الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشاميةفصل: ذكر الملحد مناظرة أبي جعفر المنصور مع مالك...
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل: ذكر الملحد مناظرة أبي جعفر المنصور مع مالك...

فصل قال الملحد: "وفي الشفا للقاضي عياض قال: ناظر 1 أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: لا ترفع صوتك في هذا المسجد, فإن الله أدب قوما فقال ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات-2] الآية ومدح قوما فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ الآية [الحجرات-3] , وذم قوما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية, [الحجرات-4] وحرمته ميتا كحرمته حيا, فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وادعو, أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه, وهو وسيلتك, ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيام؟ بل استقبله, واستشفع به, فيشفعك الله وفي نسخة فيشفعه الله قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء – 64] , انتهى.

والجواب أن يقال هذه الحكاية لا حجة فيها لمبطل لما سنذكره إن شاء الله تعالى, قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي في "الصارم المنكي" قلت المعروف عن مالك أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء, وهذه الحكاية التي 1 ذكرها القاضي عياض, ورواها بإسناده عن مالك ليست بصحيحة عنه.
وقد ذكر المعترض 2 في موضع من كتابه أن إسنادها إسناد جيد, وهو مخطىء في هذا القول خطأ فاحشا, بل إسنادها إسناد ليس بجيد, بل هو إسناد مظلم منقطع, وهو مشتمل على من يتهم بالكذب, وعلى من يجهل حاله, وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي, وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته, ولم يسمع من مالك شيئا, ولم يلقه, بل رواية عنه منقطعة غير متصلة.
وقد ظن المعترض أنه أبو سفيان محمد بن حميد المعمري أحد الثقاة المخرج لهم في صحيح مسلم, قال: فإن الخطيب ذكره في الرواة عن مالك, وقد أخطأ فيما ظنه خطأ فاحشا, ووهم وهما قبيحا.
إلى أن قال: وأما محمد بن حميد الرازي فإنه في طبقة الرواة عن

المعمري كأبي خيثمة 1,وابن نمير, وعمرو الناقد, وغيرهم إلى أن قال: وقد تكلم في محمد بن حميد الرازي وهو الذي رويت عنه هذه الحكاية من غير واحد من الأئمة, ونسبه بعضهم إلى الكذب.
قال يعقوب بن شيبة السدوسي محمد بن حميد الرازي كثير المناكير.
وقال البخاري: حديثه فيه نظر.
وقال النسائي: ليس بثقة.
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: رديء المذهب غير ثقة.
وقال فضلك الرازي عندي عن ابن حميد خمسون ألف حديث لا أحدث عنه بحرف, وقال أبو العباس أحمد بن محمد الأزهري: سمعت إسحاق بن منصور يقول: أشهد على محمد بن حميد, وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان.
وقال صالح بن محمد الحافظ: كان كل 2 ما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران, وما بلغه من حديث منصور يحيله على عمرو بن أبي قيس3, وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء وعلى عنبسة, ثم قال: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه.
وقال

في موضع آخر: كانت أحاديثه تزيد, وما رأيت أحدا أجرأ 1 على الله منه كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضهم على بعض, وقال في موضع آخر: ما رأيت أحدا أحذق بالكذب من رجلين: سليمان الشاذكوني, ومحمد بن حميد الرازي كان يحفظ حديثه كله, وكان حديثه كل يوم يزيد- ثم أطال الحافظ الكلام فيه 2 إلى أن قال-: فإذا كانت هذه حال محمد بن حميد الرازي عند أئمة هذا الشأن فكيف يقال في حكاية رواها 3 منقطعة: إسنادها جيد, مع أن في طريقها إليه من ليس بمعروف, إلى أن قال: فانظر هذه الحكاية وضعفها, وانقطاعها, ونكارتها, وجهالة بعض رواتها, ونسبة بعضهم إلى الكذب, ومخالفتها لما ثبت عن مالك, وغيره من العلماء.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم": ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي, أو غير نبي لأجل الدعاء عنده, ولا كان الصحابة

يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند قبر غيره من الأنبياء, وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم, وعلى صاحبيه, واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقبل قبره, وتنازعوا عند السلام عليه, فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره, ويسلم عليه, وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي, وأظنه منصوصا عنه.
وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه هكذا في كتب أصحابه.
وقال مالك: فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في" المبسوط" والقاضي عياض, وغيرهما 1:- لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو, ولكن يسلم ويمضي, وقال أيضا في "المبسوط": لا بأس لمن قدم من سفر, أو خرج أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو له, ولأبي بكر وعمر, قيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر, وربما وقفوا في الجمعة, أو في الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر يسلمون ويدعون ساعة فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا, وتركه واسع, ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها, ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك, ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.
وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة ما يوافق هذا ويؤيده من أنهم كانوا

إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية كالصلاة والسلام, ويكرهون قصده للدعاء, والوقوف عنده للدعاء 1, ومن يرخص منهم في شيء من ذلك فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه, ثم أراد الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة إما مستدير القبر, وإما منحرفا عنه, وهو أن يستقبل القبلة ويدعو, ولا يدعو مستقبل القبر, وهكذا المنقول عن سائر الأئمة, ليس في أئمة المسلمين من استحب للمرء 2 أن يستقبل قبر النبي ويدعو عنده.
وهذا الذي ذكرناه عن مالك يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه, وهي الحكاية التي ذكرها القاضي عياض عن محمد بن حميد قال ناظر 3 أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-, قال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد, فإن الله تعالى أدب قوما فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات-2] وذكر باقي الحكاية, ثم قال: فهذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون ضعيفة, أو مغيرة, وإما أن تفسر بما يوافق مذهبه إذ قد يفهم منها ما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقاة من أصحابه, فإنه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر عند

الدعاء, وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقا, وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر, ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم, ثم يدعو مستقبل القبلة ويوليه ظهره, وقيل: [لا يوليه ظهره] 1 فاتفقوا في استقبال القبلة, وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت الدعاء, ويشبه والله أعلم أن يكون مالك 2 رحمه الله سئل 3 عن استقبال القبر عند السلام عليه, وهو يسمى ذلك دعاء, فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه عند السلام عليه يستقبل القبلة أيضا, ومالك يرى استقبال القبر في هذا الحال كما تقدم.
وكما قال في رواية ابن4وهب عنه: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم يقف ووجهه إلى القبر, لا إلى القبلة 5, ويدنو, ويسلم, ويدعو, ولا يمس القبر بيديه.
وقد تقدم قوله: إنه يصلي عليه, ويدعو له.
ومعلوم أن الصلاة عليه, والدعاء له توجب شفاعته للعبد يوم القيامة كما قال في الحديث الصحيح:"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول, ثم صلوا علي فإنه من صلى علي

مرة صلى الله عليه عشرا, ثم اسألوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله, وأرجو أن أكون ذلك العبد, فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة" 1.
فقول مالك في هذه الحكاية- إن كان ثابتا عنه- معناه أنك إذا استقبلته, وصليت عليه, وسلمت عليه, وسألت الله له الوسيلة, يشفع فيك يوم القيامة, فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون بشفاعته, واستشفاع العبد به في الدنيا هو فعله ما يشفع به له يوم القيامة, كسؤال الله تعالى له بالوسيلة, ونحو ذلك, وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا, يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة, ويدعو ويسلم, يعني دعاءه 2 للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه.
فهذا هو الدعاء المشروع هناك, كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين, وهو الدعاء لهم, فإنه أحق الناس أن يصلي عليه, ويسلم عليه, ويدعى له, بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
وبهذا تتفق أقوال مالك, ويفرق بين الدعاء الذي أحبه, والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة.

وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية1: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء–64] فهو- والله أعلم- باطل2, فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم, ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن يسأل بعد الموت لا استقلالا 3 ولا غيره, وكلامه المنصوص عنه وأمثاله ينافي هذا, انتهى.4وقد تقدم الجواب على هذه الآية.
وأما القول هذا الملحد: "والمراد من قوله وحرمته ميتا أي حال انتقاله إلى البرزخ, فلا ينافي ما تقدم: أنه حي في قبره صلى الله عليه وسلم.
والجواب أن يقال: ليس هذا مالك رحمه الله, فإنه إمام عالم عربي فقيه, ومن أعلم أهل زمانه بالحديث ومعانية, فإنه حال حكايته مع المنصور- لو ثبت- لا يخاطب المنصور بحال انتقاله إلى البرزخ بأنه ميت, وإنما يخاطبه حال الحكاية معه وقت المناظرة بعد وفاته بزمان طويل, أن حرمته ميتا في هذا الوقت- أي وقت المناظرة- كحرمته في حال الحياة في

غض الصوت عنده وعدم رفعه, فما قاله مالك- رحمه الله- ينافي ما تقدم من الحكايات الموضوعة, والأحاديث المكذوبة, وما كان منها ضعيفا فمؤلف محرف, من تحريفات هؤلاء الغلاة المارقين.
وأما حكايته عن شارح "نور الإيضاح" فككلام 1 غيره من المصنفين في الزيارة ممن لا يوثق به, ولا يعتمد على قوله ونقله, وليسوا من أهل الحديث المعروفين بالرواية والدراية والأمانة, وفيما نقلنا عن مالك وأصحابه, وأبي حنيفة وأصحابه, وأحمد وأصحابه, والشافعي وأصحابه ما يكفي ويشفي عن كلام هؤلاء, وليس 2 المراد من ذكر أصحاب مالك, وأبي حنيفة, وأحمد, وشافعي من تأخر منهم, إنما المراد بأصحاب الأئمة من نهجوا منهجهم, وأخذوا بمذهبهم, وكانوا على طريقتهم في الأقوال, والأفعال, والمآخذ من الأصول المنقولة المأثورة عن الصحابة – رضي الله عنهم- أجمعين.

فصل: ذكر الملحد قصة العتبي نقلا عن النووي، وبيان بطلانها... الخ... فصل: قال الملحد: "وفي "الإيضاح" للنووي المؤلف في مناسك الحج على مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- ما نصه: ومن أحسن ما يقول ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحبين له, قال: كنت جالسا عند قبر النبي- صلى الله عليه وسلم- فجاء أعرابي, فقال: السلام عليك يا رسول الله, سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: آية 64] وقد جئتك مستغفرا من ذنبي, مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه... فيه العفاف وفيه الجود والكرم أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته... على الصراط إذا ما زلت القدم

وصاحباك فلا أنساهما أبدا... مني السلام عليكم ما جرى القلم قال: ثم انصرف, فغلبتني عيناي, فرأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في النوم, فقال يا عتبي: إلحق الأعرابي وبشره بأن الله قد غفر له, انتهى.
والجواب أن يقال: هذه الحكاية على تسليم صحتها ليس فيها دليل شرعي يجب المصير إليه عند أهل العلم والإيمان, فقد ذكر العلماء الأدلة الشرعية, وحصروها, وليس أحد منهم استدل على الأحكام برؤيا آحاد الأمة, لا سيما إذا تجردت عما يعضدها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف- رحمه الله-: وهذه القصة ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء, ولم يذكرها غيرهم ممن يعتد به, ويقتدى به, كالأئمة المتبوعين, وأكابر أصحابهم, وأهل الوجوه في مذاهبهم, كأشهب, وابن القاسم, وسحنون, وابن وهب, وعبد الملك, وابنه, والقاضي إسماعيل من المالكية.
ولا من الشافعية كالمزني, والبويطي, وابن عبد الحكيم, ومن بعدهم كابن خزيمة, وابن سريج, وأمثالهم ونظرائهم من أهل الوجوه.
وكأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة, ومحمد بن الحسن اللؤلؤي, وزفر بن الهذيل, ومن بعدهم كالطحاوي حامل لواء المذهب.
وكذلك أصحاب

أحمد, وأصحاب الوجوه في مذهبه, لم يذكرها أحد منهم كعبد الله, وصالح, والخلال, والأثرم, وأبي بكر عبد العزيز, والمروذي, وأبي الخطاب, ومن بعدهم كابن عقيل, وابن بطة.
وبعض 1من ذكر هذه الحكاية يرويها بلا إسناد, وبعضها عن محمد بن حرب الهلالي, وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسي الزعفراني عن الأعرابي, وقد ذكرها البيهقي 2 بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي فذكر نحو ما تقدم.
ووضع لها بعض الكذابين إسنادا إلى علي بن أبي طالب 3.
كما روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي, عن علي بن محمد بن علي, حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي, قال حدثنا أبي عن أبيه سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي بن

أبي طالب, فذكر نحو ما تقدم 1.
قال الحافظ بن عبد الهدي: هذا الخبر منكر موضوع 2 لا يصلح الاعتماد عليه, ولا يحسن المصير إليه, وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض, والهيثم جد أحمد بن محمد بن الهيثم أظنه ابن عدي الطائي, فإن لم يكن هو فهو كذاب متروك 3, وإلا فمجهول4, وقال عباس5الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة كان يكذب, وقال العجلي وأبو داود: كذاب, وقال أبو حاتم الرازي 6والنسائي والدولابي والأزدي متروك الحديث, وقال

السعدي: ساقط كشف قناعه, وقال أبو زرعة: - ليس بشيء 1,وقال ابن عدي: ما أقل ما له من المسند, وإنما هو صاحب أخبار, وأسمار, ونسب, وأشعار2, وقال الحاكم أبو عبد الله:- الهيثم بن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات أحاديثه منكرة, وقال العباس بن محمد: سمعت بعض أصحابنا يقول: قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب؟.
فإذا كانت هذه الحكاية عند أهل العلم بهذه المثابة لم تثبت بسند يعول عليه ويحتج به.
قال الشيخ: ولو سلمنا ثبوت هذه الحكاية فلا دليل فيما على ما ذهب إليه هذا الأحمق من تجويز دعاء الأنبياء والصالحين, وطلب الحوائج منهم.
والأعراب لا يحتج بأفعالهم ويجعلها دليلا شرعيا إلا مصاب في عقله, مفلس في فهمه وعلمه, وكذلك نقل العتبي ومن مضى من رجال سندها ليسوا بشيء.
وقد تقدم أن أدلة الأحكام هي الكتاب, والسنة, والإجماع, والقياس المعتبر فيه خلاف, وغير ذلك ليس من

الأدلة في شيء, ولم يأت عن أحد من الأئمة من عهد الصحابة إلى آخر القرون المفضلة في هذا الباب ما يثبت, لا طلب الاستغفار ولا غيره, وقد تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالي أنه حكي الإجماع على منعه.
ولو فرض أن هذا الأعرابي قد غفر له فذلك أيضا لا يدل على حسن حاله, وأسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله تعالى, وقد يستجاب لعباد الأصنام استدراجا, كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى-في كتابه"اقتضاء الصراط المستقيم" ثم ليس في الحكاية أنه سأل الرسول شيئا, غايتة أنه توسل به, ومسألة التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم غير مسألة دعائه والاستغاثة به والطلب منه, وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: آية 135] فإذا كان هذا المختص بمغفرة الذنوب فكيف تطلب المغفرة من غيره تعالى وتقدس, وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ بما أغنى عن إعادته هنا.
وأما ذكره في"المستوعب" لأبي عبد الله السامري الحنبلي وفيه" اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك - عليه السلام: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ "الآية".
فنقول هذا من نمط ما قبله وقد تقدم الكلام عليه.
ثم قال الملحد: "سئل العلامة الشهاب الرملي عن ما يقع

من العامة من قولهم عند الشدائد: يا شيخ فلان ونحو ذلك, فأجاب: بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة, وللرسل والأنبياء والأولياء إغاثة بعد وتهم, لأن معجزة الأنبياء وكرامة الأولياء لا تنقطع, انتهى".
فالجواب أن يقال: قد تقدم أن الاستغاثة هي طلب الغوث, وهو: إزالة الشدة, كالاستنصار طلب النصر, والاستعانة طلب العون, وذكرنا فيما تقدم كلام أبي عبد الله القرشي أحد مشايخ الطريقة أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق, وعن ذي النون 1إستغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله في الرسالة السنية: فإذا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة, فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام لأسباب منها: الغلو في بعض المشائخ, بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح عليه السلام, فكل من غلا في نبي أو رجل صالح, وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أنصرني, أو أغثني, وارزقني, أو أنا في حسبك, ونحو هذه الأقوال, فهذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل, فإن الله سبحانه وتعالى إنما أرسل الرسل, وأنزل

الكتب ليعبد وحده لا شريك له, ولا يدعى معه إله, والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق, أو تنزل المطر, أو تنبت النبات, وإنما كانوا يعبدونهم, أو يعبدون قبورهم, أو يعبدون صورهم يقولون: إنما نعبدهم, ليقربونا إلى الله زلفى, ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله فبعث الله سبحانه رسله تنهي أن يدعى أحد من دونه, لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة انتهى.
وقال أيضا: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم, ويتوكل عليهم, ويسألهم كفر إجماعا.
نقله عنه 1 صاحب الفروع, وصاحب الإنصاف, وصاحب الإقناع.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن أنواع - يعني الشرك - طلب الحوائج من الموتى, والاستغاثة بهم, والتوجه إليهم, وهذا أصل شرك العالم فإن الميت قد انقطع عمله, وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا, فضلا لمن استغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله, وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده, وقد تقدم بتمامه.
وبالجملة فضابط هذا أن كل ما شرعه الله لعباده, وأمرهم به ففعله لله عبادة, فإذا صرف العبد من تلك العبادة شيئا لغير الله فهو مشرك, مصادم لما بعث الله به رسوله من قوله: ﴿قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: آية 14].

فإذا عرفت هذا فهذا الرجل المسمى الشهاب الرملي إن كان من المعروفين بالعلم - لأني لا أعرف ما حاله - فهو من جنس السبكي وأضرابه الغالين الذين يصنفون في إباحة الشرك وجوازه زاعمين أن ذلك من تعظيم الرسول, وتعظيم الأنبياء والأولياء, وذلك لجهلهم, وعدم إدراكهم لحقائق الدين, ومدارك الأحكام, وليس لهم قدم صدق في العالمين, ولا كانوا من العلماء العاملين, فلا حجة في أقوالهم ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: آية 40] ثم لو كان الشهاب الرملي من أهل الفضل والعلم والعبادة وأكابر أهل الفقه والورع والزهادة لكان قد أخطأ فيما قاله وأراده, ودعا إلى عبادة غير الله, وهذا يوجب كفره وارتداده.
وأما معجزات الأنبياء وكرامة الأولياء فهي لا تدل على دعائهم, ولا الاستغاثة بهم, وصرف خالص حق الله لهم, وإنما تدل على علو درجتهم, وكرامتهم على الله, وقربهم منه.
وقد قال صلى الله عليه وسلم لما طلب الصحابة رضي الله عنهم من النبي أن يغيثهم من المنافق الذي آذاهم: "إنه لا يستغاث بي, وإنما يستغاث بالله عزو جل" 1 وقد قال الله

تعالى لنبيه- صلى الله عليه وسلم-: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: آية 65] وهؤلاء الغلاة لا يأتمرون بما أمر الله به ورسوله, ولا ينتهون عما نهى الله عنه ورسوله, فالله المستعان.

فصل: ذكر الملحد حديث ابن عباس"أن عمر قال: اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك... الخ... فصل قال الملحد: "وروي عن ابن عباس أن عمر رضي الله عنه قال:"اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك صلى الله عليه وسلم, ونستشفع إليك وبشيبته, فسقوا" وفي ذلك يقول عباس بن عتبة بن أبي لهب: بعمي سق الله الحجاز وأهله... عشية يستسقي بشيبته عمر" والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي ذكره عن ابن عباس لم يذكره بإسناده, ولم يعزه إلى شيء من الكتب المعتمدة, وفيه ألفاظ مخالفة للأخبار الصحيحة, فلا اعتماد على ما ذكره, والمحفوظ المعتمد عليه ما ذكره البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر استقى بالعباس بن عبد المطلب, وقال: " اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا, وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" فيسقون.
قلت: وقد ورد في بعض الألفاظ: قم يا عباس فادع الله.
فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته, وهو

أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته, فيدعون معه, كالإمام والمأمومين من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق, كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق, ولما مات صلى الله عليه وسلم توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به.
ولهذا قال الفقهاء: يستحب الإستقاء بأهل الخير والدين, والأفضل أن يكونوا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم, وقد استقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي, وقال: "اللهم أنا نستقي بيزيد بن الأسود: يا يزيد أرفع يديك, فرفع يديه ودعا, ودعا الناس حتى امطروا, وذهب الناس.
ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده ولا به.
وأما قوله: "وفي رواية للزبير بن بكار أن العباس رضي الله عنه قال في دعائه: وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك صلى الله عليه وسلم فأسقنا الغيث, فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض.
انتهى".
فأقول: قال الحافظ في الفتح, وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب, ولم يكشف إلا بتوية, وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك, وهذه أيدينا إليك بالذنوب, ونواصينا إليك بالتوبة, فاسقنا الغيث, فأرخت السماء مثل الجبال, حتى أخصبت الأرض, وعاش الناس.
وقد أسقط هذا الملحد من هذا الأثر قوله: اللهم إنه لم

ينزل بلاء إلا بذنب, ولم يكشف إلا بتوبة.
لعلمه أنه يعود على مقصوده بالهدم, وذلك أنهم إنما سألوا به ليدعو لهم, فاستكان لله تعالى بالاعتراف وبالذنب, وأنهم قد أتوه بائبين منيبين.
وكذلك أسقط منه قوله: "ونواصينا إليك بالتوبة" وهذا توسل منه بهذا العمل الصالح, وهو التوبة, وعلى تقدير صحة هذا الأثر فلا دليل فيه على ما يتوهمه, فإن توسلهم بالعباس بدعاء حي يقدر على الدعاء, وهذا لا محذور فيه وقد فعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما المحذور المنهي عنه دعاء الأموات, وتوجه بهم, والتوسل بهم وهذا لم ينقل عن أحد من الصحابة, ولا التابعين, ولا الأئمة المهديين, والعلماء والراسخين.
وأما قوله: "وفي هذا يبطل قول من منع التوسل مطلقا سواء كان في الأحياء وبالأموات, وقول من منع ذلك بغير النبي صلى الله عليه وسلم لأن فعل عمر رضي الله عنه حجة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" رواه الإمام أحمد والترمذي"1.

فالجواب على هذا من وجوه:- الأول: أن في سنده خارجة بن عبد الله الأنصاري, وهو ضعيف ضعفه أحمد.
الثاني: أن عمر استسقى بدعاء حي حاضر يقدر على الدعاء, وليس في هذا ما يدل على الاستسقاء بالأموات, ولو كان هذا جائرا لما عدل الفاروق عن الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الاستسقاء بالعباس الحي, فالقياس باطل, والتوهم تحكم.
الثالث: أن جعل الحق على لسان عمر وقلبه لا يستلزم كون فعله رضي الله عنه حجة, ومن يدعيه فعليه البيان, خصوصا إذا خالف غيره من الصحابة.
الرابع: أن المقصود أن الله تعالى أجرى الحق على لسان عمر رضي الله عنه في وقائع, كما قال ابن عمر راوي الحديث: ما نزل بالناس أمر قط, فقالوا فيه, وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر.
ويقويه الحديث المتفق عليه عن أنس وابن عمر أن عمر قال:1وافقت ربي في ثلاث.
قلت يا رسول الله: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقر: آية

125] وقلت يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن فنزلت آية الحجاب, واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه فقلت: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ونزلت كذلك.
إلى غير ذلك من الأمور التي وافق فيها عمر, كقصة أسارى بدر وقصة الصلاة على المنافقين.
وجملة القول أن هذا الحديث على تقدير ثبوته ليس معناه إلا ما روي في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كان فيمن قبلكم محدثون فإن يكن في أمتى أحد فإنه عمر" المحدث الملهم1, وقيل الرجل الصادق الظن, وهو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدثه غيره به, وقيل من يجري الصواب على لسانه من غير قصد, وقيل المكلم أي تكلمه الملائكة بغير نبوت, وقيل الملهم بالصواب الذي يلقى على فيه, وعلى كل تقدير لا يحكم بما وقع للمحدث بل لا بد له من عرضه على الكتاب والسنة, ومن ثم أجمع أهل السنة على أن إلهام غير النبي صلى الله عليه وسلم ليس بحجة, وعلى هذا المعنى ينبغي أن يحمل حديث ابن عمر المذكور, وليس الغرض أن الله جعل الحق في كل حادثه وواقعة على لسان عمر وقلبه, وأن فعله وقوله حجة شرعية, وأنه لا يقع منه خطأ قط, وإلا لما خالفه ونازعه أحد

من الصحابة والتابعين من بعدهم من أهل الحديث والفقه, والثاني باطل فإن مخالفات الصحابة لعمر رضي الله عنه أكثر من أن يكتب في هذا المختصر, وأشهر أن يخفى على من له إلمام بكتب الحديث والأثر, ثم كيف يصح القول بحجية فعل عمر رضي الله عنه عموما كما زعم هذا المؤلف فقد أخطأ عمر رضي الله عنه في مسائل: منها عدم جواز التيمم عنده لمن أجنب فلم يجد الماء.
ومنها عدم جواز التمتع في الحج عنده.
ومنها قوله: إن لمعتدة 1الثلاث السكنى والنفقة, إلى غير ذلك من الأمور التي أخطأ فيها, ورجع فيها إلى الصواب.
وكان الصديق رضي الله عنه يقومه في أشياء كثيرة, كما قومه يوم صلح الحديبية, ويوم موت النبي صلى الله عليه وسلم, بل كان آحاد الناس يبين له الصواب فيرجع إلى قوله, كما راجعته أمرأة في قوله:"لئن بلغني أن أحدا زاد صداقه على صداق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته إلا رددت الفضل في بيت المال" فقالت له امرأة: لم تحرمنا شيئا أعطانا الله إياه؟ وقرأت قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ 2 [النساء: آية 20] فرجع إلى قولها وقال في لفظ آخر: الله أكبر أصابت امرأة وأخطأ عمر, وأمثال هذا كثير.
إذا عرفت هذا فليس في قول صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق

على لسان عمر وقلبه" حجة على جواز التوسل بالنبي, والاستغاثه به بعد موته صلى الله عليه وسلم, ولا بأحد من الأموات والغائبين, لا من الأنبياء والأولياء, ولا غيرهم من الصالحين, غاية ما فيه أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه, ومن ذلك أنه عدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته إلى التوسل بدعاء العباس, وهذا من الحق الذي جعل الله على لسان عمر وقلبه, وسيأتي إيضاح هذا فيما بعد عن قريب إن شاء الله تعالى.
وأما قول الملحد: "ولا يقال فيه دليل على امتناع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله لأن التوسل والاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان معلوما عندهم كما تقدم في القصة التي رواها ابن حنيف, وكما في توسل آدم في الحديث المتقدم الذي رواه عمر رضي الله عنه , وإنما فعله عمر رضي الله عنه لدفع توهم أن الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز".
فالجواب أن نقول: قد تقدم الجواب عن هذا, وأنه لم يكن يفعله أحد من الصحابة, ولا التابعين, ولا من بعدهم من الأئمة المقلدين, لذلك عدل عمر رضي الله عنه عن التوسل به صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بالعباس, وقد ألهم الصواب لأن الله جعل الحق على لسانه وقلبه.
وأما حديث الأعمى فليس فيه ما يدل على غيبته صلى الله عليه وسلم, وهو توسل بدعائه, كما كان الصحابة يتوسلون بذلك, ويسألونه الاستغفار والدعاء, وهذا كان هديهم وفعلهم في حياته صلى الله علي وسلم

كما تقدم, وأما بعد وفاته فلم يفعله أحد من الصحابة رضي الله عنهم.
وأما الذي حدثه عثمان بن حنيف فلم يخاطبه, ولم يثبت ذلك في حديث الأعمى أعني مخاطبته صلى الله عليه وسلم والذي رواه من أهل السنن المعتبرة لم يثبت مخاطبة الرسول, بل هي ساقطة في الأصول المحررة, ومسألة السؤال به أو بحقه غير مسألة نفسه ودعائه.
وأما الحديث الذي عزاه لعمر بن الخطاب بتوسل آدم بجاه محمد فهو حديث موضوع مكذوب باتفاق أهل العلم بالحديث.
وأما قوله:"وإنما فعله عمر رضي الله عنه لدفع توهم أن الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز." فالجواب أن يقال: قد ثبت في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانوا إذا قحطوا استسقى بالعباس رضي الله عنه , قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم فتسقينا, وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا فيسقون.
فإنه لو كان التوسل به عليه الصلاة والسلام بعد انتقاله من هذه الدار جائز لما عدلوا إلى غيره بل كانوا يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا.
وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس وهو يجدون أدنى مساغ لذلك, فعدولهم هذا مع أنهم السابقون

الأولون وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بحقوق الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام, وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع, وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات, وتيسير العسير, وإنزال الغيث بكل طريق, دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره.
وأما قوله: "وإنما فعله عمر رضي الله عنه لدفع توهم أن الاستسقاء بغير النبي لا يجوز".
فأقول فيه كلام من وجوه:- الأول: أن المراد بالاستسقاء بالعباس والتوسل به الوارد في حديث أنس رضي الله عنه هو الاستسقاء بدعاء العباس, على طرية معهودة في الشرع, وهي أن يخرج من يستسقى به إلى المصلي, فيستسقي ويستقبل القبلة داعيا, ويحول رداءه, ويصلي ركعتين أو نحوه من هيئات الاستسقاء التي وردت في الصحاح, والدليل عليه قول عمر رضي الله عنه: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا, وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا.
ففي هذا القول دلالة واضحة على أن التوسل بالعباس كان مثل توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم, والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا بأن يخرج, ويستقبل القبلة, ويحول رداءه, ويصلي ركعتين أو نحوه من الهيئات الثابتة في الاستسقاء, ولم يرد في حديث ضعيف فضلا عن الحسن والصحيح أن الناس طلبوا السقيا من الله في حياته متوسلين به صلى الله عليه وسلم من غير أن يفعل ما يفعل في

الاستسقاء المشروع من طلب السقيا والدعاء والصلاة وغيرهما مما ثبت بالأحاديث الصحيحة, ومن يدعي وروده فعليه الإثبات.
إذا تمهد هذا فاعلم أن الاستسقاء والتوسل على الهيئة التي وردت في الصحاح من الاستسقاء لا يمكن إلا بالحي لا بالميت, فالقول بإمكان هذا الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته من أبطل الباطل, وكان القول بأنه لو استسقي بالنبي صلى الله عليه وسلم لربما يفهم منه بعض الناس أو يتوهم أنه لا يجوز الاستسقاء بغيره بديهي البطلان, فإن ما ثبت بفعله صلى الله عليه وسلم هو مشروع لنا لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: آية 7] وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: آية 21] ما لم يدل دليل على كونه مخصوصا بالنبي صلى الله عليه وسلم, فلا مجال لهذا التوهم حتى يحتاج إلى دفعه.
والثاني: أن المقصود لو كان دفع التوهم المذكور لكان أولى بأن يتوسل بحي غير النبي صلى الله عليه وسلم في حياته, أو بميت غير النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته, أو بميت غير النبي صلى الله عليه وسلمفي حياته, فإن هذه الصور الثلاث أبعد من أن يبدو فيها الاحتمال الآتي من أنه إنما استسقي بالعباس لأنه حي, والنبي صلى الله عليه وسلم قد مات, وأن الاستسقاء بغير الحي لا يجوز, فلما ترك عمر رضي الله عنه تلك الصور, واختار الصورة التي يتأتي فيها الاحتمال المذكور

دل هذا الصنيع على أن مقصوده رضي الله عنه ليس دفع التوهم المذكور.
الثالث: أن توهم عدم جواز الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم أخف من توهم عدم جواز الاستسقاء بالميت, لا سيما إذا كان ذلك الميت غير النبي صلى الله عليه وسلم, فكان هذا التوهم أولى بالدفع, فكان الأنسب حينئذ أن يستسقي بميت غير النبي صلى الله عليه وسلم.
الرابع: أن هذا التعليل فاسد لأن المعلل لم يقم عليه برهان ولا دليل فلا يصغي إليه.

فصل: نقل المعترض حكاية توسل الشافعي بأبي حنيفة وبيان بلادة المعترض... الخ... فصل: قال الملحد: "وقد ذكر العلامة ابن حجر في كتابه المسمى "بالخيرات الحسان في مناقب الإمام أبي حنيفة" في الفصل الخامس والعشرين أن الإمام الشافعي أيام هو ببغداد كان يتوسل بالإمام أبي حنيفة رضي الله عنه يجيء إلى ضريحه يزور فيسلم عليه, ثم يتوسل إلى الله تعالى في قضاء حاجاته, وقد ثبت توسل الإمام أحمد بالشافعي رضي الله عنهما حتى تعجب ابنه عبد الله من ذلك, فقال له الإمام أحمد: إن الشافعي كالشمس للناس وكالعافية للبدن"1.
والجواب أن يقال لهذا الجاهل البليد كيف يثبت دين الله تعالى بمثل هذه الأقوال الكاسدة, والشبه المعتلة الفاسدة.
أيظن أن كل أحد يروج عليه الباطل, ويشتبه عليه العاطل؟ طلا فإن الله رجالا ينفون عن دينه زيغ المبطلين, وتحريف الملحدين.
ثم إن هذه الحكاية من الكذب المعلوم كذبه بالاضطرار

عند من له معرفة بالنقل والآثار 1,فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده ألبتة, بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا, وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين, من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده.
ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذي أدركوه مثل أبي يوسف, ومحمد بن الحسن, وزفر, والحسن بن زياد, وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء عند قبر أبي حنيفة ولا غيره, ثم إن الشافعي قد صرح في بعض كتبه بكراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها, وإنما يضع هذه الحكايات من يقل علمه ودينه, وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف, ونحن لو روي لنا مثل هذه الحكايات المسيبة أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى لما جاز التمسك لها حتى تثبت, فكيف بالمنقول عن غيره.
ثم هذه الحجج دائرة بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به, أو قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله, مع العلم بأن الرسول لم يشرعها, وتركه مع قيام المقتضي بمنزلة فعله, وإنما يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس من غير

نقل عن الأنبياء 1 النصارى وأمثالهم, وإنما المتبع في إثبات أحكام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسبيل السابقين الأولين لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصا واستنباطا بحال.
وأما قوله: "وقد ثبت توسل الإمام أحمد بالشافعي" فهو من نمط ما قبله مما يعلم كل عاقل بالضرورة أنه من الكذب بل لا بد من رفع هذه الأمور إلى أصحابها بسند يعتمد عليه, ودونه لا يسمع, ثم لو ثبت ذلك فأفعالهم وتقريراتهم ليست من الحجة, في شيء, وحاشاهم من ذلك فهم أجل قدرا, وأعظم خطرا من أن تجري منهم هذه الأمور, وهي لم يفعلها أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وشيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه أجاب في كتابه"اقتضاء الصراط المستقيم" عن مثل شبه هذا الملحد بوجهين.- مجمل ومفصل, وقد أجاد فيها وأفاد, وحيث أن ذلك مما لا يمكننا نقل جميعه فلا بأس أن نذكر المجمل.
قال رحمه الله تعالى:- أما المجمل فالنقض, فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير, بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا كما يستجاب لهؤلاء أحيانا, وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة, فإن كان

هذا وحده دليلا على أن الله يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل, وذلك كفر متناقض, ثم إنك تجد كثيرا من هؤلاء الذين يستغيثون عند نبي أو غيره, كل منهم قد اتخذ وثنا أحسن به الظن بآخر, وكل منهم يزعم أن قرينه يستجاب عنده, ولا يستجاب عند غيره, فمن المحال أصابتهم جميعا, موافقة بعضهم دون بعض تحكم وترجيح بلا مرجح, والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد, فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثيرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم, وانصرافهم عن غيره, وموافقتهم جميعا فيما يثبتونه دون ما ينفونه يضعف التأثير على زعمهم, فإن الواحد إذا حسن الظن بالإجابة عند هذا, وهذا لم يكن تأثره مثل تأثر الحسن الظن بواحد دون آخر, وهذه كلها من خصائص الأوثان, ثم قد استجيب لبلعام بن باعورا في قوم موسى المؤمنين, وسلبه الله تعالى الإيمان, والمشركون قد يستسقون فيسقون, ويستنصرون فينصرون انتهى.
وفيه كفاية لمن كشف الله عن بصيرته حجب الغفلة, والله الهادي إلى سواء السبيل.

فصول الكتاب · 13 فصل · 324 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية · 324 صفحة
مقدمة
فصل: في نقض تسميته عباد القبور: أهل السنة والجماعة...
فصل: ذكر كلام ابن القيم في أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها....فصل: سياق أبيات ابن القيم في نونيته فيما يتعلق بحياة الأنبياء في قبورهم......فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور...فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة...فصل: في رد قول الملحد: هناك آيات أخر تشير إلى الالتجاء بالنبي الخ...
فصل: في رد قوله: إنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط...
فصل: ذكر الملحد عن معروف الكرخي أنه قال لتلاميذه:.. الخ...قال شيخ الإسلام: فصل: اتفق السلف على أن الأنبياء أفضل من الأولياء...فصل: ذكر الملحد مناظرة أبي جعفر المنصور مع مالك...فصل: زعم الملحد تبعا لابن حجر الهيتمي أن الشافعي توسل بآل البيت....فصل: في الفرق بين توحيد الربوبية والإلهية...
جارٍ التحميل