أن يسجدها لآدم فأباها.
فهل جحد إبليس ربه وهو يقول: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: 39] ويقول: ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: 36] إيمانًا منه بالبعث، وإيماناً بنفاذ قدرته في إنظاره إياه إلى يوم يبعثون؟ وهل جحد أحدًا من أنبيائه أو أنكر شيئًا من سلطانه وهو يحلف بعزته؟ وهل كان كفره إلا بترك سجدة واحدة أمر بها فأباها؟ قال: واستدلوا أيضاً بما قص الله علينا من نبأ ابني آدم ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 27: 30]، قالوا: وهل جحد ربه؟ وكيف يجحده وهو يقرب القربان؟.
قالوا: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15]، ولم يقل: إذا ذكروا بها أقروا بها فقط، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: 121] يعني: يتبعونه حق اتباعه؟ فإن قيل: فهل مع ما ذكرت من سنة ثابتة، تبين أن العمل داخل في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله؟ قيل: نعم، عامة السنن والآثار تنطق بذلك، منها حديث وفد عبد القيس، وذكر حديث شعبة وقرَّة بن خالد عن أبي جَمْرَة عن ابن عباس، كما تقدم، ولفظه: " آمركم بالإيمان بالله وحده "، ثم قال: " هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا خمس ما غنمتم ". وذكر أحاديث كثيرة توجب دخول الأعمال في الإيمان مثل قوله في حديث... لما سئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقرأ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ
وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ثم قال أبو عبد الله محمد بن نصر: اختلف أصحابنا في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ". فقالت طائفة منهم: إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم إزالة اسم الإيمان عنه من غير أن يخرجه من الإسلام، ولا يزيل عنه اسمه، وفرقوا بين الإيمان والإسلام، وقالوا: إذا زنى فليس بمؤمن وهو مسلم، واحتجوا لتفريقهم بين الإسلام والإيمان بقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية [الحجرات: 14] فقالوا: الإيمان خاص يثبت الاسم به بالعمل مع التوحيد، والإسلام عام يثبت الاسم بالتوحيد والخروج من ملل الكفر واحتجوا بحديث سعد بن أبي وقاص، وذكره عن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رجالاً ولم يعط رجلاً منهم شيئاً فقلت: يا رسول الله، أعطيت فلاناً وفلاناً ولم تعط فلانا وهو مؤمن.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو مسلم " أعادها ثلاثاً والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أو مسلم "، ثم قال: " إني لأعطي رجالاً وأمنع آخرين وهم أحب إلى منهم، مخافة أن يُكَبُّوا على وجوههم في النار " قال الزهري: فنرى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل.
قال محمد بن نصر: واحتجوا بإنكار عبد الله بن مسعود على من شهد لنفسه بالإيمان فقال: أنا مؤمن، من غير استثناء، وكذلك أصحابه من بعده، وجُلّ علماء الكوفة على ذلك.
واحتجوا بحديث أبي هريرة: " يخرج منه الإيمان، فإن
رجع رجع إليه "، وبما أشبه ذلك من الأخبار، وبما روي عن الحسن ومحمد بن سيرين أنهما كانا يقولان: مسلم، ويهابان: مؤمن، واحتجوا بقول أبي جعفر الذي حدثناه إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا وهب بن جرير بن حازم، حدثني أبي، عن فضيل بن بشار، عن أبي جعفر محمد ابن علي؛ أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "، فقال أبو جعفر: هذا الإسلام ودور دارة واسعة، وهذا الإيمان ودور دارة صغيرة في وسط الكبيرة، فإذا زنى أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر بالله، واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص "، حدثنا بذلك يحيى بن يحيى، حدثنا ابن لهيعة، عن شريح بن هانئ، عن عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أسلم الناس، وآمن عمرو بن العاص ". وذكر عن حماد بن زيد أنه كان يفرق بين الإيمان والإسلام، فجعل الإيمان خاصاً والإسلام عاماً، قال: فلنا في هؤلاء أسوة وبهم قدوة، مع ما يثبت ذلك من النظر، وذلك أن اللّّه جعل اسم المؤمن اسم ثناء وتزكية ومدحة، أوجب عليه الجنة، فقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: 43، 44]، وقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ
فَضْلاً كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 47]، وقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: 2]، وقال: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ [الحديد: 12] وقال: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ [البقرة: 257] وقال: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 9].
قال: ثم أوجب الله النار على الكبائر، فدل بذلك على أن اسم الإيمان زائل عمن أتى كبيرة.
قالوا: ولم نجده أوجب الجنة باسم الإسلام، فثبت أن اسم الإسلام له ثابت على حاله، واسم الإيمان زائل عنه.
فإن قيل لهم في قولهم هذا: ليس الإيمان ضد الكفر، قالوا: الكفر ضد لأصل الإيمان، لأن للإيمان أصلاً وفروعاً، فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر، فإن قيل لهم: فالذين زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم أزال عنهم اسم الإيمان، هل فيهم من الإيمان شيء؟ قالوا: نعم أصله ثابت، ولولا ذلك لكفروا، ألم تسمع إلى ابن مسعود أنكر على الذي شهد أنه مؤمن ثم قال: لكنا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله يخبرك أنه قد آمن من جهة أنه صدق، وأنه لا يستحق اسم المؤمن إذا كان يعلم أنه مقصر، لأنه لا يستحق هذا الاسم عنده إلا من أدى ما وجب عليه وانتهى عما حرم عليه من الموجبات للنار التي هي الكبائر.
قالوا: فلما أبان الله أن هذا الاسم يستحقه من قد استحق الجنة، وأن الله قد أوجب الجنة عليه، وعلمنا أنا قد آمنا وصدقنا؛ لأنه لا يخرج من التصديق إلا بالتكذيب، ولسنا بشاكين ولا مكذبين، وعلمنا أنا عاصون له مستوجبون للعذاب وهو ضد الثواب الذي حكم الله به للمؤمنين على اسم الإيمان علمنا أنا قد آمنا وأمسكنا عن الاسم الذي أثبت الله عليه الحكم في الجنة وهو من الله اسم ثناء وتزكية، وقد نهانا الله أن نزكي أنفسنا، وأمرنا بالخوف على أنفسنا، وأوجب لنا العذاب بعصياننا، فعلمنا أنا لسنا بمستحقين بأن نتسمى مؤمنين؛ إذ
أوجب الله على اسم الإيمان الثناء والتزكية والرأفة والرحمة والمغفرة والجنة، وأوجب على الكبائر النار، وهذان حكمان متضادان.
فإن قيل: فكيف أمسكتم عن اسم الإيمان أن تسموا به، وأنتم تزعمون أن أصل الإيمان في قلوبكم وهو التصديق بأن الله حق، وما قاله صدق؟ قالوا: إن الله ورسوله وجماهير المسلمين سموا الأشياء بما غلب عليها من الأسماء، فسموا الزاني فاسقاً، والقاذف فاسقاً وشارب الخمر فاسقاً، ولم يسموا واحداً من هؤلاء متقياً ولا ورعاً، وقد أجمع المسلمون أن فيه أصل التقوى والورع، وذلك أنه يتقي أن يكفر أو يشرك بالله شيئا، وكذلك يتقي الله أن يترك الغسل من الجنابة أوالصلاة، ويتقي أن يأتي أمه، فهو في جميع ذلك متق، وقد أجمعالمسلمون من الموافقين والمخالفين أنهم لا يسمونه متقياً ولا ورعاً إذا كان يأتي بالفجور، فلما أجمعوا أن أصل التقي والورع ثابت فيه، وأنه قد يزيد فيه فرعاً بعد الأصل كتورعه عن إتيان المحارم، ثم لا يسمونه متقياً ولا ورعاً مع إتيانه بعض الكبائر، بل سموه فاسقاً وفاجراً مع علمهم أنه قد أتى ببعض التقى والورع، فمنعهم من ذلك أن اسم التقي اسم ثناء وتزكية، وأن الله قد أوجب عليه المغفرة والجنة.
قالوا: فلذلك لا نسميه مؤمناً ونسميه فاسقاً زانياً، وإن كان في قلبه أصل اسم الإيمان؛ لأن الإيمان اسم أثنى الله به على المؤمنين وزكاهم به وأوجب عليه الجنة، فمن ثم قلنا: مسلم، ولم نقل: مؤمن، قالوا: ولو كان أحد من المسلمين الموحدين يستحق ألا يكون في قلبه إيمان ولا إسلام، لكان أحق الناس بذلك أهل النار الذين دخلوها، فلما وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن الله يقول: " أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان "، ثبت أن شر المسلمين في قلبه إيمان، ولما وجدنا الأمة تحكم عليه بالأحكام التي ألزمها الله للمسلمين ولا يكفرونهم، ولا يشهدون لهم بالجنة، ثبت أنهم مسلمون؛ إذ أجمعوا أن يمضوا عليهم أحكام المسلمين، وأنهم لا يستحقون أن يسموا مؤمنين؛ إذ كان الإسلام
يثبت للملة التي يخرج بها الإنسان من جميع الملل، فتزول عنه أسماء الملل إلا اسم الإسلام، وتثبت أحكام الإسلام عليه، وتزول عنه أحكام جميع الملل.
فإن قال لهم قائل: لِمَ لَمْ تقولوا: كافر إن شاء الله، تريدون به كمال الكفر، كما قلتم: مؤمنون إن شاء الله تريدون به كمال الإيمان؟ قالوا: لأن الكافر منكر للحق، والمؤمن أصل إيمانه الإقرار، والإنكار لا أول له ولا آخر فتنتظر به الحقائق، والإيمان أصله التصديق، والإقرار ينتظر به حقائق الأداء لما أقر، والتحقيق لما صدق، ومثل ذلك كمثل رجلين عليهما حق لرجل، فسأل أحدهما حقه، فقال: ليس لك عندي حق، فأنكر وجحد فلم يبق له منزلة يحقق بها ما قال إذا جحد وأنكر، وسأل الآخر حقه فقال: نعم لك علي كذا وكذا، فليس إقراره بالذي يصل إليه بذلك حقه دون أن يوفيه، فهو منتظر له أن يحقق ما قال بالأداء ويصدق إقراره بالوفاء، ولو أقر ثم لم يؤد إليه حقه كان كمن جحده في المعنى إذ استويا في الترك للأداء، فتحقيق ما قال أن يؤدي إليه حقه، فإن أدى جزءاً منه حقق بعض ما قال ووفى ببعض ما أقر به.
وكلما أدى جزءًا ازداد تحقيقاً لما أقر به، وعلى المؤمن الأداء أبداً بما أقر به حتى يموت.
فمن ثم قلنا: مؤمن إن شاء الله، ولم نقل: كافر إن شاء اللّّه.
قال محمد بن نصر: وقالت طائفة أخرى من أصحاب الحديث بمثل مقالة هؤلاء، إلا أنهم سموه مسلماً لخروجه من ملل الكفر ولإقراره بالله وبما قال، ولم يسموه مؤمناً، وزعموا أنهم مع تسميتهم إياه بالإسلام كافر، لا كافر بالله، ولكن كافر من طريق العمل، وقالوا: كفر لا ينقل عن الملة، وقالوا: محال أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " والكفر ضد الإيمان، فلا يزول عنه اسم الإيمان إلا واسم الكفر لازم له؛ لأن الكفر ضد الإيمان، إلا أن الكفر كفران: كفر هو جحد بالله وبما قال فذاك ضده الإقرار بالله والتصديق به وبما قال، وكفر هو عمل فهو ضد الإيمان الذي هو عمل، ألا ترى إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ". قالوا: فإذا لم يؤمن فقد كفر، ولا يجوز غير ذلك إلا أنه كفر من جهة العمل؛ إذ لم يؤمن من جهة
العمل؛ لأنه لا يضيع ما فرض عليه ويرتكب الكبائر إلا من قلة خوفه، وإنما يقل خوفه من قلة تعظيمه لله ووعيده، فقد ترك من الإيمان التعظيم الذي صدر عنه الخوف والورع، فأقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن إذا لم يأمن جاره بوائقه.
ثم قد روى جماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر "، وأنه قال: " إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر، فلم يكن كذلك باء بالكفر ". فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم بقتاله أخاه كافراً، وبقوله له: يا كافر، كافراً، وهذه الكلمة دون الزنا، والسرقة، وشرب الخمر.
قالوا: فأما قول من احتج علينا فزعم أنا إذا سميناه كافراً لزمنا أن يحكم عليه بحكم الكافرين بالله، فنستتيبه ونبطل الحدود عنه؛ لأنه إذا كفر فقد زالت عنه أحكام المؤمنين وحدودهم، وفي ذلك إسقاط الحدود وأحكام المؤمنين على كل من أتى كبيرة، فإنا لم نذهب في ذلك إلى حيث ذهبوا ولكنا نقول: للإيمان أصل وفرع، وضد الإيمان الكفر في كل معنى، فأصل الإيمان الإقرار والتصديق، وفرعه إكمال العمل بالقلب والبدن، فضد الإقرار والتصديق الذي هو أصل الإيمان: الكفر بالله وبما قال، وترك التصديق به وله، وضد الإيمان الذي هو عمل، وليس هو إقرار، كفر ليس بكفر بالله ينقل عن الملة، ولكن كفر تضييع العمل، كما كان العمل إيماناً، وليس هو الإيمان الذي هو إقرار بالله، فلما كان من ترك الإيمان الذي هو إقرار بالله كافراً، يستتاب، ومن ترك الإيمان الذي هو عمل مثل الزكاة والحج والصوم، أو ترك الورع عن شرب الخمر والزنا، قد زال عنه بعض الإيمان، ولا يجب أن يستتاب عندنا ولا عند من خالفنا من أهل السنة وأهل البدع ممن قال: إن الإيمان تصديق وعمل، إلا الخوارج وحدها، فكذلك لا يجب بقولنا: كافر من جهة تضييع العمل أن يستتاب، ولا تزول عنه الحدود، كما لم يكن
بزوال الإيمان الذي هو عمل استتابة، ولا إزالة الحدود والأحكام عنه؛ إذ لم يزل أصل الإيمان عنه فكذلك لا يجب علينا استتابته وإزالة الحدود والأحكام عنه بإثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل؛ إذ لم يأت بأصل الكفر الذي هو جحد بالله أو بما قال.
قالوا: ولما كان العلم بالله إيماناً، والجهل به كفراً، وكان العمل بالفرائض إيماناً، والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقروا بالله أول ما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم إليهم، ولم يعلموا الفرائض التي افترضت عليهم بعد ذلك، فلم يكن جهلهم بذلك كفراً، ثم أنزل الله عليهم الفرائض، فكان إقرارهم بها والقيام بها إيماناً، وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله، ولو لم يأت خبر من الله، ما كان بجهلها كافراً، وبعد مجيء الخبر، من لم يسمع بالخبر من المسلمين، لم يكن بجهلها كافراً، والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبر.
قالوا: فمن ثم قلنا: إن ترك التصديق بالله كفر، وإن ترك الفرائض مع تصديق الله أنه قد أوجبها كفر، ليس بكفر بالله، إنما هو كفر من جهة ترك الحق كما يقول القائل: كفرتني حقي ونعمتي، يريد: ضيعت حقي وضيعت شكر نعمتي، قالوا: ولنا في هذا قدوة بمن روى عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين؛ إذ جعلوا للكفر فروعاً دون أصله، لا ينقل صاحبه عن ملة الإسلام، كما أثبتوا للإيمان من جهة العمل فروعاً للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام، من ذلك قول ابن عباس في قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] قال محمد بن نصر: حدثنا ابن يحيى، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام يعني ابن عروة عن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ليس بالكفر الذي يذهبون إليه.
حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قول: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: هي به كفر، قال ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
حدثنا إسحاق، أنبأنا وكيع عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عنأبيه، عن ابن عباس قال: هو به كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبه أنبأنا وكيع، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قلت لابن عباس: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾ فهو كافر.
قال: هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله.
حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، عن سفيان، عن رجل، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كفر لا ينقل عن الملة.
حدثنا إسحاق، أنبأنا وكيع، عن سفيان، عن سعيد المكي، عن طاوس قال: ليس بكفر ينقل عن الملة.
حدثنا إسحاق، أنبأنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.
قال محمد بن نصر: قالوا: وقد صدق عطاء، قد يسمي الكافر ظالماً ويسمى العاصي من المسلمين ظالماً، فظلم ينقل عن ملة الإسلام، وظلم لا ينقل قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ٍ﴾ [الأنعام: 82]، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]، وذكر حديث ابن مسعود المتفق عليه قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾، شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،
وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس بذلك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك ". حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه، فدخل ذات يوم فقرأ، فأتى على هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ إلى آخر الآية، فانتعل وأخذ رداءه، ثم أتى إلى أبي بن كعب فقال: يا أبا المنذر، أتيت قبل على هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ وقد نرى أنا نظلم ونفعل.
فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا ليس بذلك، يقول الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما ذلك الشرك.
قال محمد بن نصر: وكذلك الفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة، فيسمى الكافر فاسقًا، والفاسق من المسلمين فاسقا، ذكر الله إبليس فقال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50]، وكان ذلك الفسق منه كفراً، وقال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ يريد الكفار، دل على ذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: 20]، وسمى الفاسق من المسلمين فاسقاً ولم يخرجه من الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4]، وقال تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] فقالت العلماء في تفسير الفسوق هاهنا: هي المعاصي.
قالوا: فلما كان الظلم ظلمين والفسق فسقين، كذلك الكفر كفران: أحدهما ينقل عن الملة، والآخر لا ينقل عن الملة، وكذلك الشرك [شركان] : شرك في التوحيد ينقل عن الملة، وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء، قال
تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110] يريد بذلك المراءاة بالأعمال الصالحة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الطيرة شرك ". قال محمد بن نصر: فهذان مذهبان هما في الجملة، محكيان عن أحمد بن حنبل في موافقيه من أصحاب الحديث، حكى الشالنجي إسماعيل بن سعيد: أنه سأل أحمد بن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده، إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصيام، هل يكون مصراً من كانت هذه حاله؟ قال: هو مصر، مثل قوله: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام، ومن نحو قوله: " لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن "، ومن نحو قول ابن عباس في قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، فقلت له: ما هذا الكفر؟ فقال: كفر لا ينقل عن الملة، مثل الإيمان بعضه دون بعض، وكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه.
وقال ابن أبي شيبة: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ": لا يكون مستكمل الإيمان، يكون ناقصاً من إيمانه، قال: وسألت أحمد ابن حنبل عن الإسلام والإيمان، فقال: الإيمان قول وعمل، والإسلام إقرار، قال: وبه قال أبو خيثمة، وقال ابن أبي شيبة: لا يكون الإسلام إلا بإيمان، ولا إيمان إلا بإسلام.
قلت: وقد تقدم تمام الكلام بتلازمهما وإن كان مسمى أحدهما ليس هو مسمى الآخر، وقد حكي غير واحد إجماع أهل السنة والحديث على أن الإيمان قول وعمل.
قال أبو عمر ابن عبد البر في [التمهيد] : أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه،
فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعة لا تسمى إيماناً، قالوا: إنما الإيمان التصديق والإقرار، ومنهم من زاد المعرفة وذكر ما احتجوا به... إلى أن قال: وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر منهم مالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي، والطبري، ومن سلك سبيلهم، فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، مع الإخلاص بالنية الصادقة.
قالوا: وكل ما يطاع الله عز وجل به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، والإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم، وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر.
ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " الحديث، يريد: مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر، إذا صلوا إلى القبلة وانتحلوا دعوة الإسلام، من قراباتهم المؤمنين الذين ليسوا بتلك الأحوال، واحتج على ذلك، ثم قال: وأكثر أصحاب مالك على أن الإيمان والإسلام شيء واحد.
قال: وأما قول المعتزلة، فالإيمان عندهم جماع الطاعات، ومن قصر منها عن شيء فهو فاسق، لا مؤمن ولا كافر، وهؤلاء هم المتحققون بالاعتزال أصحاب المنزلة بين المنزلتين.... إلى أن قال: وعلى أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وعليه جماعة أهل الآثار، والفقهاء من أهل الفتيا في الأمصار.
وروى ابن القاسم عن مالك: أن الإيمان يزيد وتوقف في نقصانه.
وروي عنه عبد الرزاق، ومعن بن عيسى، وابن نافع: أنه يزيد وينقص، وعلى هذا مذهب الجماعة من أهل الحديث، والحمد لله.
ثم ذكر حجج المرجئة، ثم حجج أهل السنة، ورد على الخوارج التكفير بالحدود المذكورة للعصاة في الزنا والسرقة، ونحو ذلك، وبالموارثة وبحديث
عبادة: " من أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة "، وقال: الإيمان مراتب بعضها فوق بعض، فليس ناقص الإيمان ككامل الإيمان.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2]، أي حقاً.
ولذلك قال: ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: 4] وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " يعني: حقاً ومن هذا قوله: " أكمل المؤمنين إيماناً ". ومعلوم أن هذا لا يكون أكمل حتى يكون غيره أنقص.
وقوله: " أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله "، وقوله: " لا إيمان لمن لا أمانة له " يدل على أن بعض الإيمان أوثق وأكمل من بعض، وذكر الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: " من أحب لله وأبغض لله " الحديث.
وكذلك ذكر أبو عمرو الطلمنكي إجماع أهل السنة على أن الإيمان قول وعمل ونية وإصابة السنة.
وقال أبو طالب المكي: مباني الإسلام الخمسة؛ يعني: الشهادتين، والصلوات الخمس، والزكاة، وصيام شهر رمضان، والحج.
قال: وأركان الإيمان سبعة؛ يعني الخمسة المذكورة في حديث جبرائيل، والإيمان بالقدر، والإيمان بالجنة والنار، وكلاهما قد رويت في حديث جبريل، كما سنذكر إن شاء الله تعالى.
قال: والإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، والإيمان بكتب الله وأنبيائه، والإيمان بالملائكة والشياطين، يعني والله أعلم: الإيمان بالفرق بينهما، فإن من الناس من يجعلهما جنساً واحداً، لكن تختلف باختلاف الأعمال، كما
يختلف الإنسان البر والفاجر، والإيمان بالجنة والنار، وأنهما قد خلقتا قبل آدم.
والإيمان بالبعث بعد الموت، والإيمان بجميع أقدار الله خيرها وشرها وحلوها ومرها، أنها من الله قضاء وقدراً ومشيئة وحكما، وأن ذلك عدل منه وحكمة بالغة، استأثر بعلم غيبها ومعنى حقائقها.
قال: وقد قال قائلون: إن الإيمان هو الإسلام، وهذا قد أذهب التفاوت والمقامات، وهذا يقرب من مذهب المرجئة.
وقال آخرون: إنالإسلام غير الإيمان، وهؤلاء قد أدخلوا التضاد والتغاير، وهذا قريب من قول الأباضية، فهذه مسألة مشكلة تحتاج إلى شرح وتفصيل، فمثل الإسلام من الإيمان، كمثل الشهادتين أحدهما من الأخرى في المعنى والحكم، فشهادة الرسول غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشيء واحد، كذلك الإيمان والإسلام أحدهما مرتبط بالآخر، فهما كشيء واحد، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه، ولا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه، من حيث اشترط الله للأعمال الصالحة الإيمان، واشترط للإيمان الأعمال الصالحة، فقال في تحقيق ذلك: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: 94]، وقال في تحقيق الإيمان بالعمل: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: 75]، فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب فهو منافق نفاقاً ينقل عن الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام، فهو كافر كفراً لا يثبت معه توحيد، ومن كان مؤمناً بالغيب مما أخبرت به الرسل عن الله عاملاً بما أمر الله، فهو مؤمن مسلم، ولولا أنه كذلك لكان المؤمن يجوز ألاّ يسمى مسلما، ولجاز أن المسلم لا يسمى مؤمناً بالله.
وقد أجمع أهل القبلة على أن كل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن بالله وملائكته وكتبه، قال: ومثل الإيمان في الأعمال كمثل القلب في الجسم لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا يكون ذو جسم حي لا قلب له، ولا ذو قلب بغير جسم، فهما شيئان منفردان، وهما في الحكم والمعنى منفصلان، ومثلهما أيضًا
مثل حبة لها ظاهر وباطن وهي واحدة، لا يقال: حبتان لتفاوت صفتهما.
فكذلك أعمال الإسلام من الإسلام هو ظاهر الإيمان، وهو من أعمال الجوارح، والإيمان باطن الإسلام وهو من أعمال القلوب.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الإسلام علانية، والإيمان في القلب " وفي لفظ: " الإيمان سر " فالإسلام أعمال الإيمان، والإيمان عقود الإسلام، فلا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بعقد.
ومثل ذلك مثل العمل الظاهر والباطن، أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وعمل الجوارح، ومثله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات " أي: لا عمل إلا بعقد وقصد؛ لأن [إنما] تحقيق للشيء ونفي لما سواه، فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات، وعمل القلوب من النيات، فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان لا يصح الكلام إلا بهما؛ لأن الشفتين تجمع الحروف، واللسان يظهر الكلام، وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام، وكذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان؛ ولذلك حين عدد الله نعمه على الإنسان بالكلام ذكر الشفتين مع اللسان في قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: 8، 9] بمعنى: ألم نجعله ناظراً متكلما، فعبر عن الكلام باللسان والشفتين لأنهما مكان له وذكر الشفتين؛ لأن الكلام الذي جرت به النعمة لا يتم إلا بهما.
ومثل الإيمان والإسلام أيضاً كفسطاط قائم في الأرض له ظاهر وأطناب، وله عمود في باطنه، فالفسطاط مثل الإسلام له أركان من أعمال العلانية والجوارح، وهي الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط، والعمود الذي في وسط الفسطاط مثله كالإيمان لا قوام للفسطاط إلا به.
فقد احتاج الفسطاط إليها، إذ لا قوام له ولا قوة إلا بهما، كذلك الإسلام في أعمال الجوارح لا قوام له إلا بالإيمان، والإيمان من أعمال القلوب لا نفع له إلا بالإسلام، وهو صالح الأعمال.
وأيضاً، فإن الله قد جعل ضد الإسلام والإيمان واحداً، فلولا أنهما كشيء واحد في الحكم والمعني ما كان ضدهما واحداً فقال: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: 86]، وقال: ﴿أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 80] فجعلَ ضدهما الكفر.
قال: وعلى مثل هذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، والإسلام من صنف واحد، فقال في حديث ابن عمر: " بني الإسلام على خمس "، وقال في حديث ابن عباس عن وفد عبد القيس أنهم سألوه عن الإيمان فذكر هذه الأوصاف، فدل بذلك على أنه لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام ظاهر علانية إلا بإيمان سر، وأن الإيمان والعمل قرينان، لا ينفع أحدهما بدون صاحبه.
قال: فأما تفرقة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل بين الإيمان والإسلام، فإن ذلك تفصيل أعمال القلوب وعقودها على ما توجب هذه المعاني، التي وصفناها أن تكون عقوداً من تفصيل أعمال الجوارح، مما يوجب الأفعال الظاهرة التي وصفها أن تكون علانية، لا أن ذلك يفرق بين الإسلام والإيمان في المعنى باختلاف وتضاد، ليس فيه دليل أنهما مختلفان في الحكم، قال: ويجتمعان في عبد واحد مسلم مؤمن، فيكون ما ذكره من عقود القلب وصف قلبه، وما ذكره من العلانية وصف جسمه.
قال: وأيضاً، فإن الأمة مجتمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكره من عقود القلب في حديث جبريل من وصف الإيمان ولم يعمل بما ذكره من وصف الإسلام أنه لا يسمى مؤمناً، وأنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان أنه لا يكون مسلماً، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمة لا تجتمع على ضلالة.
قلت: كأنه أراد بذلك إجماع الصحابة ومن اتبعهم، أو أنه لا يسمى مؤمناً في الأحكام، وأنه لا يكون مسلماً إذا أنكر بعض هذه الأركان، أو علم أن الرسول أخبر بها ولم يصدقه، أو أنه لم ير خلاف أهل الأهواء خلافاً، وإلا فأبو طالب كان عارفا بأقوالهم، وهذا والله أعلم مراده، فإنه عقد الفصل الثالث
والثلاثين] في بيان تفصيل الإسلام والإيمان، وشرح عقود معاملة القلب من مذهب أهل الجماعة، وهذا الذي قاله أجود مما قاله كثير من الناس، لكن ينازع في شيئين: أحدهما: أن المسلم المستحق للثواب لابد أن يكون معه الإيمان الواجب المفصل المذكور في حديث جبريل.
والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يطلق مؤمناً دون مسلم، في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أو مسلم " لكونه ليس من خواص المؤمنين وأفاضلهم، كأنه يقول: لكونه ليس من السابقين المقربين، بل من المقتصدين الأبرار، فهذان مما تنازع فيهما جمهور العلماء، ويقولون: لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الرجل: " أو مسلم " لكونه لم يكن من خواص المؤمنين وأفاضلهم كالسابقين المقربين، فإن هذا لو كان كذلك لكان ينفي الإيمان المطلق عن الأبرار المقتصدين المتقين، الموعودين بالجنة بلا عذاب إذا كانوا من أصحاب اليمين، ولم يكونوا من السابقين والمقربين، وليس الأمر كذلك، بل كل من أصحاب اليمين مع السابقين المقربين، كلهم مؤمنون موعودون بالجنة بلا عذاب، وكل من كان كذلك فهو مؤمن باتفاق المسلمين من أهل السنة وأهل البدع، ولو جاز أن ينفي الإيمان عن شخص لكون غيره أفضل منه إيماناً نفى الإيمان عن أكثر أولياء الله المتقين، بل وعن كثير من الأنبياء، وهذا في غاية الفساد، وهذا من جنس قول من يقول: نفى الاسم لنفي كماله المستحب.
وقد ذكرنا أن مثل هذا لا يوجد في كلام الله ورسوله، بل هذا الحديث خص من قيل فيه: مسلم وليس بمؤمن، فلابد أن يكون ناقصاً عن درجة الأبرار المقتصدين أهل الجنة، ويكون إيمانه ناقصاً عن إيمان هؤلاء كلهم، فلا يكون قد أتى بالإيمان الذي أمر به هؤلاء كله، ثم إن كان قادراً على ذلك الإيمان وترك الواجب، كان مستحقاً للذم، وإن قدر أنه لا يقدر على ذلك الإيمان الذي اتصف به هؤلاء، كان عاجزاً عن مثل إيمانهم، ولا يكون هذا وجب عليه، فهو وإن دخل الجنة لا يكون كمن قدر أنه آمن إيماناً مجملاً، ومات قبل أن يعلم تفصيل الإيمان وقبل أن يتحقق به ويعمل بشيء منه، فهو يدخل الجنة، لكن لا يكون مثل أولئك.
لكن قد يقال: الأبرار أهل اليمين هم أيضاً على درجات، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير " وقد قال الله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ الآية [النساء: 95]، فدرجة المؤمن القوي في الجنة أعلى، وإن كان كل منهما كمل ما وجب عليه، وقد يريد أبو طالب وغيره بقولهم: ليس هذا من خواص المؤمنين هذا المعنى؛ أي: ليس إيمانه كإيمان من حقق خاصة الإيمان، سواء كان من الأبرار أو من المقربين، وإن لم يكن ترك واجباً لعجزه عنه، أو لكونه لم يؤمر به، فلا يكون مذمومًا، ولا يمدح مدح أولئك، ولا يلزم أن يكون من أولئك المقربين.
فيقال: وهذا أيضاً لا ينفي عنه الإيمان، فيقال: هو مسلم لا مؤمن، كما يقال: ليس بعالم ولا مفت، ولا من أهل الاجتهاد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ". وهذا كثير، فليس كل ما فضل به الفاضل يكون مقدوراً لمن دونه، فكذلك من حقائق الإيمان ما لا يقدر عليه كثير من الناس، بل ولا أكثرهم، فهؤلاء يدخلون الجنة، وإن لم يكونوا ممن تحققوا بحقائق الإيمان التي فضل الله بها غيرهم، ولا تركوا واجباً عليهم وإن كان واجباً على غيرهم؛ ولهذا كان من الإيمان ما هو من المواهب والفضل من الله فإنه من جنس العلم، والإسلام الظاهر من جنس العمل، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد: 17]، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4].
ومثل هذه السكينة قد لا تكون مقدورة، ولكن الله يجعل ذلك في قلبه، فضلاً منه وجزاء على عمل سابق، كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 66: 68]، كما قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28]، وكما قال: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: 22]؛ ولهذا قيل: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، وهذا الجنس غير مقدور للعباد، وإن كان ما يقدرون عليه من الأعمال الظاهرة والباطنة هو أيضاً بفضل الله وإعانته وإقداره لهم، لكن الأمور قسمان: منه ما جنسه مقدور لهم لإعانة الله لهم، كالقيام والقعود، ومنه ما جنسه غير مقدور لهم، إذا قيل: إن الله يعطي من أطاعه قوة في قلبه وبدنه يكون بها قادراً على ما لا يقدر عليه غيره، فهذا أيضاً حق وهو من جنس هذا المعنى، قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [الأنفال: 12]، وقد قال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ﴾ [الأنفال: 45]، فأمرهم بالثبات وهذا الثبات، يوحى إلى الملائكة أنهم يفعلونه بالمؤمنين.
والمقصود أنه قد يكون من الإيمان ما يؤمر به بعض الناس ويذم على تركه، ولا يذم عليه بعض الناس ممن لا يقدر عليه، ويفضل الله ذاك بهذا الإيمان، وإن لم يكن المفضول ترك واجباً، فيقال: وكذلك في الأعمال الظاهرة يؤمر القادر على الفعل بما لا يؤمر به العاجز عنه، ويؤمر بعض الناس بما لا يؤمر به غيره، لكن الأعمال الظاهرة قد يعطي الإنسان مثل أجر العامل إذا كان يؤمن بها ويريدها جهده، ولكن بدنه عاجز كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " إن بالمدينة لرجالاً ما سِرْتُم مَسِيرًا ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم " قالو: وهم بالمدينة؟ قال: " وهم بالمدينة حبسهم العذر "، وكما قال تعالي: ﴿لاَّ يَسْتَوِي
الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95] فاستثنى أولى الضرر.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا ". وفي حديث أبي كَبْشَة الأنماري: " هما في الأجر سواء، وهما في الوزر سواء "، رواه الترمذي وصححه ولفظه: " إنما الدنيا لأربعة: رجل آتاه الله علماً ومالاً فهو يتقي في ذلك المال ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته، فوزرهما سواء ". ولفظ ابن ماجه: " مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلماً فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالا فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يتخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته علماً ولا مالا وهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت مثل الذي يعمل، فهما في الوزر سواء ".
كالشخصين إذا تماثلا في إيمان القلوب معرفة وتصديقاً، وحباً وقوة وحالاً ومقاماً، فقد يتماثلان، وإن كان لأحدهما من أعمال البدن ما يعجز عنه بدن الآخر، كما جاء في الأثر: " إن المؤمن قوته في قلبه، وضعفه في جسمه، والمنافق قوته في جسمه، وضعفه في قلبه "؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " ليس الشديد ذو الصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب "، وقد قال: " رأيت كأني أنزع على قَلِيبٍ، فأخذها ابن أبي قُحَافة، فنزع ذَنُوباً أو ذنوبين، وفي نَزْعِه ضعف، والله يغفر له، فأخذها ابن الخطاب فاستحالت في يده غَرْباً، فلم أر عبقريًا يَفْري فَرْيَه، حتى صَدَرَ الناس بعطن "، فذكر أن أبا بكر أضعف، وسواء أراد قصر مدته أو أراد ضعفه عن مثل قوة عمر، فلا ريب أن أبا بكر أقوى إيماناً من عمر، وعمر أقوي عملاً منه، كما قال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.
وقوة الإيمان أقوى وأكمل من قوة العمل، وصاحب الإيمان يكتب له أجر عمل غيره، وما فعله عمر في سيرته مكتوب مثله لأبي بكر فإنه هو الذي استخلفه.
وفي المسند من وجهين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي وزن بالأمة فرجح، ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح، ثم وزن عمر بالأمة فرجح، وكان في حياة النبي صلىالله عليه وسلم وبعد موته يحصل لعمر بسبب أبي بكر من الإيمان والعلم ما لم يكن عنده، فهو قد دعاه إلى ما فعله من خير وأعانه عليه بجهده، والمعين على الفعل إذا كان يريده إرادة جازمة كان كفاعله، كما ثبت في الحديث الصحيح عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من جَهَّز غازياً فقد غزاً، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا "، وقال: " من دل على خير فله مثل أجر فاعله "، وقال: " من فطر صائماً فله مثل أجره ". وقد روى الترمذي: " من عزى مصاباً فله مثل أجره " وهذا وغيره مما يبين أن الشخصين قد يتماثلان في الأعمال الظاهرة، بل يتفاضلان ويكون المفضول فيها أفضل عند الله من الآخر؛ لأنه أفضل في الإيمان الذي في القلب، وأما إذا تفاضلا في إيمان القلوب فلا يكون المفضول فيها أفضل عند الله البتة، وإن كان المفضول لم يهبه الله من الإيمان ما وهبه للفاضل، ولا أعطى قلبه من الأسباب التي بها ينال ذلك الإيمان الفاضل ما أعطى المفضول؛ ولهذا فضل الله بعض النبيين على بعض، وإن كان الفاضل أقل عملاً من المفضول، كما فضل الله نبينا صلى الله عليه وسلم ومدة نبوته بضع وعشرون سنة على نوح وقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وفضل أمة محمد، وقد عملوا من صلاة العصر إلى المغرب، على من عمل من أول النهار إلى صلاة الظهر، وعلى من عمل من صلاة الظهر إلى العصر، فأعطى الله أمة محمد أجرين، وأعطى كلا من أولئك أجرًا أجرًا؛ لأن الإيمان الذي في قلوبهم كان أكمل وأفضل، وكان أولئك أكثر عملاً، وهؤلاء أعظم أجراً، وهو فضله يؤتيه من يشاء بالأسباب التي تفضل بها عليهم وخصهم بها.
وهكذا سائر من يفضله الله تعالى فإنه يفضله بالأسباب التي يستحق بها التفضيل بالجزاء، كما يخص أحد الشخصين بقوة ينال بها العلم، وبقوة ينال بها اليقين والصبر والتوكل والإخلاص، وغير ذلك مما يفضله الله به، وإنما فضله في الجزاء بما فضل به من الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ﴾ [آل عمران: 72، 73]، وقال في الآية الأخرى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]، وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 75]، وقال: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء﴾ [الفتح: 14] وقد بين في مواضع أسباب المغفرة وأسباب العذاب، وكذلك يرزق من يشاء بغير حساب، وقد عرف أنه قد يخص من يشاء بأسباب الرزق.
وإذا كان من الإيمان ما يعجز عنه كثير من الناس، ويختص الله به من يشاء، فذلك مما يفضلهم الله به، وذلك الإيمان ينفي عن غيرهم، لكن لا على وجه الذم بل على وجه التفضيل، فإن الذم إنما يكون على ترك مأمور أو فعل محظور.
لكن على ما ذكره أبو طالب، يقال: فمثل هؤلاء مسلمون لا مؤمنون باعتبار، ويقال: إنهم مؤمنون باعتبار آخر، وعلى هذا ينفي الإيمان عمن فاته الكمال المستحب، بل الكمال الذي يفضل به على من فاته، وإن كان غير مقدور للعباد بل ينفي عنه الكمال الذي وجب على غيره، وإن لم يكن في حقه لا واجباً ولا مستحباً، لكن هذا لا يعرف في كلام الشارع، ولم يعرف في كلامه إلا أن نفي الإيمان يقتضي الذم حيث كان، فلا ينفي إلا عمن له ذنب، فتبين أن قوله: " أو مسلم " توقف في أداء الواجبات الباطنة والظاهرة كما قال جماهير الناس.
ثم طائفة يقولون: قد يكون منافقاً ليس معه شيء من الإيمان، وهم الذين يقولون: الأعراب المذكورون منافقون ليس معهم من الإيمان شيء، وهذا هو القول الذي نصره طائفة، كمحمد بن نصر، والأكثرون يقولون: بل هؤلاء لم يكونوا من المنافقين الذين لا يقبل منهم شيء من أعمالهم، وإن كان فيهم شعبة نفاق، بل كان معهم تصديق يقبل معه منهم ما عملوه لله؛ ولهذا جعلهم مسلمين؛ ولهذا قال: ﴿أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17]، كما قالوا مثل ذلك في الزاني والسارق وغيرهما ممن نفى عنه الإيمان، مع أن معه التصديق.
وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم.
وأبو طالب جعل من كان مذموماً، لترك واجب، من المؤلفة قلوبهم الذين لم يعطوا شيئًا، وجعل ذلك الشخص مؤمناً غيره أفضل منه، وأما الأكثرون فيقولون: إثبات الإسلام لهم دون الإيمان كإثباته لذلك الشخص كان مسلماً لا مؤمنًا كلاهما مذموم، لا لمجرد أن غيره أفضل منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً " ولم يسلب عمن دونه الإيمان، وقال تعالى: ﴿ِلا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: 10].
فأثبت الإيمان للفاضل والمفضول، وهذا متفق عليه بين المسلمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر "، وقال لسعد ابن معاذ لما حكم في بني قريظة: " لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرْقٍعَة "، وكان يقول لمن يرسله في جيش أو سرية: " إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك ". وهذه الأحاديث الثلاثة في الصحيح، وفي حديث سليمان عليه السلام: " وأسألك حكمًا يوافق حكمك ". فهذه النصوص وغيرها تدل على ما اتفق عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان: أن أحد الشخصين قد يخصه الله باجتهاد يحصل له به من العلم ما يعجز عنه غيره فيكون له أجران، وذلك الآخر عاجز له أجر ولا إثم عليه، وذلك العلم الذي خص به هذا، والعمل به باطناً، وظاهراً زيادة في إيمانه، وهو إيمان
يجب عليه، لأنه قادر عليه، وغيره عاجز عنه فلا يجب.
فهذا قد فضل بإيمان واجب عليه وليس بواجب على من عجز عنه.
وهذا حال جميع الأمة فيما تنازعت فيه من المسائل الخبرية والعملية، إذا خص أحدهما بمعرفة الحق في نفس الأمر مع اجتهاد الآخر وعجزه، كلاهما محمود مثاب مؤمن، وذلك خصه الله من الإيمان الذي وجب عليه بما فضله به على هذا.
وذلك المخطئ لا يستحق ذماً ولا عقاباً، وإن كان ذاك لو فعل ما فعل ذم وعوقب، كما خص الله أمة نبينا بشريعة فضلها به، ولو تركنا مما أمرنا به فيها شيئًا، لكان ذلك سبباً للذم والعقاب، والأنبياء قبلنا لا يذمون بترك ذلك، لكن محمد صلى الله عليه وسلم فضله الله على الأنبياء، وفضل أمته على الأمم من غير ذم لأحد من الأنبياء، ولا لمن اتبعهم من الأمم.
وأيضاً، فإذا كان الإنسان لا يجب عليه شيء من الإيمان إلا ما يقدر عليه، وهو إذا فعل ذلك كان مستحقاً لما وعد الله به من الجنة، فلو كان مثل هذا يسمى مسلماً ولا يسمى مؤمناً، لوجب أن يكون من أهل الوعد بالجنة من يسمى مسلماً لامؤمناً كالأعراب، وكالشخص الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: " أو مسلم " وكسائر من نفى عنه الإيمان مع أنه مسلم، كالزاني، والشارب، والسارق، ومن لا يأمن جاره بوائقه، ومن لا يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه، وغير هؤلاء، وليس الأمر كذلك.
فإن الله لم يعلق وعد الجنة إلا باسم الإيمان، لم يعلقه باسم الإسلام مع إيجابه الإسلام، وإخباره أنه دينه الذي ارتضاه، وأنه لا يقبل ديناً غيره، ومع هذا فما قال: إن الجنة أعدت للمسلمين، ولا قال: وعد الله المسلمين بالجنة، بل إنما ذكر ذلك باسم الإيمان، كقوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: 72]، فهو يعلقها باسم الإيمان المطلق، أو المقيد بالعمل الصالح، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البينة: 7، 8]، وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ [البقرة:
25]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 277]، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 173]، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 175]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ [النساء: 57]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ [النساء: 122]، وقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 57]، وقال: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 9]، وقال: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: 48]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: 42]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فالوعد بالجنة، والرحمة في الآخرة، وبالسلامة من العذاب، علق باسم الإيمان المطلق، والمقيد بالعمل الصالح، ونحو ذلك، وهذا كما تقدم أن المطلق يدخل فيه فعل ما أمر الله به ورسوله، ولم يعلق باسم الإسلام.
فلو كان من أتى من الإيمان بما يقدر عليه وعجز عن معرفة تفاصيله قد يسمى مسلماً لا مؤمنًا، لكان من أهل الجنة، وكانت الجنة يستحقها من يسمى مسلماً وإن لم يسم مؤمناً، وليس الأمر كذلك، بل الجنة لم تعلق إلا باسم الإيمان، وهذا أيضاً مما استدل به من قال: إنه ليس كل مسلم من المؤمنين الموعودين بالجنة؛ إذ لو كان الأمر كذلك لكان وعد الجنة معلقاً باسم الإسلام، كما علق باسم الإيمان وكما علق باسم التقوى واسم البر، في مثل قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: 54]، وقوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: 13]، وباسم أولياء اللّّه، كقوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ
يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: 62: 64]، فلما لم يجر اسم الإسلام هذا المجرى، علم أن مسماه ليس ملازماً لمسمى الإيمان كما يلازمه اسم البر والتقوى وأولياء الله، وأن اسم الإسلام يتناول من هو من أهل الوعيد، وإن كان الله يثيبه على طاعته، مثل أن يكون في قلبه إيمان، ونفاق يستحق به العذاب، فهذا يعاقبه الله ولا يخلده في النار؛ لأن في قلبه مثقال ذرة أو أكثر من مثقال ذرة من إيمان.
وهكذا سائر أهل الكبائر إيمانهم ناقص، وإذا كان في قلب أحدهم شعبة نفاق عوقب بها إذا لم يعف الله عنه، ولم يخلد في النار، فهؤلاء مسلمون وليسوا مؤمنين ومعهم إيمان.
لكن معهم أيضاً ما يخالف الإيمان من النفاق، فلم تكن تسميتهم مؤمنين بأولى من تسميتهم منافقين، لا سيما إن كانوا للكفر أقرب منهم للإيمان، وهؤلاء يدخلون في اسم الإيمان في أحكام الدنيا، كما يدخل المنافق المحض وأولى؛ لأن هؤلاء معهم إيمان يدخلون به في خطاب الله ب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، لأن ذلك أمر لهم بما ينفعهم ونهى لهم عما يضرهم، وهم محتاجون إلى ذلك، ثم إن الإيمان الذي معهم إن اقتضى شمول لفظ الخطاب لهم فلا كلام، وإلا فليسوا بأسوأ حالاً من المنافق المحض، وذلك المنافق يخاطب بهذه الأعمال وتنفعه في الدنيا ويحشر بها مع المؤمنين يوم القيامة، ويتميز بها عن سائر الملل يوم القيامة كما تميز عنهم بها في الدنيا، لكن وقت الحقيقة يضرب ﴿بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: 13: 15]، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 145، 146].
فإذا عمل العبد صالحاً لله، فهذا هوالإسلام الذي هو دين الله، ويكونمعه من الإيمان ما يحشر به مع المؤمنين يوم القيامة، ثم إن كان معه من الذنوب ما يعذب به عذب وأخرج من النار، إذا كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان وإن كان معه نفاق؛ ولهذا قال تعالى في هؤلاء: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 146]، فلم يقل: إنهم مؤمنون بمجرد هذا؛ إذ لم يذكر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، بل هم معهم، وإنما ذكر العمل الصالح وإخلاصه لله، وقال: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيكون لهم حكمهم.
وقد بين تفاضل المؤمنين في مواضع أخر، وأنه من أتى بالإيمان الواجب استحق الثواب، ومن كان فيه شعبة نفاق وأتى بالكبائر، فذاك من أهل الوعيد، وإيمانه ينفعه الله به، ويخرجه به من النار ولو أنه مثقال حبة خردل لكن لا يستحق به الاسم المطلق المعلق به وعد الجنة بلا عذاب.
وتمام هذا أن الناس قد يكون فيهم من معه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب الكفر أو النفاق، ويسمى مسلماً، كما نص عليه أحمد.
وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب النفاق، وقد يكون مسلماً وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، كما قال الصحابة ابن عباس وغيره: كفر دون كفر.
وهذا قول عامة السلف، وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ممن قال في السارق، والشارب، ونحوهم ممن قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه ليس بمؤمن " أنه يقال لهم: مسلمون لا مؤمنون، واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم الإيمان مع إثبات اسم الإسلام، وبأن الرجل قد يكون مسلماً ومعه كفر لا ينقل عن الملة، بل كفر دون كفر، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] قالوا: كفر لا ينقل عن الملة، وكفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم.
وهذا أيضاً مما استشهد به البخاري في صحيحه فإن كتاب [الإيمان] الذي افتتح به [الصحيح] قرر مذهب أهل السنة والجماعة، وضمنه الرد على المرجئة، فإنه كان من القائمين بنصر السنة والجماعة مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
وقد اتفق العلماء على أن اسم المسلمين في الظاهر يجري على المنافقين؛ لأنهم استسلموا ظاهراً، وأتوا بما أتوا به من الأعمال الظاهرة بالصلاة الظاهرة، والزكاة الظاهرة، والحج الظاهر، والجهاد الظاهر، كما كان النبي يجري عليهم أحكام الإسلام الظاهر، واتفقوا على أنه من لم يكن معه شيء من الإيمان فهو كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145] وفيها قراءتان: دَرْك ودَرَك قال أبو الحسين بن فارس: الجنة درجات والنار دركات، قال الضحاك: الدرج: إذا كان بعضها فوق بعض.
والدرك: إذا كان بعضها أسفل من بعض، فصار المظهرون للإسلام بعضهم في أعلى درجة في الجنة وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال في الحديث الصحيح: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة " وقوله صلى الله عليه وسلم: " وأرجو أن أكون " مثل قوله: " إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بحدوده " ولا ريب أنه أخشى الأمة لله، وأعلمهم بحدوده.
وكذلك قوله: " اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً "، وقوله: " إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل
الجنة " وأمثال هذه النصوص، وكان يستدل به أحمد وغيره على الاستثناء في الإيمان، كما نذكره في موضعه.
والمقصود أن خير المؤمنين في أعلى درجات الجنة، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، وإن كانوا في الدنيا مسلمين ظاهراً تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة، فمن كان فيه إيمان ونفاق يسمى مسلماً؛ إذ ليس هو دون المنافق المحض، وإذا كان نفاقه أغلب لم يستحق اسم الإيمان، بل اسم المنافق أحق به، فإن ما فيه بياض وسواد، سواده أكثر من بياضه، هو باسم الأسود أحق منه باسم الأبيض، كما قال تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: 167]، وأما إذا كان إيمانه أغلب ومعه نفاق يستحق به الوعيد، لم يكن أيضاً من المؤمنين الموعودين بالجنة، وهذا حجة لما ذكره محمد بن نصر عن أحمد، ولم أره أنا فيما بلغني من كلام أحمد ولا ذكره الخلال ونحوه.
وقال محمد بن نصر: وحكى غير هؤلاء عن أحمد أنه قال: من أتى هذه الأربعة: الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والنُّهْبَة التي يرفع الناس فيها أبصارهم إليه، أو مثلهن أو فوقهن، فهو مسلم ولا أسميه مؤمنًا، ومن أتى دون الكبائر نسميه مؤمناً ناقص الإيمان، فإن صاحب هذا القول يقول: لما نفى عنه النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان، نفيته عنه كما نفاه عنه الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول لم ينفه إلا عن صاحب كبيرة، وإلا فالمؤمن الذي يفعل الصغيرة هي مكفرة عنه بفعله للحسنات واجتنابه للكبائر، لكنه ناقص الإيمان عمن اجتنب الصغائر، فما أتى بالإيمان الواجب، ولكن خلطه بسيئات كفرت عنه بغيرها، ونقصت بذلك درجته عمن لم يأت بذلك.
وأما الذين نفى عنهم الرسول الإيمان، فننفيه كما نفاه الرسول، وأولئك وإن كان معهم التصديق وأصل الإيمان فقد تركوا منه ما استحقوا لأجله سلب الإيمان، وقد يجتمع في العبد نفاق وإيمان، وكفر وإيمان، فالإيمان المطلق عند هؤلاء ما كان صاحبه مستحقاً للوعد بالجنة.
وطوائف أهل الأهواء من الخوارج، والمعتزلة، والجهمية، والمرجئة، كَرَّاميهم، وغير كرَّاميهم يقولون: إنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق، ومنهم من يدعي
الإجماع على ذلك، وقد ذكر أبو الحسن في بعض كتبه الإجماع على ذلك، ومن هنا غلطوا فيه وخالفوا فيه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين لهم بإحسان مع مخالفة صريح المعقول، بل الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد، وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب، ومعصية يستحق بها العقاب، ولا يكون الشخص الواحد محموداً من وجه مذمومًا من وجه، ولا محبوباً مدعواً من وجه مسخوطاً ملعوناً من وجه، ولا يتصور أن الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعاً عندهم؛ بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى عندهم؛ ولهذا أنكروا خروج أحد من النار أو الشفاعة في أحد من أهل النار.
وحكى عن غالية المرجئة أنهم وافقوهم على هذا الأصل، لكن هؤلاء قالوا: إن أهل الكبائر يدخلون الجنة ولا يدخلون النار مقابلة لأولئك.
وأما أهل السنة والجماعة والصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر طوائف المسلمين من أهل الحديث والفقهاء وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء والكَرَّامية والكُلاَّبية والأشعرية، والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم فيقولون: إن الشخص الواحد قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة، وهذا الشخص الذي له سيئات عذب بها، وله حسنات دخل بها الجنة، وله معصية وطاعة باتفاق، فإن هؤلاء الطوائف لم يتنازعوا في حكمه، لكن تنازعوا في اسمه.
فقالت المرجئة جهميتهم وغير جهميتهم هو مؤمن كامل الإيمان.
وأهل السنة والجماعة على أنه مؤمن ناقص الإيمان، ولولا ذلك لما عذب، كما أنه ناقص البر والتقوى باتفاق المسلمين، وهل يطلق عليه اسم مؤمن؟ هذا فيه القولان، والصحيح التفصيل.
فإذا سئل عن أحكام الدنيا كعتقه في الكفارة، قيل: هو مؤمن وكذلك إذا سئل عن دخوله في خطاب المؤمنين.
وأما إذا سئل عن حكمه في الآخرة، قيل: ليس هذا النوع من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار ويدخل به الجنة بعد أن
يعذب في النار إن لم يغفر الله له ذنوبه؛ ولهذا قال من قال: هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته أو مؤمن ناقص الإيمان.
والذين لا يسمونه مؤمناً من أهل السنة ومن المعتزلة يقولون: اسم الفسوق ينافي اسم الإيمان لقوله: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11]، وقوله: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: 18]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ". وعلى هذا الأصل فبعض الناس يكون معه شعبة من شعب الكفر، ومعه إيمان أيضاً، وعلى هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في تسمية كثير من الذنوب كفراً، مع أن صاحبها قد يكون معه أكثر من مثقال ذرة من إيمان فلا يخلد في النار.
كقوله: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر "، وقوله: " لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض " وهذا مستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من غير وجه، فإنه أمر في حجة الوداع أن ينادى به في الناس، فقد سمى من يضرب بعضهم رقاب بعض بلا حق كفاراً، وسمى هذا الفعل كفراً، ومع هذا فقد قال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 9، 10]، فبين أن هؤلاء لم يخرجوا من الإيمان بالكلية، ولكن فيهم ما هو كفر وهي هذه الخصلة، كما قال بعض الصحابة: كفر دون كفر.
وكذلك قوله: " من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما " فقد سماه أخاه حين القول، وقد أخبر أن أحدهما باء بها، فلو خرج أحدهما عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه، بل فيه كفر.
وكذلك قوله في الحديث الصحيح: " ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه، وهو يَعْلَمُه، إلا كَفَر "، وفي حديث آخر: " كَفَر بالله من تَبَرَّأ من نَسَبٍ وإن دَقَّ "، وكان من القرآن الذي نسخ لفظه: " لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم "، فإن حق الوالدين مقرون بحق الله في مثل قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، فالوالد أصله الذي منه خلق، والولد من كسبه.
كما قال: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: 2]، فالجحد لهما شعبة من شعب الكفر، فإنه جحد لما منه خلقه ربه، فقد جحد خلق الرب إياه، وقد كان في لغة من قبلنا يسمى الرب أباً، فكان فيه كفر بالله من هذا الوجه، ولكن ليس هذا كمن جحد الخالق بالكلية، وسنتكلم إن شاء الله على سائر الأحاديث.
والمقصود هنا ذكر أصل جامع تنبني عليه معرفة النصوص، ورد ما تنازع فيه الناس إلى الكتاب والسنة، فإن الناس كثر نزاعهم في مواضع في مسمى الإيمان والإسلام لكثرة ذكرهما، وكثرة كلام الناس فيهما، والاسم كلما كثر التكلم فيه، فتكلم به مطلقاً ومقيداً بقيد، ومقيد بقيد آخر في موضع آخر.
كان هذا سبباً لاشتباه بعض معناه، ثم كلما كثر سماعه كثر من يشتبه عليه ذلك.
ومن أسباب ذلك أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه، ويكون ما سمعه مقيداً بقيد أوجبه اختصاصه بمعنى، فيظن معناه في سائر موارده كذلك، فمن اتبع علمه حتى عرف مواقع الاستعمال عامة، وعلم مأخذ الشبه أعطى كل ذي حق حقه، وعلم أن خير الكلام كلام الله، وأنه لا بيان أتم من بيانه، وأن ما أجمع عليه المسلمون من دينهم الذي يحتاجون إليه أضعاف أضعاف ما تنازعوا فيه.
فالمسلمون سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومتفقون على وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، ومتفقون على أن من أطاع الله ورسوله فإنه يدخل الجنة، ولا يعذب، وعلى أن من لم يؤمن بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فهو كافر، وأمثال هذه الأمور التي هي أصول الدين وقواعد الإيمان التي اتفق عليها المنتسبون إلى الإسلام والإيمان، فتنازعهم بعد هذا في بعض أحكام الوعيد أو بعض معاني بعض الأسماء أمر خفيف بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه، مع أن المخالفين للحق البين من الكتاب والسنة هم عند جمهور الأمة معروفون بالبدعة، مشهود عليهم بالضلالة، ليس لهم في الأمة لسان صدق ولا قبول عام؛ كالخوارج والروافض والقدرية ونحوهم، وإنما تنازع أهل العلم والسنة في أمور دقيقة تخفى على أكثر الناس؛ ولكن يجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله والرد إلى الله ورسوله في مسألة [الإسلام، والإيمان] يوجب أن كلا من الاسمين وإن كان مسماه واجباً لا يستحق أحد الجنة إلا بأن يكون مؤمناً، مسلماً، فالحق في ذلك ما بينه النبي في حديث جبريل، فجعل الدين وأهله ثلاث طبقات: أولها: الإسلام، وأوسطها: الإيمان، وأعلاها: الإحسان، ومن وصل إلى العليافقد وصل إلى التي تليها، فالمحسن مؤمن والمؤمن مسلم؛ وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمناً.
وهكذا جاء القرآن، فجعل الأمة على هذه الأصناف الثلاثة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32]، فالمسلم الذي لم يقم بواجب الإيمان هو الظالم لنفسه، والمقتصد هو المؤمن المطلق الذي أدى الواجب وترك المحرم، والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه.
وقد ذكر الله سبحانه تقسيم الناس في المعاد إلى هذه الثلاثة في سورة [الواقعة] و [المطففين] و [هل أتى] وذكر الكفار أيضاً وأما هنا فجعل التقسيم للمصطفين من عباده.
وقال أبو سليمان الخطابي: ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة، فأما الزهري فقال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بالآية.
وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد.
فاحتج بقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: 36، 35]، قال الخطابي: وقد تكلم رجلان من أهل العلم، وصار كل واحد منهما إلى قول واحد من هذين ورد الآخر منهما على المتقدم، وصنف عليه كتاباً يبلغ عدد أوراقه المائتين.
قال الخطابي: والصحيح من ذلك: أن يقيد الكلام في هذا، ولا يطلق؛ وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً في بعض الأحوال ولا يكون مؤمناً في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات، واعتدل القول فيها، ولم يختلف شيء منها.
قلت: الرجلان اللذان أشار إليهما الخطابي، أظن أحدهما وهو السابق محمد بن نصر، فإنه الذي علمته بسط الكلام في أن الإسلام والإيمان شيء واحد من أهل السنة والحديث، وما علمت لغيره قبله بسطاً في هذا.
والآخر الذي رد عليه أظنه.. لكن لم أقف على رده، والذي اختاره الخطابي هو قول من فرق بينهما، كأبي جعفر، وحماد ابن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وهو قول أحمد بن حنبل وغيره، ولا علمت أحداً من المتقدمين خالف هؤلاء، فجعل نفس الإسلام نفس الإيمان؛ ولهذا كان عامة أهل السنة على هذا الذي قاله هؤلاء كما ذكره الخطابي.
وكذلك ذكر أبو القاسم التيمي الأصبهاني وابنه محمد شارح [مسلم] وغيرهما، أن المختار عند أهل السنة أنه لا يطلق على السارق والزاني اسم مؤمن، كما دل عليه النص، وقد ذكر الخطابي: في [شرح البخاري] كلاماً يقتضي تلازمهما مع افتراق اسميهما، وذكره البغوي في [شرح السنة] فقال: قد
جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد، وليس كذلك؛ لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل الجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم " والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإسلام والإيمان جميعاً، يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: 19]، وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، وقوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]، فبين أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولا يكون الدين في محل الرضى والقبول إلا بانضمام التصديق إلى العمل.
قلت: تفريق النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل وإن اقتضى أن الأعلى هو الإحسان، والإحسان يتضمن الإيمان، والإيمان يتضمن الإسلام، فلا يدل على العكس، ولو قدر أنه دل على التلازم فهو صريح بأن مسمى هذا ليس مسمى هذا، لكن التحقيق أن الدلالة تختلف بالتجريد والاقتران كما قد بيناه، ومن فهم هذا انحلت عنه إشكالات كثيرة في كثير من المواضع حاد عنها طوائف [مسألة الإيمان] وغيرها وما ذكره من أن الدين لا يكون في محل الرضى والقبول إلا بانضمام التصديق إلى العمل، يدل على أنه لابد مع العمل من الإيمان، فهذا يدل على وجوب الإيمان مطلقاً، لكن لا يدل على أن العمل الذي هو الدين، ليس اسمه إسلاماً، وإذا كان الإيمان شرطاً في قبوله لم يلزم أن يكون ملازما له، ولو كان ملازماً له لم يلزم أن يكون جزء مسماه.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: قوله صلى الله عليه وسلم: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله " إلى آخره، و " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله " إلى آخره.
قال: هذا بيان لأصل الإيمان، وهوالتصديق الباطن وبيان لأصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد الظاهر.
وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين،
وإنما أضاف إليهما الأربع لكونها أظهر شعائر الإسلام ومعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بحل قيد انقياده وانحلاله.
ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث، وسائر الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن، الذي هو أصل الإيمان، مقومات ومتممات وحافظات له؛ ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، وإعطاء الخمس من المغنم؛ ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة، لأن اسم الشيء الكامل يقع على الكامل منه، ولا يستعمل في الناقص ظاهراً إلا بقيد؛ ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ". واسم الإسلام يتناول أيضاً ما هو [أصل الإيمان] وهو التصديق، ويتناول [أصل الطاعات] فإن ذلك كله استسلام.
قال: فخرج مما ذكرناه وحققناه أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان؛ وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً.
قال: فهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص الواردة في الإيمان والإسلام، التي طالما غلط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لمذاهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم.
فيقال: هذا الذي ذكره رحمه الله فيه من الموافقة لما قد بين من أقوال الأئمة، وما دل عليه الكتاب والسنة ما يظهر به أن الجمهور يقولون: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، وقوله: إن الحديث ذكر فيه أصل الإيمان وأصل الإسلام، قد يورد عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب عن الإيمان والإسلام بما هو من جنس الجواب بالحد عن المحدود، فيكون ما ذكره مطابقاً لهما لا لأصلهما فقط، فالإيمان هو الإيمان بما ذكره باطناً وظاهراً، لكن ما ذكره من الإيمان تضمن الإسلام، كما أن الإحسان تضمن الإيمان.
وقول القائل: أصل الاستسلام هو الإسلام الظاهر، فالإسلام هو الاستسلام لله والانقياد له ظاهراً وباطناً، فهذا هو دين الإسلام الذي ارتضاه الله كما دلت
عليه نصوص الكتاب والسنة، ومن أسلم بظاهره دون باطنه فهو منافق يقبل ظاهره، فإنه لم يؤمر أن يشق عن قلوب الناس، وأيضاً فإذا كان الإسلام يتناول التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان، فيلزم أن يكون كل مسلم مؤمناً، وهو خلاف ما نقل عن الجمهور، ولكن لابد في الإسلام من تصديق يحصل به أصل الإيمان، وإلا لم يثب عليه، فيكون حينئذ مسلماً مؤمناً، فلابد أن يتبين المسلم الذي ليس بمؤمن ودخوله في الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: " هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم "، وقوله: " الإسلام هو الأركان الخمسة " لا يعني به من أداها بلا إخلاص لله بل مع النفاق، بل المراد من فعلها كما أمر بها باطناً وظاهراً، وذكر الخمس أنها هي الإسلام لأنها هي العبادات المحضة التي تجب لله تعالى على كل عبد مطيق لها، وما سواها إما واجب على الكفاية لمصلحة إذا حصلت سقط الوجوب، وإما من حقوق الناس بعضهم على بعض وإن كان فيها قربة ونحو ذلك، وتلك تابعة لهذه، كما قال: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " و " أفضل الإسلام أن تُطعِم الطعام، وتُقرِئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " ونحو ذلك: فهذه الخمس هي الأركان والمباني كما في الإيمان.
وقول القائل: الطاعات ثمرات التصديق الباطن، يراد به شيئان: يراد به أنها لوازم له، فمتي وجد الإيمان الباطن وجدت، وهذا مذهب السلف وأهل السنة، ويراد به أن الإيمان الباطن قد يكون سببًا، وقد يكون الإيمان الباطن تامًا كاملاً وهي لم توجد، وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم، وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم غلطوا في ثلاثة أوجه: أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تامًا بدون العمل الذي في القلب تصديق بلا عمل للقلب، كمحبة الله وخشيته وخوفه، والتوكل عليه والشوق إلى لقائه.
والثاني: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تامًا بدون العمل الظاهر، وهذا يقول به جميع المرجئة.
والثالث: قولهم: كل من كفره الشارع فإنما كفره لانتفاء تصديق القلب بالرب تبارك وتعالى، وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية؛ لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم، ممن هو في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف.
قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: وقالت طائفة ثالثة وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة، وأصحاب الحديث: الإيمان الذي دعا الله العباد إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله دينًا وارتضاه لعباده ودعاهم إليه، وهو ضد الكفر الذي سخطه فقال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7]، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، وقال: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ [الأنعام: 125]، وقال: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر: 22]، فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان، وجعله اسم ثناء وتزكية، فأخبر أن من أسلم فهو على نور من ربه وهدى، وأخبر أنه دينه الذي ارتضاه، وما ارتضاه فقد أحبه وامتدحه، ألا ترى أن أنبياء الله ورسله رغبوا فيه إليه وسألوه إياه، فقال إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: 128]، وقال يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]، وقال: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]، وقال: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ [آل عمران: 20]، وقال في موضع آخر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ [البقرة: 136، 137] فحكم الله بأن من أسلم فقد اهتدى، ومن آمن فقد اهتدى، فسوى بينهما.
قال: وقد ذكرنا تمام الحجة في أن الإسلام هو الإيمان، وأنهما لا يفترقان ولا يتباينان في موضع غير هذا، فكرهنا إعادته في هذا الموضع كراهة التطويل والتكرير، غير أنا سنذكر من الحجة ما لم نذكره في غير هذا الموضع، ونبين خطأ تأويلهم، والحجج التي احتجوا بها من الكتاب والأخبار على التفرقة بين الإسلام والإيمان.
قلت: مقصود محمد بن نصر المروزي رحمه الله: أن المسلم الممدوح هو المؤمن الممدوح، وأن المذموم ناقص الإسلام والإيمان، وأن كل مؤمن فهو مسلم، وكل مسلم فلابد أن يكون معه إيمان، وهذا صحيح، وهو متفق عليه، ومقصوده أيضًا أن من أطلق عليه الإسلام أطلق عليه الإيمان، وهذا فيه نزاع لفظي، ومقصوده أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر، وهذا لا يعرف عن أحد من السلف.
وإن قيل: هما متلازمان، فالمتلازمان لا يجب أن يكون مسمى هذا هو مسمى هذا، وهو لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام المشهورين أنه قال: مسمى الإسلام هو مسمى الإيمان كما نصر، بل ولا عرفت أنا أحدًا قال ذلك من السلف، ولكن المشهور عن الجماعة من السلف والخلف أن المؤمن المستحق لوعد الله هو المسلم المستحق لوعد الله، فكل مسلم مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وهذا متفق على معناه بين السلف والخلف بل وبين فرق الأمة كلهم يقولون: إن المؤمن الذي وعد بالجنة لابد أن يكون مسلمًا، والمسلم الذي وعد بالجنة لابد أن يكون مؤمناً، وكل من يدخل الجنة بلا عذاب من الأولين والآخرين فهو مؤمن مسلم.
ثم إن أهل السنة يقولون: الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة معهم بعض ذلك، وإنما النزاع في إطلاق الاسم، فالنقول متواترة عن السلف بأن الإيمان قول وعمل، ولم ينقل عنهم شيء من ذلك في الإسلام، ولكن لما كان الجمهور الأعظم يقولون: إن الإسلام هو الدين كله، ليس هو الكلمة فقط خلاف ظاهر ما نقل عن الزهري، فكانوا يقولون: إن الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الأفعال المأمور بها هي من الإسلام كما هي من الإيمان،