فصل: زعم الملحد تبعا لابن حجر الهيتمي أن الشافعي توسل بآل البيت....
فصل: قال الملحد: "وذكر العلامة ابن حجر في كتابه المسمى "بالصواعق المحرقة لأهل الضلال والزندقة" إن الإمام الشافعي رضي الله عنه توسل بأهل البيت النبوي حيث قال:- آل النبي ذريعتي... وهم إليه وسيلتي أرجو بهم أعطى غدا... بيدي اليمنى صحيفتي انتهى, من كتاب "خلاصة الكلام" مع بعض تقرير واختصار".
والجواب أن نقول: وهذا أيضا من نمط ما قبله, وفيه من الكلام كما فيما قبله.
وابن حجر المكي - عامله الله بعدله - من الغالين في الصالحين, ومن الثالبين لأئمة المسلمين, الذين جردوا توحيد العبادة لله رب العالمين, وجاهدوا في الله ولله من خرج عن سبيل المؤمنين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: آية 115] ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: آية 40] ومن كانت هذه حاله,
وهذه أقواله فحقيق أن لا يلتفت إليه.
وعلى تقدير ثبوته وصحته إن كان النقل صحيحا أن المضاف هنا مقدر تقديره: إن حب آل محمد, وتعظيمهم, واتباعهم, والصلاة عليهم ذريعتي ووسيلتي, وكان في قوله: أرجو بهم, أي أرجو بحبهم وتعظيمهم واتباعهم.
وأما قول هذا الملحد: "فتحصل لنا من هذا جميعه أنه يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل وجوده وفي حياته وبعد انتقاله، وأنه يصح التوسل بغيره أيضا من الأحياء" فأقول: أما التوسل به صلى الله عليه وسلم قبل وجوده فمسند 1هؤلاء الغلاة فيه على حديث موضوع مكذوب كما بيناه فيما سبق وأما في حياته صلى الله عليه وسلم فقد بينا فيما تقدم أن ذلك بدعائه كما ذكرنا كلام أهل العلم بما أغنى عن إعادته.
وأما بعد وفاته فقد بينا أنه ليس من هدي الصحابةرضي الله عنهم, وأنهم لم يكونوا يفعلونه, ولا نقل ذلك عنهم أحد من العلماء الذين يعتد بهم.
وإذا علمت هذا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ,وفي رواية "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وما ذكره هؤلاء المشبهون من الأحاديث في جواز ذلك فمنها ما هو موضوع, ومنها ما هو معلول لا تقوم به الحجة, ولا تثبت به الأحكام الشرعية, وكذلك ما ذكر من
الحكايات التي هي كالخيالات الخرافات التي يوردها أهل الشبهات هي كلها من الموضوعات المكذوبات, والله الهادي إلى الصواب.
وأما قوله:"وقد أجمع من يعتد بإجماعه من المسلمين على ذلك".
فأقول: هذه دعوى مجردة, وقوله: "وهو مذهب الأئمة الأربعة" فأقول: وهذا أيضا أبطل مما قبله, فإنه لم يذكر عن الأئمة الأربعة إلا هذه الحكايات الموضوعة المكذوبة التي وضعها بعض الغلاة في الصالحين.
وقوله:"ومستندهم الكتاب والسنة لما قدمنا, والإجماع حجة قاطعة".
فأقول: هذا قول على كتاب الله, وعلى سنة رسول الله, وعلى جميع العلماء بغير علم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: آية 33].
وهذا الملحد لم يذكر من كتاب الله, وسنة رسوله, والإجماع القاطع ما يدل على ما توهمه, بل هو عليه لا له, ولا يعجز كل مبطل عن مثل هذه الدعوى فالله المستعان.
وإذا كان هذا جميع ما تحصل له من ما مر حكايته عنه من
القول القاسط, والهذيان الساقط, فيتعين أن نذكر من كلام أهل العلم ما يبطل دعواه: إن مستنده كتاب الله, وسنة رسوله, والإجماع القاطع, وما يترتب على ذلك من المفاسد.
فصل: قال ابن القيم: فصل: ذكر فيه مفاسد اتخاذ القبور أعيادا... الخ... قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل ثم إن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله تعالى ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله تعالى، وغيرة على التوحيد1، وتهجين وتقبيح للشرك، ولكن ما لجرح بميت إيلام.
فمن مفاسد اتخاذها أعيادا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم، فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا، وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباة، وقبّلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت الأصوات بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على
الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا نزلوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر لمن صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعا سجدا، يبتغون فضلا من الميت ورضوانا، وقد ملؤوا أكفهم بالخيبة وخسرانا، فلغير الله بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليات، ثم انبثوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام؟ ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود، الذي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، ثم كمّلوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، وقربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين، فلو رأيتهم يهنيء بعضهم بعضا، ويقول: أجزل1الله لنا ولكم أجرا وافرا وحظا، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجّه القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام، فيقول: لا ولو بحجك كل عام.
هذا ولم
نتجاوز ما حكينا عنهم، ولا استقصينا جميع بدعتهم وضلالتهم إذ هي فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال.
وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم، وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحذور، وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه، وما يؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه، وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته.
ورأيت لأبي الوفاء1بن عقيل في ذلك فصلا حسنا، فذكرته بلفظه، قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كفار، مثل تعظيم القبور وإلزامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا أو كذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب اقتداء بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يقبّل مشهد الكف، ولم يتمسح بآجرة مسجد الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل
الحمالون على جنازته: الصديق أبو بكر أو محمد وعلي، أو لم يعقد1على قبر أبيه أزجا بالجص والآخر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر، انتهى.
ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبور، وما أمر به، ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا.
فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها.
ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله تعالى.
ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها.
ونهى أن يتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذون أعيادا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.
وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي، قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أدع ثمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته"، وفي صحيحه أيضا عن
ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبر فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها، وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها من الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب.
ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبر وأن يعقد عليها وأن يبنى عليه بناء".
ونهى عن الكتابة عليها، كما روى أبو داود في سننه عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص القبور، وأن يكتب عليها.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره.
ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، كما روى أبو داود من حديث جابر أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه.
وهؤلاء يزيدون عليه سوى التراب والآجر والأحجار والجص.
ونهى عمر بن عبد العزيز أن يبنى القبر بآجر، وأوصى أن لا يفعل ذلك بقبره، وأوصى الأسود بن يزيد ألا تجعلوا على قبري آجرا.
وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الآجر على قبورهم.
وأوصى أبو هريرة حين حضرته الوفاة: أن لا تضربوا
علي فسطاطا.
وكره الإمام أحمد أن يضرب على القبر فسطاطا.
والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور المتخذينها أعيادا الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحادون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر.
قال رحمه الله: وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا له مناسك حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا وسماه "مناسك حج المشاهد" مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام.
فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه، ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره.
فمنها تعظيمها الموقع في الافتتان بها.
ومنها اتخاذها عيدا.
ومنها السفر إليها.
ومنها مشابهة عباد الأصنام بما يفعل عندها من العكوف
عليها، والمجاورة عندها، وتعليق الستور عليها، وسدانتها، وعبادتها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لقيّمها ليلة يطفي القنديل المعلق عليها.
ومنها النذر لها، ولسدنتها.
ومنها اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف البلاء، وينصر على الأعداء، ويستنزل غيث السماء، ويفرج الكروب، وتقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار الخائف إلى غير ذلك.
ومنها الدخول في لعنة الله تعالى، ورسوله باتخاذ المساجد عليها، وإيقاد السرج عليها.
ومنها الشرك الأكبر الذي يفعل عندها.
ومنها إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم، ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح يكره ما تفعله النصارى عند قبره1وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء، والمشائخ يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرؤون منهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا
سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان:17-18] قال الله للمشركين ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان19] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة116] الآية، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ40] ومنها مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذ المساجد والسرج عليها.
ومنها محادة الله ورسوله، ومناقضة ما شرعه فيها.
ومنها التعب العظيم، مع الوزر الكثير، والإثم العظيم.
ومنها إماتة السنن، وإحياء البدع.
ومنها تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله، فإن عباد القبور يقصدونها من التعظيم، والاحترام، والخشوع، ورقة القلب، والعكوف بالهمة على الموتى بما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره، ولا قريب منه.
ومنها أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد، وخراب المساجد، ودين الله الذي بعث به رسوله بضد ذلك، ولهذا
لما كانت الرافضة من أبعد الناس عن العلم والدين عمروا المشاهد وخربوا المساجد.
ومنها أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنا إلى نفسه، وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركين الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤالهم حوائجهم، واستنزال البركاتت منه، ونصره لهم على الأعداء، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى نفوسهم، وإلى الميت، ولو لم يكن إلا محروما به تركه ما شرعه الله تعالى من الدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له... ثم ذكر رحمه الله تعالى الزيارة الشرعية، والأحاديث الواردة في ذلك، ثم ذكر أقوال السلف، ومن بعدهم من العلماء ثم قال: فإذا كنا على جنازته ندعو له، لا ندعو به، ونشفع له، ولا نستشفع به، فبعد الدفن أولى وأحرى، ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ بدلوا الدعاء له بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إحسانا إلى الميت وإحسانا إلى الزائر وتذكيرا بالآخر سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك
البقعة بالدعاء الذي هو في العبادة، وحضور القلب عندها، وخشوع أعظم منه في المساجد وأوقات الأسحار، ومن المحال أن يكون دعاء الموتى والدعاء به، أو الدعاء عندهم مشروعا، وعملا صالحا، ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يرزقها الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما يؤمرون، فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان هل يمكن بشرا على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلا أن يصلو عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم، فليوقفونا على أثر واحد، أو حرف واحد في ذلك، بل يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه الراشدين، ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك، بلى فيها من خلاف ذلك كثير كما قدمناه من الأحايث المرفوعة.
قال رحمه الله بعد ذكره ما فعله الصحابة رضي الله عنهم بقبر دانيال وتعميته بين القبور قال: ففي هذه القصة ما فعله
المهاجرون والأنصار من تعمية قبره، لئلا يفتتن به الناس، ولم يبرزوه للدعاء عنده، والتبرك به ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من لا يداين هذا ولا يقاربه، وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد أعظم من المساجد، فلو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها، والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحا لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ذلك لمن بعدهم ولكن كانوا أعلم بالله، ورسوله، ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمصار عدد كثير وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به ولا عنده، ولا استشفى به، ولا استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه.
وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه في غير تلك البقعة، أو لا يكون، فإن كان أفضل فكيف خفي علما وعملا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم، وتظفر به الخلوف علما وعملا، ولا يجوز أن يعلموه ويزهدوا فيه1مع حرصهم على كل خير، لا سيما الدعاء فإن
المضطر يتشبث بكل سب وإن كان فيه كراهة ما، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه، هذا محال طبعا وشرعا، فتعين القسم الآخر وهو أنه لا فضل للدعاء عندها، ولا هو مشروع، ولا مأذون فيه بقصد الخصوص، بل تخصيصها بالدعاء عندها ذريعة إلى ما تقدم من المفاسد، ومثل هذا مما لا يشرعه الله ولا رسوله البتة، بل استحباب1الدعاء عندها شرع عبادة لم يشرعها الله، ولم ينزل بها سلطانا، وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير.
ثم قال رحمه الله: ومن أعظم كيد الشيطان أنه ينصب لأهل الشرك قبر معظم يعظمه الناس، ثم يجعله وثنا يعبد من دون الله، ثم يوحي إلى أوليائه أن من نهى عن عبادته واتخاذه عيدا وجعله وثنا فقد تنقصه وهضم حقه، فيسعى الجاهلون المشركون في قتله وعقوبته ويكفرونه، وذنبه عند أهل الإشراك أمره بما أمر الله به ورسوله، ونهيه عما نهى الله عنه ورسوله من جعله وثنا وعيدا.
وإيقاد السرج عليها2، وبناء المساجد، والقباب عليه، وتجصيصه، وتقبيله، واستلامه، ودعائه، أو الدعاء به، أو
السفر إليه، أو الاستعانة به من دون الله مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله، من تجريد التوحيد لله، وأن لا يعبد إلا الله، فإذا نهى الموحد عن ذلك غضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، وقالوا قد تنقص أهل الرتب العالية، وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، وسرى ذلك في نفوس الجهال والطغام وكثير ممن ينسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفّروا الناس منهم، وولوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم هم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك فما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون له، الموافقون له، العارفون بما جاء به، الداعون إليه، لا المتشبعون بما لم يعطوا لابسو ثياب الزور، الذين يصدون الناس عن سنة نبيهم، ويبغونها عوجا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
ثم ذكر كلاما طويلا، إلى أن قال: قال شيخنا قدس الله روحه: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب: أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس، قال: وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب، كما قد يتمثل لعباد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحيانا، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة،
وكذلك السجود للقبر والتمسح به وتقبيله.
المرتبة الثانية: 1يسأل الله عز وجل به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة باتفاق المسلمين.
الثالثة: أن يسأله نفسه.
الرابعة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد زيارته، والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه، فهذا أيضا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعا بين أئمة الدين، وإن كان كثير من المتأخرين يفعل ذلك، ويقول بعضهم: قبر فلان ترياق مجرب، والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر، انتهى من إغاثة اللهفان.
فصل: ذكر الملحد حديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة"... الخ... فصل قال الملحد: "وقد روى الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار".
والجواب أن يقال: هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب الفتن من حديث ابن عمر، ولفظه هكذا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا يجمع أمتي ـ أو قال أمة محمد ـ على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار" هذا الحديث غريب من هذا الوجه، وسليمان المديني هو عندي سليمان بن سفيان.
قلت هذا حديث ضعيف ففي سنده سليمان بن سفيان، قال الذهبي في الميزان: سليمان بن سفيان أبو سفيان المدني عن عبد الله بن دينار وبلال بن يحيى قال ابن معين: ليس بشيء وقال مرة: ليس بثقة.
وكذا قال النسائي وقال أبو حاتم والدارقطني: ضعيف انتهى.
والمقصود بالأمة أمة الإجابة لا أمة الدعوة، وأمته المستجيبون لدعوته، المتبعون لأمره، المنتهون عما نهى عنه، الآخذون بسنته وهديه هم الأمة الناجون المنصورون إلى قيام الساعة، الذين لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، بخلاف عباد القبور المتخذين الأولياء والصالحين شركاء في خالص حقه سبحانه، يستغيثون بهم في الشدائد، ويلجؤون إليهم، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، ويستعينون بهم، في قضاء الحوائج، ويطلبون منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، ويدعونهم، ويرغبون إليهم في الطلبات، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فهؤلاء ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين استجابوا لله ورسوله، بل هؤلاء مجتمعون على خلاف الكتاب والسنة، مخالفون لما عليه الأمة من أهل السنة والجماعة، مجمعون على الضلالة، نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه.
وأما قول الملحد: "وفي سنن ابن ماجة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابغوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار".
فالجواب أن يقال: إن السواد الأعظم والجماعة هم من كانوا على مثل ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث
وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله ومن هي؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
فمن كان على مثل ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم السواد الأعظم، وهم الجماعة وإن كانوا قليلا، يدل عليهم حديث عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل" وفيه قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال ما أنا عليه اليوم وأصحابي، رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن غريب مفسر.
وفي رواية عوف بن مالك قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة.
وفي رواية أنس بن مالك "كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة" رواها ابن ماجة والأحاديث بعضها يفسر بعضا، فعلم أن السواد الأعظم هو الجماعة، وهي جماعة الصحابة، ولعله بهذا المعنى.
قال إسحاق بن راهويه حين سئل عن معنى حديث "عليكم بالسواد الأعظم" هو محمد بن أسلم وأتباعه، فأطلق على محمد بن أسلم وأتباعه لفظ السواد الأعظم، تشبيها لهم بالصحابة في شدة ملازمة السنة والتمسك بها.
ولذا كان سيفان الثوري يقول: المراد بالسواد الأعظم هم من كان من أهل السنة والجماعة ولو واحدا.
كذا في "الميزان" للشعراني.
قال ملا سعد الرومي في مجالس الأبرار: فلا بد لك أن تكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق الجمهور فلا يغرنك اتفاقهم على ما أحدث بعد الصحابة، بل ينبغي لك أن تكون حريصا على التفتيش على أحوالهم وأعمالهم، فإن أعلم الناس وأقربهم إلى الله تعالى أشبههم بهم، وأعرفهم بطريقهم، إذ منهم أخذ الدين، وهم أصول في نقل الشريعة عن صاحب الشرع، وقد جاء في الحديث "إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم" والمراد به لزوم الحق واتباعه وإن كان المتمسك به قليلا، والمخالف له كثير، إلا أن الحق ما كان عليه الجماعة الأولى وهم الصحابة، ولا عبرة بالنظر إلى كثرة الباطل بعدهم، وقد قال الفضيل بن عياض ما معناه: الزم طريق الهدى، ولا يغرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين.
وقال بعض السلف: إذا وافقت الشريعة، ولاحضت الحقيقة فلا تبال وإن خالفت رأيك جميع الخليقة.
وقال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في "إغاثة اللهفان": فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق، ولا من فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والصالحين والشهداء وحسن أولئك رفيقا، منفرد العبد في طريق طلبه دليل على صدق طلبه.
ولقد سئل إسحاق بن راهويه عن مسألة، فأجاب عنها، فقيل له: إن أخاك أحمد بن حنبل يقول فيها بمثل قولك، فقال: ما ظننت أن أحدا يوافقني عليها، ولم يستوحش بعد ظهور النور له من عدم الموافق، فإن الحق إذا لاح وتبين لم يحتج إلى شاهد يشهد به، والقلب يبصر الحق كما تبصر العين الشمس، فكيف يحتاج إلى شاهد يشهد بطلوعها ويوافقه عليه.
وما أحسن ما قال أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل في كتاب "الحوادث والبدع" حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد لزوم الحق وأتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا، والمخالف له كثيرا، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا ينظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم.
قال عمر بن ميمون الأزدي، صحبت معاذا باليمن فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها، فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، فقلت: يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدّثونا! قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة، وتحضني عليها، ثم تقول: صل
الصلاة وحدك، وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي النافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: قال إن جمهور الناس الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك.
قال نعيم بن حماد يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ.
وعن الحسن قال: السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما بقي الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في أترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله تعالى فكونوا.
وكان محمد بن أسلم الطوسي الإمام المتفق على إمامته من أتبع الناس للسنة في زمانه حتى قال: ما بلغتني سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا فما مكنت من ذلك، وسأل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث: "إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم".
من السواد الأعظم؟ قال محمد بن أسلم الطوسي: هو السواد الأعظم انتهى.
وليعلم هنا أن محل وجوب السواد الأعظم الذي أريد منه
جماعة الصحابة هو ما اختلف فيه الصحابة فذهب عمامتهم وأكثرهم إلى أمر، والبعض الآخر إلى خلافه، بدليل لفظ الاختلاف، فإذا اختلفوا فالصحيح أن الحق مع من كان الخلفاء الأربعة فيهم، فإن اختلفوا وكان أبو بكر وعمر مع طائفة فالحق معهم، وكذلك إذا كان أحد الخلفاء في طائفة ولم يكن أبو بكر وعمر معهم فمن كان عثمان أو علي معه فهم أولى من غيرهم.
وأما ما أجمع عليه الصحابة فوجوب اتباعهم يعلم بفحوى الخطاب، وأما ما اختلفوا فيه ولا يعلم كثرتهم في جانب فالحديث لا يدل على وجوب اتباعهم فيه، وهذا كله فيما إذا لم يعارضه آية أو حديث مرفوع صحيح أو حسن لم يثبت نسخهما، وأما إذا عارضته آية أو حديث فالحجة الكتاب والسنة، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
والمقصود أن السواد الأعظم من هذه الأمة من كانوا على مثل ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما ينتحلونه ويفعلونه ويقولونه، وقد علمت أنهم رضي الله عنهم ما كان أحد منهم يستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، ولا يدعونه، ولا يلجؤون إليه فما ينوبهم، ولا كان أحد منهم يأتي إلى قبره عليه الصلاة والسلام فيتوسل به، ويدعو هناك، أو يستغيث به، وقد كان أعلم الناس بمثل هذه الأمور مالك إمام دار الهجرة، فإنه
مقيم بالمدينة يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم، ويسمع ما ينقلون عن الصحابة وأكابر التابعين، وهو ينهى عن الوقوف عند القبر للدعاء، ويذكر أنه لم يفعله السلف.
والمقصود أن ما نقله هذا الملحد من جواز التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين من الأحاديث أنه إما كذب موضوع، وإما ضعيف لا يقوم به حجة ولا تثبت به الأحكام الشرعية، وكذلك ما نقله عن العلماء فهو من هذا النمط، فما سلكه هذا الملحد مخالف لما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول، واتبع سبيل من خالفهم ممن ابتدع في الدين، واتبع غير سبيل المؤمنين، وهؤلاء الأكثرون كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام116] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف103] وقال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف102] فهؤلاء وإن كانوا هم الأكثرين فليسوا بالسواد الأعظم، والجماعة المذكورين في الأحاديث النبوية، بل السواد الأعظم والجماعة من كان على مثل ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كالتابعين رضي الله عنهم، والأئمة المهتدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وإن كانوا قليلا كما تقدم بيانه مفصلا موضحا والله سبحانه وتعالى أعلم.