الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشاميةصفحات 9-48
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل: في نقض تسميته عباد القبور: أهل السنة والجماعة...

صفحات 9-48

فصل "قال الملحد أما بعد: فيقول خويدم طلبت العلم الفقير إلى الله محمد عطا الكسم: إنه قد أخبرني بعض الإخوان أنه قد اجتمع برجل من الوهابية؛ يوسوس لأهل السنة المحمدية؛ بتحريم التوسل بخير البرية؛ عليه أفضل الصلاة وأتم التحية إلى آخر ما قال".
والجواب وبالله التوفيق أن أقول: قد سبق هذا الملحد إلى تسمية عباد القبور: أهل السنة المحمدية من أعمى الله بصيرة قلبه طاغية العراق داود بن جرجيس العراقي؛ وأجابه على ذلك الإمام وعلم الهداة الأعلام الشيخ عبد اللطيف؛ فنذكر من جوابه ما يبطل تسمية هذا الملحد عباد القبور أهل السنة المحمدية؛ قال رحمه الله تعالى1: والجواب أن يقال أولا: تسمية عباد القبور أهل سنة وجماعة جهل عظيم بحدود ما أنزل الله على رسوله؛ وقلب

للمسميات الشرعية؛ وما يراد من الإسلام والإيمان والشرك والكفر؛ قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: آية97] وهذا وأمثاله أجدر من أولئك بالجهل وعدم العلم بالحدود لغربة الإسلام؛ وبعد العهد بآثر النبوة.
وأهل السنة والجماعة أهل الإسلام والتوحيد؛ المتمسكون بالسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقائد والنحل والعبادات الباطنة والظاهرة؛ الذين لم يشوبوها ببدع أهل الأهواء وأهل الكلام في أبواب العلم والاعتقادات؛ ولم يخرجوا عنها في باب العلم والإرادات؛ كما عليه جهال أهل الطرائق والعبادات؛ فإن السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سنه أو أمر به من أصول الدين وفروعه حتى الهدى والسمت؛ ثم خصت في بعض الاطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات خلافا للجهمية المعطلة النفاة؛ وخصت بإثبات القدر وبنفي الجبر خلافا للقدرية النفاة وللقدرية الجبرية العصاة؛ وتطلق أيضا على ما كان عليه السف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم وشرط أكبر كقوله " الحج عرفة " 1 ولأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم؛

ولذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول كتب السنة ككتاب السنة للالكائي والسنة لأبي بكر الأثرم؛ والسنة للخلال؛ والسنة لابن خزيمة والسنة لعبد الله بن أحمد ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم.
انتهى.
وهذا الملحد يرى أن أهل السنة المحمدية هم الذين يتوسلون ويدعون الأنبياء والأولياء والصالحين ويلتجؤون إليهم ويستغيثون بهم ويستعينون بهم في الشدائد والمهمات؛ ويرجونهم لكشف الكربات وإغاثة اللهفات؛ ويتقربون إليهم بأنواع القربات من الذبح لهم والنذر والخوف والتعظيم والدعاء والإنابة إليهم والتوكل عليهم والخضوع لهم.
ومن عجيب أمر هؤلاء الغلاة ما ذكره حسين بن محمد النعيمي اليمني في بعض رسائله أن امرأة كف بصرها فنادت وليها: أما الله فقد صنع ما ترى؛ ولم يبق إلا حسبك

قال الشيخ عبد اللطيف رحمه الله "1": وحدثني سعد بن عبد الله بن سرور الهاشمي رحمه الله؛ أن بعض المغاربة قدموا مصر يريدون الحج فذهبوا إلى الضريح المنصوب إلى الحسين رضي الله عنه بالقاهرة فاستقبلوا القبر وأحرموا ووقفوا وركعوا وسجدوا لصاحب القبر؛ حتى أنكر عليهم سدنة المشهد وبعض الحاضرين؛ فقالوا: هذا محبة في سيدنا الحسين.
وذكر بعض المؤلفين من أهل اليمن أن مثل هذا وقع عندهم.
وقد حدثني الشيخ خليل الرشيدي بالجامع الأزهر أن بعض أعيان المدرسين هناك قال: لا يدق وتد بالقاهرة إلا بإذن السيد أحمد البدوي.
قال فقلت له: هذا لا يكون إلا لله أو كلاما نحو هذا؛ فقال: حبي في سيدي أحمد البدوي اقتضى هذا.
وحتى أن رجلا سأل الآخر: كيف رأيت الجمع عند زيارة الشيخ الفلاني؟ فقال: لم أر أكثر منه إلا في جبال عرافا؛ إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط؛ ولا صلوا مدة ثلاثة أيام؛ فقال السائل قد تحملها الشيخ؛ قال بعض الأفاضل: وباب تحمل الشيخ مصراعاه ما بين بصرى وعدن؛ 1

قد اتسع خرقه؛ وتتابع فتقه؛ ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد وساكن البلد.
انتهى.
ولو ذهبنا نذكر ما يفعله عباد القبور والأولياء والصالحين لطال الكلام.
فهؤلاء عند هذا الملحد أهل السنة والجماعة فنعوذ بالله من رين الذنوب وانتكاس القلوب.
إذا تحققت هذا وعرفته فقول هذا الملحد: إيه قد اجتمع برجل من الوهابية يوسوس لأهل السنة المحمدية بتحريم التوسل بخير البرية".
مراده بالتوسل هنا: أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم والاستغاثة به والالتجاء إليه فيما لا يقدر عليه إلا الله يسمى توسلا وتشفعا؛ وهذا فرار منه أن يسمى شركا وكفرا؛ ومن المعلوم عند ذوي العلوم والفهوم أن لفظ التوسل بالشخص والتوجه به والسؤال به فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح؛ فمعناه في لغة الصحابة رضي الله عنهم وعرفهم أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكون التوسل به والتوجه به في الحقيقة بدعائه وشفاعته وذلك لا محذور فيه؛ والتوسل له أقسام؛ فقسم مشروع؛ وهو التوسل بالأعمال الصالحة وبدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وطلب الاستغفار منه وبدعاء الصالحين وأهل الفضل والعلم كما استسقى عمر رضي الله عنه بدعاء العباس1ومعاوية رضي الله عنهما بدعاء يزيد بن الأسود

الجرشي1؛ وكذلك بالأعمال الصالحة؛ وقسم محرم وبدعة مذمومة وهو التوسل بحق العبد وجاهه وحرمته نبيا كان ذلك أو وليا أو صالحا؛ كأن يقول الإنسان: اللهم إني أسألك بجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أو بجاه عباد الله الصالحين أو بحقهم أو بحرمتهم؛ ونحو ذلك لأن ذلك لم يرد به نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين رضي الله عنهم؛ فإذا عرقت أن معنى التوسل في لغة الصحابة طلب الدعاء؛ وأن هذا هو الشرع؛ وأن ما عداه إما شرك أو محرم أو مكروه مبتدع؛ عرفت أن قصد هؤلاء بالتوسل هو دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين؛ وصرف خالص حق الله تعالى لهم بجميع أنواع العبادات من الدعاء والخوف والرجاء والنذر والتوكل والاستغاثة والاستعانة والاستشفاع بهم وطلب الحوائج من الولائج في المهمات والملمات وكشف الكربات وإغاثة اللهفات ومعافاة أولى العاهات والبليات؛ إلى غير ذلك من الأمور التي صرفها المشركون لغير فاطر الأرض والسماوات؛ نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه؛ فمن صرف من هذه الأنواع شيئا لغير الله؛ فهو كافر مشرك بإجماع المسلمين؛ كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وغيره من العلماء.

فصل: قوله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "الآخذ باليد وقت الشدائد... " الخ.... فصل "ثم قال الملحد: ولكن من فرط المحبة لهذا المحبوب الذي هو صفوة علام الغيوب الآخذ باليد وقت الشدائد والخطوب".
والجواب أن يقال: إن قول هذا الملحد: " الآخذ باليد وقت الشدائد والخطوب" كلام متضمن لغاية الغلو والإطراء الذي وقعت فيه النصارى وأمثالهم وهو مناف لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ* يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ*﴾ [الانفطار: آية 18-19] وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: آية 21] وقوله تعلى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [يونس: آية 49] وللحديث الصحيح حيث قال لا بنته فاطمة وأحب الناس إليه: "يا فاطمة بنت محمد سليني من ما لي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا" 1.

فتأمل ما بين هذه النصوص وبين قول هذا الملحد من التضاد والتباين ثم الصادمة منه لما ذكره الله تعالى وذكره رسوله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: آية 128] وتأمل ما ذكر العلماء في سبب نزولها1وأمثال هذه الآية كثير لم ينسخ حكمها ولم يغير؛ ومن ادعى ذلك فقد افترى على الله كذبا وأضل الناس بغير علم.

فصل: نقل الملحد كلام القسطلاني المتضمن خلق العالم بما فيه من روح النبي... الخ.... فصل "ثم قال الملحد: قال القسطلاني في "المواهب اللدنية": اعلم يا ذا العقل السليم؛ والمتصف بأوصاف الكمال والتتميم؛ وفقني الله وإياك لهداية الصراط المستقيم؛ أنه لما تعلقت إرادة الحق تعالى بإيجاد خلقه؛ وتقدير رزقه؛ أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية في الحضرة الأحدية؛ ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها على صورة حكمه؛ كما سبق في سابق إرادته وعلمه؛ ثم أعلمه تعالى: بنبوته؛ وبشره برسالته؛ هذا وآدم لم يكن إلا كما قال: بين الروح والجسد ثم انبجست منه- صلى الله عليه وسلم- عيون الأرواح.
قال الشارح الإمام الزرقاني: أي تفجرت منه –صلى الله عليه وسلم- عيون الأرواح.
أي: خالصها كأرواح الأنبياء؛ والمراد بالعيون الكمالات المفرغة من نوره على أرواح الأنبياء؛ عبر عنها بالعيون مجازا لمشابهتها لعيون الإنسان للكمال".
والجواب ومن الله أستمد الصواب أن نقول: هذا كلام مخترع مبتدع؛ لم يقل به أحد ممن يعتد بقوله من أهل

الإسلام؛ ولم ينقله أحد من العلماء الأمناء عن الأئمة الأعلام؛ وليس هو في شيء من الكتب المعروفة المشهورة؛ كالصحاح والسنن والمساند وغيرها من الكتب المعتمدة؛ بل هو من الترهات التي يحكيها هؤلاء الغلاة المتهوكون؛ الحيارى المفتونون؛ الذين ليس لهم قدم صدق في العالمين؛ وليسوا من حملة سنة سيد المرسلين؛ ولا لهم معرفة بمدارك الأحكام؛ ولا أقول أهل السنة أئمة الإسلام؛ وإنما ينقلون مثل هذه الحكايات التي لا أصل لها في الكتاب والسنة عن مثل القسطلاني وغيره؛ ويغترون بها فضلوا وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل؛ إذ ليس لهم في ذلك مستند ولا حجة من البرهان والدليل؛ بل هذا مقتبس من أقوال الفلاسفة ومن نحا نحوهم من المتكلمين.
ومن المعلوم بالضرورة أن ما حكاه هذا الملحد عن القسطلاني إن كان صحيحا لا يدرك معرفة ذلك على التحقيق إلا من مشكاة النبوة؛ بنقل حملة السنة والقرآن؛ أهل المعرفة والحفظ والإتقان.
ولا خبر بذلك بنقل صحيح عن رسول –صلى الله عليه وسلم- يجب المسير إليه؛ فما كان هذا سبيله فهو مطرح ساقط لا يلتفت إليه؛ ولا يقول في الحكم عليه؛ إذا هو من الترهات الواهية؛ التي هي عن الدليل عارية؛ بل هو مصادم لصريح الكتاب والسنة كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات: آية 13]

وهذا خطاب للإنسان الذي هو روح وبدن؛ فدل على أن جملته مخلوقة بعد خلق الأبوين؛ وأصرح منه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: آية 1] وهذا صريح في أن خلق جملة النوع الإنساني بعد خلق أصله.
وفي الموطأ: حدثنا زيد بن أبي أنيسة أن عند الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: آية 172] فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: "خلق الله آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته؛ فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون؛ وخلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون" فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله إذا خلق الرجل للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال الجنة فيدخل به الجنة؛ وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال النار فيدخل به النار" 1 قال الحاكم: هذا حديث على شرط

................................................................................................................................

مسلم؛ وروى الحاكم أيضا من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: "لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خلقها إلى يوم القيامة أمثال الذر؛ ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم

وبيصا من نور؛ ثم عرضهم على آدم فقال: من هؤلاء يا رب؟ فقال: هؤلاء ذريتك؛ فرأى رجلا منهم أعجبه وبيص ما بين عينيه فقال: يا رب من هذا؟ فقال: هذا ابنك داود يكون في آخر الأمم؛ قال آدم 1: كم جعلت له من العمر؟ قال: ستين سنة؛ قال: يا رب زده من عمري أربعين سنة "حتى يكون عمره مائة سنة"2 فقال الله: إذا يكتب ويختم فلا يبدل؛ فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت"لقبض روحه": 2 قال آدم: أولم يبق من عمري أربعون سنة:؟ فقال "له ملك الموت"2: أولم تجعلها لا بنك داود.
قال: مجحد فجحدت ذريته؛ ونسى فنسيت ذريته؛ وخطأ فطئت ذريته" قال: هذا على شرط مسلم 3وفي صحيح الحاكم من حديث أبي جعفر الرازي حدثنا الربيع بن أنس 4 عن أبي العالية عن أبي بن

كعب في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الآية] قال: جمعهم له يومئذ جميعا"1" ما هو كائن إلى يوم القيامة فجعلهم أرواحا ثم صورهم واستنطقهم فتكلموا وأخذوا عليهم العهد والميثاق ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ 2 قال: فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع؛ وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة "لم نعلم أو تقولوا" إنا كنا عن هذا غافلين فلا تشركوا بي شيئا؛ فإني أرسلت إليكم رسلي يذكرونهم عهدي وميثاقي؛ وأنزل عليكم كتلي؛ فقالوا: "نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك" 2 ورفع لهم أبوهم آدم " فنظر إليهم" 2 فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة وغير ذلك؛ فقال: يا رب لو سويت بين عبادك؛ فقال: إني أحب أن أشرك.
ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج؛ وخصوا بميثاق آخر بالرسالة والنبوة 3 فذلك قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ

النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: آية 7] وهو قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: آية 30] وهو قوله: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنْ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: آية56] وقوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: آية 102] والآيات في هذا المعنى كثيرة.
والمقصود مما ذكرنا أن آدم رأى فيهم الأنبياء مثل السرج وذلك بعد إخراجهم من صلبه؛ فهذا فيه دلالة ظاهرة على بطلان من زعم أنعه لما تعلقت إرادة الحق لعالى بإيجاد خلقه وتقدير رزقه؛ أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية في الحضرة الأحدية؛ ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها؛ ثم انبجست منه – صلى الله عليه وسلم- عيون الأرواح فعلى زعم هذا القائل أن الله لم يخلق جميع النوع الإنساني إلا من نور محمد؛ وأن

الملائكة مخلوقون من نوره وعلى هذا فلا معنى لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات: آية 13] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: آية 1] وأن هذه الأحاديث لا دلالة فيها؛ سبحانك هذا بهتان عظيم.
إذا عرفت هذا فهذه الأحاديث لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقا مستقرا ثابتا؛ غايتها أنها تدل بعد صحتها وثبوتها على أن بارئها وفاطرها سبحانه صور النسم وقدر خلقها وآجالها وأعمالها؛ واستخرج تلك الصور من مادتها؛ ثم أعادها إليها؛ وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له؛ وهذا هو المطلوب ولا تدل على أنها خلقت خلقا مستقرا؛ ثم استقرت بوجوده حية عالمة ناطقة كلها في موضع واحد؛ ثم يرسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة كما يقول محمد بن حزم.
نعم الرب سبحانه يخلق منها جملة على الوجه الذي سبق به التقدير أولا؛ فيجيء الخلق الخارجي مطابقا للتقدير السابق كشأنه تعالى في جميع مخلوقاته؛ فإنه قدر لها أقدارا وآجالا وصفاتا وهيئة ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير الذي قدره الله لها لا يزيد عليه ولا ينقص منه؛ فالآثار المذكورة في هذا الباب إنما تدل على إثبات القدر السابق؛ وبعضها يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السعادة

من أهل الشقاوة.
انتهى ملخصا من كتاب الروح لا بن القيم رحمه الله تعالى.
ثم قال بعد ذلك: فهذا بعض كلام السلف والخلف في هذه الآية؛ وعلى كل تقدير فلا يدل على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقا مستقرا؛ وإنما غابته أن تدل على إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذر واستنطاقهم؛ ثم ردهم إلى أصلهم إن صح الخبر بذلك؛ والذي صح إنما هو إثبات القدر السابق وتقسيمهم إلى شقي وسعيد.
انتهى.
فتحصل لنا مما ذكر من كلام السلف إبطال دعوى من ادعى أن أرواح الأنبياء مخلوقة من نور محمد- صلى الله عليه وسلم- قبل خلق السماوات والأرض وقبل العرش والقلم واللوح؛ وأن جميع المخلوقات تفرعت جزء ابعد جزء؛ وخلقا بعد خلق؛ إنسان؛ وجنها؛ وجنتها؛ ونارها؛ وحتى الملائكة من نور محمد- صلى الله عليه وسلم-؛ وهذا مما يعلم بضرورة العقل أن هذا من الكذب والحكايات التي لا أصل لها؛ بل الذي ثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم أن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ ففي صحيح مسلم من حديث ابن وهب: أخبرني أبو هانىء الخولاني عن أبي عند الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين

ألف سنة وعرشه على الماء" 1.
وهذا الملحد يزعم أن الحقيقة المحمدية أبرزت من الأنوار الصمدية في الحضرة الأحدية؛ قبل خلق العرش والماء والقلم الذي كتب مقادير كل شيء قبل خلق السماوات السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ وهذا التر مناف لصريح الكتاب والسنة ومناقض لهما أشد المناقضة؛ وهذه الترهات مقتبست من كلام ابن عربي صاحب الفصوص الذي هو من أكفر خلق الله؛ فإنه ذكر في "الفتوحات" من نمط هذا؛ وفي " الفصوص" في أثناء كلام له قال فيه: فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع؛ فكل نبي من بني آدم إلى آخر النبي؛ ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين؛ وإن تأخر وجود طينته؛ فإنه بحقيقته موجود وهو قوله: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" وغيره ما كان نبيا إلى حين بعث؛ وكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين؛ وغيره من الأولياء ما كان وليا إلا تعد تحصيل شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من كون الله بالولي الحميد إلى آخر كلامه.2

وبهذا تعلم أنهم إنما حذوا حذوه؛ وقفوا أثرهم؛ مع أن قوله: "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" مما يرويه العوام؛ وهذا باطل؛ واللفظ المعروف "بين الروح والجسد" 1؛ لأن بين الماء والطين مرتبة.

وكذلك قوله: "وغيره ما كان نبيا إلى حين بعث" فإنه مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم " إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " ولقوله في حديث أبي بن كعب المتقدم " ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج وخصوا بميثاق آخر بالرسالة والنبوية " إلى آخره.
وهؤلاء الغلاة يظنون أنهم بهذه الترهات معظمين الرسول؛ وهم بهذه الأمور ضارعوا النصارى في الغلو والإطراء؛ ويزعمون أنهم بهذا الغلو قد بالغوا في تعظيمه صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتبجيله وتعزيره؛ وحاشا وكلا بل هو مما يكرهه صلى الله عليه وسلم ويسخطه وينهي عنه كما قال صلى الله عليه وسلم " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله " أخرجاه في الصحيحين "1؛ وقوله صلى الله عليه وسلم لما قيل له يا سيدنا وخيرنا وابن خيرنا فقال: " يا أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عزوجل" 2.

وإنما كره ذلك صلى الله عليه وسلم خشية أن يستجرينهم الشيطان في المبالغة في المدح والثناء فيخرج بهم إلى حد الإطراء فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى الأدب في الألفاظ؛ وعلمهم كيفية الثناء عليه بأن يقولوا: عبد الله ورسوله.
فتبين من هذا الحديث أن أشرف مقامات النبي صلى الله عليه وسلم مقام العبودية والرسالة؛ ولذلك شرفه الله بهما في مقام التحدي وغيره؛ فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقر: آية 23] وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: آية 1] وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: آية 1] وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: آية 1] وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [القلم: آية 29] وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: آية 19].
فتعظيمه صلى الله عليه وسلم إنما هو بطاعته؛ وامتثال أمره؛ والانتهاء عما نهى عنه؛ ولزوم متابعته؛ وتقديم قوله على قول كل أحد من

الخلق بهديه وسنته؛ فصلوات الله وسلامه عله كما نصح الأمة؛ وكشف الغمة؛ وأدى الأمانة؛ وبلغ الرسالة؛ وقطع الوسيلة والذريعة المفضية إلى مجاوزة الحد بالغلو والإطراء في مدحه والثناء فليه كما أطرت النصارى عسى بن مريم وغلت فيه حتى تجاوزت الحد بدعواهم إلهيته وأنه هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وقد تجاوز الحد في مدحه والثناء عليه من هذه الأمة أناس ضاهوا النصارى كما قال دحلان 1 في كتابه الذي سماه " الدرر السنية " فقال: "نعم يجب علينا أن لا نصفه بشيء من صفات الربوبية؛ فليس في تعظيمه بغير صفات الربوبية شيء من الكفر والإشراك؛ بل ذلك من أعظم الطاعات.
ورحم الله البوصيري حيث قال: دع ما ادعته النصارى في نبيهمو... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم انتهى".

وهذا ليس من التعظيم المشروع في شيء؛ بل هو من صرف خالص حق الله لغيره؛ فإن دعاء غير الله والنحر له والنذر له والاستغاثة به والالتجاء إليه والطواف له والسجدة له والركوع له وغيرها من أنواع العباد كفر وشرك؛ مع أنها تعظيم بغير صفات الربوبية؛ بل الذي يجب علينا أن لا نعبد غير الله بقسم من أقسام العبادة المتقدمة ذكرها؛ وأن لا نفعل ما نهى الله عنه ورسوله؛ وأن لا نحدث في أمر الدين شيئا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: آية 18] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: آية 106] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: آية 107] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: آية 162]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إفراد الله تعالى بالعبادة دون ما سواه كائنا من كان.

فصل: ذكر الملحد حديث جابر وفيه " إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك.... الخ.... فصل قال الملحد: " وروى عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: بأبي وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء؟ قال يا جابر: إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جن ولا إنس، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول السماوات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله، ومن

الثالث نور أنسهم وهو التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله إلى آخر" 1.
والجواب أن يقال: هذا حديث موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالف لصريح الكتاب والسنة، وهذا الحديث لا يوجد في شيء من الكتب المعتمدة، وإنما يوجد مثل هذا في الكتب المصنفة في شرح الخصائص والشمائل وفي بعض الكتب، كما يذكر أمثال ذلك أبو نعيم وابن عساكر وأبو حامد الغزالي وابن أبي الدنيا في جزء التفكر والاعتبار من الأحاديث

الموضوعة المكذوبة، ولا حاجة بأهل الإسلام إلى شيء مما يتعلق بخصائص النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله وفضائله من هذه الموضوعات، وفيما ذكره أهل العلم بالله من حملة السنة والقرآن وأهل الحفظ والإتقان من خصائص النبي وفضائله ومعجزاته وشمائله مما صح الخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقنع عما يذكره هؤلاء من الأكاذيب الموضوعة والأحاديث المصنوعة، فمن ذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا1، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" 2.
وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث البراء قال: " لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها3المعاول، فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة كسر4ثلثا، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال: الله أكبر

أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله فقطع باقي الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني" 1.
وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس2وهو يقول: "إني أبر إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون" قبور أنبيائهم وصالحيهم"3 مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" 4.
وله من المعجزات والفضائل والخصائص ما ليس لغيره

من الأنبياء مما لا يحصى ولا يستقصى.
ومن أعظم ما خصه الله به من الفضائل المقام المحمود الذي يغبطه به النبيون، قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله على قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: آية 79] قال: يقعده معه على العرش.1

وله في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى فيشفع لأهل الموقف حتى يقضى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه.
وأما الشفاعة الثانية، فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.
وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، ويشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها.
وله الحوض المورود في عرصات القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا.

وهو أول من يفتح له باب الجنة وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته.
والمقصود من هذا: أن قول هذا الملحد فيما أورده عن القسطلاني من تلك الحكاية، وما ذكره من هذا الحديث الموضوع " أن أول ما خلق الله من الأشياء نور محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع المخلوقات خلقت من نوره حتى النار" 1مناقض لما ذكره الله في كتابه، وعلى لسان رسوله في سنته.
ولو كان حقا ثابتا، أو كان من الفضائل والخصائص لذكره أهل الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من الكتب المعتمدة، ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن هذا من الكذب الذي لا يمتري فيه عاقل، فضلا عن العلماء الذين هم أعلم الخلق بالله وبكتابه ورسوله وسنة نبيه.
وإذا كان نور رسول الله صلى الله عليه وسلم على زعم هؤلاء مخلوقا من نور، فمن المعلوم بصريح النقل أن الملائكة مخلوقون من النور أيضا، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" 2.
وفي تفسير الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه من حديث حماد بن سلمة حدثنا الزبير بن عبد السلام عن أيوب بن عبد الله بن مكرز عن أبيه

قال: قال عبد الله بن مسعود: " إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار، ونور السموات من نور وجهه" الحديث إلى آخره.1
ونهى العلماء عن استقبال الشمس والقمر ببول أو غائط لما فيهما من نور الله2، فإذا كان ذلك كذلك فما خاصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وامتيازه عن هذه المخلوقات؟ إذ من

المعلوم بالضرورة أن خلق آدم من صلصال كالفخار، وقد فضله الله على الملائكة وهم مخلوقون من نور، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، وآدم عليه السلام فمن دونه تحت لوائه يوم القيامة، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق أن الملائكة خلقت من نور، ولم يقل: خلقت من نور محمد فدل على أن هذا كذب عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: آية26، 27] وثبت بالإسناد الذي على شرط الصحيح عن عبد الله بن عمرو أنه قال: قالت الملائكة: يا ربنا قد جعلت لبني آدم الدنيا يأكلون ويشربون، فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا، فقال: لا أفعل.
ثم أعادوا عليه، فقال: لا أفعل.
ثم أعادوا عليه، فقال: وعزتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان 1.
فإذا ثبت أن الملائكة مخلوقون من نور وأن خلق آدم وذريته من

.....................................................................................................................................

.....................................................................................................................................

صلصال من حمإ مسنون؛ وأقسم بعزته جل ثنائه وتقدست أسمائه أن من خلق بيده أفضل من الملائكة المخلوقين من النور؛ وأنه لا يجعل صالح ذريته كلملائة؛ وقال عبد الله بن سلام:" ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد –صلى الله عليه وسلم- فقيل له: يا أبا يوسف ولا جبرائيل ولا ميكائيل؟ فقال: يا ابن أخي أو تعرف ما جبرائيل وميكائل؟ إنما جبرائيل وميكائيل خلق مسخر مثل الشمس والقمر ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد"وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: " خلق الله التربة يوم الاثنين؛ وخلق المكروه يوم الثلاثاء؛ وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس؛ وخلق آدم 1 بعد العصر من يوم الجمعة 2 في آخر الخلق في آخر الساعة من الساعات

الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" 1 فتبين من هذا الحديث أن خلق النور يوم الأربعاء؛ وآدم خلق بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق.
وقد ثبت أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر" 2 فكيف يصح في الأذهان أن يكون آدم مخلوقا من نور أفضل ولده؟ وقد أخبرنا الله في كتابه وعلى لسان رسوله أن الله خلق آدم من صلصال من حمإ مسنون؛ أو تكون النار التي هي محل غضبه وسخطه مخلوقة من نور محمد؟ وقد ثبت أن الله خلق النار قبل أن يخلق آدم وذريته.
ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن نور الله الذي هو صفته غير مخلوق؛ وليس من الله شيء مخلوق؛ وإنما تكون الأشياء وتخلق بأمره وتكوينه وأفعاله سبحانه وبحمده إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
فإذا عرفت هذا عرفت أن ما ذكره القسطلاني لا يصح وأن هذا الحديث موضوع مكذوب؛ وإذا كان ذلك كذلك تبين لك أنه لم يكن قبل خلق آدم خلق من ذريته يسمى عالم الغيب لا أرواح ذريته من الأنبياء ولا غييرهم.

فإذا عرفت هذا فنذكر هنا من الأحاديث الصحيحة ما يبطل دعى هؤلاء الوضاعين الغلاة وأن الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أول ما خلق الله تعالى من الأشياء العرش أو القلم كما ذكره أهل العلم.قال الشيخ الإسلام: الوجه التاسع أنه قد ذكرنا أن للسلف في العرش والقلم أيهما خلق الآخر قولين كما ذكره الحافظ أبو العلاء الهمذاني وغيره أحدهما: أن القلم خلق أولا؛ كما أطلق ذلك غير واحد؛ وهذا "1 هو الذي يفهم في الظاهر في كتب من صنف في الأوائل كالحافظ ابن أبي عروبة وابن أبي معشر الحراني وأبي القاسم الطبراني للحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عبادة بن الصامت أنه قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب.
فقال: يا رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مات على غير هذا فليس مني" 2.

.....................................................................................................................................

والثاني: أن العرش خلق أولا، قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في مصنفه في الرد على الجهمية حدثنا محمد بن كثير العبدي أنبأنا سفيان الثوري حدثنا ابن هشام عن مجاهد عن ابن عباس قال: " إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فكان أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما هو كائن، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه" 1 ورواه أيضا أبو القاسم اللالكائي في كتابه في شرح أصول السنة من حديث يعلى عن سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد قال: قيل لابن عباس: "إن ناسا يقولون في القدر قال: يكذبون بالكتاب لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونّه – أي لآخذن بناصيته – إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه" 2 وكذلك روى الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الأسماء والصفات لما ذكر بدء الخلق فذكر حديث عبد الله بن عمرو 3؛4وعمران بن حصين 5 وغيرهما؛ وسنذكر هذين

فصول الكتاب · 13 فصل · 324 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية · 324 صفحة
مقدمة
فصل: في نقض تسميته عباد القبور: أهل السنة والجماعة...
فصل: ذكر كلام ابن القيم في أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها....فصل: سياق أبيات ابن القيم في نونيته فيما يتعلق بحياة الأنبياء في قبورهم......فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور...فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة...فصل: في رد قول الملحد: هناك آيات أخر تشير إلى الالتجاء بالنبي الخ...
فصل: في رد قوله: إنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط...
فصل: ذكر الملحد عن معروف الكرخي أنه قال لتلاميذه:.. الخ...قال شيخ الإسلام: فصل: اتفق السلف على أن الأنبياء أفضل من الأولياء...فصل: ذكر الملحد مناظرة أبي جعفر المنصور مع مالك...فصل: زعم الملحد تبعا لابن حجر الهيتمي أن الشافعي توسل بآل البيت....فصل: في الفرق بين توحيد الربوبية والإلهية...
جارٍ التحميل