المقدمات الممهداتصفحات 469-486
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجامع

صفحات 469-486
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
المقدمات الممهدات
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: الدكتور محمد حجي
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الجنة.
قال عز وجل: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: 123] فأمر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقتل الحيات عموما.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا" يريد الحيات، "فإذا رأيتم منها شيئا فأذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان».
فكان ذلك مخصصا لعموم أمره بقتل الحيات، فلا يجوز أن تقتل الحيات بالمدينة إلا بعد الاستئذان ثلاثا إلا ذي الطفيتين والأبتر على ما جاء في الحديث من أنهما يخطفان البصر ويطرحان ما في بطون النساء.
ونهى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن قتل حيات البيوت، فاحتمل أن يريد بيوت المدينة خاصة، وأن يريد جميع البيوت بالمدينة وغيرها، فيستحب لهذا الاحتمال ألا تقتل حيات البيوت في غير المدينة إلا بعد الاستئذان ثلاثا من غير إيجاب بخلاف حيات المدينة.
وأما حيات الصحاري والأودية فلا خلاف في أنها تقتل من غير استئذان؛ لأنها باقية على الأمر بقتلها.
وأما الوزغ فيقتل حيثما وجد؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بقتله وسماه فوسيقا.
وكذلك يقتل سائر ما أمر بقتله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من العقرب والفأرة والحدأة والكلب العقور.
«ونهى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن قتل أربع: النحلة، والنملة، والهدهد، والصرد» فلا تقتل النحلة لأنها ينتفع بها إذا بقيت ولا ينتفع بلحمها إذا قتلت، والنملة؛ لأنها لا ينتفع بلحمها إذا قتلت وهي موصوفة بمعنى محمود من التسبيح على ما جاء من أن الله عز وجل أوحى إلى نبي من الأنبياء؛ لما أحرق قرية النمل إذ لدغته واحدة منهن: لدغته نملة واحدة قرصته أحرقت أمة من الأمم تسبح.
وروي أن نبيا من الأنبياء خرج بالناس يستسقي فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة.
إلا أن تؤذي فيجوز قتلها لإذايتها.
وكذلك يجوز قتل ما يؤذي من جميع الدواب كالبرغوث والقملة، ولا يجوز قتل شيء من ذلك بالنار؛ لأنه من التمثيل والتعذيب، وبالله التوفيق.

فصل

في السنة في السفر للرجال والنساء

الوحدة في السفر مكروهة؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب» وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشيطان يهم بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم».
وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «خير الصحابة أربعة، وخير الطلائع أربعون، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة إلا أن تفترق كلمتهم».
ويستحب للمسافرين الرفق بدوابهم وإنزالها منازلها في الخصب والتجافي عليها بسقيها في الجدب، وأن لا يعرسوا على الطريق، وأن يعجل الرجل الرجوع إلى أهله إذا قضى نهمته من سفره، وأن يدخل في صدر النهار ولا يأتي أهله طروقا على ما جاء في الحديث من ذلك كله.
ولا بأس بالإسراع في المشي وطي المنازل فيه عند الحاجة إلى ذلك، فقد سار ابن عمر وسعيد بن أبي هند وكانا من خيار الناس من مكة إلى المدينة في ثلاثة أيام وهي مسيرة عشرة أيام على السير المعتاد.
ولا تسافر المرأة إلا مع زوجها أو ذي محرم منها؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها» بدليل قول الله عز وجل: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: 60] وفيما عدا الهجرة إلى بلد الإسلام من بلد الكفر إذا أسلمت فيه، وفيما عدا السفر إلى حج الفريضة؛ لأن هجرتها إلى بلد الإسلام مخصصة من عموم الحديث بالإجماع، والسفر إلى الحج مخصص منه بالقياس على الإجماع.

ويكره في الأسفار تعليق الأجراس في أعناق الإبل والدواب، فقد «روي أن العير التي فيها الأجراس لا تصحبها الملائكة» وتقليدها الأوتار قيل: إذ لا يأمن أن تختنق بها على أخذ التأويلين في الحديث الذي جاء «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرسل عبد الله بن أبي بكر في بعض أسفاره والناس في مقيلهم ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت».
وقيل معنى ذلك في التمائم المعلقة عليها مخافة العين، قاله مالك في موطئه، وتأويله أظهر، والله أعلم.

فصل

في تنزيه المساجد عما لم توضع له

وينبغي أن تنزه المساجد عن عمل الصناعات وأكل الألوان والمبيت فيها إلا من ضرورة للغرباء، ومن الوضوء فيها واللغط ورفع الصوت فيها وإنشاد الضالة والبيع والشراء؛ لقول الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: 36] ﴿رِجَالٌ﴾ [النور: 37] إلى آخر الآية؛ لأنه عز وجل أعلم بهذه الآية ما وضعت المساجد له، فوجب أن تنزه عما سوى ذلك مما ذكرناه، ومن تقليم الأظفار، وقص الشعر فيها، والأقذار كلها والنجاسات؛ ولقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم واجعلوا مطاهركم على أبوابها».
وقد بنى عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رحبة بناحية المسجد تسمى البطيحاء وقال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعرا ويرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة.
وكان عطاء بن يسار إذا مر به من يبيع في المسجد دعاه فسأله ما معه وما تريد، فإن أخبره أنه يريد أن يبيعه في المسجد قال: عليك بسوق الدنيا فإنما هذا سوق الآخرة.
وبالله التوفيق.

فصل

في وسم الأنعام والدواب وخصائصها

يجوز خصاء الغنم بخلاف الخيل؛ لما روي من «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن خصاء الخيل» وضحى بكبشين أملحين موجوءين، ولم ينكر ذلك؛ لأن الغنم تراد للأكل وخصاؤها لا يمنع من ذلك بل هو صلاح للحومها وتطيب لها.
والخيل إنما تراد للركوب والجهاد وذلك ينقص قوتها ويضعفها ويقطع نسلها، فهذا فرق ما بينهما.
ويكره أن يوسم شيء من الحيوان في الوجه، ولا بأس بذلك في أجسادها؛ لما يحتاج الناس إليه من علامات يعرفون بها أنعامهم ودوابهم.
وأما الغنم فأرخص في أن توسم في آذانها إذ لا يمكن أن توسم في أجسادها لمغيب السمة فيها بأصوافها.
وقد «نهى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن السمة في الوجه» وروي عنه «أنه مر به حمار قد كوي في وجهه فعاب ذلك» حكى ذلك عبد الوهاب في المعونة.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أنه قال: «رأى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمارا موسوم الوجه فأنكر ذلك».
قال ابن عباس: فوالله لا أسم في شيء من الوجه، فأمر بحمار له فكوي في جاعرتيه، فهو من أول من كوى الجاعرتين، وبالله التوفيق.

فصل

في الرؤيا والحلم

ينبغي لمن رأى في منامه ما يكره أن يتفل عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ ويستعيذ بالله عز وجل من شر ما رأى ويتحول على جنبه الآخر، فإنه إذا فعل ذلك

لم يضره ما رأى إن شاء الله على ما جاء في الحديث الذي ذكره مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سمعت أبا قتادة بن ربعي يقول: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «الرؤية الصالحة من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه فليتفل عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شر ما رأى فإنها لن تضره إن شاء الله».
قال أبو سلمة: إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أبالي بها.
وفي رواية ابن وهب مثل هذا إلا أنه قال:: «أعوذ بما أعاذت به ملائكة الله ورسله من شر ما رأيت أن يصيبني منه شيء أكرهه في الدنيا والآخرة، وليتحول على شقه الآخر».
والمعنى في ذلك أن الرؤيا الصالحة وهي الحسنة التي تبشر بالخير في الدنيا أو في الآخرة لا مدخل فيها للشيطان وهي من الله عز وجل من ستة وأربعين جزءا من النبوءة إذا رآها الرجل الصالح، وروي من خمسة وأربعين جزءا، وروي من سبعين جزءا " والمعني في هذه التجزئة أن ما يصاب في تأويله من هذه الرؤيا التي على هذه الصفة المذكورة في الحديث فيخرج على ما تعبر به فما يخطأ في تأويله فلا يخرج على ما يعبره بكونه جزءا من خمسة وأربعين، أو من ستة وأربعين، أو من سبعين، إذ لو خرجت كلها على ما تعبر لكانت كالنبوءة في الإخبار بالمغيبات، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لن يبقى بعدي من النبوءة إلا المبشرات "، قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: "الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة».
فالرؤية الصالحة المبشرة من الله جزء من الأجزاء المذكورة في الحديث إن كانت من الرجل الصالح، وإن لم تكن من الرجل الصالح فلا يقال فيها وإن كانت من الله تعالى: إنها جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوءة ولا من ستة وأربعين ولا من سبعين.

والرؤية المكروهة تنقسم على قسمين: منها رؤيا من الله عز وجل قد يصاب في تأويلها فيخرج ما يعبر به، وقد يخطأ في تعبيرها فلا تخرج على ما تعبر به، ولا يقال فيها أيضا: إنها جزء من خمسة وأربعين ولا من ستة وأربعين ولا من سبعين.
ومنها حلم من قبل الشيطان يحزن به الإنسان لا تضر رؤيته شيئا، فأمر الرجل إذا رأى في منامه ما يكرهه أن يستعيذ بالله من شر ما رأى، فإذا فعل ذلك موقنا بما روي في ذلك لم يضره ما رأى.
والمعنى في ذلك أن الله لا يوفقه للاستعاذة مما رأى بيقين صحيح إلا فيما هو من تحزين الشيطان أو فيما هو بخلاف ما تأوله مما كرهه، وقد يصرف الله عنه ما كرهه مما رآه في منامه وإن كان من الله بالاستعاذة منه، كما يصرف عنه سوء القدر بالدعاء الذي قد سبق في علمه أنه يصرفه به على ما قد ذكرناه في رسم سن من الجامع من كتاب البيان وبالله التوفيق.

فصل

في السباق

المسابقة جائزة على مذهب مالك في الخيل والإبل، وبالرمي بالسهام.
والأصل في جواز ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60] وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ألا إن القوة الرمي» وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر».
ومن أهل العلم من لم يجز المسابقة إلا في الخيل والإبل، لما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا سبق إلا في خف أو حافر».
وأجاز محمد بن الحسن المسابقة على الأقدام، وأجاز بعض أصحاب الشافعي المسابقة بالحمير والبغال، وهو شذوذ؛ لأن الغرض في السباق التمرن لقتال العدو، ولا يتأتى ذلك في البغال والحمير، إذ لا تصلح للكر

والفر.
ألا ترى أنه لا يسهم لها، وإنما يصلح لذلك الخيل وحدها وهي التي يسهم لها.
وثبت أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سابق بينهما.
والمسابقة في ذلك جائزة على الرهان، والرهان الذي يكون فيها على ثلاثة أوجه: وجه جائز باتفاق، ووجه غير جائز باتفاق، ووجه مختلف في جوازه.
فأما الوجه الجائز باتفاق فهو أن يخرج أحد المتسابقين إن كانا اثنين أو أحد المتسابقين إن كانوا جماعة جعلا لا يرجع إليه بحال ولا يخرج من سواه شيئا، فإن سبق مخرج الجعل كان الجعل للسابق، وإن سبق هو صاحبه ولم يكن معه غيره كان الجعل طعمة لمن حضر.
وإن كانوا جماعة كان الجعل لمن جاء سابقا بعده منهم.
وهذا الوجه في الجواز مثل أن يخرج الإمام الجعل فيجعله لمن سبق من المتسابقين، فهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم أجمعين.
وأما الوجه الذي لا يجوز باتفاق فهو أن يخرج كل واحد من المتسابقين إن كانا اثنين أو كل واحد من المتسابقين إن كانوا جماعة جعلا، فهذا لا يجوز باتفاق؛ لأنه من الغرر والقمار والميسر والخطار المحرم بالقرآن.
وأما الوجه المختلف فيه فهو أن يخرج أحد المتسابقين إن كانا اثنين أو أحد المتسابقين إن كانوا جماعة جعلا ولا يخرج من سواه شيئا على أنه إن سبق أخذ جعله وإن سبقه غيره كان الجعل للسابق.
فهذا الوجه اختلف فيه قول مالك، وهو على مذهب سعيد بن المسيب جائز.
ومن هذا الوجه المختلف فيه أن يخرج كل واحد من المتسابقين جعلا على أن من سبق منهما أحرز جعله وأخذ جعل صاحبه على أن يدخلا بينهما محللا لا يأمنان أن يسبقهما على أنه إن سبقهما أخذ الجعلين جميعا.
فهذا الوجه أجازه سعيد بن المسيب ولم يجزه مالك ولا اختلف فيه قوله كما اختلف في الوجه الأول الذي قبله؛ لأنه أخف في الغرر من الوجه الذي قبله.
ويجمع بينهما في المعنى أن حكم مخرج الجعل مع صاحبه من تلك حكم مخرج الجعل مع المحلل في هذه.
وسواء كان مع الجماعة المتسابقين محلل واحد أو مع الاثنين المتسابقين جماعة محللون، الخلاف في كل ذلك، إلا أنه كلما كثر المحللون وقل المتسابقون كان الغرر أخف والأمر أجوز.
وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

أنه قال: «من أدخل فرسا بين فرسين وهو يؤمن أن يسبق فذالكم القمار» رواه أبو هريرة، وهو حجة لسعيد بن المسيب، وبالله التوفيق.

فصل

في الشؤم والعدوى والطيرة

روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الشؤم في الدار والمرأة والفرس» وأنه قال: «إن كان الشؤم ففي الدار والمرأة والفرس» وأنه قال: «لا عدوى ولا طيرة».
فمن أهل العلم من قال: الشؤم في الدار ما يصيب ساكنها من المصائب، وكذلك الفرس والمرأة، وجعل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا عدوى ولا طيرة» معارضا له.
وضعف حديث الشؤم بما روي أن عائشة أنكرت على أبي هريرة حديثه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قط وإنما كان أهل الجاهلية يقولونه ثم قرأت: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: 22] ومنهم من صحح الحديث وتأوله على أن الشؤم في الدار معناه سوء الجوار، وفي المرأة سوء خلقها، وفي الفرس كذلك.
والذي أقول به أنه لا تعارض بين الحديثين، لأن المعنى الذي أوجبه في أحدهما غير المعنى الذي نفاه في الآخر.
نفى في الحديث الواحد أن يكون لشيء من الأشياء عدوى في شيء من الأشياء أو تأثير فيه؛ لقوله لا عدوى ولا طيرة، إذ لا فاعل إلا الله تعالى.
وأعلم في الحديث الآخر أنه قد يوجد الشؤم في الدار والمرأة والفرس، وهو تكرار الأذى على ساكن بعض الدور أو نكاح بعض النسوة أو اتخاذ

بعض الخيل بقضاء الله عز وجل وقدره السابق على ما أخبر به حيث قال في كتابه العزيز: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: 22] وفي الفرس ركوبه فيما لا ينبغي ركوبه فيه أو مصيبة تحدث عليه بركوبه إياه، لا بعدوى شيء من ذلك على شيء ولا بتأثير له فيه.
فلم ينف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله: "لا عدوى وجود ما هو موجود مما يعتدى، وإنما نفي أن يكون شيء من الأشياء يعدى على ما يعتقده أهل الجاهلية والجهلة بالله ". ألا ترى ما جاء في الحديث الصحيح من قوله: «لا عدوى ولا هام ولا صفر ولا يحل المريض على المصح وليحل المصح على المريض حيث شاء».
قالوا يا رسول الله: وما ذاك؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنه إذا نفي أن يكون لشيء عدوى ونهي أن يحل المريض على المصح؛ لأنه قد يتأذى بذلك، على ما هو موجود من جري العادة في ذلك بقضاء الله وقدره السابق، ويبين هذا الذي ذكرناه حديث أبي هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا عدوى ولا هام ولا صفر فقام أعرابي فقال يا رسول الله: إن الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء يرد عليها البعير الجرب فتجرب كلها، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فمن أعدى الأول».
وبالله التوفيق لا شريك له ولا رب غيره ولا معبود سواه.

فصل

في فضل مكة والمدينة والتفضيل بينهما

لا اختلاف بين أهل العلم في فضل مكة والمدينة وأنهما أفضل البقاع، وإنما اختلفوا في التفضيل بينهما.
فذهب جماعة من المالكيين إلى أن المدينة أفضل من مكة، وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما من أهل العلم: مكة أفضل من المدينة وهو الأظهر؛ لأن الله عز وجل حرم مكة وعظم حرمتها، وجعل بيته فيها قبلة للصلاة فقال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ﴾ [البقرة: 144] وَقَالَ ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25]

الآية وقال: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 217] وقد جعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمكة مزية على المدينة بتحريم الله إياها فقال: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس»، وأوجب بذلك أهل العلم كلهم الجزاء على من صاد في حرم مكة، ولم يوجبه على من صاد في حرم المدينة إلا الشاذ منهم.
فيستفاد من هذا الإجماع على أن الذنب في الصيد في حرم مكة أغلظ منه في حرم المدينة.
وقد رأى جماعة من أهل العلم أن تغليط الحدود في حرم مكة لحرمته، ولا تقام فيه؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم في حرم المدينة.
فإذا كان الذنب في مكة أغلظ منه في المدينة، والصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد المدينة على ما روي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نصا من رواية عطاء ابن أبي رباح عن الزبير قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في ذلك أفضل من مائة صلاة في هذا».
وإذا كان الذنب في حرم مكة أغلظ منه في حرم المدينة، والصلاة في مسجد مكة الذي أوجب الله الحج إليه لفضله بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97] أفضل من الصلاة في مسجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صح أن مكة أفضل من المدينة، إذ ليس تفضيل بعض البقاع على بعض بمعنى موجود في ذواتها، وإنما هو لتضعيف الحسنات والسيئات فيها.
وقد قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لأن أعمل عشر خطايا بالمدينة أحب إلي أن أعمل واحدة بمكة.
والمعنى في هذا أن السيئات تضاعف في مكة كما تضاعف فيها الحسنات.
وقد استدل القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي على ما ذهب إليه من تفضيل المدينة على مكة بظواهر آثار كثيرة لا حجة في شيء منها.

من ذلك ما روت عمرة بنت عبد الرحمن عن رافع بن خديج أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المدينة خير من مكة».
قال: وهذا نص في تفضيل المدينة على مكة، وليس بنص كما زعم إذ لم يقل: إنها أفضل منها وإنما قال: هي خير منها، فيحمل ذلك لما ذكرناه من الأدلة الظاهرة على أن مكة أفضل من المدينة على أنه إنما أراد بقوله: إن المدينة خير من مكة أنها خير منها في سعة الرزق فيها، بكثرة الزرع والثمرات، وتمكن التجارات؛ لأن الله عز وجل أخبر عن مكة أنها بلد غير ذي زرع بقوله تعالى حاكيا عن إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37] فمعنى الحديث، والله أعلم، أنه أراد أن ينبه أصحابه المهاجرين على فضل الله عليهم بأن جعل هجرتهم من مكة إلى بلد هو أوسع في الزرع منها ليشكروا الله على ذلك حق شكره.
ومن ذلك دعاؤه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمدينة بمثل ما دعا به إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لمكة ومثله معه.
وهذا أيضا لا دليل فيه، إذ ليس في دعاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبارك لأهل المدينة في مدينتهم وصاعهم ومدهم على ما جاء في الحديث المذكور ما يدل على أنها أفضل من مكة بوجه.
ومن ذلك قوله: «اللهم كما أخرجوني من أحب البقاع إلي فأسكني أحب البقاع إليك».
وهذا الحديث ليس على عمومه، ومعناه فأسكني في أحب البقاع إليك بعد مكة، بدليل ما تقدم من أن مكة أفضل من المدينة بالنص الذي ذكرته على ذلك.
ومن ذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة».
وهذا أيضا لا حجة فيه إذ ليس في إعلامه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بفضل من صبر على لأواء المدينة وشدتها في حياته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمقام معه لنصرته، والصلاة في مسجده بعد وفاته؛ لما جاء من الفضل في الصلاة في مسجده على سائر المساجد إلا المسجد الحرام ما يدل على فضل المدينة على مكة، لا سيما وقد جاء النص بأن الصلاة في مسجد مكة أفضل من الصلاة في مسجد المدينة بمائة صلاة.

ومن ذلك أيضا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» وهذا لا حجة فيه أيضا؛ لأن معنى قوله: إن الإيمان ليأرز إلى المدينة أن الناس ينتابونها من كل ناحية للدخول في الإسلام؛ لكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها، فهذا لا دليل فيه على أنها أفضل من مكة.
ومن ذلك أيضا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أمرت بقرية تأكل القرى يقال لها: يثرب تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد».
وهذا لا حجة فيه أيضا؛ لأن المعنى أمرت بالهجرة إلى قرية تفتح القرى منها أي المدن، فكان ذلك كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: في حياته وبعد وفاته، وذلك من علامات نبوته أن أخبر بما كان قبل أن يكون، فلا دليل في ذلك على أنها أفضل من مكة.
ومن ذلك أيضا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال».
وهذا لا دليل فيه أيضا لا سيما وقد جاء عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من رواية جابر ابن عبد الله «أنه يرد على كل ماء وسهل وجبل إلا المدينة ومكة قد حرمها الله عليه وقامت الملائكة بأبوابها».
ومن ذلك أيضا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة»، ولا دليل في ذلك؛ لأن المعنى فيه الإعلام بفضل ذلك الموضع فترفع درجات المصلي فيه ويسمع دعاؤه فيه فيصل بذلك إلى روضة من رياض الجنة.
فالكلام ليس بحقيقة وإنما هو من المجاز الذي جاء به القرآن ويعرفه العرب، مثل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الجنة تحت ظلال السيوف»، وليس في إعلامه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بفضل ذلك الموضع ما يدل على أن المدينة أفضل من مكة.
ومما استدل به أيضا على أن المدينة أفضل من مكة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مخلوق منها، فتربته أفضل الترب.
وهذا لا حجة فيه أيضا؛ لأنا قد بينا أن البقاع لم يفضل بعضها على بعض بمعنى موجود فيها من خاصية تختص بها، وإنما فضلت عليها لتفضيل الله لها برفع درجات العاملين فيها.
ولما أكمل احتجاجه بهذه الأحاديث التي ذكرناها وضعفنا احتجاجه بها قال: فإذا ثبت بما ذكرناه فضيلة المدينة على مكة كانت الصلاة في مسجدها أفضل لا محالة من الصلاة في المسجد الحرام، ويكون استثناء المسجد الحرام من تفضيل

الصلاة في مسجد الرسول - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على سائر المساجد إنما هو في مقدار الفضيلة لا في أصلها، فكأنه قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام فإنه أفضل منه بدون الألف لفضل مسجد مكة على غيره من المساجد؛ فكانت للمسجد الحرام بذلك مزية على سائر المساجد، كما كان لمسجد الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مزية على المسجد الحرام، فبان بذلك فضل المدينة على مكة.
هذا معنى قوله وليس بصحيح؛ لما ذكرنا من تضعيف الاستدلالات التي استدل بها لفضل المدينة على مكة؛ ولما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نصا من «أن الصلاة في المسجد الحرام بمكة أفضل من الصلاة بمسجد الرسول بالمدينة،» فالاستثناء في هذا الحديث على ظاهره استثناء لجملة التفضيل، فكأنه قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام فإنه لا فضل له عليه، بل له الفضل عليه على ما جاء في الحديث الذي ذكرناه.
وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل المدينة على مكة بقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما على الأرض بقعة أحب إلي أن يكون قبري بها.
يعني المدينة».
وهذا لا حجة فيه؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما هاجر من مكة فلم يصح له الرجوع إليها وكانت المدينة أحب البقاع إلى الله بعدها استحب ألا ينتقل عنها حتى يموت فيها فيكون قبره بها، وبالله التوفيق.

فصل

في حكم إجماع أهل المدينة وترجيح مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وذكر فضله وعلو مرتبته في العلم

إجماع أهل المدينة على الحكم فيما طريقه النقل حجة يجب المصير إليها والوقوف عندها وتقديمها على أخبار الآحاد وعلى القياس، كنحو إجماعهم على جواز الأحباس والأوقاف، وعلى صفة الأذان والإقامة، وعلى مقدار صاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومده، وعلى إسقاط الزكاة من الخضروات وشبه ذلك؛ لأن ذلك كله نقله الخلف

منهم عن السلف، فحصل به العلم من جهة نقل التواتر، فوجب أن يقدم على القياس وعلى أخبار الآحاد؛ إذ لا يقع بها العلم وإنما توجب غلبة الظن كشهادة الشاهدين.
وبهذا المعنى احتج مالك على أبي يوسف حين ناظره بحضرة الرشيد لإثبات الأوقاف والصدقات، فقال: هذه صدقات رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأحباسه مشهورة عندنا بالمدينة معروفة ينقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن.
فقال حينئذ أبو يوسف: كان أبو حنيفة يقول: إنها غير جائزة وأنا أقول: إنها جائزة، فرجع في الحال عن قول أبي حنيفة إلى إجازتها.
وبمثل هذه الحجة رجع إلى القول بأن مقدار الصاع والمد ما يقوله أهل المدينة وترك مذهب أبي حنيفة لما رأى في ذلك من تواتر النقل وتناصره الموجب للعلم.
وكذلك ما اتصل العمل به بالمدينة من جهة القياس والاجتهاد هو حجة أيضا كمثل ما أجمعوا عليه من جهة النقل، يقدم على أخبار الآحاد وعلى ما خالفه من القياس عند مالك؛ لأن ما اتصل العمل به لا يكون إلا عن توقيف.
وأما إجماعهم على الحكم في النازلة من جهة الاجتهاد فقيل: إنه حجة يقدم على اجتهاد غيرهم وعلى أخبار الآحاد لأنهم أعرف بوجوه الاجتهاد وأبصر بطريق الاستنباط والاستخراج؛ لما لهم من المزية عليهم في معرفة أسباب خطاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومعاني كلامه ومخارج أقواله، لاستفادتهم ذلك من الجم الغفير الذين شاهدوا خطابه وسمعوا كلامه.
وهذا في القرن الثاني والثالث منهم الذين توجهت إليهم المدحة بقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم».
وقيل: إنه ليس بحجة من أجل أنهم بعض الأمة، والعصمة إنما هي لجميع الأمة؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لن تجتمع أمتي على ضلالة».
واختلف على القول بأنه ليس بحجة هل له مزية يقدم بها على ما سواه من الاجتهاد ويرجح بها عليه أم لا على قولين.
فعلى القول بأن له مزية يقدم بها على ما سواه من الاجتهاد ويرجح بها عليه يقدم خبر الواحد.
وعلى القول

بأنه لا مزية له على ما سواه من الاجتهاد يرجح بها أحد الأثرين المتعارضين، ويختلف هل يقدم على خبر الواحد أم لا، فحكى ابن القصار عن مالك أن القياس عنده مقدم على خبر الواحد خلافا لأبي حنيفة في تقديمه على القياس والله أعلم.

فصل في [اختلاف علماء المدينة وغيرهم بعدهم]

وإذا اختلف علماء المدينة وغيرهم بعدهم في حكم نازلة فالواجب أن يرجع فيها إلى ما يوجبه الاجتهاد والنظر بالقياس على الأصول، ولا يعتقد أن الصواب في قول واحد منهم دون نظر، وإن كان أعلمهم.
ولا اعتراض علينا في هذا بانتحالنا لمذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وتصحيحنا له وترجيحنا إياه على ما سواه من المذاهب؛ لأنا لم ننتحل مذهبه في الجملة إلا وقد بانت لنا صحته وعرفنا الأصول التي بناه عليها واعتمد في اجتهاده على الرجوع إليها مع علمنا بمعرفته بأحكام كتاب الله عز وجل من ناسخه ومنسوخه، ومفصله ومجمله، وخاصه وعامه، وسائر أوصافه ومعانيه، وسنن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتبيين صحيحها من سقيمها، وأنه كان إماما في ذلك كله غير مدافع فيه بشهادة علماء وقته له بذلك وإقرارهم بالتقديم له فيه؛ ولأنا اعتقدنا أيضا أنه هو الذي عناه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة» لوجهين: أحدهما: أنه هو المسمى بعالم المدينة لتعرفه به، فإذا قال القائل: هذا قول عالم المدينة، أو فقيه المدينة، أو إمام دار الهجرة، علم أنه هو الذي أراد، كما يعلم إذا قال هذا قول الشافعي أنه أراد بذلك محمد بن إدريس الشافعي دون من سواه من أهل نسبه، وكذلك الثوري والأوزاعي.
والثاني: تأويل الأئمة ذلك فيه منهم ابن جريج، وابن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي من غير خلاف عليهم في ذلك؛ لأن من قال: يحتمل أن يكون - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنى بذلك العمري العابد ليس بصحيح؛ لأن الصفة التي وصفها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أن أكباد

الإبل تضرب إليه في طلب العلم إنما هي موجودة في مالك لا في العمري؛ لأن أكباد الإبل لم تضرب إليه في طلب العلم؛ لأنه إنما كان من شأنه أن يخرج إلى البادية التي لا يحضر أهلها الأمصار لطلب العلم ولا يخرج أهل العلم إليهم، فيعلمهم أمر دينهم ويفقههم فيه ويرغبهم فيما يقربهم من ربهم ويحذرهم مما يبعدهم عنه.
وهذا وإن كان فيه من الفضل ما فيه فقد أربى ما وهب الله مالكا - رَحِمَهُ اللَّهُ - من الفضل فيما انتشر عنه من العلم وإحيائه من الدين بما لا يعلمه إلا الله الذي يؤتي فضله من يشاء وهو ذو الفضل العظيم.
لأن علمه لم ينقطع بموته؛ لأن العلم أخذه عنه من ضرب آباط الإبل إليه فيه كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وأخذ عمن أخذه عنه خلف عن سلف، فأجره جار عليه إلى يوم القيامة» كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن عمل ابن آدم ينقطع إلا من ثلاث: علم ينتفع به، وصدقة تجري عليه، وولد صالح يدعو له».
ولولا مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - ومثله من العلماء؛ لدرس العلم وذهب الدين.
وعمل العمري العابد انقطع بموته إذ كان من يعلمهم العلم بالبوادي لا تتعداهم منفعته، فلا يلحق فضل العبادة بفضل العلم بإجماع من العلماء.
فقد قالوا جميعا: إن الرجلين إذا كان أحدهما أعلم والثاني أفضل إن الأعلم أولى بالإمامة ولم يكن ذلك كذلك إلا بزيادة فضل العلم على فضل العمل.
وقد روي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب».
وقد روي أن العمري العابد المذكور كتب إلى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - يحضه على الانفراد للعبادة وترك مجالسة الناس، فكتب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - يقول: إن الله قسم بين عباده الأعمال كما قسم بينهم الأرزاق، فرب رجل فتح له في كذا، ولم يفتح له في كذا، ورب رجل فتح له في كذا، ولم يفتح له في كذا، فعدد أنواع أعمال البر ثم قال: وما أظن ما أنت فيه بأفضل مما أنا فيه، وكلانا على خير إن شاء الله.

فصل في

[فضائل مالك]

وفضائله أكثر من أن تحصى.
منها ما روي أن عبد الرحمن بن القاسم قال:

يا أبا عبد الله، ليس بعد أهل المدينة أحد أعلم بالبيوع من أهل مصر.
فقال مالك: من أين علموا ذلك؟ فقال: منك يا أبا عبد الله، فقال مالك: ما أعلمها أنا فكيف يعلمونها مني.
وروي عن أبي بكر أحمد بن زهير قال: كان مالك يجلس إلى ربيعة فكانت حلقته في زمن ربيعة مثل حلقة ربيعة وأكثر.
وأفتى معه ربيعة عند السلطان.
ومن ورعه وفضله توقفه عن كثير مما كان يسأل عنه.
روي عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: سأل رجل مالك بن أنس عن مسألة وذكر أنهم أرسلوه يسأله عنها من مسيرة ستة أشهر، قال: فأخبر الذي أرسلك أنه لا علم لي بهذا.
قال: ومن يعلمها؟ قال: الذي علمه إياها.
قال عبد الرحمن: قالت الملائكة: لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا وروي عن أبي الهيثم بن جميل قال: شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة قال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري.
وروي عن خالد بن خداش أنه قال: قدمت على مالك من العراق بأربعين مسألة فسألته عنها، فما أجابني إلا في خمس مسائل منها.
وروي عنه أنه قال: جنة العالم لا أدري، فإذا أخطأها أصيبت مقاتله.
وروى ابن وهب عن مالك قال: سمعت عبد الله بن يزيد يقول ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول لا أدري حتى يكون ذلك أصلا في أيديهم يفزعون إليه، فإذا سئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري.
وقال أبو عمر بن عبد البر: صح عن أبي الدرداء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لا أدري نصف العلم.
وروي عن محمد بن رمح أنه قال: رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المنام منذ أكثر من خمسين سنة، فقلت له: يا رسول الله: إن مالكا والليث يختلفان فبأيهما نأخذ؟ قال مالك.
وروى أشهب عن الدراوردي قال: رأيت في منامي أني دخلت مسجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوافيت رسول الله يخطب الناس إذ أقبل مالك فدخل من باب المسجد، فلما أبصره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إلي إلي، فأقبل إليه حتى دنا منه، فسل خاتمه من خنصره ووضعه في خنصر مالك.
وروي عن مصعب بن عبد الله الزبيري

قال: سمعت أبي يقول: كنت جالسا مع مالك بن أنس في مجلس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ أتاه رجل فقال: أيكم مالك بن أنس؟ قالوا: هذا.
فسلم عليه واعتنقه وضمه إلى صدره وقال: لقد رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - البارحة جالسا في هذا الموضع فقال: هاتوا مالكا فأوتي بك ترعد مفاصلك فقال: ليس بك بأس يا أبا عبد الله وكناك وقال: اجلس، فجلست، فقال: افتح حجرك ففتحته فملأه مسكا منثورا، وقال ضمه إليك وبثه في أمتي.
قال فبكى مالك وقال: الرؤيا تسر ولا تغر، لئن صدقت رؤياك فهو العلم الذي أودعني الله.
وروي عن عبد السلام بن عمر بن خالد من أهل الإسكندرية قال: رأى رجل في المنام قوما اجتمعوا في جبانة الإسكندرية يرمون في غرض فكلهم يخطئ الغرض، فإذا برجل يرمي ويصيب القرطاس، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا مالك بن أنس.
وبالله تعالى التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه.

خاتمة

[تم الجزء الثاني من الجامع وبتمامه كمل جميع الديوان من المقدمات، والحمد لله كثيرا كما هو أهله، وصلى الله على محمد خاتم أنبيائه ورسله، وعلى آدم وما بينهما من النبيين والمرسلين على يد الفقير الراجي رحمة ربه كثير الذنوب والخطايا الاسم مشطب عليه الصنهاجي.
وكان تمامه في يوم الثلاثاء ما بين الظهر والعصر في شهر ذي قعدة عام ثمانية عشر وسبعمائة، وموافقة من شهور العجم شهر يناير، وذلك في خمسة عشر منه، وذلك في التاريخ المؤرخ به.
وصلى الله على محمد].

فصول الكتاب · 81 فصل · 640 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المقدمات الممهدات · 640 صفحة
مقدمة
كتاب الصلاة
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثانيكتاب الجهادكتاب الحجكتاب النذور والأيمانكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب الأشربةكتاب العقيقةكتاب النكاحكتاب الرضاعكتاب طلاق السنةكتاب إرخاء الستوركتاب الحضانةكتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب الصرفكتاب السلمكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب الغرركتاب بيع الخياركتاب العيوبكتاب المرابحةكتاب الاستبراءكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب الجعل والإجارةكتاب الرواحل والدوابكتاب كراء الدوركتاب كراء الأرضينكتاب تضمين الصناعكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب حريم الآباركتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارةكتاب الرهونكتاب الكفالةكتاب الحوالةكتاب الحبس والصدقة والهبةكتاب الهباتكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللقطةكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب الصلحكتاب العراياكتاب الجوائحكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الشركةكتاب الوكالاتكتاب الشفعةكتاب القسمةكتاب الوصاياكتاب الولاء والمواريثكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب التدبيركتاب أمهات الأولادكتاب السرقةكتاب المحاربين والمرتدينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب الجراحاتكتاب الجنايات
كتاب الجامع
جارٍ التحميل