كتاب الصلاة الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- المقدمات الممهدات
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: الدكتور محمد حجي
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
القول في صلاة الجمعة
قصد الجمعة وشهودها فرض على الأعيان.
قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ترك صلاة الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه بطابع النفاق».
فلا يجوز التخلف عنها إلا لعذر أو علة كما ذكر في الحديث.
والأعذار في ذلك منقسمة على ثلاثة أقسام: منها ما يباح التخلف عنها بسببه باتفاق، كالمرض والشغل بجنازة ميت لينظر في أمره على ما في سماع ابن القاسم.
ومعنى ذلك إذا لم يجد من يكفنه وخشي عليه التغير إن أخر ذلك إلى أن يصلي الجمعة، أو يكون في الموت يجود بنفسه، قاله في السماع المذكور وحكاه ابن حبيب عن مالك.
وقال في الأعمى الذي لا قائد له: إن الجمعة ساقطة عنه.
ومنها ما يباح على اختلاف كالجذمى لما على الناس من الضرر في مخالطتهم في المسجد الجامع، والمطر، وعندي أن قولهم في المطر ليس باختلاف قول، وإنما ذلك على قدر حال المطر، والله تعالى أعلم.
وفي تخلف العروس عنها اختلاف ضعيف.
ومنها ما لا يباح باتفاق مثل المدين يخشى أن يقوم عليه غرماؤه فيسجنوه، وما أشبه ذلك.
فصل
وصلاة الجمعة على من تجب عليه الجمعة بدل من صلاة الظهر، وتجزئ من لا تجب عليه من صلاة الظهر.
فوقتها وقت صلاة الظهر، قيل: إلى الاصفرار وقيل: إلى أن يبقى بعد إقامتها قدر أربع ركعات للعصر قبل الغروب، وقيل: إلى أن يبقى من الوقت ركعة لصلاة العصر.
وقيل: وقتها إلى الغروب وإن لم تصل العصر إلا بعد غروب الشمس.
فصل
وقد اختلف متى يتعين الإقبال إليها، فقيل: إذا زالت الشمس، وقيل: إذا أذن المؤذن.
والاختلاف في هذا إنما هو على اختلافهم في وجوب شهود الخطبة، فمن أوجب شهود الخطبة على الأعيان أوجب على الرجل الإتيان من أول الزوال ليدركها، ومن لم يوجب شهود الخطبة على الأعيان لم يوجب على الرجل الإتيان إلا بالأذان؛ لأنه معلوم أنه إذا لم يأت حتى أذن المؤذن أنه ستفوته الخطبة أو بعضها.
فصل وهذا لمن قرب موضعه من الجمعة وأما من بعد موضعه ولا يدرك الخطبة أو الصلاة إلا بالإتيان إليها قبل الزوال فيلزمه الإتيان في الوقت الذي يغلب على ظنه أنه يدرك الخطبة والصلاة على الاختلاف في ذلك.
فصل
وحد البعد الذي يلزمه منه الإتيان إلى الجمعة فرسخ، وهو ثلاثة أميال.
قال في المدونة: وإن كانت زيادة يسيرة فأرى ذلك عليه.
وقال في رواية أشهب: ثلاثة أميال فدون.
وقال في رواية علي بن زياد عن مالك: [ثلاثة أميال]؛ لأن ذلك
منتهى صوت المؤذن.
وقال في رواية أشهب عنه: لأن ذلك منتهى أبعد العوالي إلى المدينة، ولم يعلم أن من كان أبعد من العوالي أتوا إلى الجمعة ولا لزمهم الإتيان.
فصل
وهذا الحد لمن كان خارج المصر وأما من كان في المصر فيتعين عليه الإتيان إلى الجمعة وإن كان بينه وبين المسجد الجامع ثلاثة أميال أو أكثر، كذا روى ابن أبي أويس عن مالك وابن وهب أيضا، وهو عندي تفسير للمذهب.
فصل
وللجمعة شرائط لا تجب إلا بها وتصح دونها، وشرائط لا تجب إلا بها ولا تصح دونها، وفرائض لا تصح إلا بها، وسنن وفضائل لا تكمل إلا بها.
فأما الشرائط التي لا تجب إلا بها وتصح دونها فهي ثلاث: الذكورية، والحرية، والإقامة.
لأن العبد والمسافر والمرأة لا تجب عليهم الجمعة ولهم أن يصلوها.
وأما الشرائط التي لا تجب الجمعة إلا بها ولا تصح دونها فهي ثلاثة أيضا: الإمام، والجماعة، وموضع الاستيطان، قرية كانت أو مصرا على مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وقد قيل في الإمام والجماعة: إنهما من شرائط الصحة كالوضوء والنية والتوجه إلى القبلة وما أشبه ذلك، وقيل: إنهما من شرائط الوجوب.
ولا يصح أن يقال فيهما: إنهما من شرائط الوجوب دون الصحة ولا من شرائط الصحة دون الوجوب، وإنما الصحيح أن يقال فيهما: إنهما من شرائط الوجوب والصحة جميعا، إذ قد يعدمان ولا يمكن وجودهما، فهما من شرائط الوجوب إذا عدما، ومن شرائط الصحة إذا وجدا.
وبيان هذا أن القوم متى لم تكن لهم جماعة تصح بهم الجمعة أو لم يكن معهم إمام يحسن إقامة الجمعة بهم سقط عنهم فرض الجمعة، ومتى كانت لهم جماعة تصح بهم الجمعة وإمام يحسن إقامة الجمعة بهم وجبت عليهم إقامة الجمعة بالجماعة والإمام، فإن أخلوا بهما أو بأحدهما لم تجزئهم الجمعة
ووجبت عليهم إعادتها في الوقت وظهرا بعد الوقت.
وكذلك موضع الاستيطان على تأويل ما، والأظهر فيه أنه شرط في الوجوب خاصة.
فصل
وأما المسجد فقيل فيه: إنه من شرائط الوجوب والصحة جميعا كالإمام والجماعة، وهذا على قول من يرى أنه لا يكون مسجدا إلا ما كان بيتا وله سقف، بدليل قول الله عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من بنى مسجدا ولو مفحص قطاة» الحديث، إذ قد يعدم مسجد يكون على هذه الصفة وقد يوجد، فإذا عدم كان من شرائط الوجوب، وإذا وجد كان من شرائط الصحة.
وعلى قياس هذا القول أفتى القاضي أبو الوليد الباجي في أهل قرية انهدم مسجدهم وبقي لا سقف له فحضرت الجمعة قبل أن يبنوه أنه لا يصح لهم أن يجمعوا الجمعة فيه، ويصلون ظهرا أربعا.
وهو بعيد؛ لأن المسجد إذا حصل مسجدا لا يعود غير مسجد إذا انهدم، بل يبقى على ما كان عليه من التسمية والحكم، وإن كان لا يصح أن يسمى الموضع الذي يتخذ لبناء المسجد مسجدا قبل أن يبنى وهو فضاء.
وقيل فيه، أعني المسجد،: إنه من شرائط الصحة دون الوجوب، وهذا على قول من يقول إن المكان من الفضاء يكون مسجدا ويسمى مسجدا بتعيينه وتحبيسه للصلاة فيه، واعتقاد اتخاذه للصلاة موضعا لها، إذ لا يعدم موضع يصح أن يتخذ مسجدا.
فلما كان لا يعدم ويقدر عليه في كل حال صار من شرائط الصحة كالخطبة وكسائر فرائض الصلاة فهذا وجه هذا القول.
ولا يصح أن يقول أحد في المسجد إنه ليس من شرائط الصحة، إذ لا اختلاف في أنه لا يصح أن تقام الجمعة في غير مسجد.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يصح أن تقام إلا في الجامع، وإلى هذا ذهب الباجي فقال: إنه لو منع عذر من إقامتها في
المسجد الجامع لم تصح إقامتها فيما سواه من المساجد، إلا أن تنقل الجمعة إليه على التأبيد.
وهو بعيد؛ لأنه مسجد، وصلاة الجمعة فيه جائزة إذا تعذرت إقامتها بالمسجد الجامع وإن لم تنقل الجمعة إليه على التأبيد.
وقد أقيمت الجمعة بقرطبة في مسجد أبي عثمان بالربض الغربي، ولا أرى ذلك كان إلا لعذر منع من إقامتها في المسجد الجامع دون أن تنقل الجمعة إليه على التأبيد، والعلماء متوافرون ولو نقل الإمام الجمعة في جمعة من الجمع من المسجد الجامع إلى مسجد من المساجد من غير عذر لكانت الصلاة مجزئة.
فإن قال قائل: لو جاز أن تصلى الجمعة في غير المسجد الجامع من غير أن تنقل إليه الجمعة على التأبيد لجاز لمن رعف مع الإمام في صلاة الجمعة أن يتم صلاته في أقرب المساجد إليه حيث يغسل الدم عنه وقد قالوا: إنه لا يتم صلاته إلا في المسجد الجامع.
فالجواب عن ذلك أن من أصحابنا من قال: يتم صلاته في أقرب المساجد إليه إلا أن يعلم أنه يدرك من صلاة الإمام شيئا فيرجع إلى المسجد الجامع ليتم صلاته مع الإمام، فعلى هذا القول لا يلزمنا هذا السؤال.
ومن أوجب عليه الرجوع إلى المسجد الجامع وإن لم يدرك من الصلاة مع الإمام شيئا فالمعنى عنده إنما هو الرجوع إلى المسجد الذي ابتدأ فيه الصلاة مع الإمام لابتدائه معه الصلاة فيه لا لأنه المسجد الجامع، والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل
وأما الخطبة فإنما هي شرط في صحة الجمعة، وذهب ابن الماجشون إلى أنها سنة.
والدليل على وجوبها قول الله عز وجل: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: 11]، ومن شرطها أن تكون قبل الصلاة.
واختلف هل من شرطها الجماعة أم لا، وظاهر المدونة من شرطها الجماعة.
واختلف أيضا هل من شرط صحة الصلاة استدامة الجماعة من أول الصلاة إلى آخرها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك من شروط
صحتها وأن الناس لو انفضوا عنه قبل السلام من الصلاة حتى لم يبق معه إلا النساء والعبيد ومن لا عدد له من الرجال لبطلت الصلاة.
والثاني: أن الصلاة جائزة إن لم ينفضوا عنه حتى صلى ركعة، قياسا على من أدرك ركعة من صلاة الإمام أنه يقضي ركعة واحدة وتكون له جمعة.
والثالث: أنه إذا أحرم بالجماعة
فصل
اته الجمعة جائزة وإن انفضوا عنه قبل ركعة.
والقول الأول أظهر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وظاهر ما في المدونة أنه أجاز إتمام الصلاة إذا انفض الناس عنه بعد الإحرام بعدد لا تجوز إقامة الجمعة بهم، وأراه ذهب في ذلك إلى ما روي في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: 11] من أنه لم يبق مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حينئذ إلا اثنا عشر رجلا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل
وكل ما يشترط في وجوب الصلوات الخمس من البلوغ والعقل وارتفاع دم الحيض والنفاس ودخول الوقت والإسلام على القول بأن الكفار ليسوا مخاطبين بشرائع الإسلام، فهو مشترط أيضا في وجوب صلاة الجمعة.
وقد بينا ما يختص به وجوب صلاة الجمعة من الشرائط.
وكل ما يشترط في صحة ما عدا الجمعة من الصلوات من النية والإحرام والتوجه إلى القبلة وما أشبه ذلك، فهو يشترط في صحة صلاة الجمعة أيضا، وهو فرائضها التي لا تصح إلا بها.
وكل ما هو سنة وفضيلة فيما عدا الجمعة من الصلوات فهو سنة في صلاة الجمعة وفضيلة فيها.
وتختص الجمعة بسنن وفضائل تنفرد بها دون سائر الصلوات، منها الغسل، والطيب، والإنصات، وتعجيل الرواح، وترك التخطي، وما أشبه ذلك مما هو مذكور في أمهات الكتب، وبالله التوفيق لا شريك له.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله وسلم عونك اللهم لا شريك لك