المدخل لابن الحاجصفحات 166-205
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصَلِّ المرتبة الثَّالِثَةُ فِي ذِكْر بَعْض مَوَاسِم أَهْل الْكتاب

صفحات 166-205
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الحاج
الكتاب
المدخل
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج (المتوفى: 737هـ)
الناشر
دار التراث
الطبعة
بدون طبعة وبدون تاريخ
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يَحْصُلُ لَهُ الْبَرَكَةُ، وَفَرَاغُ السِّرِّ، وَقَدْ يَجِدُ السَّبِيلَ إلَى الْمُطَالَعَةِ وَالدَّرْسِ، وَهُوَ فِي دُكَّانِهِ بِخِلَافِ حَالِهِ مَعَ كَثْرَةِ الْأَشْغَالِ الْمَكْرُوهَةِ شَرْعًا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَمْتَحِقُ مِنْهَا، وَيَتَعَوَّقُ بِهَا عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَأَزْكَاهَا، وَأَبْرَكُهَا فَلْيَشُدَّ عَلَى ذَلِكَ يَدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ أَبَرْكُ مِمَّا هُوَ فِيهِ أَلَا تَرَى إلَى مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي خَرَّجَهُ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ، وَصَحَّحَهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي فَضْلِ الْعِلْمِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى حَامِلِهِ، وَبَرَكَتِهِ، وَالتَّنْوِيهِ بِقَدْرِهِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ يَرْفَعُهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ حَسَنَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ» ؛ لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، وَمَنَارُ سَبِيلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالْأُنْسُ فِي الْوَحْشَةِ، وَالصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ، وَالْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ، وَالْمُعِينُ عَلَى الضَّرَّاءِ، وَالسِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَالزَّيْنُ عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً تُقْتَفَى آثَارُهُمْ، وَيُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِمْ، وَيُنْتَهَى إلَى رَأْيِهِمْ تَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خُلَّتِهِمْ، وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ وَهَوَامُّهُ، وَسِبَاعُ الطَّيْرِ، وَأَنْعَامُهُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنْ الْجَهْلِ، وَمِصْبَاحُ الْأَبْصَارِ مِنْ الظُّلْمَةِ بِالْعِلْمِ تُبْلَغُ مَنَازِلُ الْأَخْيَارِ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيَامَ، وَمُدَارَسَتُهُ الْقِيَامَ، وَبِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَيُعْرَفُ الْحَلَالُ، وَالْحَرَامُ الْعِلْمُ إمَامٌ، وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ، وَيُحْرَمُهُ الْأَشْقِيَاءُ.

[فَصْلٌ فِي آدَابِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ فِي بَيْتِهِ مَعَ أَهْلِهِ]

ِ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمَا قُدْوَةٌ لِلْمُقْتَدِي، فَإِذَا فَعَلَتْ زَوْجَةُ أَحَدِهِمَا شَيْئًا نُسِبَ ذَلِكَ لِلشَّرْعِ، وَصَارَ حُجَّةً فِي الدِّينِ غَالِبًا، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى تَصَرُّفِ أَهْلِهِ كَمَا يَتَحَفَّظُ عَلَى تَصَرُّفِهِ فِي نَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

أَنَّهُ قَالَ: «النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» ) يَعْنِي فِي امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ، وَالنَّوَاهِي، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي النُّعُوتِ مِنْ الذَّمِّ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، وَمَا فِي قِيَامِ الرِّجَالِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنْ الذَّمِّ، وَقِيَامُ الْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ أَشْنَعُ إذْ أَنَّهَا عَوْرَةٌ، وَحَرَكَتُهَا زِيَادَةٌ فِي ظُهُورِ الْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّ فِي قِيَامِهَا يُرَى مِنْهَا مَا لَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى رُؤْيَتِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ الْقِيَامَ فِي حَقِّهَا أَشَدُّ مِنْ قِيَامِ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا لَهُ إلَّا فِيمَا اُسْتُثْنِيَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يُفَاحِشَهَا، وَقَدْ مَنَعَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْعَالِمِ، وَالْمُتَعَلِّمِ فَكَيْفَ بِهِ فِي حَقِّهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا قُدْوَةٌ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ انْتَهَى.
وَلَهُ فِي الِانْبِسَاطِ بِمَا يَجُوزُ شَرْعًا اتِّسَاعٌ فَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى غَيْرِهِ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ تَتَزَيَّنَ زَوْجَتُهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي غَيْرِ مَا أُبِيحَ لَهَا، إذْ أَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا أَجَازَ لَهُنَّ لِبَاسَ الْحَرِيرِ، وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ عَلَى أَبْدَانِهِنَّ، إذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا تَتَّخِذُ الْمُكْحُلَةَ، أَوْ الْمِيلَ، أَوْ الْمِرْآةَ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ؛ إذْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِزِينَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَكَذَلِكَ يَمْنَعُهَا مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ شَعِيرَةٌ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا تَدْخُلُ عَلَى زَوْجِهَا فِي الْغَالِبِ إلَّا بِثَلَاثِ دِكَكٍ دِكَّةِ فِضَّةٍ، وَدِكَّتَيْ نُحَاسٍ أَبْيَضَ وَأَصْفَرَ، وَهَذَا لَا قَائِلَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَعْنِي مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِضَّةً إذْ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي اتِّخَاذِ الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ لِلْمَرْأَةِ لَكِنَّهُ قَوْلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ آثِمٌ فِي فِعْلِهِ، وَادِّخَارِهِ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ تَمْضِي عَلَيْهِ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ الْوَلِيِّ أَنْ يَمْنَعَ مَا أَحْدَثَهُ النِّسَاءُ مِنْ تَزْيِينِهِنَّ لِلْحَوَاجِبِ بِمَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، سِيَّمَا إنْ كَانَ نَجِسًا إذْ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا النَّقْشُ، وَالتَّكْتِيبُ فَلَا شَكَّ فِي مَنْعِهِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ، وَحَائِلٌ، وَيَزِيدُ عَلَى مَا ذُكِرَ بِكَشْفِ الْعَوْرَةِ لِأَجْلِهِ إذْ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّهَا، وَاخْتُلِفَ فِي حَالِهَا مَعَ النِّسَاءِ مِثْلِهَا مِنْ الْمُسْلِمَاتِ فَقِيلَ:

كَالرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَقِيلَ: كَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، وَفِيهِ مِنْ التَّشْوِيهِ أَعْنِي فِي النَّقْشِ وَالتَّكْتِيبِ، أَنَّهُنَّ يُغَيِّرْنَ بِهِ الْبَدَنَ، وَيُكْسِبُهُ ذَلِكَ خُشُونَةً، وَذَلِكَ مِمَّا يُنَغِّصُ عَلَى الرَّجُلِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ، وَقَدْ يَئُولُ ذَلِكَ إلَى وُقُوعِ الْبَغْضَاءِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ غَفَلَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ نَفْسِهَا قَلِيلًا بَقِيَ بَدَنُهَا كَأَنَّهُ ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ.
وَالْغَالِبُ أَنَّ بَدَنَهَا يُدْمِي فَتَزِيدُ النَّجَاسَةُ، وَيَكْثُرُ ضِدُّ مُرَادِ صَاحِبِ الشَّرْعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّبَاعُدِ عَنْهَا، وَأَمَّا هِيَ فَالْغَالِبُ أَنَّهَا تُقَاسِي مِنْ ذَلِكَ شِدَّةً حَتَّى تَبْرَأَ، فَإِذَا بَرِئَتْ بَقِيَ أَثَرُهُ فِي بَدَنِهَا حُفَرًا حُفَرًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُسْتَوِيًا صَحِيحًا سَالِمًا مِنْ الْعُيُوبِ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي اتَّخَذَهَا بَعْضُ النِّسَاءِ فِي الْغَالِبِ، وَهِيَ أَنَّهَا إذَا أَرَادَتْ الْخُرُوجَ لَبِسَتْ أَحْسَنَ ثِيَابِهَا، وَتَزَيَّنَتْ، وَتَعَطَّرَتْ، وَلَبِسَتْ مِنْ الْحُلِيِّ مَا قَدَرَتْ عَلَيْهِ مِنْ سِوَارٍ، وَخَلْخَالٍ، وَتُضِيفُ إلَى ذَلِكَ فِعْلًا قَبِيحًا شَنِيعًا، وَهُوَ أَنْ تَجْعَلَ الْخَلْخَالَ فَوْقَ السَّرَاوِيلِ لِكَيْ يَظْهَرَ، وَقَدْ تَضْرِبُ بِرِجْلِهَا فِي الْغَالِبِ فَيُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ.
وَهَذَا خِلَافُ مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] ، وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلْنَهُ مِنْ لُبْسِ هَذَا الْإِزَارِ الرَّفِيعِ الَّذِي لَوْ عُمِلَ عَلَى عُودٍ لَأَفْتَنَ بَعْضَ الرِّجَالِ فِي الْغَالِبِ لِحُسْنِ مَنْظَرِهِ، وَصِقَالَتِهِ، وَرِقَّةِ قُمَاشِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَتْ الْخُرُوجَ أَنْ تَلْبَسَ حَشَفَ ثِيَابِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهَا أَنْ تَجُرَّ مِرْطَهَا خَلْفَهَا نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ إلَى ذِرَاعٍ، وَأَنْ تَمْشِيَ مَعَ الْجُدْرَانِ، وَتَتْرُكَ وَسَطَ الطَّرِيقِ، وَهَذَا فِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْعَالِمِ، وَالْمُتَعَلِّمِ فَيَجِلُّ حَالُهُمَا أَنْ يَرْضَيَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمَا قُدْوَةٌ لِلْمُقْتَدِينَ فَإِذَا رَأَى أَحَدٌ زَوْجَةَ الْعَالِمِ، أَوْ الْمُتَعَلِّمِ تَعْمَلُ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ يَنْسُبُ ذَلِكَ إلَى الشَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذِهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، فَكَيْفَ تُنْسَبُ إلَى مَنْ لَهُ عِلْمٌ مَعَاذَ اللَّهِ؟ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا ثَلَاثُ خَرْجَاتٍ فَإِنْ كَانَ، وَلَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثِ فَلْيَكُنْ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ لِسَانِ الشَّرْعِ

فِي ذَلِكَ.
وَيُعَلِّمُهَا السُّنَّةَ فِي الْخُرُوجِ، وَفِي الْإِقَامَةِ فِي بَيْتِهَا إذْ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي بَيْتِهَا فَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَفْعَلَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا تَفْعَلُهُ فِي خُرُوجِهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ» ، وَمِنْ حُسْنِ التَّبَعُّلِ التَّزَيُّنُ وَالتَّحَلِّي، وَالتَّعَطُّرُ فِي بَيْتِهَا لِزَوْجِهَا مَعَ حُسْنِ الْخُلُقِ وَالتَّأَنِّي لَهُ، وَلَهَا فِي ذَلِكَ أُسْوَةٌ بِالسَّلَفِ، وَالْخَلَفِ الْمَاضِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -. وَكَذَلِكَ يُحْذَرُ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي اعْتَادَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَنَامُونَ فِي ثِيَابِهِمْ، وَالسُّنَّةُ الْفِرَاشُ، وَالتَّجْرِيدُ مِنْ الثِّيَابِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْأَرْبَعِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّجْرِيدِ وَالْفِرَاشِ، وَفِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّهَا قَامَتْ مِنْ فِرَاشِهَا قَالَتْ: فَجَعَلْت دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْت، وَتَقَنَّعْت إزَارِي إلَى أَنْ قَالَ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَتَانِي حِينَ رَأَيْت فَنَادَانِي فَأَخْفَيْته مِنْك، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْك، وَقَدْ وَضَعْت ثِيَابَك» ، وَلْيُحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الْأُخْرَى الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُهُمْ، وَهِيَ قَبِيحَةٌ مُسْتَهْجَنَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الزَّوْجَةَ إذَا جَاءَتْ إلَى الْفِرَاشِ تَأْخُذُ شَيْئًا يُعْطِيهِ لَهَا زَوْجُهَا فِي الْغَالِبِ غَيْرَ نَفَقَتِهَا بِحَسْبِ حَالِهِ، وَحَالِهَا لِحَقِّ الْفِرَاشِ عَلَى مَا يَزْعُمْنَ، وَهَذَا مُنْكَرٌ بَيِّنٌ، وَقَدْ وَقَعَ بِمَدِينَةِ فَاسَ أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا دَخَلَ عَلَى زَوْجَتِهِ يُعْطِي فِضَّةً عِنْدَ حَلِّ السَّرَاوِيلِ فَبَلَغَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءَ فَقَالُوا: هُوَ شَبِيهٌ بِالزِّنَا، وَمَنَعُوهُ، وَهَذَا إنَّمَا كَانَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ فَمَا بَالُك بِهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، وَلْيُحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الْأُخْرَى بَلْ الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ يَغْفُلُ عَنْ زَوْجَتِهِ فِي الْغَالِبِ، وَلَا يَسْأَلُهَا عَنْ صَلَاتِهَا، وَلَا عَمَّا يَلْزَمُهَا فِي الشَّرْعِ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» ، فَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ صَلَاتِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ حِكَايَةُ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَعَ أَهْلِهِ، وَالْغَالِبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ: أَنَّ الرَّجُلَ يُرَاعِي حَقَّ نَفْسِهِ إذَا كَانَتْ لَهُ عِنَايَةٌ بِدِينِهِ فَيَطَأُ، وَيَخْرُجُ إلَى الْحَمَّامِ، وَيَتْرُكُ أَهْلَهُ، وَهُنَّ جُنُبٌ، وَلَيْسَ عِنْدَهُنَّ مَوْضِعٌ لِلْغُسْلِ، وَلَا آلَةٌ تُعِينُ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَسْتَحِي بَعْضُهُنَّ، وَهُوَ

الْغَالِبُ أَنْ يَخْرُجْنَ إلَى الْحَمَّامِ فِي كُلِّ أَوَانٍ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ بَرِيءُ الذِّمَّةِ مِنْ جِهَةِ أَهْلِهِ فِي تَرْكِهِنَّ الصَّلَاةَ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَمَرَهُنَّ بِهَا فَأَمْرٌ مُطْلَقٌ إذْ لَا يُفَكِّرُ لَهُنَّ فِي تَحْصِيلِ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ تَلْحَقُهُنَّ، وَالْغَالِبُ أَنَّ تَرْكَ صَلَاةِ الزَّوْجَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَتِهِ لَا مِنْ جِهَتِهَا، وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي الْغَالِبِ أَعْنِي الْغَفْلَةَ عَنْهَا، وَإِيثَارَهَا لِتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهَا فِي الْبَيْتِ مَا يُمْكِنُهَا الْغُسْلُ فِيهِ لَكِنْ تَسْتَحِي مِنْ الْعَائِلَةِ الَّتِي فِي الْبَيْتِ أَنْ تَغْتَسِلَ، وَهُمْ يَشْعُرُونَ بِهَا فَتَتْرُكَ الصَّلَاةَ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَلَا حَيَاءَ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا هِيَ عَوَائِدُ جَرَتْ، وَاسْتَحْكَمَتْ، وَصَارَ يُسْتَحَى فِي الْغَالِبِ مِنْ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، وَلَا يُسْتَحَى مِنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ، عَافَانَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
وَالْعَجَبُ مِنْ أَكْثَرِهِمْ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَشْتَرِي الدَّارَ بِالْأَلْفِ، أَوْ يَبْنِيهَا ابْتِدَاءً ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِي طَسْتٍ، وَلَا يَعْمَلُ مَوْضِعًا لِلْوُضُوءِ فَضْلًا عَنْ مَوْضِعِ الْغُسْلِ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَجْلِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ الْمُسْتَهْجَنَةِ الْقَبِيحَةِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَا فِكْرَةَ لَهُمْ فِي الْغَالِبِ إلَّا فِي صَلَاحِ دُنْيَاهُمْ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَلَا يُفَكِّرُونَ فِيهِ حَتَّى يَفْجَأَهُمْ إنْ كَانُوا مُتَّقِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَإِنْ أَصَابَتْ الْجَنَابَةُ بَعْضَ الْمُتَحَفِّظِينَ مِنْهُمْ عَلَى دِينِهِ خَرَجَ إلَى الْحَمَّامِ، وَتَرَكَ أَهْلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي الْحَمَّامِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَشْيَاءُ مُتَعَدِّدَةٌ.
وَكَذَلِكَ تَجِدُ بَعْضَهُمْ يُعْطِي فِي صَدَاقِ الْمَرْأَةِ الْمِئِينَ، أَوْ الْآلَافَ، وَلَا يُعِدُّ مَوْضِعًا لِلْغُسْلِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُسَاعِدُهُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُمْ اصْطَلَحُوا عَلَى فِعْلِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُتْرَكُ الصَّلَاةُ لِأَجْلِهَا، وَالصَّلَاةُ لَا تَسْقُطُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَا جَرَمَ أَنَّ التَّوْفِيقَ بَيْنَهُمَا قَلَّ أَنْ يَقَعَ، وَإِنْ دَامَتْ الْأُلْفَةُ بَيْنَهُمَا فَعَلَى دَخَنٍ، وَإِنْ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا مَوْلُودٌ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِ إنْ نَشَأَ الْعُقُوقُ، وَارْتِكَابُ مَا لَا يَنْبَغِي كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَرْكِ مُرَاعَاةِ مَا يَجِبُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُمَا مَعًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ طَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي

أَنْ يَجْعَلَ لَهَا زَوْجُهَا مَوْضِعًا لِلْغُسْلِ لَحَكَمَ لَهَا بِذَلِكَ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا أَنْ سُئِلَ عَنْ الْغُسْلِ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ فَقِيلَ لَهُ: أَيُّمَا أَحَبُّ إلَيْك الْغُسْلُ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ، أَوْ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ؟ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا دُخُولُ الْحَمَّامِ بِصَوَابٍ، فَكَيْفَ يُغْتَسَلُ مِنْ مَائِهِ فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ غُسْلَهُمْ كَانَ فِي بُيُوتِهِمْ، بَلْ إنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ الْحَمَّامَ أَلَا تَرَى إلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا: الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلُهَا الرِّجَالُ إلَّا بِإِزَارٍ، وَامْنَعُوا مِنْهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً، أَوْ نُفَسَاءَ» ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنْ دُخُولِ الْحَمَّامِ قَالَتْ: ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهُ بِالْمِئْزَرِ» ، وَقَالَ: (دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ نِسْوَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَتْ: لَعَلَّكُنَّ مِنْ الْكُورَةِ الَّتِي يَدْخُلُ نِسَاؤُهَا الْحَمَّامَاتِ قُلْنَ: نَعَمْ قَالَتْ: أَمَا إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَا مِنْ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إلَّا هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حِجَابٍ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إزَارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُدْخِلُ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسُ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ» ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَثِيرًا مَا يُحَافِظُ عَلَى مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ إذَا عَزَمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْمُعْتَقِدِينَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ سَأَلَهُ هَلْ عِنْدَك حَمَّامٌ فِي بَيْتِك أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ مَضَى إلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: لَا امْتَنَعَ مِنْ الْمُضِيِّ إلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى تَيْسِيرِ الطَّهَارَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ عَرَفَهُ فِي الْغَالِبِ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْقُرَشِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا يَسَّرَ عَلَيْهِ أَسْبَابَ الطَّهَارَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ

كَانَ فِي بَيْتِهِ مَوْضِعٌ لِلْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فَقَدْ تَيَسَّرَتْ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ التَّيْسِيرِ لَهَا

[فَصْلٌ فِي دُخُولِ الْمَرْأَةِ الْحَمَّامَ]

َ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْذَنَ لِزَوْجَتِهِ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الدِّينِيَّةِ، وَالْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ؛ لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ هَلْ حُكْمُهَا حُكْمُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ؟ أَوْ حُكْمُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، أَوْ حُكْمُ الرَّجُلِ مَعَ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ، وَهُنَّ قَدْ تَرَكْنَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَخَرَقْنَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ بِدُخُولِهِنَّ الْحَمَّامَاتِ بَادِيَاتِ الْعَوْرَاتِ، وَإِنْ قَدَّرْنَا أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُنَّ سَتَرَتْ مِنْ سُرَّتِهَا إلَى رُكْبَتِهَا عِبْنَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَأَسْمَعْنَهَا مِنْ الْكَلَامِ مَا لَا يَنْبَغِي حَتَّى تُزِيلَ السُّتْرَةَ عَنْهَا، ثُمَّ يَنْضَافَ إلَى ذَلِكَ مُحَرَّمٌ آخَرُ: هُوَ أَنَّ الْيَهُودِيَّةَ، وَالنَّصْرَانِيَّة لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَرَى بَدَنَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ، وَهُنَّ يَجْتَمِعْنَ فِي الْحَمَّامَاتِ مُسْلِمَاتٍ، وَنَصْرَانِيَّاتٍ، وَيَهُودِيَّاتٍ فَيَكْشِفُ بَعْضُهُنَّ عَلَى عَوْرَاتِ بَعْضٍ، فَكَيْفَ يَأْذَنُ أَحَدٌ أَهْلَهُ فِي دُخُولِهَا، فَإِنْ قَالَ: إنَّهُ يَأْخُذُ لِأَهْلِهِ الْخَلْوَةَ فَمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَفَاسِدِ لَا تُذْهِبُهُ الْخَلْوَةُ إذْ أَنَّهُنَّ حِينَ الدُّخُولِ فِيهَا، وَالْخُرُوجِ مِنْهَا، وَالْجُلُوسِ فِي الْمَقْطَعِ يَكْشِفْنَ عَلَى عَوْرَاتِ غَيْرِهِنَّ، وَيُكْشَفُ عَلَيْهِنَّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْخَلْوَةُ خَارِجَةً عَنْ الْحَمَّامِ، فَكَأَنَّهَا حَمَّامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، فَهَذَا جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنْ دَخَلَ يَسْتَتِرُ السُّتْرَةَ الشَّرْعِيَّةَ.
وَلَا يُمَكِّنُ الْبَلَّانَةَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى أَهْلِهِ، وَهِيَ مُنْكَشِفَةٌ حَتَّى تَسْتَتِرَ السُّتْرَةَ الشَّرْعِيَّةَ، فَهَذَا لِلضَّرُورَةِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْلَى لِأَهْلِهِ الْحَمَّامَ بِلَيْلٍ، وَاسْتَتَرْنَ، فَلَا بَأْسَ إذَنْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَلْوَةِ، لَكِنْ لَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا، إذْ أَنَّ الْغُسْلَ فِي الْبَيْتِ فِيهِ سَتْرٌ حَصِينٌ، وَسَدٌّ لَبَاب الذَّرِيعَةِ إلَى الْمَفَاسِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ إذَا أَرَادَتْ الْحَمَّامَ اسْتَصْحَبَتْ مَعَهَا

أَفْخَرَ ثِيَابِهَا، وَأَنْفَسَ حُلِيِّهَا فَتَلْبَسُهُ حِينَ فَرَاغِهَا مِنْ الْغُسْلِ فِي الْحَمَّامِ حَتَّى يَرَاهَا غَيْرُهَا فَتَقَعُ بِذَلِكَ الْمُفَاخَرَةُ، وَالْمُبَاهَاةُ، وَقَلَّ أَنْ تَقْنَعَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَرَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ زَوْجِهَا إلَّا بِمِثْلِ ذَلِكَ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لِزَوْجِهَا قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَتَنْشَأُ الْمَفَاسِدُ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْفِرَاقِ، أَوْ الْإِقَامَةِ عَلَى شَنَآنٍ بَيْنَهُمَا لِطُولِ الْمُدَّةِ.
هَذَا حَالُ غَالِبِهِنَّ، وَذَلِكَ ضِدُّ مَقْصُودِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فِي الْأُلْفَةِ، وَالْوُدِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21] ، وَفِي دُخُولِ الْحَمَّامِ مَفَاسِدُ جُمْلَةً، وَفِيمَا ذُكِرَ غُنْيَةٌ عَنْ ذِكْرِ بَاقِيهَا، وَهِيَ بَيِّنَةٌ عِنْدَ الْمُتَأَمِّلِ إنْ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ فَيَتَبَيَّنُ لَهُ مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ

فَإِنْ قَالَ مَثَلًا: الْغُسْلُ فِي الْبَيْتِ يَصْعُبُ عَلَيْهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ أَنْفَقَ فِي خَلْوَةٍ يَعْمَلُهَا فِي الْبَيْتِ مِنْ بَعْضِ مَا يُعْطِي مِنْ الصَّدَاقِ أَوْ مِنْ ثَمَنِ الْمِلْكِ لَانْسَدَّتْ هَذِهِ الثُّلْمَةُ، فَلَوْ قَالَ أَيْضًا: إنَّ الْغُسْلَ فِي الْبَيْتِ لَا يَكُونُ كَالْحَمَّامِ سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْبَرْدِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَيَّامَ الْبَرْدِ يُمْكِنُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْتَغْنِيَ فِيهَا عَنْ الْغُسْلِ بِالسِّدْرِ، وَمَا شَاكَلَهُ، إذْ أَنَّ أَيَّامَ الْبَرْدِ لَا يَجْتَمِعُ فِيهَا الْوَسَخُ وَلَا الْغُبَارُ كَثِيرًا، فَإِذَا فَرَغَتْ أَيَّامُ الْبَرْدِ كَانَ الْغُسْلُ فِي الْبَيْتِ فِي الْمَوْضِعِ الْمُهَيَّأِ لَهُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، وَيَكْفِيهَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ مِنْ الْحَيْضِ كَمَا تَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُعَلِّمَ زَوْجَتَهُ سُرْعَةَ الْغُسْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ آمَنُ مِمَّا يُتَوَقَّعُ مِنْ الضَّرَرِ بِهَا، وَذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ الْمَاضِيَةِ أَلَا تَرَى إلَى مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ يَوْمًا فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمْ ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَهُ، وَخَرَجَ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ» فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى سُرْعَةِ غُسْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَرْحَمُ الْخَلْقِ بِأُمَّتِهِ، وَأَشْفَقُهُمْ عَلَيْهَا، فَلَوْ كَانَ زَمَانُ الْغُسْلِ فِيهِ طُولٌ لَأَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ حِينَ ذَكَرَ سِيَّمَا، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ الضَّعِيفُ، وَالشَّيْخُ

الْكَبِيرُ، وَلَنَا فِي فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسْوَةٌ.
وَكَذَلِكَ يُعَلِّمُهَا إذَا اغْتَسَلَتْ فِي الْبَيْتِ أَنْ تَتْرُكَ رَأْسَهَا مُغَطًّى لَا تَكْشِفُهُ حَتَّى إذَا جَاءَتْ إلَى غَسْلِهِ كَشَفَتْهُ، وَخَلَّلَتْ شَعْرَ رَأْسِهَا، وَأَفَاضَتْ الْمَاءَ عَلَيْهِ ثُمَّ نَشَّفَتْهُ فِي الْوَقْتِ، وَغَطَّتْهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَغْسِلُ سَائِرَ بَدَنِهَا، وَإِنَّمَا يَأْمُرُهَا بِذَلِكَ خِيفَةَ أَنْ يُصِيبَهَا فِي رَأْسِهَا أَلَمٌ إنْ تَرَكَتْهُ مَكْشُوفًا حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ غُسْلِ جَمِيعِ بَدَنِهَا، وَلَهَا أَنْ تَتْرُكَ رَأْسَهَا مُغَطًّى حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ غَسْلِ جَمِيعِ بَدَنِهَا، ثُمَّ تَغْسِلَ رَأْسَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا تَرْكُ التَّرْتِيبِ فِيهِ، وَهُوَ فِي الْغُسْلِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلَوْ كَانَ الْمُغْتَسِلُ بِهِ أَلَمٌ فِي رَأْسِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى كَشْفِهِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً فَإِنَّهُ يَغْسِلُ جَمِيعَ بَدَنِهِ، وَيَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، فَلَوْ كَانَ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ، أَوْ الْخِمَارِ، وَيُجْزِيهِ ذَلِكَ مَا دَامَ بِهِ الْأَذَى، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْأَلَمُ فِي غَيْرِ رَأْسِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَيَمُّمٌ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجْمَعُ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ، وَلَوْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ لِمَرَضٍ بِهِ، أَوْ جُرْحٍ، أَوْ لِمَا يَخْشَى أَنْ يَنْزِلَ بِهِ مِنْ مَرَضٍ فَلَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَإِنْ طَالَ بِهِ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرْأَةِ إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا، وَهِيَ فِي سَفَرٍ مَعَ زَوْجِهَا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِمَا لِغُسْلِهِمَا مِنْ الْجَنَابَةِ بَعْدَ غُسْلِهَا مِنْ حَيْضَتِهَا فَلَيْسَ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ الْغُسْلِ مِنْ حَيْضَتِهَا، حَتَّى يَكُونَ مَعَهُمَا مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِمَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَطُولَ السَّفَرُ بِهِمَا مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ فَيَجُوزُ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا، وَيَتَيَمَّمَا مِنْ جَنَابَتِهِمَا، وَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ إنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ قَصِيرَةً لَا يَتَضَرَّرُ بِهَا الزَّوْجُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِعَجْزِهَا عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ، وَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالزَّوْجِ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيُمِسَّهُ بَدَنَهُ» ، أَوْ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْدَمَ الْمَاءَ، أَوْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الشَّرْعِيَّةِ، وَاَللَّهُ

الْمُوَفِّقُ، وَهَذَا كُلُّهُ جَارٍ عَلَى الِامْتِثَالِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا فَلَوْ قَالَ مَثَلًا: الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ عَدَمُ الْجِدَةِ، وَالسُّكْنَى بِالْكِرَاءِ، فَلَا يَتَأَتَّى لِأَكْثَرِهِمْ عَمَلُ مَوْضِعٍ فِي الْبَيْتِ لِلِاغْتِسَالِ فِيهِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْبُيُوتِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا خِزَانَةٌ، أَوْ مَوْضِعُ كَنِيفٍ فَيَتَّخِذُهُ لِلْغُسْلِ فَيَجْعَلُ فِيهِ إنَاءً يَقْعُدُ فِيهِ مِثْلَ الْمَاجُورِ وَغَيْرِهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ كَانَ هَمُّهُ صَلَاحَ دِينِهِ عَمِلَ الْحِيلَةَ فِي صَلَاحِهِ، وَدَرْءِ الْمَفَاسِدَ عَنْهُ، وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[فَصْلٌ فِي تَعْلِيمِ الزَّوْجَةِ أَحْكَامَ الْغُسْلِ]

ِ وَمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَلِي أَمْرَ الْمَرْأَةِ أَنْ يُعَلِّمَهَا أَحْكَامَ الْغُسْلِ، وَمَا يَجِبُ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْفَرَائِضِ، وَالسُّنَنِ، وَالْفَضَائِلِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا مَوْجُودًا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، لَكِنْ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى ذِكْرِهِ هُنَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ، وَسُنَنِهِ، وَفَضَائِلِهِ لِتَتِمَّ الْآدَابُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَيُعَلِّمَهَا أَنَّ الْغُسْلَ يَجِبُ مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ مِنْ الْإِنْزَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جِمَاعٌ، وَمِنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إنْزَالٌ، وَمِنْ دَمِ الْحَيْضِ، وَمِنْ دَمِ النِّفَاسِ، وَفَرَائِضَهُ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا فِي الْمَذْهَبِ، وَهِيَ النِّيَّةُ، وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ، وَتَعْمِيمُ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي ثَمَانٍ الْفَوْرُ، وَالتَّدْلِيكُ، وَالْبَدَنُ الطَّاهِرُ، وَنَقْلُ الْمَاءِ، وَإِمْرَارُ الْيَدِ مَعَ الْمَاءِ، وَدَوَامُ النِّيَّةِ، وَالْخُشُوعُ، وَالتَّخْلِيلُ، وَسُنَنَهُ خَمْسٌ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالِاسْتِنْثَارُ، وَمَسْحُ الصِّمَاخَيْنِ، وَفَضَائِلُهُ تِسْعٌ التَّسْمِيَةُ، وَالسِّوَاكُ، وَالْمَوْضِعُ الطَّاهِرُ، وَالْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَالْبُدَاءَةُ بِالْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، وَالْبُدَاءَةُ بِالْأَيْمَنِ فَالْأَيْمَنِ، وَالصَّمْتُ إلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّشَهُّدُ، وَالدُّعَاءُ بَعْدَ الْغُسْلِ

. وَاخْتُلِفَ فِي الْخَاتَمِ فِي الْغُسْلِ، وَالْوُضُوءِ هَلْ يُحَرِّكُهُ لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهُ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ضَيِّقًا فَيُحَرِّكَهُ، أَوْ وَاسِعًا فَيَتْرُكَهُ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَسْتَنْجِيَ

وَهُوَ فِي يَدِهِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إجَازَةُ ذَلِكَ، لَكِنْ هِيَ رِوَايَةٌ مُنْكَرَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَنْ آخِرِهِمْ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْرَجَ عَلَيْهَا، وَلَا يُلْتَفَتَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ إلَى آحَادِ الْعُلَمَاءِ فَضْلًا عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ التَّعْظِيمِ لِجَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَانِبِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ عَنْهُ.

فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ فِي السِّمَنِ بِحَيْثُ لَا تَصِلُ يَدُهَا إلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتْرُكَ غَيْرَهَا يَغْسِلُ لَهَا ذَلِكَ مِنْ جَارِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكْشِفَ عَلَيْهَا غَيْرُ زَوْجِهَا فَإِنْ أَمْكَنَ زَوْجَهَا أَنْ يَغْسِلَ لَهَا ذَلِكَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَلَهُ الْأَجْرُ فِي ذَلِكَ وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ، وَإِنْ أَبَى فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَاجِبًا، وَتُصَلِّي هِيَ بِالنَّجَاسَةِ، وَلَا يَكْشِفُ عَلَيْهَا أَحَدٌ؛ لِأَنَّ سُتْرَةَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ، وَكَشْفَهَا مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا، وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ إزَالَتَهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَارْتِكَابُهُ أَيْسَرُ مِنْ الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ إلَى ذَلِكَ بِيَدِهِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إنْ قَدَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً تَلِي ذَلِكَ مِنْهُ، وَإِنْ تَطَوَّعَتْ الزَّوْجَةُ بِغُسْلِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شِرَاءُ الْجَارِيَةِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَكْشِفَ عَوْرَتَهُ عَلَى غَيْرِ مَنْ ذُكِرَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصَلَاتُهُ بِالنَّجَاسَةِ أَخَفُّ مِنْ كَشْفِ عَوْرَتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرْأَةِ الْمُبْدَنَةِ أَوْ الرَّجُلِ يَكُونُ مِثْلَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَصِلَانِ إلَيْهِ بِأَيْدِيهِمَا مِنْ ظُهُورِهِمَا إذَا اغْتَسَلَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَلِي ذَلِكَ مِنْهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَتَّخِذُ خِرْقَةً أَوْ غَيْرَهَا لِيُعَالِجَ ذَلِكَ بِهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَغْمُرُهُ بِالْمَاءِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَالرَّابِعُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ

. ثُمَّ يُعَلِّمُهَا الشُّرُوطَ الَّتِي يَسْقُطُ بِهَا عَنْهَا الْوُضُوءُ، وَالْغُسْلُ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا التَّيَمُّمُ، وَهِيَ سِتٌّ.
أَنْ تَعْدَمَ الْمَاءَ أَوْ

تَعْدَمَ بَعْضَهُ، أَوْ يَتَعَذَّرَ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِهِ، وَوُجُودِ الْحَدَثِ، وَوُجُودِ الصَّعِيدِ، وَدُخُولِ الْوَقْتِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالصَّلَاةِ.
ثُمَّ يُعَلِّمَهَا فَرَائِضَ التَّيَمُّمِ، وَهِيَ خَمْسٌ.
النِّيَّةُ، وَالْفَوْرُ، وَالضَّرْبَةُ الْأُولَى بِالْأَرْضِ، وَمَسْحُ الْوَجْهِ، وَمَسْحُ الْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ، وَسُنَنُهُ ثَلَاثٌ.
الضَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ بِالْأَرْضِ، وَالْمَسْحُ مِنْ الْكُوعَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَالتَّرْتِيبُ، وَفَضَائِلُهُ أَرْبَعَةٌ.
التَّسْمِيَةُ، وَالسِّوَاكُ، وَالصَّمْتُ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى.

، وَيُعَلِّمَهَا مَوَانِعَ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَى التَّعْلِيمِ لِأَهْلِهِ لِمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَقْبُحُ بِالْمُتَعَلِّمِ أَوْ الْعَالِمِ أَنْ تَسْأَلَ زَوْجَتُهُ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النِّسَاءُ فِي الدِّينِ، فَلَا يَكُونُ عِنْدَهَا عِلْمٌ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مُتَعَيِّنًا عَلَيْهَا، فَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْأَشْيَاءِ، وَأَرْذَلِهَا إذْ أَنَّهُ قُدْوَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ

[فَصْلٌ فِي دُخُولِ الرَّجُلِ الْحَمَّامَ]

، فَصْلٌ فِي دُخُولِ الرَّجُلِ الْحَمَّامَ وَلْيَحْذَرْ هُوَ أَيْضًا مِنْ دُخُولِ الْحَمَّامِ مَهْمَا اسْتَطَاعَ تَرْكَهُ، كَانَ بِهِ عِلَّةٌ أَوْ لَا، بَلْ أَوْجَبُ إذْ أَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي حَمَّامِ النِّسَاءِ مَوْجُودَةٌ فِي الْغَالِبِ فِي حَمَّامِ الرِّجَالِ، وَإِنْ كَانُوا فِي السُّتْرَةِ أَوْجَدَ مِنْ النِّسَاءِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَهُمْ إذَا دَخَلَ الْحَمَّامَ اسْتَتَرَ بِالْفُوطَةِ فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِيهِ نَزَعَهَا، وَبَقِيَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ إلَى الْمَسْلَخِ أَلْقَى مَا عَلَيْهِ، وَبَقِيَ مَكْشُوفًا حَتَّى يَتَنَشَّفَ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَسْتُورُ الْعَوْرَةِ مَعَ مَكْشُوفِ الْعَوْرَةِ تَحْتَ سَقْفٍ، وَاحِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فِي مَعْنَى كَرَاهَةِ مَالِكٍ لِلْغُسْلِ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ ثَلَاثُ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ فَيَرَاهَا غَيْرُهُ أَوْ تَنْكَشِفَ عَوْرَةُ غَيْرِهِ فَيَرَاهَا هُوَ، إذْ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ دَخَلَهُ مَعَ النَّاسِ لِقِلَّةِ تَحَفُّظِهِمْ، وَهَذَا إذَا دَخَلَ مُسْتَتِرًا مَعَ مُسْتَتِرِينَ، وَأَمَّا مَنْ دَخَلَ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ أَوْ مَعَ مَنْ لَا يَسْتَتِرُ فَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ

وَمَنْ فَعَلَهُ فَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ، وَقَدْحٌ فِي شَهَادَتِهِ.
الْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ غَيْرُ مُصَانٍ عَنْ الْأَيْدِي، وَالْغَالِبُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِيهِ مَنْ لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ النَّجَاسَاتِ مِثْلَ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ فَيَصِيرُ الْمَاءُ مُضَافًا فَتَسْلُبُهُ الطُّهُورِيَّةُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ يُوقَدُ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَاتِ، وَالْأَقْذَارِ فَقَدْ يَصِيرُ الْمَاءُ مُضَافًا مِنْ دُخَّانِهَا فَتَسْلُبُهُ الطُّهُورِيَّةُ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا حَالُ أَهْلِ وَقْتِنَا فِي الْغَالِبِ، وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ مَسْتُورُ الْعَوْرَةِ مَعَ مَكْشُوفِ الْعَوْرَةِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الْحَمَّامِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْ هُوَ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ، وَيَصُونَ نَظَرَهُ وَسَمْعَهُ، كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِاغْتِسَالُ فِي النَّهْرِ، وَإِنْ كَانَ يَجِدُ ذَلِكَ فِيهِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسَاجِدَ، وَفِيهَا مَا فِيهَا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَحْمُولٌ عَلَى زَمَنِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، وَأَمَّا زَمَانُنَا هَذَا فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُجِيزَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّ النِّسَاءَ بَادِيَاتُ الْعَوْرَاتِ كُلَّهُنَّ لَيْسَ فِيهِنَّ مَنْ تَسْتَتِرُ، وَالسُّتْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ عَيْبٌ عِنْدَهُنَّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَمَّامُ الرِّجَالِ قَرِيبٌ مِنْهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَتْرُكَهُ مَا اسْتَطَاعَ جَهْدُهُ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْغُسْلِ فِي النَّهْرِ، وَالدُّخُولِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَفِيهَا مَا فِيهَا، فَغَيْرُ وَارِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا ابْتِدَاءً إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَنَّ شَاطِئَ النَّهْرِ فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ مَا هُوَ مِثْلُ الْحَمَّامِ أَوْ أَعْظَمُ مِنْهُ عَلَى مَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ مِنْ كَشْفِ عَوْرَاتِ النَّوَاتِيَّةِ، وَمَنْ يَفْعَلْ كَفِعْلِهِمْ سِيَّمَا إنْ كَانَ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْبَرْدِ فَذَلِكَ أَكْثَرُ وَأَشْنَعُ لِوُرُودِ النَّاسِ لِلْغُسْلِ، وَغَيْرِهِ، وَقَلَّ مَنْ يَسْتَتِرُ فَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ لِمُشَاهَدَتِهِ عِيَانًا، وَمَا أَتَى عَلَى بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ أَلْفَاظَ الْعُلَمَاءِ عَلَى عُرْفِهِمْ فِي زَمَانِهِمْ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ زَمَانٍ يَخْتَصُّ بِعُرْفِهِ، وَعَادَتِهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَكَذَلِكَ يَجْرِي هَذَا الْمَعْنَى فِي الْفَسَاقِي الَّتِي فِي الْمَدَارِسِ، وَالرِّبَاطَاتِ، إذْ أَنَّهَا مَحَلُّ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا تَجِدُهُ فِي

الْحَمَّامِ فِي الْغَالِبِ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي عَلَى بَابِهِ، وَاَلَّتِي فِي جُدْرَانِهِ، وَأَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ التَّغْيِيرِ إزَالَةُ رُءُوسِهَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إنْكَارُ ذَلِكَ، وَالْأَخْذُ عَلَى يَدِ فَاعِلِهِ فَكَيْفَ يَدْخُلُهُ الْعَالِمُ أَوْ الْمُتَعَلِّمُ، وَيَسْكُتَانِ؟ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ، وَهِيَ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَجَازَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ دُخُولَ الْحَمَّامِ لَكِنْ بِشُرُوطٍ، وَهِيَ: أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَّا لِلتَّدَاوِي.
الثَّانِي: أَنْ يَتَعَمَّدَ أَوْقَاتَ الْخَلْوَةِ، وَقِلَّةِ النَّاسِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ بِإِزَارٍ صَفِيقٍ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَطْرَحَ بَصَرَهُ إلَى الْأَرْضِ أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْحَائِطَ لِئَلَّا يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى مَحْظُورٍ.
الْخَامِسُ: أَنْ يُغَيِّرَ مَا رَأَى مِنْ مُنْكَرٍ بِرِفْقٍ بِأَنْ يَقُولَ: اسْتَتِرْ سَتَرَك اللَّهُ.
السَّادِسُ: إنْ دَلَّكَهُ أَحَدٌ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ عَوْرَتِهِ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ إلَّا امْرَأَتُهُ أَوْ جَارِيَتُهُ.
السَّابِعُ: أَنْ يَدْخُلَهُ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ.
الثَّامِنُ: أَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ.
التَّاسِعُ: إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دُخُولِهِ وَحْدَهُ اتَّفَقَ مَعَ قَوْمٍ يَحْفَظُونَ دِينَهُمْ عَلَى كَرَاهَةٍ فِي ذَلِكَ لِمَا يُخْشَى.
الْعَاشِرُ: أَنْ يَتَذَكَّرَ بِهِ عَذَابَ جَهَنَّمَ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ مَهْمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُعَلِّمَ أَهْلَهُ بِالْفِعْلِ كَانَ أَوْلَى؛ إذْ أَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الثُّبُوتِ فِي نَفْسِ الْمُتَعَلِّمِ، وَقَدْ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْتَسِلُ هُوَ وَزَوْجَتُهُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، حَتَّى إنَّهَا لَتَقُولُ دَعْ لِي دَعْ لِي» فَكُلُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ تَعَلُّمُهُ بِالْفِعْلِ لِلْمُتَعَلِّمِ، كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ أَثْبَتُ فِي النُّفُوسِ.

، وَيَنْبَغِي لَهُ أَوْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَ أَهْلَهُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ، إذْ أَنَّ مَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى سَائِرِ مَا يَعْتَوِرُهُمْ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ فِي الْغَالِبِ يَتَعَلَّمْنَ مِنْهُنَّ الْأَحْكَامَ فِيمَا يَقَعُ لَهُنَّ، فَإِذَا كُنَّ جَاهِلَاتٍ بِمَا يُسْأَلْنَ عَنْهُ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ كَتْمِ الْعِلْمِ.
ثُمَّ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُقْبِلًا عَلَى الْعِلْمِ لَا يَسَعُهُ غَيْرُهُ فَيَا حَبَّذَا فَيَشْتَغِلُ بِمَا هُوَ بِصَدَدِهِ، وَلَا يَعْرُجُ عَلَى غَيْرِهِ.
كَمَا حُكِيَ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَمَّا أَنْ دَخَلَ مِصْرَ، وَتَأَهَّلَ بِهَا، وَقَعَدَ مَعَ زَوْجَتِهِ سِنِينَ ثُمَّ مَاتَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يُزَوِّجُوهَا فَقَالَتْ لَهُمْ: إذَا عَزَمْتُمْ فَزَوِّجُونِي عَلَى أَنِّي بِكْرٌ فَقَالُوا لَهَا: كَيْفَ

وَقَدْ أَقَمْت سِنِينَ مَعَهُ؟ فَقَالَتْ: أَوَّلُ لَيْلَةٍ دَخَلَ عَلَيَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَجَلَسَ يَنْظُرُ فِي كُتُبِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ أَيَّامِهِ فَقُمْت يَوْمًا، وَلَبِسْت، وَتَزَيَّنْت، وَلَعِبْت بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَنَظَرَ إلَيَّ، وَتَبَسَّمَ، وَأَخَذَ الْقَلَمَ الَّذِي بِيَدِهِ فَجَرَّهُ عَلَى وَجْهِي، وَأَفْسَدَ بِهِ زِينَتِي، ثُمَّ أَكَبَّ رَأْسَهُ عَلَى كُتُبِهِ لَمْ يَرْفَعْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى انْتَقَلَ إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ هِمَّةٌ سُنِّيَّةٌ فَلْيَنْسِجْ عَلَى مِنْوَالِهِ.

وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَحْتَاجُ إلَى سِتَّةِ أَشْيَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا، فَإِنْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ نَقَصَ مِنْ عِلْمِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَهِيَ هِمَّةٌ بَاعِثَةٌ، وَذِهْنٌ ثَاقِبٌ، وَصَبْرٌ، وَجِدَّةٌ، وَشَيْخٌ فَتَّاحٌ، وَعُمْرٌ طَوِيلٌ.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِيحَ فَكَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْوِيَ بِتِلْكَ الِاسْتِرَاحَةِ امْتِثَالَ السُّنَّةِ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «رَوِّحُوا الْقُلُوبَ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ» ، وَيَنْوِي بِذَلِكَ إدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى أَهْلِهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهِنَّ، وَالتَّحَدُّثِ مَعَهُنَّ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا مَزِيَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، أَعْنِي بِذَلِكَ فِي بَسْطِهِ لَهُمْ، وَالتَّوَاضُعِ مَعَهُمْ، وَيَنْوِي بِذَلِكَ كُلِّهِ امْتِثَالَ السُّنَّةِ.
وَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَا يُعَارِضُهُ مُخَالَفَةُ أَمْرٍ، وَلَا ارْتِكَابُ نَهْيٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمْزَحُ، وَلَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفِرَاشَ وَالتَّعَرِّي مِنْ السُّنَّةِ.

[آدَاب النوم]

، وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَفَرَغَ مِنْ رُكُوعِهِ فِي بَيْتِهِ جَلَسَ يَتَحَدَّثُ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ إذَا عَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْفِرَاشِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِلنَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ ثُمَّ يَرْكَعَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ، وَهَذَا مَا لَمْ يُوتِرْ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْتَرَ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُصَلِّيَ بَعْدَ الْوِتْرِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقُومَ مِنْ نَوْمِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ رَجَاءَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَإِنْ كَانَ نَائِمًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ إرَادَتِهِ النَّوْمَ مُحْدِثًا فَلْيَنْوِ بِوُضُوئِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ لِكَيْ يَسْتَبِيحَ بِهِ الصَّلَاةَ اتِّفَاقًا.
وَالْحِكْمَةُ فِي وُضُوئِهِ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ هِيَ أَنَّ النَّوْمَ

تَارَةً يَكُونُ مِنْ بَابِ الِاضْطِرَارِ، وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ بَابِ الِاخْتِيَارِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مِنْهُ مَا هُوَ اضْطِرَارٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ اخْتِيَارٌ، وَرَأْسُ مَالِ الْمُؤْمِنِ إنَّمَا هُوَ عُمُرُهُ، فَإِنْ عَمَّرَهُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ رَبِحَ عُمُرَهُ، وَزَكَا فَشَرَعَ لَهُ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ الْوُضُوءَ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ، لِكَيْ يَخْتَبِرَ بِهِ النَّوْمَ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ هُوَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ ضَرُورَةِ الْبَشَرِيَّةِ فَهُوَ لَا يُذْهِبُهُ الْوُضُوءُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ الِاخْتِيَارِ وَالرَّاحَةِ فَالْوُضُوءُ يُذْهِبُهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ: أَنَّ النَّوْمَ هُوَ الْمَوْتُ الْأَصْغَرُ فَشُرِعَ لَهُ نَوْعٌ مِنْ الطَّهَارَةِ كَالْمَيِّتِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ فِي ذَلِكَ النَّوْمِ فَتُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ لِكَيْ يَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ، وَفِيهِ وَجْهٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أَنَّ النَّوْمَ إذَا وَقَعَ عَقِبَ طَهَارَةٍ اجْتَزَأَ الْمُكَلَّفُ مِنْهُ بِالْقَلِيلِ لِأَجْلِ بَرَكَةِ الِاتِّبَاعِ فَتَوَفَّرَ عَلَيْهِ رَأْسُ مَالِهِ، وَهُوَ عُمُرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ يَقْرَأُ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ "، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي كَفَّيْهِ، وَيَنْفُثُ فِيهِمَا، وَيُمَشِّيهِمَا عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ يَتَعَرَّى كَمَا سَبَقَ، وَيَدْخُلُ فِي فِرَاشِهِ فَيَضْطَجِعُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ بَعْدَ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَبْقَى عَلَى الْأَيْمَنِ، بَلْ نَفْسُ الدُّخُولِ هُوَ الَّذِي يُطْلَبُ فِيهِ التَّيَمُّنَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْتَقِلُ إلَى مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ بِهِ ضَعْفٌ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْأَيْمَنِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ فِي الدُّخُولِ عَلَى الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ حِينِهِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَيَدْخُلَ عَلَى الْجَنْبِ الْآخَرِ؛ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اشْتَكَى مَرَّةً بِنَزْلَةٍ نَزَلَتْ لَهُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَحَصَلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شِدَّةٌ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ إلَى الْفِرَاشِ لِيَضْطَجِعَ صَعُبَ عَلَيْهِ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ، فَأَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى الْأَيْسَرِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، ثُمَّ وَقَعَ لَهُ أَنَّهُ يَتَحَمَّلُ الْمَشَقَّةَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ لِتَحْصُلَ لَهُ بَرَكَةُ الِامْتِثَالِ ثُمَّ يَنْقَلِبَ إلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فِي الْوَقْتِ قَالَ: فَاضْطَجَعْت عَلَى الْأَيْمَنِ بِعَزِيمَةٍ فَوَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ هَلْ الْأَلَمُ ارْتَفَعَ قَبْلَ وُصُولِ رَأْسِي إلَى الْوِسَادَةِ أَوْ بَعْدَ وُصُولِهِ

وَمَا ذَاكَ إلَّا لِبَرَكَةِ امْتِثَالِ السُّنَّةِ إذْ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي شَيْءٍ إلَّا وَحَلَّتْ الْبَرَكَةُ فِيهِ، ثُمَّ يَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ثُمَّ يُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِّرُ اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَيَجْعَلُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْيَمِينِ، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى وِرْكِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِك اللَّهُمَّ وَضَعْت جَنْبِي وَبِاسْمِك أَرْفَعُهُ اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَك الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْك، وَفَوَّضْت أَمْرِي إلَيْك، وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك، وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك رَهْبَةً مِنْك، وَرَغْبَةً إلَيْك لَا مَلْجَأَ، وَلَا مَنْجَا مِنْك إلَّا إلَيْك، أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت، وَرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت، وَمَا أَخَّرْت، وَأَسْرَرْت، وَأَعْلَنْت أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، رَبِّ قِنِي عَذَابَك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك انْتَهَى.
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ اشْفِنِي بِالْقَلِيلِ مِنْ النَّوْمِ، وَاجْعَلْهُ لِي عَوْنًا عَلَى طَاعَتِك، وَيَنْوِي بِنَوْمِهِ الْعَوْنَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا مِنْ طَلَبِ عِلْمٍ أَوْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهِمَا، إذْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْطِ نَفْسَهُ حَظَّهَا مِنْ النَّوْمِ قَلَّ أَنْ يَتَأَتَّى لَهُ مِنْهَا التَّوْفِيَةُ بِالْمَأْمُورَاتِ عَلَى أَنْوَاعِهَا سِيَّمَا، وَهُوَ مَطْلُوبٌ بِالْحُضُورِ فِي الطَّاعَاتِ سِيَّمَا إنْ كَانَتْ صَلَاةً إذْ الْحُضُورُ مَعَ النَّوْمِ مُتَعَذِّرٌ.
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ، وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ، لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ» ثُمَّ يُشْعِرُ نَفْسَهُ حِينَ الدُّخُولِ فِي الْفِرَاشِ بِالدُّخُولِ فِي قَبْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ هُوَ الْمَوْتُ الْأَصْغَرُ فَشُرِعَ لَهُ نَوْعٌ مِنْ حَالَةِ الْمَوْتَى، وَهُوَ التَّجْرِيدُ مِنْ ثِيَابِ الْأَحْيَاءِ، وَالدُّخُولُ فِي ثِيَابٍ تُشْبِهُ ثِيَابَ الْمَوْتَى إذْ أَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِالْكَفَنِ.
فَإِذَا أَشْعَرَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ قَلَّ مِنْهُ الِاسْتِغْرَاقُ فِي النَّوْمِ، وَخَافَ الْفَوَاتَ.
إذْ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا أَنَّهُ يُنَوِّرُ الْقَبْرَ؛ لِأَنَّ وَقْتَ اللَّيْلِ شَبِيهٌ بِظُلْمَةِ الْقَبْرِ فَكَانَ الثَّوَابُ مُنَاسِبًا لِقِيَامِهِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ.

وَفِي التَّعَرِّي حِكَمٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ يُرِيحُ الْبَدَنَ مِنْ حَرَارَةِ حَرَكَةِ النَّهَارِ، وَيُسَهِّلُ

عَلَيْهِ التَّقْلِيبَ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَفِيهِ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى أَهْلِهِ، وَفِيهِ زِيَادَةُ التَّمَتُّعِ بِالْأَهْلِ بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ عِنْدَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَحَلِّ لَيْسَ إلَّا، إذْ أَنَّ الرَّجُلَ ثِيَابُهُ عَلَيْهِ، وَالْمَرْأَةَ مِثْلُهُ، وَفِيهِ التَّوَاضُعُ، وَفِيهِ امْتِثَالُ السُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ امْتِثَالُ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ» ، وَالنَّوْمُ فِي الثَّوْبِ هُوَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ، فَإِنَّ الثَّوْبَ الَّذِي عُمُرُهُ سَنَةٌ إذَا نَامَ فِيهِ نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ قِلَّةُ الدَّوَابِّ، وَفِيهِ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ السُّنَّةِ، وَهِيَ النَّظَافَةُ إذْ أَنَّ الثَّوْبَ الَّذِي يُنَامُ فِيهِ يَكْثُرُ فِيهِ هَوَامُّ بَدَنِهِ، وَيَتَقَذَّرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ، وَهِيَ جُمْلَةٌ

وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فِي النَّوْمِ وَحَالَتِهِ فِيهِ إذْ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ حَاضِرُ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ مُتَكَلِّمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ آمِرٌ نَاهٍ مُدَبِّرٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ، ثُمَّ تَأْتِي عَلَيْهِ عَاهَةُ النَّوْمِ لَا يَشْعُرُ بِهَا مِنْ أَيْنَ أَتَتْهُ، وَلَا يُكَيِّفُهَا فَيَتْرُكُ الْمَلِكُ مُلْكَهُ، وَتَدْبِيرَهُ، وَسِيَاسَتَهُ فِيهِ، وَالْعَالِمُ عِلْمَهُ، وَالْمُحْتَرِفُ حِرْفَتَهُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ فِي شَيْءٍ، وَعَزَمَ عَلَى فِعْلِهِ تَرَكَهُ قَهْرًا لِأَجْلِ هَذِهِ الْعَاهَةِ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهِ مُجْبَرًا عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ سَبِيلٌ إلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ، وَلَا دَفْعِهِ عَنْهُ فَسُبْحَانَ مَنْ قَهَرَ عِبَادَهُ بِالْمَوْتِ.
وَهَذَا مُتَكَرِّرٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، وَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، وَهُوَ الْمُذَكِّرُ بِالْمَوْتِ، وَالدَّالُّ عَلَيْهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: 42] كُلُّ ذَلِكَ تَذْكِرَةٌ، وَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَنْظُرُ وَيَعْتَبِرُ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21] بَيْنَمَا هُوَ مُسْتَيْقِظٌ مُدَّعٍ لِلْقُوَّةِ، وَالسَّطْوَةِ إذْ أَتَاهُ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَسِيلُ لُعَابُهُ، وَتَنْحَلُّ أَعْضَاؤُهُ، وَيُحْدِثُ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِنَفْسِهِ، وَالْغَالِبُ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَبْقَى مُثْلَةً إذْ ذَاكَ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ مِنْ الْأَدَبِ فِي النَّوْمِ أَنْ لَا يَنَامَ بَيْنَ مُسْتَيْقِظِينَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4] ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5] قَالَ الْعُلَمَاءُ:

  • رَحِمَهُمُ اللَّهُ - سَلَّطَ عَلَيْهِمْ النَّوْمَ وَالنِّسْيَانَ ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بِهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ إذْ أَنَّ الْيَقِظَةَ فِيهَا حَرَارَةٌ، فَلَوْ تَمَادَتْ عَلَى الْبَشَرِيَّةِ لَأَهْلَكَتْهَا، سِيَّمَا وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَهُمْ الرَّغْبَةُ فِيمَا هُمْ بِصَدَدِهِ مِنْ طَلَبِ دُنْيَا، وَالْعَمَلِ فِي أَسْبَابِهَا أَوْ عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَوْ وَكَّلَ الْأَمْرَ إلَيْهِ فِيهِ لَحَرَمَ نَفْسَهُ النَّوْمَ أَلْبَتَّةَ لِقُوَّةِ الْحِرْصِ عَلَى مَا هُوَ بِسَبِيلِهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى النَّوْمَ يَأْتِيهِ قَهْرًا رَحْمَةً بِهِ هَذَا وَجْهٌ.
    الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهِ حَرَارَةٌ، وَالنَّوْمَ فِيهِ سُكُونٌ، وَبُرُودَةٌ فَيَعْتَدِلُ مِزَاجُهُ بِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49] ، وَهَذِهِ مِنْهُ يَقِظَةٌ وَنَوْمٌ حَرَارَةٌ وَبُرُودَةٌ ذَكَرٌ وَأُنْثَى صَحِيحٌ وَمَرِيضٌ طَائِعٌ وَعَاصٍ مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
    وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ ذَلِكَ رَحْمَةً لِلْعَبْدِ بِفَضْلِهِ، وَحَرَسَهُ مَعَ ذَلِكَ فِي نَوْمِهِ كَمَا حَفِظَهُ فِي حَالِ يَقَظَتِهِ.
    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: 42] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: 73] فَسُبْحَانَ الْمُنْعِمِ الْمَنَّانِ

[فَصْلٌ فِي آدَابِ الْجِمَاعِ]

فَصْلٌ فِي آدَابّهِ فِي الِاجْتِمَاعِ بِأَهْلِهِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى أَهْلِهِ فَالسُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَعَهُ أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ غَيْرَ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ، إذْ ذَاكَ.
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى أَهْلِهِ أَخْرَجَ الرَّضِيعَ مِنْ الْبَيْتِ، وَقَدْ قَالُوا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَهِرٌّ فِي الْبَيْتِ، وَذِكْرُ الْهِرِّ مِنْهُمْ تَنْبِيهٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَكُونُ سَالِمًا مِنْ عَيْنَيْنِ تَنْظُرَانِ إلَيْهِ؛ إذْ أَنَّ ذَلِكَ عَوْرَةٌ، وَالْعَوْرَةُ يَتَعَيَّنُ سَتْرُهَا، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي فِعْلِ ذَلِكَ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ آخِرَهُ لَكِنَّ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْغُسْلِ يَبْقَى زَمَنُهُ مُتَّسِعًا بِخِلَافِ آخِرِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ قَدْ يَضِيقُ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَئُولُ إلَى تَفْوِيتِ الصُّبْحِ

فِي جَمَاعَةٍ أَوْ إلَى إخْرَاجِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ آخِرَ اللَّيْلِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِيهِ كَانَ عَقِيبَ نَوْمٍ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْفَمِ وَالْأَنْفِ شَيْءٌ مِنْ بُخَارِ الْمَعِدَةِ مِمَّا يُغَيِّرُ رَائِحَةَ الْفَمِ أَوْ الْأَنْفِ، فَإِذَا شَمَّهَا أَحَدُهُمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَرَاهَةِ أَحَدِهِمَا فِي صَاحِبِهِ، وَمُرَادُ الشَّارِعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - دَوَامُ الْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَذَلِكَ يُنَافِيهَا.
أَلَا تَرَى إلَى نَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا لَيْلًا لِئَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ قَبْلَ أَنْ يَتَأَهَّبْنَ لِلِقَائِهِ، فَنَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَدْهُنَ وَتَتَطَيَّبَ وَتَتَأَهَّبَ، فَيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى إلَى بَقَاءِ الْعِصْمَةِ وَالْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ، أَلَا تَرَى إلَى فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ، وَذَلِكَ لِفَوَائِدَ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَبْدَأَ بِزِيَارَةِ بَيْتِ رَبِّهِ، وَبِالْخُضُوعِ لَهُ فِيهِ بِالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَمِنْهَا أَنْ يُفَضِّلَ مَا هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى رَبِّهِ لِيُنَبِّهَ أُمَّتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى تَقْدِيمِ مَا هُوَ لِلَّهِ عَلَى مَا لِأَنْفُسِهِمْ فِيهِ حَظٌّ مَا، وَمِنْهَا أَنَّ أَصْحَابَهُ وَمَعَارِفَهُ يَأْخُذُونَ حَظَّهُمْ مِنْ رُؤْيَتِهِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ حِينَ قُدُومِهِ، فَإِذَا فَرَغُوا، وَدَخَلَ بَيْتَهُ " لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يُحْوِجُهُ إلَى الْخُرُوجِ فِي الْغَالِبِ، وَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّ أَهْلَهُ يَأْخُذُونَ الْأُهْبَةَ لِلِقَائِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ لِقَاءَ الْأَحِبَّةِ بَغْتَةً قَدْ يَئُولُ إلَى ذَهَابِ النُّفُوسِ عِنْدَ اللِّقَاءِ لِقُوَّةِ مَا يَتَوَالَى عَلَى النَّفْسِ إذْ ذَاكَ مِنْ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُمْ مَاتُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ فَاجَأَهُمْ السُّرُورُ فَمَاتُوا مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ، وَقَوْمٌ فَجَأَتْهُمْ الْمَصَائِبُ فَمَاتُوا مِنْ شِدَّةِ الْهَمِّ وَالْغَمِّ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا فَعَلَهُ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّلَطُّفِ بِالِاجْتِمَاعِ بِأَبِيهِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَيْهِ الْبَشِيرَ أَوَّلًا حَتَّى عَلِمَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْأَحْيَاءِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِ ثَانِيًا الْقَمِيصَ لِيَجِدَ رِيحَهُ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَزَادَ أُنْسُهُ بِشَمِّ رَائِحَتِهِ وَأَثَرِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَ الِاجْتِمَاعُ، وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا عَزَمَ عَلَى الِاجْتِمَاعِ بِأَهْلِهِ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامّ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ

وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ عَلَى غَفْلَةٍ، بَلْ حَتَّى يُلَاعِبَهَا وَيُمَازِحَهَا بِمَا هُوَ مُبَاحٌ مِثْلَ الْجَسَّةِ، وَالْقُبْلَةِ، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنَّهَا قَدْ انْبَعَثَتْ لِمَا هُوَ يُرِيدُ مِنْهَا، وَانْشَرَحَتْ لِذَلِكَ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يَأْتِيهَا، وَحِكْمَةُ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ بَيِّنَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُحِبُّ مِنْ الرَّجُلِ مَا يُحِبُّ مِنْهَا، فَإِذَا أَتَاهَا عَلَى غَفْلَةٍ قَدْ يَقْضِي هُوَ حَاجَتَهُ، وَتَبْقَى هِيَ فَقَدْ يُشَوِّشُ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَدْ لَا يَنْصَانُ دِينُهَا، فَإِذَا فَعَلَ مَا ذُكِرَ تَيَسَّرَ عَلَيْهَا الْأَمْرُ، وَانْصَانَ دِينُهَا.
ثُمَّ إذَا أَتَاهَا فَيَمْتَثِلُ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَتَى إلَى أَهْلِهِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتنَا فَرُزِقَا وَلَدًا، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ، وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ امْتَثَلَ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ خَرَجَ وَلَدُهُ كَمَا ذُكِرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ نَجِدُ كَثِيرًا مِنْ أَوْلَادِ الْمُبَارَكِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى صِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ وَالِدَهُ لَوْ امْتَثَلَ السُّنَّةَ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَا حَصَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَالْقَلِيلُ مِنْ النَّاسِ مِنْ يَثْبُتُ لِامْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِغَلَبَةِ قُوَّةِ بَاعِثِ النَّفْسِ عَلَى تَحْصِيلِ لَذَّاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَاعِيَ حَقَّ زَوْجَتِهِ فِي الْجِمَاعِ، وَأَنْ يَأْتِيَهَا لَيَصُونَ دِينَهَا، وَيَكُونَ قَضَاءُ حَاجَتِهِ تَبَعًا لِغَرَضِهَا فَيَحْصُلَ إذْ ذَاكَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَعْرِفُ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ يَأْتِي زَوْجَتَهُ عَلَى غَفْلَةٍ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ مِنْهَا، وَهِيَ لَمْ تَقْضِ مِنْهُ وَطَرًا، كَمَا تَفْعَلُ الْبَهَائِمُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِأَحَدِ شَيْئَيْنِ إمَّا فَسَادُ دِينِهَا وَإِمَّا تَبْقَى مُتَشَوِّشَةً مُتَشَوِّفَةً لِغَيْرِهِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُجَامِعَهَا، وَهُمَا مَكْشُوفَانِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ يَسْتُرُهُمَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَعَابَهُ، وَقَالَ فِيهِ: كَمَا يَفْعَلُ الْعِيرَانِ، وَقَدْ كَانَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُغَطِّي رَأْسَهُ إذْ ذَاكَ حَيَاءً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ فِي بَرِيَّةٍ أَوْ عَلَى سَطْحٍ فَلَا يُجَامِعُ

مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَلَا مُسْتَدْبِرَهَا، وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتٍ فَيُخْتَلَفُ فِيهِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ، وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ.

وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا قَضَى وَطَرَهُ أَنْ لَا يُعَجِّلَ بِالْقِيَامِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُشَوِّشُ عَلَيْهَا بَلْ يَبْقَى هُنَيْهَةً حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا قَدْ انْقَضَتْ حَاجَتُهَا، وَالْمَقْصُودُ مُرَاعَاةُ أَمْرِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوصِي عَلَيْهِنَّ، وَيَحُضُّ عَلَى الْإِحْسَانِ إلَيْهِنَّ، وَهَذَا مَوْضِعٌ لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَانُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِ فَلْيَجْتَهِدْ فِي ذَلِكَ جَهْدَهُ، وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ فِي التَّجَاوُزِ عَمَّا يَعْجِزُ الْمَرْءُ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْهُ فَأَنْكَرَهُ وَعَابَهُ، هُوَ النَّخِيرُ، وَالْكَلَامُ السَّقْطُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِنَّمَا أَنْكَرَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ.

ثُمَّ إذَا فَرَغَ مِنْ قَضَاءِ إرَبِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَغْتَسِلَ لِيَنَامَ عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ لِيَنَامَ عَلَى إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، وَاخْتُلِفَ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ أَوْ الْوُضُوءُ هَلْ يَتَيَمَّمُ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَنَامُ الْجُنُبُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فَلْيَتَيَمَّمْ، وَلَا يَنَامُ إلَّا بِوُضُوءٍ أَوْ تَيَمُّمٍ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ الْجِمَاعِ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يَكْثُرُ بِهِ الْإِسْلَامُ، وَيَكُونُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنِّي لَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَمَا لِي إلَيْهِنَّ حَاجَةٌ، وَأَطَأهُنَّ وَمَا لِي إلَيْهِنَّ شَهْوَةٌ قِيلَ لَهُ: وَلِمَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَجَاءَ أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ ظَهْرِي مَنْ يُكَاثِرُ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا نَوَى مَا تَقَدَّمَ، وَفَعَلَ مَا ذُكِرَ أَنْ يَكِلَ ذَلِكَ إلَى مَشِيئَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْ يَفْتَقِرَ إلَيْهِ فِيهِ وَيَتَبَرَّأَ مِنْ مَشِيئَةِ نَفْسِهِ، وَتَدْبِيرِهِ، وَحَوْلِهِ، وَقُوَّتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ إذْ ذَاكَ مُتَوَاضِعًا مُتَذَلِّلًا لَعَلَّ أَنْ تُقْضَى حَاجَتُهُ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُد - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ كُلِّهِنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ» فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنْ يَتَعَلَّقَ الْمَرْءُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَكِلَ الْأَمْرَ إلَيْهِ، وَيَتَبَرَّأَ مِنْ مَشِيئَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ

ثُمَّ إنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الِاجْتِمَاعِ بِأَهْلِهِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ فَيَفْعَلُ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ إذَا أَرَادَ ذَلِكَ غَسَلَ ذَكَرَهُ ثُمَّ عَادَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ غَسْلَ الذَّكَرِ يُقَوِّي الْعُضْوَ وَيُنَشِّطُهُ، وَكَثْرَةُ هَذَا كَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ يَتَمَدَّحُوا بِهِ، وَيَفْتَخِرُوا بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الرَّجُلِ، وَصِحَّةِ بَدَنِهِ، وَمِزَاجِهِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى أُعْطِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاءَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا حَتَّى خَرَجَ عَنْ مَأْلُوفِهِمْ، وَعَادَتِهِمْ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَرَّرْتُمْ أَنَّ كَثْرَةَ هَذَا مَمْدُوحٌ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، فَمَا الْجَوَابُ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي كَوْنِهِ أُعْطِيَ مَاءَ مِائَةِ رَجُلٍ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ أُعْطِيَ مَقْصِدَهُ وَمَطْلَبَهُ، فَنَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - طَلَبَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَمِنْ شَأْنِ الْمُلُوكِ الزِّيَادَةُ فِي هَذَا الشَّأْنِ، وَكَثْرَةُ النِّسَاءِ فَأُعْطِيَ مَا يَفُوقُ بِهِ سَائِرَ الْمُلُوكِ؛ لِأَنَّ الْمُلُوكَ وَإِنْ وَجَدُوا الْقُدْرَةَ عَلَى تَحْصِيلِ كَثْرَةِ النِّسَاءِ فَهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ مَاءِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَضْلًا عَنْ مَاءِ مِائَةِ رَجُلٍ.
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا فَأُعْطِيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَفْضُلُهُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُعْطِيَ مَاءَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَحَالُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمَّا سُئِلَتْ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِإِرَبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ؟ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ لَا يَأْتِي لِأَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ لِأَجْلِ نَفْسِهِ الْمُكَرَّمَةِ، بَلْ ذَلِكَ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

عَلَى طَرِيقِ تَأْنِيسِ الْبَشَرِيَّةِ لِأَجْلِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ: إنِّي لَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَمَا لِي إلَيْهِنَّ حَاجَةٌ.
وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ الطِّيبُ، وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» فَانْظُرْ إلَى حِكْمَةِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: حُبِّبَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَحْبَبْت، وَقَالَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فَأَضَافَهَا إلَيْهِمْ دُونَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ حُبُّهُ خَاصًّا بِمَوْلَاهُ عَزَّ وَجَلَّ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَانِي الْعَلِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، فَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَشَرِيَّ الظَّاهِرِ مَلَكِيَّ الْبَاطِنِ، فَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يَأْتِي إلَى شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ إلَّا تَأْنِيسًا لِأُمَّتِهِ، وَتَشْرِيعًا لَهَا لَا أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِلْجَهْلِ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الْجَلِيلَةِ، وَالْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ قَالَ الْجَاهِلُ الْمِسْكِينُ ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 7] أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 50] فَقَالَ: ﴿لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 50] ، وَلَمْ يَقُلْ إنِّي مَلَكٌ، فَلَمْ يَنْفِ الْمَلَكِيَّةَ عَنْهُ إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أَعْنِي فِي مَعَانِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا فِي ذَاتِهِ الْكَرِيمَةِ، إذْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَلْحَقُ بَشَرِيَّتَهُ مَا يَلْحَقُ الْبَشَرَ.
وَلِهَذَا قَالَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الْجَلِيلُ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي صِفَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: هُوَ بَشَرٌ لَيْسَ كَالْأَبْشَارِ كَمَا أَنَّ الْيَاقُوتَ حَجَرٌ لَيْسَ كَالْأَحْجَارِ، وَهَذَا مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ لِلْأَفْهَامِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ مَلَكِيَّ الْبَاطِنِ، وَمَنْ كَانَ مَلَكِيَّ الْبَاطِنِ مَلَكَ نَفْسَهُ، وَمِنْ هَاهُنَا يُفْهَمُ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا» ؛ لِأَنَّ هَذَا، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ بَابِ التَّأْنِيسِ لِلْأُمَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «إنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ»

قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ شِدَّةِ الْآلَامِ، وَالْأَوْجَاعِ لِرِفْعَةِ مَنَازِلِ الْمُرْسَلِينَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ الرَّجُلَانِ مِنْكُمْ» الْحَدِيثَ انْتَهَى.
وَهَذَا مِنْ بَابِ تَأْنِيسِ الْبَشَرِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ» إنَّ تِلْكَ السَّكَرَاتِ سَكَرَاتُ الطَّرِبِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ بِلَالٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ قَالَ لَهُ أَهْلُهُ، وَهُوَ فِي السِّيَاقِ، وَاكَرْبَاهُ فَفَتَحَ عَيْنَهُ، وَقَالَ: وَاطَرَبَاهُ غَدًا أَلْقَى الْأَحِبَّهْ مُحَمَّدًا، وَحِزْبَهْ انْتَهَى.
فَإِذَا كَانَ هَذَا طَرَبَهُ فِي هَذَا الْحَالِ بِلِقَاءِ مَحْبُوبِهِ، وَهُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحِزْبُهُ، فَمَا بَالُك بِلِقَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمَوْلَى الْكَرِيمِ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] ، وَهَذَا مَوْضِعٌ تَقْصُرُ الْعِبَارَةُ عَنْ وَصْفِ بَعْضِهِ، فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّ أَحْوَالَ الْبَشَرِيَّةِ، وَمَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا مِنْ الْأَمْرَاضِ وَالْأَعْرَاضِ إنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الظَّاهِرِ فِي الظَّاهِرِ، وَهُوَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَشْغُولٌ بِرَبِّهِ مُقْبِلٌ عَلَى آخِرَتِهِ ظَاهِرُهُ مَعَ الْخَلْقِ، وَبَاطِنُهُ مَعَ رَبِّ الْخَلْقِ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ غَائِبٌ عَنْ أَلَمِ الظَّاهِرِ.
هَذَا تَجِدُهُ مَحْسُوسًا فِي بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ فَكَيْفَ بِسَيِّدِ الْأَوَّلِينَ، وَالْآخَرِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، أَلَا تَرَى إلَى مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَهُوَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا أَصَابَتْهُ الْأَكَلَةُ فِي رِجْلِهِ فَأَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوا الْقَدَمَ الَّتِي خَرَجَتْ فِيهِ لِئَلَّا تَتَعَدَّى لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، فَكَانَ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَقَالَتْ لَهُمْ زَوْجَتُهُ: إنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ حَضَرُوا فَقَطَعُوهَا لَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ رَآهُمْ مُحَدِّقِينَ بِهِ فَقَالَ لَهُمْ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقْطَعُوا لِي غَيْرَ هَذِهِ الْمَرَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالُوا لَهُ: هُوَ ذَا فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا شَعَرْت بِكُمْ، وَكَذَلِكَ مَا حُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي، وَانْهَدَمَتْ أُسْطُوَانَةٌ فِيهِ، فَهَرِعَ النَّاسُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ يَنْظُرُونَ الْخَبَرَ لِشِدَّةِ انْزِعَاجِهِمْ عِنْدَ وُقُوعِهَا وَتَأَثُّرِهِمْ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ حِكَايَةُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ

لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ فِي حَضْرَتِهِ، فَإِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ تَكَلَّمُوا وَلَغَطُوا، فَسُئِلَ أَهْلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا: إنَّهُ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَشْعُرُ بِشَيْءٍ، وَظَاهِرُ مَا حُكِيَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ مُشْكِلٌ، وَبَيَانُ إشْكَالِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، فَكَيْفَ يَتَأَتَّى مِنْهُ التَّوْفِيَةُ بِأَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُزِيلُ هَذَا الْإِشْكَالَ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَيَقُولُ: إنْ كَانَ فَرْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ إبْقَاءِ بَعْضِ حَالِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَيْهِ لِتَوْفِيَةِ أَرْكَانِ الْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ فِي النَّفْلِ فَحَقِيقَةُ الْحُضُورِ فِيهِ أَنْ يَفْنَى الذَّاكِرُ فِي الْمَذْكُورِ.

[فَصْلٌ إذَا رَأَى مِنْ زَوْجَته أَمَارَاتِ طَلَبِ الْجِمَاع]

: (فَصْلٌ) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي أَنَّ «الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ عِيَالِهِ» فَإِذَا كَانَ فِي الْأَكْلِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَمَا بَالُك بِهِ فِي الْجِمَاعِ، إذْ أَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْمَلْذُوذَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، فَيَعْمَلُ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَ لَهَا ذَلِكَ إذَا أَرَادَتْهُ، وَهُوَ لَا يَطَّلِعُ عَلَى إرَادَتِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَطْلُبُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُكِّبَ فِيهَا مِنْ الشَّهْوَةِ أَضْعَافُ مَا فِي الرَّجُلِ لَكِنْ أَعْطَاهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْحَيَاءِ مَا يَغْمُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَإِذَا رَأَى مِنْهَا أَمَارَاتِ الطَّلَبِ لِذَلِكَ فَلْيُرْضِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تَتَزَيَّنَ وَتَتَعَطَّرَ، وَتَلْبَسَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَكُونُ غَرَضُهُ تَابِعًا لِغَرَضِهَا فَيَتَّصِفُ إذْ ذَاكَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ عِيَالِهِ» ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ ثَمَّ ضَرُورَةٌ أَكِيدَةٌ لِلْجِمَاعِ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى امْرَأَةً أَعْجَبَتْهُ فَيُرِيدُ أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ امْرَأَةً تُعْجِبُهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّ الَّذِي عِنْدَ هَذِهِ عِنْدَ هَذِهِ» فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا يَنْتَظِرُ أَمَارَاتِ طَلَبِهَا، لَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْمُلَاعَبَةَ قَبْلَ الْفِعْلِ مَعَ الْآدَابِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا.
وَقَدْ وَرَدَ «عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ، وَرَأَى امْرَأَةً أَعْجَبَتْهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَبْدِلْ لِي عِوَضَهَا حُورِيَّةً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبْدِلُ لَهُ عِوَضَهَا حُورِيَّةً» أَوْ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

[فَصْلٌ إتْيَانُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا]

(فَصْلٌ) وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَفْعَلَ مَعَ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ هَذَا الْفِعْلَ الْقَبِيحَ الشَّنِيعَ الَّذِي أَحْدَثَهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ، وَهُوَ إتْيَانُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُعْضِلَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَيْتَهُمْ لَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّهُمْ نَسَبُوا ذَلِكَ إلَى الْجَوَازِ، وَيَقُولُونَ: إنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهِيَ رِوَايَةٌ مُنْكَرَةٌ عَنْهُ لَا أَصْلَ لَهَا؛ لِأَنَّ مَنْ نَسَبَهَا إلَى مَالِكٍ إنَّمَا نَسَبَهَا لِكِتَابِ السِّرِّ، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ فَهُوَ مُتَقَوَّلٌ عَلَيْهِ، وَأَصْحَابُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَكُنْ لَهُ كِتَابُ سِرٍّ، وَفِيهِ مِنْ غَيْرِ هَذَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مُنْكَرَةٌ يَجِلُّ غَيْرُ مَالِكٍ عَنْ إبَاحَتِهَا فَكَيْفَ بِمَنْصِبِهِ، وَمَا عُرِفَ مَالِكٌ إلَّا بِنَقِيضِ مَا نَقَلُوا عَنْهُ مِنْ أَنْ يَخُصَّ الْخَلِيفَةَ بِرُخَصٍ دُونَ غَيْرِهِ بَلْ كَانَ يُشَدِّدُ عَلَيْهِمْ، وَيَأْخُذُهُمْ بِالسِّيَاسَةِ حَتَّى يُنْزِلَهُمْ عَنْ دَرَجَاتِهِمْ إلَى دَرَجَاتِ غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ مَا جَرَى لَهُ مَعَ الْخَلِيفَةِ فِي إقْرَاءِ الْمُوَطَّأِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَدْ قَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ مَرَّةً: يَا مَالِكُ مَا زِلْت تُذِلُّ الْأُمَرَاءَ، فَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ وَالْمَعْهُودُ مِنْ حَالِهِ مَعَهُمْ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْهُ أَيَجُوزُ وَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا؟ فَقَالَ: أَمَا أَنْتُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] أَيَكُونُ الزَّرْعُ حَيْثُ لَا نَبَاتَ؟ . وقَوْله تَعَالَى ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] قِيلَ: مَعْنَاهُ كَيْفَ شِئْتُمْ مُقْبِلَةً أَوْ مُدْبِرَةً أَوْ بَارِكَةً فِي مَوْضِعِ الزَّرْعِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَتَى شِئْتُمْ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَاهُ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ كَيْفَ شِئْتُمْ إنْ شِئْتُمْ فَاعْزِلُوا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَا تَعْزِلُوا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ جَوَازِ ذَلِكَ فَقَالَ: أُفٍّ أُفٍّ أَيَفْعَلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ؟ أَوْ قَالَ مُسْلِمٌ، وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا» ، وَمِنْ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي مَحَاشِّهِنَّ، مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى النِّسَاءَ فِي غَيْرِ مَخْرَجِ الْأَوْلَادِ» ، وَقَدْ قِيلَ لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْكُتُبِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْهُ أَنْتَ تُبِيحُ ذَلِكَ فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: كَذَبُوا عَلَيَّ، وَقَالَ فِي أُخْرَى: كَذَبُوا عَلَيَّ عَافَاك اللَّهُ أَمَا تَسْمَعُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] هَلْ يَكُونُ الْحَرْثُ إلَّا فِي مَوْضِعِ الزَّرْعِ، وَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ إلَّا فِي مَوْضِعِ الْوَلَدِ، وَمِنْ كِتَابِ التَّفْسِيرِ لِابْنِ عَطِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَفِي مُصَنَّفِ النَّسَائِيّ قَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إتْيَانُ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ حَرَامٌ» ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُتَّبَعُ، وَلَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَعْرُجَ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ عَلَى زَلَّةِ عَالِمٍ لَمْ تَصِحَّ عَنْهُ، وَاَللَّهُ الْمُرْشِدُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَمِنْ التَّفْسِيرِ لِلْقُرْطُبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ تَكْفِيرُ مَنْ فَعَلَهُ.
قَالَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ: «مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تِلْكَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى أَعْنِي إتْيَانَ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا» ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ بَدْءُ عَمَلِ قَوْمِ لُوطَ إتْيَانَ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَإِذَا ثَبَتَ الشَّيْءُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اُسْتُغْنِيَ بِهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَمِنْ كِتَابِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ ظَفَرٍ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهَا اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ شُرْطِيَّ الْمَدِينَةِ دَخَلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ رُفِعَ إلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا، فَقَالَ لَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: أَرَى أَنْ تُوجِعَهُ ضَرْبًا، فَإِنْ عَادَ إلَى ذَلِكَ فَفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا مَا حُكِيَ أَنَّ

قَوْمًا مِنْ السَّلَفِ أَجَازُوا ذَلِكَ، فَلَا يَصْلُحُ مَعَ مَا ذُكِرَ مِنْ إضَافَتِهِ إلَيْهِمْ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى سُوءِ ضَبْطِ النَّقَلَةِ، وَالِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الدُّبُرَ اسْمٌ لِلظَّهْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45] ، وَقَالَ ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: 16] أَيْ ظَهْرَهُ، وَالْمَرْأَةُ تُؤْتَى مِنْ قُبُلٍ، وَمِنْ دُبُرٍ انْتَهَى.
يَعْنِي أَنَّهَا تُؤْتَى مِنْ جِهَةِ ظَهْرِهَا فِي قُبُلِهَا، وَسَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِهَا مَا اعْتَادَهُ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَذَّذُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ مُقْبِلَاتٍ، وَمُدْبِرَاتٍ، وَمُسْتَلْقِيَاتٍ فَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ فَاصْنَعْ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَاجْتَنِبْنِي حَتَّى سَرَى أَمْرُهُمَا فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] أَيْ مُقْبِلَاتٍ، وَمُدْبِرَاتٍ، وَمُسْتَلْقِيَاتٍ يَعْنِي بِذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الْوَلَدِ.
وَرُوِيَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا كَانَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] انْتَهَى.
مِنْ السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُد، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا.
هَذَا مَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ، وَأَمَّا طَرِيقُ النَّظَرِ فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إذَا مُنِعَ الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ فِي حَالِ الْحَيْضِ مِنْ أَجْلِ الْأَذَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] ، وَهِيَ أَيَّامٌ يَسِيرَةٌ مِنْ الشَّهْرِ غَالِبًا، فَمَا بَالُك بِمَوْضِعٍ لَا تُفَارِقُهُ النَّجَاسَةُ الَّتِي هِيَ أَشَدُّ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ، وَقَدْ قَالُوا أَيْضًا: إنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا مَحَلٌّ لِلِاسْتِمْتَاعِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا، وَفِيمَا تَحْتَ الْإِزَارِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ شَهْوَةَ الرَّجُلِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ تَابِعَةً لِشَهْوَةِ الْمَرْأَةِ، وَوَطْؤُهَا فِي الدُّبُرِ لَا مَنْفَعَةَ لَهَا فِيهِ بَلْ تَتَضَرَّرُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَحْرِيكُ بَاعِثِ شَهْوَتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنَالَ غَرَضَهَا، وَالثَّانِي أَنَّ الْوَطْءَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ يَضُرُّهَا

[فَصْلٌ الرَّجُلَ إذَا رَأَى امْرَأَةً أَعْجَبَتْهُ وَأَتَى أَهْلَهُ]

. (فَصْلٌ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِي نَفْسِهِ بِالْفِعْلِ، وَفِي غَيْرِهِ بِالْقَوْلِ

مِنْ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الْقَبِيحَةِ الَّتِي عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى فِي الْغَالِبِ، وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا رَأَى امْرَأَةً أَعْجَبَتْهُ، وَأَتَى أَهْلَهُ جَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الَّتِي رَآهَا، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الزِّنَا لِمَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ أَخَذَ كُوزًا يَشْرَبُ مِنْهُ الْمَاءَ فَصَوَّرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَنَّهُ خَمْرٌ يَشْرَبُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ يَصِيرُ عَلَيْهِ حَرَامًا، وَهَذَا مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى حَتَّى لَقَدْ قَالَ لِي مَنْ أَثِقُ بِهِ: إنَّهُ اسْتَفْتَى فِي ذَلِكَ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ فَأَفْتَى بِأَنْ قَالَ: إذَا جَعَلَ مَنْ رَآهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ عِنْدَ جِمَاعِ زَوْجَتِهِ فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَّلَهُ بِأَنْ قَالَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ صَانَ دِينَهُ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى وُجُودِ الْجَهْلِ وَالْجُهَّلِ بِالْجَهْلِ، وَمَا ذُكِرَ لَا يَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ وَحْدَهُ بَلْ الْمَرْأَةُ دَاخِلَةٌ فِيهِ بَلْ هِيَ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الْخُرُوجُ أَوْ النَّظَرُ مِنْ الطَّاقِ فَإِذَا رَأَتْ مَنْ يُعْجِبُهَا تَعَلَّقَ بِخَاطِرِهَا، فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ بِزَوْجِهَا جَعَلَتْ تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي رَأَتْهَا بَيْنَ عَيْنَيْهَا، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَعْنَى الزَّانِي نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى اجْتِنَابِ ذَلِكَ لَيْسَ إلَّا، بَلْ يُنَبِّهُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَغَيْرَهُمْ، وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ ذَكَرَ الطُّرْطُوشِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا شَرِبَ الْعَبْدُ الْمَاءَ عَلَى شَبَهِ الْمُسْكِرِ كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ حَرَامًا»

[فَصْلٌ فِي الْمَنْع مِنْ إفشاء سُرّ الِاجْتِمَاع بزوجته]

. (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ بِأَهْلِهِ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا مَا كَانَ فَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ هَذَا الْمَعْنَى فَيَذْكُرُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَغَيْرِهِمْ مَا كَانَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ، وَهَذَا قَبِيحٌ مِنْ الْفِعْلِ كَفَى بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ فِي الْمَصَادِرِ، وَالْمَوَارِدِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَمَا لَا يُحَدِّثُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بِمَا ذُكِرَ فَكَذَلِكَ لَا يُحَدِّثُ أَهْلَهُ بِشَيْءٍ جَرَى بَيْنَهُ، وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ كَائِنًا مَا كَانَ، وَهَذَا النَّوْعُ أَيْضًا مِمَّا يَتَسَاهَلُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، وَهُوَ قَبِيحٌ إذْ أَنَّ ذَلِكَ يُحْدِثُ بَيْنَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ وَالنِّسَاءِ الْمَوَدَّةَ وَالْمَحَبَّةَ

فَيَأْتِي الرَّجُلُ إلَى أَهْلِهِ فَيُثْنِي لَهُمْ عَلَى مَنْ يَخْطِرُ بِبَالِهِ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ مِنْ جِهَتِهِ، وَالسَّلَامُ يُحْدِثُ الْمَوَدَّةَ وَالْمَحَبَّةَ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي السَّلَامِ نَصِيبٌ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَلِّغَ الْإِنْسَانُ لَهُنَّ السَّلَامَ فَإِنَّهُ يُحْدِثُ لَهُنَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُلُوبِ، وَدُخُولَ وَسْوَاسِ النَّفْسِ وَالْهَوَى وَالشَّيْطَانِ وَنَزَغَاتِهِ، فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْعَادَةِ، فَإِنَّهَا شَنِيعَةٌ.
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إنَّ السَّلَامَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ عَلَى الْمَرْأَةِ الشَّابَّةِ فِي الِابْتِدَاءِ بِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحَدِّثَ الْمَرْءُ بِمَا جَرَى لَهُ مَعَ شَيْخِهِ أَوْ مَنْ يَعْتَقِدُهُ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ أَوْ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُكَلَّفُ فِي دِينِهِ مِنْ الْآدَابِ، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَقَدْ يَجِبُ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى آدَابِهِ فِي تَصَرُّفِهِ فِي بَيْتِهِ لَكِنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ تَدْخُلُ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ أَوْ الْجَارِيَةُ، فَالتَّصَرُّفُ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى نَاصِيَتِهَا، وَالنَّاصِيَةُ مَقْدَمُ الرَّأْسِ زَوْجَةً كَانَتْ أَوْ جَارِيَةً بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا فَيُثْنِيَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ يَمْضِيَ لِسَبِيلِهِ

[فَصْلٌ فِي آدَاب الْقِيَام مِنْ النوم]

فَإِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيُمِرَّ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ يَتَشَهَّدْ ثُمَّ يَرْجِعْ إلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى، وَيَلْبَسُ ثَوْبَهُ، وَيُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْكُمِّ قَبْلَ الْيُسْرَى، فَإِذَا لَبِسَ ثَوْبَهُ فَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ جَنَابَةٍ قَرَأَ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190] إلَى آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَيَدَاهُ تُعَرِّكُ النَّوْمَ عَنْ عَيْنَيْهِ كَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ.
ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى وَيَقُومُ مِنْ الْفِرَاشِ فَيَنْظُرُ إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ قَيُّومُ السَّمَوَاتِ، وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُك الْحَقُّ، وَوَعْدُك

الْحَقُّ، وَلِقَاؤُك حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَك أَسْلَمْت، وَبِك آمَنْت، وَعَلَيْك تَوَكَّلْت، وَإِلَيْك أَنَبْت، وَبِك خَاصَمْت، وَإِلَيْك حَاكَمْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت، وَمَا أَخَّرْت، وَمَا أَسْرَرْت، وَمَا أَعْلَنْت، أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، رَبِّ قِنِي عَذَابَك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك.
هَكَذَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.، وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ: نَامَتْ الْعُيُونُ، وَغَارَتْ النُّجُومُ، وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.
فَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَفْعَلُ فِي وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ، وَغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ بِأَيِّ نِيَّةٍ يَلْبَسُ ثَوْبَهُ، وَكَمْ لَهُ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الذِّكْرِ عِنْدَ الِاسْتِفَاقَةِ مِنْ النَّوْمِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» ، وَكَسَلُ النَّفْسِ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْعُقَدِ الثَّلَاثِ، فَإِنْ هُوَ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَيَذْهَبُ مِنْ الْكَسَلِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ الْعُقْدَةُ الثَّانِيَةُ فَيَذْهَبُ مَعَهَا مِنْ الْكَسَلِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنْ صَلَّى ذَهَبَ الْكَسَلُ كُلُّهُ، وَبَقِيَ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ.
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى حِكْمَةِ الشَّرْعِ فِي كَوْنِهِ شَرَعَ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ الْمَرْءُ مَا ذُكِرَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ يَتَدَرَّجُ إلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، فَشَرَعَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوَّلًا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ حَتَّى تَذْهَبَ عُقَدُ الشَّيْطَانِ كُلُّهَا، وَيَذْهَبَ أَثَرُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَجِدَ بِسَبَبِ النَّشَاطِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ الَّذِي شَرَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي قِيَامِ اللَّيْلِ.
وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ

أَنَّهُ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي كُمِّهِ الْيَمِينِ أَوَّلًا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَتَنَعُّلِهِ» فَعَمَّتْ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا بِقَوْلِهَا فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، ثُمَّ فَصَّلَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَخْلُو فِعْلُهُ مِنْ إحْدَى ثَلَاثٍ: إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ مُبَاحٌ، فَذَكَرَتْ الطُّهُورَ لِتُشِيرَ بِهِ إلَى جِنْسِ الْوَاجِبَاتِ، وَالتَّرَجُّلَ لِجِنْسِ الْمَنْدُوبَاتِ، وَالتَّنَعُّلَ لِجِنْسِ الْمُبَاحَاتِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي اللُّبْسِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَكْسُهُ فِي النَّزْعِ، فَإِذَا نَزَعَ ثَوْبَهُ فَيَبْدَأُ بِنَزْعِ الْكُمِّ مِنْ الْيَدِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَزْعِ النَّعْلِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَالْخُرُوجِ مِنْهُ

. (فَصْلٌ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ مَعَ شَيْخِهِ أَعْنِي فِي الِاجْتِمَاعِ بِهِ مُخْتَارًا لِلْأَوْقَاتِ الَّتِي يَعْلَمُ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ بِهِ فِيهَا يَخِفُّ عَلَيْهِ تَحَرُّزًا مِنْ أَنْ يَجِدَ لِلِاجْتِمَاعِ بِهِ كُلْفَةً، فَيُحْرَمَ الْعِلْمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَوْ بَرَكَتَهُ لِأَجْلِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشَّيْخُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا هُوَ أَهَمُّ عَلَيْهِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بِالنَّاسِ، وَهَذَا النَّوْعُ كَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ تَجِدُهُمْ يَعْتَقِدُونَ الشَّخْصَ، وَيَقُولُونَ بِبَرَكَتِهِ ثُمَّ إنَّهُمْ يَخْتَارُونَ الْأَوْقَاتَ الْفَاضِلَةَ فَيَأْتُونَ فِيهَا إلَى زِيَارَتِهِ فَيُشْغِلُونَهُ عَنْ اغْتِنَامِ بَرَكَةِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ، فَيَصِيرُ هُوَ وَهُمْ بِالسَّوَاءِ أَعْنِي فِي بَطَالَةِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ الشَّرِيفَةِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَلْقَى إلَيْهِمْ ذَلِكَ فَتَجِدُهُمْ مُخَالِفِينَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -. أَلَا تَرَى إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَالُهُمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إذْ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ تَنَاكَرَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَنَفَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ صَاحِبِهِ حَتَّى إذَا فَرَغَ اجْتَمَعُوا، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِخِلَافِ مَا الْحَالُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ كَثُرَ اجْتِمَاعُهُمْ وَزِيَارَتُهُمْ فِيهِ، فَمَنْ لَمْ يَأْتِ مِنْهُمْ إلَى قَرِيبِهِ أَوْ صَاحِبِهِ أَوْ مُعَلِّمِهِ يَجِدُّونَ عَلَيْهِ، وَيَقَعُ التَّشْوِيشُ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى عَكْسِ الْأُمُورِ وَارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي مَعَ رُؤْيَةِ النَّفْسِ أَنَّهَا عَلَى الْخَيْرِ وَالدِّينِ، فَيَرَوْنَ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الشَّرِيفَةِ

قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَيْهِ

[فَصْلٌ فِي طَالِب الْعِلْم يتحفظ مِنْ أُمُور]

فَصْلٌ فِي نُبَذٍ بَقِيَتْ لَمْ تُذْكَرْ بَعْدُ فَمِنْهَا أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ إذَا كَانَ سَاكِنًا فِي الْمَدْرَسَةِ أَوْ الرِّبَاطِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ أُمُورٍ: مِنْهَا أَنْ لَا يَدَعَ الْوُضُوءَ مِنْ مَاءِ الْفَسْقِيَّةِ أَوْ الْبِئْرِ، وَلَا يَتَوَضَّأَ مِنْ مَاءِ الصِّهْرِيجِ أَوْ الزِّيرِ الْمُعَدَّيْنِ لِلشُّرْبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا عُمِلَ لِلشُّرْبِ لَا لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِ فَقَدْ يُقْتَدَى بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَفْعَلُ مَا ذُكِرَ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ عَلَى الْبَلَاطِ الَّذِي عَلَى السُّقُوفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْبَلَاطِ وَالْخَشَبِ، وَهُمَا وَقْفٌ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْتَجْمِرَ بِالْحِجَارَةِ وَيَدَعَهَا فِي الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ الْقَيِّمَ إذَا وَجَدَهَا هُنَاكَ رَمَاهَا فِي السَّرَبِ فَيَمْتَلِئُ بِالْحِجَارَةِ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ بِالْوَقْفِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَجْمِرَ بِحَائِطِ الْوَقْفِ أَوْ بِأُصْبُعِهِ، وَيَمْسَحَ مَا أَصَابَهُ فِي الْحَائِطِ، وَهَذَا النَّوْعُ قَدْ كَثُرَ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ فِي الْفَسْقِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وِعَاءٌ يَتَوَضَّأُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا احْتَاجَ إلَى الْغُسْلِ يَكُونُ لَهُ وِعَاءٌ يَغْتَسِلُ فِيهِ لِئَلَّا يَضُرَّ بِالسَّقْفِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا صَعِدَ أَوْ نَزَلَ أَنْ يَمْشِيَ بِرِفْقٍ إذْ أَنَّ الْمَشْيَ بِقُوَّةٍ يَضُرُّ بِالْبَلَاطِ وَالسُّقُوفِ، وَهُمَا وَقْفٌ سِيَّمَا إذَا كَانَ بِقَبْقَابٍ فَيَحْذَرُ مِنْ هَذَا جَهْدَهُ، فَهَذَا مُنْتَهَى الْكَلَامِ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ عَلَى آدَابِ الْعَالِمِ، وَالْمُتَعَلِّمِ لِيَتَنَبَّهَ بِمَا ذُكِرَ عَلَى مَا لَمْ يُذْكَرْ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ

[فَصْلٌ فِي نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ وَآدَابِهِمَا]

، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِمَا مُشْتَرَكٌ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ، فَالْإِمَامُ لَهُ آدَابٌ تَخُصُّهُ فَمِنْهَا مَا هُوَ وَاجِبٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَنْدُوبٌ، وَمِثْلُهُ الْمُؤَذِّنُ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْإِمَامِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ: أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَمَانِيَةُ أَوْصَافٍ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا

عَاقِلًا بَالِغًا ذَكَرًا عَدْلًا مُتَكَلِّمًا قَارِئًا لِلْقُرْآنِ أَوْ لِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقِيهًا بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَالْمُؤَذِّنُ: شَرَطُوا فِيهِ أَيْضًا ثَمَانِيَةَ أَوْصَافٍ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا ذَكَرًا عَدْلًا مُتَكَلِّمًا عَارِفًا بِالْأَوْقَاتِ سَالِمًا مِنْ اللَّحْنِ فِي الْأَذَانِ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ، وَهِيَ: كُلُّ صَلَاةٍ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ حَتَّى تَحْصُلَ لَهُ فَضِيلَتُهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ فِي غَيْرِهَا، وَهِيَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، وَصَلَاةُ الْخَوْفِ، وَالْجَمْعُ لِلْمَطَرِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَإِذَا كَانَ مَأْمُومًا، وَاسْتُخْلِفَ هَذَا الَّذِي يَجِبُ فِيهِ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ، فَلَا يَجِبُ لَكِنْ إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ لَا تَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ مَنْ نَوَاهَا، وَإِذَا نَوَاهَا فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ مَعَ ذَلِكَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الْعَالِمِ.
وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ مَأْمُومٌ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَالْإِمَامَةُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فَإِذَا عَزَمَ عَلَيْهَا فَلْيَنْوِ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَقُومُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ حَتَّى يُسْقِطَ ذَلِكَ عَنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتَسَارَعَ إلَيْهَا، وَلَا يَتْرُكَهَا رَغْبَةً عَنْهَا، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ جَمَاعَةً تَرَادُّوا الْإِمَامَةَ بَيْنَهُمْ فَخُسِفَ بِهِمْ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَوَرَّعُ عَنْ الْإِمَامَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ مَنْ يُبَادِرُ إلَيْهَا، وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا هَذَا أَعْنِي فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَمَا أَشْبَهَهَا فَيَنْبَغِي لِمَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ أَنْ يُبَادِرَ إلَيْهَا إذَا كَانَ لَا يَعْرِفُ حَالَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا مَعَ مَعْرِفَتِهِ فَيَعْمَلُ عَلَى مَا يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: إذَا أَخَذَك وَقْتُ الصَّلَاةِ بِمَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ، فَإِنْ كُنْت فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ فَصَلِّ حَيْثُ كُنْت، وَلَيْسَ عَلَيْك إعَادَةٌ، وَإِنْ كُنْت فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَيَقَعُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ تَعْلَمَ حَالَ الْإِمَامِ أَمْ لَا فَتَعْمَلَ عَلَى مَا تَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ مَضَتْ صَلَاتُك، وَإِلَّا فَتُعِيدُهَا، وَكَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُعَلِّلُ ذَلِكَ فَيَقُولُ: إنَّ بِلَادَ الْمَغْرِبِ لَا يَتَوَلَّى الْإِمَامَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ إلَّا مَنْ أَجْمَعَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلَدِ عَلَى فَضِيلَتِهِ

وَتَقْدُمَتِهِ فِي الْعِلْمِ، وَالْخَيْرِ، وَالصَّلَاحِ، وَسَائِرَ الْمَسَاجِدِ لَا يَتَوَلَّى الْإِمَامَةَ فِيهَا إلَّا مَنْ أَجْمَعَ أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ عَلَى فَضِيلَتِهِ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا الدِّيَارُ الْمِصْرِيَّةُ وَمَا أَشْبَهَهَا، فَإِنَّ الْإِمَامَةَ فِيهَا بِالدَّرَاهِمِ غَالِبًا، وَهِيَ إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ لَا يَتَوَلَّاهَا إلَّا صَاحِبُ جَاهٍ أَوْ شَوْكَةٍ، وَمَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِ رِقَّةُ الدِّينِ، فَإِذَا صَلَّى خَلْفَهُ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَعَادَ صَلَاتَهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ فَانْظُرُوا بِمَنْ تَسْتَشْفِعُونَ» ، وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا تَوَلَّى الْإِمَامَةَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ صَادِقَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَطْلُبُ بِذَلِكَ عِوَضًا عَنْ ثَنَاءٍ، وَلَا رَاحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، وَلَا صُورَةٍ مُمَيَّزَةٍ بَيْنَ النَّاسِ، بَلْ يَجْعَلُ ذَلِكَ لِوَجْهِ رَبِّهِ خَالِصًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ مِنْ أَكْبَرِ مُهِمَّاتِ الدِّينِ.، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَمِلَ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ شَيْئًا يُرِيدُ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ، وَعَرْفُهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ» فَيَحْذَرُ مِنْ هَذَا الْخَطَرِ الْعَظِيمِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَغْبِطُهُمْ الْأَوَّلُونَ، وَالْآخِرُونَ عَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُلٌ يُنَادِي بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كُلَّ يَوْمٍ، وَلَيْلَةٍ» فَإِنْ خَافَ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَمَاعَةِ مَنْ يَكْرَهُ إمَامَتَهُ فَتَرْكُهَا إذْ ذَاكَ أَفْضَلُ لَهُ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ عَلَى مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ حَذَرًا أَنْ يَكْرَهَ أَحَدٌ إمَامَتَهُ لِحَظٍّ دُنْيَوِيٍّ أَوْ نَفْسَانِيٍّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ الْكَرَاهَةُ شَرْعِيَّةً فَلَا يَتَقَدَّمُ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ ثَلَاثًا رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَرَجُلٌ سَمِعَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ لَمْ يُجِبْ» فَإِنْ كَانَ لَهُ عَلَى الْإِمَامَةِ مَعْلُومٌ، فَلَا يَأْخُذُهُ بِنِيَّةِ الْإِجَارَةِ، بَلْ يَأْخُذُهُ عَلَى نِيَّةِ الْفُتُوحِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا عَلَى أَنَّهُ عِوَضٌ عَلَى فِعْلِ الْإِمَامَةِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَعَلَامَتُهُ أَنْ لَا يَطْلُبَهُ، وَلَا يَجِدَ الْقَلَقَ حِينَ قَطْعِهِ عَنْهُ، وَلَا يَتَضَجَّرَ، وَلَا يَتْرُكَ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ،

فَإِنْ طَلَبَ أَوْ تَضَجَّرَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ بَابِ الْمَنْدُوبِ إلَى بَابِ الْمَكْرُوهِ أَوْ الْمُحَرَّمِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَمْرِ الْعَالِمِ، وَلَوْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِنِيَّةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَإِرْشَادِ الْمُسْلِمِينَ لِمَصَالِحِ دِينِهِمْ فَذَلِكَ سَائِغٌ مَا لَمْ يَصْحَبْهُ حَظٌّ مَا فَإِنْ صَحِبَهُ فَيُكْرَهُ أَوْ يُمْنَعُ بِحَسَبِ الْحَالِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى الْأَوْقَاتِ أَكْثَرَ مِنْ تَحَفُّظِ الْمُؤَذِّنِ عَلَيْهَا، إذْ أَنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ الْمُؤَذِّنُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَالْمُؤْمِنُ كَفِيلٌ لِأَخِيهِ فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَتَحَفَّظُ عَلَى الْأَوْقَاتِ فَقَلَّ أَنْ يَتَأَتَّى خَطَؤُهُمَا مَعًا، بَلْ إذَا أَخْطَأَ هَذَا أَصَابَ هَذَا فِي الْغَالِبِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَوْقَاتِ فَرْضٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَا بَالُك بِمَنْ لَهُ الْإِمَامَةُ إذْ بِهِ الْحَلُّ وَالرَّبْطُ فِي الصَّلَاةِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ مِمَّا يَتَعَاطَاهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُزْرِي بِصَاحِبِهَا مِنْ الْمِزَاحِ، وَكَثْرَةِ الضَّحِكِ سِيَّمَا مَعَ الْأَجَانِبِ، وَالْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُزْرِي بِصَاحِبِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ فِي شَيْءٍ.
وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الطَّرَقَاتِ» كَمَا تَقَدَّمَ، وَبَعْضُهُمْ يَقْعُدُ عَلَى دُكَّانِ الْبَيَّاعِ لَا لِحَاجَةٍ، وَذَلِكَ جُلُوسٌ عَلَى الطُّرُقَاتِ، وَهُوَ مَوْضِعُ النَّهْيِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ الْجَمَاعَةِ قَلَقًا وَخَوْفًا، وَأَكْثَرَهُمْ عِلْمًا وَخَشْيَةً وَرِقَّةً، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ تُرْفَعُ عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ حَتَّى يُحَصِّلَ جَمِيعَ مَنْ خَلْفَهُ فِي صَحِيفَتِهِ، وَفِي خِفَارَتِهِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُمْ فَضْلًا، وَيَرَى الْفَضْلَ لَهُمْ عَلَيْهِ، وَيَتَخَوَّفُ عَلَى ذِمَّتِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» أَوْ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: وَيَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ مُهِمَّاتِهِ التَّحَفُّظَ مِنْ الْعَوَائِدِ الْمُتَّخَذَةِ، وَالْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا مِنْ السُّنَنِ الْمَعْمُولِ بِهَا عِنْدَهُمْ،

حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا أَحَدٌ الْيَوْمَ لَوَجَدُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: تَرَكَ السُّنَّةَ فَظَهَرَ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ قَالَ: «كَيْفَ بِك يَا حُذَيْفَةُ إذَا تَرَكْت بِدْعَةً قَالُوا: تَرَكَ سُنَّةً» فَيَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْخَطِرِ جَهْدَهُ إذْ أَنَّهُ عَلَمٌ لِلْعَامَّةِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي الْغَالِبِ

[فَصْلٌ فِي الْبِدَعِ الَّتِي أُحْدِثَتْ فِي الْمَسْجِدِ وَالْأَمْرِ بِتَغْيِيرِهَا]

فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ الْبِدَعِ الَّتِي أُحْدِثَتْ فِي الْمَسْجِدِ وَالْأَمْرِ بِتَغْيِيرِهَا قَالَ الرَّسُولُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَسْجِدَ وَمَا يُفْعَلُ فِيهِ مِنْ رَعِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّنْ لَهُ التَّصَرُّفُ.
أَلَا تَرَى إلَى فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حِينَ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَقَالَ أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا» فَنَظَرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِذَلِكَ مِنْ بَعْضِ فَوَائِدَ، إذْ أَنَّ الْمَسْجِدَ مِنْ جُمْلَةِ رَعِيَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي مِثْلِ مَسْجِدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الَّذِي هُوَ مَفْرُوشٌ بِالرَّمْلِ، أَمَّا غَيْرُهُ مِمَّا هُوَ مَفْرُوشٌ بِالْحُصُرِ أَوْ بِالرُّخَامِ أَوْ بِالْبَلَاطِ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ فِيهِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الثَّالِثُ الَّذِي ذَكَرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ: أَنْ يَبْزُقَ فِي طَرَفِ رِدَائِهِ وَيَحُكَّهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: يَبْصُقُ تَحْتَ طَرَفِ الْحَصِيرِ وَيَرُدُّ الْحَصِيرَ عَلَيْهَا وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الدَّفْنِ لَهَا كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنْ كَثْرَةِ تَعْظِيمِهِمْ لِلْمَسَاجِدِ وَاحْتِرَامِهَا، وَأَنَّ مَسَاجِدَهُمْ كَانَتْ يُمْكِنُ الدَّفْنُ فِيهَا غَالِبًا وَقَلَّ مَنْ يَقَعُ مِنْهُ ذَلِكَ لِشِدَّةِ التَّعْظِيمِ، بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْحَالُ الْيَوْمَ فَتَعَاطِي الْقَلِيلَ

مِنْهُ يُؤَدِّي إلَى الْكَثِيرِ، وَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فِيهِ اسْتِقْذَارًا لِلْمَسْجِدِ.
الثَّانِي: أَنَّ الذُّبَابَ يَجْتَمِعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَيُشَوِّشُ عَلَى مَنْ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ فَيُمْنَعُ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْخُشَاشَ يَكْثُرُ بِسَبَبِهَا؛ لِأَنَّهُ يَتَغَذَّى بِهَا.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا يُسَمَّى تَغْطِيَةً وَلَا يُسَمَّى دَفْنًا.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى.
السَّادِسُ: أَنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْحَصِيرَ إذَا فُعِلَ ذَلِكَ تَحْتَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى آلَ إلَى تَقْطِيعِهِ.
السَّابِعُ: أَنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ فِي الْوَقْفِ فِي غَيْرِ مَا جُعِلَ لَهُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا.
الثَّامِنُ: أَنَّ ذَلِكَ يُكْسِبُ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِتَطْيِيبِهِ وَهَذَا ضِدُّهُ.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ الْبُصَاقِ شَيْءٌ مِنْ الدَّمِ وَهُوَ نَجِسٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ قَيْحٍ وَصَدِيدٍ مِمَّنْ بِهِ مَرَضٌ.
وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالُوهُ فِيمَنْ بَقِيَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِنْ أَثَرِ مَا أَكَلَ إذْ أَنَّهُ إذَا عَالَجَهُ وَأَزَالَهُ فَلَا يَبْتَلِعُهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مُخَالَطَتُهُ لِشَيْءٍ مِنْ دَمِ اللِّثَاتِ، وَكَذَلِكَ السِّوَاكُ لَا يَسْتَاكُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُ مِنْ الْمَرَّةِ الْأُولَى لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ خَالَطَهُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا سَلِمَ مِنْ النَّجَاسَةِ فَفِعْلُهُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ بُصَاقَهُ إلَى فِيهِ، وَذَلِكَ مُسْتَقْذَرٌ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لِأَجْلِ النَّظَافَةِ، وَهَذَا ضِدُّهُ.
هَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ حَصِيرٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ رُخَامٌ أَوْ بَلَاطٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ الدَّفْنُ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَيُمْنَعُ الْبُصَاقُ فِيهِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» وَدَفْنُهَا لَا يُمْكِنُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَكُونَ خَطِيئَةً.

فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَسْجِدَ مِنْ رَعِيَّةِ الْإِمَامِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَتَفَقَّدَهُ، فَمَا كَانَ فِيهِ عَلَى مِنْهَاجِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ أَبْقَاهُ وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ أَزَالَهُ بِرِفْقٍ وَتَلَطُّفٍ، إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ حَائِلٌ يَحُولُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
أَلَا تَرَى إلَى فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

حِينَ اعْتَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ اتَّخَذَ حُجْرَةً مِنْ حَصِيرٍ، وَالْحَصِيرُ مِمَّا لَا يَتَأَبَّدُ.
وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْأَحْكَامِ الصُّغْرَى لَهُ قَالَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَصِيرٌ وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنْ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ» الْحَدِيثَ.
هَذَا وَهُوَ لِضَرُورَةِ الِاعْتِكَافِ فَمَا بَالُكَ بِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ.
فَعَلَى هَذَا فَفِعْلُ الْمَقَاصِيرِ وَالدَّرَابْزِينِ مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ، وَقَدْ تَرَتَّبَ بِسَبَبِ ذَلِكَ جُمْلَةُ مَفَاسِدَ.
أَوَّلُهَا: أَنَّ الْمَوْضِعَ وُقِفَ لِلصَّلَاةِ وَمَا فُعِلَ فِيهِ لِغَيْرِهَا فَهُوَ غَصْبٌ لِمَوَاضِعِ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّانِي: أَنَّ فِيهِ تَقْطِيعَ الصُّفُوفِ وَذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْبَالُ الْخَطِيبِ فِي حَالِ خُطْبَتِهِ وَلَا رُؤْيَتُهُ بِسَبَبِهَا، إذْ أَنَّهَا تَحُولُ بَيْنَ الْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ.
وَقَدْ وَرَدَ «إذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبِلُوهُ بِوُجُوهِكُمْ وَارْمُقُوهُ بِأَعْيُنِكُمْ» مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الْمَقَاصِيرِ وَالدَّرَابْزِينِ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ، فَكَانَتْ سَبَبًا لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ فِعْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَى إلَى أَمْرٍ مُسْتَهْجَنٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ يَجِدُ السَّبِيلَ إلَى الْوُصُولِ إلَى أَغْرَاضِهِ الْخَسِيسَةِ بِارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ لِكَوْنِهِ يَتَوَارَى فِيهَا عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ قَدْ يَنَامُ فِيهَا بَعْضُ الْغُرَبَاءِ لِلضَّرُورَةِ، فَيَجِدُ اللِّصُّ السَّبِيلَ إلَى أَخْذِ مَتَاعِهِ إذْ أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ مَنْ يَنْظُرُ إلَيْهِ بِسَبَبِهَا، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ كَثِيرًا.
السَّادِسُ: أَنَّهُ قَدْ يَجِدُ بَعْضُ النَّاسِ السَّبِيلَ إلَى أَنْ يَبُولَ فِي الْمَسْجِدِ بِسَبَبِهَا، إذْ أَنَّهُ يَسْتَتِرُ بِهَا فَلَا يُرَدُّ إذْ ذَاكَ سِيَّمَا الصِّبْيَانُ الصِّغَارَ الَّذِينَ لَا يَنْضَبِطُ حَالُهُمْ فِي الْغَالِبِ.
السَّابِعُ: مَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ.
الثَّامِنُ: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ زَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ وَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ.
التَّاسِعُ: قَدْ يَجِيءُ أَعْمَى لَا يَهْتَدِي بِتِلْكَ الْأَبْوَابِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي فِي الدَّرَابْزِينِ فَكَانَتْ سَبَبًا لِإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ.
وَكَانَ سَبَبُ اتِّخَاذِهَا أَنَّ الْخِلَافَةَ لَمَّا رَجَعَتْ مُلْكًا وَتَخَوَّفَ الْمُلُوكُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ الْقَتْلِ عَمِلُوا هَذِهِ الْمَقَاصِيرَ لِيَتَحَصَّنُوا بِهَا مِمَّنْ يَثِبُ إلَى

فصول الكتاب · 3 فصل · 334 صفحة
جارٍ التحميل