المقدمات الممهداتصفحات 347-386
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجامع

صفحات 347-386
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
المقدمات الممهدات
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: الدكتور محمد حجي
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال محمد بن رشد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بعد حمد الله تعالى وجل حق حمده.
والصلاة على نبيه الكريم وعبده: إني لما ضمنت الجزء الأول من كتاب المقدمات بيان ما يجب اعتقاده من المعتقدات التي أوجبها الله عز وجل على المكلفين من عباده، من الإيمان به والإقرار بوحدانيته، والمعرفة به على ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله، بما نصب لهم من الدلالات على ذلك في محكم كتابه، والإيمان برسوله محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والتصديق لما جاء به من عنده، والمعرفة لصحة رسالته ونبوته بالدلالة الظاهرة، والمعجزات الباهرة، التي أظهرها الله تعالى وأحكام الكتاب من ناسخه ومنسوخه، وخاصه وعامه، ومفصله ومجمله، ونصه ومحتمله، وحقيقته ومجازه، وأحكام السنن وتقاسيمها، وحقيقة الإجماع، ووجه القياس ووجوب الحكم به فيما لم يرد به نص في الكتاب ولا في السنة ولا فيما اجتمعت عليه الأمة.
وما تنقسم عليه أحكام الشرائع من واجب ومستحب ومباح وحرام ومكروه وتفسير ذلك كله وبيانه.
وضمنا سائر الأجزاء أحكام جميع شرائع الدين فرائضها وسننها وفضائلها وشرائط صحتها وفسادها، رأيت أن أختمه بجزء جامع يحتوي على ما تهم معرفته من العلم بنسب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأزواجه وأولاده وعيون

سيره وأخباره، من حين مولده إلى وقت وفاته، وعلى جمل مما يحق معرفته مما يجب على الإنسان في خاصته أو يحرم عليه أو يستحب له أو يكره له أو يباح له في مطعمه ومشربه وملبسه وجميع شأنه؛ وعلى بيان فضل مكة والمدينة، وفضل مالك إمام دار الهجرة ومقدار مرتبته في العلم والله الموفق للصواب لا رب غيره ولا معبود سواه.

باب

في ذكر نسب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ومولده ومبعثه وصفته وأسمائه وأخلاقه وسنه ووفاته وأزواجه وأولاده وهجرته وبعوثه وغزواته

هو - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
روي هذا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واتفق على صحته أهل العلم بالنسب لم يختلفوا في شيء منه.
وإنما اختلفوا فيما بين عدنان وإسماعيل بن إبراهيم - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -، وفيما بين إبراهيم وآدم - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - اختلافا كثيرا لا يقطع على صحة شيء منه.
روي عن ابن عباس أنه قال: فيما بين معد بن عدنان إلى إسماعيل ثلاثون أبا.
ولا اختلاف بينهم في أن نزارا بأسرها وهم ربيعة ومضر هي الصريخ من ولد إسماعيل، وقريش وهم بنو النضر بن كنانة.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من بني كنانة واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم».

واسم هاشم عمرو، وإنما قيل لهاشم لأنه أول من هشم الثريد لقومه.
واسم قصي يزيد، وإنما قيل له قصي لأنه تقصى مع أمه أخواله ومكن معهم في باديتهم فبعد عن مكة وكان يدعى مجمعا لأنه لما رجع إلى مكة من عند أخواله جمع قبائل قريش بمكة حين انصرافه.
واسم عبد مناف المغيرة ويكنى أبا عبد شمس واختلف في عبد المطلب فقيل اسمه عبد المطلب، وقيل اسمه شيبة، وكان يقال له شيبة الحمد لشيبة كانت في ذؤابته.
وقال من قال ذلك إنما قيل له عبد المطلب لأن أباه هاشما قال لأخيه المطلب وهو بمكة حين حضرته الوفاة أدرك عبد المطلب بيثرب فسمي عبد المطلب، والله أعلم.

فصل

في نسب أمه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ووقت ولادتها إياه

وأم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب تزوجها عبد الله ابن عبد المطلب وهو ابن ثلاثين سنة وقيل ابن خمس وعشرين سنة، خرج به أبوه عبد المطلب إلى وهب بن عبد مناف فزوجه ابنته.
وقيل كانت آمنة في حجر عمها وهيب بن عبد مناف، فخطب إلية ابنته هالة لنفسه، وخطب إليه ابنة أخيه آمنة على ابنه عبد الله، فزوجه وزوج ابنه في مجلس واحد.
فولدت هالة لعبد المطلب حمزة وولدت آمنة لعبد الله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. حملت به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى، وولدته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمكة في الدار التي كانت تدعى لحمد بن يوسف أخي الحجاج، عام الفيل إذ ساقته الحبشة إلى مكة في جيشهم لغزو البيت، فردهم الله عز وجل عنه وأرسل عليهم طيرا أبابيل فأهلكتهم، لا اختلاف في ذلك.
قيل يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من

رمضان، وقيل يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول.
وقيل لثمان خلون منه.
وقيل لاثنتي عشرة ليلة خلت منه.
وقيل أول اثنين منه.
وقد قيل إنه ولد في شعب بني هاشم، ولا خلاف أنه ولد عام الفيل.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: ولد يوم الفيل، فيحتمل أن يكون أراد اليوم الذي حبس الله فيه الفيل عن وطء الحرم وأهلك الذين جاءوا به، ويحتمل أن يكون أراد بقوله يوم الفيل عام الفيل.

فصل

في مرضعات النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -

فأرضعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحمزة ثويبة جارية أبي لهب، وأرضعت معهما أبا سلمة بن عبد الأسد.
فالنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وحمزة وأبو سلمة إخوة من الرضاعة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «قيل للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ألا تتزوج ابنة حمزة؟ قال: إنها ابنة أخي من الرضاعة» وروي عن عراك بن مالك «أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله إنا قد تحدثنا أنك خطبت درة بنت أبي سلمة، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أعلى أم سلمة لو أني لم أنكح أم سلمة لم تحل لي لأن أباها أخي من الرضاعة» وأعتق أبو لهب ثويبة بعد أن هاجر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من مكة إلى المدينة، فكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة حتى ماتت بعد فتح خيبر.
ثم استرضع له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بني سعد بن بكر حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية.
فردته ضئره حليمة إلى أمه آمنة بعد خمس سنين ويومين من مولده، فأخرجته أمه آمنة إلى أخوال أبيه بني النجار تزورهم بعد سبع سنين من مولده، فتوفيت بعد ذلك بالأبواء ومعها النبي، فقدمت به أم أيمن مكة بعد موت أمه بخمسة أيام.

فصل

في سن النبي- عَلَيْهِ السَّلَامُ - يوم مات أبوه

ومات أبوه عبد الله بن عبد المطلب وأمه حامل به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقيل: بل توفي بالمدينة والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابن ثمانية وعشرين شهرا.
وقبره بالمدينة في دار من دور بني عدي بن النجار.
وكان خرج إلى المدينة ليمتار قمحا، وقيل إنه كان ابن سبعة أشهر، وقيل إنه كان ابن شهرين، ولم يكن له ولد غير رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكفله جده وعمه.
فتوفي جده عبد المطلب سنة تسع من عام الفيل.
وقيل بل توفي وهو - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابن ثمان سنين.
وقيل بل توفي وهو ابن ثلاث سنين.
فأوصى به إلى ابنه أبي طالب، فصار في حجره حتى بلغ خمس عشرة سنة، ثم انفرد بنفسه.
وكان أبو طالب يحبه، وكان هو مائلا إليه لوجاهته في بني هاشم وسنه، وكان مع ذلك شقيق أبيه.

فصل

في سن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم تزوج خديجة وذكر أولاده منها

وتزوج - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خديجة بنت خويلد وهو ابن إحدى وعشرين سنة.
قيل وهو ابن ثلاثين سنة.
وهي ثيب بعد زوجين كانا لها.
قيل إنها كانت يومئذ بنت ثلاث وأربعين سنة.
وقيل بنت أربعين سنة، وإنها ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة.
وروي أنه خرج في تجارة، فرآه نسطور قد أظلته غمامة فقال: هذا نبي.
وتوفيت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قبل الهجرة إلى المدينة بثلاث سنين، وقيل بأربع سنين، وقيل: بخمس سنين.
وكانت حين وفاتها بنت خمس وستين سنة، وهي أول من آمن به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يجمع معها غيرها، ولا تزوج سواها من أزواجه إلا بعد موتها.

وولده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلهم منها حاشا إبراهيم فإنه من مارية القبطية، أربع بنات: زينب وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم.
والأصح أن رقية هي الثانية بعد زينب ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ولا اختلاف في أن زينب أكبرهن.
قيل إنها ولدت في سنة ثلاثين من مولد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وماتت في سنة ثمان للهجرة.
أسلمت وهاجرت حين أبى زوجها أبو العاصي أن يسلم، ثم أسلم بعدها وهاجر.
وتزوج عثمان بن عفان رقية بمكة، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، فولدت له هناك ابنا سماه عبد الله فبه كان يكنى.
وتوفيت يوم وقعة بدر، وبسبب مرضها تخلف عثمان عن شهود بدر بأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فضرب له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسهمه فهو من أهل بدر.
وتزوج بعدها أم كلثوم، فتوفيت عنده ولم تلد منه، فكان نكاحه لها في ربيع الأول، وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة الثالثة من الهجرة.
وتوفيت في سنة تسع منها.
وصلى عليها أبوها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكانت رقية تحت عتبة بن أبي لهب، وأختها أم كلثوم تحت عتيبة بن أبي لهب.
فلما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1] قال لهما: أبوهما لهب وأمهما حمالة الحطب: فارقا ابنتي محمد.
وقال أبو لهب: رأسي من رأس أمكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد، ففارقاهما.
وتزوج علي بن أبي طالب فاطمة بنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سيدة نساء العالمين، بعد وقعة أحد.
وقيل إنه تزوجها بعد أن ابتنى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعائشة بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد تزوجه إياها بسبعة أشهر ونصف، وكان سنها يوم تزوجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف، وسن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر.
فولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم، وزينب، ولم

يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
وتوفيت- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيسير.
قيل: بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر.
وقيل: بثمانية أشهر.
واختلف في ولده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهم الذكور من خديجة.
فقيل: أربعة: القاسم وبه كان يكنى، وعبد الله، والطيب، والطاهر.
وقيل ثلاثة: القاسم وعبد الله وهو الطيب.
سمي بذلك لأنه ولد في الإسلام، والطاهر.
وقيل اثنان: القاسم، وعبد الله وهو الطاهر والطيب، فلعبد الله على هذا ثلاثة أسماء.
وقد حكى معمر عن ابن شهاب أن بعض أهل العلم قال: ما نعلمها ولدت له إلا القاسم، وولدت له بناته الأربع.
وعاش القاسم فيما روي حتى مشى.

فصل

في ذكر أزواجه- عَلَيْهِ السَّلَامُ -

وأزواجه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللواتي لم يختلف فيهن إحدى عشرة امرأة.
أولهن خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية، من بني أسد بن عبد العزى بن قصي، وقد مضى القول فيها.
ثم سودة العامرية من بني عامر بن لؤي.
تزوجها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمكة بعد موت خديجة، وكانت تحت ابن عم لها يقال له السكران بن عروة.
بنى بها بمكة في سنة عشر من الهجرة، وكانت امرأة ثقيلة ثبطة، وأسنت عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهم بطلاقها، فقالت: لا تطلقني وأنت حل من شأني، فإنما أريد أن أحشر من نسائك، وإني قد وهبت يومي لعائشة وإني لا أريد ما تريد النساء.
فأمسكها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى توفي عنها.
فتوفيت بعده في آخر زمان عمر بن الخطاب.

ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق التميمية القرشية، تزوجها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمكة بكرا بعد موت خديجة قبل الهجرة، قيل بسنتين، وقيل بثلاث سنين، وهي بنت ست سنين أو سبع سنين، وابتنى بها في المدينة وهي بنت تسع سنين فأقام معها تسع سنين.
وتوفي عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة.
وعاشت بعده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمان وأربعين سنة.
وتوفيت سنة سبع وخمسين، وهي بنت ست وستين سنة.
ولم يكن من زوجاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من تزوج بكرا غيرها.
ثم أم سلمة المخزومية، واسمها هند بنت أبي أمية المعروف بزاد الراكب أحد أجواد قريش المشهورين بالكرم.
كانت قبل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، فولدت له سلمة وبه كانت تكنى، وعمرو، وزينب.
فلما توفي أبو سلمة خطبها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتزوجها سنة اثنتين من الهجرة في شوال، وابتنى بها في شوال، وقال لها: «إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ثم درت.
فقالت: ثلث».
وتوفيت سنة ستين في أول خلافة يزيد بن معاوية.
وقيل في رمضان من سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة لوصيتها بذلك.
وكان والي المدينة يومئذ مروان بن الحكم، وقيل الوليد بن عقبة، ودفنت بالبقيع.
ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية القرشية أخت عبد الله بن عمر لأبيه وأمه.
أمها زينب بنت مظعون الجمحي.
تزوجها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سنة ثلاث من الهجرة في شعبان.
وقيل سنة اثنتين من التاريخ.
وكانت قبله تحت: خنيس بن حذافة السهمي.
فلما تأيمت منه خطبها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتزوجها، وطلقها تطليقة ثم ارتجعها، وذلك «أن جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نزل عليه فقال له: ارتجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة».
وتوفيت حين بايع الحسن لمعاوية سنة إحدى وأربعين.
وقيل سنة سبع وأربعين.
ثم زينب بنت خزيمة الهلالية العامرية.
كانت تدعى في الجاهلية أم

المساكين، وذلك- والله أعلم- لرأفتها بهم، وإحسانها إليهم.
وكانت تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سنة ثلاث.
ولم تلبث إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة، وتوفيت في حياته.
ولم تمت من زوجاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حياته غيرها وغير خديجة.
وقيل إنها كانت أخت ميمونة لأمها.
ثم زينب بنت جحش الأسدية ابنة عمة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم.
تزوجها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سنة خمس من الهجرة.
وكانت قبله تحت زيد بن حارثة الذي كان تبنى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي التي قال الله فيها: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: 37].
وذلك أنه لما تزوجها قال المنافقون تزوج حليلة ابنه وقد كان ينهي عن ذلك، فأنزل الله الآية المذكورة وأنزل: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40] وقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5].
فدعي من حينئذ زيد بن حارثة، وقد كان يدعى زيد بن محمد.
وكانت أول أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفاة بعده ولحوقا به، توفيت سنة عشرين في خلافة عمر في السنة التي افتتحت فيها مصر، وقيل سنة إحدى وعشرين في السنة التي افتتحت فيها الإسكندرية.
ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية.
اسمها رملة وهو المشهور وقيل هند.
كانت تحت عبيد الله بن جحش الأسدي خرج بها مهاجرا من مكة إلى أرض الحبشة مع المهاجرين، فولدت له هناك حبيبة التي كانت تكنى بها، ثم افتتن وتنصر ومات نصرانيا.
وأبت أم حبيبة أن تتنصر وأبى الله لها إلا الإسلام والهجرة، فتزوجها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قيل خطبها بعد أن قدمت المدينة فزوجها إياه عثمان وهي بنت عمه، وقيل بل خطبها إلى النجاشي فتزوجها وهي بأرض الحبشة

وهو المشهور.
فولي عقد نكاحها النجاشي لأنه أسلم فكان وليها هناك، ومهرها أربعة آلاف درهم وبعث بها إلى شرحبيل ابن حسنة وجهزها من عنده، ولم يبعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليها شيئا وكان مهور سائر أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربعمائة درهم.
وقيل أيضا لما أرسل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى النجاشي في أمرها خطبها النجاشي عليه وأمهرها عنه أربعة آلاف درهم، وعقد عليها خالد بن سعيد بن العاصي.
وكان زواجه لها على ما ذكر في ست من تاريخ الهجرة، وتوفيت- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - سنة أربع وأربعين.
ثم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار أحد بني المصطلق، سباها يوم المريسيع وحجبها وقسم لها، قال ذلك ابن شهاب.
وقال أبو عبيدة تزوجها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سنة خمس من التاريخ، وتوفيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين وكان اسمها برة فسماها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جويرية.
وروي أنها كانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له، فكاتبته على نفسها وكانت امرأة جميلة.
قالت عائشة: «كانت جويرية امرأة عليها حلاوة وملاحة لا يكاد يراها أحد إلا وقعت بنفسه.
قالت: فأتت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لتستعينه على كتابتها.
قالت: فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب الحجرة فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت، فقالت يا رسول الله: جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك فوقعت في سهم لثابت بن قيس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي وجئتك أستعينك.
فقال لها: هل لك في خير من ذلك؟ قالت وما هو يا رسول الله؟ قال أقضي كتابتك وأتزوجك.
قالت نعم.
قال: قد فعلت.
فخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأرسلوا ما بأيديهم من سبايا بني المصطلق.
قالت عائشة: فلم نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها».
ثم صفية بنت حيي بن أخطب اليهودي من سبط هارون - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من سبايا خيبر، صارت في سهمانه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأعتقها وتزوجها في سنة سبع من الهجرة،

وجعل عتقها صداقها، وقيل إنه اشتراها بأرؤس، وقيل إنه اصطفاها.
روي عن أنس «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما جمع سبي خيبر جاءه دحية فقال أعطني جارية من السبي، فقال اذهب فخذ جارية، فذهب فأخذ صفية بنت حيي فقيل: يا رسول إنها سيدة قريظة والنضير ما تصلح إلا لك.
فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خذ جارية من السبي غيرها» وتوفيت- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - في زمن معاوية في رمضان من سنة خمسين.
وكانت امرأة حسيبة جميلة عاقلة فاضلة.
روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل عليها وهي تبكي، فقال لها ما يبكيك؟ فقالت بلغني أن حفصة وعائشة تنالان مني وتقولان نحن خير من صفية نحن بنات ابن عم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأزواجه، فقال لها: ألا قلت لهن كيف تكن خيرا مني وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
ثم ميمونة بنت الحارث بن حرن الهلالية خالة عبد الله بن عباس.
تزوجها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سنة سبع في عمرة القضاء، جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل وكانت تحت العباس، فولت أم الفضل زوجها العباس فأنكحها إياه العباس، قيل قبل أن يحرم بعمرته، وقيل وهو محرم بها، وقيل بعد أن حل منها.
فلما تمت الثلاثة الأيام أوصت إليه قريش أن يخرج مكة ولم يمهلوه أن يبني بها فيها، فخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبني بها بسرف.
وتوفيت- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بسرف في الموضع الذي ابتنى بها فيه سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ست وستين.
فهؤلاء أزواجه اللواتي لم يختلف فيهن، فحصل العلم بنقل التواتر بهن، وهن إحدى عشرة امرأة، منهن ست من قريش: خديجة، وسودة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وأربع من العرب: زينب بنت خزيمة، وزينب بنت جحش، وجويرية، وميمونة؛ وواحدة من بني إسرائيل وهي صفية.
توفي منهن اثنتان في حياته: خديجة أول نسائه، وزينب بنت خزيمة.
وتوفي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن التسع الباقيات على ما تقدم من ذكرهن.

فصل في [أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللواتي فارقهن]

وأما اللواتي نقل من طريق الآحاد أنه تزوجهن ثم فارقهن فسبع نسوة، على ما ذكر علي بن المعمر عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنه قال: جملة من تزوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمان عشرة امرأة، وقيل بل أكثر من سبع.
فمنهن فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي.
قيل إن أباها الضحاك عرضها على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال إنها لم تصدع قط، فقال لا حاجة لي بها.
وقيل إنه تزوجها بعد وفاة ابنته زينب وخيرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين أنزلت آية التخيير فاختارت الدنيا ففارقها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكانت تلقط البعر وتقول أنا الشقية اخترت الدنيا.
وليس ذلك بصحيح، إذ قد قيل إنه لم يكن عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين خير أزواجه إلا التسع نسوة وهن اللواتي توفي عنهن.
وقد قال جماعة: إن التي كانت تقول أنا الشقية هي التي كانت استعاذت من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد اختلف في المستعيذة منه اختلافا كثيرا.
ومنهن أسماء بنت النعمان من بني الجون من كندة.
لم يختلفوا في أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوجها، واختلفوا في قصة فراقها، فقيل إنه «لما دخلت عليه دعاها فقالت تعال أنت وأبت أن تجيء؛ وقيل إنها قالت أعوذ بالله منك فقال لها: لقد عذت بمعاذ وقد أعاذك الله مني فطلقها؛» وقيل إن التي استعاذت منه إنما كانت امرأة جميلة من بني سليم تزوجها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فخاف نساؤه أن تغلبهن عليه، فقلن لها إنه يعجبه أن تقولي له أعوذ بالله منك، فقالته لما أدخلت عليه ودعاها فطلقها.
وقيل بل إنما قال أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك لأسماء بنت النعمان الكندي لأنها

كانت من أجمل النساء فخفن أن تغلبهن على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقيل إن التي استعاذت من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقيل إن التي استعاذت من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما كانت امرأة جميلة من سبي بني العنبر كان أراد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يتخذها.
وقيل إنه إنما فارق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسماء بنت النعمان الكندية من أجل وضح من بياض كان بها.
وقد اختلف في اسمها فقيل أميمة وقيل أمامة.
ولما لحقت بأهلها خلف عليها- فيما روي- المهاجر بن أبي أمية المخزومي، ثم قيس بن مكشوح المرادي.
ومنهن العالية بنت ظبيان بن عمرو الكلابية، تزوجها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكانت عنده ما شاء الله ثم طلقها، فقال ابن شهاب: وبلغنا أن العالية بنت ظبيان التي تزوجت قبل أن يحرم نساءه نكحت ابن عم لها من قومها وولدت فيهم.
ومنهن سناء بنت أسماء بنت الصلت السلمية تزوجها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فماتت قبل أن يدخل بها، وقيل إنه طلقها قبل أن يدخل بها.
وقد اختلف فيها وفي اسمها فقيل أسماء بنت الصلت وقيل غير ذلك.
ومنهن قتيلة بنت قيس بن معد يكرب الكندية أخت الأشعث بن قيس.
تزوجها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سنة عشر ثم قبض ولم تكن قدمت عليه ولا رآها ولا دخل بها فخلف عليها عكرمة ابن أبي جهل بحضرموت فبلغ ذلك أبا بكر الصديق فقال: لقد هممت أن أحرق عليها بيتها فقال له عمر بن الخطاب ما هي من أمهات المؤمنين ولا دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب.
وقيل إنها ارتدت حين ارتد أخوها بعد موت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم راجعا الإسلام، فاحتج عمر على أبي بكر أنها ليست من أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بارتدادها.
ومنهن أم شريك الأنصارية، تزوجها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يدخل بها لأنه كره عفرة نساء الأنصار.

ومنهن فاطمة بنت شريح ذكرها أبو عبيدة في أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يذكرها ابن عبد البر في الصحابة.
ومنهن هند بنت يزيد بن العرطا من بني بكر بن كلاب.
ذكرها أبو عبيدة في أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقيل هي عمرة بنت يزيد.
قال ابن عبد البر: والاختلاف فيها كثير.
ومنهن الشفباء فإنها لما دخلت عليه لم تكن بالبشرة لما دخلت عليه فانتظر بها البشر ومات إبراهيم ولده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على بغتة ذلك، فقالت لو كان نبيا ما مات أحب الناس إليه وأعزهم عليه، فطلقها وأوجب لها المهر وحرمت على الأزواج.
ومنهن مليكة بنت داود الليثية ذكرها ابن حبيب في أزواجه اللواتي يبن بهن، ولم يذكرها ابن عبد البر في الصحابة.
ومنهن شراف بنت خليفة الكلبية، أخت دحية بن خليفة الكلبي.
تزوجها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهلكت قبل دخوله بها.
ذكر ذلك ابن عبد البر في كتاب الصحابة.
ومنهن ليلى بنت الخطيم بن عدي من بني الحارث بن الخزرج.
روي «أنها أقبلت إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو مولي ظهره الشمس فضربت على منكبه، فقال: من هذه؟ قالت: أنا ابنة مباري الريح أنا ليلى بنت الخطيم جئتك أعرض عليك نفسي فتزوجني، قال قد فعلت.
فرجعت إلى قومها فقالت تزوجني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالوا بئس ما صنعت.
أنت امرأة غيراء والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صاحب أزواج استقيلي نفسك.
فرجعت إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت أقلني، قال قد أقلتك».
ومنهن خولة بنت الهذيل.
روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوجها، وقع ذلك في كتاب ابن أبي خيثمة، ولم يذكرها ابن عبد البر في كتاب الصحابة.
ومنهن ليلى بنت حكيم الأنصارية الأوسية التي وهبت نفسها للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكرها

أحمد بن صالح المصري في أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يذكرها غيره فيهن علمت.
قاله ابن عبد البر.

فصل

في سراري النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

وتسرى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مارية القبطية، وهي مارية بنت شمعون، أهداها له المقوقس صاحب الإسكندرية ومصر، فولدت له ابنه إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وتوفي في بني مازن عند مرضعته أم بردة سنة عشر وهو ابن ثمانية عشر شهرا.
وقيل بل توفي وهو ابن ستة عشر شهرا.
وقيل إن وفاته كانت لعشر ليال خلت من ربيع الأول سنة عشر.
وتوفيت مارية في خلافة عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وذلك في المحرم من سنة ست عشرة وكان عمر يحشر الناس بنفسه لشهادة جنازتها، فصلى عمر عليها ودفنت بالبقيع.
وتسرى أيضا ريحانة بنت شمعون من بني قريظة، وقيل من بني النضير، والأكثر أنها قريظة، ثم أعتقها فلحقت بأهلها.
وقيل إنه تزوجها ثم فارقها، وقيل بل مات عنها وهي زوجة، وقيل ماتت قبل وفاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ويقال إن وفاتها كانت سنة عشر مرجعه من حجة الوداع.
وذكر أبو عبيدة معمر بن المثني أنه كان له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربع ولائد: مارية القبطية، وريحانة من بني قريظة، وجارية أخرى جميلة أصابها في السبي فكادها نساءه وخفن أن تغلبهن عليه.
وكانت له جارية نفيسة وهبتها له زينب بنت جحش، وكان هجرها في شأن صفية بنت حيي، فلما رضي عنها ودخل عليها وهبتها له، وذلك في الشهر الذي قبض فيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فيتحصل من جملة ما ذكر من أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الإحدى عشرة امرأة اللواتي لم يختلف فيهن ونقل التواتر أمرهن خمس عشرة امرأة، والله تعالى أعلم.

فصل

في صفة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

وصفته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ما روي وجاءت به الآثار أنه كان ربعة من القوم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، فكان طوله على ما وصف به من هذا طولا وسطا حسنا غير معيب، ضخم الرأس كثير شعره، رجلا غير سبط، وجعدا غير قطط، كأنه زهرة بالمشط قد رجل ومشط، كث اللحية توفي وفي عنفقته شعرات بيض، أزهر اللون أبيض مشوب بحمرة، في وجهه تدوير، أدعج العينين عظيمهما تشوبهما حمرة، أهدب الأشفار، شثن الكفين والقدمين، جليل المشاش وهي رؤوس العظام، ذو مسربة وهي شعرات تتصل بالصدر إلى السرة.
إذا مشى تكفأ كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معا.
بين كتفيه خاتم النبوءة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

فصل

في أخلاقه - عَلَيْهِ السَّلَامُ -

أما أخلاقه فلا يحصى الحسن منها كثرة.
منها أنه أجود الناس كفا، وأوسع الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ويكفي من ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
وقد «سئلت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عن خلقه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: كان خلقه وأمره القرآن واتباعه تريد أنه كان يعفو ويصفح ويحسن ويعرض عن الجاهلين، لقول الله عز وجل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]» وقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. وروي عنها أنها قالت: «ما ضرب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادما ولا امرأة قط، ولا خير في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه من شيء يؤذى به إلا أن تنتهك لله حرمة فينتقم لله» لقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: 39] وقوله في الزناة: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور: 2] وقوله في المحاربين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] الآية إلى قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] ولقد أحسن صاحبنا الفقيه أبو العباس في قوله في قصيدة له حيث قال: يأيها المتعاطي وصف سؤدده ... لا تعرضن لكيل البحر بالغمر فإنه كان مفطورا على شيم ... معدومة المثل لم يخلقن في البشر

فصل

في أسمائه - عَلَيْهِ السَّلَامُ -

وأما أسماؤه فكثيرة.
ذكر مالك في موطئه عن ابن شهاب عن محمد بن جبير

ابن مطعم «أن رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، يريد يتبعوني، وأنا العاقب».
وليس في قوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لي خمسة أسماء دليل على أنه لا أسماء له غيرها، إذ لا ينتفي عنه بذكر بعض أسمائه وإن ذكر عددها سائرها.
وهذا كما تقول: في فلان ثلاث خصال وهي كذا وكذا، فلا ينتفي أن تكون له خصال سواها؛ لأن أسماءه هذه الخمسة مشتقة عن صفاته، فلا يمتنع أن يكون له أسماء سواها مشتقة من صفاته.
بل قد جاء ذلك، فروي هذا الحديث من رواية محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه وزاد فيه: وقد سماه الله رؤوفا رحيما.
وروي أيضا في أسمائه المقفي، ونبي التوبة، ونبي الملحمة.
وسماه الله عز وجل خاتم النبيئين.
وجائز أن ينضاف إلى هذه الأسماء المروية سواها مما هو مشتق من صفاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لأن هذه أيضا مشتقة من صفاته: محمد وأحمد من الحمد، والماحي من أن الله يمحو به الكفر كما قال في الحديث، ويمحو به ذنوب من تبعه.
والحاشر من أن أمته تنحشر إليه يوم القيامة وتتبعه فتكون قدامه وخلفه وعن يمينه وشماله.
والعاقب من أنه آخر الأنبياء.
والمقفي أنه قفا من قبله من الأنبياء.
وخاتم النبيين مثله في المعنى.
وسمي نبي التوبة لأن الله تعالى تاب به على من تاب من عباده.
وسمي نبي الملحمة لأنه بعث بالقتال على الدين.
والحمد لله رب العالمين.

فصل

في سنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يوم نبأه الله عز وجل

ونبأه الله- عز وجل- وهو ابن أربعين سنة، وقيل وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، اختلفت الرواية في ذلك عن ابن عباس.

فصل [في مراحل دعوته عليه السلام]

وكان أول ما بعثه الله به الدعاء إلى الإسلام من غير قتال أمره به ولا أذن له فيه، ولا جزية أحلها له، فأقام - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ذلك عشر سنين، وهي التي أقام بمكة، أو ثلاث عشرة سنة، وحينئذ أنزل الله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94] وقوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: 13] وما أشبه ذلك من الآيات.
فلما هاجر إلى المدينة أذن الله تعالى له وللمؤمنين بقتال من قاتله، وأمرهم بالكف عمن لم يقاتلهم فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 191] وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ [النساء: 90].
فكانت هذه سيرة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منذ هاجر إلى المدينة إلى أن نزلت سورة براءة، وذلك بعد ثمان من الهجرة، فأمر الله تعالى بقتال جميع المشركين من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] إلى قوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»، إلا من كان له عهد عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

فإن الله أتمه له إلى مدته فقال عز وجل: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4].

فصل

فلما بعث - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو ابن أربعين سنة أو ابن ثلاث وأربعين سنة على ما ذكر من ذلك، أسر أمره ثلاث سنين أو نحوها لم يعلن فيها بالدعاء إلى الإسلام، ثم أمره الله عز وجل بإظهار دينه والإعلان بالدعاء إلى الإسلام فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67] فمعنى قوله: وإن لم تفعل أي إن لم تعلن بالدعاء إلى الإسلام فقد بلغت حق التبليغ، ولا تحذر في ذلك أمر الناس فإن الله يعصمك منهم.
وقال عز وجل: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94] ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: 95] الآية.
فلما أعلن بالدعاء إلى الإسلام كما أمره الله عز وجل وسفه أحلام قريش في عبادتهم الأصنام التي لا تبصر ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع، نابذوه وأرادوا قتله، وأقبلوا بالعذاب على من آمن منهم والإذاية لهم.
فلم يزل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في جوار عمه أبي طالب إلى أن توفي في شوال من السنة الثامنة من مبعثه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو التاسعة منه، فقال لهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تفرقوا في الأرض فإن الله سيجمعكم فقالوا إلى أين؟ قال إلى هنا" وأشار إلى أرض الحبشة،» فهاجر إليها ناس ذوو عدد، منهم من هاجر بنفسه، ومنهم من هاجر بأهله حتى قدموا أرض الحبشة، وأقام بمكة من كان له من عشيرته الكفار منعة.
فلما رأت قريش أن الإسلام يفشو وينتشر اجتمعوا فتعاقدوا على بني هاشم، وأدخلوا معهم بني المطلب من بني عبد مناف، ألا يكلموهم ولا يجالسوهم ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقتلوه، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في الكعبة.
فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب من بني عبد مناف

كلهم كافرهم ومؤمنهم، المؤمن دينا والكافر حمية، فصاروا في شعب أبي طالب محصورين مبعدين مجتنبين حاشى أبي لهب وولده صاروا مع قريش على قومهم، فبقوا كذلك ثلاث سنين إلى أن جمع الله قلوب قوم من قريش على نقض ما كانت قريش تعاقدت فيه على بني هاشم من بني المطلب من بني عبد المناف.
وأعلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عمه أبا طالب أن الله عز وجل قد بعث الأرضة على صحيفتهم فلحست كل ما كان فيها من عهد لهم وميثاق واسم الله، ولم تترك فيها إلا ما كان من شرك أو ظلم أو قطيعة.
وقيل إنه إنما أعلم عمه أبا طالب بأن الأرضة لحست ما كان في الصحيفة من شركهم وظلمهم ولم تترك فيها إلا اسم الله تعالى.
فقال أبو طالب لما أخبره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بما أطلعه الله عليه من ذلك: لا والثواقيب ما كذبتني، فانطلق في عصابة من بني عبد المطلب حتى أتوا المسجد وهم خائفون من قريش، فلما رأتهم قريش في جماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - برمته إلى قريش.
فتكلم أبو طالب فقال قد حدثت أمور بيننا وبينكم فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم، فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح.
وإنما قال ذلك أبو طالب خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها.
فأتوا بها معجبين لا يشكون في أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدفع إليهم، فوضعوها إليهم وقالوا لأبي طالب: قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم، فقال أبو طالب: إنما أتيتكم في أمر نصف بيننا وبينكم، إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن هذه الصحيفة التي في أيديكم قد بعث الله إليها دابة فلحست منها كذا وكذا ولم تترك فيها إلا كذا وكذا، فإن كان الحديث كما يقول فأقيموا فلا والله لا أسلمه حتى نموت عن آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم.
فقالوا قد رضينا بالذي تقول.
ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد أخبر بخبرها قبل أن تفتح.
فلما رأت قريش صدق ما جاء به أبو طالب عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالوا هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيا وعدوانا، وتلاوم منهم قوم وقالوا هذا بغي منا على قومنا، ومشوا في نقض الصحيفة حتى نقضوها.

فصل في

[بيعة العقبة والهجرة إلى المدينة]

وأقام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمكة مع من بقي معه ممن أسلم ولم يهاجر إلى أرض الحبشة صابرا على أذى قومه إلى أن بايع الأنصار بالعقبة.
وذلك أنه لقي منهم ستة نفر عند العقبة بالموسم فدعاهم إلى الإسلام، وكان من صنع الله لهم أنهم كانوا جيران اليهود فكانوا يسمعونهم يذكرون أن الله يبعث نبيا قد أظل زمانه.
فقالوا هذا والله الذي تهددنا يهود به فلا يسبقنا أحد، فآمنوا وبايعوا وانصرفوا إلى المدينة ودعوا إلى الإسلام حتى فشا فيهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قدم في العام المقبل إلى الموسم اثنا عشر رجلا من ساداتهم، وهم النقباء، فبايعوا رسول الله عند العقبة، وبعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - معهم ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير ليعلما من أسلم منهم القرآن وشرائع الإسلام ويدعوا من لم يسلم منهم إلى الإسلام.
فلما كان في العام الثالث قدم منهم نفر كثير ممن أسلم، فبايعوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأن يرحل إليهم.
فلما تمت بيعة هؤلاء لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكانت سرا من كفار قريش وكفار قومهم، أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا أرسالا.
قيل إن أول من خرج منهم أبو سلمة بن عبد الأسد، وحبست عنه امرأته أم سلمة نحوا من سنة ثم أذن لها باللحاق بزوجها فلحقت به، ولم يبق مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمكة من أصحابه إلا أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، أقاما مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأمره، وحبس قوم من أصحابه عن الهجرة كرها، منعهم قوم من الكفار فكتب لهم أجر المهاجرين.
فلما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة وقد دخل أهلها في الإسلام قالوا: هذا شيء شاغل لا يطاق، فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فبيتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج.
فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله عز وجل أن يعمي عليهم أمره

فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض.
فلما أصبحوا خرج عليهم علي وأخبرهم أن ليس في الدار ديار، فعلموا أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد فات ونجا.
«وكان أبو بكر يستأذن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الهجرة فيقول له: "لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا" فرجا أبو بكر أن يكون هو، فابتاع راحلتين فأعدهما لذلك.
وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يخطئه أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار.
فلما كان يوم أذن الله له بالهجرة أتى أبا بكر بالهاجرة، فلما رآه أبو بكر قال ما جاء هذه الساعة إلا من حدث.
فلما دخل تأخر له عن سريره فجلس، فأعلمه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن الله قد أذن له في الهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال الصحبة.
فبكى أبو بكر فرحا وأعلمه استعداده الراحلتين لذلك» فبعثهما مع عبد الله بن أرقط يرعاهما، ولم يعلم أحد خبر الهجرة إلا أبو بكر وعلي وآل أبي بكر.
وأمر عليا أن يتخلف بعده ليرد الودائع التي كانت عنده، ثم خرج هو وأبو بكر من خويخة في ظهر بيته إلى غار ثور، وهو جبل بأسفل مكة، فدخلاه ليلا، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يسمع ما يقول الناس ثم يأتيهما إذا أمسيا بما يكون، وأمر عامر ابن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه ثم يريحها إلى الغار إذا أمسى.
وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام إذا أمست.
فأقاما في الغار ثلاثة أيام، وجعلت قريش فيه مائة ناقة، حتى إذا سكن الناس عنهما بعد ثلاث أتاهما ذلك الذي استأجراه بالراحلتين، وأتت أسماء بالسفرة ونسيت أن يجعل لها عصاما، فجعلت نطاقها فسميت ذات النطاقين.
ويقال شقت نصفه للسفرة وانتطقت بنصفه.
وركب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفضل الراحلتين ولم يأخذها إلا بالثمن، وأردف أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة ليخدمهما في الطريق، ودليلهما عبد الله بن أرقط.
قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - دليلهما رقيط وكان كافرا، وقال موسى بن عقبة اسمه أريقط.
واتبعهما سراقة بن خشعم على فرس له لما جعل المشركون في رده مائة ناقة.
قال فلما بدا لي القوم عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار، فعلمت حين رأيت ذلك أنه قد

منع مني وأنه ظاهر، فناديتهم أنا سراقة فانتظروني أكلمكم والله لا أربيكم.
فقال - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لأبي بكر: قل له ما تريد؟ فسألني فقلت: تكتب لي كتابا، فأمر أبا بكر فكتب لي في عظم أو رقعة ثم ألقاه إلي.
فلقيته به يوم فتح مكة وهو بالجعرانة.
فنزل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقباء يوم الاثنين لهلال شهر ربيع الأول في حرة بني عمرو بن عوف من الأنصار على سعد بن خيثمة، ويقال على كلثوم بن الهدم.
ولم يختلفوا أنه نزل بالمدينة على أبي أيوب، واسمه خالد بن زيد، فأقام عنده حتى ابتنى مسكنه ومسجده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالوا وركب من بني عمرو يوم الجمعة، فنزل على بني سالم وصلى فيهم الجمعة.
ويقال إنه أقام في بني عمرو ثلاث ليال.
وقال ابن شهاب وغيره: أقام في بني عمرو بضعة عشر يوما ثم ركب.

فصل [في ذكر الأحداث والغزوات بعد هجرته عليه السلام للمدينة]

والتاريخ محسوب من قدوم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة.

[السنة الأولى]

ففي السنة التي بنى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسجد قباء.
وقيل إنه هو المسجد الذي قال الله فيه إنه أسس على التقوى.
وقيل بل هو مسجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو قول مالك في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الصلاة، وقد روى ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وفيها بنى بعائشة في شوال على رأس ثمانية أشهر من قدومه المدينة.
وفيها تزوج علي فاطمة، ويقال في

السنة الثانية

على رأس اثنين وعشرين شهرا من قدوم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة.

[السنة الثانية]

ثم كانت السنة الثانية ففيها كانت غزوة الأبواء في صفر منها، وهي غزوة ودان، غزاها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المهاجرين خاصة، وهي أول غزواته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج فوادع بني ضمرة بن عبد مناف، ثم رجع ولم يلق كيدا.
وفيها كان بعث حمزة بن عبد المطلب، بعثه في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد إلى سيف البحر من ناحية العيص، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب من كفار أهل مكة، فحجر بينهم مجدي بن عمرو الجهني وتوادع الفريقان ولم يكن بينهم قتال.
وفيها كان بعث عبيدة بن الحارث، بعثه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، فنهض حتى بلغ أبنى وهي ماء بأسفل ثنية المرة من الحجاز، فلقي جمعا من قريش عليهم عكرمة بن أبي جهل، فلم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص كان في ذلك البعث فرمى فيهم بسهم، فكان أول سهم رمي به في سبيل الله.
واختلف أهل السير في هذين البعثين أيهما كان قبل صاحبه.
وفيها كانت غزوة بواط، خرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى بلع بواط من ناحية رضوى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة العشيرة خرج النبي حتى بلغ العشيرة فوادع فيها بني مدلج، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة بدر الأولى، أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة،

فخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى بلغ سفوان في ناحية بدر وفاته كرز فرجع إلى المدينة ولم يلق حربا.
وفيها كان بعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط من المهاجرين، قيل في طلب كرز بن جابر، فبلغ الحرار ثم رجع.
وفيها كان بعث عبد الله بن جحش، بعثه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ثمانية من المهاجرين وكتب له كتابا وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين.
والخبر فيما جرى فيه طويل قد ذكرته في الجزء الرابع من جامع كتاب البيان والتحصيل في شرح العتبية، فاكتفيت بذكره هناك لمن أحب الوقوف عليه.
وفيها كانت غزوة بدر الثانية التي أعز الله بها الدين، وذكرها الله عز وجل في محكم التنزيل.
والخبر فيما جرى فيها طويل قد ذكرت عيونه في الجزء الرابع من كتاب البيان والتحصيل في شرح العتبية.
وفيها كانت غزوة بني سليم، خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد سبعة أيام من منصرفه من بدر يريد بني سليم، فبلغ ماء يقال له الكدر، فأقام عليها ثلاثة أيام ثم انصرف ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة السويق.
وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف قبل بدر ندب إلى غزو رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فخرج في مائتي راكب حتى أتى العريض في طرف المدينة فحرق أصولا من النخل وقتل رجلا من الأنصار وحلفا له وجدهما في حرث لهما ثم كر راجعا.
فنفر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونفر المسلمون في أثره، وبلغ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرقرة الكدر، وفاته أبو سفيان والمشركون وقد طرحوا سويقا كثيرا من أزوادهم يتخففون بذلك، فأخذه المسلمون فسميت غزوة السويق.

وفيها ولد عبد الله بن الزبير، وهو أول مولود ولد بالمدينة من المهاجرين.
وفيها صرفت القبلة قبل بدر بشهرين، قيل يوم الثلاثاء والناس في صلاة الظهر في النصف من شعبان.
وفيها في شعبان فرض صيام شهر رمضان.
وفيها أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بزكاة الفطر.
وفيها ماتت رقية بنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتخلف عثمان عن بدر من أجلها، فضرب له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسهمه.

[السنة الثالثة]

ثم كانت السنة الثالثة، ففيها كانت غزوة ذي أمر في صفر منها غزا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نجدا يريد غطفان، فأقام- عَلَيْهِ السَّلَامُ - بنجد صفرا كله ثم انصرف ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة بحران في ربيع الآخر منها.
وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقام بالمدينة ربيع الأول، ثم غزا قريشا فبلغ بحران معدنا بالحجاز، فأقام هنالك ربيع الآخر وجمادى الأولى ثم انصرف إلى المدينة ولم يلق حربا.
وفيها كانت غزوة بني قينقاع وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما قدم المدينة وادعته اليهود وكتب بينه وبينهم كتابا وألحق كل قوم بحلفائهم، وشرط عليهم فيما اشترط ألا يظاهروا عليه أحدا.
فنقض بنو قينقاع من اليهود عهده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فخرج إليهم وحاصرهم حتى نزلوا على حكمه، فشفع فيهم عبد الله ابن أبي سلول ورغب في حقن دمائهم وألح على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك، فأشفعه فيهم وحقن دماءهم، وهم قوم عبد الله بن سلام.
وكان حصاره لهم خمس عشرة ليلة.
وفيها كان «البعث إلى كعب بن الأشرف.
وذلك أنه لما اتصل به قتل صناديد قريش ببدر قال: بطن الأرض خير من ظهرها، ونهض إلى مكة يرثي كفار قريش ويحرض على قتال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان شاعرا.
ثم انصرف إلى موضعه فلم يزل يؤذي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالهجو والدعاء إلى خلافه ويسب المسلمين حتى أذاهم.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: من لي بكعب بن الأشرف فإنه يؤذي الله ورسوله والمؤمنين فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله أنا أقتله إن شاء الله.
قال: فافعل إن قدرت على ذلك» فكان من خروجه إليه وتلطفه في قتله بما أذن له فيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من القول ما هو مذكور في السير.
وفيها كانت غزوة أحد من المشاهد العظام.
والخبر فيها وفي سببها طويل وقد ذكرت ذلك باختصار في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية فاكتفيت بذلك عن ذكره هاهنا كراهة التطويل.
وفيها كانت غزوة حمراء الأسد في اليوم الثاني من وقيعة أحد.
وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر باتباع العدو، فخرج الناس إلى موضع يدعى بحمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة، فأقام فيه يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة.
ولما بلغ العدو خروجه في اتباعهم فت ذلك في أعضادهم، وقد كانوا هموا بالرجوع إلى المدينة فكسرهم خروجه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك وتمادوا إلى مكة.
وفيها في رمضان منها تزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زينب بنت خزيمة من بني عامر ابن صعصعة، فعاشت عنده شهرين أو ثلاثة.
وفيها في شعبان منها تزوج - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حفصة بنت عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. وفيها تزوج عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أم كلثوم ابنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وفيها ولد الحسن بن علي بن أبي طالب في النصف من شهر رمضان.
وفيها علقت فاطمة بالحسين، فلم يكن بينه وبين الحسن إلا طهر واحد، وقيل خمسون ليلة، والله تعالى أعلم.

[السنة الرابعة]

أثم كانت السنة الرابعة ففيها كان بعث النفر الذين كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث بهم مع عضل والقارة فغدروا بهم في الرجيع .. وذلك أنه قدم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صفر منها، وهو آخر السنة الثالثة من الهجرة، نفر من العضل والقارة، فزعموا أنهم قد أسلموا ورغبوا أن يبعث معهم نفرا من المسلمين يعلمونهم القرآن ويفقهونهم في الدين.
فبعث - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - معهم من أصحابه ستة رجال وأمر عليهم مرثد بن أبي مرثد، فنهضوا مع القوم حتى إذا صاروا بالرجيع وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز استصرخوا عليهم هذيلا وغدروا بهم.
وقد ذكرت جملة الخبر بذلك مختصرا في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية فاختصرت ذكره هنا مخافة التطويل.
وفيها في شهر صفر منها كان بعث بئر معونة.
وقد ذكرنا سببه وما جاء فيه في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية فاختصرت ذكره هنا مخافة التطويل.
وفيها في شهر ربيع الأول منها كانت غزوة بني النضير، غزاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتحصنوا منه ست ليال، وأمر بقطع النخل وإحراقها، فألقوا ما بأيديهم وسألوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يكف عن دمائهم ويجليهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فاحتملوا ذلك إلى خيبر، ومنهم من صار إلى الشام.
وقد ذكرنا في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية سبب هذه الغزوة وبقية خبرها فاكتفينا بذلك عن ذكره هنا حرصا على التقريب والاختصار.
وفيها كانت غزوة ذات الرقاع في جمادى الأولى منها خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لخمس خلون من الشهر يريد بني محارب بن ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلة، فلقي بها جمعا من غطفان وتقارب الناس ولم يكن بينهم قتال.
وصلى بها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة الخوف ثم انصرف.

وسميت ذات الرقاع لأن أقدامهم تثقبت فكانوا يلفون عليها الخرق، وقيل بل قيل لها ذات الرقاع لأنهم رقعوا راياتهم فيها، وقيل ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع تدعى بذات الرقاع، وقيل بل الجبل الذي نزلوا عليه كانت أرضه ذات ألوان من حمرة وصفرة وسواد فسموا غزوتهم بذات الرقاع لذلك والله أعلم.
وفيها كانت غزوة بدر الثالثة في شعبان منها.
وذلك أن أبا سفيان كان نادى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أحد: موعدنا معكم بدر في العام المقبل، فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعض أصحابه أن يجيبه بنعم.
فخرج للميعاد المذكور ونهض حتى أتى بدرا فأقام هنالك ثماني ليال ينتظر أبا سفيان ابن حرب.
وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان ثم رجع واعتذر هو وأصحابه بأن العام عام جدب.
وفيها بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبا عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة من طريق العراق.
وفيها بعثه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى سيف البحر فرجع ولم يلق كيدا.

[السنة الخامسة]

ثم كانت السنة الخامسة.
ففيها في ربيع الأول منها كانت غزوة دومة الجندل.
خرج - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى دومة الجندل وانصرف من طريقه قبل أن يبلغ إليها ولم يلق حربا.
وفيها في شوال منها كانت غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب التي ذكرها الله في كتابه في سورة الأحزاب فقال فيها: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا - وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: 25 - 26] إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: 27] يريد بني قريظة، وقد ذكرنا سببها وجملا مما جرى فيها في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية.

وفيها كانت غزوة بني قريظة.
وذلك «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أصبح وقد ذهبت الأحزاب رجع إلى المدينة ووضع الناس سلاحهم عند صلاة الظهر، أتاه جبريل في صفة دحية الكلبي على بغلة عليها قطيفة فقال: إن كنتم وضعتم سلاحكم فإن الملائكة لم تضع سلاحها، والله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، وإني متقدم إليهم فمزلزل بهم.
فنادى منادي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من كان سميعا مطيعا فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة.
فحاصرهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خمسا وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى النساء والذراري.
فقتل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجالهم حيي بن أخطب، وكعب بن سعد في ستمائة أو سبعمائة استنزلهم ثم قتلهم بالمدينة واصطفى من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة وهي بنانة امرأة الحكم القرظي التي طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته».
وروي عن عائشة أنها قالت إن كانت لعندي تضحك وتحدث ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقتل رجالهم إذ هتف هاتف أين فلانة؟ قالت: أنا والله وإني لمقتولة.
قلت ويلك ولم؟ قالت لحدث أحدثته، فانطلق بها فضرب عنقها.
وفيها كان البعث إلى ابن أبي الحقيق.
وذلك أنه لما انقضى شأن الخندق وقريظة تذاكرت الخزرج من في العداوة لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كابن الأشرف الذي قتله محمد بن مسلمة حتى لا ينفرد الأوس دوننا بمثل تلك المنقبة، فذكروا ابن أبي الحقيق واستأذنوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قتله فأذن لهم، فخرجوا إليه خمسة نفر من الخزرج كلهم من بني سلمة، وطرقوه في بيته بخيبر ليلا فقتلوه.
وقد ذكرنا أسمائهم وبقية خبرهم في قتلهم إياه في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية.

[السنة السادسة]

ثم كانت السنة السادسة، ففيها في جمادى الأولى منها كانت غزوة بني

لحيان.
خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مطالبا بثأر عاصم بن ثابت وحبيب بن عدي وأصحابهما المقتولين بالرجيع، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، فتمادى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مائتي راكب حتى نزل عسفان، وبعث فارسين من أصحابه بلغا كراع الغميم ثم كرا، ورجع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المدينة.
وفي هذه الغزوة قالت الأنصار: المدينة بائنة عنا وقد بعدنا عنها ولا نأمن عدونا أن يخالفنا إليهم، فأخبرهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن على أنقابها ملائكة، على كل نقب منها ملك يحجبها بأمر الله.
وفيها كانت غزوة ذي قرد.
«لما رجع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غزوة بني لحيان لم يقم بالمدينة إلا ليالي وأغار على سرح المدينة عيينة بن حصن في بني عبد الله بن غطفان، فاكتسحوا لقاحا كانت لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالغابة وناقته العضباء، وكان فيها رجل من بني غفار وامرأة له، فقتلوا الغفاري وحملوا المرأة واللقاح.
وكان أول من أنذرهم سلمة بن الأكوع كان ناهضا إلى الغابة، فلما أشرف على ثنية الوداع نظر إلى خيل الكفار فصاح وأنذر المسلمين، ووقعت الصيحة بالمدينة، فخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على فرس لأبي طلحة وقال: "إن وجدته لبحرا".
وانهزم المشركون، وبلغ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ماء يقال له ذو قرد، فأقام عليه يوما وليلة.
ولما نام القوم في ليلة قامت امرأة الغفاري المقتول فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا رغا حتى أتت العضباء فإذا هي ناقة ذلول، فركبتها ونذرت إن أنجاها الله عليها لتنحرنها.
فلما قدمت المدينة عرفت ناقة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبر بذلك، فأرسل إليها فجيء بها وبالمرأة، فقالت يا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بئس ما جازيتها لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم؛ وأخذ ناقته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
وفيها كانت غزوة بني المصطلق.
غزاهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأغار عليهم وهم غارون على

ماء يقال له المريسيع من ناحية قديد مما يلي الساحل، فقتل من قتل وسبى النساء والذرية.
وقيل إنهم جمعوا لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأرادوه، فلما بلغه ذلك خرج إليهم فلقيهم على ماء يقال له المريسيع فاقتتلوا فهزمهم الله.
والقول الأول أصح أنه أغار عليهم وهم غارون.
ومن ذلك السبي كانت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها فأدى عنها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتزوجها.
قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: ما رأيت أعظم بركة منها على قومها، ما هو إلا أن علم المسلمون أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوجها فأعتقوا ما كان في أيديهم من سبي بني المصطلق وقالوا: أصهار رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأسلم سائر بني المصطلق.
وفي هذه الغزوة أنزلت آية التيمم، وفيها قال أهل الإفك في عائشة ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا في كتابه.
وفيها قال عبد الله بن أبي بن سلول: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8].
وقد ذكرنا الحديث في ذلك بكماله، وحديث الوليد بن عقبة حين وجهه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليهم بعد إسلامهم بعامين مصدقا وما كان من شأنه معهم، وأن الله أنزل في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6] وكل ذلك في الجزء الرابع من شرح الجامع من العتبية لمن أحب الوقوف على ذلك.
وقد قيل في هذه الغزوة إنها كانت قبل الخندق وقريظة، والصواب أنها كانت بعدهما.
وفيها كانت عمرة الحديبية.
والحديث فيما جرى فيها طويل، وقد ذكرته بكماله في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية، وبينا في أول سماع ابن القاسم من شرح كتاب التجارة إلى أرض الحرب منها معنى ما وقع في المقاضاة بينه وبين كفار قريش من الشرط في أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم لمن أحب الوقوف على ذلك.

وفي هذه الغزاة كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة التي قال الله تعالى فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18]، يريد فتح مكة، ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: 19] يريد مغانم خيبر.
وفيها كان بعث بشير بن سعد بعثه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى ناحية خيبر فرجع ولم يلق كيدا.
وفيها كان بعث كعب بن عمير إلى ذات الطلاح من أرض الشام، فقتل هو وأصحابه، وقيل قتل أصحابه وسلم هو جريحا، قتلتهم قضاعة.
وفيها استسقى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لجهد أصاب الناس.
وفيها أوقف - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سبعة حوائط له.
وفيها توفيت أم رومان امرأة أبي بكر ونزل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قبرها.
وفيها اتخذ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاتما، وإنما اتخذه حين بعث الرسل فقيل له إن العجم لا تقرأ إلا كتابا مختوما فاتخذه.
وكان نقش فصه محمد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقيل لا إله إلا الله محمد رسول الله.

[السنة السابعة]

ثم كانت السنة السابعة.
ففيها كانت غزوة خيبر.
وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما انصرف من الحديبية أقام بالمدينة ذا الحجة، وخرج في المحرم إلى خيبر، وافتتحها في صفر، ورجع

في غرة ربيع الأول.
وكانت حصونا كثيرة فافتتحها حصنا حصنا، فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، ثم القموص حصن ابن أبي الحقيق، ومن سباياه كانت «صفية أعتقها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتزوجها وجعل عتقها صداقها».
واختلف أهل العلم في ذلك، وهي مسألة قد ذكرنا تحصيل القول فيها في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح من شرح العتبية.
وآخر ما افتتح من حصونهم الوطيح والسلالم.
حاصرهم بضع عشرة ليلة فسألوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يسيرهم ويحقن دمائهم ففعل.
فقيل في هذين الحصنين إنهما افتتحا بصلح فلم يكن فيهما خمس ولا كان لأحد فيهما مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيء، فقطع لأزواجه منهما.
وكذلك الكتبية قيل فيها إنها كانت صلحا صافية لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كبني النضير وفدك، وقيل إنها كانت عنوة كلها.
وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك وفي حكم أرض العنوة في سماع أشهب من كتاب الجهاد من شرح العتبية وذكرنا في الجزء الرابع من شرح الجامع منها جملا مما جرى في افتتاحها.
وفي هذه الغزوة حرم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحمر الأهلية.
وفيها «أهدت اليهودية زينب بنت سلام بن مشكم لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشاة المصلية، وسمت له منها الذراع وكان أحب اللحم إليه.
فلما تناول الذراع ولاكها لفظها ورمى بها وقال: هذا العظم يخبرني أنه مسموم ودعا باليهودية فقال ما حملك على هذا فقالت أردت أن أعلم إن كنت نبيا وعلمت أن الله أراد بقاءك أعلمك فلم يقتلها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأكل معه بشر بن البراء بن معرور فمات من أكلته تلك».
وكان المسلمون يوم خيبر ألفا وأربعمائة رجل ومائتي فارس.
وفيها كان فتح فدك وذلك أنه لما اتصل بأهلها ما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأهل خيبر بعثوا إليه ليؤمنهم ويتركوا الأموال، فأجابهم إلى ذلك.
فكانت فدك مما لم

يوجف عليه بخيل ولا ركاب أفاءها الله عز وجل على رسوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بما خصه به من الرعب، فلم يقسمها ووضعها حيث أمره الله تعالى.
وفيها كان فتح وادي القرى.
وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انصرف من خيبر فافتتحها عنوة وقسمها، وأصيب بها غلام أسود يسمى مدعم بسهم غرب فقتله.
والحديث بذلك في الموطأ بكماله.
وفيها كانت عمرة القضاء.
وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجع من خيبر إلى المدينة فأقام فيها شهري ربيع وشهري جمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوال، وبعث في خلال ذلك السرايا.
من ذلك غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من مشارف الشام.
وقد ذكرنا في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية بعض ما جرى في هذه الغزوة.
ثم خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذي القعدة قاصدا إلى مكة للعمرة على ما عاقد عليه قريشا في الحديبية.
فلما اتصل ذلك بقريش خرج أكابرهم من مكة عداوة لله ولرسوله- عَلَيْهِ السَّلَامُ - ولم يقدروا على الصبر في رؤيته يطوف بالبيت هو وأصحابه.
فدخل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مكة وأتم الله له عمرته، وقعد بعض المشركين بقعيقعان ينظرون إلى المسلمين وهم يطوفون بالبيت، فأمرهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالرمل ليرى المشركون أن بهم جلدا وقوة، وكانوا قد قالوا في المهاجرين إن حمى يثرب قد وهنتهم.
وتزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في عمرته تلك ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، وهي خالة عبد الله بن عباس، وأختها أم الفضل عند العباس قيل قبل أن يحرم بعمرته، وقيل وهو محرم بها، وقيل بعد أن حل منها.
فلما تمت الثلاثة الأيام أوصت إليه قريش أن يخرج عن مكة ولم يمهلوه أن يبني بها، فخرج - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبنى بها بسرف.
وفيها «بعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى عظيم الفرس بكتاب فمزقه فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مزق الله ملكه فأجيبت دعوته».

وفيها بعث دحية الكلبي إلى قيصر عظيم الروم بكتابه.
وفيها بعث زيد بن حارثة إلى من عرض لدحية في خمسمائة راكب.
وفيها بعث عبد الله بن حدرد الأسلمي ورجلين معه إلى الغابة على ثمانية أميال من المدينة، لما بلغه أن رفاعة قيس يريد أن يجمع جيشا لحرب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فكمنوا له ورماه عبد الله بن حدرد بسهم فقتله.
وفيها كانت غزوة زيد بن حارثة إلى الطرف من ناحية طريق العراق فرجع ولم يلق كيدا.
وفيها اتخذ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المنبر، ويقال في سنة ثمان.
قال مالك: عوده من طرفاء الغابة عمله له غلام لسعد بن عبادة، وقيل غلام لامرأة من الأنصار.
وقيل غلام للعباس بن عبد المطلب، فلعلهم اجتمعوا كلهم على عمله.
فلما خطب عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حن الجذع الذي كان يقف عليه حين يخطب حتى ارتج المسجد، فوضع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يده عليه فسكن.

[السنة الثامنة]

ثم كانت السنة الثامنة.
ففيها كانت غزوة مؤتة.
بعث - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في جمادى الأولى منها كان بعث الأمراء إلى الشام وأمر على الجيش زيد بن حارثة مولاه، وقال إن قتل أو قال إن أصيب فعلى الناس جعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، وشيعهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وودعهم ثم انصرف، ونهضوا فلما بلغوا مكانا من أرض الشام أتاهم الخبر بأن هرقل ملك الروم نزل في ناحية البلقاء وهو في مائة ألف من الروم ومائة ألف أخرى من متنصرة العرب أهل البلقاء من لخم وجذام وقبائل قضاعة فصمموا ونهضوا وقالوا إن هي إلا إحدى الحسنيين بعد أن كانوا توقفوا وهموا أن يكتبوا لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بما اتصل بهم من جموع الروم.
فالتقوا بهم بقرية يقال لها مؤتة،

فقتل الأمراء الذين سماهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واحدا بعد واحد، ثم اتفق المسلمون على خالد بن الوليد فأخذ الراية وانحاز بالمسلمين قيل بعد أن فتح الله عليه وأنذر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصحابه بالمدينة بخبرهم في يوم قتلهم قبل ورود الخبر بأيام.
وفيها كانت غزوة فتح مكة.
وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقام بالمدينة بعد بعث مؤتة جمادى ورجب، ثم حدث الأمر الذي أوجب نقض عقد قريش المعقود يوم الحديبية.
والخبر بذلك وسائر ما جرى في الغزوة يطول، وقد ذكرنا جملة ذلك باختصار في الجزء الرابع من جامع كتاب البيان في شرح العتبية لمن أحب الوقوف عليه.
وفيها كانت غزوة حنين.
والخبر فيها يطول ذكره.
وقد ذكرنا أيضا في الجزء المذكور من جامع كتاب البيان في شرح العتبية فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك.
وفيها كانت غزوة الطائف.
وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انصرف من حنين إلى الطائف، لم ينصرف إلى مكة ولا عرج على شيء إلا على غزو الطائف قبل أن يقسم غنائم حنين وقبل كل شيء.
فسلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في طريقه إلى الطائف على الجعرانة، ثم أخذ على قرن، وابتنى في طريقه ذلك مسجدا وصلى فيه، ووجد في طريقه ذلك حصنا لمالك بن عوف النصري فأمر بهدمه.
ثم نزل- عَلَيْهِ السَّلَامُ - بقرب الطائف بواد يقال له العقيق، فتحصنت ثقيف وحاربهم المسلمون.
وحصن ثقيف لا مثل له في حصون العرب.
فأصيب من المسلمين رجال بالنبل، فزال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ذلك المنزل إلى موضع المسجد المعروف فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، وقيل بضع عشرة ليلة، وقيل عشرين يوما.
وأمر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنصب المنجنيق على الطائف، وأمر بقطع أعناب أهلها إلا قطعة كانت للأسود بن

مسعود ولابنه في ماله، وكانت تبعد عن الطائف، وسأله الكف عنها فكف عنها.
ولما انصرف - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الطائف إلى الجعرانة على مقربة من حنين قسم الغنائم هناك.
وقد ذكرنا بقية ما جرى في هذه الغزوة أيضا في الجزء الرابع من كتاب البيان في شرح جامع العتبية، فتركت ذكره هنا اختصارا.
وفيها اعتمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الجعرانة.
وذلك أنه لما أتى على قسمة الغنائم بها خرج منها إلى مكة معتمرا، وأمر ببقاء الفيء فخمس بناحية الظهران.
فلما فرغ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عمرته استخلف على مكة عتاب بن أسيد، ورجع إلى المدينة فدخلها لست بقين من ذي القعدة، وكان خروجه منها لعشر خلون من رمضان فكانت مدة مغيبه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منذ خرج من المدينة إلى مكة فافتتحها وأوقع بهوازن بحنين وحارب الطائف واعتمر إلى أن رجع إلى المدينة شهرين وأربعة عشر يوما.
وانهزم يوم حنين مالك بن عوف رئيس جيش المشركين، فلحق بانهزامه بالطائف كافرا، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو أتاني مسلما لرددت إليه أهله وماله» فبلغه ذلك فلحق برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد خرج من الجعرانة، فأسلم وأعطاه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل كما أعطى سائر المؤلفة قلوبهم، وهو أحدهم ومعدود فيهم، واستعمله على من أسلم من قومه ومن قبائل قيس، وأمره بمغاورة ثقيف، ففعل وضيق عليهم وحسن إسلامه وإسلام المؤلفة قلوبهم حاشا عيينة بن حصن فلم يزل مغمورا عليه وسائر المؤلفة متفاضلين، منهم الفاضل المجمع على فضله كالحارث ابن هشام، وحكيم بن حزام، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمر، ومنهم دون ذلك.
وقد فضل الله النبيين وسائر عباده المؤمنين بعضهم على بعض وهو أعلم بهم.
وأقام الحج للناس عتاب بن أسيد في تلك السنة، وهو أول أمير أقام الحج في الإسلام، وكان خيرا فاضلا ورعا.

[السنة التاسعة]

ثم كانت السنة التاسعة.
ففيها تسارع الناس إلى الإسلام.
وفيها كانت غزوة تبوك بعد فتح مكة، وهي جيش العسرة.
وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما انصرف من عمرته بعد فتح مكة وغزوة حنين وحصار الطائف أقام المدينة ذا الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الأولى وجمادى الآخرة، وخرج في رجب في سنة تسع بالمسلمين إلى غزو الروم، وهي آخر غزوة غزاها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لنفسه.
وكان خروجه إليها في حر شديد حين طاب أول التمر وفي عام جدب.
وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يكاد يخرج غازيا إلى وجه إلا ورى بغيره إلا غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد المسافة ونفقة المال والمشقة وقوة العدو المقصود إليه.
والخبر في ذكرها وما جرى يطول، وقد ذكرنا منه عيونه في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية.
وفيها كان إسلام ثقيف.
وقد ذكرنا الخبر بذلك أيضا في الجزء المذكور من شرح الجامع.
وفيها كانت حجة أبي بكر الصديق.
وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما انصرف من تبوك أراد الحج ثم قال: إنه يحضر البيت غدا مشركون يطوفون بالبيت عراة فلا أحب الحج حتى لا يكون ذلك.
فأرسل أبا بكر، ثم أردفه عليا لما أنزلت براءة ليقرأها على الناس بالموسم، وينبذ إلى كل ذي عهد عهده، ويعهد إليهم ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان إلى سائر ما أمره أن ينادي به في كل موطن من مواطن الحج.
فأقام الحج في ذلك العام سنة تسع أبو بكر.
ثم حج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عام قابل حجة الوداع، ولم يحج من المدينة غيرها.
فوقعت حجة رسول

فصول الكتاب · 81 فصل · 640 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المقدمات الممهدات · 640 صفحة
مقدمة
كتاب الصلاة
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثانيكتاب الجهادكتاب الحجكتاب النذور والأيمانكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب الأشربةكتاب العقيقةكتاب النكاحكتاب الرضاعكتاب طلاق السنةكتاب إرخاء الستوركتاب الحضانةكتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب الصرفكتاب السلمكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب الغرركتاب بيع الخياركتاب العيوبكتاب المرابحةكتاب الاستبراءكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب الجعل والإجارةكتاب الرواحل والدوابكتاب كراء الدوركتاب كراء الأرضينكتاب تضمين الصناعكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب حريم الآباركتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارةكتاب الرهونكتاب الكفالةكتاب الحوالةكتاب الحبس والصدقة والهبةكتاب الهباتكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللقطةكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب الصلحكتاب العراياكتاب الجوائحكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الشركةكتاب الوكالاتكتاب الشفعةكتاب القسمةكتاب الوصاياكتاب الولاء والمواريثكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب التدبيركتاب أمهات الأولادكتاب السرقةكتاب المحاربين والمرتدينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب الجراحاتكتاب الجنايات
كتاب الجامع
جارٍ التحميل