الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشاميةفصل: في رد قول الملحد: هناك آيات أخر تشير إلى الالتجاء بالنبي الخ...
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل: في رد قول الملحد: هناك آيات أخر تشير إلى الالتجاء بالنبي الخ...

فصل قال الملحد: "وهنا آيات أخر تشير إلى الالتجاء به صلى الله عليه وسلم منها قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: آية 6] وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: آية 107] وقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: آية128] ". فالجواب أن يقال: ليس في هذه الآيات ما يشير إلى الالتجاء به صلى الله عليه وسلم، لا لفظا ولا معنى، والإلتجاء من خصائص الإلهية، فصرفه لغيره شرك يخرج من الملة، فمن التجأ إلى غير الله كان مشركا، فقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: آية 6].
قال في جامع البيان: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
في أمور الدارين.
قال عمر رضي الله عنه-: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال عليه السلام:"لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء حتى من

نفسي فقال:"الآن يا عمر" 1 وعن بعض المفسرين معناه: النبي أولى من بعضهم ببعض في وجوب طاعته عليهم، انتهى. وفال في الإكليل: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أخرج البخاري عن أبي هريرة مرفوعا:"ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرأوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته 2 من كانوا، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه"، انتهى.3
وفي صحيح البخاري أيضا: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين" 4.

إذا علمت هذا فغاية ما في هذه الآيات إخباره تعالى بأن رسوله- صلى الله عليه وسلم- أولى بالمؤمنين من أنفسهم في أمور دنياهم وأخراهم، وأن الله تعالى أرسله رحمة للعالمين ليخرجهم من الظلمات، أي ظلمات الكفر والمعاصي، إلى النور نور الإيمان والطاعة"وكان بالمؤمنين رحيما" كقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: آية128] فرأفته ورحمته بالمؤمنين، وغلظته وشدته على الكافرين، فمن آمن بالله ورسوله وأخلص العبادة بجميع أنواعها لله ولم يشرك فيها أحدا، لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، فضلا عن غيرهما، فالرسول أولى به من نفسه، ورأفته ورحمته- صلى الله عليه وسلم- خاصة بالمؤمنين به المؤتمرين لأمره، المنتهين عما نهى عنه، ومن أشرك بالله في عبادته أحدا من مخلوقاته كائنا من كان، والتجأ إليه في كشف المهمات وإغاثة اللهفات وصرف له خالص حق الله فرسوله الله منه بريء فلا تنال رأفته ورحمته وشفقته من أشرك بالله، ولا يكون من أهل ولاية الله في الدنيا والآخرة.
قال شمس الدين الحافظ ابن القيم- رحمه الله تعالى: يا من له عقل ونور قد غدا... يمشي به في الناس كل زمان لكننا قلنا مقاله صارخ... في كل وقت بينكم بأذان

الرب رب والرسول فعبده... حقا وليس لنا إله ثان فلذاك لم نعبده مثل عبادة ال... رحمن فعل المشرك النصراني كلا ولم نغل الغلو كما نهى... عنه الرسول مخافة الكفران لله حق لا يكون لغيره... ولعبده حق هما حقان لا تجعلوا الحقين حقا واحدا... من غير تمييز ولا فرقان فالحج للرحمن دون رسوله... وكذا الصلاة وذبح ذي القربان وكذا السجود ونذرنا ويمننا... وكذا مثاب العبد من عصيان وكذا التوكل والإنابة والتقى... وكذا الرجاء وخشية الرحمن وكذا العبادة واستعانتنا به... إياك نعبد ذان توحيدان وعليهما قام الوجود بأسره... دنيا وأخرى حبذا الركنان وكذلك التسبيح والتكبير والت... هليل حق إلهنا الديان

لكنا التعزير والتوقير حـ... ق للرسول بمقتضى القرآن والحب والإيمان والتصديق لا... يختص بل حقان مشتركان هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة... لا تجملوها يا أولي العدوان حق الإله عبادة بالأمر لا... بهوى النفوس فذاك للشيطان من غير إشراك به شيئا هما... سببا النجاة فحبذا السببان ورسوله فهو المطاع وقوله المـ... قبول إذ هو صاحب البرهان والأمر منه الحتم لا تخيير فيـ... ـه عند ذي عقل وذي إيمان إلى أن قال: هذا الذي أدى إليه علمنا... وبه ندين الله كل أوان فهو المطاع وأمره العالي على... أمر الورى وأوامر السلطان وهو المقدم في محبتنا على الأ... هلين والأزواج والوالدان

وعلى العباد جميعهم حتى على النفـ... س التي قد ضمها الجنبان إلى أن قال: كفرتموا من جرد التوحيد جهـ... لا منكمو بحقائق الإيمان لكن تجردتم لنصر الشرك والبـ... دع المضلة في رضى الشيطان والله لم نقصد سوى التجريد للتـ... ـوحيد ذاك وصية الرحمن ورضى رسول الله منا لا غلو... الشرك أصل عبادة الأوثان والله لو يرضى الرسول دعاءنا... إياه بادرنا إلى الإذعان والله لو يرضى الرسول سجودنا... كنا نخر له على الأذقان والله ما يرضيه منا غير إخلا... ص وتحكيم لذي القرآن ولقد نهى ذا الخلق عن إطرائه... فعل النصارى عابدي الصلبان ولقد نهانا أن نصير قبره... عيدا حذار الشرك بالرحمن

فصل: في رد قول الملحد: قد فهم آدم من قرن اسمه تعالى باسم نبيه أنه الوسيلة... الخ.... فصل قال الملحد:"وقد فهم أبو البشر آدم صلى الله عليه وسلم من قرنه اسمه تعالى باسم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه الوسيلة إليه، فتوسل به إلى ربه بأن يغفر له، كما يأتي بالبان الثاني إن شاء الله".
فأقول هذا كذب محض، والحديث الآتي ذكره بعد موضوع وسيأتي الكلام عليه في محله إن شاء الله تعالى.
وأما قوله:"فإذا علمت أن قرن اسم النبي باسمه تعالى يشعر بالتوسل به فخذ الآيات المقرون بها اسم النبي باسمه تعالى".
فالجواب أن يقال: هذه الآيات التي قرن الله اسم نبيه باسمه تعالى لا تشعر بالتوسل به، ولا تجيز صرف خالص حق الله له، وإنما غاية ما فيها تشريفه صلى الله عليه وسلم، والتنويه بذكره، فهو صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وحسرة على الكافرين، وحجة على العباد أجمعين، قد افترض الله على 1 العباد طاعته، ومحبته،

وتعظيمه، وتوقيره، والقيام بحقوقه، وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره 1، وأقسم بحياته في كتابه المبين، وقرن اسمه باسمه فلا يذكر إلا معه كما في التشهد والخطب والتأذين.
ثم سرد هذا الملحد الآيات التي قرن الله اسمه باسم نبيه فيها كطاعته وطاعة رسوله، وترك معصية الله ورسوله، وعدم مشاقة الله ورسوله، وعدم محاربته ومحاداة رسوله، وأن الأنفال الخمس لله ورسوله، ورد إلى الله وإلى رسوله فيما تنازعت الأمة فيه، وأن الإيتاء لله ورسوله إلى غير ذلك من الآيات التي شرف الله بها رسوله ورفع له بها ذكره وأوجب بها على الخلق طاعته وغايتها ومقتضاها: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والإنتهاء عما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد

الله إلا بما شرع، لا بالأهواء والبدع 1، فمن فهم غير هذا منها بأن يتوسل به، ويدعى ويستغاث به، ويلجأ إليه، فقد ضل فهمه، وحمل كلام الله ما لا يحتمله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فصل: في رد قول الملحد: الآيات التي تمسك بها الوهابية لا تدل على مدعاهم... الخ... فصل قال الملحد:"وأما الآيات التي تمسك بها الوهابية من قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: آية 60] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: آية107] وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: آية16] ونحوها من الآيات الكريمة، فلا تدل على مدعاهم من امتناع التوسل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام".
فالجواب أن نقول: هذه الآيات ونحوها من الآيات التي يستدل بها الوهابي على امتناع التوسل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وغيرهم من الملائكة، والأولياء والصالحين هي من أوضح الدلائل والبينات على امتناع دعائهم، والاستغاثة لهم، والاستشفاع بهم، والالتجاء إليهم، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، لأنها دالة على وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة عن عبادة ما سواه كائنا من كان، وهي تتضمن كمال

الذل والحب، وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم، وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، وهو يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: آية 36] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: آية25] وقال تعالى عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: آيات 26-28] وقال تعالى عنه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: آيات75-77] وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: آية 4] وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: آية 45] وذكر عن رسله نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم أنهم قالوا لقومهم:- اعبد الله ما لكم من إله غيره، وقال عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا

رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: آيات13-15] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: آية116] في موضعين من كتابه وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: آية72].
قال الشيخ رحمه الله: والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك عباد القبور وعباد الأنبياء والملائكة والصالحين، فإن هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله محمد- صلى الله عليه وسلم-، فإنهم كانوا يدعونها1، ويلتجؤون إليها، ويسألونها على وجه التوسل بجاهها، وشفاعتها لتقربهم إلى الله كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع2من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: آية 18] وقال تعلى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: آية 28].
قال رحمه الله: ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات

والأرض، أو استلقوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: آية 38].
فهم 1 معترفون بهذا مقرون به لا ينازعون فيه، ولذلك حسن موقع الاستفهام، وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر، ولا يمسك الرحمة.
ولا يخفى ما في التنكير من العموم والشمول المتناول لأول شيء وأدناه من ضر أو رحمة، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ - إلى قوله: فَأَنَّا تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: آيات 84-89]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: آية 106].ذكر فيه السلف كابن عباس وغيره: إيمانهم هنا بما أقروا به من ربوبيته وملكه.
وفسر شركهم2بعبادة غيره.
قال رحمه الله: وقد بين القرآن في غير موضع أن من المشركين من أشرك بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالكواكب، ومنهم من أشرك

بالأصنام، وقد رد عليهم أجمعين وكفر كل أصنافهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: آية 80].
وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: آية 31] ونحو ذلك في القرآن كثير.
وبه يعلم المؤمن أن دعاء الأنبياء والصالحين كدعاء الكواكب والأصنام من حيث الشرك والكفر، واتفاقهما في 1 العلة التي هي دعاء غير الله.
وقال رحمه الله: وهذه العبادات التي صرفها المشركون لآلهتهم هي أفعال العبد الصادرة منه كالحب والخضوع والإنابة والتوكل والدعاء والاستغاثة والاستعانة والخوف والرجاء والنسك والتقوى والطواف ببيته رغبة ورجاء وتعلق القلوب والآمال بفيضه ومده وإحسانه وكرمه، فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة وأجلها بل هي لب سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها وكل عمل يخلو منها فهو خداج مرود على صاحبه وإنما أشرك وكفر من كفر من المشركين بقصد غير الله بهذا وتأهيله لذلك قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: آية 17] وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: آية 43] وقال ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لَا

تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِي إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: آيات 23-24]. وحكى عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها من دون الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: آيات 97، 98] ومعلوم أنهم ما سووهم بالله في الخلق والتدبير والتأثير وإنما كانت التسوية في الحب والخضوع والتعظيم والدعاء ونحو ذلك من العبادات.
وقال رحمه الله: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين نحكم بأنهم مشركون ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية، وما عدا هذا من الذنوب التي دونه في الرتبة والمفسدة لا يكفر بها، ولا نحكم على أحد من أهل القبلة الذين باينوا لعباد الأوثان والأصنام والقبور بكفر بمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترحوه، انتهى.
فما استدل به الوهابي على امتناع التوسل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على عرف أهل هذا الزمان ولغتهم واصطلاحهم في معنى التوسل هو مقتضى هذه الآيات، فأما التوسل الذي هو بلغة الصحابة والتابعين فهو التوسل بدعائهم وذلك في حياتهم، وأما بعد وفاتهم فهو من البدع المكروهة المذمومة المحرمة والله سبحانه وتعالى أعلم.

فصل: في الجواب عن قوله: إن القائلين بالتوسل بالأنبياء والصالحين يقولون:... الخ... فصل وأما قوله "وأما الذين أجمعوا من المسلمين على التوسل إلى الله بالأنبياء والمرسلين لا يقصدون بذلك تأثير شيء بإيجاد نفع، أو دفع ضرر، ولا يعتقدون ذلك ألبته.
جميع المسلمين يعتقدون أن الله تعالى هو المنفرد بالإيجاد والإعدام والنفع والضر، فلا يعدون من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بالملائكة أنهم اتخذوهم أولياء من دون الله فكيف يتجرؤن على الاستشهاد على مذهبهم بقوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: آية 80].
فالجواب أن نقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، لقد والله أمكنت الرامي 1 من سواء الثغرة.
فإن قولك هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا يدعون الأنبياء والملائكة والأولياء والصالحين، ويلتجؤون 2 إليهم، ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم

ليقربوهم 1 إلى كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه.
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: آية 18].وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: آية 3].وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: آية 28] ومن المعلوم أن الكفار الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلهم واستحل دماءهم وأموالهم كانوا مقرين أن الله هو الخالق الرزاق المحيي المميت النافع الضار الذي يدبر جميع الأمور، ويعتقدون أن الله هو الفاعل لهذه الأشياء، وأنه لا مشارك له في إيجاد شيء وإعدامه، وأن النفع والضر بيده وأنه هو رب كل شيء ومليكه، ولا يعتقدون أن آلهتهم التي يدعونها من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات والأرض، واستقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: آية 38] فهم

معترفون بهذا، ومقرون به لا ينازعون فيه.
ولكن لم يدخلهم ذلك في الإسلام، وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يكون الدين كله لله.
فإذا عرفت أن هذا لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بهم هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبي عن الإقرار به المشركون هو توحيد الله تعالى، وأفعال العبد الصادرة منه كالدعاء والحب والخوف والرجاء والخضوع والخشوع والإنابة والتوكل والاستقامة والاستعانة والخضوع والتذرع والالتجاء وغير ذلك من أنواع العبادة التي اختص الله بها دون من سواه، وأن من صرف منها شيئا لغيره، كان مشركا سواء اعتقد التأثير ممن يدعوه ويرجوه، أو لم يعتقد.
فمن صرف لغير الله شيئا من أنواع العبادة المتقدم ذكرها، فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلها، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فر من تسمية 1 فعله ذلك تألها 2 وعبادة وشركا.
ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلا تزول هذه المفاسد أسمائها، كتسمية عبادة غير الله توسلا وتشفعا، وتعظيما للصالحين وتوقيرا، فالاعتبار بحقائق الأمور، لا بالأسماء والاصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة لا مع الأسماء.

إذا عرفت هذا فمن أنواع هذا الشرك الذي يسميه هؤلاء توسلا وتشفعا بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو بحقه، وغير ذلك من الألفاظ، أو بجاه غير النبي كالملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين، أن يعتقد الإنسان في غير الله أنه يقدر بذاته على جلب منفعة لمن دعاه أو استغاث به، أو دفع مضرة.
قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ الآية [فاطر: آية 2].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: آية 107] فإذا ثبت في القلب أن الله عز وجل بهذه الصفات فوجب أن لا يستغاث إلا به، ولا يدعى إلا هو، ولا يخاف ولا يرجى إلا هو، ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ [التوبة: آية 51] فقال تعالى توبيخا لأهل الكتاب الذين يستغيثون بعيسى وأمه وعزير عليهم السلام لما أنزل الله عليهم القحط والجدب: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: آية 56] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية [الكهف: آية 110] وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: آية 49].
ومن أنواع هذا الشرك التوكل والصلاة والنذر والذبح لغير الله.
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: آية 123].

وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: آية 58].
وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: آية 23].
وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ والدَّمُ - إلى قوله- وَمَا ذُبِحَ﴾ [المائدة: آية 3].
وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: آية 2].
وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: آيات 162, 163]. ومن أنواع هذا الشرك العكوف على قبور المشهورين بالنبوة الصلاح 1 والولاية, لأن الناس يعرفون الرجل الصالح وبركته ودعاءه, فيعكفون على قبره ويقصدون ذلك، فتارة يسألونه, وتارة يسألون الله عند قبره 2.
ولما كان هذا مبدأ الشرك سد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الباب ففي الصحيحين أنه قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "يحذر ما صنعوا" قالت عائشة: "ولولا ذلك لأبرز قبره.
لكن كره أن يتخذ مسجدا 3، وقال: "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" 3 وقال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله زائرات القبور

المتخذين عليها المساجد والسرج، 1، انتهى.
وأما قوله: "ولا يعدون من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بالملائكة أنهم اتخذوهم أربابا من دون الله, فكيف يتجرءون على الاستشهاد على مذهبهم بقوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ الآية [آل عمران: آية 80].
فالجواب أن يقال: إن دعوى من دعا النبي صلى الله عليه وسلم واستغاث به ولجأ إليه ودعا الملائكة أنهم لا يتخذوه أربابا من دون الله ولا يعدون ذلك، لا تجدي هذه الدعوى شيئا، فإن الكفار كما تقدم بيان ذلك يزعمون 2 أن الأنبياء والملائكة استقلوا بشيء من أفعال الربوبية، أو شاركوا الله في إيجاد شيء، أو إعدامه

أو ساووهم بالله في التدبير والنفع والضر والتأثير، ولكن لما أشركوهم مع الله في عبادته بالحب والخوف والتعظيم والرجاء والتوكل والاستغاثة والالتجاء والذبح والنذر وغير ذلك، كان ذلك كفرا وشركا بالله، فإن من أشرك مع الله في عبادة غيره فقد اتخذه 1 ربا وإلها، ولذلك يحتج عليهم سبحانه بما أقروا به من توحيد الربوبية على ما جحده من توحيد الإلهية.
ولما قال- صلى الله عليه وسلم-: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: إنهم لا يعبدوهم.
قال: أليسوا يحلون ما حرم الله فيحلونه، ويحرمون ما أحل الله فيحرمونه.
قال: بلى.
قال: فتلك عبادتهم 2 فجعل صلى الله عليه وسلم طاعتهم في التحليل والتحريم التي هي أفعالهم بتعظيم- أحبارهم ورهبانهم الذين اتخذوهم أربابا من دون الله- عبادة لهم مع الله.
ولهذا اجترأ الوهابية على تكفير من دعا غير الله، واستغاث به، ولجأ إليه، وصرف له شيئا من خالص حق الله، لأنه قد اتخذه ربا ومعبودا، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: آية 80] كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.

فصل: في رد قول الملحد: إن العوام الطالبين من الصالحين ما لا يطلب إلا من الله: طلبهم مجاز... الخ... فصل وأما قول الملحد:" فإن قلت شبهة من منع التوسل رؤيتهم بعض العوام يطلبون من الصالحين أحياء وأمواتا أشياء لا تطلب إلا من الله تعالى، ويقولون للولي افعل لي كذا وكذا، فهذه الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي، والقرينة عليه صدوره من موحد، ويدلك على ذلك أنك إذا استفسرت العامي عند نطقه بهذه الألفاظ الموهمة يبين لك معتقده بأن الله هو الفاعل للأشياء ولا مشارك له في إيجاد شيء".
فالجواب أن نقول: الكلام على هذا من وجوه: الأول: أن طلب بعض العوام، أو بعض الخواص من أهل القبور المعروفين بالصلاح من الأحياء والأموات، واعتقاد أنهم يقدرون على ما لا يقدر1عليه إلا الله عز وجل، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله عز وجل، حتى نطقت ألسنتهم بما

انطوت عليه قلوبهم، وصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالا، ويصرخون بأسمائهم، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع، ويخضعون لهم خضوعا زائدا على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي الله عز وجل في الدعاء: هو اعتقاد كفار قريش الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلهم عليه ليكون الدين كله لله، وأن يخلصوا العبادة له، ويخلعوا الأنداد المدعوة من دونه، فمن طلب من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق فقد أشرك ذلك المخلوق في عبادة الله، سواء كان المدعو نبيا أو ملكا أو رجلا صالحا أو غير ذلك.
الثاني: أن مجرد عدم التأثير والخلق والإيجاد والإعدام والنفع والضر إلا لله1لا يبرئ من الشرك، فإن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم أيضا كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق النافع الضار، بل لا بد فيه من إخلاص توحيده وإفراده، وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والطلب منه والنداء والاستغاثة والرجاء واستجلاب الخير واستدفاع الشر له وعنه، لا بغيره ولا من غيره، وكذلك النذر والذبح والسجدة كلها يكون لله.
الثالث: أن مجرد كون الأحياء والأموات شركاء في أنهم لا يخلقون شيئا، وليس لهم تأثير في شيء لا يقتضي أن يكون

الأحياء والأموات متساوين في جميع الأحكام، حتى يلزم من جواز التوسل بالأحياء جواز1التوسل بالأموات، مع أن العرف المعروف من لغة العرب في معنى التوسل بالأحياء التوسل بدعائهم، وهو ثابت بالأحاديث الصحيحة، وأما التوسل بالأموات فلم يثبت بحديث صحيح ولا حسن، وأما التوسل في عرف هؤلاء فهو دعاؤهم والاستغاثة بهم والالتجاء إليهم، وهذا شرك وكفر وخروج من الدين بإجماع المسلمين المحكمين الكتاب والسنة.
وأما قول الملحد: " فهذه الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي".
فالجواب من وجوه: الأول: أن تلك الألفاظ دالة دلالة مطابقة على اعتقاد التأثير من غير الله تعالى فما معنى الإيهام؟ والثاني: لو سلم هذا الحمل لاستحال2الارتداد وانسد باب الردة الذي يعقده الفقهاء في كل مصنف وكتاب من كتب أهل المذاهب الأربعة وغيرها فإن المسلم الموحد متى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز العقلي، والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز.3

والثالث: أنه يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله بشركهم مشركين، فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، لكن كانوا يعبدون الأصنام؛ لتقربهم إلى الله زلفى، فالاعتقاد المذكور قرينة على أن المراد بالعبادة ليس معناه1الحقيقي، بل المراد هو المعنى المجازي أي التكرم مثلا، فما هو جوابكم فهو جوابنا؟ والرابع: أنكم هؤلاء أوّلتم عنهم في تلك الألفاظ الدالة على تأثير غير الله، فما تفعلون في أعمالهم الشركية من دعاء غير الله والاستغاثة والنذر والذبح، فإن الشرك لا يتوقف على اعتقاد تأثير غير الله، بل إذا صدر من أحد عبادة من العبادات لغير الله صار مشركا، سواء اعتقد ذلك الغير مؤثرا أم لا.
انتهى.
فإذا عرفت أن هذا هو اعتقاد كفار قريش وغيرهم من العرب، فإنهم كانوا معترفين بأن الله هو الفاعل لهذه الأشياء، وأنه لا مشارك له في2إيجاد شيء، ولا أدخلهم ذلك في الإسلام، بل قاتلهم رسول الله واستحل دماءهم وأموالهم، إلى أن يخلصوا العبادة لله، ولا يشركوا في عبادته أحدا سواه كان دعوى3هؤلاء أن هذا من الألفاظ الموهمة، من الأوهام الموبقة.

قال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي رحمه الله في كتابه: " في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة" هذا وقد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات بحياتهم وبعد مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات وبهممهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على1أن ذلك منهم كرامات، وقالوا: منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء وسبعون وسبعة وأربعون وأربعة والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور.
قال وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفته لعقائد الأئمة وما أجمعت عليه الأمة، وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [النساء: آية155] إلى أن قال: وأما القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾

[الزمر: آية30].
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: آية42] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: آية38] وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" الحديث1فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة أو نقصان، فدل ذلك على أن ليس للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره، فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلعة متصرفة ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ﴾ [البقرة: آية140] قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، كقولهم: يا لزيد، يا للمسلمين بحسب الأفعال الظاهرة، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه، فمن

خصائص الله لا يطلب فيها غيره، انتهى.
والمقصود أن أهل العلم ما زالوا ينكرون هذه الأمور الشركية التي عمت بها البلوى، واعتقدها أهل الأهواء، فلو تتبعنا كلام العلماء المنكرين لهذه الأمور الشركية لطال الجواب، والبصير النبيل يدرك الحق من أول دليل، ومن قال قولا بلا برهان فقوله ظاهر البطلان، مخالف ما عليه أهل الحق والإيمان المتمسكين بحكم القرآن، المستجيبين لداعي الحق والإيمان، والله المستعان وعليه التكلان.

فصل: وإنما دهى الغلاة ما ألقاه الشيطان إليهم من قوله: إن هؤلاء المدعوين من دون الله... الخ... فصل وإنما دهى1الغلاة ما ألقاه الشيطان إليهم بكيده أن قال: إن هؤلاء قوم صالحون، وعند الله مقربون، ولهم ما يشاؤون، ولهم الجاه الأعلى، والمقام الرفيع الأسنى، فمن قصدهم لا يخيب سعيه، ولا يطيش رأيه، وإن ببركتهم تدفع البليات، وتقضى الحاجات، وبشفاعتهم يتقرب زوارهم إلى الله الغفار، فتحط عنهم بشفاعتهم عند الله الأوزار إلى غير ذلك من الدلائل التي يملأ بها قلوب أهل الأماني بمثل هذه المعاني، فيتلاعب بعقولهم السخيفة، وآرائهم الضعيفة، ويحسّن لهم البدع والمنكرات، بما يلقيه إليهم من الحكايات والخرافات، ويحثهم على التقرب إلى أهل القبور بما يقدرون عليه، من النحر والنذور والطواف والتزين بالزين المحرمة من القصب والذهب والفضة وتعليق القناديل وإيقاد شموع العسل وتصفيح الجدران والأعتاب والسنون والأبواب بالفضة

والذهب وغيرهما مما يجاوز الحساب ويفهمهم1أنهم2كلما ازدادوا في مثل ذلك أحسنوا كل الإحسان، فدخلوا الجنان، ثم ما كفاه ذلك حتى استخفهم3فدعاهم إلى أن يطلبوا منهم النصر على الأعداء، والشفاء من عضال الداء فأجابوه إلى ما دعاهم مسرعين، وزادوا على ذلك بأن طلبوا منهم الحياة لأولادهم، فتراهم يقولون: قد علقنا أولادنا عليهم، ومنهم من يطلب منهم النسل إذا كان عقيما، والشفاء إذا كان سقيما، وكثيرا مما يطلب منهم منصبا فيه أخذ أموال العباد، والسعي في الأرض بكل فساد، فيجيء إليهم ويلازمهم معتقدا أن من لازمهم قضيت حاجته، ونجحت سعايته، واقترنت سعادته.
وإذا فتحت أبواب بيوت قبورهم المذهبة، ورفعت ستور الأبواب المطلاة المطرزة4، وفاحت تلك الأرواح المسكية من الجدران المخلقة، وجد هذا الزائر في فؤاده من الخشية والرعب ما لا يجد أدنى معشار جزء عشره بين يدي خالق السموات والأرضين، وإله جميع العالمين، فيدخل إلى القبر خاشعا ذليلا متواضعا لا يخطر في قلبه مثقال ذرة من غير إجلاله، منتظرا فيض كرمه ونواله، فأقسم بالله أنه لم يتصوره

بشر قد وضع بأكفانه في لحده، ولو سلمنا أنه لو خطرت له وهو عنده في تلك الحضرة لتعوذ بالله منها، ووقف عند حده، ويا خيبة من أنكر عليهم حالهم، ويا شناعة من رد عليهم أمرهم، ويا خسارة من علمهم وأرشدهم، فإن ذلك عندهم1، قد تنقص الأولياء وهضمهم مرتبتهم عن السمو والارتقاء، ولو ذهبنا نذكر أفعالهم وأقوالهم لطال الجواب، فإلى الله المشتكى وبه المستغاث وهو المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فصول الكتاب · 13 فصل · 324 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية · 324 صفحة
مقدمة
فصل: في نقض تسميته عباد القبور: أهل السنة والجماعة...
فصل: ذكر كلام ابن القيم في أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها....فصل: سياق أبيات ابن القيم في نونيته فيما يتعلق بحياة الأنبياء في قبورهم......فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور...فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة...فصل: في رد قول الملحد: هناك آيات أخر تشير إلى الالتجاء بالنبي الخ...
فصل: في رد قوله: إنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط...
فصل: ذكر الملحد عن معروف الكرخي أنه قال لتلاميذه:.. الخ...قال شيخ الإسلام: فصل: اتفق السلف على أن الأنبياء أفضل من الأولياء...فصل: ذكر الملحد مناظرة أبي جعفر المنصور مع مالك...فصل: زعم الملحد تبعا لابن حجر الهيتمي أن الشافعي توسل بآل البيت....فصل: في الفرق بين توحيد الربوبية والإلهية...
جارٍ التحميل