الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشاميةفصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة...
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة...

فصل في الجواب عما احتجوا به في هذا المسألة فيقال أصل دليلكم في ذاك حجـ... تنا عليكم وهي ذات بيان إن الشهيد حياته منصوصة... لا بالقياس القائم الأركان هذا مع النهي المؤكد أننا... ندعوه ميتا ذاك في القرآن ونساؤه حل لنا من بعده... والمال مقسوم على السهمان هذا وإن الأرض تأكل لحمه... وسباعها مع أمة الديدان لكنه مع ذاك حي فارح... مستبشر بكرامة الرحمان فالرسل أولى بالحياة لديه مع... موت الجسوم وهذه الأبدان وهي الطرية في التراب وأكلها... فهو الحرام عليه بالبرهان

ولبعض أتباع الرسول يكون ذا... أيضا وقد وجدوه رأي عين فانظر إلى قلب الدليل عليهمو... حرفا بحرف ظاهر التبيان لكن رسول الله خص نساؤه... بخصيصة عن سائر النسوان خيرن بين رسوله وسواه فاخـ... ترن الرسول لصحة الأيمان شكر الإله لهن ذاك وربنا... سبحانه للعبد ذو شكران قصر الرسول على أولئك رحمة... منه بهن وشكر ذي الإحسان وكذلك أيضا قصرهن عليه معـ... لوم بلا شك ولا حسبان زوجاته في هذه الدنيا وفي الأ... خرى يقينا واضح البرهان فلذا حرمن على سواه بعده... إذ ذاك صون عن فراش ثان لكن أتين بعدة شرعية... فيها الحدود وملزم الأوطان هذا ورؤيته الكليم مصليا... في قبره أثر عظيم الشأن

في القلب منه حسيكة هل قاله... فالحق ما قد قال ذو البرهان ولذاك أعرض في الصحيح محمد... عنه على عمد بلا نسيان والدارقطني الإيمان أعله... برواية معلومة التبيان أنس يقول رأى الكليم مصليا... في قبره فأعجب لذا الفرقان بين السياق إلى السياق تفاوتا... لا تطرحه فما هما سيان لكن تقلد مسلم وسواه ممن... صح هذا عنده ببيان فرواته الأثبات أعلام الهدى... حفاظ هذا الدين في الأزمان لكن هذا ليس مختصا به... والله ذو فضل وذو إحسان فروي ابن حبان الصدوق وغيره... خبرا صحيحا عنده ذا شأن فيه صلاة العصر في قبر الذي... قد مات وهو محقق الإيمان فتمثل الشمس الذي قد كان ير... عاها لأجل صلاة ذى القربان

عند الغروب يخاف فوت صلاته... فيقول للملكين هل تدعان حتى أصل العصر قبل فواتها... قالا سنفعل ذاك بعد الآن هذا مع الموت المحقق لا الذي... حكيت لنا بثبوته القولان هذا وثابت البناني قد دعا الر... حمن دعوة صادق الإيقان أن لا يزال مصليا في قبره... إن كان أعطا ذاك من إنسان لكن رؤيته لموسى ليلة المعـ... ـراج فوق جميع ذي الأكوان يرويه أصحاب الصحاح جميعهم... والقطع موجبه بلا نكران والذاك ظن معارضا لصلاته... في قبره إذ ليس يجتمعان وأجيب عنه بأنه أسرى به... ليراه ثم مشاهدا بعيان فرآه ثم وفي الضريح وليس ذا... بتناقض إذ أمكن الوقتان هذا ورد نبينا لسلام من... يأتي بتسليم مع الإحسان

ما ذاك مختصا به أيضا كما... قد قاله المبعوث بالقرآن من زار قبر أخ له فأتى بتسـ... ـليم عليه وهو ذو إيمان رد الإله عليه حقا روحه... حتى يرد عليه رد بيان وحديث ذكر حياتهم بقبورهم... لما يصح وظاهر النكران فانظر إلى الإسناد تعرف حاله... إن كنت ذا علم بهذا الشأن هذا ونحن نقول هم أحياء لـ... ـكن عندنا كحياة ذي الأبدان والترب تحتهمو وفوق رؤوسهم... وعن الشمائل ثم عن أيمان مثل الذي قد قلتموه ومعاذنا... بالله من إفك ومن بهتان بل عند ربهمو تعالى مثلما... قد قال في الشهداء في القرآن لكن حياتهمو أجل وحالهم... أعلى وأكمل عند ذي الإحسان هذا وأما عرض أعمال العبا... د عليه فهو الحق ذو إمكان

وأتى به أثر فإن صح الحديث... به فحق ليس ذا نكران لكن هذا ليس مختصا به... أيضا بآثار روين حسان فعلى أبى الإنسان يعرض سعيه... وعلى أقاربه مع الإخوان إن كان سعيا صلحا فرحوا به... واستبشروا يا لذة الفرحان أو كان سعيا سيئأ حزنوا وقا... لوا رب رجعه إلى الإحسان ولذا استعاذ من الصحابة من روى... هذا الحديث عقيبه بليان يا رب إني عائذ من خزية... أخزي بها عند القريب الدان ذاك الشهيد المرتضى ابن رواحة المحـ... بو بالغفران والرضوان لكن هذا ذو اختصاص والذي... للمصطفى ما يعمل الثقلان هذي نهايات لأقدام الورى... في ذا المقام الضنك صعب الشان والحق فيه ليس تحمله عقو... ل بني الزمان لغلظة الأذهان

والجهلهم بالروح مع أحكامها... وصفاتها للألف بالأبدان فارض الذي رضي الإله لهم به... أتريد تنقض حكمة الديان؟ هل في عقولهمو بأن الروح في... أعلى الرفيق مقيمة بجنان وترد أوقات السلام عليه من... أتباعه في سائر الأزمان؟ وكذاك إن زرت القبور مسلما... ردت لهم أرواحهم للآن فهمو يردون السلام عليك ل... كن لست تسمعه بذى الأذنان هذا وأجواف الطيور الخضر... مسكنها لدى الجنات والرضوان من ليس يحمل عقله هذا فلا... تظلمه واعذره على النكران للروح شأن غير ذى الأجسام لا... تهمله شأن الروح أعجب شأن وهو الذي حار الورى فيه فلم... يعرفه غير الفرد في الأزمان هذا وأمر فوق ذا لو قلته... بادرت بالإنكار والعدوان

فلذاك أمسكت العنان ولو أرى... ذاك الرفيق جريت في الميدان هذا وقولي إنها مخلوقة... وحدوثها المعلوم بالبرهان هذا وقولي إنها ليست كما... قد قال أهل الإفك البهتان لا داخل فينا ولا هي خارج... عنا كما قالوه في الديان والله لا الرحمن أثبتم ولا... أرواحكم يا مدعى العرفان عطلتمو الأبدان من أرواحها... والعرش عطلتم من الرحمن وهذا الذي ذكره الحافظ شمس الدين هو مقتضى الكتاب والسنة وعليه سلف الأمة وأئمتها وبما ذكره كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

فصل: استدل الملحد على النبي -صلى الله عليه وسلم - بقوله: "من رآني في المنام فسيراني... " الخ... فصل قال الملحد: "كيف لا وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" 1 فرؤيته يقظة أكبر دليل على حياته- صلى الله عليه وسلم-.
والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه لا يدل على أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم يرى يقظة في الدنيا كما كان يرى حيا قبل أن يموت وكذلك ليس بصريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم حي قبره الحياة المعهودة في الدنيا ولا فيه دلالة على جواز التوسل به فضلا عن أن يدعى ويستغاث به ويرجى في كشف الشدائد والمهمات لتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وأن يصرف له شيء من خالص ما

لرب الأرض والسماوات؛ من جميع أنواع العبادات التي صرفها المشركون لغير الله من المعبودات.
قال في السراج الوهاج على قوله: " فسيراني في اليقظة": أي سيراني يوم القيامة رؤيا خاصة في القرب منه؛ أو من رآني في المنام ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة إلي والتشرف بلقائي ويكون الله جعل رؤيته في المنام علما على رؤياه في اليقظة.
قال في المصابيح: وعلى الأول ففيه بشارة لرائيه بأنه يموت على الإسلام وكفى بها بشارة وذلك أنه لا يراه في القيامة تلك الرؤية الخاصة باعتبار القرب منه إلا من تحقق منه الوفاة على الإسلام حقق الله لنا ولأحبابنا وللمسلمين والمتبعين ذلك بمنه وكرمه أو لكأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي.
قال العلماء: إن كان الواقع في نفس الأمر لكأنما رآني فهو كقوله فقد رآني؛ أو فقد رأى الحق؛ وإن كان سيراني في اليقظة ففيه أقوال؛ وسيأتي تفسيره: أحدها المراد به أهل عصره.
الثاني: أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة.
الثالث: يراه في الآخرة رؤيا خاصة في القرب منه وحول شفاعته ونحو ذلك والله أعلم؛ انتهى.1

.....................................................................................................................................

فغاية ما في هذا الحديث أن من رآه في المنام فسيراه في اليقظة في الآخرة رؤيا خاصة باعتبار القرب منه أو يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة وليس فيه أنه حي في قبره كحياته في الدنيا لا تصريحا ولا تلويحا؛ وإنما هذه الدعوى المجردة من الدليل من تصرف هؤلاء الغلاة؛ واعتقادهم الباطل المخالف لكتاب الله وسنة رسوله وكلام سلف الأمة وأئمتها.
وأما حياة الأنبياء في قبورهم ورؤيته صلى الله عليه وسلم لموسى قائما يصلي في قبره فقد تقدم الجواب عنه في كلام الحافظ ابن القيم رحمه الله وبه الكفاية.
وأما قوله: "وقد وقع الإخبار برؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة لجماعة من الأولياء اشتهرت كرامتهم؛ وعلت 1 مقاماتهم؛ واستقامت أحوالهم وجاءت على طبق الشريعة أقوالهم؛ من الخواص القائمين بالمراقبة؛ وصحة التوجه على قدم الصدق؛ ونهج الحق كالشيخ عبد القادر الجيلاني وأبي العباس المرسي وسيدي علي وفاء وغيرهم من الأكابر؛ فلا يقدم على تكذيبهم فيما أخبروا به بطريق الجزم عن أنفسهم إلا متجازف".
فالجواب أن يقال: إن رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة في هذه الدنيا من أمحل المحال وأبطل الباطل؛ فإن الله تعالى قد قبضه إليه

واستأثر به ورفعه إلى الرفيق الأعلى وإنما يتصور وجود هذا مناما فمن في المنام وكان من أهل الصلاح وعلى صفته التي هو عليها فقد رآه حقا؛ فإن الشيطان لا يتمثل به.
وأما يقظة فهو من التخيلات الشيطانية التي أغوى بها الشيطان كثيرا من الناس ممن يدعي الولاية؛ فإن منهم من يرى أشخاصا في اليقظة يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين؛ وقد جرى هذا لغير واحد 1.
وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمهن خرج عن الكتاب والسنة وهم درجات؛ والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وهم على مذهبهم؛ والجن فيهم الكافر والفاسق والمخطئ فإن كان الإنسي كافرا أو فاسقا أو جاهلا دخلوا معه في الكفر والفسوق والضلال؛ وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر فيغتر بهؤلاء كثير من الناس ممن قلت معرفته وغلظ حجاب قلبه عن معرفة الحق من الباطل.
وهؤلاء كما قال شيخ الإسلام تجد كثيرا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة مثل أن يشير إلى شخص فيموت؛ أو يطير في الهواء؛ أو ينفق بعض الأوقات من الغيب؛ أو يختفي أحيانا عن أعين الناس؛ أو أن

بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته؛ أو يخبر الناس بما سرق لهم؛ أو بحال غائب لهم؛ أو مريض؛ أو نحو ذلك من الأمور؛ وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وموافقته لأمره ونهيه؛ وكرامات الأولياء أعظم من هذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله فقد يكون عدوا لله؛ فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكافر والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين؛ وتكون لأهل البدع؛ وتكون من الشياطين فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ليس لله بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام والظاهرة؛ انتهى.
وأما من ذكر من هؤلاء الذين يزعم أنهم أولياء فأما الشيخ عبد القادر الجيلاني- رحمه الله- وأمثاله ممن هو على طريقته وسيرته فهو من عباد الله الصالحين والعلماء العاملين؛ وله من الأحوال الإيمانية؛ والمآثر السنية الدالة على متابعة الكتاب والسنة ما هو معروف من حاله ومقاله؛ ولكنه تجارى عليه الملحدون؛ ووضعوا عليه أوضاعا؛ ونسبوا إليه أقوالا هو بريء منها؛ ومن جملتها هذه الحكاية التي لا أصل لها؛ ولا نقلها

عنه من هو مأمون على الدين معروف بالصدق واليقين.
وأما من عداه من هؤلاء الذين ذكر أنهم من أكابر أولياء الله ممن لا نعرف حالهم فالإقدام على تكذيبهم فيما أخبروا به بطريق الجزم عن أنفسهم هو من الأمور التي يحبها الله ويرضاها؛ ومن رد الباطل على من قال به؛ إذ من المعلوم بالضرورة أن رؤيته – صلى الله عليه وسلم- يقظة في هذه الدنيا لا تصح لا من الشيخ عبد القادر؛ ولا ممن هو أجل منه فضلا عمن هو دونه؛ لأن دعوى ذلك من المكابرة في الحسيات؛ والمباهتة في الضروريات والله أعلم.
"وأما قوله: وإذا لم تر الهلال فسلم... لأناس رأوه 1 بالأبصار" فالجواب: أقول من المحال نراه حيا... بهذي الدار لا دار القرار فغير مسلم تسليم هذا... لأقوام رأوه بالأبصار وهذا لا يكون فقد أتانا... بذاك2النص متضح المنار

بأن المصطفى قد مات حقا... وأنا ميتون وذاك 1 جاري على كل الخلائق ليس يبقى... سوى الخلاق من الخلق باري فأما في المنام فذاك 2 حق... يراه الصالحون أولو الفخار وأما يقظة فيراه حيا... كما قد كان حيا ذو اختيار وتدبير وتصريف ويدري... كما يدريه في ماض وجار فدعوى هذه دعوى لعمري... تبين أفكها بالإضرار فإذا تحققت هذا فهؤلاء لم تكن أحوالهم وخوارقهم 2 أحوال وخوارق إيمانية؛ وإنما كانت أبصارهم وحقائق أحوالهم خيالات شيطانية؛ وعلى غير متابعة الكتاب والسنة مبنية؛ فلا يلتفت إلى أقوالهم؛ ولا يعول على ما ادعوه من أحوالهم؛ لأنها عن الحقائق الإيمانية خالية؛ وأقوالهم عن الدليل عارية.
وأما قوله:"فالآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: آية 64] منسحب إلى الآن وإلى ما شاء الله."

فأقول: هذا غير مسلم وقد تقدم الجواب عن هذا فراجعة.
وأما قوله:"ولذا ترى العلماء جميعا ذكروا في باب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان عند المقابلة يتلو هذه الآية الكريمة كما يأتي نقل ذلك عنهم في الباب الثالث".
فالجواب أن يقال: نسبة هذا إلى العلماء جميعهم من أبطل الباطل، وأمحل المحال، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أتى قبر النبي صلى لله عليه وسلم وتلى هذه الآية واستحبها طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى.
وأما الأئمة وعلماء السلف فلم يذكره أحد منهم، ولا استحب أحد منهم سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار بعد موته، ولا غير ذلك ألبتة، فنسبته إلى العلماء كلهم من الكذب عليهم كما سنبينه.
والحكايات والمنامات لا يثبت بها حكم شرعي ولا يسوغ مثل هذا إلا في دين النصارى، فإن دينهم مبني على الحكايات والمنامات والأوضاع المخترعات.
وأما دين الإسلام فهو محفوظ بالإسناد، فلا يثبت حكم شرعي إلا بكتاب الله عز وجل، وبما صح الخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،

وكان عليه عمل الصحابة رضي الله عنهم، واشتهر ذلك بنقل الثقات العدول المتفق على عدالتهم.
وأما قوله:"على أن من يدعي أنها خاصة بقبل الوفاة فعليه الدليل وأنى له ذلك".
فالجواب أن يقال: أما كون المجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصا بحال حياته قبل وفاته فنعم، والدليل على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن الآية نزلت في قوم معينين من أهل النفاق بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: آية 61] فإن قيل: فالآية وإن وردت في أقوام معينين في حال الحياة فإنها تعم بعموم العلة.
قيل: نعم هذا حق فإنها تعم ما وردت فيه وما كان مثله فهي عامة في حق كل من ظلم نفسه، وجاء كذلك في حال حياته، وأما دلالتها على المجيء إليه في قبره فقد عرف بطلانه، يوضحه.
الوجه الثاني: أنه لو شرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين وهذه مصادمة صريحة لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تجعلوا قبري عيدا" 1.
الوجه الثالث: أن أعلم الأمة بالقرآن ومعانية وهم سلف الأمة، لم يفهم أحد منهم إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر

لهم، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت.
فلو كان هذا منسحبا إلى ذا الآن وإلى ما شاء الله، لما ترك الصحابة- رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان هذه القربة التي ذم الله سبحانه من تخلف عنها، وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق لها من بعدهم ممن لا يؤبه له من الناس ولا يعد في أهل العلم، ويا لله العجب أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها حي بين أظهرها موجودا، وقد دعيت فيه إلى المجيء ليستغفر لها، وذم من تخلف عن هذا المجيء، فلما توفي صلى الله عليه وسلم ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه ليستغفر له، ولو كان حقا لسبقونا إليه علما وعملا وإرشادا ونصيحة، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف، ولا عرفوه ولا بينوه للأمة.
الوجه الرابع: أنه لو كان المجيء إلى قبره بعد وفاته مشروعا لأمر به أمته وحضهم عليه ورغبهم فيه، لأنه من كمال شفقته ورحمته ورأفته بالمؤمنين، فلا خير إلا دل عليه أمته وأمر هم به، ولا شر إلا حذرها عنه ونهى 1 عنه، لأنه أكمل الخلق نصحا للأمة، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ومن كمال نصحه وشفقته بأمته أنه نهى عن اتخاذ قبره

عيدا.
فقال صلى الله عليه وسلم "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا" الحديث,.
فمن أتى إلى قبره بعد وفاته ليستغفر له فقد ارتكب ما نهى عنه وفعل ما يسخطه.
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: آية 7] وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري 1 عن ابن عجلان عن رجل يقال له سهيل عن الحسن بن الحسن بن علي رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال إن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني".
وروى سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز بن محمد قال: أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن 2 علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة فقال: هلم إلى العشاء.
فقلت: لا أريده.
فقال: مالي رأيتك عند القبر.
فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تتخذوا قبري3عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" ما أنتم ومن بالأندلس إلا سوي

وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر ابن أبي شيبة حدثنا 1 زيد بن الحباب حدثنا 1جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا 1 علي بن عمر عن أبيه عن علي بن حسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو.
فنهاه فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني 2 أينما كنتم 3.
الوجه الخامس: أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" 4 وقد كان من المعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يفعلون 5 هذا.
ولا هدي أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم لرسول الله فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، كانوا كما قال

عبد لله بن سعود- رضي الله عنه-: من كان منهم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم، 1 اختارهم الله لصحبة نبيه ولإظهار دينه، فاعرفوا لهم فضلهم فاهتدوا بهديهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم.
وقد قال مالك في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي ويدعو له ولأبي بكر وعمر فقيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر، ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو مرتين أو أكثر عند القبر، يسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا من أحد من أهل الفقه في بلدنا وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراداه والله أعلم.2

فصول الكتاب · 13 فصل · 324 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية · 324 صفحة
مقدمة
فصل: في نقض تسميته عباد القبور: أهل السنة والجماعة...
فصل: ذكر كلام ابن القيم في أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها....فصل: سياق أبيات ابن القيم في نونيته فيما يتعلق بحياة الأنبياء في قبورهم......فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور...فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة...فصل: في رد قول الملحد: هناك آيات أخر تشير إلى الالتجاء بالنبي الخ...
فصل: في رد قوله: إنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط...
فصل: ذكر الملحد عن معروف الكرخي أنه قال لتلاميذه:.. الخ...قال شيخ الإسلام: فصل: اتفق السلف على أن الأنبياء أفضل من الأولياء...فصل: ذكر الملحد مناظرة أبي جعفر المنصور مع مالك...فصل: زعم الملحد تبعا لابن حجر الهيتمي أن الشافعي توسل بآل البيت....فصل: في الفرق بين توحيد الربوبية والإلهية...
جارٍ التحميل