كتاب الجامع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- المقدمات الممهدات
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: الدكتور محمد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العام المقبل في ذي الحجة فقال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» الحديث فثبت الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة، ولم يحج بعد العام مشرك ولا طاف بالبيت عريان.
وفيها وفي سنة عشر بعدها قدمت وفود العرب على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للدخول في الإسلام.
وذلك أنه لما فتح الله على رسوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مكة وأظهره يوم حنين وانصرف من تبوك وأسلمت ثقيف، أقبلت إليه وفود العرب من كل جهة يدخلون في دين الله أفواجا، وكل من قدم عليه قدم راغبا في الإسلام إلا عامر بن الطفيل ومرثد بن قيس في وفد بني عامر، ومسيلمة في وفد بني حنيفة.
وقد ذكرنا خبرهم في الجزء الرابع من شرح الجامع من العتبية.
[السنة العاشرة]
ثم كانت السنة العاشرة.
ففيها كانت حجة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما دخل عليه ذو القعدة منها تجهز للحج وأمر الناس بالحج، وخرج لخمس بقين من ذي القعدة، واستعمل على المدينة أبا دجانة الساعدي، وقيل: سباع بن عرفطة الغفاري ولم يحج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الإسلام إلا ثلاث حجات، اثنتان بمكة، وواحدة بعد فرض الحج من المدينة.
ومن أحسن حديث في صفة حجه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأتمه حديث جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خرجه أصحاب الحديث الصحيح مسلم وغيره، وقطعه مالك في موطأه فذكر في كل باب منه ما احتاج إليه، وكذلك فعل البخاري.
وقد ذكرنا الحديث بطوله في كتاب الحج من هذا الكتاب كتاب المقدمات.
وفيها قدم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمال من البحرين مائة ألف درهم وثمانون ألف درهم فقسمه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين الناس.
وفيها بعث عليا إلى اليمن، قيل: مفقها في الدين، وقيل: لقبض الصدقات من
العمال وليوافي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حجة الوداع، فوافاه فيها ببدنة.
وسميت حجة الوداع؛ لأنه ودعهم، وسميت حجة البلاغ؛ لأنه قال في خطبته فيها: «ألا هل بلغت» وسميت حجة الإسلام لأنها الحجة التي كان فيها حج أهل الإسلام ليس فيها مشرك.
وفيها بعث عيينة بن حصن إلى بني العنبر، وبعث عليا إلى اليمن، وبعث أسامة بن زيد إلى الداروم.
[السنة الحادية عشرة]
ثم كانت السنة الحادية عشر.
ففيها توفي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضحى يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، في الوقت الذي دخل فيه المدينة في هجرته إليها من مكة.
بدأ به وجعه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في بيت ميمونة بنت الحارث يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، ثم انتقل إلى عائشة فمرض عندها، وكان موته في يومها وفي بيتها وعلى صدرها حين استوى الضحى.
وصلى أبو بكر بالناس في مرضه سبع عشرة صلاة قبل وفاته - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فكانت وفاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على رأس عشر سنين الهجرة لم يختلف في ذلك.
واختلف في سنه يوم نبئ على ما ذكرناه في صدر هذا الكتاب، واختلف أيضا في سنه يوم مات.
فذكر البخاري من رواية الزبير بن عدي عن أنس بن مالك أنه توفي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وروى أيضا حميد عن أنس أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توفي وهو ابن خمس وستين سنة.
وروى عنه ربيعة في الموطأ أنه توفي وهو ابن ستين سنة.
واختلفت الرواية في ذلك أيضا عن ابن عباس، فروي عنه أنه توفي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وروي عنه أنه توفي وهو ابن خمس وستين.
واختلف أيضا في مقامه بمكة بعد أن نبئ إلى أن هاجر منها إلى المدينة، فقيل: عشر سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة.
فمن قال: إنه نبئ وهو ابن أربعين سنة
وأنه أقام بمكة عشر سنين، أو إنه نبئ وهو ابن أربعين سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة قال: إنه توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
والرواية بأنه توفي وهو ابن خمس وستين تقتضي أنه نبئ وهو ابن اثنتين وأربعين سنة وأنه أقام بمكة ثلاث عشرة سنة.
وذهب الطحاوي إلى أن أصح ما في هذا أنه توفي وهو ابن ستين على ما روى ربيعة عن أنس في الموطأ بدليل ما روي عن عائشة أنها كانت تقول: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لفاطمة في مرضه الذي مات فيه مما أسرها به وأخبرت به عائشة بعد وفاته.
«قالت عائشة: أخبرتني أنه أخبرها أنه لم يكن نبي بعد نبي إلا عاش نصف عمر الذي كان قبله، وأخبرني أن عيسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبا على رأس ستين» وعن زيد بن أرقم أنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما بعث الله نبيا إلا عاش نصف ما عاش الذي قبله»، قال؛ لأن ما قاله النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في مبلغ سنه يقتضي صحة قول من قال من أصحابه في ذلك كقوله.
وليس ما قاله الطحاوي في ذلك ببين، لأن حديث عائشة الذي ذكره وحديث زيد بن أرقم يعارضه ما «روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن عيسى ابن مريم مات وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة» والله أعلم.
وفيها بعث النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جرير بن عبد الله إلى ذي الكلاع باليمن يدعوه إلى الإسلام فأسلم، وقدم جرير وقد قبض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وفيها بعث أسامة بن زيد إلى مؤتة من أرض الشام وأمره أن يهريق بها دما فلم ينفذ لبعثه حتى قبض - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأنفذ بعثه أبو بكر.
[الخلفاء الراشدون]
وفيها بويع أبو بكر الصديق.
وفيها ارتد من ارتد من العرب.
وفيها أحرق أبو بكر الفجاءة واسمه إياس بن عبد الله بن ياليل.
وذلك أنه سأل أبا بكر أن يعينه على من ارتد من العرب ويحمله ففعل، فجعل يقتل المسلم والمرتد، فكتب فيه فأخذ، فقيل: قتله ثم أحرقه.
وفيها وجه خالد بن الوليد إلى طليحة فهزمه وقتل من قتل من أصحابه، وهرب طليحة ثم أسلم وحسن إسلامه.
ثم مضى بأمر أبي بكر إلى مسيلمة باليمامة وقد كانت تنبت امرأة يقال لها: سجاح بنت الحارث من بني تميم فتزوجها مسيلمة، فقتل خالد مسيلمة وافتتح اليمامة بصلح صالحه عليها مجاعة بن مرارة.
واستشهد ألف ومائة من المسلمين، وقيل: ألف وأربعمائة منهم سبعون جمعوا القرآن.
وتوفي أبو بكر لثمان بقين من جمادى الآخرة يوم الاثنين سنة ثلاث عشرة، فكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال.
واستخلف أبو بكر عمر بن الخطاب، وقتل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.
طعنه أبو لؤلؤة غلام نصراني للمغيرة عند صلاة الصبح قبل أن يدخل في الصلاة، فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف بأمره، فكانت خلافته فيما قيل: عشر سنين وخمسة أشهر وتسعة وعشرين يوما.
ومات عمر وقد جعلها شورى إلى ستة نفر، وهم عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص.
فاجتمعوا على ولاية عثمان بن عفان.
وقتل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سنة خمس وثلاثين وهو ابن تسعين سنة، وقيل: ثمان وثمانين، وقيل: ست وثمانين.
ودفن ليلا وصلى عليه جبير بن مطعم فكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، ويقال: إلا اثني عشرة ليلة.
وبويع علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بالخلافة على رأس ستة أشهر من مقتل عثمان، وكانت خلافته فيما يقال: خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.
وأصيب غداة يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، ومات - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يوم الأحد لتسع بقين من رمضان سنة أربعين، وهو ابن سبع وخمسين سنة، ويقال: ابن ثمان وخمسين سنة.
وكانت الجماعة على معاوية سنة أربعين.
فصل
[مراتب الصحابة]
فمراتب هؤلاء الخلفاء الأربعة في الفضل كمراتبهم في الولاية.
فالذي عليه عامة أهل السنة وكافة علماء الأمة أن أمة نبينا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفضل الأمم، كما أنه أفضل الأنبياء والرسل وخاتم النبيين وسيد المرسلين وأمين رب العالمين المبعوث إلى الخلق أجمعين، وأن أفضل أصحابه الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب.
وقد روي هذا عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وقيل: إنه الذي رجع إليه بعد أن كان وقف في عثمان وعلي فلم يفضل أحدهما على صاحبه على ظاهر ما وقع في كتاب الديات من المدونة على أنه كلام محتمل للتأويل.
وقد ذكرنا وجوه احتماله واختلاف الروايات فيه في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية.
ثم تقدم بعد هؤلاء الخلفاء في التفضيل بقية العشرة الذين شهد لهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالجنة ومات وهو راض عنهم، وهم الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
فهؤلاء العشرة كلهم بدريون.
ثم المقدم بعد هؤلاء العشرة في الفضل بقية أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان وهم أصحاب الشجرة الذين قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18] إلى قوله: ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 56]
ومنهم من اتفقت له هذه المواطن كلها، ومنهم من نال بعضها.
ثم من أنفق من بعد الفتح وقاتل وكلا وعد الله الحسنى.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أن مات في حياة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الشهداء مثل حمزة، وجعفر، وسعد بن معاذ، ومصعب بن عمير أو مات في حياته وإن لم يكن من الشهداء، كعثمان ابن مظعون الذي قال فيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ذهبت ولم تلبس منها بشيء أفضل ممن بقي بعده، وإياه اختار ابن عبد البر.
ومن حجتهم «قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لشهداء أحد: هؤلاء أشهد عليهم فقال أبو بكر الصديق: ألسنا يا رسول الله بإخوانهم أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي» وهذا لا حجة فيه لأن الحديث ليس على عمومه في أبي بكر وغيره، لأن العموم قد يراد به الخصوص، كقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللهم اشدد وطأتك على مضر» وإنما أراد الكفار منهم دون المؤمنين.
فالقول الأول هو الصحيح، ويؤيده ما روي «عن ابن عمر أنه قال: كنا نفاضل على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم نسكت».
وبالله التوفيق.
فصل
في الزهد والورع
الورع هو اجتناب المحرمات والمشتبهات.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه» الحديث.
فاجتناب المحرمات واجب، واجتناب الشبهات مستحب، ولا ينطلق اسم الورع إلا على من اجتنب المحرمات والمشتبهات.
والزهد هو ما يبعث
على اجتناب المحرمات والمشتبهات، وترك التنعم بالمباح من الشهوات.
فكل زاهد ورع وليس كل ورع زاهدا، فالورع أعم من الزهد.
فصل
فالزهد في الدنيا هو ضد الرغبة فيها، والرغبة هو الاستعظام لها والحرص عليها والميل إليها.
فإذا كان الزهد هو ضد الرغبة فهو الاستصغار للدنيا والاحتقار لشأنها الذي يدعو إلى رفض فضولها وأخذ القوام منها عونا على طاعة الله عز وجل فيها، فلا يترك الزاهد منها شيئا إلا لله، ولا يأخذ منها شيئا إلا لله وعونا على طاعة الله.
ولا يتركها كلها إذا صغرت عنده وهانت عليه، فيكون عاصيا لله إذ ترك منها واجبا أمر بأخذه، أو مقصرا في حظه إذ ترك منها ما ندب إلى أخذه، لكنه لما صغرت عنده وهانت عليه اتبع فيها أمر الله في كتابة وما ندب إليه على لسان نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخذ منها ما أعان على القربة إليه، وترك منها مما يجوز له أخذه تركه زهدا فيه ليتقرب بذلك إلى ربه.
هذا هو الزهد عند جماعة من العلماء والزهاد، كالحارث بن أسد المحاسبي وغيره.
وقال سفيان الثوري وغيره منهم: إنه قصر الأمل.
وليس بصحيح، لأن قصر الأمل ليس هو الزهد وإنما هو المعين على الزهد، لأن من قصر أمله وتوقع نزول المنية زهد في الدنيا ولم يرغب فيها.
وقال الأوزاعي وغيره منهم: إنه بغض المحمدة وبغض المحمدة إنما هو بعض الزهد لا جميعه، لأن الزهد يكون في المحمدة وفيما سواها من شهوات الدنيا.
قال الله عز وجل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: 14] الآية إلا
أنه لما كان حب المحمدة على الطاعة والتزين بها في الدنيا غالبا على قلوب العباد قال: إن ذلك هو الزهد، بمعنى أنه إذا زهد فيها فهو فيما سواها أزهد.
وقال سفيان بن عيينة منهم ورواه عن الزهري: الزهد من غلب صبره الحرام وشكره الحلال.
وهذا ليس بالزهد وإنما هو صفة الزاهد، لأن من كان بهذه الصفة فهو زاهد، فهي معنى تكون عن الزهد؛ لأنه إذا زهد قوي صبره عن الحرام فلم يركن إليه، وقوي شكره على الحلال فلم تشغله حلاوته عن الشكر.
وقال الفضيل بن عياض وغيره منهم: الزهد الترك للدنيا.
وليس الترك للدنيا هو الزهد، ولكنه كائن عنه؛ لأنه إذا زهد في الدنيا تركها.
وليس قوله الترك للدنيا على عمومه؛ لأن من أحوال الدنيا ما لا يجوز تركه، فلو قال: الزهد ترك ما لا قربة فيه من أحوال الدنيا؛ لكان في العبارة عما قصد إليه أولى، وقد قارب الحقيقة في الزهد، إذ جعله المعنى الذي يكون عن الزهد، وهو فائدته التي تقربه من الله عز وجل.
ومنهم من قال: الزهد أن يكون الرجل بما في يد الله أوثق مما بيده، فجعل الزهد بعض التوكل لما كانت الثقة بما في يد الله دون ما بيده تبعث الواثق بذلك على ألا يدخر ما بيده فيقدمه لآخرته.
وليس ذلك بصحيح، إذ قد يكون الرجل بما في يد الله أوثق مما في يده ومع هذا فيدخره ليتنعم به أو يتصدق به للمحمدة والثناء فيكون راغبا فيه.
وقد يتصدق به لله لا للمحمدة فيكون زاهدا فيه.
وليس التصدق به لله هو الزهد نفسه، ولكنه عن الزهد كان.
ومنهم قال: الزهد بغض للدنيا، وذلك أن الله عز وجل ذم الحب لها فقال: ﴿تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة: 20] والبغض ضد الحب فسمي الزهد به، وذلك إذا أبغضها لاحتقاره لها، وصغر شأنها عنده، إذ قد يبغض الرجل الدنيا لضر نزل به فيها وخطرها عنده عظيم.
فليس الزهد في الدنيا ضد الحب لها على الإطلاق، وإنما هو ضد الرغبة فيها، لأن الراغب فيها إنما يرغب فيها لعظم شأنها عنده.
والاحتقار لها
والبعض فيها المندوب إليه بالشرع لا بالطبع، لأن الله تعالى قد زينها وحذر منها ابتلاء واختبارا.
وقد قال بعض الناس: إن الزاهد إنما هو من أبغض الدنيا طبعا بغريزته كما يبغض الأنتان وشبهها، وإن من لم يحل هذا المحل وإن أبغض الدنيا بأجمعها فليس بزاهد وإنما هو صابر.
وهو غلط ظاهر، لأن ما طبع عليه الإنسان لا يؤجر عليه إذ لا كسب له فيه، وإنما يؤجر الزاهد على الصبر على الزهد فيما طبع على محبته.
قال الله عز وجل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: 14] الآية.
وقال: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] وَقَالَ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 177] وَقَالَ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: 8] الآية.
ومنهم من قال: الزهد في الدنيا هو التهاون بالدنيا لهوانها على الله.
واحتج بما روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بسخلة ملقاة على سباطة قوم ومعه أصحابه فقال: أترون أهل هذه ألقوها من كراهتها عليهم أو من هوانها.
قالوا: بل من هوانها عليهم، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها» وندبهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أن يهون عليهم ما هان على الله.
وقال الحسن: ويحك يا ابن آدم لا تخالف الله في هواه فإن الله لا يحب الدنيا.
وقال ابن المنكدر: لو لقيت الله وليس لي ذنب إلا حب الدنيا لخشيت أن يقال: هذا أحب ما أبغض الله.
فوصف قائل هذا القول الزهد بحقيقة ما يكون عنه ولم يخرج عن معناه.
ألا ترى أنك تقول: زهدت في الدنيا فهانت علي، ولا تقول هانت علي فزهدت فيها.
وكذلك سائر ما تقدم من الأقوال لم يخرج قائلوها بما قالوه في
الزهد عن معناه وإنما أخطؤوا في تسميته، فسماه بعضهم باسم الزاهد، وبعضهم باسم المعين على الزهد، وبعضهم باسم المعنى الذي يورثه الزهد، وبعضهم باسم بعض الزهد، لأن كل واحد منهم يقع المزيد بما سماه لترغيبه إياه فيه.
فصل
فالزهد نافلة مستحبة لا فريضة يستوجب الزاهد بها رضى الله تعالى ورفيع الدرجات في جنة المأوى، وإن كانت الواجبات كلها لا تكون إلا بالزهد فلا يسمى شيء منها زاهدا إذ قد اختصت من الأسماء بما هو أليق بها من الزهد.
ألا ترى أن الإيمان لا يكون إلا بالزهد في كل معبود سواه، والصلاة لا تكون إلا بالزهد في الاشتغال بما يصد عنها ويمنع منها، وكذلك سائر الفرائض والطاعات.
فصل
فالزهد وما يتعلق به من المعاني مختلفة الوجوه، وهي ستة أشياء: الزهد، والزاهد، والمزهود فيه، والمزهد في الدنيا، والمزهود من أجله الباعث على الزهد الذي عنه يكون الزهد، والمزهود له.
فأما الزهد في الدنيا فهو الاستصغار بجملتها والاحتقار لجميع شأنها لتصغير الله تعالى لها وتحقيره إياها وتحذيره من غرورها في غير ما آية من كتابه، من ذلك قوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: 77] وقوله: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33] وقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ﴾ [يونس: 24] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: 25]؛ لأنه إذا كانت
صغيرة حقيرة هانت عليه فترك منها زهدا فيها كل ما لا قربة في أخذه منها من التنعم بنعيمها من المطعم والمشرب والاستمتاع بمتاعها من الملبس والمركب والمسكن والتلذذ بملاذها من المسموعات والمبصرات، والخلود فيها إلى الراحة، فلم يأخذ من ذلك كله إلا قوام عيشه، أو ما كان زائدا على ذلك مما ندب إلى أخذه كاتخاذ ثوبين لجمعته، ولباس ما يغره لباس ما دونه، لأن الله عز وجل يحب أن تُرَى أثر نعمته على عبده على ما جاء في الحديث.
وكالراحة التي يستعين بها على الطاعة على ما جاء عن معاذ بن جبل من قوله لأبي موسى الأشعري: أما أنا فأنام أول الليل وأقوم آخره وأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، فهذا هو الزهد في الدنيا.
وأما ترك ما يجب تركه من المحرمات فلا يسمى زهدا،، ولا اسم طاعة، وإن كان في الحقيقة زهدا وطاعة؛ لأنه إنما زهد في ذلك خوف العقاب، وليس هذا هو الزهد الذي يتطوع به رجاء جزيل الثواب ومرضاة الرحمن.
وأما الزاهد فهو المستصغر للدنيا الذي قد انصرف قلبه عنها لصغر قدرها عنده، فلا يفرح بشيء من الدنيا، ولا يحزن على فقده، ولا يأخذه منها إلا ما أمر بأخذه، أو ما يعينه على طاعة ربه، ويكون مع ذلك قلبه دائم الشغل بذكر الله تعالى، وذكر الآخرة والفكرة فيها، لا ينتقل عما هو فيه من ذلك إلا إلى ما هو في معناه من ذكر الله، أو ذكر الآخرة على قدر الأحوال وطلب القربة لا مالا له، وطلبا للاستراحة منه لما هو أخف عليه مما فيه تسلية لنفسه.
وهذا هو أرفع أحوال الزهد، لأن من بلغ إلى هذه المرتبة منه فهو في الدنيا بشخصه، وفي الآخرة بروحه وعقله، قد غلب وساوس الشيطان، واستحق الثواب الجزيل من الله تعالى والرضوان.
وأما المزهود فيه فهي الدنيا التي هي ما حواه الليل والنهار، وأظلته السماء، وأقلته الأرض.
أمر العباد بالزهد فيها بالاستصغار لها والاحتقار لجميعها، وندبوا إلى أن يتركوا منها كل مباح لا عون فيه على طاعة الله، ولم يندبوا إلى أن يتركوها كلها فيخرجوا عنها، بل فرض عليهم أن يأخذوا منها ما لا يتم ما افترض عليهم إلا بأخذه، وندبوا إلى أن يأخذوا منها كل مباح في أخذه عون على الطاعة.
فالمباح منها من أي نوع كان فيه عون على الطاعة كان الزهد في أخذه، وإن لم يكن فيه عون على طاعة كان الزهد في تركه.
وأما المُزَهِّد في الدنيا فشيئان منها زهدا فيها بعض من لا يؤمن بالبعث وبعض من يؤمن به: أحدهما: كثرة آفاتها، والثاني: فناؤها وفناء أهلها فيها، وزوالهم عنها قبل فنائها.
وأما المزهود من أجله الباعث على الزهد الذي عنه يكون الزهد فخمسة أشياء:
أحدها: أنها مفتنة مشغلة للقلوب عن التفكر في أمر الله.
والثاني: أنها تنقص عند الله تعالى درجات من ركن إليها.
والثالث أن تركها قربة من الله وعلو مرتبة عنده في درجات الجنة.
والرابع طول الحبس والوقوف في القيامة للحساب والسؤال عن شكر النعم.
والخامس رضوان الله والأمن من سخطه وهو أكبرها.
قال الله عز وجل: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72].
وأما المزهود له فهو الله عز وجل الذي رفض الزاهد الدنيا المحببة إليه ابتغاء مرضاته، وخوفا من سؤاله، وتقربا إليه وموافقة له في تصغير ما صغر، وبغض ما أبغض، رغبة فيما عنده عز وجل من جزيل الثواب وبالله التوفيق.
فصل
وقد قالت طائفة من العلماء: ليس الزهد في شيء من الحلال، وإنما الزهد
في الحرام، لأن العباد لم يؤمروا بالزهد فيما أحل لهم، بل هم مأجورون على اكتسابه إذا تورعوا فيه، فلهم من الأجر على ذلك ما ليس لتارك الاكتساب.
قالوا: ففي التمتع بالحلال خلال لا يجوز الزهد فيها، منها الأجر على التحري، والتورع في اكتسابه، وعلى الشكر لله على ذلك.
ومنها أنه يكون له في تمتعه بالحلال عصمة عن الحرام، لأن من أكل الطيب ولبس اللين ثم رأى غيره ينال ذلك لم تدعه نفسه إلى الحسد، ولا إلى طلب ذلك من حرامه.
واحتجوا لقولهم بما ترك بعض أصحاب النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من المال إلا أنه لا تورث.
قالوا: فلو كان الزهد في الحلال لما أبقى أحد من هؤلاء وراءه شيئا من المال، فلم تفرق هذه الطائفة بين الزهد والورع وجعلوهما شيئا واحدا.
والذي أقول به في هذا: إن الزهد غير الورع، وإن الزهد إنما هو في الحلال لا في الحرام، لأن ترك الحرام فرض فلا يقال فيمن تركه: إنه من أهل الزهد في الدنيا.
وإن الزهد هو المعنى الذي يبعث صاحب المال على أن يجود لله عز وجل من ماله بما لا يلزمه من صلة رحم أو عتق أو تحبيس في السبيل، أو بناء مسجد أو هبة أو صدقة أو تحبيس وما أشبه ذلك، وإن لم يستوعب بذلك ماله كله أو أبقى لنفسه منه بعضه لنفقة على نفسه وعياله، وإن أكل من طيب الطعام وشرب من لذيذ الشراب، ولبس لين الثياب من غير إسراف ولا إقتار، إذ قد ندب الله عز وجل إلى ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] وقد سئل مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - عن معنى قوله عز وجل: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77] فقال: معناه أن يعيش في الدنيا ويأكل ويشرب غير مقتر عليه، ولما عسى أن يراه من وجوه البر، ومخافة أن تطول حياته فيبقى عالة
على الناس أو يموت فيترك ورثته عالة يتكففون الناس، فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»، «وقال لكعب بن مالك حين تاب الله عليه فقال يا رسول الله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ورسوله، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» وما قال فيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنه خير للعبد فلا شك في أنه خير له من ضده.
فمن جاد لله من ماله بما لا يلزمه زهدا فيه ورغبة فيما له عند الله على ذلك من جزيل الثواب فهو من الزهاد بما زهد لله فيه من ماله وخرج عنه لله عز وجل.
فالصحابة المذكورون بالغنا كلهم زهاد في الدنيا بما بذلوه لله تعالى من أموالهم في حياتهم، وبما نووا فيما أنفقوا منه لأنفسهم إلى حين وفاتهم، وإن كان كثيرا فالذي بذلوا منه في حياتهم أكثر مما أنفقوا بعد وفاتهم.
لا أنه لا يقع على الزاهد اسم زاهد حتى ينخلع من جميع ماله لله عز وجل ويترك التنعم بشيء منه خوف السؤال عنه كما قالت الطائفة التي بدأنا بذكرها.
فالزهاد في الدنيا يتعاطون في الزهد فيها على قدر مبلغهم على الدنيا إلى الدار الآخرة، لأن الدنيا والآخرة ككفتي الميزان، فإذا مال الرجل عن إحداهما إلى الأخرى رجحت به.
فإذا رجحت به كفة الأخرى فهو معدود في جملة الزهاد في الدنيا، فتفاضل الزهاد في الدنيا على قدر رجحان الكفة بهم.
ونهاية زهد الزاهد في الدنيا ألا يميل إلى شيء منها إلا أن يكون في ذلك قربة لله تعالى، فتكون كفة الدنيا فارغة لا وزن لها.
فإن استوت به الكفتان، أو رجحت به كفة الدنيا فليس بمعدود في الزهاد في الدنيا.
فالزهد في الدنيا إنما هو بقدر النيات، فلا يعلمه إلا العالم بقدرها المجازي عليها.
فقد يكون صاحب المال الكثير أزهد في الدنيا من صاحب المال القليل وممن لا مال له.
فصل
وهذا الباب الاختلاف فيه، قد قالت طائفة من العلماء: إن الزهد
فراغ القلب من الدنيا للاشتغال بالآخرة، فليس من الزهد ترك ما يشتهيه والقلب به مشغول عن الآخرة، ولكن من الزهد أخذه ليتفرغ القلب للآخرة، وليس ذلك من تعظيم الشهوة ولكن ليفرغ قلبه للآخرة، وهو قول بعيد.
وقالت طائفة أخرى: الزهد إخفاء الزهد بلباسه الثياب الحسان، واتخاذه في بيته المتاع واستعماله الطيب من الطعام ليلا ينظر إليه الخلق فيتوهموا عليه الزهد فيحسدونه على ذلك، إذ القلب لا يمتنع إذا ظهر منه التقشف والتقلل أن يرتاح لحب حمد الناس على ذلك وتعظيمهم إياه من أجله.
وهذا من الأقوال الظاهرة الخطأ.
وقالت طائفة أخرى عامتهم قدرية: إن الزهد إنما هو الجوع وترك كل لذة، ومن أخذ منها شيئا من لذاتها أو تمتع ليستعين بذلك على طاعة كقيام ليل أو غيره مخدوع، وترك ذلك العمل مع الجوع أفضل، لأن الزهد لا يعدله شيء.
وما احتجت به هذه الطائفة والرد عليها يطول.
وقالت طائفة أخرى: الزهد كله فيما حرم وما أحل فهو معونة على الطاعة، وكل ما فعله العبد وليس فيه ثواب فهو معصية وقد وجب عليه الزهد فيه.
واحتجوا بما جاء من أن صاحب الشمال يكتب كل ما لا يكتب صاحب اليمين، والله أعلم، وبه التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه.
فصل
في المفاضلة بين الفقر والغنى
اختلف الناس في الفقر والغنى على أربعة أقوال، فمنهم من ذهب إلى أن الغنى أفضل، ومنهم من ذهب إلى أن الفقر أفضل، ومنهم من ذهب إلى أن
الكفاف أفضل، ومنهم من توقف في ذلك فلم ير المفاضلة فيه.
وهذا فيمن كان يؤدي ما لله عليه من حق في حال الفقر لفقره، وفي حال الغنى لغناه؛ لأن من كان يؤدي حق الله الواجب عليه في الفقر، ولا يؤدي حقه الواجب عليه في الغنى، فلا اختلاف في أن الفقر أفضل له من الغنى.
ومن كان يؤدي حق الله الواجب في الغنى، ولا يؤدي حقه الواجب عليه في الفقر، فلا اختلاف في أن الغنى أفضل له، لأن الفضل في الفقر والغنى ليس لذاتهما، وإنما هو لما يكتسب بسبب كل واحد منهما مما يؤجر عليه، فيكتسب بسبب الفقر الصبر والرضا بما قسم الله له منه، والشكر لله تعالى على ذلك والتصرف والخدمة فيما يلزمه من نفقته وكسوته، ونفقة من يلزمه الإنفاق عليهم وكسوتهم فيؤجر على ذلك.
ويكتسب بسبب المال الصبر على إنفاقه في الواجبات، وما يندب إليه من القربات، مع حبه إياه.
قال الله عز وجل: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: 177] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177] وقال عز وجل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] والشكر لله تعالى على ما آتاه من فضله، فيؤجر على ذلك كله كالصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لأنه كان منهم الفقير والغني ومن أغناه الله من فضله بعد أن كان فقيرا، فكانوا كلهم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - محمودين في حال الفقر وفي حال الغنى، لأنهم صبروا في حال الفقر على ضيق العيش وشكروا الله تعالى على ذلك وقنعوا بما أعطوا، وآثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فكان لهم من الأجر على ذلك كله ما لم يعلم مقداره إلا الله تعالى، وشكروا الله تعالى في حال الغنى على ما آتاهم من فضله، ووسع عليهم من رزقه، وأدوا ما افترض الله عليهم في أموالهم من الزكوات الواجبات، وقاموا بما يلزمهم القيام به من النوائب اللازمات، وتطوعوا لوجه الله بما لا يلزمهم من القرب والصدقات، فكان لهم من الأجر على ذلك كله ما لا يعلم مقداره إلا الله عز وجل خالق الأرض والسماوات.
والذي أقول به في هذا تفضيل الغنى على الفقر، وتفضيل الفقر على الكفاف.
وإنما قلت: إن الغنى أفضل من الفقر؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32] فلو كان الفقر أفضل من الغنى لكان تعالى قد أمرنا أن نسأله تبديل الأفضل بالأدنى، وذلك خلاف المعلوم من المعنى.
وقوله عز وجل: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 8] فلو كان الفقر أفضل من الغنى لكان تعالى قد امتن عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأن نقله من الأفضل إلى الأدنى.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92] فلو كان ما كانوا فيه أفضل وأولى لم يكن لحزنهم معنى.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا﴾ [البقرة: 268] وشتان في الفضل ما بين ما يعد الله به من الغنى، ويعد به الشيطان من الفقر! وقوله عز وجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 28] وقوله عز وجل: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74] وقوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32] وما أشبه ذلك من الآيات كثير.
ولقول «النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حين قيل له: ذهب الأغنياء بالأجور: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما نفعني مالي ما نفعني مال أبي بكر»، وقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من جهز جيش العسرة ضمنت له على الله الجنة»، وقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»
وأمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقبول ما أتى من غير مسألة، ونهيه عن إضاعة المال وعن الوصية بما زاد على الثلث وما أشبه ذلك من الأحاديث التي يكثر عدها، ولا يمكن حصرها؛ ولأن الفقير يؤجر من وجهين:
أحدهما: الصبر على الفقر والفاقة مع الرضى بذلك، والشكر لله تعالى عليه.
والثاني: تصرفه وعمله فيما يعيد به على نفسه مما لا بد له منه من نفقته ونفقة من تلزمه نفقته.
والغني يؤجر من وجوه كثيرة: منها الشكر لله عز وجل على ما آتاه من فضله.
ومنها الصبر على ما يعطيه من ماله لوجه الله عز وجل في الواجبات عليه من الزكوات، وفيما سوى ذلك من القربات، ومن الإنفاق على من يجب عليه الإنفاق عليه من الزوجات وصغار البنين والبنات، والآباء والأمهات المعدمين مع حبه له وشحه عليه.
قال الله عز وجل: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] وَقَالَ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: 8] ثناء منه عز وجل بذلك عليهم.
وقد يتزوج الغني الزوجتين والثلاث والأربع ويتسرى الإماء ذوات العدد، فيستمتع من وطئهن ويؤجر بذلك فيهن، والفقير لا يقدر على شيء من ذلك.
وما فضل عند الرجل من ماله بعد أن أدى منه الواجب عليه فيه، واستمتاعه به في الرفيع من اللباس، والطيب من الطعام، والحسن من المركوب، والجيد من السكنى من غير إسراف في شيء من ذلك كله؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] أولى من ترك ذلك وإمساك ماله إذ لا أجر في مجرد إمساك المال، وإنما يؤجر على إمساكه إذا أمسكه لخير ينوي أن يفعله منه، وقد يؤجر على الاستمتاع بماله في لباس الحسن؛ لأن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
«قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صاحب جابر بن عبد الله لما لبس الثوبين الجديدين بأمره له بذلك ونزع الخلقين: ماله ضرب الله عنقه أليس هذا خيرا له».
وقال عمر بن الخطاب: إني لأحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب، وقال: إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم.
ويوجد في التوسعة على أهله في الإنفاق.
وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حتى ما تجعله في فِيّ امرأتك».
ففي هذا كله بيان واضح على أن وجود المال خير من عدمه؛ لأنه إذا عدمه لم ينتفع بعدمه، وإذا وجده انتفع بوجوده، إما باستمتاع مباح غير مكروه لا أجر له فيه، وإما باستمتاع مندوب إليه له فيه أجر، إلى ما يفعل منه من الخير الواجب والتطوع.
وإنما قلت: إن الفقر أفضل فيه عما يحتاج إليه، فأغناه ذلك عن الكدح والتصرف فيما يحتاج إليه.
والفقير يؤجر من وجهين حسبما ذكرناه.
واستدل من ذهب إلى أن الفقر أفضل من الغنى بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] ولا دليل لهم فيه، لأن الأغنياء يشاركونهم في الصبر، والأجور في الأعمال على قدر النيات فيها.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله قد أوقع أجر العبد على قدر نيته» ومقدار النيات لا يعلمها إلا المجازي عليها.
وبما روي من أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء.
ولا دليل لهم فيه، إذ ليس على عمومه، للعلم الحاصل بأن طائفة من الأغنياء المسلمين كعبد الرحمن بن عوف،
وعثمان بن عفان يدخلون الجنة قبل كثير من الفقراء، وأنهم أفضل من أبي ذر وأبي هريرة.
ولأن السبق إلى الجنة لا يدل على زيادة الدرجة فيها.
وكذلك ما روي من كون الفقراء أكثر أهل الجنة؛ لأن الفقراء في الناس أكثر من الأغنياء، والمحمودون منهم أكثر من المحمودين من الأغنياء.
وليس الكلام في أي الطائفتين أكثر، وإنما هو في أيهما أفضل أي أكثر ثوابا.
وقد بينا وجه كثرة الثواب في ذلك.
وأقوى ما يحتج به من ذهب إلى أن الفقر أفضل من الغنى هو أن الفقير أيسر حسابا وأقل سؤالا، إذ لا بد من أن يسأل صاحب المال من أين كسبه وهل أدى الحق الواجب عليه فيه أم لا، ويسأل أيضا على تمتعه فيه بالمباح من المطعم والملبس بنص قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8] «وقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لأصحابه: "لتسألن عن نعيم هذا اليوم» في طعام صنعه لهم أبو الهيثم بن التيهان خبز شعير ولحم وماء مستعذب.
وهذا لا حجة لهم فيه أيضا ولا خفاء في أن من وجب عليه شيء فسئل هل عمله أو لم يعمله فوجد قد عمله أفضل ممن لم يجب عليه ولا يسأل عنه؛ لأنه يؤجر على ما عمل من الواجب كما يؤجر على ما عمل من التطوع.
وإنما توقف عن المفاضلة بين الفقر والغنى من لم يفضل أحدهما على صاحبه، والله أعلم، من أن لكل طائفة منهما معنى تؤجر عليه دون الأخرى، والأجور في ذلك
على قدر النيات في ذلك المعنى، ولا يعلم قدرها إلا المجازي عليها، فوجب الوقوف على ذلك لاحتمال أن يؤجر الفقير على معنى واحد لقوة نيته فيه أكثر مما يؤجر الغني على معان كثيرة لضعف نيته فيها.
وهذا صحيح مع التعيين، فلا يصح أن نقول: إن أجر فلان في غناه أكثر لكثرة ما يفعل منه من الخير، أو أكثر من أجر فلان في فقره لصبره ورضاه بما قسم الله له من ذلك، ولا: إن أجره في فقره بصبره ورضاه بما قسم الله له من ذلك أكثر من أجر فلان في غناه على ما يفعل منه من الخير.
وأما في الجملة فالغنى أفضل من الفقر على ما بيناه من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وأما من فضل الكفاف على الفقر أو على الغنى فلا وجه له في النظر والله أعلم.
وأما الفقير الذي لا يقدر أن يقوم بما يحتاج إليه حتى يسأل فالغني أفضل منه قولا واحدا والله أعلم لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اليد العليا خير من اليد السفلى»؛ لأن اليد العليا هي المنفقة والسفلى السائلة.
وقد استعاذ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الفقر المنسي كما استعاذ من الغنى المطغي وبالله التوفيق.
فصل
في البغي والحسد
الحسد من الذنوب العظام؛ لأن الله تعالى نهى عنه وحرمه في كتابه على لسان رسوله فقال عز وجل: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 32] وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54] وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا».
والحسد هو أن يكره الرجل أن يرى النعمة في شيء من الأشياء على غيره ويتمنى أن تنتقل عنه إليه.
وأما أن يسأل الله من فضله أن يعطيه مثل ما أعطى لغيره دون أن تزول النعمة عنه فليس ذلك بمحظور ولا حسد، وإنما هو الغبطة، تقول: غبطت الرجل في كذا وحسدته عليه، فالغبطة مباحة والحسد محظور.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل والنهار».
معناه لا حسد أصلا لكن في هاتين الاثنتين تغابطوا فيهما، فالاستثناء في الحديث استثناء منقطع.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أن قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا تحاسدوا ليس على عمومه»؛ لأن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قد أباحه في الخبر فقال: «لا حسد إلا في اثنتين».
والذي ذهب إلى هذا قال: «إن الحسد على وجهين: حسد معه بغي، وحسد لا بغي معه».
روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا حسدتم فلا تبغوا».
والبغي، والله أعلم، أن يريد
الحاسد الإضرار بالمحسود بزوال النعمة عنه.
فالحسد الذي لا بغي معه جائز، والحسد الذي معه البغي محظور.
فالحسد على هذا ينقسم على قسمين: حسد في الخير، وحسد في المال.
فالحسد في الخير مرغب فيه في غالب الحال، والحسد في المال جائز إن لم يكن معه بغي، ومحظور إن كان معه بغي.
وقد قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بلغني أن أول معصية الحسد والكبر والشح حسد إبليس وتكبر على آدم، وشح آدم فقيل له: كل من شجر الجنة كلها إلا التي نهاه الله عنها، فشح فأكل منها.
وقد مضى القول في الحسد.
وكذلك التكبر محظور مذموم، لأن الكبرياء إنما هي لله.
فمن تكبر قصمه الله، ومن تواضع رفعه الله.
وأما الشح فهو على وجهين: شح بالواجبات، وشح بالمندوبات.
فأما الشح بالواجبات فحرام، وأما الشح بالمندوبات فمكروه.
فمن وقي الشح في الوجهين فقد أفلح.
قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9] وقوله في آدم: فشح فأكل منها فلم يأكل منها إبقاء عليها وشحا بها وأكل من التي نهاه الله عنها.
وبالله التوفيق.
فصل
في الصدق والكذب
الصدق واجب، والكذب محظور.
قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119] وقال عز وجل: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ [الأحزاب: 35] إلى
قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35] «وسئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيكون المؤمن جبانا وبخيلا؟ قال: نعم.
قيل: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لا» أي: لا يكون مؤمنا ممدوح الإيمان؛ لأن الكذب فجور، وكان عبد الله بن مسعود يقول: عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار.
ألا ترى أنه يقال: صدق وبرّ، وكذب وفجر.
فنص - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أن الجبن والبخل أخف من الكذب.
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول: لا يزال العبد يكذب وينكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فيكتب عند الله من الكاذبين.
وقد جاء عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: عليك بالصدق وإن ظننت أنه مهلك.
ومعناه إن حسبت ذلك ما لم تتيقنه، لأن الظن قد يكون بمعنى الشك وبمعنى اليقين.
وذلك فيما يلزم الرجل أن يصدع فيه بالحق لما يرجو في الصدق من الصلاح والخير، ويخافه في الكذب من الشر والفساد، كالكلام عند السلطان وشبه ذلك.
فهذا الذي عليه أن يصدع فيه بالحق، وإن خشي أن يكون في ذلك هلاكه ما لم يتقين الهلاك في الصدق وإن خاف على نفسه ما يلزمه بقوله فيما يجب عليه من الحقوق كالقتل والسرقة والزنا وشبه ذلك.
فصل
والكذب محظور وممنوع في الجملة، وهو ينقسم على خمسة أقسام:
أحدها: كذب لا يتعلق فيه حق لمخلوق وهو الكذب في ما لا مضرة فيه على أحد، ولا يقصد به وجه من وجوه الخير، وهو قول الرجل في حديثه كان كذا وكذا وجرى كذا وكذا لما لم يكن ولا جرى، فهذا الكذب محرم في الشريعة بإجماع من العلماء، وهو الذي جاء فيه عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إن المؤمن لا يكون كذابا» أي لا يكون مؤمنا ممدوح الإيمان، وهو الذي يغلب عليه الكذب حتى يعرف به، وقد يكون مؤمنا ممدوح الإيمان وإن كان جبانا وبخيلا، أي بخيلا بغير الواجبات، لأن البخل بالواجبات فسوق، والتوبة بالإقلاع عنه والاستغفار منه.
والثاني: كذب يتعلق به حق لمخلوق، وهو أن يكذب الرجل على الرجل فينسب إليه أنه فعل ما لم يفعل أو قال ما لم يقل مما يؤذيه أو يغض منه، وهو أشد من الأول، لأن التوبة منه لا تصح إلا بأن يتحلل صاحبه فيحله منه طيبة بذلك نفسه، أو يأخذ حقه منه إن تعين له بذلك عليه حق.
والثالث: كذب يقصد به وجه من وجوه الخير للمسلمين لكذب في الحرب للتخذيل بين المشركين وما أشبه ذلك.
فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الحرب خدعة».
وذلك نحو ما جاء من «أن نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي أتى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزاة الخندق مسلما فقال يا رسول الله: إني قد أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي بإسلامي فمرني بما شئت، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنما أنت رجل واحد من غطفان، فلو خرجت فخذلت عنا إن استطعت كان أحب إلينا من بقائك معنا، فاخرج فإن الحرب خدعة؛ فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان يناديهم في الجاهلية فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: قل فلست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرحل ولا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا.
ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لهم: قد عرفتم ودي لكم معشر قريش وفراقي محمدا، وقد بلغني أمر أرى من الحق أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا علي.
قالوا: نفعل.
قال: أتعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما كان من خذلانهم محمدا، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ من قريش وغطفان رهنا رجالا ونسلمهم إليكم تضربوا أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم.
ثم أتى غطفان وقال مثل ذلك.
فلما كانت ليلة السبت، وكان ذلك من صنع الله عز وجل لرسوله وللمؤمنين، أرسل أبو سفيان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان يقول لهم: إنا لسنا بدار مقام، وقد هلك الخف والحافر، فاغدوا صبيحة غد للقتال حتى نناجز محمدا، فأرسلوا إليه أن اليوم السبت وقد علمتم ما نال من تعدى في السبت، ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا.
فلما رجع الرسول بذلك قالوا: صدقنا والله نعيم بن مسعود، وخذل الله بينهم واختلفت كلمتهم، وبعث الله عليهم ريحا عاصفا في ليال شديدة البرد قلبت أبنيتهم وكفأت قدورهم فارتحلوا» فهذا الكذب مستحب.
والرابع كذب الرجل فيما يرجو فيه منفعة نفسه ولا ضرر فيه على غيره، ككذب الرجل لامرأته فيما يعدها به ليستصلحها، فهذا الكذب جوزته السنة على ما جاء من «أن رجلا قال لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أكذب امرأتي، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا خير في الكذب.
فقال الرجل: يا رسول الله أعدها وأقول لها، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا جناح عليك» وقد قيل: إنه لا يباح فيه إلا بتعريض الكلام لا بنص الكذب، والأول أصح أن التصريح بالكذب في ذلك جائز، يدل عليه قول الله عز وجل حكاية عن إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: 63] وقوله في قصة يوسف - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: 70] إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: 76].
وقد قيل: إن معاريض القول جائزة في كل
موضع لما جاء عن بعض السلف أن فيها مندوحة عن الكذب.
والذي أقول به أن ذلك مكروه لما فيه من الإلغاز على المخاطب فيظن أنه كذبه فيعرض نفسه بذلك إلى أن ينسب إليه الكذب، فتركه أحسن.
والخامس كذب الرجل في دفع مظلمة عن أحد مثل أن يختفي عنده رجل مظلوم ممن يريد قتله أو ضربه ظلما فيسأله عنه هل هو عنده أو يعلم مستقره؟ فيقول: ما هو عندي ولا أعلم له مستقرا، فهذا الكذب واجب لما فيه من حقن دم الرجل والدفع عن شرته.
فصل
فيما يجوز فيه النظر من أمر النجوم مما لا يجوز
النظر في أمر النجوم فيما يستدل به على معرفة سمت القبلة فيما بعد عنها من البلاد ومعرفة أجزاء الليل وما مضى منها مما بقي لافتراق أحكامها في العبادات المشروعة، والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر بأن يميزها ويعرف مواضعها من الجنوب أو الشمال ووقت طلوعها وغروبها جائز، بل هو مستحب، لأن الله تعالى قد أعلم أنه خلقها لهذا.
قال عز وجل: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] وَقَالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: 97] وأما النظر من أمرها فيما زاد على ذلك مما يتوصل به إلى معرفة نقصان الشهور من كمالها دون رؤية أهلتها فذلك مكروه؛ لأنه من الاشتغال بما لا يعني.
إذ لا يجوز
لأحد أن يعمل في صومه وفطره على ذلك فيستغني به عن النظر إلى الأهلة بإجماع من العلماء.
فقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في رمضان: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين».
وإنما اختلف أهل العلم فيمن كان من أهل هذا الشأن إذا أغمي الهلال هل له أن يعمل على معرفته بذلك؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن غم عليكم فاقدروا له أم لا».
فقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: إنه يعمل في خاصته على ذلك، وقاله الشافعي أيضا في رواية، والمعلوم من مذهبه ما عليه الجمهور من أنه لا يعمل على ذلك.
واختلف أهل العلم في معنى قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فاقدروا له» فذهب مالك إلى أن قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الحديث الثاني: «فأكملوا العدد ثلاثين» مفسر له.
وذهب الطحاوي إلى أنه ناسخ له وإلى أن معنى التقدير له كان قبل أن ينسخ بأن ينظر إذا غم الهلال ليلة الشك إلى سقوط القمر في الليلة الثانية، فإن سقط لمنزلة واحدة وهي ستة أسباع ساعة علم أنه من تلك الليلة، وإن غاب لمنزلتين وهما ساعة وخمسة أسباع ساعة علم أنه من الليلة الماضية فقضوا اليوم.
وهذا قول خطأ لا خفاء به، إذ لا يسقط القمر في أول كل ليلة من جميع الشهور، كان الشهر ناقصا أو تاما، لستة أسباع ساعة، هذا يعلم يقينا بمشاهدة بعض الأهلة في أوائل الشهور أرفع وأبطأ مغيبا من بعض.
وأيضا فإنه خلاف ظاهر الحديث ومقتضاه في أن التقدير إنما أمر به ابتداء قبل الفوات ليصوم أو ليفطر، لا في الانتهاء بعد الفوات ليقضي أو لا يقضي.
والذي أقول به في معنى التقدير المأمور به في الحديث إذا غم الهلال أن ينظر إلى ما قبل هذا الشهر الذي غم الهلال عند آخره من الشهور، فإن كان توالى منها شهران أو ثلاثة كاملة عمل على أن هذا الشهر ناقص فأصبح الناس صياما،
وإن كانت توالت ناقصة عمل على أن هذا الشهر كامل فأصبح الناس مفطرين، إذ لا تتمادى أربعة أشهر ناقصة ولا كاملة على ما علم لما أجرى الله به العادة، ولا ثلاثة أيضا ناقصة ولا كاملة إلا في النادر.
وإن لم تتوال قبل الشهر الذي غم الهلال في آخره شهران فأكثر ناقصة ولا كاملة، احتمل أن يكون هذا الشهر ناقصا وأن يكون كاملا احتمالا واحدا، فوجب أن يكمل عدده ثلاثون يوما كما جاء في الحديث الآخر، فيكون على هذا الحديثان جميعا مستعملين كل واحد منهما في موضع غير موضع صاحبه.
وهذا في الصوم، وأما في الفطر إذا غم هلال شوال فلا يفطر بالتقدير الذي يغلب على الظن فيه أن رمضان ناقص.
فصل
وأما الكسوفات فقد ندرك معرفتها من طريق الحساب، ومعرفة انتقال الشمس والقمر في البروج، واجتماعهما في درجة واحدة من البرج، وبعد أحدهما من الآخر إلى ما يقابله من درجات البروج، لأن الشمس والقمر مسخران لله تعالى في السماء يجريان في أفلاكهما من برج إلى برج من غرب إلى شرق على ترتيب وحساب لا يتعديانه.
قال الله عز وجل: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 39] وقال عز وجل: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5] وَقَالَ ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40] فالقمر سريع الذهاب في البروج يقطع جميعها في شهر واحد، ولا تقطعها الشمس إلا في اثني عشر شهرا.
فهو يدرك الشمس في آخر كل شهر ويصير بإزائها من البرج الذي هي فيه، ثم يخلفها، فإذا بعد عنها استهل، وكلما زاد بعده منها زاد ضوؤه إلى أن ينتهي في البعد ليلة أربعة عشر
فيكمل استدارته وضوؤه لمقابلة الشمس له، ثم يأخذ في القرب منها فلا يزال ضوؤه ينقص إلى أن يدرك الشمس فيصبح بإزائها على ما أحكمه خالق الليل والنهار، لا إله إلا هو.
فإذا قدَّر الله عز وجل على ما أحكمه من أمره وقدره من منازله في سيره أن يكون بإزاء الشمس بالنهار فيما بين الأبصار وبين الشمس يستر جرمه عنا ضوء الشمس كله إن كان مقابلها، أو بعضها إن كان منحرفا عنها، فكان ذلك هو الكسوف للشمس آية من آيات الله عز وجل يخوف بها عباده كما قال عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59]؛ ولذلك أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالدعاء عند ذلك وسن له صلاة الكسوف.
فليس معرفة وقت كون الكسوف بما ذكرناه من جهة النجوم وطريق الحساب ادعاء علم غيب ولا ضلالة وكفر على وجه من الوجوه، ولكنه يكره الاشتغال به؛ لأنه مما لا يعني، وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وفي الإخبار به قبل أن يكون ضرر في الدين، لأن من سمعه من الجهال يظن أن ذلك من علم الغيب وأن المنجمين يدركون علم الغيب من ناحية النظر في النجوم، فيجب أن يزجر عن ذلك قائله ويؤدب عليه، كما قال مالك في رواية ابن القاسم عنه من كتاب السلطان من العتبية؛ لأن ذلك من حبائل الشيطان.
فصل
وأما شيء من المغيبات فلا يدركها أحد من ناحية النظر في النجوم.
وقد اختلف في المنجم يقضي بتنجيمه فيقول: إنه يعلم متى يقدم فلان أو وقت نزول المطر أو ما في الأرحام، أو ما يستتر الناس به من الأخبار وما تحدث من الفتن والأهوال وما أشبه ذلك من المغيبات، فقيل: إن ذلك كفر يجب به القتل دون الاستتابة، لقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا﴾ [الفرقان: 50]
«ولقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال الله عز وجل: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» وقيل: إنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، روي ذلك عن أشهب، وقيل: إنه يزجر عن ذلك ويؤدب عليه، وهو قول مالك في سماع ابن القاسم من كتاب السلطان من العتبية.
والذي أقول به أن هذا ليس اختلافا من القول في موضع واحد، وإنما هو اختلاف في الأحكام بحسب اختلاف الأحوال.
فإذا كان المنجم يزعم أن النجوم واختلافها في الطلوع والغروب هي الفاعلة لذلك كله وكان مستترا بذلك فحضرته البينة قتل بلا استتابة؛ لأنه كافر زنديق.
وإن كان معلنا بذلك غير مستتر به يظهره ويحاج عليه استتيب فإن تاب وإلا قتل كالمرتد سواء.
وإن كان مؤمنا بالله عز وجل مقرا بأن النجوم واختلافها في الطلوع والغروب لا تأثير لها في شيء مما يحدث في العالم، وأن الله عز وجل هو الفاعل لذلك كله إلا أنه جعلها أدلة على ما يفعله، فهذا يزجر عن اعتقاده ويؤدب عليه أبدا حتى يكف عنه ويرجع عن اعتقاده ويتوب منه، لأن ذلك بدعة يجرح بها فتسقط إمامته وشهادته على ما قاله سحنون في نوازله في كتاب الشهادات من العتبية.
ولا يحل لمسلم أن يصدقه في شيء مما يقول، ولا يصح أن يجتمع في قلب مسلم تصديقه مع قول الله عز وجل: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: 65] وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 26] ﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: 27] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان: 34] الآية.
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من صدق كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على قلب محمد».
ويمكن أن
يصادف في بعض الجمل وذلك من حبائل الشيطان، فلا ينبغي أن يغتر بذلك ويجعله دليلا على صدقه فيما يقول، فلا يعلم الأمور الغائبة على وجهها وتفاصيلها إلا علام الغيوب أو من أطلعه عليها علام الغيوب من الأنبياء ليكون ذلك دليلا على صحة نبوءته.
قال الله عز وجل في كتابه حاكيا عن عيسى بن مريم - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 49] فادعاء معرفة ذلك والإخبار به على الوجه الذي تعرف ذلك الأنبياء وتخبر به تكذيب لدلالتهم.
وفي ما دون هذا كفاية لمن شرح الله صدره وهداه ولم يرد إضلاله ولا إغواءه.
والذي ينبغي أن يعتقد فيما يخبرون به من الجمل فيصيبون مثل ما روي عن هرقل أنه أخبر أنه نظر في النجوم فرأى ملك الختان قد ظهر إنما هو على التجربة التي قد تصدق في الغالب، من نحو قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذا أنشأت بحرية ثم تشأمت فتلك عين غديقة» وبالله التوفيق.
فصل
في شراء المغنيات وبيعهن
روي عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا يحل شراء المغنيات ولا بيعهن ولا التجارة فيهن وثمنهن حرام»، ثم تلا الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6] الآية كلها.
وهذا الذي عليه أكثر أهل التفسير أن المراد بقوله عز وجل: ومن الناس من يشتري لهو الحديث الغناء واستماعه.
روي عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية: ومن
الناس من يشتري لهو الحديث فقال: الغناء والذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات.
وهو قول مجاهد وعطاء.
وقال مكحول: من كانت له جارية مغنية فمات لم يصل عليه؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: 90] معناه لم يصل عليه رغبة في الصلاة عليه.
وقد اختلف في معنى قوله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] فقالت طائفة: هو الشراء على الحقيقة بالأثمان، بدليل ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن».
فالمعنى على هذا في قوله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] أي من يشتري ذات لهو الحديث، أو ذا لهو الحديث، فحذف ذا أو ذات وأقام اللهو مقامه، مثل قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] أي واسأل أهل القرية.
وقالت طائفة: معنى الآية ومن الناس من يختار لهو الحديث ويستحسنه ولعله ألا ينفق فيه مالا ولكن اشتراؤه استحسانه.
وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت الآية في النضر بن الحارث الداري كان يشتري من كتب أحاديث الأعاجم فارس والروم وصنيعهم، ويحدث قريشا فيستحلونها ويعجبهم ما يسمعون فيها فيلهون ويلهيهم بها.
وقال جماعة من أهل التفسير: إن الآية نزلت في أهل الكفر بدليل قوله فيها: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: 7] قالوا: فمعنى لهو الحديث الشرك، وهو كقوله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16] فمن ذهب إلى هذا رأى الغناء مكروها منهيا عنه غير محرم بالقرآن.
واختار أبو جعفر الطبري أن تحمل الآية على عمومها في كل ما كان ملهيا عن سبيل الله مما نهى الله عن استماعه أو رسوله، لأن الله عز وجل عم بقوله: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] ولم يخص بعضها دون بعض، فوجب أن يحمل على عمومه في الغناء والشرك حتى يأتي ما يدل على خصوصه.
وهذا الذي ذهب إليه أبو جعفر الطبري أولى ما قيل في تأويل الآية، لأنها وإن كانت نزلت فيما كان يفعله النضر بن الحارث فهي عامة تحتمل على عمومها، ولا يقتصر على ما كان سبب نزولها مما كان يفعله النضر بن
الحارث.
وقد دل على حملها على عمومها ما روي من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن».
وقد نزل على تصديق ذلك في كتاب الله تعالى يريد ما فهمه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عموم قوله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6].
وقوله في الحديث: لا يحل اشتراء المغنيات ولا بيعهن، معناه إذا اشتراهن المشتري لغنائهن أو باعهن البائع بزيادة على قيمتهن من أجل غنائهن.
وأما إذا اشتراهن للخدمة وما أشبهها ولم يزد في أثمانهن من أجل غنائهن فذلك جائز للبائع والمبتاع.
فإن اشتراهن للخدمة بأكثر من أثمانهن من أجل غنائهن فذلك حرام على البائع، مكروه للمبتاع؛ لأنه أضاع ماله وأعطاه في الباطل فأطعم البائع ما لا يحل له، فهو بذلك معين له على الإثم.
وقد قال الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وإن اشتراهن لغنائهن بقيمتهن دون غناء فذلك حرام على المبتاع جائز للبائع.
وظاهر قوله في الحديث أن الثمن كله محرم على البائع، وهو نص قول أصبغ.
والذي يحرم عليه منه إنما هو ما زاد على قيمتها من أجل غنائها، كمن باع خمرا وثوبا صفقة واحدة بدنانير، فلا يحرم عليه من الدنانير التي باعها بهما إلا ما ينوب الخمر منها.
فالمعنى في ذلك أن الحرام من ثمن المغنية لما كان مشاعا في جملتها لم يحل له أن يأكل منه قليلا ولا كثيرا حتى يخرج الحرام منه فيخلص له الحلال؛ لأنه إذا أكل منه شيئا فهو عليه حرام من أجل ما خالطه من الحرام وإن كان باقي الثمن عنده وفيه وفاء بجميع الحرام في التمثيل، كرجل سرق دينارا من مال بينه وبين شريكه فأكله فهو عليه حرام من أجل ما خالطه من حق شريكه حتى يتحلله منه أو يرده إليه.
وقد اختلف فيمن اشترى أمة فألفاها مغنية والغناء يزيد في قيمتها، هل ذلك عيب فيها يجب له به ردها أم لا على قولين.
والذي أقول به اتصال إن كانت جارية رفيعة للاتخاذ كان ذلك عيبا فيها يجب له به ردها لما يخاف المبتاع من أن يلحق
عار ذلك بولده، وإن كانت وخشا للخدمة لم يكن ذلك عيبا فيها، وهو قول مالك في رواية زياد عنه.
وبالله التوفيق ..
فصل
في معاملة من خالط ماله الحرام
وقبول هبته وأكل طعامه ووراثته عنه لا يخلو من خالط ماله الحرام بالربا وثمن الخمر والغلول وأثمان السلع المغتصبات وما أشبه ذلك مما لا اختلاف في حرامه، من أن يكون الغالب عليه الحلال، أو يكون الغالب عليه الحرام، أو يكون جميعه حراما: إما بأن يكون لا مال له حلال، وإما أن يكون قد ترتب في ذمته من الحرام ما يستغرق ما بيده من الحلال.
فأما إذا كان الغالب على ماله الحلال فأجاز ابن القاسم معاملته واستقراضه وقبض الدين منه وقبول هبته وأكل طعامه، وأبى من ذلك كله ابن وهب، وحرمه أصبغ على أصله في أن المال الذي خالطه شيء من الحرام حرام كله تلزم الصدقة بجميعه.
والقياس قول ابن القاسم، وقول ابن وهب استحسان، وقول أصبغ تشديد على غير قياس.
وأما إذا كان الغالب على ماله الحرام فمنع أصحابنا من معاملته وقبول هبته، قيل: على وجه الكراهة وهو مذهب ابن القاسم، وقيل: على وجه التحريم وهو مذهب أصبغ، إلا أن يبتاع سلعة حلالا فلا بأس أن يبتاع منه وأن يقبل منه هبة إن علم أنه قد بقي بيده ما بقي بما عليه من التباعات على القول بأن معاملته محظورة.
وأما إذا كان ماله كله حراما إما بأن لا يكون له مال حلال، وإما أن يكون
قد ترتب في ذمته من الحرام ما يستغرق ما بيده من الحلال، فاختلف في معاملته وقبول هبته وأكل طعامه على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك كله لا يجوز وإن كانت السلعة التي وهب أو الطعام الذي أطعم قد علم أنه اشتراه.
وأما إن علم أنه ورثه أو وهب له فيكون حكمه حكم ما اشتراه.
والثاني: أن معاملته ومبايعته تجوز في ذلك المال وفيما ابتاعه من السلع وفيما وهب له أو ورثه وإن كان عليه من التباعات ما يستغرقه إذا عامله بالقيمة ولم يحابه.
ولا تجوز هبته في شيء من ذلك ولا محاباته فيه.
والثالث: أن مبايعته لا تجوز في ذلك المال، فإن اشترى سلعة بذلك المال جاز أن يشترى منه وأن تقبل منه هبته.
وكذلك ما ورثه أو وهب له وإن كان ما عليه من التباعات قد استغرقه، روي هذا القول عن ابن سحنون وابن حبيب.
وكذلك هؤلاء العمال ما اشتروه في الأسواق فأهدوه لرجل طاب للمهدى له.
والرابع: أن مبايعته وقبول هبته وأكل طعامه يجوز في ذلك المال وفيما اشتراه أو وهب له أو ورثه وإن كان عليه من التباعات قد استغرقه.
فعلى هذا القول يجوز أن يورث عنه ذلك ويسوغ للوارث بالوراثة.
واختلف على القول بأن مبايعته في ذلك المال وقبول هبته وأكل طعامه لا تجوز هل يسوغ للوارث بالوراثة أم لا على قولين:
أحدهما: أن ذلك يسوغ له بالوراثة ولا يسوغ له بالهبة، وهو الذي ذهب إليه سحنون على ما وقع في نوازله من جامع العتبية.
والثاني: إنه لا يسوغ له بالميراث كما لا يسوغ له بالهبة، ويلزم الوارث من
التنحي من هذا المال والصدقة به ما كان يلزم الموروث.
وتوجيه الاختلاف في وجوه هذه المسألة يطول، وقد فرغنا من ذلك في مسألة مشخصة في هذا المعنى وما يتعلق به لمن سألني ذلك من المريدين وبالله سبحانه التوفيق.
فصل
في التحليل من الظلامات والتباعات
سئل مالك عن قول سعيد بن المسيب في فعله أنه كان لا يحلل أحدا، فقال: ذلك يختلف، فقلت له: الرجل يسلف الرجل الذهب فيهلك ولا وفاء له، قال: إنه يحلله فإنه أفضل عندي فإن الله يقول: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18] وليس كل ما قال يتبع عليه وإن كان له فضل.
قيل: فالرجل يظلم الرجل، قال: لا أرى ذلك، هو مخالف عندي للأول، يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: 42] وَيَقُولُ ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91] فلا أرى أن نجعل في حل من ظلم.
ومن أهل العلم من رأى التحليل من الظلامات والتباعات أفضل من ترك التحليل منها.
فوجه القول الأول أن التباعات والظلامات يستوفيها صاحبها يوم القيامة من حسنات من وجبت له عليه على ما جاء من أن الناس يقتصون من بعضهم يوم القيامة بالحسنات والسيئات، وهو في ذلك الوقت مفتقر إلى الزيادة في حسناته ونقصان سيئاته بما له من التباعات والظلامات التي حلل منها وهو لا يدري هل يوازي أجره في التحليل ما يجب له من الحسنات في الظلامات والتباعات أو يزيد عليها أو ينقص منها.
فكان الحظ له ألا يحلل منها.
ووجه القول الثاني أن التحليل إحسان للمحلل عظيم، وفضل يسديه إليه جسيم، يبتغي عليه المكافآت من الله عز وجل، وهو
تعالى أكرم من أن يكافئه بأقل مما وهب، فإنه تعالى يقول: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: 17] فهذا القول أظهر والله أعلم.
ووجه تفرقة مالك بين التباعات والظلاماست ما استدل به من قوله: إنما السبيل على الذين يظلمون الناس فرأى أن ترك تحليل الظالم للظالم عقابا له أمرا هو محمود عليه لما في ذلك من الإخافة والردع من أن يعود إلى مثله.
فأما في الدنيا فالعفو والصفح عن الظالم أولى من الانتصار منه بأخذ الحق منه في بدنه أو ماله لقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40] وقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: 43] ولا يعارض هذا قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: 39] لأن المدحة في ذلك وإن كانت متوجهة بهذه الآية لمن انتصر ممن بغى عليه بالحق الواجب ولم يتعد في انتصاره وكان مثابا على ذلك لما فيه من الردع والزجر، فهو في العفو والصفح أعظم ثوابا بدليل قوله بعد ذلك فمن عفا وأصلح فأجره على الله.
وقد قيل: إن الآية نزلت في الباغي المشرك.
ويحتمل أن يكون معنى الآية الانتصار مما فيه لله حد لا يجوز العفو عنه والله أعلم.
فصل
في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون عالما بالمعروف والمنكر؛ لأنه إن لم يكن عارفا بهما لم يصح له أمر ولا نهي، إذ لا يأمن أن ينهى عن معروف أو يأمر بمنكر.
والثاني: أن يأمن من أن يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكثر منه، مثل أن ينهى عن شرب الخمر خمر فيؤول نهيه عن ذلك إلى قتل نفس وما أشبه ذلك؛ لأنه إذا لم يأمن من ذلك لم يجز له أمر ولا نهي.
والثالث أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له، وأن أمره بالمعروف مؤثر فيه ونافع؛ لأنه إذا لم يعلم ذلك ولا غلب على ظنه لم يجب عليه أمر ولا نهي.
فالشرطان الأول والثاني مشترطان في الجواز، والشرط الثالث مشترط في الوجوب.
فإذا عدم الشرط الأول والثاني لم يجز أن يأمر ولا ينهى، وإذا عدم الشرط الثالث ووجد الشرطان الأول والثاني جاز له أن يأمر وينهى ولم يجب ذلك عليه، إلا أنه مستحب له وإن غلب على ظنه أنه لا يطيعه، إذ لعله سيطيعه، لا سيما إذا رفق به، فإن الله عز وجل يقول: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44] وقد روي أن رجلا من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقع بالشام وانهمك في الخمر، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فكتب إليه: ﴿حم - تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر: 1 - 2] ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: 3] فترك الرجل الخمر وتاب منها ونزع عنها.
وإذا رأى الرجل أحد أبويه على منكر من المناكر فليعظهما برفق وليقل لهما في ذلك قولا كريما كما أمره الله حيث يقول: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23] إلى قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].
والدليل على وجوب ذلك بالشرائط المذكورة قول الله عز وجل:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71] وقَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: 41] وقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليصرفن الله قلوب بعضكم عن بعض ويلعنكم كما لعن بني إسرائيل كانوا إذا عمل العاقل منهم بالخطيئة نهاهم الناهي تعزيرا فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه وكأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم صرف قلوب بعضهم عن بعض ولعنهم على لسان نبيهم داوود وعيسى ابن مريم - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: 61]».
فإذا كثرت المناكير في الطرقات من حمل الخمر فيها ومشي الرجال مع النساء الشواب يحادثونهن وما أشبه ذلك من المناكير الظاهرة وجب على الإمام تغييرها جهده بأن يولي من يجعل إليه تفقد ذلك والقيام به.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ولكن إذا عمل المنكر جهارا استحقوا العقوبة كلهم».
ويستحب لمن دعاه الإمام إلى ذلك أن يجيبه إليه إذا علم أن به قوة عليه لما في ذلك من التعاون على فعل الخير.
قال الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
ومن مر به شيء من ذلك أو اعترضه في طريقه وجب عليه أن ينكره على الشرائط الثلاثة المذكورة، فإن لم يقدر على ذلك بيده ولا بلسانه أنكره بقلبه.
وقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]