ظن أنهم يجعلونها شيئًا واحدًا، وليس كذلك، فإن الإيمان مستلزم للإسلام باتفاقهم، وليس إذا كان الإسلام داخلاً فيه يلزم أن يكون هو إياه، وأما الإسلام فليس معه دليل على أنه يستلزم الإيمان عند الإطلاق، ولكن هل يستلزم الإيمان الواجب أو كمال الإيمان؟ فيه نزاع، وليس معه دليل على أنه مستلزم للإيمان ولكن الأنبياء الذين وصفهم الله بالإسلام كلهم كانوا مؤمنين، وقد وصفهم الله بالإيمان ولو لم يذكر ذاك عنهم فنحن نعلم قطعًا أن الأنبياء كلهم مؤمنون.
وكذلك السابقون الأولون كانوا مسلمين مؤمنين، ولو قدر أن الإسلام يستلزم الإيمان الواجب، فغاية ما يقال: إنهما متلازمان، فكل مسلم مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وهذا صحيح إذا أريد أن كل مسلم يدخل الجنة معه الإيمان الواجب، وهو متفق عليه إذا أريد أن كل مسلم يثاب على عبادته، فلابد أن يكون معه أصل الإيمان فما من مسلم إلا وهو مؤمن، وإن لم يكن هو الإيمان الذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم، عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وعمن يفعل الكبائر، وعن الأعراب وغيرهم، فإذا قيل: إن الإسلام والإيمان التام متلازمان لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر، كالروح والبدن، فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح، فإنه قائم بالروح ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حيًا إلا مع الروح، بمعنى أنهما متلازمان، لا أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر، وإسلام المنافقين كبدن الميت جسد بلا روح، فما من بدن حي إلا وفيه روح، ولكن الأرواح متنوعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " وليس كل من صلى ببدنه يكون قلبه منورًا بذكر الله والخشوع وفهم القرآن وإن كانت صلاته يثاب عليها ويسقط عنه الفرض في أحكام الدنيا فهكذا الإسلام الظاهر بمنزلة الصلاة الظاهرة، والإيمان بمنزلة ما يكون في القلب حين الصلاة من المعرفة بالله
والخشوع وتدبر القرآن، فكل من خشع قلبه خشعت جوارحه، ولا ينعكس؛ ولهذا قيل: إياكم وخشوع النفاق، وهو أن يكون الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع، فإذا صلح القلب صلح الجسد كله، وليس إذا كان الجسد في عبادة يكون القلب قائمًا بحقائقها.
والناس في [الإيمان] و [الإسلام] على ثلاث مراتب: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، فالمسلم ظاهرًا وباطنًا إذا كان ظالمًا لنفسه، فلابد أن يكون معه إيمان، ولكن لم يأت بالواجب ولا ينعكس، وكذلك في الآخر.
وسيأتي إن شاء الله.
والآيات التي احتج بها محمد بن نصر تدل على وجوب الإسلام، وأنه دين الله، وأن الله يحبه ويرضاه، وأنه ليس له دين غيره، وهذا كله حق، لكن ليس في هذا ما يدل على أنه هو الإيمان، بل ولا يدل على أن بمجرد الإسلام يكون الرجل من أهل الجنة، كما ذكره في حجة القول الأول، فإن الله وعد المؤمنين بالجنة في غير آية، ولم يذكر هذا الوعد باسم الإسلام.
وحينئذ، فمدحه وإيجابه ومحبة الله له تدل على دخوله في الإيمان، وأنه بعض منه، وهذا متفق عليه بين أهل السنة، كلهم يقولون: كل مؤمن مسلم، وكل من أتى بالإيمان الواجب فقد أتى بالإسلام الواجب، لكن النزاع في العكس، وهذا كما أن الصلاة يحبها الله ويأمر بها، ويوجبها ويثنى عليها وعلى أهلها في غير موضع، ثم لم يدل ذلك على أن مسمى الصلاة مسمى الإيمان، بل الصلاة تدخل في الإيمان، فكل مؤمن مصل، ولا يلزم أن يكون كل من صلى وأتى الكبائر مؤمنا.
وجميع ما ذكره من الحجة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن فيها التفريق بين مسمى الإيمان والإسلام إذا ذكرا جميعًا، كما في حديث جبريل وغيره، وفيها أيضًا أن اسم الإيمان إذا أطلق دخل فيه الإسلام.
قال أبو عبد الله بن حامد في كتابه المصنف في [أصول الدين] قد ذكرنا أن الإيمان قول وعمل، فأما الإسلام فكلام أحمد يحتمل روايتين: إحداهما: أنه كالإيمان.
والثانية: أنه قول بلا عمل.
وهو نصه في رواية
إسماعيل بن سعيد، قال: والصحيح أن المذهب رواية واحدة أنه قول وعمل، ويحتمل قوله: إن الإسلام قول يريد به: أنه لا يجب فيه ما يجب في الإيمان من العمل المشروط فيه؛ لأن الصلاة ليست من شرطه، إذ النص عنه أنه لا يكفر بتركه الصلاة.
قال: وقد قضينا أن الإسلام والإيمان اسمان لمعنيين، وذكرنا اختلاف الفقهاء، وقد ذكر قبل ذلك أن الإسلام والإيمان اسمان لمعنيين مختلفين، وبه قال مالك، وشريك، وحماد ابن زيد، بالتفرقة بين الإسلام والإيمان، قال: وقال أصحاب الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة: إنهما اسمان معناهما واحد.
قال: ويفيد هذا أن الإيمان قد تنتفي عنه تسميته مع بقاء الإسلام عليه، وهو بإتيان الكبائر التي ذكرت في الخبر، فيخرج عن تسمية الإيمان، إلا أنه مسلم، فإذا تاب من ذلك عاد إلى ما كان عليه من الإيمان، ولا تنتفي عنه تسمية الإيمان بارتكاب الصغائر من الذنوب، بل الاسم باق عليه، ثم ذكر أدلة ذلك، ولكن ما ذكره فيه أدلة كثيرة على من يقول: الإسلام مجرد الكلمة، فإن الأدلة الكثيرة تدل على أن الأعمال من الإسلام، بل النصوص كلها تدل على ذلك، فمن قال: إن الأعمال الظاهرة المأمور بها ليست من الإسلام، فقوله باطل، بخلاف التصديق الذي في القلب، فإن هذا ليس في النصوص ما يدل على أنه من الإسلام، بل هو من الإيمان، وإنما الإسلام الدين، كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسلم وجهه وقلبه لله، فإخلاص الدين لله إسلام، وهذا غير التصديق، ذاك من جنس عمل القلب، وهذا من جنس علم القلب.
وأحمد بن حنبل، وإن كان قد قال في هذا الموضع: إن الإسلام هو الكلمة، فقد قال في موضع آخر: إن الأعمال من الإسلام، وهو اتبع هنا الزهري رحمه الله، فإن كان مراد من قال ذلك: إنه بالكلمة يدخل في الإسلام ولم يأت بتمام الإسلام، فهذا قريب، وإن كان مراده أنه أتى بجميع الإسلام وإن لم يعمل فهذا غلط قطعًا، بل قد أنكر أحمد هذا الجواب، وهو قول من قال: يطلق عليه الإسلام وإن لم يعمل، متابعة لحديث جبريل، فكان ينبغي أن يذكر قول أحمد جميعه.
قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الإسلام والإيمان فقال: الإيمان قول وعمل، والإسلام الإقرار.
وقال: وسألت أحمد عمن قال في الذي قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم إذ سأله عن الإسلام، فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ فقال: نعم.
فقال قائل: وإن لم يفعل الذي قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو مسلم أيضًا؟ فقال: هذا معاند للحديث.
فقد جعل أحمد من جعله مسلمًا إذا لم يأت بالخمس معاندًا للحديث، مع قوله: إن الإسلام الإقرار، فدل ذلك على أن ذاك أول الدخول في الإسلام، وأنه لا يكون قائمًا بالإسلام الواجب حتى يأتي بالخمس، وإطلاق الاسم مشروط بها، فإنه ذم من لم يتبع حديث جبريل.
وأيضًا، فهو في أكثر أجوبته يكفر من لم يأت بالصلاة، بل وبغيرها من المباني، والكافر لا يكون مسلمًا باتفاق المسلمين، فعلم أنه لم يرد أن الإسلام هو مجرد القول بلا عمل، وإن قدر أنه أراد ذلك، فهذا يكون أنه لا يكفر بترك شيء من المباني الأربعة، وأكثر الروايات عنه بخلاف ذلك، والذين لا يكفرون من ترك هذه المباني يجعلونها من الإسلام؛ كالشافعي ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم، فكيف لا يجعلها أحمد من الإسلام؟ ! وقوله في دخولها في الإسلام أقوى من قول غيره، وقد روي عنه أنه جعل حديث سعد معارضًا لحديث عمر، ورجح حديث سعد.
قال الحسن بن علي: سألت أحمد بن حنبل عن الإيمان أوكد أو الإسلام؟ قال: جاء حديث عمر هذا، وحديث سعد أحب إلى، كأنه فهم أن حديث عمر يدل على أن الأعمال هي مسمى الإسلام، فيكون مسماه أفضل.
وحديث سعد يدل على أن مسمى الإيمان أفضل، ولكن حديث عمر لم يذكر الإسلام إلا
الأعمال الظاهرة فقط، وهذه لا تكون إيمانًا إلا مع الإيمان الذي في القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله، فيكون حينئذ بعض الإيمان، فيكون مسمى الإيمان أفضل كما دل عليه حديث سعد، فلا منافاة بين الحديثين.
وأما تفريق أحمد بين الإسلام والإيمان، فكان يقوله تارة، وتارة يحكى الخلاف ولا يجزم به.
وكان إذا قرن بينهما تارة يقول: الإسلام الكلمة، وتارة لا يقول ذلك، وكذلك التكفير بترك المباني، كان تارة يكفر بها حتى يغضب، وتارة لا يكفر بها.
قال الميموني: قلت: يا أبا عبد الله، تفرق بين الإسلام والإيمان؟ قال: نعم.
قلت: بأي شيء تحتج؟ قال: عامة الأحاديث تدل على هذا، ثم قال: " لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن "، وقال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14].
قال: وحماد بن زيد يفرق بين الإسلام والإيمان.
قال: وحدثنا أبو سلمة الخزاعي قال: قال مالك وشريك، وذكر قولهم وقول حماد بن زيد: فرق بين الإسلام والإيمان.
قال أحمد: قال لي رجل: لو لم يجئنا في الإيمان إلا هذا لكان حسنًا.
قلت لأبي عبد الله: فتذهب إلى ظاهر الكتاب مع السنن؟ قال: نعم.
قلت: فإذا كانت المرجئة يقولون: إن الإسلام هو القول.
قال: هم يصيرون هذا كله واحدًا، ويجعلونه مسلمًا ومؤمنًا شيئًا واحدًا علي إيمان جبريل ومستكمل الإيمان.
قلت: فمن هاهنا حجتنا عليهم؟ قال: نعم، فقد ذكر عنه الفرق مطلقًا واحتجاجه بالنصوص.
وقال صالح بن أحمد: سئل أبي عن الإسلام والإيمان، قال: قال ابن أبي ذئب: الإسلام: القول، والإيمان: العمل.
قيل له: ما تقول أنت؟ قال: الإسلام غير الإيمان، وذكر حديث سعد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم.
فهو في هذا الحديث لم يختر قول من قال: الإسلام: القول، بل أجاب بأن الإسلام غير الإيمان، كما دل عليه الحديث الصحيح مع القرآن.
وقال حنبل: حدثنا أبو عبد الله بحديث بريدة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " الحديث، قال: وسمعت أبا عبد الله يقول في هذا الحديث: حجة على من قال: الإيمان قول.
فمن قال: أنا مؤمن فقد خالف قوله: من المؤمنين والمسلمين.
فبين المؤمن من المسلم، ورد على من قال: أنا مؤمن مستكمل الإيمان، وقوله: " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " وهو يعلم أنه ميت، يشد قول من قال: أنا مؤمن إن شاء الله بالاستثناء في هذا الموضع.
وقال أبو الحارث: سألت أبا عبد الله قلت: قوله: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " قال: قد تأولوه، فأما عطاء فقال: يتنحى عنه الإيمان، وقال طاوس: إذا فعل ذلك زال عنه الإيمان.
وروي عن الحسن قال: إن رجع راجعه الإيمان، وقد قيل: يخرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرج من الإسلام، وروى هذه المسألة صالح، فإن مسائل أبي الحارث يرويها صالح أيضًا، وصالح سأل أباه عن هذه القصة فقال فيها: هكذا يروي عن أبي جعفر قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " قال: يخرج من الإيمان إلى الإسلام، فالإيمان مقصور في الإسلام، فإذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام.
قال الزهري يعني لما روى حديث سعد: " أو مسلم ": فنرى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل.
قال أحمد: وهو حديث متأول، والله أعلم.
فقد ذكر أقوال التابعين ولم يرجح شيئًا، وذلك والله أعلم لأن جميع ما قالوه حق، وهو يوافق على ذلك كله، كما قد ذكر في مواضع أخر أنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام، ونحو ذلك.
وأحمد وأمثاله من السلف لا يريدون بلفظ التأويل صرف اللفظ عن ظاهره، بل التأويل عندهم مثل التفسير، وبيان ما
يؤول إليه اللفظ، كقول عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: " سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي " يتأول القرآن، وإلا فما ذكره التابعون لا يخالف ظاهر الحديث بل يوافقه، وقول أحمد يتأوله، أي يفسر معناه، وإن كان ذلك يوافق ظاهره لئلا يظن مبتدع أن معناه: أنه صار كافرًا لا إيمان معه بحال، كما تقوله الخوارج، فإن الحديث لا يدل على هذا، والذي نفى عن هؤلاء الإيمان كان يجعلهم مسلمين لا يجعلهم مؤمنين.
قال المروزي: قيل لأبي عبد الله: نقول: نحن المؤمنون؟ فقال: نقول: نحن المسلمون.
قلت لأبي عبد الله: نقول: إنا مؤمنون.
قال: ولكن نقول: إنا مسلمون، وهذا لأن من أصله الاستثناء في الإيمان؛ لأنه لا يعلم أنه مؤد لجميع ما أمره الله به، فهو مثل قوله: أنا بر، أنا تقي، أنا ولي الله، كما يذكر في موضعه، وهذا لا يمنع ترك الاستثناء إذا أراد: أني مصدق، فإنه يجزم بما في قلبه من التصديق، ولا يجزم بأنه ممتثل لكل ما أمر به، وكما يجزم بأنه يحب الله ورسوله، فإنه يبغض الكفر، ونحو ذلك مما يعلم أنه في قلبه، وكذلك إذا أراد بأنه مؤمن في الظاهر، فلا يمنع أن يجزم بما هو معلوم له، وإنما يكره ما كرهه سائر العلماء من قول المرجئة؛ إذ يقولون: الإيمان شيء متماثل في جميع أهله، مثل كون كل إنسان له رأس، فيقول أحدهم: أنا مؤمن حقًا، وأنا مؤمن عند الله، ونحو ذلك، كما يقول الإنسان: لي رأس حقًا، وأنا لي رأس في علم الله حقًا، فمن جزم به على هذا الوجه، فقد أخرج الأعمال الباطنة والظاهرة عنه، وهذا منكر من القول وزور عند الصحابة والتابعين، ومن اتبعهم من سائر المسلمين، وللناس في مسألة الاستثناء كلام يذكر في موضعه.
والمقصود هنا: أن هنا قولين متطرفين؛ قول من يقول: الإسلام مجرد الكلمة، والأعمال الظاهرة ليست داخلة في مسمى
الإسلام، وقول من يقول: مسمى الإسلام والإيمان واحد، وكلاهما قول ضعيف مخالف لحديث جبريل، وسائر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
ولهذا لما نصر محمد بن نصر المروزي القول الثاني، لم يكن معه حجة على صحته، ولكن احتج بما يبطل به القول الأول، فاحتج بقوله في قصة الأعراب: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17]، قال: فدل ذلك على أن الإسلام هو الإيمان، فيقال: بل يدل على نقيض ذلك؛ لأن القوم لم يقولوا: أسلمنا، بل قالوا: آمنا، والله أمرهم أن يقولوا: أسلمنا، ثم ذكر تسميتهم بالإسلام فقال: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم: ﴿آمّنَّا﴾ ولو كان الإسلام هو الإيمان لم يحتج أن يقول: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، فإنهم صادقون في قولهم: ﴿أَسْلَمنا﴾ مع أنهم لم يقولوا، ولكن الله قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ أي يمنون عليك ما فعلوه من الإسلام، فالله تعالى سمى فعلهم إسلامًا، وليس في ذلك ما يدل على أنهم سموه إسلامًا، وإنما قالوا: آمنا، ثم أخبر أن المنة تقع بالهداية إلى الإيمان، فأما الإسلام الذي لا إيمان معه، فكان الناس يفعلونه خوفًا من السيف، فلا منة لهم بفعله وإذا لم يمن الله عليهم بالإيمان كان ذلك كإسلام المنافقين فلا يقبله الله منهم، فأما إذا كانوا صادقين في قولهم: آمنا، فالله هو المان عليهم بهذا الإيمان وما يدخل فيه من الإسلام، وهو سبحانه نفي عنهم الإيمان أولاً وهنا علق منة الله به على صدقهم فدل على جواز صدقهم.
وقد قيل: إنهم صاروا صادقين بعد ذلك، ويقال: المعلق بشرط لا يستلزم وجود ذلك الشرط، ويقال: لأنه كان معهم إيمان ما.
لكن ما هو الإيمان الذي وصفه ثانيًا؟ بل معهم شعبة من الإيمان.
قال محمد بن نصر: وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية [البينة: 5]، وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: 19]، فسمى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة دينًا قيمًا، وسمى الدين إسلامًا، فمن لم يؤد الزكاة فقد ترك من الدين القيم الذي أخبر الله أنه عنده الدين وهو الإسلام بعضًا.
قال:
وقد جاء معينا هذه الطائفة التي فرقت بين الإسلام والإيمان على أن الإيمان قول وعمل، وأن الصلاة والزكاة من الإيمان، وقد سماهما الله دينًا، وأخبر أن الدين عنده الإسلام فقد سمى الله الإسلام بما سمى به الإيمان، وسمى الإيمان بما سمي به الإسلام، وبمثل ذلك جاءت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فمن زعم أن الإسلام هو الإقرار وأن العمل ليس منه فقد خالف الكتاب والسنة، ولا فرق بينه وبين المرجئة إذ زعمت أن الإيمان إقرار بلا عمل.
فيقال: أما قوله: إن الله جعل الصلاة والزكاة من الدين، والدين عنده هو الإسلام، فهذا كلام حسن موافق لحديث جبريل، ورده على من جعل العمل خارجًا من الإسلام كلام حسن، وأما قوله: إن الله سمى الإيمان بما سمى به الإسلام وسمى الإسلام بما سمى به الإيمان فليس كذلك، فإن الله إنما قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: 91] ولم يقل قط: إن الدين عند الله الإيمان، ولكن هذا الدين من الإيمان، وليس إذا كان منه يكون هو إياه، فإن الإيمان أصله معرفة القلب وتصديقه، وقوله، والعمل تابع لهذا العلم والتصديق ملازم له، ولا يكون العبد مؤمنًا إلا بهما، وأما الإسلام فهو عمل محض مع قول.
والعلم والتصديق ليس جزء مسماه، لكن يلزمه جنس التصديق فلا يكون عمل إلا بعلم، لكن لا يستلزم الإيمان المفصل الذي بينه الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
وسائر النصوص التي تنفي الإيمان عمن لم يتصف بما ذكره، فإن كثيرًا من المسلمين مسلم باطنًا وظاهرًا، ومعه تصديق مجمل، ولم يتصف بهذا الإيمان، والله تعالى قال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] ولم يقل: ومن يبتغ غير الإسلام علمًا ومعرفة وتصديقًا وإيمانًا، ولا قال: رضيت لكم الإسلام تصديقًا وعلمًا، فإن
الإسلام من جنس الدين والعمل والطاعة والانقياد والخضوع، فمن ابتغى غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه، والإيمان طمأنينة ويقين، أصله علم وتصديق ومعرفة والدين تابع له، يقال: آمنت بالله وأسلمت لله.
قال موسى: ﴿يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: 48].
فلو كان مسماهما واحدًا كان هذا تكريرًا، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]، كما قال: والصادقين والصابرين والخاشعين، فالمؤمن متصف بهذا كله، لكن هذه الأسماء لا تطابق الإيمان في العموم والخصوص، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت وإليك أنبت، وبك خاصمت وإليك حاكمت " كما ثبت في الصحيحين أنه كان يقول ذلك إذا قام من الليل، وثبت في صحيح مسلم وغيره أنه كان يقول في سجوده: " اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت " وفي الركوع يقول: " لك ركعت، ولك أسلمت، وبك آمنت "، ولما بين النبي صلى الله عليه وسلم خاصة كل منهما قال: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس علي دمائهم وأموالهم "، ومعلوم أن السلامة من ظلم الإنسان غير كونه مأمونًا على الدم والمال، فإن هذا أعلى، والمأمون يسلم الناس من ظلمه وليس من سلموا من ظلمه يكون مأمونًا عندهم.
قال محمد بن نصر: فمن زعم أن الإسلام هو الإقرار، وأن العمل ليس منه، فقد خالف الكتاب والسنة، وهذا صحيح؛ فإن النصوص كلها تدل على أن الأعمال من الإسلام، قال: ولا فرق بينه وبين المرجئة؛ إذ زعمت أن الإيمان إقرار بلا عمل.
فيقال: بل بينهما فرق، وذلك أن هؤلاء الذين قالوه من أهل السنة كالزهري ومن وافقه يقولون: الأعمال داخلة في الإيمان، والإسلام عندهم جزء من الإيمان والإيمان عندهم أكمل، وهذا موافق للكتاب والسنة.
ويقولون:
الناس يتفاضلون في الإيمان وهذا موافق للكتاب والسنة، والمرجئة يقولون: الإيمان بعض الإسلام والإسلام أفضل، ويقولون: إيمان الناس متساو فإيمان الصحابة وأفجر الناس سواء، ويقولون: لا يكون مع أحد بعض الإيمان دون بعض، وهذا مخالف للكتاب والسنة.
وقد أجاب أحمد عن هذا السؤال كما قاله في إحدى روايتيه: إن الإسلام هو الكلمة قال الزهري: فإنه تارة يوافق من قال ذلك، وتارة لا يوافقه، بل يذكر ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الإسلام غير الإيمان، فلما أجاب بقول الزهري قال له الميموني: قلت: يا أبا عبد الله، تفرق بين الإسلام والإيمان؟ قال: نعم، قلت: بأي شيء تحتج؟ قال: عامة الأحاديث تدل على هذا، ثم قال: " لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ". وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14] قلت له: فتذهب إلى ظاهر الكتاب مع السنن؟ قال: نعم، قلت: فإذا كانت المرجئة تقول: إن الإسلام هو القول، قال: هم يصيرون هذا كله واحدًا ويجعلونه مسلمًا، ومؤمنًا شيئًا واحدًا على إيمان جبريل، ومستكمل الإيمان، قلت: فمن هاهنا حجتنا عليهم؟ قال: نعم.
فقد أجاب أحمد بأنهم يجعلون الفاسق مؤمنًا مستكمل الإيمان على إيمان جبريل.
وأما قوله: يجعلونه مسلمًا ومؤمنًا شيئًا واحدًا، فهذا قول من يقول: الدين والإيمان شيء واحد، فالإسلام هو الدين، فيجعلون الإسلام والإيمان شيئًا واحدًا، وهذا القول قول المرجئة فيما يذكره كثير من الأئمة، كالشافعي وأبي عبيد وغيرهما، ومع هؤلاء يناظرون، فالمعروف من كلام المرجئة، الفرق بين لفظ الدين والإيمان، والفرق بين الإسلام والإيمان، ويقولون: الإسلام بعضه إيمان وبعضه أعمال، والأعمال منها فرض ونفل، ولكن كلام السلف كان فيما يظهر لهم ويصل إليهم من كلام أهل البدع كما تجدهم في الجهمية، إما يحكون عنهم أن الله في كل مكان، وهذا قول طائفة منهم كالنجارية، وهو قول عوامهم وعبادهم، وأما جمهور نظارهم من الجهمية، والمعتزلة، والضِّرَارية، وغيرهم،
فإنما يقولون: هو لا داخل العالم ولا خارجه، ولا هو فوق العالم.
وكذلك كلامهم في القدرية، يحكون عنهم إنكار العلم والكتابة، وهؤلاء هم القدرية الذين قال ابن عمر فيهم: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، وهم الذين كانوا يقولون: إن الله أمر العباد ونهاهم، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار حتى فعلوا ذلك، فعلمه بعد ما فعلوه؛ ولهذا قالوا: الأمر أنف، أي: مستأنف، يقال: روض أنف إذا كانت وافرة لم ترع قبل ذلك، يعني: أنه مستأنف العلم بالسعيد والشقي، ويبتدأ ذلك من غير أن يكون قد تقدم بذلك علم ولا كتاب، فلا يكون العمل على ما قد قدر فيحتذى به حذو القدر، بل هو أمر مستأنف مبتدأ، والواحد من الناس إذا أراد أن يعمل عملاً قدر في نفسه ما يريد عمله، ثم عمله كما قدر في نفسه، وربما أظهر ما قدره في الخارج بصورته، ويسمى هذا التقدير الذي في النفس خلقًا، ومنه قول الشاعر.
ولأنت تفري ما خلقت وبع... ض الناس يخلق ثم لا يفرى يقول: إذا قدرت أمرًا أمضيته وأنفذته، بخلاف غيرك فإنه عاجز عن إمضاء ما يقدره، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] وهو سبحانه يعلم قبل أن يخلق الأشياء كل ما سيكون، وهو يخلق بمشيئته فهو يعلمه ويريده، وعلمه وإرادته قائم بنفسه، وقد يتكلم به ويخبر به كما في قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 85]، وقال: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: 129]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: 171: 173]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [هود: 110]، وهو سبحانه كتب ما يقدره فيما يكتبه فيه، كما قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
[الحج: 70] قال ابن عباس: إن الله خلق الخلق وعلم ما هم عاملون ثم قال لعلمه: كن كتابًا، فكان كتابًا، ثم أنزل تصديق ذلك في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22]، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]، وقال: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]، وقال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]، فالملائكة قد علمت ما يفعل بنوا آدم من الفساد وسفك الدماء، فكيف لا يعلمه الله، سواء علموه بإعلام الله، فيكون هو أعلم بما علمهم إياه، كما قاله أكثر المفسرين أو قالوه بالقياس على من كان قبلهم، كما قاله طائفة منهم، أو بغير ذلك، والله أعلم بما سيكون من مخلوقاته الذين لا علم لهم إلا ما علمهم، وما أوحاه إلى أنبيائه وغيرهم مما سيكون هو أعلم به منهم، فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.
وأيضًا، فإنه قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قبل أن يأمرهم بالسجود لآدم، وقبل أن يمتنع إبليس، وقبل أن ينهى آدم عن أكله من الشجرة، وقبل أن يأكل منها ويكون أكله سبب إهباطه إلى الأرض، فقد علم الله سبحانه أنه سيستخلفه مع أمره له ولإبليس بما يعلم أنهما يخالفانه فيه، ويكون الخلاف سبب أمره لهما بالإهباط إلى الأرض والاستخلاف في الأرض.
وهذا يبين أنه علم ما سيكون منهما من مخالفة الأمر، فإن إبليس امتنع من السجود لآدم، وأبغضه فصار عدوه، فوسوس له حتى يأكل من الشجرة فيذنب آدم أيضًا فإنه قد تألى أنه ليغوينهم أجمعين، وقد سأل الإنظار إلى يوم يبعثون فهو حريص على إغواء آدم وذريته بكل ما أمكنه، لكن آدم تلقى من ربه كلمات فتاب عليه واجتباه ربه وهداه بتوبته، فصار لبني آدم سبيل إلى نجاتهم وسعادتهم
مما يوقعهم الشيطان فيه بالإغواء، وهو التوبة، قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: 73] وقدر الله قد أحاط بهذا كله قبل أن يكون، وإبليس أصر على الذنب، واحتج بالقدر، وسأل الإنظار ليهلك غيره، وآدم تاب وأناب، وقال هو وزوجته: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]، فتاب الله عليه فاجتباه وهداه، وأنزله إلى الأرض ليعمل فيها بطاعته، فيرفع الله بذلك درجته، ويكون دخوله الجنة بعد هذا أكمل مما كان، فمن أذنب من أولاد آدم فاقتدى بأبيه آدم في التوبة كان سعيدًا، وإذا تاب وآمن وعمل صالحًا بدل الله سيئاته حسنات، وكان بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة، كسائر أولياء الله المتقين، ومن اتبع منهم إبليس فأصر على الذنب، واحتج بالقدر، وأراد أن يغوى غيره كان من الذين قال فيهم: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 85].
والمقصود هنا ذكر القدر، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء "، وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصَيْن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذِّكْرِ كل شيء، ثم خلق السموات والأرض "، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه أخبر: " أن الله قد علم أهل الجنة من أهل النار، وما يعمله العباد قبل أن يعملوه ". وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود: " إن الله يبعث ملكًا بعد خلق الجسد وقبل نفخ الروح فيه، فيكتب أجله ورزقه وعمله، وشقي أو سعيد ". وهذه الأحاديث تأتي إن شاء الله في مواضعها، فهذا القدر هو الذي أنكره القدرية الذين كانوا في أواخر زمن الصحابة.
وقد روي أن أول من ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة يقال له: سيسويه من أبناء المجوس، وتلقاه عنه مَعْبَد الجُهنِيّ، ويقال: أول ما حدث في الحجاز لما احترقت الكعبة، فقال رجل: احترقت بقدر الله تعالى فقال آخر: لم يقدر الله هذا.
ولم يكن على عهد
الخلفاء الراشدين أحد ينكر القدر، فلما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رده عليهم من بقى من الصحابة، كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وواثِلَة بن الأسْقَع، وكان أكثره بالبصرة والشام، وقليل منه بالحجاز، فأكثر كلام السلف في ذم هؤلاء القدرية؛ ولهذا قال وَكِيع بن الجرَّاح: القدرية يقولون: الأمر مستقبل، وأن الله لم يقدر الكتابة والأعمال، والمرجئة يقولون: القول يجزئ من العمل، والجهمية يقولون: المعرفة تجزئ من القول والعمل.
قال وكيع: وهو كله كفر ورواه ابن... ولكن لما اشتهر الكلام في القدر، ودخل فيه كثير من أهل النظر والعباد، صار جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم، وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق.
وعن عمرو بن عبيد في إنكار الكتاب المتقدم روايتان.
وقول أولئك كفرهم عليه مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم.
وأما هؤلاء فهم مبتدعون ضالون، لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك، وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء والعباد كتب عنهم العلم.
وأخرج البخاري ومسلم لجماعة منهم، لكن من كان داعية إليه لم يخرجوا له.
وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره: أن من كان داعية إلى بدعة فإنه يستحق العقوبة لدفع ضرره عن الناس، وإن كان في الباطن مجتهدًا، وأقل عقوبته أن يهجر، فلا يكون له مرتبة في الدين لا يؤخذ عنه العلم ولا يستقضى، ولا تقبل شهادته، ونحو ذلك.
ومذهب مالك قريب من هذا؛ ولهذا لم يخرج أهل الصحيح لمن كان داعية، ولكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى في الباطن رأى القدرية، والمرجئة والخوارج، والشيعة.
وقال أحمد: لو تركنا الرواية عن القدرية لتركنا أكثر أهل البصرة، وهذا لأن مسألة خلق أفعال العباد، وإرادة الكائنات مسألة مشكلة.
وكما أن القدرية من المعتزلة وغيرهم أخطؤوا فيها، فقد أخطأ فيها كثير ممن رد عليهم أو أكثرهم، فإنهم سلكوا في الرد عليهم مسلك جَهْمِ بن صَفْوَان، وأتباعه، فنفوا حكمة الله في خلقه وأمره، ونفوا رحمته بعباده، ونفوا ما جعله من الأسباب خلقًا وأمرًا،
وجحدوا من الحقائق الموجودة في مخلوقاته وشرائعه ما صار ذلك سببًا لنفور أكثر العقلاء الذين فهموا قولهم عما يظنونه السنة، إذ كانوا يزعمون أن قول أهل السنة في القدر هو القول الذي ابتدعه جهم، وهذا لبسطه موضع آخر.
وإنما المقصود هنا أن السلف في ردهم على المرجئة والجهمية والقدرية وغيرهم، يردون من أقوالهم ما يبلغهم عنهم وما سمعوه من بعضهم.
وقد يكون ذلك قول طائفة منهم، وقد يكون نقلاً مغيرًا.
فلهذا ردوا على المرجئة الذين يجعلون الدين والإيمان واحدًا، ويقولون هو القول.
وأيضًا، فلم يكن حدث في زمنهم من المرجئة من يقول: الإيمان هو مجرد القول بلا تصديق ولا معرفةفي القلب.
فإن هذا إنما أحدثه ابن كُرَّام، وهذا هو الذي انفرد به ابن كرام.
وأما سائر ما قاله، فأقوال قيلت قبله، ولهذا لم يذكر الأشعري، ولا غيره ممن يحكى مقالات الناس عنه قولاً انفرد به إلا هذا.
وأما سائر أقواله فيحكونها عن ناس قبله ولا يذكرونه، ولم يكن ابن كرام في زمن أحمد بن حنبل، وغيره من الأئمة؛ فلهذا يحكون إجماع الناس على خلاف هذا القول، كما ذكر ذلك أبو عبد الله أحمد بن حنبل وأبو ثور وغيرهما.
وكان قول المرجئة قبله: إن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب، وقول جهم: إنه تصديق القلب، فلما قال ابن كرام: إنه مجرد قول اللسان صارت أقوال المرجئة ثلاثة، لكن أحمد كان أعلم بمقالات الناس من غيره، فكان يعرف قول الجهمية في الإيمان، وأما أبو ثور، فلم يكن يعرفه، ولا يعرف إلا مرجئة الفقهاء، فلهذا حكى الإجماع على خلاف قول الجهمية والكرامية.
قال أبو ثور في رده على المرجئة كما روى ذلك أبو القاسم الطبري اللالكائي وغيره عن إدريس بن عبد الكريم قال: سأل رجل من أهل خُرَاسَان أبا ثور عن الإيمان وما هو، أيزيد وينقص؟ وقول هو أو قول وعمل؟ أو تصديق وعمل؟ فأجابه أبو ثور بهذا فقال: سألت رحمك الله وعفا عنا وعنك عن الإيمان ما هو، يزيد وينقص؟ وقول هو أو قول وعمل أو تصديق وعمل؟ فأخبرك بقول الطوائف واختلافهم.
اعلم يرحمنا الله وإياك أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله عز وجل واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق، وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا، ولا أصدق به أنه ليس بمسلم، ولو قال: المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام، ثم قال: لم يعقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن، فلما لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمنًا، ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمنًا، حتى يكون مصدقًا بقلبه مقرًا بلسانه، فإذا كان تصديقًا بالقلب وإقرارًا باللسان، كان عندهم مؤمنًا، وعند بعضهم لا يكون مؤمنًا حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت مؤمنًا، فلما نفوا أن يكون الإيمان بشيء واحد، وقالوا: يكون بشيئين في قول بعضهم، وثلاثة أشياء في قول غيرهم.
لم يكن مؤمنًا إلا بما أجمعوا عليه من هذه الثلاثة الأشياء، وذلك أنه إذا جاء بهذه الثلاثة الأشياء، فكلهم يشهد أنه مؤمن، فقلنا بما أجمعوا عليه من التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح.
فأما الطائفة التي ذهبت إلى أن العمل ليس من الإيمان، فيقال لهم: ماذا أراد الله من العباد إذ قال لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل، فقد كفرت عند أهل العلم من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة؟ وإن قالت: أراد منهم الإقرار قيل: فإذا كان أراد منهم الأمرين جميعًا لم زعمتم أنه يكون مؤمنًا بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعًا؟ أرأيتم لو أن رجلاً قال: أعمل جميع ما أمر به الله ولا أقر به، أيكون مؤمنًا؟ فإن قالوا: لا.
قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به، ولا أعمل به، أيكون مؤمنًا؟ فإن قالوا: نعم.
قيل: ما الفرق؟ فقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعًا، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنًا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل به ولم يقر مؤمنًا، لا فرق بين ذلك.
فإن احتج فقال: لو أن رجلاً أسلم فأقر بجميع ما
جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أيكون مؤمنًا بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟ قيل له: إنما يطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنًا، ولو قال: أقر ولا أعمل لم يطلق عليه اسم الإيمان.
قلت يعني الإمام أبو ثور رحمه الله: إنه لا يكون مؤمنًا إلا إذا التزم بالعمل مع الإقرار، وإلا فلو أقر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمنًا.
وهذا الاحتجاج الذي ذكره أبو ثور هو دليل على وجوب الأمرين: الإقرار والعمل، وهو يدل على أن كلا منهما من الدين، وأنه لا يكون مطيعًا لله، ولا مستحقًا للثواب ولا ممدوحًا عند الله ورسوله إلا بالأمرين جميعًا، وهو حجة على من يجعل الأعمال خارجة عن الدين والإيمان جميعًا.
وأما من يقول: إنها من الدين، ويقول: إن الفاسق مؤمن حيث أخذ ببعض الدين وهو الإيمان عندهم، وترك بعضه؛ فهذا يحتج عليه بشيء آخر، لكن أبو ثور وغيره من علماء السنة عامة احتجاجهم مع هذا الصنف، وأحمد كان أوسع علمًا بالأقوال والحجج من أبي ثور.
ولهذا إنما حكى الإجماع على خلاف قول الكرامية، ثم إنه تورع في النطق على عادته، ولم يجزم بنفي الخلاف؛ لكن قال: لا أحسب أحدًا يقول هذا، وهذا في رسالته إلى أبي عبد الرحيم الجوزجاني، ذكرها الخلال في كتاب [السنة]، وهو أجمع كتاب يذكر فيه أقوال أحمد في مسائل الأصول الدينية، وإن كان له أقوال زائدة على ما فيه، كما أن كتابه في العلم أجمع كتاب يذكر فيه أقوال أحمد في الأصول الفقهية.
قال المروزي: رأيت أبا عبد الرحيم الجوزجاني عند أبي عبد الله، وقد كان ذكره أبو عبد الله فقال: كان أبوه مرجئًا، أو قال: صاحب رأي.
وأما أبو عبد الرحيم فأثنى عليه، وقد كان كتب إلى أبي عبد الله من خراسان يسأله عن الإيمان وذكر الرسالة من طريقين عن أبي عبد الرحيم، وجواب أحمد: بسم الله الرحمن الرحيم.
أحسن الله إلينا وإليك في الأمور كلها، وسلمنا وإياك من كل شر برحمته، أتاني كتابك تذكرما تذكر من احتجاج من احتج من
المرجئة.
واعلم رحمك الله أن الخصومة في الدين ليست من طريق أهل السنة، وأن تأويل من تأول القرآن بلا سنة تدل على معنى ما أراد الله منه، أو أثر عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعرف ذلك بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، أوعن أصحابه، فهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وشهدوا تنزيله، وما قصه الله له في القرآن، وماعني به، وما أراد به أخاص هو أم عام، فأما من تأوله على ظاهره بلا دلالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة، فهذا تأويل أهل البدع؛ لأن الآية قد تكون خاصة ويكون حكمها حكمًا عامًا، ويكون ظاهرهاعلى العموم، وإنما قصدت لشيء بعينه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعبر عن كتاب الله وما أراد، وأصحابه أعلم بذلك منا، لمشاهدتهم الأمر وما أريد بذلك، فقد تكون الآية خاصة، أي معناها مثل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] وظاهرها على العموم، أي من وقع عليه اسم ولد فله ما فرض الله، فجاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يرث مسلم كافرًا.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بالثبت إلا أنه عن أصحابه أنهم لم يورثوا قاتلاً، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعبر عن الكتاب أن الآية إنما قصدت للمسلم لا للكافر، ومن حملها على ظاهرها لزمه أن يورث من وقع عليه اسم الولد كافرًا كان أو قاتلا، وكذلك أحكام الوارث من الأبوين وغير ذلك مع آي كثير يطول بها الكتاب، وإنما استعملت الأمة السنة من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه، إلا من دفع ذلك من أهل البدع والخوارج وما يشبههم، فقد رأيت إلى ما خرجوا.
قلت: لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة، كالشافعي وأحمد، وأبي عبيد وإسحاق وغيرهم سواء، لا يريدون بالمجمل ما لا يفهم منه، كما فسره به بعض المتأخرين وأخطأ في ذلك، بل المجمل ما لا يكفي وحده في العمل به وإن كان ظاهره حقًا، كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]، فهذه الآية ظاهرها ومعناها مفهوم،
ليست مما لا يفهم المراد به، بل نفس ما دلت عليه لا يكفي وحده في العمل فإن المأمور به صدقة تكون مطهرة مزكية لهم، وهذا إنما يعرف ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال أحمد يحذر المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس.
وقال: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، يريد بذلك ألا يحكم بما يدل عليه العام والمطلق قبل النظر فيما يخصه ويقيده، ولا يعمل بالقياس قبل النظر في دلالة النصوص هل تدفعه، فإن أكثر خطأ الناس تمسكهم بما يظنونه من دلالة اللفظ والقياس، فالأمور الظنية لا يعمل بها حتى يبحث عن المعارض بحثًا يطمئن القلب إليه، وإلا أخطأ من لم يفعل ذلك.
وهذا هو الواقع في المتمسكين بالظواهر والأقيسة؛ ولهذا جعل الاحتجاج بالظواهر مع الإعراض عن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طريق أهل البدع، وله في ذلك مصنف كبير.
وكذلك التمسك بالأقيسة مع الإعراض عن النصوص والآثار طريق أهل البدع؛ ولهذا كان كل قول ابتدعه هؤلاء قولاً فاسدًا، وإنما الصواب من أقوالهم ما وافقوا فيه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ [النساء: 11] سماه عامًا وهو مطلق في الأحوال، يعمها على طريق البدل، كما يعم قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] جميع الرقاب، لا يعمها كما يعم لفظ الولد للأولاد، ومن أخذ بهذا لم يأخذ بما دل عليه ظاهر لفظ القرآن، بل أخذ بما ظهر له مما سكت عنه القرآن، فكان الظهور لسكوت القرآن عنه، لا لدلالة القرآن على أنه ظاهر، فكانوا متمسكين بظاهر من القول لا بظاهر القول، وعمدتهم عدم العلم بالنصوص التي فيها علم بما قيد، وإلا فكل ما بينه القرآن وأظهره فهو حق، بخلاف ما يظهر للإنسان لمعنى آخر غير نفس القرآن يسمى ظاهر القرآن.
كاستدلالات أهل البدع من المرجئة والجهمية والخوارج والشيعة.
قال أحمد: وأما من زعم أن الإيمان الإقرار، فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقًا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فلقد زعم أنه من شيئين، وإن زعم أنه يحتاج أن
يكون مقرًا ومصدقًا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء، وإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق، فقد قال قولاً عظيمًا، ولا أحسب أحدًا يدفع المعرفة والتصديق وكذلك العمل مع هذه الأشياء.
قلت: أحمد وأبو ثور وغيرهما من الأئمة كانوا قد عرفوا أصل قول المرجئة، وهو: أن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه، فلا يكون إلا شيئًا واحدًا فلا يكون ذا عدد؛ اثنين أو ثلاثة، فإنه إذا كان له عدد، أمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه، بل لا يكون إلا شيئًا واحدًا، ولهذا قالت الجهمية: إنه شيء واحد في القلب.
وقالت الكرامية: إنه شيء واحد على اللسان، كل ذلك فرارًا من تبعض الإيمان وتعدده، فلهذا صاروا يناظرونهم بما يدل على أنه ليس شيئًا واحدًا، كما قلتم، فأبو ثور احتج بما اجتمع عليه الفقهاء المرجئة، من أنه تصديق وعمل، ولم يكن بلغه قول متكلميهم وجهميتهم، أو لم يعد خلافهم خلافًا، وأحمد ذكر أنه لابد من المعرفة والتصديق مع الإقرار، وقال: إن من جحد المعرفة والتصديق فقد قال قولاً عظيمًا، فإن فساد هذا القول معلوم من دين الإسلام؛ ولهذا لم يذهب إليه أحد قبل الكرامية، مع أن الكرامية لا تنكر وجوب المعرفة والتصديق، ولكن تقول: لا يدخل في اسم الإيمان حذرًا من تبعضه وتعدده؛ لأنهم رأوا أنه لا يمكن أن يذهب بعضه ويبقى بعضه، بل ذلك يقتضي أن يجتمع في القلب إيمان وكبر، واعتقدوا الإجماع على نفي ذلك، كما ذكر هذا الإجماع الأشعري وغيره.
وهذه الشبهة التي أوقعتهم مع علم كثير منهم وعبادته وحسن إسلامه وإيمانه؛ ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين؛ ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدًا من مرجئة الفقهاء بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرًا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببًا لخطأ عظيم
في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء، حتى قال إبراهيم النَّخَعِيّ: لفتنتهم يعني المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة.
وقال الزهري: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء، وقال الأوزاعي: كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: ليس شيء من الأهواء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء، وقال شريك القاضي وذكر المرجئة فقال: هم أخبث قوم، حسبك بالرافضة خبثًا، ولكن المرجئة يكذبون على الله.
وقال سفيان الثوري: تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابِرِيّ وقال قتادة: إنما حدث الإرجاء بعد فتنة فرقة ابن الأشعث.
وسئل مَيْمُون بن مِهْرَان عن كلام المرجئة، فقال: أنا أكبر من ذلك، وقال سعيد بن جبير لذر الهمداني: ألا تستحي من رأى أنت أكبر منه؟ ! وقال أيوب السِّخْتِيَاني: أنا أكبر من دين المرجئة، إن أول من تكلم في الإرجاء رجل من أهل المدينة من بني هاشم يقال له: الحسن.
وقال زاذان: أتينا الحسن بن محمد فقلنا: ما هذا الكتاب الذي وضعت؟ وكان هو الذي أخرج كتاب المرجئة، فقال لي: يا أبا عمر، لوددت أني كنت مت قبل أن أخرج هذا الكتاب أو أضع هذا الكتاب، فإن الخطأ في اسم الإيمان ليس كالخطأ في اسم محدث ولا كالخطأ في غيره من الأسماء، إذ كانت أحكام الدنيا والآخرة متعلقة باسم الإيمان والإسلام والكفر والنفاق.
وأحمد رضي الله عنه فرق بين المعرفة التي في القلب وبين التصديق الذي في القلب، فإن تصديق اللسان هو الإقرار، وقد ذكر ثلاثة أشياء، وهذا يحتمل شيئين: يحتمل أن يفرق بين تصديق القلب ومعرفته، وهذا قول ابن كلاب والقلانسي، والأشعري وأصحابه يفرقون بين معرفة القلب وبين تصديق القلب، فإن تصديق القلب قوله.
وقول القلب عندهم ليس هو العلم، بل نوعًا آخر؛ ولهذا قال أحمد: هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج إلى أن
يكون مصدقا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه من شيئين، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرًا ومصدقًا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء، فإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق، فقد أتى عظيمًا ولا أحسب امرءًا يدفع المعرفة والتصديق.
والذين قالوا: الإيمان هو الإقرار.
فالإقرار باللسان يتضمن التصديق باللسان.
والمرجئة لم تختلف أن الإقرار باللسان فيه التصديق، فعلم أنه أراد تصديق القلب ومعرفته مع الإقرار باللسان، إلا أن يقال: أراد تصديق القلب واللسان جميعًا مع المعرفة والإقرار، ومراده بالإقرار الالتزام لا التصديق، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]، فالميثاق المأخوذ على أنهم يؤمنون به وينصرونه، وقد أمروا بهذا، وليس هذا الإقرار تصديقًا، فإن الله تعالى لم يخبرهم بخبر، بل أوجب عليهم إذا جاءهم ذلك الرسول أن يؤمنوا به وينصروه.
فصدقوا بهذا الإقرار والتزموه، فهذا هو إقرارهم.
والإنسان قد يقر للرسول، بمعنى: أنه يلتزم ما يأمر به مع غير معرفة، ومن غير تصديق له بأنه رسول الله، لكن لم يقل أحد من المرجئة: إن هذا الإقرار يكون إيمانًا، بل لابد عندهم من الإقرار الخبري وهو أنه يقر له بأنه رسول الله كما يقر المقر بما يقر به من الحقوق، ولفظ الإقرار يتناول الالتزام والتصديق، ولابد منهما، وقد يراد بالإقرار مجرد التصديق بدون التزام الطاعة، والمرجئة تارة يجعلون هذا هو الإيمان وتارة يجعلون الإيمان التصديق والالتزام معًا، هذا هو الإقرار الذي يقوله فقهاء المرجئة: إنه إيمان، وإلا لو قال: أنا أطيعه ولا أصدق أنه رسول الله، أو أصدقه ولا ألتزم طاعته، لم يكن مسلمًا ولا مؤمنًا عندهم.
وأحمد قال: لابد مع هذا الإقرار أن يكون مصدقًا، وأن يكون عارفًا، وأن يكون مصدقًا بما عرف.
وفي رواية أخرى: مصدقًا بما أقر، وهذا يقتضي أنه
لابد من تصديق باطن، ويحتمل أن يكون لفظ التصديق عنده يتضمن القول والعمل جميعًا، كما قد ذكرنا شواهده أنه يقال: صدق بالقول والعمل.
فيكون تصديق القلب عنده يتضمن أنه مع معرفة قلبه أنه رسول الله قد خضع له وانقاد، فصدقه بقول قلبه وعمل قلبه محبة وتعظيمًا، وإلا فمجرد معرفة قلبه أنه رسول الله مع الإعراض عن الانقياد له ولما جاء به إما حسدًا وإما كبرًا، وإما لمحبة دينه الذي يخالفه وإما لغير ذلك، فلا يكون إيمانًا، ولابد في الإيمان من علم القلب وعمله، فأراد أحمد بالتصديق أنه مع المعرفة به صار القلب مصدقًا له، تابعًا له، محبا له، معظمًا له، فإن هذا لابد منه، ومن دفع هذا عن أن يكون من الإيمان، فهو من جنس من دفع المعرفة من أن تكون من الإيمان، وهذا أشبه بأنيحمل عليه كلام أحمد؛ لأن وجوب انقياد القلب مع معرفته ظاهر ثابت بدلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل ذلك معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ومن نازع من الجهمية في أن انقياد القلب من الإيمان فهو كمن نازع من الكرامية في أن معرفة القلب من الإيمان فكان حمل كلام أحمد على هذا هو المناسب لكلامه في هذا المقام.
وأيضًا، فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن الانقياد الذي يجعل قول القلب أمر دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه، وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما، وأكثر الناس لايتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون: إن ما قاله ابن كلاب، والأشعري من الفرق، كلام باطل لا حقيقة له، وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق، وعمدتهم من الحجة إنما هو خبر الكاذب، قالوا: ففي قلبه خبر بخلاف علمه، فدل على الفرق.
فقال لهم الناس: ذاك بتقدير خبر وعلم ليس هو علمًا حقيقيًا ولا خبرًا حقيقيًا، ولما أثبتوه من قول القلب المخالف للعلم والإرادة، إنما يعود إلى تقدير علوم وإرادات لا إلى جنس آخر يخالفها.
ولهذا قالوا: إن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بقلبه خبر بخلاف علمه، وإنما يمكنه أن يقول ذلك بلسانه، وأما أنه يقوم بقلبه خبر بخلاف ما يعلمه، فهذا
غير ممكن، وهذا مما استدلوا به على أن الرب تعالى لا يتصور قيام الكذببذاته؛ لأنه بكل شيء عليم، ويمتنع قيام معنى يضاد العلم بذات العالم، والخبر النفساني الكاذب يضاد العلم.
فيقال لهم: الخبر النفساني لو كان خلافًا للعلم لجاز وجود العلم مع ضده كما يقولون مثل ذلك في مواضع كثيرة، وهي من أقوى الحجج التي يحتج بها القاضي أبو بكر وموافقوه في مسألة العقل وغيرها، كالقاضي أبي يعلى، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي الطيب، وأبي الوليد الباجي، وأبي الخطاب، وابن عَقِيل وغيرهم، فيقولون: العقل نوع من العلم، فإنه ليس بضد له، فإن لم يكن نوعًا منه كان خلافًا له، ولو كان خلافًا لجاز وجوده مع ضد العقل، وهذه الحجة وإن كانت ضعيفة كما ضعفها الجمهور، وأبو المعالي الجويني ممن ضعفها فإن ما كان مستلزمًا لغيره لم يكن ضدا له، إذ قد اجتمعا، وليس هو من نوعه، بل هو خلاف له على هذا الاصطلاح الذي يقسمون فيه كل اثنين إلى أن يكونا مثلين، أو خلافين أو ضدين، فالملزوم كالإرادة مع العلم أو كالعلم مع الحياة، ونحو ذلك ليس ضدًا ولا مثلاً، بل هو خلاف، ومع هذا فلا يجوز وجوده مع ضد اللازم، فإن ضد اللازم ينافيه، ووجود الملزوم بدون اللازم محال، كوجود الإرادة بدون العلم، والعلم بدون الحياة، فهذان خلافان عندهم، ولا يجوز وجود أحدهما مع ضد الآخر.
كذلك العلم هو مستلزم للعقل، فكل عالم عاقل، والعقل شرط في العلم، فليس مثلاً له ولا ضدًا ولا نوعًا منه، ومع هذا لا يجوز وجوده مع ضد العقل، لكن هذه الحجة تقال لهم في العلم مع كلام النفس الذي هو الخبر، فإنه ليس ضدًا ولا مثلاً، بل خلافًا، فيجوز وجود العلم مع ضد الخبر الصادق وهو الكاذب، فبطلت تلك الحجة على امتناع الكذب النفساني من العالم، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق وبين تصديق قلبه تصديقًا مجردًا عن انقياد وغيره من أعمال القلب بأنه صادق.
ثم احتج الإمام أحمد على أن الأعمال من الإيمان بحجج كثيرة، فقال: وقد سأل وفد عبد القيس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا خمسًا من المغنم "، فجعل ذلك كله من الإيمان.
قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الحياء شعبة من الإيمان "، وقال: " أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا "، وقال: " إن البَذَاذَة من الإيمان ". وقال: " الإيمان بضع وستون شعبة، فأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول لا إله إلا الله " مع أشياء كثيرة، منها: " أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان "، وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة المنافق: " ثلاث من كن فيه فهو منافق " مع حجج كثيرة.
وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة وعن أصحابه من بعده، ثم ما وصف الله تعالى في كتابه من زيادة الإيمان في غير موضع، مثل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]، وقال: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: 31]، وقال: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]، وقال تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 124]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي
سبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]، وقال تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5]، وقال تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11]، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
قال أحمد: ويلزمه أن يقول: هو مؤمن بإقراره، وإن أقر بالزكاة في الجملة ولم يجد في كل مائتي درهم خمسة، أنه مؤمن، فيلزمه أن يقول: إذا أقر ثم شد الزُّنَّار في وسطه وصلى للصليب وأتى الكنائس والبيعَ وعمل الكبائر كلها إلا أنه في ذلك مقر بالله؛ فيلزمه أن يكون عنده مؤمنًا، وهذه الأشياء من أشنع ما يلزمهم.
قلت: هذا الذي ذكره الإمام أحمد من أحسن ما احتج الناس به عليهم، جمع في ذلك جملاً يقول غيره بعضها، وهذا الإلزام لا محيد لهم عنه.
ولهذا لما عرف متكلمهم مثل جَهْم ومن وافقه أنه لازم التزموه، وقالوا: لو فعل ما فعل من الأفعال الظاهرة لم يكن بذلك كافرًا في الباطن، لكن يكون دليلاً على الكفر في أحكام الدنيا، فإذا احتج عليهم بنصوص تقتضي أنه يكون كافرًا في الآخرة.
قالوا: فهذه النصوص تدل على أنه في الباطن ليس معه من معرفة الله شيء، فإنها عندهم شيء واحد، فخالفوا صريح المعقول وصريح الشرع.
وهذا القول مع فساده عقلاً وشرعًا، ومع كونه عند التحقيق لا يثبت إيمانًا، فإنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا لا حقيقة له.
كما قالت الجهمية ومن وافقهم مثل ذلك في وحدة الرب: إنه ذات بلا صفات، وقالوا بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، وما يقوله ابن كلاب من وحدة الكلام وغيره من الصفات.
فقولهم في الرب وصفاته وكلامه والإيمان به يرجع إلى تعطيل محض، وهذا قد وقع فيه طوائف كثيرة من المتأخرين المنتسبين إلى السنة والفقه والحديث المتبعين للأئمة الأربعة، المتعصبين للجهمية والمعتزلة بل وللمرجئة أيضًا، لكن لعدم معرفتهم بالحقائق التي نشأت منها البدع يجمعون بين الضدين، ولكن من
رحمة الله بعباده المسلمين أن الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدق، مثل الأئمة الأربعة وغيرهم؛ كمالك، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وكالشافعي وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، كانوا ينكرون على أهل الكلام من الجهمية قولهم في القرآن والإيمان وصفات الرب، وكانوا متفقين على ما كان عليه السلف من أن الله يرى في الآخرة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الإيمان لابد فيه من تصديق القلب واللسان، فلو شتم الله ورسوله كان كافرًا باطنًا وظاهرًا عندهم كلهم، ومن كان موافقًا لقول جهم في الإيمان بسبب انتصار أبي الحسن لقوله في الإيمان، يبقى تارة يقول بقول السلف والأئمة، وتارة يقول بقول المتكلمين الموافقين لجهم، حتى في مسألة سب الله ورسوله رأيت طائفة من الحنبليين، والشافعيين والمالكيين، إذا تكلموا بكلام الأئمة قالوا: إن هذا كفر باطنًا وظاهرًا.
وإذا تكلموا بكلام أولئك قالوا: هذا كفر في الظاهر، وهو في الباطن يجوز أن يكون مؤمنًا تام الإيمان، فإن الإيمان عندهم لا يتبعض، ولهذا لما عرف القاضي عياض هذا من قول بعض أصحابه أنكره، ونصر قول مالك وأهل السنة، وأحسن في ذلك.
وقد ذكرت بعض ما يتعلق بهذا في كتاب [الصارم المسلول على شاتم الرسول]، وكذلك تجدهم في مسائل الإيمان يذكرون أقوال الأئمة والسلف، ويبحثون بحثًا يناسب قول الجهمية؛ لأن البحث أخذوه من كتب أهل الكلام الذين نصروا قول جهم في مسائل الإيمان.
والرازي لما صنف [مناقب الشافعي] ذكر قوله في الإيمان.
وقول الشافعي قول الصحابة والتابعين، وقد ذكر الشافعي أنه إجماع من الصحابة والتابعين.
ومن لقيه استشكل قول الشافعي جدًا؛ لأنه كان قد انعقد في نفسه شبهة أهل البدع في الإيمان؛ من الخوارج والمعتزلة والجهمية والكراميةوسائر المرجئة،
وهو أن الشيء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله، لكن هو لم يذكر إلا ظاهر شبهتهم.
والجواب عما ذكروه هو سهل، فإنه يسلم له أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت، لكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر الأجزاء.
والشافعي مع الصحابة والتابعين وسائر السلف يقولون: إن الذنب يقدح في كمال الإيمان، ولهذا نفى الشارع الإيمان عن هؤلاء، فذلك المجموع الذي هو الإيمان لم يبق مجموعًا مع الذنوب، لكن يقولون بقى بعضه؛ إما أصله وإما أكثره وإما غير ذلك، فيعود الكلام إلى أنه يذهب بعضه ويبقى بعضه.
ولهذا كانت المرجئة تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ الزيادة؛ لأنه إذا نقص لزم ذهابه كله عندهم إن كان متبعضًا متعددًا عند من يقول بذلك، وهم الخوارج والمعتزلة.
وأما الجهمية فهو واحد عندهم لا يقبل التعدد، فيثبتون واحدًا لا حقيقة له، كما قالوا مثل ذلك في وحدانية الرب ووحدانية صفاته عند من أثبتها منهم.
ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم في هذا، اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين كما ذكر ذلك أبو الحسن وغيره، فلأجل اعتقادهم هذا الإجماع وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي، إجماعالسلف الذي ذكره غير واحد من الأئمة بل وصرح غير واحد منهم بكفر من قال بقول جهم في الإيمان.
ولهذا نظائر متعددة، يقول الإنسان قولاً مخالفًا للنص والإجماع القديم حقيقة، ويكون معتقدا أنه متمسك بالنص والإجماع.
وهذا إذا كان مبلغ علمه واجتهاده، فالله يثيبه على ما أطاع الله فيه من اجتهاده، ويغفر له ما عجز عن معرفته من الصواب الباطن، وهم لما توهموا أن الإيمان الواجب على جميع الناس نوع واحد، صار بعضهم يظن أن ذلك النوع من حيث هو لا يقبل التفاضل.
فقال لي مرة بعضهم: الإيمان من حيث هو إيمان لا يقبل الزيادة والنقصان.
فقلت له: قولك من حيث هو، كما تقول: الإنسان من حيث هو إنسان، والحيوان من حيث هو حيوان، والوجود من حيث هو وجود، والسواد من حيث هو سواد، وأمثال ذلك لا يقبل الزيادة والنقصان والصفات، فتثبت لهذه المسميات وجودًا مطلقًا مجردًا عن جميع القيود والصفات وهذا لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو شيء يقدره الإنسان في ذهنه، كما يقدر موجودًا لا قديمًا ولا حادثًا ولا قائمًا بنفسه ولا بغيره، ويقدر إنسانًا لا موجودًا ولا معدومًا، ويقول: الماهية من حيث هي هي لا توصف بوجود ولا عدم، والماهية من حيث هي هي شيء يقدره الذهن، وذلك موجود في الذهن لا في الخارج، وأما تقدير شيء لا يكون في الذهن ولا في الخارج فممتنع، وهذا التقدير لا يكون إلا في الذهن كسائر تقدير الأمور الممتنعة، مثل تقدير صدور العالم عن صانعين ونحو ذلك، فإن هذه المقدرات في الذهن.
فهكذا تقدير إيمان لا يتصف به مؤمن، بل هو مجرد عن كل قيد.
وتقدير إنسان لا يكون موجودا ولا معدومًا، بل ما ثم إيمان إلا مع المؤمنين، ولا ثم إنسانية إلا ما اتصف بها الإنسان، فكل إنسان له إنسانية تخصه، وكل مؤمن له إيمان يخصه، فإنسانية زيد تشبه إنسانية عمرو، ليست هي هي.
وإذا اشتركوا في نوع الإنسانية فمعنى ذلك أنهما يشتبهان فيما يوجد في الخارج، ويشتركان في أمر كلي مطلق يكون في الذهن.
وكذلك إذا قيل: إيمان زيد مثل إيمان عمرو، فإيمان كل واحد يخصه، فلو قدر أن الإيمان يتماثل لكان لكل مؤمن إيمان يخصه، وذلك الإيمان مختص معين ليس هو الإيمان من حيث هو هو، بل هو إيمان معين، وذلك الإيمان يقبل الزيادة، والذين ينفون التفاضل في هذه الأمور يتصورون في أنفسهم إيمانًا مطلقًا أو إنسانًا مطلقًا، أو وجودًا مطلقا مجردًا عن جميع الصفات المعينة له ثم يظنون أن هذا هو الإيمان الموجود في الناس.
وذلك لا يقبل التفاضل ولا يقبل في نفسه التعدد، إذ هو تصور معين قائم في نفس متصوره.
ولهذا يظن
ثير من هؤلاء أن الأمور المشتركة في شيء واحد هي واحدة بالشخص والعين، حتى انتهى الأمر بطائفة من علمائهم علمًا وعبادة إلى أن جعلوا الوجود كذلك، فتصوروا أن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود، وتصوروا هذا في أنفسهم، فظنوه في الخارج كما هو في أنفسهم، ثم ظنوا أنه الله، فجعلوا الرب هو هذا الوجود الذي لا يوجد قط إلا في نفس متصوره، ولا يكون في الخارج.
وهكذا كثير من الفلاسفة تصوروا أعدادًا مجردة وحقائق مجردة ويسمونها المثل الأفلاطونية، وزمانًا مجردًا عن الحركة والمتحرك، وبعدًا مجردًا عن الأجسام وصفاتها ثم ظنوا وجود ذلك في الخارج، وهؤلاء كلهم اشتبه عليهم ما في الأذهان بما في الأعيان، وهؤلاء قد يجعلون الواحد اثنين والاثنين واحدًا، فتارة يجيئون إلي الأمور المتعددة المتفاضلة في الخارج فيجعلونها واحدة أو متماثلة، وتارة يجيئون إلى ما في الخارج من الحيوان والمكان والزمان فيجعلون الواحد اثنين، والمتفلسفة والجهمية وقعوا في هذا وهذا، فجاؤوا إلى صفات الرب التي هي أنه عالم وقادر، فجعلوا هذه الصفة هي عين الأخري وجعلوا الصفة هي الموصوف.
وهكذا القائلون بأن الإيمان شيء واحد وأنه متماثل في بني آدم، غلطوا في كونه واحدًا وفي كونه متماثلاً كما غلطوا في أمثال ذلك من مسائل [التوحيد] و [الصفات] و [القرآن] ونحو ذلك، فكان غلط جهم وأتباعه في الإيمان كغلطهم في صفات الرب الذي يؤمن به المؤمنون، وفي كلامه وصفاته سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
وكذلك السواد والبياض يقبل الاشتداد والضعف، بل عامة الصفات التي يتصف بها الموصوفون تقبل التفاضل؛ ولهذا كان العقل يقبل التفاضل، والإيجاب والتحريم يقبل التفاضل، فيكون إيجاب أقوى من إيجاب، وتحريم أقوى من تحريم، وكذلك المعرفة التي في القلوب تقبل التفاضل على الصحيح عند أهل السنة، وفي هذا كله نزاع، فطائفة من المنتسبين إلى السنة تنكر التفاضل
في هذا كله كما يختار ذلك القاضي أبو بكر وابن عقيل، وغيرهما.
وقد حكى عن أحمد في التفاضل في المعرفة روايتان.
وإنكار التفاضل في هذه الصفات هو من جنس أصل قول المرجئة، ولكن يقوله من يخالف المرجئة، وهؤلاء يقولون: التفاضل إنما هو في الأعمال، وأما الإيمان الذي في القلوب فلا يتفاضل، وليس الأمر كما قالوه، بل جميع ذلك يتفاضل، وقد يقولون: إن أعمال القلب تتفاضل، بخلاف معارف القلب، وليس الأمر كذلك، بل إيمان القلوب يتفاضل من جهة ما وجب علي هذا، ومن جهة ما وجب على هذا، فلا يستوون في الوجوب، وأمة محمد وإن وجب عليهم جميعهم الإيمان بعد استقرار الشرع، فوجوب الإيمان بالشيء المعين موقوف على أن يبلغ العبد إن كان خبرًا، وعلى أن يحتاج إلى العمل به إن كان أمرًا، وعلى العلم به إن كان علمًا، وإلا فلا يجب على كل مسلم أن يعرف كل خبر وكل أمر في الكتاب والسنة، ويعرف معناه ويعلمه، فإن هذا لا يقدر عليه أحد.
فالوجوب يتنوع بتنوع الناس فيه، ثم قدرهم في أداء الواجب متفاوتة، ثم نفس المعرفة تختلف بالإجمال والتفصيل، والقوة والضعف، ودوام الحضور، ومع الغفلة، فليست المفصلة المستحضرة الثابتة التي يثبت الله صاحبها بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كالمجملة التي غفل عنها، وإذا حصل له ما يريبه فيها وذكرها في قلبه، ثم رغب إلى الله في كشف الريب، ثم أحوال القلوب وأعمالها مثل محبة الله ورسوله وخشية الله، والتوكل عليه، والصبر على حكمه، والشكر له والإنابة إليه، وإخلاص العمل له مما يتفاضل الناس فيها تفاضلاً لا يعرف قدره إلا الله عز وجل ومن أنكر تفاضلهم في هذا فهو إما جاهل لم يتصوره، وإما معاند.
قال الإمام أحمد: فإن زعموا أنهم لا يقبلون زيادة الإيمان، من أجل أنهم لا يدرون ما زيادته، وأنها غير محدودة، فما يقولون في أنبياء الله وكتبه ورسله؟ هل يقرون بهم في الجملة؟ ويزعمون أنه من الإيمان، فإذا قالوا: نعم، قيل لهم:
هل تحدونهم وتعرفون عددهم؟ أليس إنما يصيرون في ذلك إلى الإقرار بهم في الجملة، ثم يكفون عن عددهم؟ فكذلك زيادة الإيمان.
وبين أحمد أن كونهم لم يعرفوا منتهى زيادته، لا يمنعهم من الإقرار بها في الجملة، كما أنهم يؤمنون بالأنبياء والكتب وهم لا يعرفون عدد الكتب والرسل.
وهذا الذي ذكره أحمد، وذكره محمد بن نصر، وغيرهما، يبين أنهم لم يعلموا عدد الكتب والرسل، وأن حديث أبي ذر في ذلك لم يثبت عندهم.
وأما قول من سوى بين الإسلام والإيمان وقال: إن الله سمى الإيمان بما سمى به الإسلام، وسمى الإسلام بما سمى به الإيمان، فليس كذلك، فإن الله ورسوله قد فسر الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
وبين أيضًا أن العمل بما أمر به يدخل في الإيمان، ولم يسم الله الإيمان بملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت إسلامًا، بل إنما سمى الإسلام الاستسلام له بقلبه وقصده وإخلاص الدين والعمل بما أمر به؛ كالصلاة والزكاة خالصًا لوجهه، فهذا هو الذي سماه الله إسلاماً وجعله دينًا، وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]، ولم يدخل فيما خص به الإيمان، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، بل ولا أعمال القلوب، مثل حب الله ورسوله ونحو ذلك، فإن هذه جعلها من الإيمان، والمسلم المؤمن يتصف بها، وليس إذا اتصف بها المسلم المؤمن يلزم أن تكون من الإسلام، بل هي من الإيمان، والإسلام فرض، والإيمان فرض، والإسلام داخل فيه، فمن أتى بالإيمان الذي أمر به، فلابد أن يكون قد أتى بالإسلام المتناول لجميع الأعمال الواجبة، ومن أتى بما يسمى إسلامًا لم يلزم أن يكون قد أتى بالإيمان إلا بدليل منفصل، كما علم أن من أثنى الله عليه بالإسلام من الأنبياء وأتباعهم إلى الحواريين كلهم كانوا مؤمنين كما كانوا مسلمين، كما قال الحواريون: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52]، وقال: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111]؛ ولهذا أمرنا الله بهذا وبهذا في خطاب واحد، كما قال: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا
ُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 136، 137]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
وهذا يقتضي أن كل من دان بغير دين الإسلام فعمله مردود، وهو خاسر في الآخرة، فيقتضي وجوب دين الإسلام وبطلان ما سواه، لا يقتضي أن مسمي الدين هو مسمى الإيمان، بل أمرنا أن نقول: ﴿آمَنَّا بِاللهِ﴾، وأمرنا أن نقول: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فأمرنا باثنين فكيف نجعلهما واحدًا؟ ! وإذا جعلوا الإسلام والإيمان شيئًا واحدًا، فإما أن يقولوا: اللفظ مترادف، فيكون هذا تكريرًا محضًا ثم مدلول هذا اللفظ عين مدلول هذا اللفظ، وإما أن يقولوا: بل أحد اللفظين يدل على صفة غير الصفة الأخرى، كما في أسماء الله وأسماء كتابه، لكن هذا لا يقتضي الأمر بهما جميعًا، ولكن يقتضي أن يذكر تارة بهذا الوصف، وتارة بهذا الوصف، فلا يقول قائل: قد فرض الله عليك الصلوات الخمس، والصلاة المكتوبة، وهذا هو هذا، والعطف بالصفات يكون إذا قصد بيان الصفات لما فيها من المدح أو الذم، كقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 1: 3] لا يقال: صل لربك الأعلى، ولربك الذي خلق فسوى.
وقال محمد بن نصر المروزي رحمه الله: فقد بين الله في كتابه وسنة رسوله أن الإسلام والإيمان لا يفترقان، فمن صدق بالله فقد آمن به، ومن آمن بالله فقد خضع له، وقد أسلم له، ومن صام وصلى وقام بفرائض الله وانتهى عما نهى الله عنه، فقد استكمل الإيمان والإسلام المفترض عليه، ومن ترك من ذلك شيئًا فلن يزول عنه اسم الإيمان ولا الإسلام، إلا أنه أنقص من غيره في الإسلام والإيمان من غير نقصان من الإقرار بأن الله حق، وما قال حق لا باطل
وصدق لا كذب، ولكن ينقص من الإيمان الذي هو تعظيم لله وخضوع للهيبة والجلال والطاعة للمصدق به، وهو الله، فمن ذلك يكون النقصان لا من إقرارهم بأن الله حق، وما قال صدق.
فيقال: ما ذكره يدل على أن من أتى بالإيمان الواجب فقد أتى بالإسلام، وهذا حق، ولكن ليس فيه ما يدل عن أن من أتى بالإسلام الواجب فقد أتى بالإيمان، فقوله: من آمن بالله فقد خضع له وقد استسلم له حق، لكن أي شيء في هذا يدل على أن من أسلم لله وخضع له، فقد آمن به وبملائكته وبكتبه ورسله والبعث بعد الموت؟ وقوله: إن الله ورسوله قد بين أن الإسلام والإيمان لا يفترقان، إن أراد أن الله أوجبهما جميعًا ونهى عن التفريق بينهما، فهذا حق، وإن أراد أن الله جعل مسمي هذا مسمى هذا، فنصوص الكتاب والسنة تخالف ذلك، وما ذكر قط نصًا واحدًا يدل على اتفاق المسلمين.
وكذلك قوله: من فعل ما أمر به وانتهى عما نهى عنه فقد استكمل الإيمان والإسلام، فهذا صحيح إذا فعل ما أمر به باطنًا وظاهرًا، ويكون قد استكمل الإيمان والإسلام الواجب عليه، ولا يلزم أن يكون إيمانه وإسلامه مساويًا للإيمان والإسلام الذي فعله أولو العزم من الرسل؛ كالخليل إبراهيم، ومحمد خاتم النبيين عليهما الصلاة والسلام، بل كان معه من الإيمان والإسلام ما لا يقدر عليه غيره ممن ليس كذلك ولم يؤمر به.
وقوله: من ترك من ذلك شيئًا فلن يزول عنه اسم الإسلام والإيمان إلا أنه أنقص من غيره في ذلك.
فيقال: إن أريد بذلك أنه بقي معه شيء من الإسلام والإيمان، فهذا حق كما دلت عليه النصوص، خلافًا للخوارج والمعتزلة، وإن أراد أنه يطلق عليه بلا تقييد مؤمن ومسلم في سياق الثناء والوعد بالجنة، فهذا خلاف الكتاب والسنة، ولو كان كذلك لدخلوا في قوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 72] وأمثال ذلك مما وعدوا فيه بالجنة بلا عذاب.
أيضًا، فصاحب الشرع قد نفى عنهم الاسم في غير موضع، بل قال: " قتال المؤمن كفر "، وقال: " لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض ". وإذا احتج بقوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9] ونحو ذلك قيل: كل هؤلاء إنما سموا به مع التقييد بأنهم فعلوا هذه الأمور؛ ليذكر ما يؤمرون به هم وما يؤمر به غيرهم.
وكذلك قوله: لا يكون النقصان من إقرارهم بأن الله حق وما قاله صدق، فيقال: بل النقصان يكون في الإيمان الذي في القلوب من معرفتهم ومن علمهم فلا تكون معرفتهم وتصديقهم بالله وأسمائه وصفاته، وما قاله من أمر ونهي، ووعد ووعيد، كمعرفة غيرهم وتصديقه، لا من جهة الإجمال والتفصيل، ولا من جهة القوة والضعف، ولا من جهة الذكر والغفلة، وهذه الأمور كلها داخلة في الإيمان بالله وبما أرسل به رسوله، وكيف يكون الإيمان بالله وأسمائه وصفاته متماثلاً في القلوب؟ ! أم كيف يكون الإيمان بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه غفور رحيم، عزيز حكيم، شديد العقاب، ليس هو من الإيمان به؟ ! فلا يمكن مسلمًا أن يقول: إن الإيمان بذلك ليس من الإيمان به ولا يدعي تماثل الناس فيه.
وأما ما ذكره من أن الإسلام ينقص كما ينقص الإيمان، فهذا أيضًا حق كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فإن من نقص من الصلاة والزكاة أو الصوم أو الحج شيئًا، فقد نقص من إسلامه بحسب ذلك.
ومن قال: إن الإسلام هو الكلمة فقط، وأراد بذلك أنه لا يزيد ولا ينقص، فقوله خطأ.
ورد الذين جعلوا الإسلام والإيمان سواء إنما يتوجه إلى هؤلاء، فإن قولهم في الإسلام يشبه قول المرجئة في الإيمان.
ولهذا صار الناس في الإيمان والإسلام على ثلاثة أقوال: فالمرجئة يقولون: الإسلام أفضل؛ فإنه يدخل فيه الإيمان.
وآخرون يقولون: الإيمان والإسلام
سواء، وهم المعتزلة والخوارج، وطائفة من أهل الحديث والسنة وحكاه محمد بن نصر عن جمهورهم، وليس كذلك، والقول الثالث: أن الإيمان أكمل وأفضل، وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة في غير موضع، وهو المأثور عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
ثم هؤلاء منهم من يقول: الإسلام مجرد القول.
والأعمال ليست من الإسلام، والصحيح أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة كلها، وأحمد إنما منع الاستثناء فيه على قول الزهري: هو الكلمة.
هكذا نقل الأثرم، والميموني وغيرهما عنه، وأما على جوابه الآخر الذي لم يختر فيه قول من قال: الإسلام الكلمة، فيستثنى في الإسلام كما يستثنى في الإيمان، فإن الإنسان لا يجزم بأنه قد فعل كل ما أمر به من الإسلام، وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده "، و " بني الإسلام على خمس "، فجزمه بأنه فعل الخمس بلا نقص كما أمر كجزمه بإيمانه، فقد قال تعالى: ﴿ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ [البقرة: 208] أي الإسلام كافة، أي في جميع شرائع الإسلام.
وتعليل أحمد وغيره من السلف ما ذكروه في اسم الإيمان يجيء في اسم الإسلام، فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء فيه، كما نص عليه أحمد وغيره، وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها، فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان، ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار مسلمًا متميزًا عن اليهود والنصارى، تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين، كان هذا مما يجزم به بلا استثناء فيه؛ فلهذا قال الزهري: الإسلام الكلمة، وعلى ذلك وافقه أحمد وغيره، وحين وافقه لم يرد أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها، فإن الزهري أجل من أن يخفى عليه ذلك؛ ولهذا أحمد لم يجب بهذا في جوابه الثاني خوفًا من أن يظن أن الإسلام ليس هو إلا الكلمة، ولهذا لما قال الأثرم لأحمد: فإذا قال: أنا مسلم
لا يستثني؟ قال نعم: لايستثنى إذا قال: أنا مسلم، فقلت له أقول: هذا مسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " وأنا أعلم أنه لا يسلم الناس منه، فذكر حديث مَعْمَر عن الزهري قال: فنري أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل.
فبين أحمد أن الإسلام إذا كان هو الكلمة فلا استثناء فيها، فحيث كان هو المفهوم من لفظ الإسلام فلا استثناء فيه، ولو أريد بالإيمان هذا، كما يراد ذلك في مثل قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، فإنما أريد من أظهر الإسلام، فإن الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا، هو الإيمان الظاهر وهو الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام الظاهرة؛ ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " اعتقها فإنها مؤمنة " أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حكم المؤمنة، لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار، وهذا هو المؤمن المطلق في كتاب الله، وهو الموعود بالجنة بلا نار إذا مات على إيمانه؛ ولهذا كان ابن مسعود وغيره من السلف يلزمون من شهد لنفسه بالإيمان أن يشهد لها بالجنة، يعنون إذا مات على ذلك، فإنه قد عرف أن الجنة لا يدخلها إلا من مات مؤمنًا.
فإذا قال الإنسان: أنا مؤمن قطعًا، وأنا مؤمن عند الله.
قيل له: فاقطع بأنك تدخل الجنة بلا عذاب إذا مت على هذا الحال، فإن الله أخبر أن المؤمنينفي الجنة.
وأنكر أحمد ابن حنبل حديث ابن عَمِيرة أن عبد الله رجع عن الاستثناء؛ فإن ابن مسعود لما قيل له: إن قومًا يقولون: إنا مؤمنون، فقال: أفلا سألتوهم أفي الجنة هم؟ وفي رواية: أفلا قالوا: نحن أهل الجنة، وفي رواية قيل له: إن هذا يزعم أنه مؤمن، قال: فاسألوه أفي الجنة هو أو في النار؟ فسألوه فقال: الله أعلم، فقال له عبد الله: فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية؟ من قال: أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال: أنا عالم فهو جاهل، ومن قال: هو في الجنة فهو في النار، يروى عن عمر بن الخطاب من وجوه مرسلاً من حديث قتادة ونعيم ابن أبي هند وغيرهما.
والسؤال الذي تورده المرجئة على ابن مسعود ويقولون: إن يزيد بن عميرة ورده عليه حتى رجع، جعل هذا أن الإنسان يعلم حاله الآن، وما يدري ماذا يموت عليه؛ ولهذا السؤال صار طائفة كثيرة يقولون: المؤمن هو من سبق في علم الله أنه يختم له بالإيمان، والكافر من سبق في علم الله أنه كافر، وأنه لا اعتبار بما كان قبل ذلك، وعلى هذا يجعلون الاستثناء، وهذا أحد قولي الناس من أصحاب أحمد وغيرهم وهو قول أبي الحسن وأصحابه.
ولكن أحمد وغيره من السلف لم يكن هذا مقصودهم، وإنما مقصودهم أن الإيمان المطلق يتضمن فعل المأمورات، فقوله: أنا مؤمن، كقوله: أنا ولي الله، وأنا مؤمن تقي، وأنا من الأبرار، ونحو ذلك.
وابن مسعود رضي الله عنه لم يكن يخفى عليه أن الجنة لا تكون إلا لمن مات مؤمنًا، وأن الإنسان لا يعلم على ماذا يموت فإن ابن مسعود أجل قدرًا من هذا، وإنما أراد: سلوه هل هو في الجنة إن مات على هذه الحال؟ كأنه قال: سلوه أيكون من أهل الجنة على هذه الحال؟ فلما قال: الله ورسوله أعلم، قال: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية؟ يقول: هذا التوقف يدل على أنك لا تشهد لنفسك بفعل الواجبات وترك المحرمات.
فإنه من شهد لنفسه بذلك شهد لنفسه أنه من أهل الجنة إن مات على ذلك؛ ولهذا صار الذين لا يرون الاستثناء لأجل الحال الحاضر، بل للموافاة، لا يقطعون بأن الله يقبل توبة تائب، كما لا يقطعون بأن الله تعالى يعاقب مذنبًا، فإنهم لو قطعوا بقبول توبته، لزمهم أن يقطعوا له بالجنة، وهم لا يقطعون لأحد من أهل القبلة لا بجنة ولا نار، إلا من قطع له النص.
وإذا قيل: الجنة هي لمن أتى بالتوبة النصوح من جميع السيئات.
قالوا: ولو مات على هذه التوبة لم يقطع له بالجنة، وهم لا يستثنون في الأحوال، بل يجزمون بأن المؤمن مؤمن تام الإيمان، ولكن عندهم الإيمان عند الله هو ما يوافي به، فمن قطعوا له بأنه مات مؤمنًا لا ذنب له قطعوا له بالجنة، فلهذا لا يقطعون بقبول التوبة لئلا يلزمهم أن يقطعوا بالجنة، وأما أئمة السلف فإنما لم يقطعوا
الجنة لأنهم لا يقطعون بأنه فعل المأمور وترك المحظور، ولا أنه أتى بالتوبة النصوح، وإلا فهم يقطعون بأن من تاب توبة نصوحًا، قبل الله توبته.
وجماع الأمر: أن الاسم الواحد ينفى ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به، فلا يجب إذا أثبت أو نفى في حكم أن يكون كذلك في سائر الأحكام، وهذا فيكلام العرب وسائر الأمم؛ لأن المعنى مفهوم.
مثال ذلك: المنافقون قد يجعلون من المؤمنين في موضع، وفي موضع آخر يقال: ما هم منهم، قال الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 18، 19]، فهنالك جعل هؤلاء المنافقين الخائفين من العدو، الناكلين عن الجهاد، الناهين لغيرهم، الذامين للمؤمنين منهم، وقال في آية أخرى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: 56، 57]، وهؤلاء ذنبهم أخف، فإنهم لم يؤذوا المؤمنين لا بنهي ولا سلق بألسنة حداد، ولكن حلفوا بالله أنهم من المؤمنين في الباطن بقلوبهم، وإلا فقد علم المؤمنون أنهم منهم في الظاهر، فكذبهم الله وقال: ﴿وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾ وهناك قال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾.
فالخطاب لمن كان في الظاهر مسلمًا مؤمنًا وليس مؤمنًا، بأن منكم من هو بهذه الصفة، وليس مؤمنًا بل أحبط الله عمله، فهو منكم في الظاهر لا الباطن.
ولهذا لما استؤذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل بعض المنافقين قال: " لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه "؛ فإنهم من أصحابه في الظاهر عند من لا يعرف حقائق الأمور، وأصحابه الذين هم أصحابه ليس فيهم نفاق كالذين علموا سنته