بعض المبيع، وبقي البعض؛ لما أمكن الوقوف على ما قابله من الثمن بالتقويم، لم يضر الجهل به حال العقد، كذلك هاهنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 392
واحتج المخالف بأن الثمن مجهول في حال العقد؛ لأنه إذا لم يدر كم عدد الذرعان لم يدر جملة الثمن، وجهالة الثمن في حال العقد تبطل العقد، ألا ترى أنه لو اشترى برقمه، أو برأس ماله، أو بما اشترى به فلان، لم يجز العقد؛ لأن الثمن مجهول في حال العقد، كذلك هاهنا.
والجواب: أنا لا نسلم: أنه مجهول حال العقد لما بينا، وهو: أنه يتوصل إلى معرفته من غير المتعاقدين، أو أحدهما، فهو كبيع المرابحة.
ولا يشبه هذا إذا اشتراه برقمه؛ لأنه يجوز أن يزيد وينقص على ما يظنه المشتري، فهو مجهول.
وكذلك إذا اشتراه برأس ماله، وكذلك إذا اشتراه بما اشترى به فلان؛ لأنه ربما غبن البائع أو المشتري، فيزيد الثمن وينقص، فلم يصح لأجله الجهالة، وهذا معدوم هاهنا، لأنه إن عرف قيمة كل شاة فلا غرر فيه؛ لأنهما قد رضيا في كل شاة بدرهم، فلهذا فرقنا بينهما.
وقد أطلق أحمد القول في جواز البيع بالرقم، فقال في رواية أبي داود: وقد سئل عن بيع الرقم، فكأنه لم ير به بأسًا.
وقال- أيضًا- في رواية أبي طالب: لا بأس ببيع الرقم، فيقول: أبيعك برقم كذا وكذا، وزيادة على الرقم كذا وكذا، كل ذلك جائز وصالح [......] إنما هو ببيع الرقم.
الجزء: 3 - الصفحة: 393
وهذا محمول على أنهما عرفا مبلغ الرقم، وأوقعا عليه.
...
311 -
مسألة
إذا قال: (بعتك ذراعًا من هذه الدار)، وهما يعلمان مبلغ ذرعان الدار، صح البيع:
وقد قال أحمد في رواية حنبل: وذكر له قول الثوري: أكره أن يقول: (أبيعك ذراعًا من نصف هذا الثوب مما يليك) حتى يذرعه، ثم يبيعه، وإذا قال رجل لآخر: (بعني نصف دارك مما يلي داري) فهو مردود، فقال: إذا ذرع فهو جائز.
ومعناه: إذا ذرع جملة الدار أو جملة الثوب، فالبيع جائز في بعضه.
وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: البيع باطل.
دليلنا: أنه إذا علم ذرعان الدار كان المبيع بينهما معلومًا، فإذا كانت ذرعانها عشرة، والمبيع ذراع، كان المبيع عشرًا، فيصير كأنه قال: بعتك عشرها، ولو قال هذا كان البيع صحيحًا، كذلك إذا قال: بعتك عشرها، ولو قال هذا كان البيع صحيحًا، كذلك إذا قال: بعتك [ذراعًا]، وهما يعلمان أن الدار عشرة أذرع؛ لأن الواحد من العشرة عشر.
الحديث: 311 - الجزء: 3 - الصفحة: 394
ويفارق هذا إذا لم يعلم مبلغ ذرعانها؛ لأن المبيع لا يكون بينهما معلومًا؛ لعدم العلم بجملة الأذرع، فلا يعلم كم المبتاع من جملة الدار.
وقد قيل: اشترى من الدار جزءًا معلومًا غير معين، فجاز، كما لو اشترى سهمًا من كذا، وكذا سهمًا من الدار.
ولا يلزم عليه إذا لم يعرف مبلغ ذرعان الدار؛ لأن الجزء غير معلوم.
ولا يلزم عليه إذا عين الذراع من موضع بعينه، ولم يذكر الابتداء والانتهاء؛ لقولنا: (غير معين)، وهناك قد عين.
وقد قال أحمد في رجل قال لرجل: (بعني نصف دارك مما يلي داري)، فهو بيع مردود؛ لأنه لا يدري أين ينتهي بيعه، ولو قال: (أبيعك نصف هذه الدار، أو ربع هذه) جاز.
واحتج المخالف بأن الذراع عبارة عن مقدار بعينه لا يزيد، ولا ينقص، وبقاع الدار تختلف، فإذا لم يقيد، لم يجز، كما لو اشترى شاة من هذا القطيع، أو ثوبًا من جملة هذه الثياب.
ويفارق هذا شراءه قفيزًا من صبرة؛ أنه يجوز؛ لأن القفزان من صبرة واحدة لا تختلف، والذرعان تختلف.
والجواب: أن الذراع عبارة [عن مقدار] مخصوص لا يزيد،
الجزء: 3 - الصفحة: 395
ولا ينقص، وليس بعبارة عن البقعة حتى يقال: إن بقاع الدار مختلفة، فإذا قال: ذراعًا من كذا، أفاد السهم المشاع، وقام مقامه في البيان، ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول: أوصيت بقفيزٍ من عشرة أقفزة من غلة هذا القراح، وبين أن يقول: أوصيت بعشر غلته؛ فإن أحد اللفظين قائم مقام الآخر، كذلك قوله: ذراع من عشرة أذرع، أو عشرها، [يجب] أن يكون سواء.
وعلى أن قولك: بعتك ذراعًا، يحتمل أن يريد السهم، ويحتمل أن يريد البقعة المخصوصة، فيجب حمله على السهم؛ ليكون البيع صحيحًا؛ لأن المبيع إذا أمكن حمله على الصحة لم يجز حمله على الفساد، ولهذا قال أبو حنيفة في مسألة: مد عجوة ودرهم: البيع صحيح؛ لأن له وجهًا في الصحة.
ولأنا إذا حملناه على البقعة ألغينا ذكر ذرعان الدار، وإذا حملناه على السهم لم يكن لغوًا.
ولا يشبه هذا شاة من القطيع، وثوبًا من جملة هذه الثياب؛ لأن ذلك مجهول؛ لأنه ليس بعبارة عن سهم مشاع، ولا معين، فلهذا بطل.
الجزء: 3 - الصفحة: 396
312 -
مسألة
إذا كان البائع يعلم كيل الصبرة، فباعها جزافًا، لم يجز، إلا بعد أن يعلم المبتاع بقدر كيلها، فإن لم يبين له كان للمبتاع الرد:
قال في رواية حرب: إذا كان يعلم كيله، فجاء رجل يطلبه، فلا يبيعه مجازفة حتى يعلم منه ما يعلم.
وقال الخرقي: ومن عرف مبلغ شيء لم يبعه صبرًة.
وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة والشافعي: البيع جائز، ولا يلزمه إعلام المشتري.
دليلنا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من غشنا فليس منا).
وهذا غش.
ولأن المبتاع دخل على أن البائع بمثابته في الجهل بمقدار المبيع.
وأيضًا روى ابن وهب من أصحاب مالك عن مسلمة بن علي وغيره، عن الأوزاعي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يباع الطعام مجازفة، وهو يعلم ما كيله.
وهذا- وإن كان مرسلًا- فهو حجة عندنا وعند أبي حنيفة، ولنا أن نبني فروعنا على أصولنا.
الحديث: 312 - الجزء: 3 - الصفحة: 397
ولأنه باع جزافًا ينفرد بعلم قدر كيله، فلم يجز.
دليله: إذا قال: (بعتك ملء هذه الغرارة)، والبائع يعلم قدر ما تسعه.
ولا يلزم عليه إذا كان المشتري عالمًا مبلغ كيلها في البلد جاز، وإن لم يعلم لم يجز؛ لأنه لا يؤمن هلاكها، فلا يدري بماذا يرجع المشتري؟
قيل: [....].
ولأنه إذا علم قدره، ولم يعلمه، فقد قصد تدليسه وغبنه وغشه، فملك الخيار، كما لو باع شاة مصراة، أو أمًة قد سود شعرها.
واحتج المخالف بأن البيع معلوم بالمشاهدة، فوجب أن يغني عن معرفة كيله.
دليله: لو جهلا مبلغها.
فلهذا جاز العقد، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه قصد التدليس، فهو كما لو باع أمة سود شعرها، أو جعده، أو شاة أصر لبنها.
وإن شئت قلت: علة المعنى في الأصل: أن البائع غير عالم بمبلغ كيله، وهاهنا قد انفرد بمعرفة مبلغه، أشبه إذا باعه ملء هذه الغرارة.
الجزء: 3 - الصفحة: 398
313 -
مسألة
لا يجوز بيع المكيلات بعضها ببعضٍ جزافًا، وكذلك الموزونات:
نص على هذا في رواية بكر بن محمد، فقال: لا بأس أن يشتري ما يكال بما يوزن جزافًا، وما يكال بما يكال فلا، ولا ما يوزن بما يوزن جزافًا، ويشتري الإبل والعروض جزافًا، وإن لم يعلم عدده، وما يعد فلا بأس أن يشتري جزافًا، وإن لم يعرف عدده؛ يجئ إلى قطيع إبل، أو غنم، أو بقر، فيشتريها جزافًا.
وقال- أيضًا- في رواية الحسن بن ثواب: لا يجوز أن يشتري نقرة ذهب بنقرة فضة لا يعلم وزنها.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز ذلك.
وقال مالك: لا يجوز ذلك في الدراهم والدنانير، ويجوز فيما عدا ذلك.
دليلنا: ما روى أبوب بكر بإسناده عن جابر قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تباع الصبر بالصبر من الطعام لا يدري ما كيل هذا، ولا ما كيل هذا.
وهذا عام في الصبر إذا كانت من جنس واحد أو من جنسين.
وأيضًا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر.
الحديث: 313 - الجزء: 3 - الصفحة: 399
وأصل الجزاف غرر.
وطريقة أخرى، وهو: أن جواز بيع المكيل بالمكيل جزافًا يفضي إلى الربا بعقدٍ، وذلك أن إحدى الصبرتين تستحق، فيرجع عليه بمثلها؛ لأن لها مثل، ولا يخلو أن يزيد على القدر، أو ينقص.
ويفارق هذا المعدودات؛ لأنه لا ربا فيها، ولأن الواجب القيمة.
ولا يلزم عليه إذا أتلف على رجل صبرًة؛ أنه يلزمه مثلها، وإن أفضى إلى الربا؛ لأنه لا يمكن الاحتراز من التفاضل؛ لأنه يتلفه بغير اختياره، وليس كذلك ما ملك بعقد؛ لأنه يمكنه الاحتراز من التفاضل، فلهذا لم يجز.
ولأنه بيع مكيل بمكيل جزافًا، أو بيع موزون بموزون جزافًا، فلم يصح العقد.
دليله: إذا باعه بشرط الخيار أربعة أيام.
فإن قيل: المعنى هناك: أنه لو لم يكن جزافًا لم يصح العقد.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل يصح عندنا.
ولأنه مكيل بمكيل، أو موزون بموزون جزافًا، فلا يصح.
دليله: إذا باع صبرة طعام جزافًا، أو دراهم صبرة بدراهم صبرة.
وإن شئت قلت: لأنه مما يضمن بمثله، فلم يجز بيعه بجنسه جزافًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 400
دليله: ما ذكرنا.
ولا يلزم عليه المعدودات؛ لأنها لا تضمن بالمثل.
فإن قيل: هناك إنما بطل العقد لأجل الربا, والربا هاهنا معدوم لاختلاف الجنسية.
قيل له: لا يمتنع أن يبطل العقد لعدم الربا, كما لو باعه شيئًا في كمه أو داره لم يره, أو كان ثمن السلم جزافًا.
ولأن العلم بقدر المعقود عليه أحد جهتي العلم بالمعقود عليه, فكان لعدمه تأثير في الفساد, كالجهل بالعين.
ولأن بيوع الأعيان أحد نوعي العقد, فجاز أن يؤثر الجزاف في فساده, كالعقد على ما في الذمة؛ يؤثر الجزاف في فساده, وهو رأس مال السلم والقرض.
وليس لهم أن يقولوا: إن ذلك معقود على ما في الذمة, وهذا على العين؛ لأن علة الأصل تبطل بالإقرار والنذر؛ هو في الذمة, ولا يفتقر أن يكون معلوم القدر, وعلة الفرع تبطل بمال الشركة والمضاربة؛ هو عقد على عين, ولا يصح في الجزاف.
واحتج المخالف بأن هذا معلوم بالمشاهدة, فصح العقد عليه.
دليله: المعدودات, والمكيلات بالموزونات.
والجواب: أنه يبطل ببيع طعام بطعام ودراهم بدراهم جزافا؛ فإنه
الجزء: 3 - الصفحة: 401
معلوم بالمشاهدة, ولا يصح العقد, وكذلك رأس مال السلم- إذا كان جزافًا- معلوم بالمشاهدة, ولا يصح.
وعلى أن المكيل والموزون لما فارق المعدود في تعلق الربا به, وفي أنه يضمن بمثله, جاز أن يفارقه في مسألتنا, فلا يجوز بيع بعضه ببعض جزافًا, ويجوز في غيره.
...
314 -
مسألة
إذا كان المبيع ثوبًا, أو عبدًا, أو دارًا, أو صبرةً, ونحوه مما يتعين ملك المشتري فيه, وتلف قبل قبضه, فهو من مال المشتري:
نص على هذا في رواية أبي الحارث في رجل اشترى طعامًا, فطلب من لحمه, فرجع, وقد احترق: فهو من مال المشتري.
واحتج بحديث ابن عمر: ما أدركت الصفقة حيًا مجموعًا, [فهو من المبتاع].
وكذلك نقل ابن منصور عنه في رجل اشترى طعامًا, وقلبه, ولم يقبضه: فهو من مال المشتري.
قال أبو بكر: هذا محمول على أنه اشتراه صبرة.
الحديث: 314 - الجزء: 3 - الصفحة: 402
وقال مالك: إن امتنع المبتاع عن القبض مع قدرته على القبض, فهو من ضمانه, فإن تلف قبل ذلك, فهو من ضمان البائع.
وقال أبو حنيفة والشافعي: ذلك من ضمان البائع.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عائشة: أن رجلا اشترى غلامًا, فاستغله زمانًا, ثم أصاب به عيبًا, فخاصمه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - , فقضى برده, فقال الرجل: يا رسول الله! إنه استغل غلامي, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الخراج بالضمان).
فوجه الدلالة: أنه جعل الخراج بالضمان, وخراج المبيع قبل القبض للمبتاع, فكان ضمانه عليه.
فإن قيل: الخبر يقتضي تعليق الخراج بالضمان, وأن من كان الضمان عليه كان الخراج له, ولا يقتضي أن من حصل الخراج له, كان الضمان عليه, وهذا كما يقال: ليس لله نبي إلا صالح, فلا يقتضي أن لا يوجد صالح إلا وهو نبي.
قيل له: الباء للبدل, فقد جعل الخراج بدل الضمان, فلا فرق بين أن يقول: (الضمان بالخراج) , وبين أن يقول: (الخراج بالضمان) , كما أنه لا فرق بين ان يقول: (هذه الألف بهذا الثوب) , وبين أن يقول: (هذا الثوب بهذه الألف) في أن كل واحد منهما بدل عن الآخر.
الجزء: 3 - الصفحة: 403
وفارق هذا قوله: (ليس لله نبي إلا صالح)؛ لأنه ليس هناك حرف البدل.
وأيضا ما رأيت في (مسائل الفرج بن الصباح البرناطي) ويغلب على ظنى أنه سماع أبي حفص البرمكي؛ لأن ولده أخرج إلي المسائل قال: نا أبو على بن الصواف قال: نا أبو بكر بن عبد الخالق قال: نا أبو همام قال: نا الوليد بن مسلم قال: الأوزاعي, عن الزهري قال: حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر: أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيًا مجموعًا فهو من مال المبتاع.
وقول الصاحبي: (مضت السنة) يقتضي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - , وهذا نص؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت ذلك من ضمان المبتاع.
ولأنه مبيع تعين من مال البائع, فإذا لم يستحق على البائع تركه في ملكه, ولم يشترط القبض في صحة العقد, كان من ضمان المبتاع.
دليله: المقبوض.
ولا يلزم عليه إذا ابتاع قفيزًا من صبرة, أو منا حديدًا من زبرةٍ, أو مئة بيضة من ألف بيضة؛ أنه من ضمان البائع؛ لأن المبيع هناك غير متعين من مال البائع.
ولا يلزم عليه إذا اشترى ثمرة معلقة قد بدا صلاحها, فتلفت بآفة
الجزء: 3 - الصفحة: 404
سماوية؛ أنه من ضمان البائع, وإن كانت متعينة؛ لقولنا: (فإذا لم يستحق على البائع تركها في ملكه) , وتلك يجب عليه تركها إلى الجذاذ بإطلاق العقد.
فإن قيل: لا معنى لقولكم: (تعين)؛ لأن ما لم يتعين- أيضًا- هو من ضمان المبتاع, وهو إذا ابتاع سهمًا مشاعًا في عقار, وتلف قبل قبضه, فهو غير متعين, ومع هذا فهو من ضمان المبتاع.
وكذلك المعدود أيضًا؛ لأن ابن منصور نقل عن أحمد: أنه ذكر له قول الثوري: كل شيء ليس فيه كيل, ولا وزن, فخراجه وحمله ونقصه على المشتري, وكل بيع فيه كيا ووزن, أو عدد, فلابد للبائع أن يوفيه.
فقال أحمد: أما العدد فلا, ولكن كل ما كان يكال ويوزن, فلابد للبائع أن يوفيه؛ لأن ملكه قائم فيه.
قيل له: أما العقار؛ فإنه في معنى المتعين, ألا ترى أنه لا يحتاج عند القبض إلى معنى يحصل به التمييز, بل يسلمه على صفته, وليس كذلك قفيز من صبرة؛ لأنه يحتاج عند القبض إلى معنى يحصل به التمييز, وهو الكيل.
وأما المعدود إذا كان مشاعًا, فحكمه حكم المكيل والموزون المشاع.
وقد ذكر الخرقي هذا في (مختصره) , فقال: إذا وقع البيع على
الجزء: 3 - الصفحة: 405
مكيل, أو موزون, أو معدود, فتلف قبل قبضه, فهو من مال البائع, وما عداه فلا يحتاج فيه إلى قبض, فإذا تلف فهو من مال المشتري, وما قاله في رواية ابن منصور فهو محمول على أن المعدود كان متعينًا من مال البائع, ولم يكن مشاعًا من جملة مثل أن يبتاع صبرة [بيض] , أو صبرة باذنجان, ونحو ذلك.
وأجود من هذه العبارة: أنه مبيع انقطعت علق البائع منه, فكان من ضمان المبتاع.
دليله: بعد القبض.
ولا يلزم عليه إذا كان المبيع ثمرة معلقة؛ لأنه لم تنقطع علقه منه, وهو السقي.
ولا يلزم عليه إذا كان مكيلًا؛ لأنه لم تنقطع علقه, وهو تميزه عن ملكه.
ولا يلزم عليه الصرف؛ لأن علقه باقية, وهو القبض قبل التفرق.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يجوز التصرف فيه, فلهذا كان من ضمانه, وليس كذلك قبل القبض؛ لأنه لا يجوز التصرف فيه, فلهذا لم يكن من ضمانه.
قيل له: لا نسلم لك هذا, بل يجوز التصرف فيه قبل قبضه, وهذه
الجزء: 3 - الصفحة: 406
مسألة يأتي الكلام عليها.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن القبض المستحق قد وجد, فلهذا كان من ضمانه, وليس كذلك هاهنا.
قيل: القبض المستحق لا يسقط الضمان عن المالك بدليل: فوات القبض في الموصى به وفي الموروث وفي الوديعة والنكاح لا يسقط الضمان عن المالك, كذلك هاهنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل, وهو ما بعد القبض: أنه لو حصل على وجه غير متميز أسقط الضمان, وهو أن يبتاع قفيزًا من صبرة, فيقبض جميع الصبرة بإذن البائع, فلهذا سقط الضمان إذا كان متميزًا.
وليس كذلك قبل القبض؛ فإنه لو لم يكن متميزًا كان من ضمان البائع, كذلك إذا كان متميزًا.
قيل له: علة الأصل لا نسلمها على إحدى الروايتين؛ لأن أحمد قد قال في من ابتاع طعامًا مكايلة قد شاهد كيله وقبضه: لم يكن قبضًا حتى يحدث كيلًا ثانيًا.
وعلى أن المعنى في الأصل: أن القبض موجود في الموضعين مع التمييز وعدمه, فلهذا كان من ضمان المشتري, وليس كذلك قبل القبض؛ لأنه - وإن لم يوجد القبض في الموضعين- فقد وجد التعيين
الجزء: 3 - الصفحة: 407
في أحد الموضعين, وللتعيين تأثير في إسقاط الضمان بدليل: أنه لو وصى لرجل بثلث ماله متعينًا, فتلف, كان من ضمان الموصي له, ولو وصى له بثلث شائع, فتلف ثلث المال, كان على الجميع, وكذلك هاهنا.
وقياس آخر, وهو: أن القبض معنى يستقر به العقد, لم يجعل شرطًا في صحته, فجاز أن لا يقف سقوط الضمان عن البائع بوجوده.
أصل ذلك: انقضاء مدة الخيار.
ولا يلزم عليه القبض في السلم والصرف؛ لأنه شرط في صحة العقد.
ولا يلزم عليه الثمرة في رؤوس النخل؛ لأن التعليل للجواز.
فإن قيل: نقلب العلة فنقول: فاستوى فيه المتعين وغير المتعين.
دليله: ما ذكرت.
قيل: لا تأثير لهذه الأوصاف على أصلك؛ لأنك لو قلت: (مبيع) كفاك.
على أنه لا يجوز اعتبار المتعين بعدمه, كما قلنا في الوصية وفي جواز التصرف: يقف على التعيين على ما نبنيه فيما بعد.
وقياس آخر, هو: أن الأعيان كالمنافع بدليل: جواز العقد عليها, وبدليل: ضمانها بالمسمى في الصحيح, وبالقيمة في الفاسد.
ثم العقد على المنافع ينقسم:
الجزء: 3 - الصفحة: 408
منه ما لا يعتبر القبض في استقرار البدل, وهو عقد النكاح؛ لأن المرأة قبل التسليم استقر لها المهر.
ومنه ما يعتبر القبض فيه, وهو منافع الاستخدام والسكنى.
كذلك العقد على الأعيان يجب أن ينقسم, وعندهم لا ينقسم.
فإن قيل: البضع في حكم المقبوض بدليل: أنها تستحق المطالبة بكمال الصداق قبل التسليم.
قيل له: وكذلك المبيع- عند أبي حنيفة وأحد القولين للشافعي- يملك المطالبة بالثمن قبل تسليمه, وله حبسه في يده.
وأما على أصلنا فإنما ملكت المطالبة؛ لأنها بتسليمها نفسها يتلف البضع, ويتعذر المهر؛ لأنه في حكم المقبوض, وهذا معدوم في المبيع.
وأيضًا لما كان الاعتبار في جواز التصرف في المبيع بالتعيين دون القبض, يجب أن يكون الاعتبار في ضمانه بالتعيين دون القبض؛ لأن كل واحد منهما موجب بالعقد.
وبيان هذا: أنه لو ابتاع طعامًا مكايلة, وقبض منه طعامًا بغير كيل, حصل من ضمان المشتري, وليس له التصرف لعدم التمييز, وإن كان قد حصل من ضمانه, فيجب أن يعتبر التمييز في باب الضمان.
واحتج المخالف بأنه مبيع تلف قبل قبضه, وكان من ضمان البائع.
دليله: ما لم يتعين.
الجزء: 3 - الصفحة: 409
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار التعيين بعدمه.
الذي يدل عليه بعد القبض لما تعين كان من ضمان المشتري, كذلك قبل القبض لما كان متعينًا يجب أن يكون من ضمانه, وكذلك جواز التصرف, فاعتبر فيه التمييز دون القبض من الوجه الذي ذكرنا, كذلك يجب أن يعتبر في باب الضمان كذلك.
واحتج بأنه فوات قبض مستحق, فوجب أن يبطل العقد.
دليله: فوات القبض في عقد الصرف والسلم.
وإذا بطل العقد حصل من ضمان البائع.
والجواب: أن المعنى في الصرف والسلم: أن القبض شرط في صحتهما, فلهذا كان عدمه يبطل, وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن القبض ليس بشرط في صحة العقد, فجاز أن لا يبطل بعدمه.
ولا يلزمنا على علة الفرع ما لم يتعين؛ لأنه قد لا يبطل العقد بهلاكه إذا كان هلاكه من جهة آدمي.
على أنا قد بينا: أن فوات القبض المستحق لا يسقط الضمان عن المستحق للقبض, كالشيء الموصى به والموروث والوديعة.
واحتج بأنه أحد عوضي المبيع, فكان من ضمان من زال عنه قبل قبضه, كالثمن.
والجواب: أن الثمن؛ إن كان متعينًا, فهو كالمثمن, وإن كان في
الجزء: 3 - الصفحة: 410
الذمة, فهو غير متميز, فيجري مجرى المثمن إذا كان غير متعين.
فإن قيل: فما تقولون إذا تزوجها على عبد, فتلف قبل قبضه؟
وخالعها على عبد, فتلف؟
قيل: نقول في تلك العقود ما قلناه في البيع, وأن ما تعين فهو من ضمان المالك؛ فتلف الصداق من مال الزوجة, والعوض في الخلع من مال الزوج.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد في رواية مهنا في من تزوج امرأة على غلام بعينه, ففقئت عين الغلام, ولم تقبضه: فهو على الزوج.
قيل: هذا محمول على أن الزوج فقأ عينه, أو على أنه امتنع من التسليم حتى فقئت عينه؛ لأنه غاصب.
...
315 -
مسألة
إذا اشترى قفيزًا من صبرة, أو عشرة أمناء حديد من زبرة, أو مئتي بيضة من ألف بيضة, ونحو ذلك مما لا يتعين, فتلف قبل قبضه:
فإن كان بأمر سمائي بطل العقد قياس قوله في الثمرة إذا
الحديث: 315 - الجزء: 3 - الصفحة: 411
تلفت قبل أخذها بآفة سماوية: أن العقد يبطل؛ لأنه قال في رواية أبي طالب: إذا ذهب كله يرد عليه كله؛ يعني: يرد عليه جميع الثمن.
وهذا يدل على أن العقد بطل, فلهذا رد الثمن.
وإن تلف بسبب من جهة آدمي؛ إما من جهة البائع, أو من جهة أجنبي, لم يبطل العقد, وكان المشتري بالخيار؛ إن شاء نقد الثمن واتبع الجاني بقيمته, وإن شاء فسخ.
نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل باع ثوبًا من رجل, ثم باعه من آخر قبل التفرق, ولما يسلمه إلى الأول, فاستهلكه البائع: أخذ بخلاصه, وإن يقدر أن يخلصه فعليه قيمته يوم استهلكه, فإن كان ذلك مما يكال أو يوزن, فعليه المثل.
فقد نص على أن الإتلاف إذا كان من جهة البائع لم يبطل العقد؛ لأنه ألزمه المثل في المكيل؛ لأنه مما له مثل.
ولو كان العقد قد بطل لزمه رد الثمن دون المثل, ولم يجعل المشتري بالخيار بين الإمضاء ونقد الثمن والرجوع بالقيمة, وبين الفسخ والرجوع بالثمن, بل جعل له القيمة فحسب.
ويجب أن يحمل هذا على أنه جعل له القيمة إذا اختار الإمضاء,
الجزء: 3 - الصفحة: 412
فأما إن اختار الفسخ ونقد الثمن والرجوع بالقيمة, فله ذلك, كما كان له إذا ظهر على عيب بعد القبض؛ فإنه مخير بين الإمضاء, وبين الفسخ.
وقال أبو حنيفة: إن أتلفه أجنبي لم ينتقض العقد, والمشتري بالخيار؛ إن شاء نقد الثمن واتبع الجاني, فضمنه قيمته, وإن شاء فسخ البيع.
وإن كان الإتلاف من جهة البائع انتقض العقد.
وللشافعي قولان:
أحدهما: ينتقض العقد.
والثاني: هو بالخيار بين الفسخ, والإمضاء وأخذ القيمة, ولا فرق عنده بين أن يكون الإتلاف من جهة البائع, أو أجنبي, أو من جهة الله تعالى.
دليلنا: ان الجاني تجب عليه قيمة المبيع, والقيمة تقوم مقام المبيع, وإذا قام مقامه لم يتعذر التسليم, فلا ينتفض البيع, كما لو كان المبيع عبدًا, فجنى عليه فيما دون النفس وافقوا أنه لا ينفسخ العقد, كذلك هاهنا.
ولا يلزم عليه إذا تلف بأمر سمائي؛ لأن القيمة لا تجب هناك.
ولا يلزم على علة الأصل المبيع المتعين إذا تلف بفعل الله- تعالى- أن العقد لا يبطل, وإن لم يحصل هناك بدل, كقولنا:
الجزء: 3 - الصفحة: 413
والمبيع [....].
فإن قيل: لو استأجر عبدًا شهرًا ليخدمه, فمات العبد, لم يقم غيره مقامه, وإن كان بدلًا عنه.
قيل: نظير موت العبد المستأجر أن يهلك المبيع بأمر من السماء, فيبطل العقد؛ لأنه ليس هناك بدل يرجع إليه, فإن أتلفه متلف بطلت الإجارة أيضًا؛ لأن الجاني لا يضمن قيمة المنفعة المعقود عليها, وإنما يضمن قيمة الرقبة, وحق المستأجر هو في المنفعة, فلهذا بطلت الإجارة؛ لأنه لم يحصل له قيمتها, وفي المبيع قد حصل عوض المبيع, وعوض الشيء يقوم مقامه.
فإن قيل: فلو غصب العبد مدة الإجارة, فإن المؤجر يرجع على الغاصب ببدل المنافع, ومع هذا تنفسخ الإجارة.
قيل: الحكم في الإجارة والحكم في البيع سواء؛ إن تلفت المنافع بأمر سمائي بطلت الإجارة, وهو أن تسقط يد العبد المستأجر بأكله, وإن غصب العبد غاصب حتى انقضت مدة الإجارة كان بالخيار بين أن يفسخ ويرجع بالأجرة, وبين أن يأخذ قيمة المنفعة, وهكذا قال أصحاب الشافعي, ولا فرق بينهما.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية مهنا في القصار إذا قصر الثوب, وذهب مقصورًا: فعليه قيمته خامًا, وتسقط القصارة, وإن قوَّمه مقصورًا
الجزء: 3 - الصفحة: 414
فللقصار أجرة القصارة.
فقد جعل له الخيار بين أن يقومه مقصورًا ويغرم الأجرة, أو خامًا ولا يغرم.
واحتج المخالف بأن المعقود عليه قد فات, فلا يمكن تسليمه بوجه, فوجب أن ينتقض البيع, كما لو تلف بأمر سمائي, وكذلك القبض في السلم والصرف.
والجواب: أنه إذا تلف بأمر سمائي, فلم يحصل هناك ما يقوم مقام المبيع, والمبيع من ضمان البائع, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه يجب على المتلف بدله, والبدل يقوم مقامه, فيصير كأنه لم يفت.
ونخص أبا حنيفة: [أنه] إذا أتلفه البائع بأنه مبيع تلف بفعل آدمي, فلم يبطل العقد, كما لو أتلفه أجنبي.
فإن قيل: إذا أتلفه أجنبي وجبت القيمة, والقيمة يوم تقوم مقامه, وإذا أتلفه البائع لم تجب عليه القيمة؛ لأنها لو وجبت لتعلق وجوبها بعقد البيع, ألا ترى أنه لو لم يكن هناك بيع لم تجب؛ لأن من أتلف مال نفسه لم يلزمه ضمان, ولو وجبت بعقد البيع لصارت مبيعة, والمبيع في الذمة لا يجوز إلا على وجه السلم, وهذا ليس بسلم.
وليس كذلك إذا أتلفه أجنبي؛ لأن وجوب القيمة عليه لا يتعلق بعقد البيع, ألا ترى أنه لو لم يكن هناك بيع لكانت القيمة واجبة عليه, وإذا لم يتعلق وجوبها بعقد البيع لم تصر القيمة مبيعة في الذمة,
الجزء: 3 - الصفحة: 415
فلا يبطل العقد.
قيل له: هذا يبطل إذا أتلفه البائع بعد القبض؛ فإن البيع لا ينتقض, وتجب القيمة عليه, وإن تعلق وجوبها بعقد البيع.
فإن قيل: بعد القبض قد سلم للمشتري, وانقطع حق البائع عنه, فصار كالأجنبي.
قيل له: والصداق لم ينقطع حق الزوج عنه قبل الدخول, ومع هذا إذا أتلفه بعد التسليم يضمنه.
وكذلك إذا تلف المبيع بعد القبض, وظهر على عيب بالثمن, فإن حقه لم ينقطع عنه, ومع هذا يضمن قيمته.
...
316 -
مسألة
إذا كان المبيع ثوبًا, أو عبدًا, أو دابة, أو دارًا, ونحو ذلك مما هو متعين, جاز التصرف فيه قبل قبضه:
نص على هذا في رواية حرب, فقال: إذا اشترى ما يكال ويوزن, فلا يبعه حتى يكيله ويقبضه, وإذا كان لا يكال, ولا يوزن مثل الدار ونحوها, فلا بأس أن يبيعه قبل أن يقبضه.
ونقل- أيضًا- ابن منصور عنه في الرجل اشترى سفينة, فقال له رجل: ناولني منها كرًا: فإن اشترى ما في السفينة صبرة, ولم يسم
الحديث: 316 - الجزء: 3 - الصفحة: 416
كيلا, فلا بأس أن يشرك فيها رجلا, أو يبيع ما شاء, إلا أن يكون سمى كيلًا.
وبهذا قال عثمان بن عفان, وسعيد بن المسيب, والحسن البصري والحكم, وحماد, والأوزاعي, وإسحاق.
وهذا حكاه ابن المنذر, وكنا نحكي عن مالك مثل هذا, وحكى ابن المنذر عنه: أنه ما عدا المأكول والموزون يجوز بيعه قبل قبضه.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع العقار قبل قبضه, ولا يجوز بيع غيره قبل القبض.
وقال الشافعي: لا يجوز بيع شيء منه قبل القبض.
دليلنا: عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275].
وهذا عام في كل حال.
وأيضًا روى أحمد في (المسند) قال: نا إسحاق بن عيسى, نا ابن لهيعة, عن أبي الأسود, عن القاسم بن محمد, عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من اشترى طعاما بكيل, أو وزن, فلا يبيعه حتى يقبضه).
وروى ابن بطة وأبو داود بإسناده عن ابن عباس, عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 3 - الصفحة: 417
قال: (من ابتاع طعامًا, فلا يبعه حتى يكتاله).
فوجه الدلالة: أنه خص الطعام بالنهي, واعتبر أن يكون على صفة, وهي الكيل والوزن, فدل على أن ما عدا هذه بخلافها.
فإن قيل: دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا علق على صفة, فأما إذا علق على اسم, فلا يكون حجة, وهاهنا هو معلق على اسم الطعام.
قيل له: هو حجة عندنا, وإن علق على اسم, وقد قال أحمد: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا وصية لوارث) دل على أن غير الوارث تصح الوصية له.
وعلى أن هذا معلق على صفة, وهو قوله: (من اشترى طعامًا بكيل, أو وزن) , وهذا صفة.
فإن قيل: فالدليل والتنبيه إذا اجتمعا كان التنبيه مقدمًا, والتنبيه فيه: أنه لما نهى عن بيع الطعام قبل القبض, وحاجة الناس إليه أعم, فلأن لا يجوز غيره أولى.
الجزء: 3 - الصفحة: 418
قيل: إنما يكون فيه تنبيه لو أطلق النهي في الطعام, فأما وقد علقه على صفة في الطعام, وهو الكيل والوزن.
وعلى أن هذا يوجب أن يكون تخصيصه للنهي عن بيع الذهب والفضة مثلًا بمثل تنبيهًا على غيرها من الموزونات؛ لأن حاجة الناس إليها أعم, ولما لم يقل هذا, كذلك هاهنا.
والقياس: أن المعقود عليه متعين, فجاز التصرف فيه قبل القبض.
دليله: البضع, والتصرف في البضع قبل القبض أن يخالعها قبل الدخول.
وهذه علة جيدة.
فإن قيل: المقصود بالخلع الفرقة دون العوض.
قيل له: والمقصود بالنكاح البضع دون المهر, ومع هذا لا يجوز التصرف عند الشافعي في المهر قبل قبضه.
فإن قيل: الخلع رفع للعقد, ولهذا يصح تعليقه بمجيء زمان, ويصح بعوض, ورفع العقد لا يفتقر إلى القبض, ألا ترى أن الإقالة تصح في المبيع قبل القبض, ولا يصح بيعه.
قيل: الخلع- وإن كان رفعًا للعقد- إلا أنه قد جعل في حكم المعاوضة بدليل: أنه لا يقف على قدر الصداق, ولا جنسه, ولو كان فسخًا مجردًا لوقف على ذلك, كالإقالة؛ لما كانت فسخًا في الحقيقة, وقفت على قدر الثمن, وعلى جنسه.
الجزء: 3 - الصفحة: 419
وأيضًا فإنه مبيع تعين فيه ملك المشتري, فجاز التصرف فيه.
دليله: إذا قبضه.
ولا يلزم عليه إذا ابتاع ثمرة متعلقة؛ فإنه يجوز بيعها قبل قبضها.
نص عليه في رواية الأثرم وابن منصور.
ولا يلزم عليه إذا ابتاع قفيزًا من صبرة؛ لأنه غير متعين.
ولا يلزم عليه إذا ابتاع صبرة طعام؛ لأن فيها روايتين:
نقل الأثرم وغيره: لا يجوز بيعها قبل قبضها.
ونقل ابن القاسم وحرب جوازه, فقال في رواية ابن القاسم وحرب جوازه, فقال في رواية ابن القاسم: يروى عن ابن عمر أنه قال: كنا نؤمر أن ننقله عن موضعه.
ولا أدري ما معنى هذا؟ إذا كان إنما اشترى صبرة فهو بمنزلة القبض, ولكن ابن عمر روى هذا, وفيه مشقة على الناس.
وظاهر هذا: جواز بيعها.
وأومأ إليه أحمد في رواية حرب في رجل اشترى من رجل غلة, فكالها, وجعل ينظر إليه, ولعل علمه في ذلك الكيل مثل علم المشتري, فلما ابتاعه قال له الرجل: ولنيه: فأرجو أن يجزئه ذلك إذا كان حاضرًا.
فقد أجاز بيعه بذلك الكيل من غير قبضه, وهذه الرواية هي الصحيحة.
ولا تلزم عليه مدة الخيار؛ لأنه يستوي فيه الأصل والفرع في المنع, وذلك أنه لو قبض المبيع في مدة الخيار لم يجز له التصرف فيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 420
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن المبيع من ضمانه.
قيل: وكذلك هاهنا, هو من ضمانه قبل قبضه, فلا فرق بينهما.
على أنه إذا اشترى طعامًا مكايلة, وقبضه بغير كيل, حصل في ضمان المشتري, ومع هذا فليس له التصرف, وانتقضت علة الأصل.
وعلى أن هذا غير مؤثر؛ لأن للبائع أن يتصرف في الثمن قبل قبضه, وإن لم يحصل في ضمانه.
ولأن الاعتبار بالتعيين دون القبض, بدليل: أنه لو ابتاع طعامًا مكايلة, وقبضه بغير كيل, حصل في ضمان المشتري, وليس له التصرف فيه لعدم التمييز, والتمييز هاهنا موجود, فيجب أن يصح التصرف فيه.
ومنهم من يمنع ويقول: يجوز له التصرف فيما يتحقق أنه قدر حقه.
وهذا فاسد؛ لأنه يتصرف في ملك غيره.
ولأن ما من جزء منه إلا وحق البائع فيه؛ لأنه مما تعين حقه فيه.
فإن قيل: لو كان الاعتبار بالتعيين لم يصح القبض بعدمه, وقد قال أحمد في رواية محمد بن الحارث في رجل باع بألف درهم بكذا كذا دينارًا, فأعطاه مائه دينار؛ ليجيء فيزن له, فقال: إذا كان أكثر من حقه فجائز.
فقد حكم بصحة القبض في التصرف, وإن لم يحصل التعيين, فدل على أنه لا اعتبار به.
قيل له: عدم التعيين غير مؤثر فيه من الوجه الذي ذكرنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 421
ولأنه أحد عوضي المبيع, فجاز التصرف فيه قبل القبض.
دليله: الثمن.
وقد أومأ أحمد إلى جواز التصرف في الثمن في رواية ابن منصور:
وقد سئل عن اقتضاء دراهم من دنانير, ودنانير من دراهم في البيع, فقال: يأخذ بالقيمة, وإن اقتضاه في الدين فبالقيمة.
فإن قيل: إن كان الثمن معينًا لم يجز التصرف فيه قبل القبض قولًا واحدًا, وإن كان في الذمة فعلى قولين.
قيل له: نقيس عليه إذا كان في الذمة: فإن سلمت فالقياس صحيح.
وإن منعت دللنا على صحة الأصل بما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع, فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فوجدته يريد أن يدخل حجرته, فأخذت بيده, فقلت: كيف تأمرني ببيع الذهب من الفضة, وبيع الفضة بالذهب؛ أحدهما بالآخر؟ قال: "على سعر يومها, ولا تفارق صاحبك وبينك وبينه لبس".
وهذا نص.
فإن قيل: فإن سلمنا لكم هذا في الثمن, فالمعنى فيه: أنه قد أمن انتقاض العقد بهلاكه, وهذا المعنى معدوم في المبيع قبل القبض.
الجزء: 3 - الصفحة: 422
قيل له: لا نسلم لك هذا؛ لأن المبيع إذا كان متعينًا قد أمن انتقاض العقد بهلاكه, ويهلك من مال المشتري, فلا فرق بينه وبين الثمن.
وعلى أنه يأتي الكلام عليه على هذا مع أبي حنيفة.
فإن قيل: تسليم الثمن بتسليم عقد المعاوضة؛ لأن تسليم عقد المعاوضة إذا تعذر لم يسقط إلى القيمة, والثمن إذا تعذر وجب تقويمه, ودفع قيمته إلى البائع, وهذا حكم تسليم الملك دون تسليم العقد.
قيل: قد يعجز المشتري عن تسليم الثمن وقيمته, والمبيع في يده, فيرجع البائع إلى المبيع عندنا وعند الشافعي, وهذا حكم تسليم عقد المعاوضات, وأنه قد يتعذر, فلا يسقط إلى القيمة.
ولأن للتعيين تأثيرًا فيما يرجع إلى التصرف بدليل: أنه لا يجوز شرط تأخير القبض في بيوع الأعيان؛ لأن فيه قطعًا للتصرف, ويجوز ذلك فيما كان في الذمم, وهو الموصوف.
ولأن الشراء جهة من جهات الملك, فجاز التصرف فيما ملكه قبل قبضه.
دليله: الإرث والوصية.
ولا يلزم عليه ما لم يتعين؛ لأن التعليل بجواز التصرف فيه في الجملة, فلا يلزم عليه أعيان الملك.
فإن قيل: الإرث والوصية يجوز التصرف فيهما فيما لم يتعين فيه
الجزء: 3 - الصفحة: 423
ملكه, فلهذا جاز فيما تعين قبل قبضه, والمبيع لما لم يجز تصرفه فيما لم يتعين فيه ملكه, لم يجز فيما تعين.
قيل له: علة الفرع تبطل به إذا ابتاع طعامًا مكايلة, وقبضه بغير كيل؛ فإنه لا يجوز التصرف فيه لعدم التعيين, فلو كان متعينًا جاز التصرف فيه.
وعلة الأصل تبطل بالثمن؛ فإنه لا يجوز التصرف فيه إذا تعين, ويجوز إذا لم يتعين.
ونخص أبا حنيفة بطريقة أخرى: أنه عوض متعين, فجاز التصرف فيه قبل قبضه.
دليله: الصداق, وعوض الخلع؛ وافق أنه يجوز التصرف فيه قبل قبضه, كذلك هاهنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه قد أمن انتقاض العقد بهلاك العوض؛ لأنه لو هلك الصداق قبل قبضه لم يبطل النكاح, وكذلك الخلع, والبيع بخلافه.
قيل: قد أجبنا عن هذا في الدليل الذي قبله بما فيه كفاية.
فإن قيل: المعنى في الصداق وعوض الخلع: أنه يجوز التصرف في غير المتعين, والمبيع بخلافه.
قيل: قد أجبنا عن هذا في الدليل الذي قبله بما فيه كفاية.
فإن قيل: المعنى في الصداق وعوض الخلع: أنه يجوز التصرف في غير المتعين, والمبيع بخلافه.
قيل: لا نسلم لك هذا, والحكم عندنا في الصداق, كالحكم في
الجزء: 3 - الصفحة: 424
البيع في اعتبار التعيين وعدمه على ما نبنيه فيما بعد هذه المسألة.
ونخصه- أيضًا- بأنه بيع تعين فيه ملك المبتاع, فجاز تصرفه فيه.
دليله: العقار.
فإن قيل: المعنى في العقار: أنه أمن انتقاض العقد بهلاكه, فلهذا جاز التصرف فيه [قبل] قبضه, وليس كذلك غيره من المبيعات؛ لأنه لا يأمن ذلك.
قيل له: لا نسلم لك هذا؛ لأن المبيع الذي نجيز التصرف فيه قد أمن انتقاض العقد بهلاكه.
على أن هذا لا يصح, لأن علة الفرع تبطل بمن ابتاع طعامًا مكايلة, وقبضه بغير كيل؛ فإنه قد أمن اتقاض العقد بهلاكه, ولا يجوز التصرف فيه.
وتبطل بالمسلم فيه, لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه, وقد أمن انتقاض العقد بهلاكه؛ لأن السلم إنما يصح في مثل غلة بغداد والكوفة والبصرة, والعادة أن ذلك لا يهلك.
ويبطل- أيضًا- بزبر الحديد؛ فإنه لا يخشى هلاكها, ولا يجوز بيعها.
وليس لهم أن يقولوا: إنها تبرد وتذرى, فينتقض العقد؛ لأنه يمكن جمعه, فلا ينتقض العقد.
الجزء: 3 - الصفحة: 425
وأما علة الأصل فتبطل به إذا ابتاع غرفة على بيت؛ فإن له أن يبيعها قبل القبض, وهو يخشى انفساخ العقد بهلاكها.
ولا يجوز أن يقال: إن قرارها من الهواء باق بعد هلاكها؛ لأن الهواء تابع, وليس بمتبوع, ولهذا لا يجوز إفراده بالعقد.
وكذلك إذا اشترى عبدًا بثوب, ووجد القبض في أحدهما, جاز بيعه, وإن جاز انتقاض العقد فيه بهلاك ما لم يقبض.
وعلى أن خشية انفساخ العقد فيه بهلاكه لا تمنع من بيعه, ولا تدل على فساده, ألا ترى أن كل من باع شيئًا مما ينقل ويحول؛ فإنه يخشى أن يتلف قبل تسليمه إلى المشتري, وينفسخ البيع فيه, ومع هذا يجوز بيعه.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعتاب بن أسيد حين بعثه إلى اليمن: (انههم عن بيع ما لم يقبضوا, وربح ما لم يضمنوا).
ولم يفرق بين المتعين وغيره.
وبما روى ابن عمر قال: ابتعت بيعًا فما ربحت فيه, فأردت أن أصفق على يديه, فنظرت, فإذا رجل من خلفي, فنظرت, فإذا زيد بن ثابت يقول: يا عبد الله بن عمر! لا تبعه, كما ابتعته حتى تحوله إلى رحلك؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها
الجزء: 3 - الصفحة: 426
التجار إلى رحالهم.
والجواب: أن هذا عام, فنحمله ونخصه على المبيع الذي لم يتعين حق المبتاع فيه بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأنه مبيع لم يقبض, فلم يجز بيعه.
دليله: ما لم يتعين ملكه فيه.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن حق المبتاع لم يتعين فيه, وليس كذلك هاهنا؛ لأن حقه قد تعين فيه, فجاز بيعه.
دليله: بعد القبض.
فإن قيل: علة الأصل تبطل بالمكيل والموزون إذا لم يكن مأكولًا؛ فإن مهنا روى عنه أنه قال: كل شيء يباع قبل قبضه إلا ما كان يكال ويوزن مما يؤكل ويشرب.
قيل له: هذه رواية ضعيفة, والمذهب الصحيح: أنه لا يجوز بيعه سواء كان يؤكل ويشرب, أو لا يؤكل إذا لم يتعين على رواية حرب وغيره.
ثم لا يمتنع أن لا يقبض, وجوز التصرف فيه, كالثمن والبضع والميراث والوصية.
وعلى أن قوله: (مبيع) لا تأثير له؛ لأن الصداق, والعوض في الخلع, والأجرة في الإجارة إذا كانت متعينة سواء في المنع عندهم,
الجزء: 3 - الصفحة: 427
فلا معنى لذكر المبيع.
وقد عبر بعضهم عن هذا بأنها عين ملكها ببدل, فوجب أن لا يجوز لمالكها بيعها قبل القبض.
دليله: ما ذكرنا.
والجواب عنه: ما تقدم من الفرق بين الأصل والفرع, ومن القبض بالثمن وبالبضع, وعدم التأثير بالسلم؛ ليس بعين, ولا يجوز بيعه قبل قبضه.
واحتج بأن كل حكم تعلق بالقبض فيما لم يتعين, تعلق به فيما تعين.
أصله: انتقال الضمان, ولزوم الهبة, وصحة الرهن.
والجواب: أن انتقال الضمان ولزوم الهبة وصحة الرهن تتعلق بالقبض فيما لم يتعين, ولا تتعلق بالقبض فيما تعين, كما قلنا في جواز التصرف, فلا فرق بينهما على أصلنا.
وقد نص أصحابنا على هذا في ضمان المبيع, وفي الهبة, وفي الرهن.
وعلى أنه ليس إذا تعلقت هذه الأحكام في المتعين بالقبض, وجب أن يتعلق جواز التصرف فيه به, كما قلنا في الأثمان: إن هذه الأحكام
الجزء: 3 - الصفحة: 428
تتعلق فيه بالقبض, ولا يتعلق جواز التصرف به.
...
317 -
مسألة
إذا أصدقها عبدًا, أو ثوبًا, أو دارًا, ونحو ذلك مما يتعين ملكها فيه, جاز لها التصرف فيه قبل قبضه.
وإن لم يكن متعينًا مثل قفيز من صبرةٍ ونحو ذلك, لم يجز لها التصرف فيه قبل قبضه.
وكذلك الجعل في الخلع:
وهذا قياس قول أصحابنا؛ لأنهم اعتبروا التعيين في غير البيع, كالهبة والرهن, وجعلوا لزوم الهبة وصحة الرهن في المتعين بالعقد, وفي غيره بالقبض.
وقال أبو حنيفة: يجوز لها أن تتصرف فيه قبل قبضه في جميع الأشياء مما يتعين ملكها فيه, وما لا يتعين.
وقال الشافعي: لا يجوز لها التصرف في شيء منه قبل القبض.
فالدلالة على أن ما لم يتعين ملكها فيه لا يجوز لها التصرف فيه قبل قبضه: أنها عين ملكت ببدل, فإذا لم يتعين ملك مالكها
الحديث: 317 - الجزء: 3 - الصفحة: 429
فيها, لم يجز له بيعها قبل القبض.
دليله: ما ليس بمتعين إذا ملكه بعقد البيع.
وفيه احتراز من المملوك بالإرث والوصية؛ فإنه يجوز التصرف فيه, وإن لم يتعين؛ لأنه لم يملك ببدل.
وفيه احتراز من العبد والثوب؛ لأن ذلك متعين فيه ملك المالك.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يخشى انفساخ العقد بهلاكه, فلهذا لم يجز التصرف فيه قبل قبضه, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لا يخشى انتقاض العقد لأجل هلاكه قبل القبض, فلهذا جاز التصرف فيه.
وعناه: أن النكاح لا يبطل بهلاك المهر, وكذلك الجعل في الخلع, ولهذا قلتم: إذا أصدقها عبدًا, فخرج حرًا, أو استحق, كان لها قيمته, ولم يبطل عقد الصداق بفساده؛ لأنه لو بطل رجعت إلى مهر المثل.
قيل له: قد منعنا أن تكون هذه علة صحيحة في البيع من الوجه الذي ذكرنا, فلا وجه لإعادته.
واحتج المخالف بأنه لا يخشى انتقاض العقد بهلاكه قبل القبض, فوجب أن يجوز التصرف فيه قبل القبض.
دليله: إذا تعين حقها في الصداق, وكالثمن في المبيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 430
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن المهر أحد البدلين في عقد النكاح, فوجب أن يجوز التصرف فيه قبل القبض.
دليله: البضع, والتصرف في البضع قبل القبض أن يخلعها قبل الدخول.
والجواب: أن قوله: (أحد البدلين في النكاح) لا تأثير له؛ لأن بدل الخلع وبدل النكاح سواء.
ولأن المقصود بالخلع هو الفرقة دون المعاوضة, ولهذا لا يصح أن يملك بضعها غيرها بعوض يبذله, فلهذا لم يكن من شرطه القبض.
ولأن رفع العقد لا يفتقر إلى القبض, ألا ترى أن الأدلة صحيحة في البيع قبل القبض, كما تصح بعده.
والجواب: الصحيح: أن البضع إنما جاز التصرف فيه قبل قبضه؛ لأنه متعين, ومثله نقول في الصداق المتعين.
*فصل:
والدلالة على جواز التصرف فيه إذا تعين حقها فيه: أن حقها فيه تعين في المهر, فملكت التصرف فيه.
دليله: بعد القبض.
الجزء: 3 - الصفحة: 431
ولأن الاعتبار بالتعيين دون القبض بدليل: أنه لو تزوجها على طعام مكايلة, وقبضته بغير كيل؛ فإنه لا يجوز لها التصرف فيه, وإن كان مقبوضًا لعدم التعيين.
ولأن الصداق أحد بدلي النكاح, فجاز التصرف في المتعين منه قبل القبض.
دليله: البضع.
واحتج المخالف بأنه تصرف في المهر قبل قبضه, أشبه إذا لم يتعين ملكها فيه.
والجواب: أن قوله: (في المهر) لا تأثير له؛ لأن التصرف في الثمن عنده كذلك.
ولأنه لا يجوز اعتبار المتعين بغيره, كما لم يجز اعتبارهما بعد القبض.
وعلى أنا تكلمنا على ذلك فيما تقدم في التي قبلها.
...
318 -
مسألة
التخلية قبض فيما ينقل ويحول في إحدى الروايتين:
قال في رواية الميموني: إذا جهلا جميعًا, فلم يعرف كل واحد منهما كيله, اشتراه صبرة, فقيل له: كيف التسليم؟ فقال: كيف تسليم الثمرة! في رؤوس النخل, إذا لم يحل بينه وبينه, فهو تسليم.
الحديث: 318 - الجزء: 3 - الصفحة: 432
وكذلك نقل محمد بن الحسن بن هارون: إذا اشترى طعامًا, فلا يبيعه حتى يكتاله؛ يميزه بالكيل من مال البائع.
ويشهد لهذه الرواية من أصلنا: أن المبيع إذا تعين فهو من ضمان المبتاع, ويجوز له التصرف فيه, وبه قال أبو حنيفة.
وفيه رواية أخرى: التخلية ليست بقبض.
نص عليه في رواية الميموني في موضع آخر: إذا اشترى الصبرة, فلا يبيعها حتى ينقلها, حديث ابن عمر: كنا نشتري الطعام جزافًا في أعلى السوق, فنهينا عن بيعه حتى ننقله.
وكذلك نقل أحمد بن الحسن في رجل اشترى طعامًا, فلما قبضه, رغب عنه, وقال: بعته مرابحة صبرة: لم يجز حتى يكيله كما كاله, وينقله من موضعه, وذكر حديث: [أن] النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا إذا اشترينا الطعام أن ننقله من موضعه.
وبهذا قال.
وجه الأولى: ما روى أبو داود وعبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عباس, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من ابتاع طعامًا, فلا يبعه حتى يكتاله).
فظاهر هذا: أن المشتري إذا اكتاله, ولم ينقله: أنه يجوز بيعه؛ لأن (حتى) للغاية وما بعد الغاية مفارق لما قبلها.
الجزء: 3 - الصفحة: 433
ولأن بالتخلية قد صار في يد المشتري بدليل جواز التصرف فيه بالنقل, والأكل إن كان طعامًا, واللبس إن كان ثوبًا, والنقل والأكل واللبس تصرف, فإذا كان في يده كان من ضمانه, وجاز له, كما لو نقله.
فإن قيل: لو كان في يد المشتري لوجب إذا كان المبيع ساحة, فخلى بينها وبين المشتري, فاحترقت, ثم جاء مستحق, فاستحقها؛ أن يكون له ضمان المشتري؛ لأنها في يده.
قيل: لا يمنع أن [لا] تكون التخلية قبضًا في ضمان الغصب, وتكون قبضًا في ضمان المبيع, كالعقار إذا خلى البائع بينه وبين المشتري صار من ضمانه, ولو ظهر مستحق للعقار لم يضمن المشتري.
وأيضًا فإن القبض سبب لضمان المبيع على المشتري, كالغصب سبب لضمانه على الغاصب, ثم ثبت أنه لا اعتبار بالنقل في ضمان الغصب بدليل: أن المودع إذا جحد الوديعة, أو طولب بردها, فلم يردها, وجب عليه ضمانها, وإن لم يوجد النقل.
وكذلك ولد المغصوبة إذا طولب برده, ولم يرده.
وكذلك إذا اصطاد ظبية, فولدت, ثم تلفت وولدها, وكان
الجزء: 3 - الصفحة: 434
المعنى فيه ثبوت يده عليه, كذلك المبيع قد تثبت يد المبتاع عليه بالتخلية من الوجه الذي ذكرنا.
فإن قيل: نقول بموجبه, وهو إذا كان المبيع في يد المشتري قبل العقد؛ فإنه لا يحتاج إلى نقل.
قيل: إلا أنك تشترط فيه ما يقوم مقام القبض, وهو مضي زمان يقبض في مثله, ولا يعتبر مثل هذا في الغصب.
وأيضًا فإن التخلية قد وجدت بين المبيع والمشتري, فوجب أن يحصل من ضمانه, ويجوز له بيعه.
دليله: العقار.
فإن قيل: العادة في العقار التخلية دون النقل؛ لأنه لا يمكن نقله, والعادة فيما ينقل النقل, ولم توجد العادة, فلم تكن قبضًا.
قيل: هذا المعنى لا يوجب الفرق بينهما في ضمان المبيع, كما لم يوجب الفرق بينهما في ضمان الغصب, وقد ثبت أن ضمان الغصب يحصل فيما لم ينقل سواء كان عقار, أو غيره, كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر قال: كانوا يبتاعون الطعام جزافًا بأعلى السوق, فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوه حتى ينقلوه
الجزء: 3 - الصفحة: 435
وروى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال: كنا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبتاع الطعام, فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى كان سواه قبل أن نبيعه؛ يعني: جزافًا.
وبإسناده عن ابن عمر قال: كان الناس يضربون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتروا الطعام جزافًا؛ أن يبيعه حتى ينقله إلى رحله.
وبإسناده عن ابن عمر قال: ابتعت زيتًا في السوق, فلما استوجبته لقيني رجل, فأعطاني فيه ربحًا حسنًا, وأردت أن أضرب على يده, فأخذ رجل من خلفي بذراعي, فالتقت, فإذا زيد بن ثابت, فقال: لا تبيعه حتى تحوزه إلى رحلك؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تباع السلع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
والجواب: أنا نحمل الخبر: حتى يحوزوها, أو يخلو بها.
وقد قيل: إن معنى هذه الأخبار: أنهم كانوا يتلقون الجلب, وتكثر الأمتعة في الأعدال, ولا ينظرون إليها إلا بعد إحرازها في رحالهم, فنهاهم عن بيعها قبل أن يحوزوها, وينظروا إليها؛ لئلا يلزموا أنفسهم
الجزء: 3 - الصفحة: 436
مبيعًا مجهول الصفة.
واحتج بأنه مبيع مضمون على البائع, لم ينقله إلى المشتري, فلم يكن قابضًا.
دليله: إذا لم توجد التخلية.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار التخلية بعدمها, كما لم يجز مثل ذلك في العقار.
ولأنه قبل التخلية لم يحصل في يد المشتري, وبعد التخلية قد حصل في يده من الوجه الذي ذكرنا.
...
319 -
مسألة
إذا باع طعامًا بثمنٍ إلى أجلٍ, فلما حل الأجل باع المشتري من البائع ذلك الطعام بالثمن الذي له عليه, لم يصح البيع:
ذكره في رواية أبي طالب.
وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز.
دليلنا: أن في ذلك ذريعة إلى طعام بطعام نسيئًا, وجعلا ذكر
الحديث: 319 - الجزء: 3 - الصفحة: 437
الثمن طريقًا إلى جواز البيع, والذرائع معتبرة في الأصول من الوجه الذي ذكرنا في مسألة الثمرة إذا تركها حتى يبدو صلاحها بما فيه كفاية.
فإن قيل: لو كان غرضه بيع طعام بطعام لكان يجعله قرضًا.
قيل: لا يحصل له القرض؛ لأن الغرض المطالبة في الحال, وإن أجله وعقد البيع, يتأجل بتأجيله.
فإن قيل: ليس هذا بيع طعام بطعام, وإنما باع الطعام الأول بثمن, والطعام الثاني بثمن, فهما عقدان بثمنين بدلالة: أن الطعام الثاني لو خرج مستحقًا سلم إلى صاحبه, ورجع المبتاع على البائع بالثمن, ولو كان ع طعام بطعام لرجع عليه بالطعام الأول.
قيل له: قد بينا: أنهما قد يقصدان بذلك بيع الطعام بالطعام, وإن كان الثمن ثابتًا في ذمته في الظاهر, كما أنه يجوز أن يكون قصد بقرض الإماء أن يطأ في غير ملك يمين, ولا عقد نكاح, وإن كان الظاهر: أنه قد ملك الأمة بالقرض.
وكذلك قد منع من الأكل من الهدي إذا عطب دون محله, وإن كان تطوعًا؛ لجواز أن يكون قصر في علفه.
الجزء: 3 - الصفحة: 438
320 -
مسألة
التصرية تثبت الخيار للمبتاع في الرد, ورد صاعًا من تمرٍ؛ لما احتلبه من اللبن:
نص عليه في رواية الجماعة؛ أبي طالب, وابن إبراهيم, وإسماعيل ابن سعيد.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يملك الرد.
دليلنا: ما روى أحمد في (المسند) بإسناده عن الأعرج, عن أبي هريرة يبلغ به قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تلقوا البيع, ولا تصروا الغنم والإبل للبيع, فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين؛ إن شاء أمسكها, وإن شاء ردها بصاع من تمر لا سمراء).
وروى بإسناده في لفظ آخر عن أبي هريرة, عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من ابتاع محفلة أو مصراةً فهو بالخيار؛ إن شاء أن يردها فليردها, وإن شاء أن يمسكها أمسكها).
وروى أبو داود بإسناده في لفظ آخر عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من اشترى [شاة] مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام؛ إن شاء ردها
الحديث: 320 - الجزء: 3 - الصفحة: 439
وصاعًا من طعام لا سمراء).
وروى- أيضًا- بإسناده عن ابن عمر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيامٍ, فإن ردها رد معها مثل- أو مثلي- لبنها قمحًا).
فوجه الدلالة من الخبر: أنه نهى عن التصرية, وأنتم لا تنهون عنها, وجعل التصرية سببًا لثبوت الخيار, وأنتم لا تجعلونها سببًا, وجعل الرد بعد الحلب, وعندكم قبل الحلب وبعده سواء, وأوجب رد الصاع عليه, وهذا يقتضي أن اللبن يأخذ قسطًا من الثمن, وعندهم لا قسط له.
فإن قال بعضهم: هذا يرويه أبو هريرة, وحديثه لا يعمل عليه.
وقد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كان لا يقبل من أخبار أبي هريرة إلا ما فيه ذكر الجنة والنار.
وروي عن أبي هريرة أنه قال: لو حدثت بهذه الأحاديث على عهد عمر لرأيت الدرة تصعد على رأسي وتنزل.
فيقال له: لم لا تعمل بحديثه؟ وهو رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وقد أثنى الله-تعالى- على الصحابة, ورضي عنهم, وزكاهم, وأخبرنا بإيمانهم وتقواهم, وأبو هريرة - رضي الله عنه - داخل في جملتهم, ومن
الجزء: 3 - الصفحة: 440
يتنقص منه فإنما يدخل في مذهب الرافضة في القصر من الصحابة, ونعوذ بالله.
وقال أحمد في رواية محمد بن منصور الطوسي: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام, فقلت: يا رسول الله! كل ما روى أبو هريرة عنك حق؟ قال: نعم.
وقد قال أبو عبيدٍ القاسم بن سلام في كتابه المسمى بـ (الحجر والتفليس): ناظرت محمد بن الحسن, فاحتججت عليه بحديث أبي هريرة: (ايما رجلٍ مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه).
فقال: هذا من أخبار أبي هريرة.
قال أبو عبيدٍ: وكان ما هرب إليه أشد مما هرب منه.
وقد روى عنه جماعة من الصحابة مثل: عبد الله بن عباس, وعبد الله
الجزء: 3 - الصفحة: 441
ابن عمر, وأنس, وعمرو بن حزم, وعمرو بن حريث, وحدث عنه طلحة بن عبيد الله, وأبو أيوب الأنصاري.
وقال البخاري في [....]: حدث عن أبي هريرة سبع مائة من أولاد المهاجرين والأنصار.
وهذا يدل على علمه ودينه وثقته, والذي روي عن إبراهيم لا يصح عنه, وكيف يصح وقد روينا من عمل الصحابة بروايته وعمل التابعين ما يدل على كذب ذلك؟!
وعلى أن هذا متناقض؛ لأنه إذا جاز العمل بخبره فيما فيه من ذكر الجنة والنار, وتصديقه فيه, وجب ذلك في جميع أخباره ورواياته, ولا فرق بينهما.
والذي روي عنه أن قال: لو حدثت بهذه الأحاديث في عهد عمر رأيت الدرة تصعد.
فيجوز أن يكون لعمر مذهب في قبول الأخبار, كما كان لعلي مذهب في قبولها, وهو: أن يستحلف الراوي عليها.
فإن قال هذا القائل: إنما لم أقبل خبره, لا لطعن في دينه, لكن لأنه كان يكثر الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , فيقل ضبطه لها.
قيل له: هذا يدل على غزارة حفظه, وسعة علمه, ومثله في ذلك
الجزء: 3 - الصفحة: 442
كما قال البحتري: إذا محاسني اللاتي أدل بها ... عدت ذنوبًا, فقل لي: كيف أعتذر؟! وكما قال بعضهم: كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدًا, وبغيًا: إنه لذميم وقد أجاب أبو هريرة عن هذا فيما رواه أحمد في (المسند) بإسناده عن الأعرج, عن أبي هريرة: إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , والله الموعد! إنكم تقولون: ما بال المهاجرين لا يحدثون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأحاديث, وما بال الأنصار لا يحدثون بهذه الأحاديث, وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم في الأسواق, وإن أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضوهم والقيام عليها, وإني كنت امرأ معتكفًا, وكنت أكثر مجالسة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , أحضر إذا غابوا, وأحفظ إذا نسوا, وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدثنا يومًا, فقال: (من بسط ثوبه حتى أفرغ من حديثي, ثم يقبضه إليه؛ فإنه ليس ينسى شيئًا سمعه مني أبدًا) , فبسطت ثوبي, أو قال نمرتي, ثم حدثنا, فقبضته إلي, فو الله ما نسيت شيئًا سمعته منه, وايم الله! لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدًا, ثم تلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ
الجزء: 3 - الصفحة: 443
وَالْهُدَى} [البقرة: 159] الآية كلها.
وروى أحمد بإسناده عن أبي هريرة قال: ليس أحد أكثر حديثًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني, إلا عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب, وكنت لا أكتب.
وعلى أن أبا حنيفة ترك القياس بحديث أبي هريرة في الأكل ناسيًا.
وعلى أن أبا داود قد روى ذلك عن ابن عمر.
فإن قيل: قد توقف قوم من الصحابة في روايته:
فروى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أصبح جنبًا, فلا صيام له) , فقالت عائشة: يرحم الله أبا هريرة! نحن أعلم بهذا منه.
وروى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الوضوء مما مست النار) , فقال ابن عباس: ألسنا نتوضأ بالحميم؟!
وروى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه, فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا).
قال له الأشجعي: فما يصنع بالمهراس؟!
قيل له: ما ذكرتموه ليس برد لرواية أبي هريرة, وإنما هو تأويل
الجزء: 3 - الصفحة: 444
منهم لما رواه من الأخبار؛ إما بنسخ ثبت عندهم بخبر آخر أو تأويل, كما روي: أن الأنصار روت: (الماء من الماء) , فرد عليهم ذلك؛ لأن الخبر منسوخ.
فإن قيل: هذا الخبر غير مضبوط في الأصل لاختلاف ألفاظه؛ فروى: (من اشترى شاة مصراةً, أو لقحةً مصراةً, فحلبها, فهو بخير النظرين؛ بين أن يختارها, وبين أن يردها وإناء من طعامٍ).
فذكر خيارًا غير مؤقت, وذكر إناء من طعام.
وروى: (فهو بالخيار؛ إن شاء ردها وصاعًا من تمرٍ).
وفي حديث آخر: (صاعًا من طعام لا سمراء)؛ يعني: لا حنطة, وهذا يقتضي الشعير.
وروى: (من اشترى مصراةً فلينقلب بها؛ فليحلبها؛ فإن رضي حلابها أمسكها, وإلا ردها, ورد معها صاعًا من تمرٍ).
فهذه الأخبار ليس فيها توقيت الخيار.
وروى أخبارًا فيها توقيت؛ فروى: (من ابتاع شاة مصراةً فهو فيها
الجزء: 3 - الصفحة: 445
بالخيار ثلاثة أيامٍ؛ فإن شاء أمسكها, وإن شاء ردها ورد معها صاع تمرٍ).
فلما اختلفت ألفاظه في مقدار المردود, وفي إطلاق الخيار وتوقيته, علم أنه غير مضبوط.
قيل له: هذا النوع من الاختلاف [لا] يوجب اضطراب الخبر؛ فإن كل لفظ منه يعاضد صاحبه, ويبينه؛ لأنه في موضع أطلق أن له الخيار, وفي موضع فسر المدة بالثلاث, فكان خاصًا يقضى به على المطلق.
وإنما تدل على الاضطراب إذا كانت ألفاظًا مختلفةً لا تتفق, ولا يمكن الجمع بينها.
فإن قيل: المراد عندنا بالخبر: [أنه] إذا شرط في عقد البيع أن حلابها كذا وكذا, فيفسد العقد لأجل الشرط, وإذا تبين نقصان اللبن عما شرط كان بالخيار:
إن شاء أسقط الشرط, ورضي بها, فيصح البيع؛ لأن العقد إذا فسد بشرط ملحق به, ثم أسقط صار كأن العقد وقع عاريًا عن الشرط, فيصح.
الجزء: 3 - الصفحة: 446
وإن شاء فسخه, وردها؛ لأن العقد فاسد.
قيل له: هذا التأويل مخالف لجميع ما نفل في الخبر؛ لأنه قال: (لا تصروا الإبل والغنم للبيع).
فعلق الحكم بالتصرية, وفي الموضع الذي ذكروه الحكم متعلق بالشرط.
ثم قال: (فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها).
ولا أثر لهذا الحلب في ذلك الموضع, [وإنما] يحتاج أن يتفق البائع والمشتري على إسقاط الشرط, وإقرار العقد.
وقال: (ردها وصاعًا من تمرٍ).
وفي ذلك الموضع لا يجب رد التمر.
فإن قيل: فهذا الخبر مخالف للأصول, وخبر الواحد إذا خالف الأصول وجب رده.
ووجه المخالفة: من وجوه:
أحدها: أن من أتلف شيئًا له مثل, وجب عليه رد مثله, واللبن له مثل.
ولأنه يؤدي إلى أن يقوم عليه اللبن بصاع, ثم سواء كانت قيمته صاعًا, أو أقل, أو أكثر, وهذا مخالف للأصول؛ لأن من غصب من رجل لبنًا, واستهلكه, لم يقوم عليه بصاع من تمر.
الجزء: 3 - الصفحة: 447
ولأن القيمة يصار إليها عند فوات العين, وعندهم: أن اللبن لو كان قائمًا بعينه, فأراد المشتري رده, لم يجبر البائع على قبوله, وكان له أن يطالبه بصاع تمر.
ولأنه يجوز أن يكون ثمن الشاة في الأصل صاع تمر, فإذا ردها, ورد معها صاعًا من تمر, حصل للبائع الشاة ومقدار ثمنها, ويجوز أن يكون ثمنها أقل من صاع, فتحصل له الشاة وأكثر من ثمنها.
قيل له: الخبر إذا كان مخالفًا للأصول كان أصلاً بنفسه, وثبت كثبوت سائر الأصول, ووجب المصير إلى موجبه, كما يجب المصير إلى غيره, فلئن وجب رده لمخالفة الأصول, وجب رد الأصول لمخالفته.
ولا يمتنع أن تكون الأصول مختلفة, ولهذا عمل أبو حنيفة بخبر نبيذ التمر في الوضوء, وخبر القهقهة, وخبر الأكل ناسيًا مع اعترافه أنه مخالف للأصول المرتبة في الشريعة, كذلك هاهنا.
وعلى أن ليس فيما ذكروه مخالفة للأصول.
فأما قولهم: (إن من أتلف شيئًا له مثل, وجب رد مثله, واللبن له مثل) , فلا يصح؛ لأنه إنما يجب رد مثله إذا كان معلومًا, واللبن هاهنا مجهول المقدار؛ لأنه في الضرع, وقد اختلط بما حدث بعد العقد للمشتري, ولا سبيل له إلى الوقوف على قدره, [و] في إيجاب عوضه من جنسه ما يؤدي إلى الربا؛ لأن الصاع منه يجوز أن يزيد عليه, ويجوز أن ينقص عنه, فيكون ربًا, فأوجب من جنس التمر؛ لئلا يؤدي إلى الربا.
الجزء: 3 - الصفحة: 448
فإن قيل: لو اختلط لبن شاته بلبن شاة غيره, لم يجب العدول إلى غير جنسه, بل يجعل بينهما.
قيل له: ذلك اللبن لا سبيل إلى الوقوف على مقداره قبل الخلط, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لا سبيل لنا إلى معرفة مقداره؛ لأن اختلاطه من أصل الخلقة, فهو كالجنين؛ لا سبيل لنا إلى معرفة صفته بحال, فجعل فيه الغرة قطعًا للخصومة.
وجواب آخر, وهو: أن المضمونات على ضربين:
منها ما يضمن بالمثل.
ومنها ما يضمن بالقيمة.
وما يضمن بالقيمة من جنسه ما لا يضمن بالقيمة, كالعبيد؛ يضمنون بالقيمة, والأحرار من جنسهم لا يضمنون بالقيمة, وجب أن يكون من جنس ما يضمن بالمثل ما لا يضمن بالمثل, ويضمن بالقيمة.
وأما قولهم: (هذا يؤدي إلى أن يضمنه بأكثر من قيمته, أو أقل) , فلا يصح أيضًا؛ لأنه إنما لا يجوز ذلك في الموضع الذي يعرف مبلغ المتلف, وفي هذا الموضع اللبن مجهول المقدار, فيقع التداعي والخصومة في قدره, فأوجب فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدار, فيقع التداعي والخصومة في قدره, فأوجب فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدارًا معلومًا قطعًا للخصومة, كما أوجب ذلك في الجنين غرة؛ عبدًا أو أمة؛ سواء كان ذكرًا أو أنثى؛ لقطع الخصومة, ولأنه قد لا يبين فيه أنه ذكر, أو أنثى, وربما خرج منقطعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 449
فإن قيل: لم يوجب في الجنين الغرة لما ذكرت؛ لأنه لو كان كذلك, لوجب إذا اختلط لبن غيره بلبن شاة نفسه أن يجب فيه شيء مقدر.
قيل له: قد أجبنا عن هذا, وبينا الفرق بين اختلاط اللبن من أصل الخلقة, وبين اختلاطه بعد ذلك.
فإن قيل: لو لم يوجب الغرة لكان قياس الأصول, فوجب أن يكون القول قول الجاني مع يمينه, وتنقطع الخصومة؛ وقد أوجب فيه الغرة مع إمكان الفصل بينهما بالتمييز, فعلم أنه لم يوجب لما ذكرته.
قيل له: إنما لم يقطع الخصومة باليمين؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط الضمان, والدماء يحتاط لها, فلما أوجب الضمان في ذلك قدره بالغرة قطعًا للخصومة؛ لأجل الاختلاف والاحتمال الحاصل في ذلك.
وأما قولهم: (إن القيمة يصار إليها عند فوات العين, واللبن هاهنا قائم بعينه) , فلا يصح.
قيل له: باختلاطه باللبن الحادث فقد فاتت العين, ولهذا رجع إلى قيمتها.
وأما قولهم: (إنه يجوز أن تكون قيمة الشاة صاعًا, فيردها, ويرد معها صاعًا, فيجتمع له الثمن والمثمن) , فلا يصح؛ لأن الصاع الذي يأخذه ليس ببدل عن الشاة, وإنما هو بدل عن اللبن الذي احتلبه, فلا يؤدي إلى اجتماع العوض والمعوض.
الجزء: 3 - الصفحة: 450
وعلى أن مثل هذا موجود في الأصول, وذلك أن رجلاً لو ملك عبدًا قيمته صاع من تمر؛ فإنه تجب عليه زكاة الفطر صاع من تمر, وإن كانت الأصول مبنية على أن زكاة المال لا تكون مثل المال, بل يؤدي قليلاً من كثير.
والقياس أنه تدليس بما يختلف به الثمن, فوجب أن يثبت الخيار.
أصله: إذا سود شعر الجارية المبيعة, ثم نصل الخضاب, وصارت شمطاء؛ فإن الخيار للمشتري.
وكذلك لو باع رجلاً أرضًا قد صر صاحبها الماء, وجمعه في موضع, ثم أرسل عند العقد حتى شاهده المشتري, فرغب في الشراء, ثم نقص الماء, وعلم أنه صراه؛ أنه يملك الخيار في الفسخ, كذلك هاهنا.
ولا يلزم عليه إذا علف الشاة حتى امتلأت خواصرها, وصارت كأنها حبلى؛ لأن هذا ليس بتدليس على ما نبنيه فيما بعد.
فإن قيل: الشمط عيب, فإذا دلس به ثبت الخيار, وليس كذلك نقصان اللبن؛ فإنه ليس بعيب, فتدليس البائع إياه لا يثبت الخيار, وكذلك نقصان الماء عن دوران الرحل عيب في نفسه.
الجزء: 3 - الصفحة: 451
قيل له: الشمط ليس بعيب؛ لأن ذلك من أصل الخلقة؛ لأن الله- تعالى- خلق الشعر على صفة قد يكون في بعض أحواله أسود, وفي بعضه أبيض, ولعله يمكث في حال بياضه أكثر وأمد.
فإن قيل: فيجب إذا اشترى جارية, ووجد شعرها أبيض, أن لا يكون له ردها بذلك, إلا أن يكون شرط سواده, أو دلس البائع بتسويده, فيثبت الخيار, كما إذا سود البقرة, ثم تبين أنا شقراء, كان له الخيار, وإن لم يسوده إلا سود البقرة, ثم تبين أنها شقراء, كان له الخيار, وإن لم يسوده إلا أنه وجدها شقراء, لم يكن له الخيار.
وقد أومأ أحمد 'لى هذا في رواية حنبل: وذكر له قول شريح: إنه كان يرد من الشامة ومن الشيب إذا غير.
فقال أحمد: هذا نقص في السلعة, وهو عيب يرد به.
فجعله عيبًا عند التدليس.
واحتج المخالف بأن نقصان اللبن, أو فقده أصلاً, ليس بعيب في الشاة, ألا ترى أنه لو اشتراها, ولم تكن مصراة, فوجدها تحلب قليلاً, أو لم يكن لها لبن اصلاً, لم يكن له أن يردها؟
فتدليس البائع وإيهامه أنها على الصفة التي ظنها المشتري لا يثبت الخيار, إذا وجدها المشتري على خلاف ما ظنه, كما لو أشبعها, أو سقاها, فامتلأت خواصرها, وانتفخت, فظن المشتري أنها حامل, ثم
الجزء: 3 - الصفحة: 452
تبين أنها حائل, لم يكن له أن يردها للمعنى الذي ذكرنا.
وكذلك لو سود أنامل عبده, وترك بين يديه دواة وقلمًا وقرطاسًا, فظن المشتري أنه كاتب, ثم تبين أنه ليس بكاتب؛ أنه ليس له أن يرده؛ لأن فقد هذا المعنى ليس بعيب فيه, فإيهام البائع أنه على هذه الصفة لم يثبت للمشتري الخيار, كذلك في مسألتنا.
والجواب: أن هذا يبطل به سود الشعر؛ فإن البياض ليس بعيب, ومع هذا إذا قصد التدليس بسواده ملك الخيار.
وعلى أن امتلاء الخواصر بالعلف ليس بتدليس, وكذلك سواد أنامل العبد؛ لأن انتفاخ الخواصر وامتلاءها يكون كل يوم من العلف, فمن قدره أنه حمل, فإنما غلط فيه من غير تدليس من البائع.
وكذلك المداد على الثوب قد يكون لأنه صاحب دواة, أو غلام لولده في الكتاب, وإذا كان كذلك, كان تقديره باطلاً, وقد أتي من قبل نفسه دون البائع.
والذي يبين صحة هذا: أنه لو ابتاع شاة ضرعها عظيم الخلقة, فظن ذلك لكثرة اللبن, ثم بان ذاك لكثرة لحمه وعظمه, لم يكن له الرد؛ لعدم التدليس من البائع, وإن كان المشتري قد ظن كثرة اللبن.
واحتج بأن نقصان اللبن لو كان عيبًا, لكان كماله من موجب العقد,
الجزء: 3 - الصفحة: 453
ولو كان من موجبه لكان فقده عيبًا, ألا ترى أن نقصان سائر الأعضاء لما كان عيبًا, كانت سلامتها من النقص موجبة بالعقد, وإذا وجد شيء منها ناقصًا كان له الخيار؛ سواء أوهم البائع في العقد أنها سليمة وأنها صحيحة, أو لم يوهم, ألا ترى الشمط في الجارية؛ لما كان عيبًا, كان فقده عنها وذهابه من مقتضى العقد, فمتى وجدها على هذه الصفة, كان له أن يردها؛ سواء أوهم البائع في حال العقد بتسويد شعرها, أو لم يوهم.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يثبت الفسخ بالإيهام والتدليس, وإن لم يثبت بالإطلاق بدليل: أنه لو باعه رحى قد صر الماء في موضع, وأجراه حين العقد, ملك الفسخ, ولو لم يفعل هذا لم يكن للمبتاع الفسخ.
وكذلك لو ابتاع عبدًا على أنه خباز, فبان بخلافه, ملك الفسخ؛ لأنه كالمدلس له بالشرط, ولو لم يشرط ذلك, لم يكن له الفسخ.
واحتج بأن التصرية لو كانت عيبًا يثبت الخيار للمشتري لوجب أن يكون الخيار مبهمًا, ولا يكون موقتًا بالثلث, كسائر العيوب لا يتوقت الخيار فيها؛ لأن عندنا وعندكم إذا علم العيب فهو على خياره ما لم يرض به, أو يفعل ما يستدل به على الرضا, وعند غيرنا إذا علم بالعيب,
الجزء: 3 - الصفحة: 454
فلم يرده مع القدرة على الرد بطل خياره.
وقد قلتم في مسألتنا: لو علم بالتصرية قبل مضي الثلاث, فلم يردها, وأمسكها إلى تمام الثلاث, فإنه يبطل خياره, علم أنها ليست عيبًا, وهو ظاهر كلام أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: يحبسها ثلاثة أيام.
والجواب: أنه لابد هاهنا من مضي مدة لتحقق التصرية, فقدرت بثلاثة أيام, كما لو قدر مخالفنا خيار الشرط بثلاثة أيام.
...
321 -
مسألة
إذا ابتاع جارية فولدت, أو نخلاً فأثمرت, ثم ظهر على عيب, كان له الرد بالعيب, وإمساك النماء:
نص على هذا في رواية أبي طالب في رجل اشترى أمة, فولدت عنده: فإن شاء ردها, وإن شاء أمسكها.
ومعناه: يردها بالعيب.
فقد أثبت له الرد هاهنا, وإن لم يبين حكم الولد؛ هل هو له, أم لا؟
وقال في رواية ابن منصور: إذا اشترى غنمًا, فنمت, ثم استحقت, فالنماء له, إلا في المصراة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يرد معها صاعًا) , وأما غير ذلك فالخراج بالضمان.
فقيل له: قال الثوري: يردها ونماءها, والجارية إذا ولدت مثل ذلك.
فقال أحمد: لا.
الحديث: 321 - الجزء: 3 - الصفحة: 455
فقد نص على أنه يملك الرد, ويمسك النماء.
ونقل ابن منصور في موضع آخر في من اشترى سلعة, فنمت عنده, وبان بها داء: فإن شاء المشتري حبسها, ورجع بقدر الداء, وإن شاء ردها, ورجع عليه بقدر النماء.
فظاهر هذا: أنه لم يحكم له بالنماء, والأول أصح, وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: ليس له الرد, ويرجع بأرش العيب.
وقال مالك في الجارية: يردها, ويرد ولدها.
وفي الثمرة: يمسكها, ويرد الأصل.
فالدلالة على أن حدوث النماء لا يمنع الرد في الجملة: أن النماء معنى إذا تلف لم يمنع من رد الأصل بالعيب, فوجب أن لا يمنع مع ثباته.
أصله: الكسب.
وقيل: لا يمنع من الرد بعد فواته, فلا يمنع من ثباته.
وقيل: لا يمنع من الرد بعد فنائه, فلا يمنع مع ثباته, كالكسب.
فإن قيل: إذا تلف النماء فكأنه لم يوجد, كما إذا حدث في يده عيب, لم يجز له رده, فإذا زال العيب, كان له رده, وكان بمنزلة ما لم يوجد.
الجزء: 3 - الصفحة: 456
قيل له: فيجب إذا أتلفه أن يجوز له رده, ويكون بمنزلة ما لم يوجد, وقد قلت: لا يجوز له رده, وإن كان قد تلف ...
وليس كذلك العيب؛ فإنه لا فرق بين أن يزول بنفسه, وبين أن يزيله مثل الآثار التي تزال بالعلاج.
فإن قيل: المعنى في الكسب: أنه بدل منافع المبيع, وليس بنماء حادث من نفسه, وليس كذلك الولد والثمرة؛ فإنهما حادثان من نفس المبيع, فلم يجز رد ذلك الأصل, وتبقية النماء الحادث منه.
قيل له: المنفعة حادثة من نفس المبيع, وبدلها قائم مقامها, وذلك كان بمنزلة الولد والثمرة الحادثان من نفس المبيع.
ولأن سبب ملك الكسب, وهو سبب ملك الولد والثمرة؛ لأن المشتري يملك الكسب بمبك الأصل, كما يملك الولد والثمرة بملك الأصل, والبيع سبب الملك للأصل, فكان حكم الكسب حكم النماء, فإذا كان الكسب لا يمنع من الرد, كذلك النماء.
ولأن الولد مودع في الأم غير متصل بها, والثمرة متصلة بالأصل لا تنفصل إلا بالقطع, وحكمهما سواء, كذلك الكسب يجب أن يكون حكمه حكمها, وإن خالفهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 457
فإن قيل: الكسب ليس بموجب بالعقد, والولد موجب به, فلا يجوز أن يفسخ العقد فيها, ويبقى موجبه في يده.
قيل له: الكسب بمنزلة النماء من الوجه الذي ذكرنا, وهو أن سبب ملك الكسب هو سبب ملك الثمرة, والثمرة والولد موجب بالعقد, كذلك الكسب.
ولأن الكسب قائم مقام المنفعة الحادثة من نفس المبيع وبدلها, وكذلك الثمرة والولد.
فإن قيل: المغرور لا يرجع على البائع بما غرم من الكسب, ويرجع بما غرم من قيمة الولد والثمرة.
قيل له: يرجع على 'حدى الروايتين, وهي المشهورة.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد في رواية إبراهيم بن هانئ في امرأة أقرت أنها أمة, فباعها رجل, ووطئها المشتري: فليس لها شيء؛ لأنه وطئها على أنها أمته.
فقد أسقط المهر هاهنا.
قيل له: إنما أسقطه؛ لأن الغرور جاء من جهة المستحق, وهي المرأة, فلهذا لم تستحق؛ لأنها أذنت له في وطئها.
وقياس آخر, وهو: أنه نماء حادث في ملك المشتري, فوجب أن لا يمنع من رد الأصل بالعيب.
الجزء: 3 - الصفحة: 458
دليله: إذا حدث في يد البائع قبل تسليمه إلى المشتري.
ودليله: النماء المتصل, كالسمن والطول.
فإن قيل: المعنى فيه إذا حدث في يد البائع: أنه دخل في التسليم المستحق بالبيع, فصار بمنزلة المبيع, وليس كذلك إذا حدث في يد المشتري؛ فإنه لم يدخل في البيع, ولا في التسليم المستحق بالبيع, فلم يجز رده بالعيب, ولا رد الأصل مع تبقيته.
قيل له: النماء الحادث في يد البائع قبل التسليم لم يدخل عندنا في التسليم المستحق بالبيع, وإنما وجب عليه تسليمه إلى المشتري بحق الملك دون العقد, وقد قال أصحابنا: إذا أصدقها غنمًا بعينها, فتوالدت, ثم طلقها قبل الدخول, كانت الأولاد لها.
ولم يفرقوا بين أن يحدث الأولاد في يد الزوج, أو في يدها.
واما علة الفرع؛ فإنها منتقضة بالزيادة المتصلة؛ فإنها لا تمنع من الرد, ولم تدخل في البيع, ولا في التسليم المستحق بالبيع.
وقياس آخر, وهو: أن كل عقد لا يمنع وجود الكسب والنماء المتصل.
دليله: الهبة؛ فإن الرجوع في الهبة لما جاز مع وجود الكسب من الموهوب, جاز مع وجود النماء فيه.
فإن قيل: النماء غير موجب بعقد الهبة, وهو موجب بعقد البيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 459
قيل: هو موجب بهما؛ لأن العقد سبب ملك النماء على ما تقدم بيانه.
فإن قيل: المغرور يرجع على البائع بقيمة الولد, ولا يرجع المغرور على الواهب.
قيل له: يرجع في الهبة على الواهب, كما يرجع على البائع؛ لأن الغرور منهما واحد.
وقياس آخر, وهو: أن النماء معنى لم يحصل به نقص في عين المبيع, ولا في قيمته, فلم يبطل به حق الرد إذا لم يتضمن الرضا بالعيب.
دليله: الاستخدام وركوب الدابة.
يبين صحة هذا: أن الولادة وحدوث الثمرة وحلب لبن المصراة ليس بنقص في العين, ولا في القيمة, وأن ذلك لو وجد في يد البائع قبل القبض لم يثبت للمشتري فيه حق الرد, ولو كان نقصًا لثبت له ذلك.
ولا يلزم عليه إذا زوج العبد والأمة, أو أحدهما؛ لأن ذلك- وإن لم يكن نقصًا في العقد- فإنه نقص في القيمة.
على أن أحمد قد توقف عن الجواب في ذلك, فقال مهنا: سألته
الجزء: 3 - الصفحة: 460
عن رجل اشترى جارية, فزوجها رجلاً, فولدت منه, ثم ظهر بها عيب, فأعرض عني, ولم يخبرني بقوله, وقال: قد اختلفوا, ولو قلت معنى لم يتضمن الرضا أجزأ.
وأجود من هذا أن نقول: أصاب عيبًا لم يقف على محله, فملك الرد, كما لو لم ينم.
واحتج المخالف بأنه لو جاز له أن يردها بالعيب لم يخل؛ إما أن يفسخ العقد بالجارية والولد, أو فيها دون الولد.
ولا يجوز أن يفسخ فيهما؛ لأن الولد لم يقع عليه العقد, ولم يدخل في التسليم الموجب بالعقد.
ولا يجوز أن يفسخ فيها دون الولد؛ لأن الولد- وإن لم يقع عليه العقد- فهو موجب بالعقد بدليل: أن المغرور يرجع بقيمة الولد على الغار, فلولا أن البائع قد أوجب له سلامة الولد, كما أوجب سلامة الأم لما رجع عليه بقيمته, كما لا يرجع بسائر ما يستحق عليه مما لم يوجب له البائع سلامته.
وإذا ثبت أن الولد موجب بالعقد, لم يفسخ العقد في الأم, ويبقى موجبه في يد المشتري؟
فإذا بطل الوجهان لم يبق فيها لجواز الفسخ وجه, ولا يشبه الجارية الموهوبة إذا ولدت في يد الموهوب له ولدًا, ثم أراد الواهب أن يفسخ
الجزء: 3 - الصفحة: 461
الهبة في الأم؛ أنه يجوز, ولا يمنع الولد الرجوع في الأصل؛ لأن ولد الموهبة غير موجب بعقد الهبة, ألا ترى أن الموهوب له إذا استولد الجارية, فاستحقها رجل, أخذ الجارية, وضمنه قيمة الولد, ولا يرجع الموهوب له على الواهب بما ضمن, والمشتري يرجع.
ولا يلزم عليه الكسب؛ لأنه ليس بموجب بالعقد, والولد موجب به.
والجواب: أن هذا منتقض بالكسب, وبالرجوع في الهبة من الوجه الذي ذكرنا, وأن ذلك موجب بالعقد, ومع هذا لا يمنع.
وعلى أنه لا يمتنع رفع العقد مع بقاء موجبه, كما يتزوج امرأة, ثم يطلقها, فيبقى تحريم أمها, وتحريمها على ابنه وأبيه, ويفسخ البيع, ويبقى المبيع في يده على ضمان البيع.
وقد قيل في جواب هذا طريقة أخرى, [وهي]: أن الأولاد ليسوا من موجب العقد؛ لأنهم لم يكونوا موجودين حال العقد, وإنما يتعلق حكم العقود بالأعيان.
يبين صحة هذا: أن حالفًا لو حلف: أن لا يأكل مما اشتراه زيد, فأكل من نتاج ذلك الشيء ولبنه, لم يحنث.
فثبت أن العقد لم يتعلق بهم, وإنما رجع المشتري على البائع
الجزء: 3 - الصفحة: 462
بقيمة الأولاد؛ لأنه ضمن له سلامة المبيع, ومن سلامته أن لا يلزمه غرم لأجله, فحين لم يسلم له ذلك رجع عليه بما غرمه, ألا ترى أن الثمن الذي غرمه المشتري بالعقد لا يتوزع على الأم وعلى الأولاد, فلم يرجع بالثمن لأجل الأم, وبالقيمة لأجل الأولاد؟ ولو كان العقد قد تناول الجميع, وتعلق حكمه بهم؛ لتوزع الثمن عليهم, كما يتوزع على سعرٍ, يعقد عليها عقدًا واحدًا.
واحتج بأن من أصلنا: أن الرد بقضاء قاضٍ يوجب رفع العقد من الأصل, وعود الشيء إلى ملك البائع على حكم الملك الأول, وإذا انفسخ العقد من الأصل, صار كأن الولد حصل في ملك البائع, فيجب رده عليه, ولما اتفقوا أنه لا يرد, ثبت أن الأم لا ترد.
ولا يلزم عليه الكسب؛ لأن العقد إذا انفسخ من الأصل, صار كأن الكسب حدث عل ملك البائع, وحدوثه على ملكه لا يوجب رده عليه, ألا ترى أنه لو غصب جارية, فاستغلها لم يجب عليه أن يرد على المغصوب منه, وإن كانت الغلة حادثة على ملكه؟
والجواب: أنا لا نسلم: أن الرد بالعيب بقضاء قاضٍ يوجب فسخ العقد في الأصل, وإنما هو فسخ في الحال, وهذه طريقة في المسألة.
والدلالة على ذلك: أنه فسخ بيع, فكان فسخًا في الحال, كالإقالة.
فإن قيل: الإقالة تدخل الشيء في ملكه بقبوله, فيصير كبيع مستقبل, وليس كذلك هاهنا؛ لأن الشيء يدخل في ملكه بغير قبوله,
الجزء: 3 - الصفحة: 463
فوجب أن لا يكون حكم ملكه حكم ملك مستقبل, كالوارث.
قيل له: علة الأصل تبطل بالمشتري إذا وجد العيب بعد القبض, فعندهم لا يرجع المبيع إلى البائع إلا برضاه وقبوله.
وليست الإقالة ببيع مستقبل, وإنما هو رفع عقد؛ لأنه لو كان فسخًا للعقد من الأصل لوجب أن يكون الكسب للبائع, فإذا وهب له هبة, أو أوصى له بوصية, ثم رد بالعيب أن يكون ذلك للبائع؛ لأنه حدث في ملكه, كما لو ابتاع شيئًا ابتياعًا فاسدًا, ثم ترادا؛ فإن النماء الحادث في يد المبتاع للبائع, فلما لم يكن للبائع, ثبت أنه قطع للعقد في الحال.
فإن قيل: فيجب أن تجب الشفعة؛ لأنه تمليك مبتدأ, وأن لا يرد على بائعه بالعيب.
قيل له: إنما لم تجب الشفعة؛ لأنها تستحق بالعقود, لا بالفسوخ, ألا ترى أنها لا تتعلق بالإقالة؛ لأنها فسخ, وإن كانت قطعًا للملك في الحال؟
وعلى أن الشفعة حجة لنا؛ لأنه لو كان رفعًا للعقد لوجب أن يسقط حق الشفعة بالفسخ, وأجمعنا على أنه لا يسقط.
وأما الرد بالعيب فلأنه لم يسلم له ما عقد عليه, فهو كالفسخ بالعنة؛ تملكه الزوجة, وهو فسخ في الحال.
واحتج بأن النماء مال جعل في يد المبتاع بسبب رقبة المبيع, فمنعه
الجزء: 3 - الصفحة: 464
من الرد بالعيب, كما لو كان المبيع عبدًا, فجنى عليه جناية, فأخذ المبتاع أرشها؛ فإن أخذه للأرش يمنع الرد بالعيب, كذلك إذا كانت جارية, فولدت, وأخذ ولدها, وجب أن يمنعه ذلك من الرد بالعيب.
والجواب: أنه يبطل بالكسب؛ فإنه حصل في يده بسبب الرقبة, ومع هذا لا يمنع الرد.
وعلى أن الجناية وأخذ الأرش لا يمنع الرد بالعيب على الصحيح من الروايتين, وهذه مسألة تأتي, ويمنع على الرواية الأخرى, ولكن ليس المانع هناك حصول المال, وإنما المانع النقص, ألا ترى أنه لو ذهبت يد العبد بأمر سماوي, منع الرد, وإن لم يكن هناك مال, فسقط ما قاله.
*فصل.
والدلالة على أن له إمساك الولد ورد الأم خلافًا لمالك: ما روت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الخراج بالضمان).
وروي في لفظ آخر: (الغلة بالضمان)؛ يعني: أن غلة الشيء تكون لمن ضمانه عليه, وضمان المبيع بعد العقد يكون على المبتاع, واسم الغلة يقع على الثمرة والولد وغير ذلك.
ولأنه نماء حادث في ملك المبتاع, فكان له إمساكه, ورد الأصل.
الجزء: 3 - الصفحة: 465
دليله: الثمرة.
واحتج المخالف بأن الحمل يجري مجرى الأعضاء بدليل: أنه يعتق بعتقها, فلما وجب رد أجزائها التي وقع عليها العقد, وإن زادت وعظمت في يد المشتري, كذلك الحمل.
الجواب: أن الأعضاء كانت موجودة حال العقد, فهي كالحمل الموجود حال العقد, فلهذا وجب ردها, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه نماء حدث بعد العقد, فهو كالثمرة.
واحتج بأنه حكم ثبت في رقبة الأم بسبب عقد, فوجب أن يكون ما حدث من الولد في حكمها.
دليله: ولد المكاتبة والمدبرة.
والجواب: أن هناك تبعها ولدها تغليبًا للحرية؛ لأن عقد الكتابة والتدبير أوجب عتاق الأم, فجاز أن نتبع الولد في حكمه تغليبًا للحرية؛ لأن مبناها على التغليب والسراية, وليس كذلك البيع والتسليم المستحق؛ فإنه غير مبني على التغليب, فلم يسر إلى الولد.
واحتج بأن ولد الماشية يتبعها في إيجاب الزكاة, وكذلك ولد الأضحية يتبعها في الإيجاب, كذلك هاهنا.
والجواب: أنا نقول له: لم كان كذلك؟ وما العلة الجامعة بينهما؟
على أن هذا يقابله أن ولد الجانية والمستأجرة لا يتبعها ولدها.
ثم ولد الأضحية حجة لنا, وذلك أن حق الفقراء تعلق بالأم,
الجزء: 3 - الصفحة: 466
فالولد يحدث على حكم ملكهم, فكان الولد تابعًا للأم في الأضحية, وهاهنا الولد يحدث على ملك المشتري, فيجب أن يكون الولد له.
وأما الزكاة فالمعنى فيها: أن الحول حال وهناك أولاد موجودون, فتعلق الإيجاب بهم, فمثاله: أن يكون هناك حمل موجود حين العقد, فيتبع الأم في الرد, ومثال الزكاة من مسألتنا: أن يحدث الأولاد بعد الحول, فلا يتبعون الأم في الإيجاب, كما حدث الولد هاهنا بعد العقد, فلا يتبع الأم في الرد.
...
322 -
مسألة
إذا اشترى أمة حاملاً, فولدت عنده, ثم وجد بها عيبًا, فأراد رد الأم, وإمساك الولد, لم يكن له ذلك, وكان بالخيار بين رد الأم مع الولد, والإمساك وأخذ الأرش:
أومأ إليه في رواية ابن منصور: وذكر له قول سفيان في رجل باع جارية, أو شاة, فولدت, أو نخيلاً لها ثمرة, فوجد بها عيبًا, أو استحق: أخذ منه قيمة الثمرة وقيمة الولد, إن كان أحدث فيهم شيئًا, أو كان باع, أو استهلك, فإن كان مات, أو ذهب به الريح, فليس عليه شيء.
قال أحمد: كما قال.
وظاهر هذا: أنه لم يحكم له بالنتاج, ولا الثمرة؛ لأنه قال: يضمن
الحديث: 322 - الجزء: 3 - الصفحة: 467
قيمة ذلك إذا رد الأم عند تعذر الرد فيهم, وليس هذا إلا على أن ذلك كان موجودًا حال العقد؛ لأنه قد نص فيما تقدم: أن الولد من الخراج, وأنه للمبتاع, فهو محمول على الولد الحادث.
وقوله: (إن مات أو تلف بجائحة لم يضمن)؛ لأن ذلك حصل في يده بسبب أذن فيه المالك, لا لينفرد بمنفعته, فلهذا لم يضمنه بغير عدوان, كالوديعة والعين المستأجرة.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: له إمساك الولد, ورد الأم.
وأصل هذا الخلاف: هل للولد حكم نفسه؟
ومعناه: إذا باع جارية حاملاً, أو ناقة حاملاً, فقسط الثمن عليهما, كأنه باع ناقة وفصيلها, وهو أحد القولين للشافعي.
وعلى القول الثاني: لا حكم له بنفسه, فهو كالسمن, فلا يأخذ قسطًا من الثمن, وإذا وضعت كأنه نماء تجدد حين الانفصال.
دليلنا: أن كل ما كان له قسط من الثمن إذا كان منفصلاً, كان له قسط منه إذا كان متصلاً, كاللبن.
أو نقول: مستكن يؤول إلى حال الظهور والانتفاع, فوجب أن يأخذ قسطًا من الثمن, كاللبن.
ثم الحمل أشبه الأشياء باللبن؛ لأن كل واحد منهما في وعاء يؤول
الجزء: 3 - الصفحة: 468
إلى حال الظهور والانتفاع.
واحتج المخالف بأنه لما تبع الأصل في العتق والبيع والذكاة, يأخذ قسطًا من الثمن, كاليد والرجل والسمن.
والجواب: أن اعتبار الحمل باللبن, أشبه من اعتباره بالأعضاء؛ لما ذكرنا, وهو: أنه مودع فيها, ومستكن فيها, ويفارق الأعضاء؛ لأنها متصلة بها.
فإن قيل: أليس لم يجعلوا له حكمًا في صحة اللعان عليه لنفي النسب؟ ولم يجعلوا له حكمًا في صحة الاستثناء في عقد البيع؟ كذلك يجب أن لا يجعلوا له حكمًا هاهنا.
قيل له: أما اللعان فهو يجري مجرى الحد؛ لأنه يتعلق بالقذف, والحد لا يثبت بغالب الظن, وليس كذلك تقسيط القيمة عليه؛ لأنه من الأحكام التي تثبت بغالب الظن.
وأما استثناؤه في البيع ففيه روايتان:
نقل ابن القاسم, وسندي, وغيرهما: أنه يصح.
فعلى هذا: لا يلزم؛ لأنه قد تعلق به حكم الاستثناء.
نقل حنبل والمروذي: لا يصح.
فعلى هذا: الحمل مجهول غير متحقق, والاستثناء إذا كان مجهولاً أبطل البيع بدليل: أنه لو قال: (بعتك هذه النخيل إلا نخلة) لم يصح لعدم التعيين وحصول الجهالة, وهذا معدوم في مسألتنا؛ لأنه كونه
الجزء: 3 - الصفحة: 469
مستورًا حال العقد لا يمنع تقسيط الثمن عليه, كما لم يمنع تقسيط الثمن على اللبن.
...
323 -
مسألة إذا اشترى جارية حاملاً, فولدت قبل القبض, أو بهيمة فنتجت, وولدت في يد البائع قبل القبض, ثم قبضها المشتري, لم يدخل الولد في البيع, ولا يكون له حصة من الثمن, وهو للمشتري, فلو وجد بالأم عيبًا ردها بجميع الثمن:
وهذا ظاهر كلامه في رواية ابن منصور: إذا اشترى غنمًا فنمت, ثم استحقت, فالنماء له إلا في المصراة.
ولم يفرق بين أن ينمو في يد البائع, أو المبتاع.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يدخل الولد في البيع, فإن قبضها المشتري انقسم الثمن على قيمة الأم يوم العقد, وقيمتة الولد يوم القبض, فإذا وجد بأحدهما عيبًا رده بحصته من الثمن.
دليلنا: أن الولد حادث في ملك المشتري, فوجب أن
الحديث: 323 - الجزء: 3 - الصفحة: 470
لا يدخل في البيع.
أصله: إذا حدث بعد القبض.
فإن قيل: إنما لم يدخل في البيع بعد القبض؛ لأن العقد يوجب شيئين؛ الملك والتسليم, وقد وجدا جميعًا, فلم يبق من حقوق العقد شيء, فلهذا لم يدخل في العقد.
وأما قبل القبض فالتسليم الموجب بالعقد باقٍ, وهو ثابت في رقبة الأم, فسرى إلى الولد, وإذا سرى دخل في العقد مع الأم, كسائر الحقوق الثابتة في رقاب الأمهات تسري إلى الأولاد نحو الاستيلاد والتدبير والكتابة.
قيل له: لا نقول: إنه يدخل في التسليم المستحق بالعقد, وإنما يجب على البائع تسليم الولد وغيره من النماء بحق الملك, لا بحق العقد, وثبوت التسليم في رقبة الأم لا يوجب ثبوته في الولد بدليل: الجناية, وتتعلق برقبة الأم, ويحق تسليمها بها, ولا يدخل الولد فيها.
والأمهات إذا حال عليها الحول, وجبت فيها الزكاة المتعلقة بالحول الماضي, وإن كانت ثابتة في رقبة الأم.
وأما ولد أم الولد والمدبرة والمكاتبة فالمعنى فيه: أنه مبني على التكميل والسراية, وليس كذلك البيع والتسليم المستحق به؛ فإنه غير مبني على التغليب, فلم يسر إلى الولد.
الجزء: 3 - الصفحة: 471
وطريقة أخرى, وهو: أن الولد إذا تلف في يد البائع لم يسقط بتلفه شيء من الثمن, ولو كان قد دخل في العقد, وانقسم الثمن عليه وعلى الأم, لوجب ان يسقط جزء من الثمن بتلف الولد, كما إذا اشترى الأم والولد المنفصل, ثم تلف الولد, سقط بتلفه جزء من الثمن.
فإن قيل: هذا لا يدل على أنه غير داخل في العقد, ألا ترى أنه لو تلف جزء من الجارية قبل القبض لم يسقط من الثمن شيء, ولا يدل هذا على أن ذلك الجزء غير داخل في العقد.
قيل له: الأطراف لا ينقسم عليها الثمن, وليس كذلك الولد؛ فإنه إذا دخل في العقد أخذ قسطًا من الثمن عند المخالف, ولو كان كذلك لوجب إذا تلف أن يسقط ما قبله من الثمن.
واحتج المخالف بأن حق التسليم بالعقد ثابت في رقبة الأم, فيجب أن يسري إلى الولد, كسائر الحقوق الثابتة في رقاب الأمهات نحو الاستيلاد والتدبير والكتابة, وإذا سرى إليه وجب تسليمه بالعقد, كما يجب تسليم الأم, وإذا وجب تسليمه بالعقد, صار داخلاً في العقد, فينقسم الثمن حينئذ عليهما, فإذا وجد بأحدهما عيبًا رده بحصته من الثمن, كما لو اشترى جاريتين, فقبضهما, ووجد بإحداهما عيبًا؛ أنه يردها بحصتها من الثمن.
والجواب عنه: ما ذكرنا, فلا وجه لإعادته.
الجزء: 3 - الصفحة: 472
324 -
مسألة
إذا وجد بالمبيع عيبًا بعد القبض انفسخ العقد بقول المشتري, ولم يعتبر في ذلك تراضيهما, ولا حكم الحاكم:
وهو ظاهر كلام أحمد في (مسائله) , وأن له الرد من غير اعتبار الرضا, وقد صرح به في رواية ابن القاسم في رجلين اشتريا ثوبًا, فوجدا به عيبًا, فرضي أحدهما, ولم يرض الآخر: فإن شاء أخذ أرش الثوب بقدر حصته, وإن شاء رد نصفه على البائع.
فقيل له: فإن البائع يقول: إن شئتما أخذتماه, وإن شئتما رددتماه؟ أرأيت لو اشترى ثوبين, فوجد بأحدهما عيبًا, لم يكن له أن يرد أحدهما؟ فقال: لا يشبه شراء واحد ثوبين شراء اثنين؛ لأن هذا يملك نصفه, ويملك الآخر نصفه.
فقد نص على أن لأحدهما أن يرد بقدر حصته بغير رضا البائع.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ العقد إلا بالتراضي, أو بحكم الحاكم.
دليلنا: أنه فسخ بيعٍ بعيبٍ, فلم يفتقر إلى رضا البائع, ولا حكم حاكم.
دليله: قبل القبض.
ولأنه فسخ عقد, فوجب أن يكون المتولي له قبل القبض المتولي له بعده, كالإقالة.
فإن قيل: قبل القبض لم تتم الصفقة, فالمشتري يمتنع من التزام
الحديث: 324 - الجزء: 3 - الصفحة: 473
تمامها, وهذا لا يقف على التراضي, كالرد في خيار الشرط, وفي مسألتنا الصفقة تمت, ويريد إبطالها بالرد, فهي كالإقالة يعتبر فيها رضا البائع, كذلك هاهنا.
قيل له: هذا باطل بخيار المخيرة إذا أعتقت تحت عبد؛ فإنها تملك الفسخ من غير رضا, ولا قضاء, وإن كانت الصفقة قد تمت.
وتبطل بالإقالة قبل القبض؛ فإن العقد لم يتم, ومع هذا فيقف على التراضي.
وعلى أنه قبل القبض في حكم التام بدليل: أن نفقتها وزكاة فطرتها وكسبها للمشتري, كما يكون ذلك بعد القبض, فلا فرق بينهما.
وطريقة أخرى, وهو: أن الفسوخ على ضربين:
فسخ بأمر مختلف في تعلق الفسخ به, كخيار امرأة العنين, فهذا يعتبر فيه حضور الحاكم.
وفسخ بأمر غير مختلف في تعلق الفسخ به في الجملة, ولكن اختلف في المواضع التي يتعلق الفسخ به, فلا يفتقر ذلك إلى الحاكم, مثل فسخ الأمة إذا أعتقت تحت عبد؛ لما أجمع عليه في الجملة لم يفتقر إلى الحاكم, وإن اختلف في موضع, وهو إذا أعتقت تحت حر.
كذلك الفسخ بالعيب مجمع عليه في الجملة, وإنما اختلف في مواضعه, فلم يفتقر ذلك إلى الحاكم, وهذا دليل معتمد في المسألة.
واحتج المخالف بأن ملك المشتري تم فيه, فلم ينفسخ
الجزء: 3 - الصفحة: 474
العقد بقوله, كالإقالة.
والجواب: أنه يبطل بخيار المخيرة؛ فإنها تملك الفسخ بقولها.
وعلى أنه غير مؤثر في الأصل؛ لأن الإقالة لا تحصل بقوله, وإن لم يكن ملك المشتري تامًا, وهو قبل القبض.
ثم نقلبه فنقول: وجب أن يستوي فيها القبض وبعده.
دليله: الإقالة.
ثم المعنى في الإقالة: أن القبول لا يجب على البائع, وفي مسألتنا القبول مستحق عليه, فلم يعتبر رضاه.
دليله: قبل القبض.
وعلى أنا قد جعلنا الإقالة حجة لنا.
فإن قيل: قد يجب عليه القبول, ولا ينتقل الملك إليه إلا برضاه, ألا ترى أن المضطر إلى طعام غيره إذا بذله مالكه, وجب عليه قبوله, ثم لا يملك بقول المالك إلا أن يرضى به.
قيل له: القبول هناك لحقه, فجاز أن يعتبر رضاه, وهاهنا القبول لحق غيره, فجاز أن لا يعتبر رضاه, إذا كان القبول لازمًا له.
دليله: قبل القبض.
واحتج بأن الإنسان لا يملك نقل الشيء من ملكه إلى ملك غيره إلا برضاه, إلا أن يكون له عليه ولاية.
ولا يلزم عليه الرد قبل القبض, والرد بخيار الشرط والرؤية؛ لأن
الجزء: 3 - الصفحة: 475
في خيار الشرط لم يملكه المشتري، وأما خيار الرؤية وخيار العيب قبل القبض، فالصفقة لم تتم، فالمشتري يمتنع من تمام الصفقة، فينتقل الملك من طريق الحكم.
والجواب: أن الطلاق ينقل ملك الزوج، ويدخل في ملكها، ولا يعتبر رضاها في ذلك، وكذلك إذا كان المبيع في يد البائع؛ فإنه ينقل ملكه عنه، ويدخل في ملك البائع.
...
325 -
مسألة
إذا علم بالعيب فهو على خياره ما لم يرض به، أو يفعل ما يستدل به على الرضا:
نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي: إذا اشترى عبدًا، فوجد به عيبًا، فاستخدمه بعد ذلك، فليس هذا برضا حتى يكون منه شيء بين، ويطول.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: إذا علم بالعيب، فلم يرده مع القدرة على الرد، بطل خياره.
دليلنا: أن الرد حصل قبل الرضا، وقبل أن يفعل ما يدل على الرضا، فصح.
دليله: إذا رده عقيب العلم.
الحديث: 325 - الجزء: 3 - الصفحة: 476
ولأنه خيار لرفع ضرر متحقق، فكان على التراخي.
دليله: خيار القصاص، وخيار المعتقة.
وعكسه: خيار الشفعة والمخيرة، وخيار المجلس والشرط؛ لأن ضرره غير متحققٍ.
ولا يلزم عليه نفي النسب؛ أنه على الفور؛ لأنه لا خيار هناك، بل يجب عليه نفي الولد، إذا علم أنه من زنا.
[....].
ولأنه ملك مستقر، فلم يبطل بالتأخير.
دليله: الدين الحال.
ولا يلزم عليه خيار القبول، وخيار الشفعة، وخيار المخيرة؛ لأن ذلك غير مستقر، وإنما جعل للتمليك وهذا تعلق بسبب مستقر؛ لأن المشتري وجب له على الائع تسليم المبيع بجميع أجزائه، فلم يسلم.
واحتج الخالف بأنه إذا علم بالعيب، فأمسك تبينا أنه مختار للمبيع؛ لأنه لا حظ له في الإمساك مع النقص المتحقق.
والجواب: أن هذا يبطل بخيار القصاص؛ فإنه لا حظ له في الإمساك عنه؛ لتحقق الضرر، ومع هذا فهو على التراخي.
ولأن هذا لا يدل على الاختيار، كما لم يدل ترك المطالبة بالدين
الجزء: 3 - الصفحة: 477
على اختيار الترك والإبراء؛ لأن كل واحد منهما حق مستقر.
ولأن ترك المطالبة بالرد يحمل على أنه اختار أخذ الأرش؛ لأن له أخذ الأرش عندنا.
واحتج بأنه خيار لرفع الضرر عن المال، وكان على الفور.
دليله: خيار الشفعة.
والجواب: أن خيار الشفعة جعل للتملك، فهو كخيار المخيرة، وخيار القبول، وذلك مقصور على المجلس، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه ملك مستقر، فلم يبطل بالتأخير، كالدين.
وجملة المذهب في الخيارات: أن خيار الرد بالعيب على التراخي ما لم يرض، أو يفعل ما يستدل به على الرضا، وكذلك خيار المعتقة كذلك؛ لأنه في معناه: أنه خيار نقص.
وأما خيار المخيرة وخيار الشفعة وخيار القبول، فإنه مقصور على المجلس؛ لأنه ليس بمستقر.
...
326 -
مسألة
إذا وطئ الأمة المبتاعة، ثم وجد بها عيبًا، فله أن يردها؛ بكرًا كانت، أو ثيبًا في أصح الروايتين:
نص عليه في رواية حنبل، فقال: إذا [اشترى أمة فوطئها، ثم
الحديث: 326 - الجزء: 3 - الصفحة: 478
ظهر على عيب] ردها، ورد غرتها؛ ثيبًا كانت أم بكرًا، فإن وطئها وقد علم [بالداء] لزمه، ولم يرد بالعيب.
قال- أيضًا- في رواية مهنا: إذا اشترى أمة، فزنت عنده، ثم ظهر على عيبٍ، يرد بالعيب.
وهو اختيار الخرقي، وبه قال مالك.
وفيه رواية أخرى: لا يملك الرد؛ بكرًا كانت، أو ثيبًا.
نص عليه في رواية أبي الصقر في من اشترى جارية بكرًا، فلم يجدها بكرًا، فوطئها: رجع على صاحبها بقيمة ما بين الكر والثيب، وهي جائزة عليه إذا كان قد وطئها.
وكذلك نقل الأثرم عنه قال: قد قال قوم: إذا وطئ فله ما بين العيب والصحة، وإذا لم يطأ ردها، وأخذ المال، قال: وأنا أسوي بينهما؛ وطئ، أو لم يطأ، [له] ما بين العيب والصحة.
وهو اختيار أبي بكر، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: إن كانت ثيبًا فله الرد، وإن كانت بكرًا لم يكن له الرد.
وجه الرواية الأولى: أنه وطئ، فلم يكن له الرد بالعيب.
دليله: إذا كانت مزوجة، فوطئها الزوج، أو غصبها المشتري من
الجزء: 3 - الصفحة: 479
البائع قبل دفع الثمن إليه، ووطئها، فطالب البائع بردها إلى يده إلى أن يقبض الثمن، فردت إليه، فوجد المشتري بها عيبًا، كان له ردها، ولم يمنع الوطء من الرد على البائع.
وإن شئت قلت: لم يمنع من الرد.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: وطء الزوج مستحق بسبب كان في يد البائع، فصار كأنه حصل في يد البائع، ولهذا قال أبو حنيفة: إذا قتل العبد في يد المشتري بقصاصٍ أو بردةٍ فإنه يرجع بجميع الثمن؛ لأن قتله كان مستحقًا بسببٍ كان في يد البائع، فصار كأنه قتل في يد البائع.
قيل له: وكذلك المشتري يطأ بسبب كان في يد البائع، وهو البيع، فلا فرق بينهما.
ثم هذا باطل بالبكر إذا وطئها الزوج؛ فإن هذا وجد بسببٍ كان في يد البائع، ومع هذا لا يملك الرد.
فإن قيل: ليس المانع من ردها الوطء الذي هو مستحق، وإنما المانع إتلاف جزء منها، والإتلاف غير مستحق بعقد النكاح؛ لأن الزوج إنما يستحق بعقد النكاح الوطء دون إتلاف العضو، ألا ترى أنه لو تزوجها على أنها بكرًا، فوجدها ثيبًا، لم يكن له خيار؟ وكذلك لو كانت بكرًا، فذهبت بكارتها بوثبة أو حيضة، لم يكن له خيار.
الجزء: 3 - الصفحة: 480
قيل له: الوطء لا يتوصل إليه إذا كانت بكرًا إلا بإتلاف ذلك الجزء، فيجب أن يكون إتلافًا مستحقًا، ولهذا نقول: ما لا يتوصل إلى فعل الواجب إلا به، يكون واجبًا مثله.
فإن قيل: إذا تزوج أمة غيره، وهي آبقة، لم يتوصل إلى وطئها إلا بالتسليم، والوطء مستحق، والتسليم غير مستحق.
قيل له: التسليم مستحق إلا أنه عند القدرة.
فإن قيل: المعنى فيه إذا غصبها المشتري، ووطئها قبل إيفاء الثمن، وطالب بها البائع، فرجعت إليه: أنه لا يمنع ذلك من الرد بالعيب؛ لأنه لما طالبه بردها إلى يده موطوءة، كان راضيًا بالنقص والعيب، ولهذا قال أبو حنيفة: لو غصبها المشتري، وقطع يدها، فطالب البائع بردها إليه، فردت إليه، ثم وجد بها عيبًا، كان له ردها.
قيل له: البائع لما طالب بردها إليه، فإنما رضي بإمساكها على ملك المشتري معيبة على سبيل الوثيقة له إلى أن يستوفي ثمنها، ولم يرض بأن ترد إلى ملكه معيبةً.
فإن قيل: إذا ردت إلى الائع زالت يد المشتري، ويكون الوطء بمنزلة ما وجد في يد البائع.
قيل له: وطء المشتري في يد البائع بغير إذنه يمنعه من الرد عند المخالف.
على أنا قد بينا: أن وطء المشتري بسببٍ كان في يد البائع، فيجب
الجزء: 3 - الصفحة: 481
أن يكون بمنزلة الموجود في يده.
وعلى أن القبض يقطع في الحال، ولا يزال من أصله حتى كأنه لم يوجد.
وقياس آخر، وهو: أن الوطء معنى لو حصل من الزوج لم يمنع من الرد بالعيب، فإذا حصل من المشتري يجب أن لا يمنع.
دليله: الاستخدام.
يبين صحة هذا: أن الاستخدام يكد ويتعب، والوطء يكد ويمتع، فإذا لم تمنع الخدمة، فأولى أن لا يمنع الوطء.
فإن قيل: الوطء لا يشبه الاستخدام؛ لأنه لو اشترى جارية على أنه بالخيار ثلاثة أيام، فوطئها، بطل خياره؛ كما لو جنى عليها، ولو استخدمها لم يبطل خياره.
قيل له: اختلفت الرواية في الاستخدام؛ هل يقطع خيار الشرط؟
فروى العباس بن محمد عنه في من اشترى دارًا، وجعل له فيها الخيار، فحدث فيها حدث خراب من مطر أو غيره قبل محل الأجل، ثم شاء ردها: فإن سكنها فهو الجاني، بمنزلة ثوب جعل فيه الخيار، ثم لبسه.
وظاهر هذا: أنه أسقط خياره بالسكنى، واللبس، كما يسقط الوطء، فعلى هذا: لا فرق بين الوطء وبين الاستخدام في ما ذكر.
الجزء: 3 - الصفحة: 482
وروى أبو الصقر عنه: إذا اشترى جارية بشرط الخيار يومًا، أو يومين، فغسلت رأسه، أو غمزت رجله، أو طبخت وخبزت، لم تجب بذلك الفعل حتى يبلغ منها ما لا يحل لغيره، فيبطل خياره.
وظاهر هذا: أن الاستخدام لا يبطل الخيار.
فعلى هذا: الفرق بينهما: أن الاستخدام لو وجد من البائع لم يكن فسخًا، فإذا وجد من المشتري لم يكن رضًا، وليس كذلك الوطء؛ فإنه لو وجد من البائع كان فسخًا، فإذا وجد من المشتري كان رضًا وإمضاءً.
فإن قيل: لو استخدم جارية غيره، لم يلزمه شيء، ولو وطئها لم يخل من إيجاب حد، أو مهر، فعلم أن الوطء مخالف للاستخدام.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل نقول: إنه يلزمه أخذ المثل للاستخدام، كما يلزمه المهر بالوطء.
واحتج المخالف بأن الوطء بمنزلة إتلاف جزء منها في الحكم، بدلالة ما روي عن علي: أنه قال: إذا وطئها المشتري، ثم وجد بها عيبًا: يردها، ويرد معها عشر ثمنها، إن كانت بكرًا، أو نصف العشر، إن كانت ثيبًا.
وإن جنى عليها، ثم وجد بها عيبًا، ردها، ورد أرش الجناية.
فحصل من اتفاقهما جميعًا على أن وطأها يجري مجرى الجناية
الجزء: 3 - الصفحة: 483
عليها؛ لأن كل واحد منهما حكم في وطئها بما حكم في الجناية عليها.
ثم لو جنى عليها، ثم وجد بها عيبًا، لم يكن له أن يردها، ويرجع بأرش العيب، كذلك إذا وطئها.
والجوا: أنه ليس في ما روي عنهما ما يدل على أنه يجري مجرى الجناية؛ لأن عمر قد جعل له الرد، والجناية تمنع من الرد، وإنما أوجب رد المهر لأجل الوطء الذي حصل من جهته، وليس في هذا ما يدل على أنه يجري مجرى الجناية.
وأما ما روي عن علي: أنه قال: لا يرد، فليس ذلك؛ لأنه يجري مجرى الجناية، لكن لأنه يحتمل أن يكون حصل من الوطء حمل، أو وطئ بعد العلم، فلهذا منع من الرد.
واحتج بأن الوطء يجري مجرى الجناية بدلالة: أنه إذا وجد في ملك الغير، لم يخل من إيجاب حد، أو مهر، كما لا تخلو الجناية من مال، أو عقوبة، ولا تستباح بالإباحة، وتنقص من ثمنها.
ثم ثبت: أن الجناية تمنع من الرد، كذلك الوطء.
والجواب: أن في الجناية روايتين، أصلهما إذا ابتاع ثوبًا، فقطعه، ثم ظهر على عيب، أو حدث عنده عيب، ثم ظهر على عيب آخر، هل يمنعه ذلك من الرد، أم لا؟
على روايتين:
الجزء: 3 - الصفحة: 484
إحداهما: لا يمنع، وهو المشهور في المذهب.
وقد نص عليه في الجناية في رواية حنبل: وذكر له قول الحكم في الغلام يبتاعه سيده، وبه داء لم يتبينه، ثم يحدث نده، فتقطع يده: يرده أقطعًا، ويأخذ دراهمًا، فقال أحمد: أذهب إلى قول الحكم.
فقد نص على ذلك.
وهذا فصل يأتي الكلام عليه.
وعلى أنه لا يجري مجرى الجناية، ألا ترى أن الغاصب لو وطئها لم يلزمه أرش النقص عندهم، ولو جنى عليها لزمه الأرش؟
والزوج لو وطئها لم يمنع الرد، ولو جنى عليها منع الرد.
ولو وطئ البهيمة جاز له ردها، ولو جنى عليها لم يكن له الرد.
ولو وطئها المشتري، وأراد بيعها مرابحة جاز، وإن لم يبين، وكان بمنزلة الجناية لزمه أرش، كما لو جنى عليها.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد في رواية إسحاق بن هانئ في الرجل يشتري الأمة، فيطؤها، فأراد بيعها: يبين للمشتري أنه قد وطئها؟
قيل له: هذا على طريق الاستحباب؟ [قال]: لا، إنه واجب.
وما ذكروه من أنه لا يستباح بالإباحة، فيبطل باللمس لشهوةٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 485
والقبلة؛ فإنه لا يستباح بالإباحة، وليس بجناية.
وقولهم: (لا يخلو فعله في ملك الغير من مال، أو عقوبة) فليس كذلك؛ لأن العبد إذا وطئ مولاته بشبهة، فلا عقوبة عليه، ولا مال، وكذلك إذا جنى عليها جناية خطأ، لم يجب مال، ولا عقوبة، فلم يصح ما قالوه في الوطء، ولا في الجناية.
وقولهم: (إن الوطء ينقص من ثمنها) خطأ؛ لأن الوطء يلذها، وينزهها، ويزيد في ثمنها، والسكوت عن هذا السؤال أحسن.
واحتج بأنه لو ردها بالعيب بقضاء القاضي لانفسخ العقد من الأصل، وعادت الجارية إلى البائع على حكم البيع الأول؛ كأنه لم يكن بينهما بيع، ويحصل وطء المشتري في ملك الغير، والوطء في ملك الغير لا يخلو من إيجاب حد، أو مهر، واتفقوا أنه لا يجب عليه حد، ولا مهر، وجب أن لا يرد.
والجواب: أنا لا نسلم أن ذلك فسخ للعقد من الأصل، وإنما هو فسخ في الحال، كالإقالة.
وقد تكلمنا على هذا الفصل في ما تقدم.
وعلى أنه لا يمتنع مثل هذا، ألا ترى أن الموهوب له لو وطئ الجارية الموهوبة كان للواه أن يرجع فيها، فإذا رجع فيها انفسخ العقد من الأصل، وصارت الجارية على حكم الأول؟
الجزء: 3 - الصفحة: 486
ثم لا يجوز أن يقال: الوطء يحصل في ملك الغير، فلا يخلو من إيجاب حد، أو مهر، وإذا لم يجب واحد منهما لم يجز الرجوع فيها، كذلك هاهنا.
واحتج بأن الوطء معنى يوجب المهر، فإذا وجد من المشتري في الجارية المشتراة منع الرد، كالعقد.
ولأنه معنى تصير به المرأة فراشًا، فهو كعقد النكاح.
والجواب: أن قولهم: (يوجب المهر، وتصير به فراشًا) لا تأثير له؛ لأنه لو أفضاها بإصبعه، أو زنت؛ فإنه يمنع الرد عندهم، وإن لم يوجد المعنى الذي قالوه.
وعلى أن التزويج قد توقف عنه أحمد في رواية مهنا: وقد سأله عن رجل اشترى جارية، فزوجها، ثم ظهر على عيب، فأعرض عنه، ولم يخبره بقوله، وقال: قد اختلفوا.
ويجب أن يكون تحصيل المذهب في تزويجها: أنه يجري مجرى عيبٍ حدث عنده؛ لأنه قد قال في رواية حنبل: إذا اشترى جارية، فوجدها مزوَّجة: أنه يملك الرد، وهو عيب.
وإذا ثبت أنه يجري مجرى عيبٍ حدث عند المشتري، فالعيب الحادث لا يمنع الرد على ما نبينه في ما بعد.
واحتج بأنها لو زنت لم يجز ردها بالعيب؛ لأن الزنا عيب في الجارية يوجب نقصان الثمن في العادة، وكذلك وطء المشتري.
الجزء: 3 - الصفحة: 487
والجواب: أنا قد بينا: أن وطء المشتري ليس بنقصٍ لها.
وعلى أن زنا الأمة لا يمنع ردها بالعيب.
نص عليه في رواية مهنا، وقد ذكرناه في أول المسألة، وجملته: أنه يجري مجرى عيبٍ حدث عنده، وذلك لا يمنع الرد مع الأرش.
*فصل:
والدلالة على أن وطء البكر لا يمنع الرد- أيضًا- خلافًا للشافعي: أنه وطء وجد بعد ثبوت سبب الفسخ، فاستوى فيه البكر والثيب.
دليله: إذا ابتاع أمة بشرط الخيار، فوطئها؛ فإن خياره يبطل؛ بكرًا كانت، أو ثيبًا.
يجب أن لا يبطل حق الفسخ هاهنا في البكر، كما لم يبطل في الثيب.
ولأنه فسخ عقد لا يمنع منه وطء الثيب، فلا يمنع منه وطء البكر.
دليله: الرجوع في الهبة والنكاح.
وكل وطء لا يمنع خيار الرجوع في الهبة والنكاح لا يمنع الرد بالعيب.
دليله: وطء الثيب.
ولأنه لو استخدمها لم يمنع الرد، كذلك إذا وطئها.
دليله: الثيب.
فإن قيل: وطء الثيب لا يوجب إتلاف جزء منها، فلهذا لم يمنع
الجزء: 3 - الصفحة: 488
الرد، وليس كذلك البكر؛ لأن وطأها يوجب إتلاف جزء منها، فلهذا منع الرد، كالجناية.
قيل: علة الأصل تبطل إذا عرضها على البيع، أو رضيها، أو زنت، وهي ثيب؛ فإن ذلك لا يوجب إتلاف جزء منها، ومع هذا يمنع الرد.
وأما علة الفرع فتبطل بحلب لبن المصراة، وقطع ما مأكوله في جوفه؛ فإنه لا يمنع الرد، وإن كان إتلافًا.
وكذلك الإجارة إذا مضى بعض المدة، ثم ظهر على عيب، ملك الفسخ، وإن كان قد تلف بعض المدة المعقودة عليها.
وكذلك فسخ النكاح بالعيب بعد وطء البكر يصح، وإن كان بعد إتلاف جزء منها.
ولا معنى لقولهم: (إن حل لبن المصراة، وقطع ما مأكوله في جوفه مما يختبر به المبيع)؛ لأن ذهاب البكارة مما يتوصل به إلى الوطء.
وعلى أنه لو كان كذلك لتقدر بمدة كخيار الشرط؛ لما كان لاختبار المبيع تقدر عندهم بالثلاث، فلما لم يتقدر لم يكن علته ما قالوه.
ونبني المسألة على أصل، و [هو] أن إتلاف جزء من المبيع لا يمنع الرد بالعيب، وكذلك حدوث عيب عنده، والجناية على جزء منه، كذلك ذهاب البكارة ليس فيه أكثر من ذلك، فلم يمنع الرد.
وبنى المخالف هذا الفصل على هذا الأصل، ويأتي الكلام عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 489
327 -
مسألة
إذا تصرف المشتري في المبيع أن كان ثوبًا فقطعه، أو حدث به عنده عيب، أو جنى عليه جنايةً، ثم ظهر على عيبٍ كان عند البائع، فهو بالخيار:
إن شاء رد مع أرش النقص الحادث، ويأخذ الثمن.
وإن شاء أمسك، ورجع بأرش العي الذي كان عند البائع.
في أصح الروايتين:
نص عليه في مواضع:
فقال في رواية حرب ويعقو بن ختان وأبي طالب ومهنا وإبراهيم بن هانئ وأبي الحارث: إذا اشترى ثوبًا فقطعه، ثم ظهر به على عي، فهو مخير؛ فإن رده رد نقصان ما حدث فيه، وإن حبسه رجع لى البائع قدر نقصان العيب.
وقال في رواية بكر بن محمد، عن أبيه، عنه: إذا اشترى سلعة، فوجد بها عيبًا، وحدث عنده عيب آخر، فالمشتري بالخيار؛ إن شاء أن يرد السلعة، ويعطي أرش ما حدث عنده من العيب، وإن شاء أن يأخذ أرش العيب الذي دلس.
الحديث: 327 - الجزء: 3 - الصفحة: 490
وقال في رواية حنبل: وذكر له قول الحكم في الغلام يبتاعه، وبه داء لم يتبينه، ثم يحدث، فتقطع يده: يرده أقطعًا، ويأخذ دراهمه، فقال أحمد: أذهب إلى قول الحكم.
وهو اختيار الخرقي، وبه قال مالك.
أومأ إليه في رواية الأثرم ومحمد بن الحسن بن هارون في الرجل يشتري الثوب فيقطعه، أو يصنعه، ثم يجد به عوارًا: فله ما بين العيب والصحة.
وقد خرجها أبو بكر على روايتين كالوطء، واختار أن له الأرش.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وجه الرواية الأولى: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المصراة: (إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمرٍ).
ولم يفرق بين أن يحدث عنده، أو لا يحدث.
وروى الخلال في (العلل) بإسناده عن ابن سيرين، عن عثمان في رجل اشترى ثوبًا، فلبسه، ثم رأى به عيبًا: يرده وما نقصه.
وأيضًا فإن أصاب عيبًا لم يقف على محله، فملك الرد.
دليله: إذا لم يتلف جزء منه.
الجزء: 3 - الصفحة: 491
ولا يلزم عليه إذا تلف المبيع، أو باعه، أو أبرأه المشتري منه بعد العلم به؛ لأنه يستوي فيه الأصل والفرع.
ولأنه خيار لا تمنع منه الخدمة، فلا يمنع منه إتلاف جزء.
دليله: خيار الشرط وخيار الهبة.
فإن قيل: الخدمة لا توجب إتلاف جزء من المبيع، وهذا يوجب إتلاف جزء منه.
قيل: حلب لبن المصراة، وقطع ما مأكوله في جوفه، وقطع يد العبد في يد المشتري بجناية سابقة في يد البائع، يوجب إتلاف جزء منه، ومع هذا لا يمنع الرد، وكذلك الإجارة إذا ذهبت بعض المدة، وظهر على عيب.
فإن قيل: خيار الشرط والهبة يرجع المبيع إليه والهبة باختياره، فلهذا لم يمنع منه إتلاف جزء، وهاهنا يرجع إليه بغير اختياره.
قيل: المصراة، وما مأكوله في جوفه، والعبد الجاني يرجع إليه بغير اختياره، ومع هذا لا يمنع ذلك الرد.
وأيضًا فإن إتلاف جزء من المبيع لا يمنع الرد.
دليله: حلب لبن المصراة، وقطع ما مأكوله في جوفه، لا يمنع الرد عند الشافعي.
وقطع يد العبد الجاني في يد المشتري لا يمنع الرد عند أبي حنيفة.
وكذلك حدوث النماء في يد المشتري، ثم ظهر على عيب،
الجزء: 3 - الصفحة: 492
لا يمنعه ذلك من الرد عند أبي حنيفة، وإن كان ذلك النماء موجب بالعقد.
فإن قيل: المعنى في حلب لبن المصراة، وقطع ما مأكوله في جوفه: أنه مما يختبر هـ المبيع، فلهذا لم يمنع الرد.
قيل: لو كان لهذه العلة لتقدر بمدة؛ كخيار الشرط؛ لما كان لاختار المبيع تقدر عندهم بالثلاث، فلما لم يتقدر لم يكن لهذه العلة.
وعلى أن هذا يبطل بتلف بعض المنفعة المعقود عليها؛ فإن ذلك لا يمنع الرد، وإن لم يكن للاختبار.
فإن قيل: النقصان الحادث بقطع يد العبد كان بسبب في يد البائع.
قيل له: وطء الزوج لها إذا كانت بكرًا مستحق بسببٍ سابق في يد البائع، وعندهم يمنع الرد.
ولأن أكثر ما في ذلك أنه يرد بعض المبيع، وهذا لا يمنع الرد بدليل: أنه لو اشترى عبدين، فوجد بأحدهما عيبًا، كان له رد المعيب، وإمساك الصحيح في أصح الروايتين لنا، وأصح القولين لهم.
وكذلك لو مات أحد العبدين، ووجد بالآخر عيبًا، كذلك هاهنا.
وطريقة أخرى مليحة، وهو: أن كل عقد جاز فسخه العيب- إذا كان المعقود عليه سليمًا- جاز فسخه بالعيب، وإن تلف بعضه، كالإجارة؛ إذا ظهر على عيب في الدار المستأجرة، وقد مضى أيام من المدة، ملك الفسخ، وإن كان قد تلف بعض المعقود عليه، كذلك هاهنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 493
ولأن ما أوجب الرجوع الثمن إذا لم يحدث عيب عند المشتري، أو إذا لم يتلف جزء، أوجبه، وإن حدث وتلف.
أصله: استحقاق المبيع.
ولأن إتلاف بعض المبيع لا يمنع من الفسخ بالعيب، وهو: إذا ابتاع عبدًا بجارية، وتقابضا، وماتت الجارية، ثم ظهر على عيب في العبد، كان له الفسخ في العبد، ويكون فسخًا في الجارية التالفة والعبد، كذا هذا.
وطريقة أخرى، وهو: أن البائع أولى بالحمل عليه من المشتري؛ لأنه لا يخلو:
إما إن يكون علم بالعيب، فقد دلس، ودخل على أن المبيع مردود عليه.
أو يكون لم يعلم بذلك تفريطًا منه وتقصيرًا.
فلم يلزم المشتري منه شيء، وكان البائع أولى بالحمل عليه.
ولا يجوز أن يقال: إن المشتري فرط بترك التأمل؛ لأنه لو كان مفرطًا لسقط حقه من الرد.
واحتج المخالف بأنه لو حدث النقص بالمبيع قبل القبض لم يجبر
الجزء: 3 - الصفحة: 494
المشتري على أخذ السلعة معه؛ لأن النقص حصل بالمبيع في حالةٍ هو مضمون فيها على البائع، كذلك إذا حدث بالمبيع النقص في يد المشتري وجب أن لا يجبر البائع على أخذ المبيع مع ذلك النقص؛ لأنه حدث بالمبيع، وهو مضمون على المشتري.
والجواب: أن البائع لو حلب اللبن، وقطع ما مأكوله في جوفه، لم يجبر المشتري على قبوله على قول المخالف، ولو حدث في يد المشتري أجبر البائع على قبوله.
وكذلك لو قطعت يد العبد في يد البائع لم يجبر المبتاع على قبوله، ولو قطعت في يد المبتاع بجناية سابقة أجبر البائع على قبوله.
ولأنا قد بينا: أن البائع أولى بالحمل عليه من المبتاع، فلهذا كان حدوثه في يد البائع يمنع قبوله، وحدوثه في يد المبتاع لا يمنع الرد.
واحتج بأن الرد بالعيب إنما وضع لإزالة الضرر، وفي رده على البائع بعيبٍ إلحاق ضرر به، والضرر لا يزال بالضرر.
والجواب: أنا قد بينا: أن البائع أولى بالحمل عليه من المبتاع.
ولأن هذا المعنى يبطل بحلب لبن المصراة، وقطع ما مأكوله في جوفه، وقطع يد العبد، وتلف بعض المنفعة المستأجرة؛ فإن في ذلك ضررًا على البائع والمؤجر، ومع هذا لم يمنع ذلك من الرد.
فإن قيل: إلحاقه بالمشتري أولى؛ لأن فيه سلامة للعقد، وحفظًا
الجزء: 3 - الصفحة: 495
له، وإذا ألحقناه بالبائع كان فيه فسخ للعقد، وإبطال له، وما عاد بسلامة العقد وحفظه فهو أولى.
ولهذا نقول: إذا ضربت المدة للعنين، فقال: قد أصبتها، وأنكرت، فإن القول قول الزوج حفظًا للعقد، وسلامة له، كذلك هاهنا.
قيل: فيجب أن يسقط حق الرد جملةً؛ لأن فيه سلامة العقد، ويرجع بالأرش.
ويجب- أيضًا- أن يسقط حقه من الرد في المصراة، وما مأكوله في جوفه، وفي الإجارة؛ للمعنى الذي ذكرت، ولما لم يقل هناك، كذلك هاهنا.
ولا يشبه هذا ما ذكروه من اختلافهما في الإصابة: أن القول قول الزوج؛ لأن المرأة تدعي معنى ترفع به العقد، فلم تقبل دعواها.
فإن قيل: ففي إثبات الرد بعد التصرف إثبات ضرر على البائع من وجه آخر، وذلك أنكم تقولون: إذا كان البائع قد دلس العيب، فتصرف المشتري، ملك الرد، ولا يغرم الأرش.
قيل: للغرور والتدليس تأثير في إسقاط الضمان بدليل: المغرور في النكاح، يرجع بالمهر على من غره، ويرجع بقيمة الأولاد، فالرجوع
الجزء: 3 - الصفحة: 496
بقيمة الأولاد قولًا واحدًا، والمهر على قولين، كذلك هاهنا، وإثبات الرجوع يفضي إلى أن تنفك جنايته عن أرش.
ولأنه تدليس بعيب، فأثر في إسقاط ما كان يجب من غير تدليس.
دليله: إذا غرت المرأة من نفسها بالعيوب، ثم فسخ الزوج النكاح قبل الدخول؛ فإنه يسقط نصف المهر الذي كان يستحق بالطلاق.
فإن قيل: إنما سقط؛ لأنه لم يتلف عليها شيئًا من المنافع.
قيل: هذا يبطل بالطلاق قبل الدخول؛ فإنه لم يتلف عليها شيئًا، ومع هذا يرجع بنصف الصداق، فما كان يمنع أن يرجع هاهنا.
ولما قلت: يسقط؛ لأن سبب الفسخ جاء من جهتها، كذلك هاهنا، جاز أن يسقط؛ لأن سبب الإسقاط جاء من جهته، وهو التدليس.
فإن قيل: التدليس لا يسقط الرجوع بالعوض بدليل لبن المصراة يضمنه بالصاع، وإن كان ذلك عن تدليس.
قيل: فرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن هناك حصل له عوض، وهو اللبن، وهاهنا ما حصل له عوض، وفرق بينهما.
[....] أنهم قالوا: يرجع بقيمة الأولاد قولًا واحدًا، وفي المهر على قولين؛ لأنه قد حصل عوض، وهو الوطء.
الجزء: 3 - الصفحة: 497
وجواب آخر، وهو: أن الضمان هناك [ثبت] بالشرع على وجه يخالف الأصول، وهو التقدير بالصاع، فلا يقاس عليه، كما لا يقاس جنين الأمة على جنين الحرة إذا سقط ميتًا، بل وجب الضمان هناك ما نقصت الأم، ولم يجب ضمان الجنين.
وكذلك لو اطلع إلى دار غيره، فقلعت عينه، لم تضمن، ولو دخل الدار بجملته ضمنت عينه.
...
328 -
مسألة
إذا اشترى شيئًا مأكولًا في جوفه، كالجوز واللوز والبيض والرمان والبطيخ، فكسره، فوجده فاسدًا، فنقل ابن منصور: له الرد، وأخذ الثمن:
ونقل بكر بن محمد: ليس له الرد، ولا المطالبة بالأرش.
وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: ليس له الرد، وله الأرش.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قول أبي حنيفة.
والثاني: له الرد.
الحديث: 328 - الجزء: 3 - الصفحة: 498
فالدلالة على أن له الرد: ما تقدم من المسألة التي قبلها.
ومن منع من الرد فوجهه ما تقدم.
ومن أسقط حقه من الرد والأرش فوجهه أن لم يكن من البائع تفريط؛ لأنه ما كان يمكنه اختبار المبيع إلا بفساده، وهذا فاسد؛ لأنه يلزم عليه العيوب الباطنة من الحيوان، لا يمكنه اختبار المبيع إلا بفساده، ومع هذا يملك الرد، أو الأرش.
ولأنه مبيع ظهر به عيب قبل العقد، فملك الرد، كسائر المبيع.
...
329 -
مسألة
إذا اطلع المشتري على العيب، فطالب بأخذ الأرش مع إمكان الرد، جاز:
نص عليه في رواية المروذي وأبي الحارث وأبي طالب وابن القاسم وبكر بن محمد.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: ليس له ذلك.
دليلنا: أنه أصاب بالمبيع عيبًا كان في يد البائع، لم يقف على محله، فجاز أن يثبت له الأرش.
دليله: إذا حدث به عيب عند المبتاع.
الحديث: 329 - الجزء: 3 - الصفحة: 499
ولا يلزم عليه إذا تلف المبيع في يد المشتري، أو باعه، أو أبرأه من العيب؛ لأنه ثبت له الأرش هناك وسقط.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه تعذر رد العين، فلهذا ملك المطالبة بالأرش، وهاهنا لم يتعذر.
قيل: لا نسلم هذا في الأصل؛ لأن له الرد، وقد حكينا ذلك فيما تقدم.
ولأنه لما كان [له] الفسخ في الكل، وأخذ جميع الثمن، كان له ذلك في النقص، كما لو ابتاع عبدين، فوجد بأحدهما عيبًا، كان بالخيار بين الفسخ في الجميع وأخذ الثمن، وبين الفسخ بالمعيب وإمساك الصحيح على الصحيح من الروايتين لنا، وأحد القولين للشافعي، وعند أبي حنيفة أيضًا، كذلك هاهنا.
ولأن خيار الرد بالعيب يؤول إلى مال، [....] الرد، كما أن خيار القصاص [....] أن ولي المجني عليه بالخيار بين القصاص، أو أخذ الدية، كذلك في العيب.
ولأن العيب فوات جزء استحق تسليمه بعقد البيع، فملك المطالبة بقيمته.
الجزء: 3 - الصفحة: 500
دليله: لو بان أن بعضه مستحقًا؛ فإن للمبتاع إمساك الباقي، والمطالبة بقيمة المستحق، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن البائع دخل على أن يخرج هذه العين وحدها بالثمن، فلا يلزمه أكثر منها.
والجواب: أنه دخل على أن يخرج هذه سليمة بالثمن، فلم تخرج سليمة، فلهذا لم يستحق كمال الثمن.
واحتج بأنه لو ابتاع عبدًا على أنه كاتب، أو خباز، فبان بخلاف ذلك؛ أنه لا يملك المطالبة بالأرش، بل يكون مخيرًا بين الفسخ وأخذ الثمن، وبين الإمساك بالثمن، فكذلك في العيب.
والجواب: أنا نقول له: من أين قلت هذا؟ وما أنكرت على من قال: إن له المطالبة بالأرش، كالعيب؟!
فإن قيل: فما تقولون في من اشترى ثوبًا على أنه عشرة أذرع، فبان تسعة؟
قيل له: نقول فيه مثل ما قلنا في العيب: هو الخيار بين فسخ العقد وأخذ الثمن، وبين إمساكه والمطالبة بقيمة الذراع.
نص عليه أحمد في موضعين:
أحدهما: ما نقله أبو حفص العكبري في رواية الحسن بن محمد ابن الحسن: وقد سئل ن رجل اشترى ثوبًا على أنه اثنا عشر ذراعًا، فإذا هو أحد عشر ذراعًا: فهو الخيار؛ إن شاء رده، وإن شاء أخذه،
الجزء: 3 - الصفحة: 501
وله ثمن ذراع.
وروى ابن مشيشٍ عنه في رجل اشترى ألف بطن قصبٍ، فعده، فإذا هو تسعمئه: يأخذ من الثمن بقدر القصب، وكذلك من الطعام.
ونقل ابن منصور عنه: وذكر له قول سفيان: إذا اشترى مئة ثوب، فوجدها تسعين، فالمشتري بالخيار، ولو زادت على مئة، فالبيع مردود.
قال أحمد: كما قال.
فقد جعل له الخيار في النقصان، وأما في الزيادة فقد نقل عنه: أن البيع مردود.
ونقل عنه في موضع آخر: الزيادة للبائع، وهذا يمنع البطلان.
ففي الجملة قد نص على [أن نقصان] المبيع في القدر يجري مجرى نقصانه بالعيب، وأن المشتري [مخير بين الفسخ] وبين الإمضاء والمطالبة بقيمة الجزء الناقص، كالعيب سواء.
[....] تزوج امرأة على ألف ذراع، فإذا هي سعمئة: هي ... .
بمنزلة قوله: أكلت رغيفًا ورغيفًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 502
وقياس آخر، وهو: أنه بيع في أحد طرفيه عاقدان، فجاز تبعيضه في الرد بالعيب.
ونقول: فلم نعتبر أحدهما في الرد بحكم الآخر.
دليله: لو باع رجلان من رجل عبدًا، فيكون البائع اثنين، والمشتري واحدًا؛ فإنه يجوز له رده على أحدهما دون الآخر.
فإن قيل: إذا كان البائع اثنين، فرد على أحدهما لم يلحق به ضرر؛ لأنه يرد عليه جميع ما ملكه منه، وإذا كان البائع واحدًا، والمشتري اثنين، فأراد أحدهما الرد، بعَّض عليه الصفقة، والملك زال عنه مجتمعًا، وفي تبعيضه ضرر، فلم يكن له ذلك.
قيل له: البائع هو المبعِّض الملك على نفسه؛ لأنه لما أزال الملك إلى رجلين، علم أن النصف يزول إلى كل واحد منهما، فرضي بتفريق الملك، وإدخال الضرر على نفسه، فإذا رد أحد المشتريين ما حصل له لم يكن ذلك تبعيضًا منه، بل البائع هو المبعض.
وعلى أن هذا يبطل إذا ابتاع شيئين من رجل، فوجد بأحدهما عيبًا، كان له رد المعيب، وإمساك الصحيح، وفي هذا تبعيض الصفقة.
ونبني المسألة على أصل، وهو: أن بيع الواحد من اثنين في حكم العقدين المنفردين.
الجزء: 3 - الصفحة: 503
ويدل عليه ما تقدم، وهو: أنه بيع اجتمع في أحد طرفيه عاقدان، وكان واقعًا على صفقتين، كما لو كان البائع والمشتري اثنين.
ولأن حكم كل واحد منهما حكم المنفرد بدليل: أنه ينتقل إليه ملك نصفه، ويلزمه ثمن نصفه، ويدخل نصفه في ضمانه، فلو خرج العبد مستحقًا رجع بنصف الثمن، ولو كان المبيع شقصًا كان للشفيع أن يأخذ من أحدهما، فلما كان في حكم الملك والثمن والضمان والاستحقاق والشفعة كالمنفرد، وجب أن يكون في الرد بالعيب مثله.
فإن قيل: إنما جاز أن يأخذ الشفعة من أحدهما؛ لأنه ليس فيه تفريق الصفقة على أحد.
قيل: قد أجبنا عن هذا السؤال فيما تقدم.
فإن قيل: لو كان في حكم الصفقتين لوجب إذا كان المبيع عبدًا، فقبل أحدهما نصفه بنصف الثمن، ورد الآخر، أن يصح.
قيل له: يصح؛ لأنه قبل جميع ما أوجب له.
فإن قيل: فلو باع عبدين من رجلين بألف، فقبل أحدهما أحد العبدين بنصف الثمن، لم يجز، كذلك إذا كان العبد واحدًا، وجب أن لا يجوز قبول أحدهما بنصف العبد.
قيل: إنما لم يصح أن يقبل أحد العبدين؛ لأن البائع لم يوجب له أحدهما، وإنما أوجب له النصف من كل واحد منهما، ونصف الثمن
الجزء: 3 - الصفحة: 504
لا يقابل أحدهما؛ لأنه ينقسم على قدر قيمتها، فإذا قبل أحدهما بنصف الثمن لم يكن القبول موافقًا للإيجاب، فلم يصح.
وليس كذلك إذا باع عبدًا من رجلين، فقبل أحدهما نصفه بنصف الثمن؛ فإنه يصح؛ لأن قبوله موافق لما يقتضيه الإيجاب.
فإن قيل: لو كان في حكم العقد، لوجب إذا باع عبدًا من رجلين، فأحضر أحدهما ثمن نصيبه، وطالب بتسليم العبد إليه، أن يجبر على تسليمه.
قيل: يجبر على تسليمه إليه، وهذه مسألة يأتي الكلام عليها.
واحتج المخالف بأن العبد خرج من ملك البائع صفقة واحدة غير معيب بالشركة، فلا يجوز رد بعضه إلى ملكه معيبًا بالشركة إلا برضاه، كما لو كان المشتري واحدًا، ووجد به عيبًا، لم يجز له أن يرد بعضه لهذه العلة، والشركة عيب عند التجار ينقص الثمن لأجلها، فإذا كان مشتركًا فقيمته أنقص عند التجار منه إذا كان لواحد.
والجواب: أن البائع هو الذي بعض الملك على نفسه حيث باعه من نفسين؛ لأنه يعلم أن الذي يزول إليهما مبعض، إلا أن هناك يزول مبعضًا في وقتين، وهاهنا في وقت واحد.
ثم نقول: إذا كان المشتري واحدًا ملك الشيء بجهة واحدة، فلم
الجزء: 3 - الصفحة: 505
يكن له رد البعض؛ لأن عقد البيع في الأصل لم يضمن التفريق، فأما المشتريان فالملك يفرق عليهما بأصل العقد.
...
330 -
مسألة
إذا اشترى عبدين، أو ثوبين، فوجد بأحدهما عيبًا، كان له رده دون الصحيح في إحدى الروايتين:
نص عليها في رواية الجماعة؛ صالح وأبي الحارث وابن منصور وأبي طالب وحرب:
فنقل صالح وأبو الحارث عنه في الرجل يشتري العبدين صفقة واحدة بثمن واحد، فيجد بأحدهما عيبًا: يرده بحصته من الثمن، فإن وجد أحدهما حرًا يرجع بقيمته من الثمن.
وكذلك نقل ابن منصور في من اتاع رقيقين جملة، فإذا في أحدهما عيب: يرد المعيب بالقيمة.
وكذلك نقل أبو طالب في من اشترى وسادتين، فكان في إحداهما [عيب]: فإن شاء المشتري رد التي بها العيب بقيمتها، وإن شاء أخذ قيمة العيب، وليس له أن يرد شيئًا صحيحًا.
وكذلك نقل حرب عنه في رجل اشترى المشاع، فوجد ببعضه
الحديث: 330 - الجزء: 3 - الصفحة: 506
عيبًا: فليس له أن ينقض البيع إلا فيما فيه العيب.
وفيه رواية أخرى: ليس له رد أحد الثوبين والعبدين؛ فإما أن يردهما، أو يمسكهما ويأخذ الأرش.
نص عليه في رواية ابن القاسم: إذا [....] ثوبين [....] أحدهما دون الآخر، قال: ولا يشبه هذا إذا [....].
ونقل أبو طالب في موضع آخر في رجل اشترى ثوبين، فظهر بأحدهما عيب: فإن كان يعرف سعر كل واحد رده، وحبس الصحيح، وإن لم يعرف، واشترهما صفقة واحدة، لم يرد، وأخذ أرش العيب.
وهو اختيار أبي بكر.
فأما إن كان المبيع ينقص بالتفريق، كزوج خف، ومصراعي باب، فوجد بأحدهما عيبًا، فليس له إلا ردهما، أو إمساكهما.
نص عليه في رواية ابن منصور وحنبل:
فقال في رواية ابن منصور: وذكر له قول سفيان: إذا اشترى زوج نعال، أو مصراعين، فقبضهما، ثم ادعى بأحدهما عيبًا، أخذهما جميعًا، أو ردهما جميعًا، قال أحمد: ما أحسنه!
وكذلك نقل حنبل: إذا اشترى خفين، فوجد بأحدهما عيبًا: يردهما
الجزء: 3 - الصفحة: 507
جميعًا، أو يحبسهما جميعًا.
وللشافعي قولان، كالروايتين.
وقال أبو حنيفة في العبدين إذا قبضهما، ثم وجد بأحدهما عيبًا: كان له رده دون الصحيح، وإن كان قبل القبض: كان له ردهما، أو إمساكهما.
وإن اشترى مكيلًا، أو موزونًا، فوجد بعضه عيبًا بعد القبض؛ فإن كان في وعاء واحد، فليس له رد بعضه.
وإن كان في أوعية، فوجد بأحدهما، فهو كالثياب.
وجه الأولى: أنه يملك رد المعيب في الجملة قبل القبض، وبعده في المكيل والموزون، وفي غيرهما إن ثبت الرد، وإن ثبت الخيار خاصًا بأحدهما، فله رده دون الآخر.
دليله: إذا اشترى عبدين، وشرط الخيار في أحدهما، وثبت العقد في الآخر.
ولا تلزم عليه الخفاف؛ لأن العيب بأحدهما عيب بهما؛ لأنه يحصل معيبًا التفريق.
الجزء: 3 - الصفحة: 508
فإن قيل: ذكر ابن القاضي في (التلخيص): أن فيها قولين:
أحدهما: أن البيع يفسد بهذا الشرط بناءً على تفريق الصفقة، وأنها لا تفرق، وأنها متى فسدت الصفقة في أحدهما فسدت في الآخر.
قيل: قد رد عليه بعض أصحابكم، وقال: هذا غير صحيح، وقال: يجب أن يكون البيع صحيحًا فيهما، ويرد أحدهما، ويمضي الصفقة.
واحتج في ذلك بأن تبعيضها بعد صحتها يجوز برضا البائع، وإذا شرط الخيار في أحدهما فقد رضي بالتبعيض، وليس كذلك في الرد بالعيب؛ فإنه لم يوجد فيه ما دل على الرضا بتبعيض الصفقة، فلم يجز تبعيضها عليه.
فإن قيل: فرق أصحابكم بين تلك المسألة، وبين مسألتنا.
قيل له: تدليسه بالعيب في أحدهما تبعيض الصفقة عليه؛ لأنه على هذا دخل.
وأيضًا فإن العي خاص أحدهما، فله أن يفرد المعيب بالرد، كما لو كان البائع [....].
ولا تلزم عليه الخفاف؛ لأن العيب بأحدهما عيب بهما.
فإن قيل: المعنى هناك: أنه لا يؤدي إلى تفريق الصفقة؛ لأن هناك عقدان، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه يؤدي إلى تفريق الصفقة؛ لأن الصفقة واحدة.
الجزء: 3 - الصفحة: 509
قيل له: تدليسه بالعيب تبعيض لها.
وعلى أن هذا يبطل إذا باع عبدين على أن الخيار في أحدهما، فالصفقة واحدة، وتتبعض.
وإن شئت قلت: رد أحد العبدين بالعيب لا يؤدي إلى إلزام نقص، فصار كالرد على أحد البائعين.
ويخص أبو حنيفة قبل القبض بأن العيب خاص أحدهما، فله أن يفرده بالرد.
دليله: بعد القبض.
فإن قيل: قبل القبض لم يتم العقد، فإذا رد المبيع في أحدهما، وقبل في الآخر، فقد بعض الصفقة في الإتمام، وهذا لا يجوز بغير رضاه، كما لا يجوز أن يقبل البيع في أحدهما.
وبعد القبض تمت الصفقة، وإنما تفرق في الفسخ، ويجوز في الفسخ ما لا يجوز في الإتمام بدليل: أنه يجوز فسخ العقد في عبد حي وعد ميت، ولا يجوز إتمام العقد فيهما.
قيل له: علة الفرع تبطل بالخفاف، قد تمت الصفقة، ولا يجوز تفريقها.
وعلى أنها قبل القبض في حكم التامة بدليل أنه يلزم المشتري نفقتها، وزكاة فطرتها، وكسبها، فلا فرق بينهما.
على أنه إنما لم يقبل البيع في أحدهما؛ لأن الإيجاب حصل في
الجزء: 3 - الصفحة: 510
كل واحد منهما مشاعًا، لا لأنه تبعيض في الإتمام، وإنما لم يتم العقد في الميت؛ لأنه قد بطل العقد بموته قبل قبضه، فلهذا لم يصح فيه، وصح الفسخ فيه؛ لأن العقد لم يبطل فيه بموته.
ولأنه تفريق المبيع لأجل العيب، فاستوى فيه قبل القبض وبعده.
دليله: الخفاف ومصراعي الباب؛ في ذلك الموضع تستوي في منع التفريق، يجب أن تستوي في مسألتنا في جواز التفريق.
واحتج المخالف بأنهما عيبان في صفقة واحدة، فلا يجوز تبعيض الصفقة في الرد.
دليله: الخفاف ومصراعي الباب.
والجواب: أن هناك العيب في أحدهما عيب بالآخر، فلو رد المعيب رده بعيب الأرش، وبالعيب الموجود، والرد بعيب لم يكن في يد البائع لا يجوز [عندهم.
فإن قيل]: فعندكم يجوز هذا، وهو إذا حدث بالمبيع عيب، وظهر على عيبٍ؛ فإن [ذلك] لا يمنعه من الرد.
قيل له: يحتمل أن نقول هاهنا ما نقول هناك، ويحتمل [قول]
الجزء: 3 - الصفحة: 511
أحمد: (لا يفسخ)؛ معناه: لا يفسخ من غير أن يدفع إلى البائع أرش النقص.
ويحتمل أن لا يملك الفسخ؛ لأن على المشتري ضرر في ذلك؛ لأنه ينقص المبيع في يده، وعلى البائع- أيضًا- ضرر.
ويفارق هذا إذا حدث عند المشتري عيب، فأراد رده، ودفع الأرش؛ أن له ذلك: أن له في ذلك حظًا، وهو الرجوع في الثمن من غير ضرر عليه.
ولهذا قالوا: إذا طلب أحد الشركاء القسمة؛ فإن كان له حظ أجبر الشريك، وإن لم يكن له حظ لم يجبر الشريك على ذلك.
واحتج بأن عليه ضررًا في تبعيض الصفقة في العبدين؛ لأنه قد يكون ضم العبد إلى العبد [....] للبيع، وأوفر للثمن، ويكون فصل أحدهما عن الآخر ينقص من الثمن.
والجواب: أنه قد يتفق العيب فيما يرغب البائع في بيعه، والحكم عندكم سواء، وأنه إذا رد عليه بقيمته، فقد سلم له غرضه في زيادة قيمة الآخر.
[و] لأن هذا يقال: إذا أثبتنا الرد بغير سبب، فأما إذا ثبت بسبب
الجزء: 3 - الصفحة: 512
يقتضي الرد بأحدهما، ويختصه، لم يمنع من ذلك، كما لو هلك أحدهما، ووجد بالآخر عيبًا.
...
331 -
مسألة
إذا اشترى عبدًا فقتله، أو طعامًا فأكله، ثم ظهر على عيبٍ رجع بأرشه:
نص عليه في رواية أبي الحارث في من اشترى جارية، فأعتقها، ثم ظهر على عيب، أو ماتت، ثم ظهر: يرجع بأرش العيب؛ هذا حق له يأخذه بكل حال.
فقيل له: فإن جنى عليها المشتري، فقلها، ثم وجد عيبًا، فإن أصحاب الرأي قالوا: لا يرجع بشيء! فقال: إن كان حقًا، فينبغي له أن يأخذه.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يرجع بأرشه.
دليلنا: أنه علم بالعيب بعد الإياس من رد المبيع، فجاز أن يرجع بالأرش.
دليله: إذا مات، أو أعتقه.
ولا يلزم عليه إذا باعه، ثم علم بالعيب؛ لأنه يرجع بالأرش على ما نبينه فيما بعد.
الحديث: 331 - الجزء: 3 - الصفحة: 513
وإن شئت قلت: القتل إتلاف ملكه، فلا يمنع من الرجوع بالأرش، كالعتق.
وأجود من هذا أنك تقول: أصاب عيبًا لم يقف على محله، فملك الرجوع بالأرش.
أصله: ما ذكرنا؛ لأنه لا تأثير لقولنا: (علم بالعيب بعد الإياس)، وعندكم لو علم به قبل الإياس كان له الأرش، وإمساك المبيع.
فإن قيل: القياس يقتضي أن لا يرجع بأرش العيب بعد العتق.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل القياس يقتضي الرجوع.
فإن قيل: العتق ليس بفعل مضمون، ألا ترى أنه لو أعتق عبد غيره لم يضمن، فلهذا لم يمنع من الرجوع بالأرش.
قيل له: [الإعتاق فعل] مضمون، ألا ترى أنه إذا أعتق [نصيبه من عبد عتق عليه] الباقي، وأما إذا أعتق ملك الغير، فلا يعتق، فلهذا لم يضمن، كما إذا ضرب عبد غيره، فلم يمت، لم يجب عليه الضمان.
وعلى أن هذا يبطل بالبيع؛ لأنه لو باع عبد غيره لم يضمن، ومع هذا فإن البيع في الجملة يوجب الضمان.
فإن قيل: البيع يوجب التسليم، وهو فعل مضمون، فإذا باعه صار
الجزء: 3 - الصفحة: 514
كأنه باعه وسلمه.
قيل له: التسليم غير البيع، والبيع نفسه لا يوجب الضمان في ملك الغير، ويمنع الرجوع بأرش العيب في الجملة على ما قالوا.
فإن قيل: إذا مات امتنع بقاء الملك فيه من طريق الحكم، فلم يبطل حق المشتري من الأرش، وإذا قتله المشتري، فقد منع نقل الملك فيه بفعل مضمون، فمنع الرجوع بالأرش، كما لو باعه.
قيل له: علة الفرع تبطل بالعتق؛ فإنه قد منع بقاء الملك بفعل مضمون على الوجه الذي ذكرنا، ومع هذا لا يمنع أخذ الأرش.
وكذلك إذا اشترى ثوبًا وقطعه قميصًا، أو صنعه، ثم وجد به عيبًا، جاز له أن يرجع بالأرش، وإن كان ممنوعًا من رده عندهم بفعل مضمون.
واحتج المخالف بأنه منع نقل الملك فيه بفعل مضمون، فمنع الرجوع بالأرش، كما لو باعه، ثم علم أنه كان معيبًا.
والجواب: أنا قد أبطلنا هذا بالعتق، والصبغ وقطع الثوب.
وأما البيع فالمنصوص عن أحمد: أنه لا يمنع الرجوع بالأرش؛ لأنه قال في رواية حرب في رجل اشترى شيئًا، فلم ير العيب، فباعه من آخر، ثم عرضه الثاني على البيع: وجب على المشتري الثاني والأول أن يرجع على البائع بما نقص من العيب.
فقد نص على أن للمشتري الأول الرجوع على البائع بالأرش بعد
الجزء: 3 - الصفحة: 515
البيع، ولم يثبت للثاني الرجوع، [وهو] محمول على أنه علم به، فعرضه للبيع، فسقط حقه لأجل ذلك.
وقال- أيضًا- في رواية ابن منصور: إذا ابتاع عبدًا، فكاتبه، فوجد به عيبًا بعدما كاتبه، وحكي له قول سفيان: ليس له على البائع شيء بمنزلة البيع، فقال أحمد: لا، لو أعتقه كان له أن يرجع عليه ما بين الرد أو الصحة.
فقد نص- أيضًا- على أن الكتابة لا تمنع الرجوع بالأرش، فعلى هذا: لا نسلم الأصل.
وقال الخرقي في (مختصره): فإن [....]، ثم ظهر على عيب، كان مخيرًا بين أن يرد ملكه بمقداره من [....] قدر ملكه فيها.
وظاهر هذا: أنه جعل له الرجوع [....].
فعلى هذا: المعنى فيه: أنه قد سلم له بدله على الصحة والسلامة من العيب، فلا معنى للرجوع، وهذا معدوم فيه إذا قتله؛ لأنه لم يسلم له ذلك، فهو كما لو أعتقه.
والمذهب الصحيح: أنه يرجع الأرش؛ لأن البيع معنى أزال الملك، فهو كالعتق والموت، وما ذكره ذلك القائل من ملازمة البدل
الجزء: 3 - الصفحة: 516
لا اعتبار به؛ لأن المشتري لو وهب العبد لم تحصل له سلامة البدل، والحكم في ذلك سواء؛ إما في الرجوع بالأرش، أو بمنع الرجوع.
الجزء: 3 - الصفحة: 517