فصل: في رد قوله: إنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط...
في أهل السموات والأرض لشفعناك".
فالجواب أن نقول: هذا من نمط ما قبله من الموضوعات المكذوبات التي لا أصل لها في الكتاب والسنة، ولا رواها أحد ممن يعتمد عليه من الأئمة، فلا يلتفت إليه، ولا يعول في الحكم عليه، والله أعلم.
وأما قوله: "ولله در من قال: وكان لدى الفردوس في زمن الصبا... أثواب شمل الأنس محكمة السدى يشاهد في "عدن" ضياء مشعشعا... يزيد على الأنوار في الضوء والهدى فقال: إلهي ما الضياء الذي أرى... جنود السماء تعشو إليه ترددا فقال: نبي خير من طئ الثرى... وأفضل من في الخير راح أو اغتدى تخيرته من قبل خلقك سيدا... وألبسته قبل النبيين سؤددا وأعددته يوم القيامة شافعا... مطاعا إذا ما الغير حاد وحيدا فيشفع في إنقاذ كل موحد... ويدخله جنات عدن مخلدا
وإن له أسماء سميته بها... ولكنني أحببت منها "محمدا" فقال: إلهي امنن علي بتوبة... تكون على غسل الخطيئة مُسعدا بحرمة هذا الاسم والزلفة التي... خصصت بها دون الخليقة "أحمدا" أقلني عثاري يا إلهي فإن لي... عدوا لعينا جار في القصد واعتدا فتاب عليه ربه وحماه من... جناية ما أخطاه لا متعمدا والجواب ومن الله أستمد الصواب: أقول لعمري ما لهذا حقيقة... ولو صح هذا القول أو كان مسندا لما طعن الحفاظ فيه وأوهنوا... أسانيده حتى غدا واهيا سدا ولو صح هذا في فضائل "أحمد"... لكان به الحفاظ أولى وأسعدا فما كان في الفردوس آدم في الصبا... يشاهد في عدن ضياءا ممددا يزيد على الأنوار نور ضيائه... جنود السماء تعشو إليه ترددا
فقال: نبي خير من وطئ الثرى... وأفضل من في الخير راح واغتدى فلم ير في الفردوس هذا ولم يقل... إلهي ما هذا الضياء الذي بدا نعم كان في المعلوم أن نبينا... محمد المعصوم قد كان أوحدا فليس له في الخلق حتما مما ثلا... يماثله في الفضل والجود والندا ولكنه ما قيل هذا لآدم... فننفي الذي ما قيل والفضل قد بدا ولا قال في الفردوس يوما لآدم... تخيرته من قبل خلقك سيدا وأعددته يوم القيامة شافعا... وألبسته قبل النبيين سؤددا ولا قال في الفردوس يوما لآدم... يخاطبه فيها خطابا مؤكدا وإن له أسماء سميته بها... ولكنني أحببت منها محمدا فقال إلهي أمنن علي بتوبة... تكون على غسل الخطيئة مسعدا بحرمة هذا الاسم والزلفة التي... خصصت بها دون الخليقة أحمدا
فكل الذي قد قال ما صح نقله... ولا قيل في الفردوس هذا ولا بدا وسيدنا المعصوم أفضل خلقه... ولا شك في هذا الذي من تسودا فكان لعمري سيدا ذا جلالة... ببعثته زال الظلام وأبعدا ومات ودين الله للناس واضح... ومهيعة قد كان نهجا معبدا وغادر في أتباعه النور فاهتدى... فكانوا على هذا الضياء وفي الهدى فكان لهم يوم القيامة شافعا... لإخلاصهم في الدين إذ كان أحمدا وأعداؤه في ظلمة الكفر والهوى... قد انهمكوا في الغي والجهل والردى فليس لهم يوم القيامة شافعا... لإشراكهم جهلا وإلا تعمدا فدع ذا ولا يغررك ألوان وشيه... فليت لعمرو الله محكمة السدى فذاك من الموضوع إذ كان لم يكن... رواه عن الأعلام من كان سيدا فسيدنا المعصوم أكمل خلقه... وأكرمهم بيتا ونفسا ومحتدا
وإن له فضلا عن الناس كلهم... يزيد على هاذي الأقاويل مسندا رواه عن المعصوم حفاظ دينه... ومنهم به كانوا أحق وأسعدا وأعظم مما قاله الكسم والذي... روى عنه المعصوم درا منضدا ففيما روى الحفاظ في حق أحمد... من الفضل ما يغني أولي الدين والهدى عن الكذب الموضوع والحق واضح... وإن ير ذا الحق من كان أرمدا وخال سفاها أن ما قال فرية... مجاوزة للحد أهدى وأرشدا لعمري لقد أخطأ من الحق مهيعا... سويا سميا مستقيما ممهدا وأم طريقا مظلما غير ناصع... ولا مستقيم قد غلا فيه واعتدا لعمري لقد أعطاه ربي فضائلا... وخص بها الرحمن فضلا محمدا فأعطى لواء الحمد والكوثر الذي... حباه إله العرش حقا وأصعدا وإن له حوضا هنيئا شرابه... به يشرب السني كأسا منددا
وأحلى من الشهد المصفي عذوبة... وعنه ينحى من عتا وتمردا ويشفع في يوم القيامة للورى... ليحكم بين الخلق ذو العرش بالهدى ويقعده فوق عرشه... كما جاء هذا في الأحاديث مسندا فيغبطه كل الخلائق جملةسبحانه... بما قد حباه الله فضلا واصعدا وقد خصه المولى بما لم نحط به... ونحصيه علما أو حسابا محددا فدع عنك ما قال الغلاة وإن رووا... بذلك أخبارا ودرا منضدا فأخبارهم موضوعة ونظامهم... لعمري إلهي باطل واهي السدى
فصل: في رد استدلال الملحد لمراده بقوله صلى الله عليه وسلم:"... أسألك بحق السائلين... "... فصل قال الملحد: "وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، إني لم أخرج أشرا، ولا بطرا، ولا رياء، ولا سمعة، وإنما خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
أقبل الله عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك" رواه ابن ماجة ورواه ابن السني بإسناد صحيح عن بلال".
والجواب أن يقال: هذا الحديث ضعيف رواه عطية العوفي وفيه ضعف.
قال شيخ الإسلام: ولكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه سبحانه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له، والطاعة له سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به، والتوجه، والتسبب به، ولو قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من صفاته، فإن إجابته وإثابته
من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" 1.
والاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة إلى آخر كلامه رحمه الله.
فتبين من كلام الشيخ أن السؤال بحق السائلين هو إجابتهم، وسؤاله بحق الطائعين إثابتهم، فيكون السائل بهذين سائلا بصفات الله، فإن الإجابة والإثابة من أفعاله وأقواله سبحانه وتعالى، وسؤال الله بأسمائه وصفاته والتوسل بها ثابت بالكتاب والسنة قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف180] وفي الحديث عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
فقال: "دعا2الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب" رواه الترمذي وأبو داود3إلى غير ذلك من الأحاديث، وكذلك
التوسل بالأعمال الصالحة كما ثبت ذلك بالكتاب والسنة، كما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر، فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها" الحديث متفق عليه.
فليس في حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على ما ادعوه من التوسل بذوات الأنبياء والأولياء والصالحين، فضلا عن دعائهم والاستغاثة بهم والإلتجاء إليهم وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وأما قوله: "ومما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من التوسل قوله: "اغفر لأمي فاطمة بنت أسد" ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي" إلى آخره.
فالجواب أن هذا من نمط ما قبله، وقد تقدم الكلام على جنسه، وفي سند روح بن صلاح المصري ضعفه ابن عدي، وتصحيح الحاكم لن1يجدي شيئا2، وقد تقدم عن أهل العلم أنه لما جمع المستدرك على الشيخين ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة بل والموضوعة جملة كثيرة، وقد روى فيه لجماعة من المجروحين في كتابه في الضعفاء انتهى.
وأما رواية الطبراني له، فيقال لهذا الملحد: كم في الطبراني من حديث يخالف هذا ويدل على وجوب التوسل بأسماء الله تعالى وصفاته وإنابة الوجوه إليه؟ فما أعمى عينك عنها! هل هناك شيء أعماها سوى الجهل والهوى؟ وقد تكلم
في هذا الحديث غير واحد.
وقال شيخ الإسلام: قد بالغت في البحث والاستقصاء فما وجدت أحدا قال بجوازه، إلا ابن عبد السلام في حق نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، أترى هذا الحديث خفي على علماء الأمة لم يعلموا ما دل عليه، ثم لو سلمنا صحته أو حسنه ففيه ما مر في حديث الأعمى أن المراد بدعاء نبيك إلى آخره، وأي وسيلة بذوات الأنبياء لمن عصى أمرهم، وخرج عما جاؤوا به من التوحيد والشرع.
قال شيخ الإسلام: فإذ قال الداعي: أسألك بحق فلان وفلان لم يدع له، وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص أو محبته وطاعته، بل بنفس ذاته، وما جعله له ربه من الكرامة لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب انتهى.
فصل: في رد استدلال الملحد بقوله صلى الله عليه وسلم:"... فليناد يا عباد الله احبسوا... "... فصل قال الملحد: "وفي الأذكار للنووي ما نصه: روينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله احبسوا يا عباد الله احبسوا، فإن لله1عز وجل في الأرض حاضرا سيحبسه".
والجواب أن يقال: هذا حديث فيه مقال، فإن فيه ابن حسان وهو ضعيف قال الذهبي في الميزان2معروف بن حسان أبو معاذ السمرقندي عن عمر3بن ذر قال ابن عدي: منكر الحديث قد روى عن عمر4بن ذر نسخة طويلة كلها غير محفوظة.
وعلى تقدير صحته إنما يفيد نداء حاضر1، كنداء زيد عمرا مثلا ليمسك دابة أو ليرجعها، أو ليناوله ماء أو طعاما، أو نحو ذلك، وهذا مما لا نزاع فيه، غاية ما في الباب أن عمروا مثلا محسوس، وهؤلاء لا يرون لأنهم إما مسلمو الجن أو ملائكة مكلمون، لا نداء على شيء لا2يقدر عليه إلا الله تعالى.
وأين هذا من الاستغاثة بأصحاب القبور من الأولياء والمشايخ؟ والمقصود أنه ليس في الحديث إلا نداء الأحياء والطلب منهم ما يقدر هؤلاء الأحياء عليه وذلك لا ننكره.
وأما قول هذا الملحد: "وأما ما تمسك به الوهابية من قوله لابن عباس: "وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما أنت لاق، فلو جهدت الخليقة على أن تنفعك لم تنفعك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو جهدت على أن تضرك لم تضرك إلا بشيء كتبه الله عليك" فلا يدل على عدم التوسل؛ لأن المتوسل إلى الله برسوله ما سأل إلا الله ولا استعان إلا به، مع اعتقاده بأن النفع والضر صار منه سبحانه وتعالى".
فالجواب أن نقول: نعم هذه كانت حال "الوهابية" فإنهم كانوا يتمسكون بكتاب الله، وبما صح الخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعملون به، ويتركون ما خالف الكتاب والسنة
ويعملون بما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، ولا يحدثون في دين الله ما لم يشرعه الله ورسوله، فهم بخلاف من نبذ كتاب الله وسنة رسوله وراء ظهورهم، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ولو جهد أعداء الله ممن خالف الوهابية أن يستدركوا على الوهابية في أصول الدين وفروعه أنهم استدلوا على ما يذهبون إليه بحديث موضوع أو ضعيف لا يصح الاحتجاج به لما وجدوا إلى ذلك سبيلا، فضلا من الله ونعمة والله ذو الفضل العظيم.
وهذا الحديث خرجه الترمذي من حديث حنش الصنعاني عن ابن عباس، وقال حسن صحيح، وخرجه الإمام أحمد من حديث حنش الصنعاني، وقد روى هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أبي رباح وعمر بن دينار، وعبيد الله بن عبد الله، وعمر مولى عفرة، وابن أبي مليكة وغيرهم.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا الحديث: وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" هذا منتزع من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة5] فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث النعمان بن بشير وتلا قوله ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر60] خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي
والنسائي وابن ماجه.
وخرج الترمذي من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الداء مخ العبادة" فتضمن هذا الكلام أن يسأل الله عز وجل ولا يسأل غيره، وأن يستعان بالله دون غيره، وأما السؤال فقد أمر الله بسؤاله، فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: آية32] وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا: "اسألوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل" وفيه أيضا عن أبي هريرة مرفوعا: "من لم يسأل الله يغضب عليه"، وفي حديث آخر: "يسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسعا نعله إذا انقطع".
وفي النهي عن مسألة المخلوقين أحاديث كثيرة صحيحة، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئا منهم أبو بكر الصديق، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط السوط وخطام ناقته فلا يسأل أحدا أن يناوله إياه، وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود: "أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن بني فلان أغاروا علي فذهبوا بابني وإبلي" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن آل محمد كذا وكذا وأهل بيت ما لهم مدّ من طعام أو صاع، فاسأل الله عز وجل"، فرجع إلى امرأته فقالت: ما لك؟ فأخبرها فقالت: نعم ما رد عليك، فما لبث أن رد الله عليه إبله وابنه أوفر ما كانت.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وأمر الناس بمسألة الله عز وجل والرغبة إليه وقرأ
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق2ـ3]. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله عز وجل يقول: "هل من داع فأستجيب له دعاءه؟ هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له"؟ وخرج المحاملي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: "من ذا الذي دعاني فلم أجبه، ويسألني فلم أعطه، واستغفرني فلم أغفر له، وأنا أرحم الراحمين"؟ انتهى.
وأما قوله: "فلا يدل على عدم التوسل، لأن المتوسل إلى الله برسوله ما سأل إلا الله، ولا استعان إلا به، مع اعتقاده بأن النفع والضر صادر منه سبحانه وتعالى".
فالجواب أن نقول: أما دعواه أن المتوسل إلى الله برسوله ما سأل إلا الله ولا استعان إلا به فمن1أقبح الكلام، وأبطل الباطل، وأمحل المحال، وهو مصادم لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة5] فإن تقديم المفعول وهو "إياك" وتكريره للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، فالأول التبريء من الشرك، والثاني التبريء من الحول والقوة، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي إياك نوحد، ومعناه أنك تعاهد ربك أن لا تشرك في عبادته أحدا، لا ملكا ولا نبيا
ولا غيرهما، فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة، وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذا فيه سؤال الله الإعانة وهو التوكل والتبريء من الحول والقوة، وفرق بين سؤال الله وسؤاله برسوله، ومن قال: إن المتوسل إلى الله برسوله ما سأل إلا الله، ولا استعان إلا به لم يفرق بين الخالق والمخلوق، والمسؤول والسائل، وهذا هو حقيقة مذهب الاتحادية، وكفى بسلوك طريق أهل الوحدة ضلالا وخروجا عن الصراط المستقيم.
وإن كان أراد هذا الملحد أن المتوسل إلى الله برسوله ما سأل ولا استعان إلا بالله، يعني أن المسؤول والمستعان به في الحقيقة هو الله، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فهو واسطة بينه وبين السائل المستعين، فهو سبحانه وتعالى المسؤول المستعان به حقيقة منه بالخلق والإيجاد، والنبي صلى الله عليه وسلم مستعان مسؤول منه بالكسب والتسبب العادي، فإن كان أراد هذا فهذا هو فعل المشركين الذين بعث الله فيهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد النافع الضار، وأما الأصنام وغيرهم من الملائكة والأولياء والصالحين، فيقولون إنها أسباب ووسائل عادية، فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم وينحرون لهم وينذرون لهم، والدعاء والنذر والذبح والاستغاثة والسؤال والاستعانة والاستعاذة كلها من أقسام العبادة، وإذا حملتم لفظ الدعاء والاستغاثة والاستعانة والنحر والنذر التي هي من أقسام العبادة على معناها المجازي، فليحمل لفظ العبادة الواقع في كلام المشركين
الأولين الذي حكا الله تعالى عنهم حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: آية3] فما وجه الفرق وأنى ذلك؟.
فإذا عرفت هذا فاعلم أن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدر المسؤول على دفع الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع ودفع المضار، لا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده، لأنه حقيقة العبادة.
وكان الإمام أحمد رحمه الله يدعو ويقول: "اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك، ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواك" كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: 107] وقال: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِه﴾ [فاطر 2] والله تعالى يحب أن يسأل ويرغب إليه في الحوائج، ويلح في سؤاله ودعائه، ويغضب على من لا يسأله، ويستدعي من عباده سؤله، وهو قادر على إعطاء خلقه كلهم سؤالهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، والمخلوق بخلاف ذلك كله يكره أن يسأل، ويحب أن لا يسأل لعجزه وفقره وحاجته، ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: "ويحك تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره،
ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح له بابه نصف الليل نصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول: ادعني استجب لك! " وقال طاووس لعطاء: "إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه، ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أن تسأله، ووعدك أن يجيبك"، وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول "لا حول ولا قوة إلا بالله" فإن المعنى لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز" ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به فصار مخذولا.
كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز "لا تستعن بغير الله فيكلك الله إليه" ومن كلام بعض السلف: "يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يستعين لغيرك؟ " انتهى.
فصل: قال الملحد: الباب الثالث في أقوال العلماء بالتوسل بالأنبياء والصالحين... الخ... فصل قال الملحد: "الباب الثالث: في أقوال العلماء العاملين الذين هم أئمة الدين بالتوسل بالأنبياء والصالحين، وفي الخصائص: واختص أيضا بجواز القسم به على الله الكريم المنعم، واختص صلى الله عليه وسلم بجواز أن يقسم على الله به، وفي المواهب اللدنية قال ابن عبد السلام: وهذا ينبغي أن يكون مقصورا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الملائكة والأنبياء والأولياء؛ لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما اختص به لعلو درجته ومرتبته انتهى".
والجواب أن يقال: إن مسألة التوسل بالأنبياء والصالحين قد نص على المنع منها جمهور أهل العلم، بل ذكر الشيخ في رده على ابن البكري أنه لا يعلم قائلا بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجزم بذلك بل علق القول به على ثبوت حديث الأعمى وصحته، وفيه من لا
يحتج به عند أهل الحديث1، ولم يجز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا بالأنبياء والصالحين أحد ممن يعتد به ويقتدى به كالأئمة الأربعة وأمثالهم من أهل العلم والحديث.
قال شيخ الإسلام: بل لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهي عن ذلك، ولو لم يكن عند قبره، كما لا يقسم بمخلوق مطلقا، وهذا القسم منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة، وهل هو نهي تحريم أو تنزيه على قولين: أصحهما أنه نهي تحريم، ولم ينازع العلماء إلا في الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فإن فيه قولين في مذهب أحمد، وبعض أصحابه كابن عقيل طرد2الخلاف في الحلف بسائر الأنبياء، لكن القول الذي عليه جمهور الأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه لا ينعقد اليمين بمخلوق البتة، ولا يقسم بمخلوق البتة، وهذا هو الصواب، والإقسام على الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ينبني على هذا الأصل، ففي هذا النزاع، وقد نقل عن أحمد في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في منسك المروذي ما يناسب قوله بانعقاد اليمين، لكن الصحيح أنه لا تنعقد اليمين به فكذلك هذا.
ثم قال هذا الملحد: وخالف في ذلك بعضهم، فجوز القسم على الله تعالى بكل نبي، بل جوز بعضهم التوسل
بالصالحين، حتى قال الأستاذ أبو العباس المرسي الشاذلي: من له حاجة إلى الله تعالى فليتوسل في قضائها بأبي حامد الغزالي".
فالجواب أن نقول: لا يجوز الإقسام على الله بخلقه لا الأنبياء ولا غيرهم باتفاق الأئمة، كما حكاه شيخ الإسلام آنفا، وحكى الخلاف في النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، قال: وأما غيره فما علمت بين الأمة فيه نزاعا، بل قد صرح العلماء بالنهي عن ذلك واتفقوا على أن الله يسأل ويقسم عليه بأسمائه وصفاته كما تقدم بيانه مرارا.
وأما قول الشاذلي: "من كانت له حاجة إلى الله فليتوسل في قضائها بأبي حامد الغزلي" فأقول: قد كان من المعلوم أن الشاذلي هذا من الغلاة، وليس من أهل العلم المعروفين بالصلاح والدين، ولا من حملة سنة سيد المرسلين، بل من الدعاة إلى عبادة الأولياء والصالحين، فلا حجة في قوله.
وقد تكلم العلماء في أبي حامد الغزالي، فقال الفقيه ابن العربي المالكي: شيخنا أبو حامد دخل في جوف الفلسفة ثم أراد أن يخرج فلم يحسن الخروج.
هذا كلام تلميذه وهو أعرف الناس به، وقال أبو بكر الطرطوشي: شحن أبو حامد كتاب الإحياء بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما على بسيط الأرض أكذب منه، شبكه بمذاهب الفلسفة ومعاني رسائل إخوان
الصفا، وهم قوم يرون النبوة مكتسبة، زعموا أن المعجزات حيل ومخاريف1انتهى.
فإذا كان هذا كلام العلماء في أبي حامد، مع أنه لو كان سالما من القول المذكور، وكان في درجة أحد من الصحابة أو أفاضل التابعين والأئمة المقلدين لم يكن التوسل به جائزا بعد مماته، وأنه يقضي حاجة من سأله قضاء الحاجات وتفريج الكربات، وقد منع العلماء ذلك في حق جميع الأنبياء، فضلا عمن دونهم، ووقع النزاع في الحلف بنبينا صلى الله عليه وسلم على القول بصحة الحديث، ولا يصح2، فكيف الحال بالشاذلي الذي يدعو الناس إلى التوسل إلى الله في قضاء حوائجهم بأبي حامد وقد عرفت ما يعنون هؤلاء الغلاة بالتوسل أنه دعاء الأموات والغائبين، والالتجاء إليهم من طلب الحوائج، وكشف الكربات، وإغاثة اللهفات، والاستغاثة بهم في جميع الطلبات، وقد ذكر شيخ الإسلام أن أبا حامد الغزالي رجع عن مقالاته، وندم على هفوات ورطاته، ومات والبخاري على صدره، فيكون المقصود بالكلام رد ما في كلامه من الباطل، وإبطال قول من زعم أن من كانت له حاجة إلى الله فليتوسل في قضائها بأبي حامد، لأن العلماء قد منعوا من ذلك في حق من هو أفضل منه، فكيف به وبأمثاله.
فصل: نقل الملحد كلام السبكي المتضمن تحسين التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه... الخ... فصل قال الملحد: "قال السبكي: ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه؛ ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك؛ وعدل عن الصراط المستقيم؛ وابتدع ما لم يقله عالم قبله؛ وصار بين أهل الإسلام مثلة.
انتهى".
والجواب أن يقال قد تقدم الكلام على التوسل؛ وما يراد به في لغة الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين؛ وما يراد به في عرف هؤلاء الغلاة المنحرفين؛ الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا؛ ويسعون في الأرض فسادا؛ والله لا يحب المفسدين.
وأما الاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه؛ فروى الطبراني أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين؛ فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه قوموا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لا يستغاث بي؛ وإنما يستغاث
بالله" 1 فقوله: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق لأنه صلى الله عليه وسلم يقدر على كف أذاه.
وأما قوله: إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله.
فيه النص على أنه لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا من دونه؛ كره صلى الله عليه وسلم أن يستعمل هذا اللفظ في حقه؛ وإن كان مما يقدر عليه في حياته حماية لجناب التوحيد؛ وسدا لذرائع الشرك؛ وأدبا وتواضعا لربه؛ وتحذيرا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال؛ فإذا كان هذا فيما يقدر عليه صلى الله عليه وسلم في حياته؛ فكيف يجوز أن يستغاث به بعد وفاته؛ ويطلب منه أمورا لا يقدر عليها إلا الله عز وجل؛ ومن المعلوم بالضرورة أن الإستغاثة هي طلب الغوث؛ وهو إزالة الشدة كالاستنصار: طلب النصر؛ والاستعانة:طلب العون؛ وقال أبوعبد الله الحليمي: الغياث هو المغيث؛ وأكثر ما يقال:غياث المستغيثين؛ ومعناه المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلصهم وقال أبو يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق وقال الشيخ أبو عبد القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون وفي دعاء موسى عليه سلام "اللهم لك الحمد؛ وإليك المشتكى؛ وأنب المستعان؛ وبك المستغاث؛ وعليك التكلان؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله" ولما كان هذا المعنى هو المفهوم عند الإطلاق وكان مختصا بالله
صح إطلاق نفيه عما سواه؛ ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة بغير الله؛ وكذلك الاستغاثة أيضا منها ما لا يصح إلا لله 1 وهي المشار إليها بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله.
وقال ابن القيم رحمه الله: ومن أنواعه أي الشرك طلب الحوائج من الموتى والإستغاثة بهم؛ وهو أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا لمن استغاث به وسأله أن يشفع له إلى الله؛ وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده؛ فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه؛ والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه؛ وإنما السبب كمال التوحيد؛ فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن؛ وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها؛ وهذه حالة كل مشرك؛ فجمعوا بين الشرك بالمعبود؛ وتغيير دينه؛ ومعاداة أهل التوحيد؛ ونسبة أهله إلى التنقص بالأموات؛ وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك؛ أولياءه 2 الموحدين بذمهم وعيبهم ومعاداتهم؛ وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص؛ إذا ظنوا أنهم راضون منهم بهذا؛ وأنهم أمروهم به وأنهم يوالونهم عليه؛ وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل
زمان ومكان؛ وما أكثر المستجيبين لهم؛ وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد وتوحيده لله؛ وعادى المشركين في الله؛ وتقرب بمقتهم إلى الله؛ واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده؛ فجرد حبه لله؛ وخوفه لله؛ ورجاءه لله؛ وذله لله؛ وتوكله على الله؛ واستعانته بالله والتجاءه إلى الله؛ واستغاثته بالله؛ وقصده لله؛ فهو لله؛ وبالله؛ ومع الله انتهى.
وأما قوله: "ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك؛ وعدل عن الصراط المستقيم؛ وابتدع ما لم يقله عالم قبله؛ وصار بين أهل الإسلام مثله".
فأقول: إن هذا الكلام من لا يخاف الله ولا يتقيه؛ فإنه قد كذب في ما قاله؛ وافترى وقد خاب من افترى؛ وأكمل الناس وأكرمهم على الله سيد ولد آدم أنكر هذا؛ وقال:" إنه لا يستغاث بي؛ وإنما يستغاث بالله؛وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده" ولو كان عند هذا الرجل من الدين ما يزعه؛ ومن الحياء ما يردعه؛ ما فاه بهذه المخرقة؛ فإنه قد سبق شيخ الإسلام على ذلك الأئمة الأعلام سلفا وخلفا؛ وما خالفهم في ذلك إلا كل من لا يعتد به؛ ولا يعتمد عليه في الخلاف والوفاق؛ وقد تقدم كلام أبي عبد الله الحليمي؛ وكلام أبي يزيد البسطامي؛ وأبي عبد الله القرشي؛ وكلام العلماء في ذلك سلفا وخلفا كثير جدا لا يخفى إلا على من أعمى الله بصيرته؛ وقد اشتهر وظهر عند الخاص والعام.
من عدل شيخ الإسلام وإنصافه أن ليس عنده في مسائل الفروع ميل إلا إلى ما دل عليه الكتاب والسنة؛ وإذا ذكر المسألة فإنه يذكر فيها مقالات الأئمة الأربعة وأصحابهم وغير أصحابهم ممن بعدهم أو قبلهم من الصحاتة والتابعين وتابعيهم؛ ويذكر دليل كل قول وتقريره على وجه لا يكاد يوجد في الكتب المصنفة لهم؛ فكيف في مسائل أصول الدين التي ليس بين الأمة في مسائلهما المشهورة خلاف؛ وإنما يخالف فيها أهل الأهواء والبدع؛ وهو من أعرف خلق الله بمذاهب أهل الأهواء ووقت حدوثها.
قال الإمام الذهبي في معجم شيوخه: هو شيخنا وشيخ الإسلام وفريد العصر علما ومعرفة وشجاعة وذكاء وتنويرا إلهيا وكرما ونصحا للأمة وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر سمع الحديث وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته؛ وخرج ونظر في الرجال والطبقات؛ وحصل ما لم يحصله غيره؛ وبرع في تفسير القرآن؛ وغاص في دقائق ومعانية بطبع سيال وخاطر وقاد إلى مواضع الإشكال ميال؛ واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها؛ وبرع في الحديث وحفظه فقل من يحفظ ما يحفظ من الحديث؛ مع شدة استحضاه له وقت الدليل؛ وفاق الناس في معرفة الفقه؛ واختلاف المذاهب؛ وفتاوى الصحابة والتابعين؛ وأتقن العربية أصولا وفروعا؛ ونظر في العقليات؛ وعرف أقوال المتكلمين ورد عليهم؛ ونبه على خطئهم؛ وحذر منهم؛
ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين؛ وأوذي في الله تعالى من المخالفين؛ وأخيف في نصر السنة المحفوظة؛ حتى أعلى الله تعالى مناره؛ وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له؛ وكبت أعداءه؛ وهدى به رجالا كثيرا 1 من أهل الملل والنحل؛ وجبل قلوب الملوك والأمراء على الإنقياد له غالبا وعلى طاعته؛ وأحيا به الشام بل الإسلام بعد أن كاد ينثلم؛ خصوصا في كائنة التتار؛ وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي؛ فلو حفلت بين الركن والمقام أني ما رأيت بعيني مثله؛ وأنه ما رآى هو مثل نفسه لما حنثت.
فانظر إلى ما قاله هذا الإمام المنصف من أنه من أعرف خلق الله بمذاهب أهل الأهواء ووقت حدوثها؛ وأنه يصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين؛ وأنه أوذي في الله تعالى؛ ومن جعلتهم هذا الرجل لأنه من المخالفين؛ وأخيف في نصر السنة حتى أعلا الله تعالى مناره؛ وجمع قلوب أهل التقى على محبته والدعاء له.
وهذا الرجل لو كان عند أهل العلم ممن يتقي الله لكان من جملة أهل التقى المحبين له والداعين له وأن الله كبت أعداءه؛ وهدى به رجالا كثيرا من أهل الملل والنحل؛ وأن الله أحيا به الشام بل الإسلام؛ إلى غير ذلك مما ذكر في فضله.
وهذا الرجل- عامله الله بعدله- يقول: "ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك؛ وعدل عن الصراط المستقيم؛ وابتدع ما لم يقله عالم قبله" إلى آخر كلامه.
وإنما حمله على هذا الكلام الحسد والهوى؛ وعدم خشية الله؛ والغلو الذي خرج به عن الصراط المستقيم وسلوك طريق أئمة الدين من الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين الذين لهم قدم صدق في العالمين؛ فشيخ الإسلام هو الذي نصر الله به السنة؛ وقمع به أهل البدعة؛ فصاروا ببدعتهم مستترين؛ وأعز الله به الإسلام بعد أن كاد ينثلم.
وقال الإمام محمد التافلاني مفتي الحنفية بعد كلام له: وقد أثنى عليه جمهور معاصريه؛ وجمهور من تأخر عنه؛ وكانوا خير مناصرية؛ وهم ثقاة صيارفة حفاظ عريفهم في النقد دونه عريق عكاظ؛ وطعن فيه بعض معاصريه بسبب أمور أشاعها مشيع لحظ نفسه؛ أو لأجل معاصرة التي لا ينجو من سمها إلا من قد كمل في قدسه؛ فخلف من بعدهم مقلدهم في الطعن فتجاوز فيه الحد؛ ورماه بعظائم موجبة للتعزير والحد؛ ولو قال هذا المقلد كقول بعض السلف حين سئل عما جرى بين الإمام علي ومعاوية فقال"تلك دماء طهر الله منها سيوفنا أفلا نطهر منها ألسنتنا" لنجا من هذا العنا؛ وهذا الإمام تصانيفه قد ملأت طباق الثرى؛ واطلع عليها القاصي والداني من علماء الورى؛ فما وجدوا فيها عقيدة زائغة؛ ولا عن الحق
رابغة 1؛ كم سل السيوف الصوارم على فرق الضلال؛ وكم رماهم بصواعق براهين محرقة كالجبال؛ تنادي عقيدته البيضاء بعقيدة السلف؛ ولا ينكر صحتها وأفضليتها من خلف منا ومن سلف؛ شهد له الأقران بالإجهاد؛ ومن منع له فقد خرط بكفه شوك القتاد.
وقال الإمام الحافظ بن عبد الهادي في رده على السبكي لما قال:"إن المبالغة في تعظيمه أي الرسول واجبة" فقال: إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيما؛ حتى الحج إلى قبره؛ والسجود له؛ والطواف به؛ واعتقاده أنه يعلم الغيب؛ وأنه يعطي ويمنع؛ ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع؛ وأنه يقضي حوائج السائلين؛ ويفرج الكروب؛ وأنه يشفع فيمن يشاء؛ ويدخل الجنة من يشاء؛ فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك؛ وانسلاخ من جملة الدين.
انتهى.
ولو ذهبنا نذكر ما ذكره العلماء في مناقبه وفضائله؛ وما ردوا به على مخالفيه في هذه الباحث لطال الكلام.
فإذا تحققت ما ذكره أهل العلم في شيخ الإسلام تبين لك أن السبكي هو الذي خرج عن الصراط المستقيم؛ وخالف ما عليه الأئمة من علماء المسلمين؛ وأنه هو الذي ابتدع مالم
يقله عالم قبله؛ فصار بافترائه وعدوانه مثلة بين أهل الإسلام؛ ممن له معرفة بالعلوم ومدارك الأحكام؛ فلا يلتفت إلى مفترياته عاقل؛ ولا ينظر في أساطيل أساطيرها فاضل؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل.