فصل: في نقض تسميته عباد القبور: أهل السنة والجماعة...
الحديثين إن شاء الله تعال؛ ثم ذكر حديث الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه سئل عن قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: آية 7] على أي شيء كان؟ قال: "على متن الريح" 1 وروى حديث القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أول شيء خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شيء يكون" 2 قال البيهقي: ويروى ذلك عن عبادة بن الصامت مرفوعا.
قال البيهقي: وإنما أراد والله أعلم أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش 3 القلم؛ وذلك بين في حديث عمران بن حصين "ثم خلق السماوات والأرض".
وفي حديث أبي ظبيان 1 عن عباس موقوفا عليه " ثم خلق النون فدحا 2 الأرض عليها".
وروى بإسناده الحديث المعروف عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان 1 عنى ابن عباس قال:"إن 3 أول ما خلق الله من شيء القلم فقال له: يا رب ما أكتب؟ قال: اكتب القدر.
قال فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة.
قال: ثم خلق النون فدحا 2 الأرض عليها فارتفع بخار الماء ففتق منه السماوات واضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال وإنها لتفتخر على الأرض إلى يوم القيامة" 4.
قلت: حديث عمران بن حصين الذي ذكر هو ما رواه البخاري من غير وجه منها ما رواه في كباب التوحيد في "باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم"5 قال أبو
العالية: استوى إلى السماء: ارتفع.
وقال مجاهد: استوى 1 على العرش.
وذكره من حديث أبي حمزة عن الأعمش عن جامع بن شداد 2 عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: " إني عند النبي – صلى الله عليه وسلم- إذا جاءه قوم من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم؛ قالوا: بشرتنا فأعطنا؛ فدخل الناس من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذا لم يقبلها بنو تميم؛ فقالوا قد قبلنا جئناك لنتفقه 3 في الدين؛ ولنسألك عن أول هذا الأمر؛ قال: كان الله ولم يكن شيء قبله؛ وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض؛ وكتب في الذكر كل شيء؛ ثم أتاني رجل فقال: يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهب فانطلقت أطلبها فإذا السراب ينقطع دونها وأيم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم" رواه البيهقي كما رواه محمد بن خهارون الروياني في مسنده.
وعن عثمان بن سعيد وغيرهما من حديث الثقات المتفق على ثقتهم عن أبي إسحاق الفزاري عن الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم – فعقلت ناقتي بالباب ثم دخلت؛ فأتاه نفر
من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا تميم قالوا: بشرتنا فأعطنا.
فجاء نفر من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها إخوانكم من بني تميم فقالوا: قبلنا يا رسول الله أتيناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض قال: ثم أتاني رجل فقال: أدرك ناقتك قال: فذهبت فخرجت فوجدتها ينقطع دونها السراب؛ وأيم الله لوددت أني تركتها.
ففي هذا الحديث الصحيح بيان أنه كتب في 1 الذكر ما كتبه بعد أن كان عرشه على الماء وقبل أن يخلق السماوات والأرض.
فتبين من هذه الأحاديث الصحيحة أن هذا الحديث الذي ذكره الملحد موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أول ما خلف الله العرش على الصحيح كما قال ابن القيم رحمه الله واذكر حديث السبق للتقدير التو... قيت قبل جميع ذي الأعيان خمسين ألفا من سنين عدها ال... مختار سابقة لذي الأكوان هذا وعرش الرب فوق الماء من... قبل السنين بمدة وزمان
والناس مختلفون في القلم الذي... كتب القضاء به من الديان هل كان قبل العرش أو هو بعده... قولان عن أبي العلا الهمداني والحق أن العرش قبل لأنه... قبل الكتابة كان ذا أركان وكتابة القلم الشريف تعقبت... إيجاده من غير فصل زمان لما براه الله قال اكتب كذا... فغدا بأمر الله ذا جريان فجرى بما هو كائن أبدا إلى... يوم المعاد بقدرة الرحمان وهؤلاء الجهلة يزعمون أن أول ما خلق الله من الأشياء نور محمد – صلى الله عليه وسلم ثم لما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول القلم؛ وهذا مناقض ومناف لما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين " مرفوعا" قال: " كان الله ولم يكن شيئ قبله وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر [كل شيء ثم خلق السماوات والأرض].
ففي هذا الحديث أنه كتب في الذكر] 1 بعد أن كان عرشه على الماء فصح أن العرش والماء مخلوقان قبل القلم؛ ولو كان الله خلق نور محمد – صلى الله عليه وسلم- قبل الأشياء لذكره في الحديث الصحيح؛ وقد سألوه عن أول هذا الأمر فأخبرهم أن الله كان ولم يكن قبله شيء وكان عرشه على الماء.
وذكر البيهقي فيما تقدم على حديث عبادة أن أول شيء خلقه الله بعد خلق الماء والريح والعرش القلم.
قال: وذكر بين في حديث عمران.
ولم يذكر خلق نور محمد لا قبل العرش ولا القلم ولا بعده.
ثم ذكر هذا الملحد أن الله قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السماوات ومن الثاني الأرض.
وهذا مخالف للأحاديث كما في حديث أبي ظبيان عن ابن عباس قال: " أول ما خلق الله عزوجل القلم" فذكره وفيه: " ثم خلق النور فدحا الأرض فأثبتت بالجبال" فتبين من هذا الحديث أن خلق الأرض قبل السماء كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ - إلى قوله:- ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: آية 9-11]. وهذا الجاهل يقول ثم خلق من الجزء الأول السماوات ومن الثاني الأرض خلاف ما
ذكره ابن عباس – رضي الله عنهما- وخلاف ما نزل به القرآن.
وقال عثمان بن سعيد حدثنا عبد الله بن صالح المصري؛ حدثنا ابن لهيعة ورشدين بن سعد عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: " لما أراد الله تبارك وتعالى أن يخلق شيئا إذا كان عرشه على الماء وإذا لا أرض 1 ولا السماء؛ خلق الريح فسلطها على الماء حتى اضطربت أمواجه وأثار ركامه؛ فأخرج من الماء دخانا وطينا وزبدا؛ فأمر الدخان فعلا؛ وسما؛ ونمى؛ فخلق منه السماوات؛ وخلق من الطين الأرضين؛ وخلق من التربة الجبال " 2. وهذا الجاهل يقول إن الله خلق السماوات والأرض من الجزء الرابع من نور محمد صلى الله عليه وسلم ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: آية 16].
فصل: ذكر الملحد حديث "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد".... الخ... فصل وأما قول الملحد: " أخرج الإمام أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم وأبو نعيم عن ميسرة الضبي قال: قلت يا رسول الله: متى كنت نبيا؟ قال: " وآدم بين روح والجسد" 1 قال المناوي في قوله: "متى كنت نبيا" الحديث؛ ولم يقل إنسانا ولا موجودا إشارة إلى أن نبوته كانت موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب دون عالم الشهادة؛ فلما انتهى الزمان بالاسم الباطن إلى وجود اسمه وارتباط الروح به؛ انتقل الحكم الزماني في جريانه إلى الاسم الظاهر؛ فظهر بذاته جسما وروحا فكان الحكم له باطنا أولا في كل ما ظهر من الشرائع على أيدي الأنبياء والرسل ثم صار له الحكم ظاهرا فنسخ كل شيء أبرزه الاسم الباطن بحكم الاسم الظاهر لبيان اختلاف حكم الاسمين وإن كان المشروع واحدا؛ انتهى".
فالجواب أن يقال: - ما ما ذكره المناوي على هذا الحديث
من قوله: " إشارة إلى أن نبوته كانت 1 موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب دون عالم الشهادة إلى آخره".
فهو من جنس الرموز والإشارات والاعتبار الذي سلكه المتصوفة من أهل السلوك؛ ومن جنس ما يذكره صاحب " الفصوص" في "الفتوحات"؛ ومن نمط ما يذكره أبو حامد الغزالي من الألفاظ المبتدعة المأخوذة عن الفلاسفة؛ كلفظ عالم الغيب والملكوت؛ وعالم الشهادة وغير ذلك من الألفاظ التي لا تذكر في شيء من الأحاديث؛ وإنما أصل هذه الألفاظ من وضع الفلاسفة واصطلاحاتهم؛ فيعبر هؤلاء بهذه العبارات المأخودة عن الفلاسفة؛ ويجعلون مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الآيات والأحاديث على ما أرادوا من معاني هذه الألفاظ المخترعة التي تخالف كاب الله وسنة رسوله.
ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام؛ ومما جاء عن سيد الأنام؛ أنه ليس قبل خلق السماوات والأرض خلق من بني آدم أرواحا؛ ولا غيرها يسمى عالم الغيب؛ ولا يوجد ذلك في كلام أئمة الإسلام؛ وهذا بناء من هؤلاء على أن الأرواح مخلوقة قبل خلق السماوات والأرض؛ وعليه وضع الوضاعون تفرع خلق جميع المخلوقات جزءا بعد جزء من نور محمد صلى الله عليه وسلم والذي ذكره أهل العلم من الأحاديث إنما هو
تقدير ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ فإن الله تعلى قدر مقادير الخلق وانقسام الخلق إلى سعيد وشقي؛ وميزهم قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح: " إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ وعرشه على الماء" وسيأتي بيان ذلك فيما بعد إن شاء 1 الله تعالى؛ ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قد كان نبيا في سابق علم الله قبل أن يخلق السماوات والأرض؛ فإن الله قدر ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ ولم يكن ثم عالم غيب من الأرواح لا أرواح الأنبياء ولا غيرهم من بني آدم.
وهذا بخلاف ما قاله المناوي " من أن نبوته كانت موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب؛ يعني أنه كان في أول الزمان فعالم الغيب روح موجودة بالاسم الباطن؛ ثم انتهى الزمان بالاسم الباطن إلى وجود جسمه وارتباط الروح به؛ إلى أن انتقل الحكم الزماني في جريانه إلى الاسم الظاهر؛ فظهر بذاته جسما وروحا" ومستنده في ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري في تاريخه؛ وأحمد والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم؛ عن ميسرة الضبي قال: قلت يا رسول الله: متى كنت نبيا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد".
ومن المعلوم أن هذا الحديث مناق لما قاله المناوي فإن
آدم عليه السلام إنما خلقه الله بعد خلق السماوات والأرض بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل.
ومعلوم أن خلق الزمان قبل خلق آدم بمدة طويلة؛ وإنما قال صلى الله عليه وسلم "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد" ولم يقل كنت نبيا في أول خلق الزمان؛ بمعنى انه كان في أول خلق الزمان روحا موجودة قبل خلق العرش والماء والريح والقلم؛ وأخرج صلى الله عليه وسلم في جملة من اخرج لما مسح الله ظهر آدم بيده فاستخرج ذريته كأمثال الذر؛ فعلم أن هذا الحديث مناقض لما قاله المناوي ومناف له.