أهل الأثرالأرشيف العلمي

الإيمان

صفحات 128-167

وهم يقولون: كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، قالوا: هذا من حيث الإطلاق، وإلا فالتفصيل ما ذكرناه من أن الإيمان خصلة من خصال الإسلام والدين، وليس هو جميع الإسلام والدين، فإن الإسلام هو الاستسلام لله بفعل كل طاعة وقعت موافقة للأمر.
والإيمان أعظم خصلة من خصال الإسلام، واسم الإسلام شامل لكل طاعة انقاد بها العبد لله، من إيمان، وتصديق، وفرض سواه، ونفل، غير أنه لا يصلح التقرب بفعل ما عدا الإيمان من الطاعات دون تقديم فعل الإيمان.
قالوا: والدين مأخوذ من التدين، وهو قريب من الإسلام في المعنى.
فيقال لهم: إذا كان هذا قولكم، فقولكم: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، يناقض هذا؛ فإن المسلم هو المطيع لله، ولا تصح الطاعة من أحد إلا مع الإيمان، فيمتنع أن يكون أحد فعل شيئاً من الإسلام إلا وهو مؤمن، ولو كان ذلك أدنى الطاعات، فيجب أن يكون كل مسلم مؤمنا، سواء أريد بالإسلام فعل جميع الطاعات، أو فعل واحدة منها، وذلك لا يصح كله إلا مع الإيمان، وحينئذ فالآية حجة عليكم لا لكم.
ثم قولكم: كل مؤمن مسلم، إن كنتم تريدون بالإيمان تصديق القلب فقط، فيلزم أن يكون الرجل مسلماً ولو لم يتكلم بالشهادتين ولا أتى بشيء من الأعمال المأمور بها، وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام، بل عامة اليهود والنصارى يعلمون أن الرجل لا يكون مسلماً حتى يأتي بالشهادتين أو ما يقوم مقامهما، وقولكم: كل مؤمن مسلم، لا يريدون أنه أتى بالشهادتين ولا بشيء من المباني الخمس، بل أتى بما هو طاعة وتلك طاعة باطنة، وليس هذا هو المسلم المعروف في الكتاب والسنة، ولا عند الأئمة الأولين والآخرين، ثم استدللتم بالآية، والأعراب إنما أتوا بإسلام ظاهر نطقوا فيه بالشهادتين، سواء كانوا صادقين أو كاذبين، فأثبت الله لهم الإسلام دون الإيمان، فيظن من لا يعرف حقيقة الأمر أن هذا هو قول السلف الذي دل عليه الكتاب والسنة من أن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، وبينهما من التباين أعظم مما بين قول السلف.

وقول المعتزلة في الإيمان والإسلام، فإن قول المعتزلة في الإيمان والإسلام أقرب من قول الجهمية بكثير، ولكن قولهم في تخليد أهل القبلة أبعد عن قول السلف من قول الجهمية.
فالمتأخرون الذين نصروا قول جهم في مسألة الإيمان يظهرون قول السلف في هذا وفي الاستثناء، وفي انتفاء الإيمان الذي في القلب حيث نفاه القرآن ونحو ذلك.
وذلك كله موافق للسلف في مجرد اللفظ، وإلا فقولهم في غاية المباينة لقول السلف، ليس في الأقوال أبعد عن السلف منه، وقول المعتزلة والخوارج والكَرَّامية في اسم الإيمان، والإسلام أقرب إلى قول السلف من قول الجهمية، لكن المعتزلة والخوارج يقولون بتخليد العصاة، وهذا أبعد عن قول السلف من كل قول، فهم أقرب في الاسم وأبعد في الحكم، والجهمية وإن كانوا في قولهم بأن الفساق لا يخلدون أقرب في الحكم إلى السلف، فقولهم في مسمى الإسلام والإيمان وحقيقتهما أبعد من كل قول عن الكتاب والسنة، وفيه من مناقضة العقل والشرع واللغة ما لا يوجد مثله لغيرهم.
فصْل ومما يدل من القرآن على أن الإيمان المطلق مستلزم للأعمال قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15]، فنفى الإيمان عن غير هؤلاء، فمن كان إذا ذكر بالقرآن لا يفعل ما فرضه الله عليه من السجود لم يكن من المؤمنين، وسجود الصلوات الخمس فرض باتفاق المسلمين، وأما سجود التلاوة ففيه نزاع، وقد يحتج بهذه الآية من يوجبه، لكن ليس هذا موضع بسط هذه المسألة، فهذه الآية مثل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [الحجرات: 15]، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2]، وقوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 62]، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ لاَ

يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: 43: 45]. وهذه الآية مثل قوله ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]، وقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء﴾ [المائدة: 81]، بين سبحانه أن الإيمان له لوازم وله أضداد موجودة تستلزم ثبوت لوازمه وانتفاء أضداده ومن أضداده موادة من حاد الله ورسوله، ومن أضداده استئذانه في ترك الجهاد، ثم صرح بأن استئذانه إنما يصدر من الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ودل قوله: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 44] على أن المتقين هم المؤمنون.
ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " وقوله: " لا يؤمن من لا يأمن جاره بَوَائِقَه " وقوله: " لا تؤمنوا حتى تحابوا " وقوله: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " وقوله: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه " وقوله: " من غَشَّنَا فليس مِنَّا ومن حَمَل علينا السِّلاحَ فليس منا ". فصْل وأما إذا قُيِّدَ الإيمان، فقرن بالإسلام أو بالعمل الصالح، فإنه قد يراد به ما في القلب من الإيمان باتفاق الناس، وهل يراد به أيضًا المعطوف عليه، ويكون

من باب عطف الخاص على العام، أو لا يكون حين الاقتران داخلاً في مسماه؟ بل يكون لازماً له، على مذهب أهل السنة، أو لا يكون بعضاً ولا لازماً، هذا فيه ثلاثة أقوال للناس، كما سيأتي إن شاء الله، وهذا موجود في عامة الأسماء يتنوع مسماها بالإطلاق والتقييد، مثال ذلك اسم المعروف والمنكر إذا أطلق كما في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف: 157]، وقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110]، وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: 71]، يدخل في المعروف كل خير، وفي المنكر كل شر.
ثم قد يقرن بما هو أخص منه كقوله: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]، فغاير بين المعروف وبين الصدقة والإصلاح بين الناس كما غاير بين اسم الإيمان والعمل، واسم الإيمان والإسلام وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء﴾ [العنكبوت: 45]، غاير بينهما وقد دخلت الفحشاء في المنكر في قوله: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ ثم ذكر مع المنكر اثنين في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]، جعل البغي هنا مغايراً لهما، وقد دخل في المنكر في ذينك الموضعين.
ومن هذا الباب لفظ [العبادة] فإذا أمر بعبادة الله مطلقاً دخل في عبادته كل ما أمر الله به، فالتوكل عليه مما أمر به والاستعانة به مما أمر به، فيدخل ذلك في مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وفي قوله: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: 21]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 2]، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ [الزمر: 14]، وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: 64] ثم قد يقرن بها اسم آخر، كما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

[الفاتحة: 5]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]، وقول نوح: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3]، وكذلك إذا أفرد اسم [طاعة الله] دخل في طاعته كل ما أمر به وكانت طاعة الرسول داخلة في طاعته، وكذا اسم [التقوى] إذا أفرد دخل فيه فعل كل مأمور به وترك كل محظور، قال طَلْقُ بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عذاب الله، وهذا كما في قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54، 55]. وقد يقرن بها اسم آخر، كقوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 2، 3]، وقوله: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]، وقوله: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70]، وقوله: ﴿اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]، وقوله: ﴿اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وأمثال ذلك.
فقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70]، مثل قوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]، وقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]، فعطف قولهم على الإيمان، كما عطف القول السديد على التقوى، ومعلوم أن التقوى إذا أطلقت دخل فيها القول السديد، وكذلك الإيمان إذا أطلق دخل فيه السمع والطاعة لله وللرسول، وكذلك قوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وإذا أطلق الإيمان بالله في حق أمة محمد دخل فيه الإيمان بالرسول، وكذلك قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾، وإذا أطلق الإيمان بالله دخل فيه الإيمان بهذه التوابع، وكذلك قوله: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4]، وقوله: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية [البقرة: 136].

وإذا قيل: ﴿فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: 185]، دخل في الإيمان برسوله الإيمان بجميع الكتب والرسل والنبيين، وكذلك إذا قيل: ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: 28]، وإذا قيل: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]، دخل في الإيمان بالله ورسوله الإيمان بذلك كله، والإنفاق يدخل في قوله في الآية الأخرى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كما يدخل القول السديد في مثل قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ [النساء: 131]. وكذلك لفظ [البر] إذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به كما في قوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: 13، 14]، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: 189] وقوله: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]، فالبر إذا أطلق كان مسماه مسمى التقوى، والتقوى إذا أطلقت كان مسماها مسمى البر، ثم قد يجمع بينهما كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].
وكذلك لفظ [الإثم] إذا أطلق دخل فيه كل ذنب، وقد يقرن بالعدوان، كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، وكذلك لفظ [الذنوب] إذا أطلق دخل فيه ترك كل واجب وفعل كل محرم، كما في قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]، ثم قد يقرن بغيره كما في قوله: ﴿ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: 147]، وكذلك لفظ الهدى إذا أطلق تناول العلم الذي بعث الله به رسوله والعمل به جميعاً، فيدخل فيه كل ما أمر الله به، كما في قوله: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، والمراد طلب العلم بالحق والعمل به جميعاً، وكذلك قوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، والمراد

به أنهم يعلمون ما فيه ويعملون به؛ ولهذا صاروا مفلحين، وكذلك قول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: 43]، وإنما هداهم؛ بأن ألهمهم العلم النافع، والعمل الصالح.
ثم قد يقرن الهدى إما بالاجتباء كما في قوله: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 87]، وكما في قوله: ﴿شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ﴾ [النحل: 121]، ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13]، وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [الصف: 9]، والهدى هنا هو الإيمان ودين الحق هو الإسلام، وإذا أطلق الهدى كان كالإيمان المطلق يدخل فيه هذا وهذا.
ولفظ الضلال إذا أطلق تناول من ضل عن الهدى، سواء كان عمداً أو جهلاً، ولزم أن يكون معذباً كقوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: 69، 70]، وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 67، 68]، وقوله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: 123] ثم قد يقرن بالغي والغضب، كما في قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: 2]، وفي قوله: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: 47].
وكذلك لفظ [الغي] إذا أطلق تناول كل معصية لله كما في قوله عن الشيطان: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39، 40]، وقد يقرن بالضلال كما في قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ وكذلك اسم الفقير إذا أطلق دخل فيه المسكين، وإذا أطلق لفظ المسكين تناول الفقير، وإذا قرن بينهما فأحدهما غير الآخر، فالأول كقوله: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ [البقرة: 271]، وقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89]، والثاني كقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]

وهذه الأسماء التي تختلف دلالتها بالإطلاق والتقييد والتجريد والاقتران، تارة يكونان إذا أفرد أحدهما أعم من الآخر، كاسم [الإيمان] و [المعروف] مع العمل ومع الصدق، وك [المنكر] مع الفحشاء ومع البغي ونحو ذلك.
وتارة يكونان متساويين في العموم والخصوص، كلفظ [الإيمان]، و [البر]، و [التقوى]، ولفظ [الفقير]، و [المسكين].
فأيها أطلق تناول ما يتناوله الآخر، وكذلك لفظ [التلاوة]، فإنها إذا أطلقت في مثل قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ [البقرة: 121]، تناولت العمل به كما فسره بذلك الصحابة والتابعون مثل ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم، قالوا: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ يتبعونه حق اتباعه، فيحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، وقيل: هو من التلاوة بمعنى الاتباع، كقوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: 2]، وهذا يدخل فيه من لم يقرأه، بل من تمام قراءته أن يفهم معناه ويعمل به، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان ابن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تَعَلَّموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ [البقرة: 121] قد فسر بالقرآن وفسر بالتوراة، وروى محمد بن نصر بإسناده الثابت عن ابن عباس: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه.
وروي أيضاً عن ابن عباس: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ قال: يحلون حلاله، ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن مواضعه، وعن قتادة: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ قال: أولئك أصحاب محمد آمنوا بكتاب الله وصدقوا به، أحلوا حلاله وحرموا حرامه، وعملوا بما فيه، ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: إن حق تلاوته: أن يحل حلاله ويحرم حرامه، وأن نقرأه كما أنزل الله، ولا نحرفه عن مواضعه، وعن الحسن: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ قال: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه،

ويَكِلُون ما أشكل عليهم إلى عالمه، وعن مجاهد: يتبعونه حق اتباعه، وفي رواية: يعملون به حق عمله.
ثم قد يقرن بالتلاوة غيرها كقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].
قال أحمد بن حنبل وغيره: تلاوة الكتاب: العمل بطاعة الله كلها، ثم خص الصلاة بالذكر، كما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ﴾ [الأعراف: 170]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14].
وكذلك لفظ " اتباع ما أنزل الله " يتناول جميع الطاعات كقوله: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ [الأعراف: 3]، وقوله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه: 123]، وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]، وقد يقرن به غيره كقوله ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155]، وقوله: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 106]، وقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: 109]. وكذلك لفظ [الأبرار] إذا أطلق دخل فيه كل تقي من السابقين والمقتصدين، وإذا قرن بالمقربين كان أخص، قال تعالى في الأول: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: 13، 14]، وقال في الثاني: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: 18: 22]، وهذا باب واسع يطول استقصاؤه.
ومن أنفع الأمور في معرفة دلالة الألفاظ مطلقاً وخصوصاً ألفاظُ الكتاب والسنة، وبه تزول شبهات كثيرة كثر فيها نزاع الناس، من جملتها [مسألة الإيمان والإسلام]، فإن النزاع في مسماهما أول اختلاف وقع، افترقت الأمة لأجله وصاروا مختلفين في الكتاب والسنة، وكَفَّر بعضهم بعضاً، وقاتل بعضهم بعضاً كما قد بسطنا هذا في مواضع أخر إذ المقصود هنا بيان شرح كلام الله ورسوله

على وجه يبين أن الهدى كله مأخوذ من كلامالله ورسوله بإقامة الدلائل الدالة، لا بذكر الأقوال التي تقبل بلا دليل وترد بلا دليل، أو يكون المقصود بها نصر غير الله والرسول، فإن الواجب أن يقصد معرفة ما جاء به الرسول واتباعه بالأدلة الدالة على ما بينه الله ورسوله.
ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في [تفسير الإيمان]، فتارة يقولون: هو قول وعمل.
وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية.
وتارة يقولون قول وعمل ونية واتباع السنة.
وتارة يقولون: قول باللسان، واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح.
فإذا قالوا: قول وعمل؛ فإنه يدخل في القول قول القلب واللسان جميعاً، وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام، ونحو ذلك إذا أطلق.
والناس لهم في مسمى الكلام و [القول] عند الإطلاق أربعة أقوال، فالذي عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعاً، كما يتناول لفظ الإنسان للروح والبدن جميعاً.
وقيل: بل مسماه هواللفظ، المعنى ليس جزء مُسَمَّاه، بل هو مدلول مسماه، وهذا قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وطائفة من المنتسبين إلى السنة، وهو قول النحاة؛ لأن صناعتهم متعلقة بالألفاظ.
وقيل: بل مسماه هو المعنى وإطلاق الكلام على اللفظ مجاز لأنه دال عليه، وهذا قول ابن كُلاَّب ومن اتبعه، وقيل: بل هو مشترك بين اللفظ والمعنى، وهو قول بعض المتأخرين من الكُلابية، ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين؛ لأن حروف الآدميين تقوم بهم، فلا يكون الكلام قائماً بغير المتكلم، بخلاف الكلام القرآني، فإنه لا يقوم عنده بالله، فيمتنع أن يكون كلامه، ولبسط هذا موضع آخر.
والمقصود هنا أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأي أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول

وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوباً لله إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعاً من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولاً فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل، والذين جعلوه أربعة أقسام فسروا مرادهم، كما سئل سَهْل بن عبد الله التَّسْتُرِي عن الإيمان ما هو؟ فقال: قول وعمل ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل فهو كُفْر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولاً وعملاً ونية بلا سنة فهو بدعة.
فصْل وعطف الشيء على الشيء في القرآن وسائر الكلام يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما، والمغايرة على مراتب؛ أعلاها أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر ولا جزأه، ولا يعرف لزومه له كقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: 59] ونحو ذلك، وقوله: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]، وقوله: ﴿وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: 3، 4]، وهذا هو الغالب، ويليه أن يكون بينهما لزوم كقوله: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ﴾ [البقرة: 42]، وقوله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 115]، وقوله: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: 136]، فإن من كفر بالله فقد كفر بهذا كله، فالمعطوف لازم للمعطوف عليه، وفي الآية التي قبلها المعطوف عليه لازم، فإنه من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى فقد اتبع غير سبيل المؤمنين.
وفي الثاني نزاع، وقوله: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ﴾ [البقرة: 42] هما متلازمان، فإن من لبس الحق بالباطل؛ فجعله ملبوساً به، خفي من الحق بقدر ما

ظهر من الباطل، فصار ملبوساً، ومن كتم الحق احتاج أن يقيم موضعهباطلا فيلبس الحق بالباطل؛ ولهذا كان كل من كتم من أهل الكتاب ما أنزل الله فلابد أن يظهر باطلاً.
وهكذا أهل البدع لا تجد أحداً ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل إلا وقع في بدعة، ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك شيئًا من السنة، كما جاء في الحديث: " ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة مثلها " رواه الإمام أحمد.
وقد قال تعالى: ﴿فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾ [المائدة: 14]، فلما تركوا حظا مما ذكروا به اعْتَاضُوا بغيره فوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36] أي: عن الذكر الذي أنزله الرحمن، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 123، 124]، وقال: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3]، فأمر باتباع ما أنزل، ونهى عما يضاد ذلك وهو اتباع أولياء من دونه، فمن لم يتبع أحدهما اتبع الآخر؛ ولهذا قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 115]. قال العلماء: من لم يكن متبعاً سبيلهم كان متبعًا غير سبيلهم، فاستدلوا بذلك على أن اتباع سبيلهم واجب، فليس لأحد أن يخرج عما أجمعوا عليه.
وكذلك من لم يفعل المأمور، فعل بعض المحظور، ومن فعل المحظور، لم يفعل جميع المأمور، فلا يمكن الإنسان أن يفعل جميع ما أمر به مع فعله لبعضما حظر، ولا يمكنه ترك كل ما حظر مع تركه لبعض ما أمر، فإن ترك ما حظر من جملة ما أمر به فهو مأمور، ومن المحظور ترك المأمور، فكل ما شغله عن الواجب فهو محرم، وكل ما لا يمكن فعل الواجب إلا به فعليه فعله؛ ولهذا كان لفظ [الأمر] إذا أطلق يتناول النهي، وإذا قيد بالنهي كان النهي نظير ما تقدم،

فإذا قال تعالى عن الملائكة: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: 6]، دخل في ذلك أنه إذا نهاهم عن شيء اجتنبوه، وأما قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]، فقد قيل: لا يتعدون ما أمروا به، وقيل: يفعلونه في وقته، لا يقدمونه ولا يؤخرونه.
وقد يقال: هو لم يقل: ولا يفعلون إلا ما يؤمرون، بل هذا دل عليه قوله: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 27]، وقد قيل: لا يعصون ما أمرهم به في الماضي، ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل.
وقد يقال: هذه الآية خبر عما سيكون، ليس ما أمروا به هنا ماضياً بل الجميع مستقبل، فإنه قال: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، وما يتقي به إنما يكون مستقبلاً، وقد يقال: ترك المأمور تارة يكون لمعصية الآمر وتارة يكون لعجزه، فإذا كان قادراً مريداً، لزم وجود المأمور المقدور، فقوله: ﴿لا يَعْصُونَ﴾ لا يمتنعون عن الطاعة، وقوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: هم قادرون على ذلك لا يعجزون عن شيء منه بل يفعلونه كله، فيلزم وجود كل ما أمروا به، وقد يكون في ضمن ذلك أنهم لا يفعلون إلا المأمور به، كما يقول القائل: أنا أفعل ما أمرت به، أي: أفعله ولا أتعداه إلى زيادة ولا نقصان.
وأيضاً، فقوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ إن كان نهاهم عن فعل آخر كان ذلك من أمره، وإن كان لم ينههم لم يكونوا مذمومين بفعل ما لم ينهوا عنه.
والمقصود أن لفظ الأمر إذا أطلق تناول النهي، ومنه قوله: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ [النساء: 59]، أي: أصحاب الأمر، ومن كان صاحب الأمر كان صاحب النهي، ووجبت طاعته في هذا وهذا، فالنهي داخل في الأمر، وقال موسى للخضر: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: 69، 70]، وهذا نهى له عن السؤال حتى يحدث له منه ذكراً، ولما خرق السفينة قال له موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: 71]، فسأله قبل إحداث الذكر، وقال في الغلام: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ [الكهف: 74]، فسأله قبل إحداث الذكر، وقال في الجدار: ﴿لَوْ شِئْتَ

لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77]، وهذا سؤال من جهة المعنى، فإن السؤال والطلب قد يكون بصيغة الشرط كما تقول: لو نزلت عندنا لأكرمناك، وإن بتَ الليلة عندنا أحسنتَ إلينا، ومنه قول آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]، وقول نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: 47] ومثله كثير؛ ولهذا قال موسى: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف: 76]، فدل على أنه سأله الثلاث قبل أن يحدث له الذكر، وهذا معصية لنهيه وقد دخل في قوله: ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: 69]، فدل على أن عاصي النهي عاص الأمر، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، وقد دخل النهي في الأمر، ومنه قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: 63]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، فإن نهيه داخل في ذلك.
وقد تنازع الفقهاء في قول الرجل لامرأته: إذا عصيت أمري فأنت طالق، إذا نهاها فعصته هل يكون ذلك داخلاً في أمره؟ على قولين: قيل: لا يدخل؛ لأن حقيقة النهي غير حقيقة الأمر، وقيل: يدخل؛ لأن ذلك يفهم منه في العرف معصية الأمر والنهي، وهذا هو الصواب؛ لأن ما ذكر في العرف هو حقيقة في اللغة والشرع، فإن الأمر المطلق من كل متكلم إذا قيل: أطع أمر فلان، أو فلان يطيع أمر فلان، أو لا يعصى أمره، فإنه يدخل فيه النهي؛ لأن الناهي آمر بترك المنهي عنه؛ فلهذا قال سبحانه: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42]، ولم يقل: لا تكتموا الحق، فلم ينه عن كل منهما لتلازمها، وليست هذه [واو] الجمع التي يسميها الكوفيون [واو الصرف] كما قد يظنه بعضهم، فإنه كان يكون المعني: لا تجمعوا بينهما فيكون أحدهما وحده غير منهي عنه.
وأيضًا، فتلك إنما تجيء إذا ظهر الفرق كقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]، وقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ [الشورى: 34، 35].

ومِنْ عطف الملزوم قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]، فإنهم إذا أطاعواالرسول فقد أطاعوا الله، كما قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: 80]، وإذا أطاع الله من بلغته رسالة محمد، فإنه لابد أن يطيع الرسول، فإنه لا طاعة لله إلا بطاعته.
والثالث: عطف بعض الشيء عليه، كقوله: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: 7]، وقوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]، وقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا﴾ [الأحزاب: 27].
والرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين، كقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: 1: 4]. وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 3، 4]، وقد جاء في الشعر ما ذكر أنه عطف لاختلاف اللفظ فقط كقوله: وألفى قولها كذبًا ومينا ومن الناس من يدعي أن مثل هذا جاء في كتاب الله، كما يذكرونه في قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]، وهذا غلط، مثل هذا لا يجيء في القرآن ولا في كلام فصيح، وغاية ما يذكر الناس اختلاف معنى اللفظ، كما ادعى بعضهم أن من هذا قوله: ألا حبذا هند وأرض بها هند... وهند أتى من دونها النَّأْيُ والبعد

فزعموا أنهما بمعنى واحد.
واستشهدوا بذلك على ما ادعوه من أن الشِّرْعَة هي المنهاج، فقال المخالفون لهم: النأي أعم من البعد، فإن النأي كلما قل بعده أو كثر، كأنه مثل المفارقة، والبعد إنما يستعمل فيما كثرت مسافة مفارقته، وقد قال تعالى ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26]، وهم مذمومون على مجانبته والتنحي عنه، سواء كانوا قريبين أو بعيدين، وليس كلهم كان بعيداً عنه، لاسيما عند من يقول: نزلت في أبي طالب، وقد قال النابغة: والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد والمراد به ما يحفر حول الخيمة لينزل فيه الماء ولا يدخل الخيمة، أي صار كالحوض فهو مجانب للخيمة ليس بعيداً منها.
فصْل فإذا تبين هذا، فلفظ [الإيمان] إذا أطلق في القرآن والسنة يراد به ما يراد بلفظ [البر] وبلفظ [التقوى] وبلفظ [الدين] كما تقدم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم الإيمان، وكذلك لفظ [البر] يدخل فيه جميع ذلك إذا أطلق، وكذلك لفظ [التقوى] وكذلك [الدين]، أو [دين الإسلام] وكذلك روى أنهم سألوا عن الإيمان فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [البقرة: 177]، وقد فسر البر بالإيمان، وفُسِّر بالتقوى، وفسر بالعمل الذي يقرب إلى الله والجميع حق، وقد روي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر البر بالإيمان.
قال محمد بن نصر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن يزيد المقري والملائي قالا: حدثنا المسعودي، عن القاسم قال: جاء رجل إلى أبي ذَرٍّ فسأله عن الإيمان، فقرأ: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخر الآية،

فقال الرجل: ليس عن البر سألتك.
فقال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه، فقرأ عليه الذي قرأت عليك، فقال له الذي قلتَ لي.
فلما أبي أن يرضى قال له: " إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سَرَّتْهُ ورَجَا ثوابها، وإذا عمل السَّيِّئَة ساءته، وخاف عِقَابَها ". وقال: حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن عبد الكريم الجَزَرِي، عن مجاهد؛ أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقرأ عليه: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، وروى بإسناده عن عِكْرِمَة قال: سئل الحسن بن علي بن أبي طالب مقبله من الشام عن الإيمان فقرأ: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، وروى ابن بطة بإسناده عن مبارك بن حسان قال: قلت لسالم الأفطس: رجل أطاع الله فلم يعصه، ورجل عصى الله فلم يطعه، فصار المطيع إلى الله فأدخله الجنة، وصار العاصي إلى الله فأدخله النار، هل يتفاضلان في الإيمان؟ قال: لا.
قال: فذكرت ذلك لعطاء فقال: سلهم: الإيمان طيب أو خبيث؟ فإن الله قال: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: 37]، فَسألتهم فلم يجيبوني، فقال بعضهم: إن الإيمان يبطن ليس معه عمل، فذكرت ذلك لعطاء فقال: سبحان الله! أما يقرؤون الآية التي في البقرة:

﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ قال: ثم وصف الله على هذا الاسم ما لزمه من العمل فقال: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ إلي قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]، فقال: سلهم: هل دخل هذا العمل في هذا الاسم؟ وقال: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: 19]، فألزم الاسم العمل، والعمل الاسم.
والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح إلا على إيمان معه العمل، لا على إيمان خال عن عمل، فإذا عرف أن الذم والعقاب واقع في ترك العمل كان بعد ذلك نزاعهم لا فائدة فيه، بل يكون نزاعاً لفظيًا مع أنهم مخطئون في اللفظ، مخالفون للكتاب والسنة، وإن قالوا: إنه لا يضره ترك العمل فهذا كفر صريح، وبعض الناس يحكى هذا عنهم، وأنهم يقولون: إن الله فرض على العباد فرائض، ولم يرد منهم أن يعملوها، ولا يضرهم تركها، وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، لكن ما علمت معيناً أحكى عنه هذا القول، وإنما الناس يحكونه في الكتب ولا يُعَيِّنُون قائله، وقد يكون قول من لا خَلاقَ له؛ فإن كثيراً من الفساق والمنافقين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب أو مع التوحيد، وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم بهذا.
ويدل على ذلك قوله تعالى في آخر الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]. فقوله: ﴿صَدَقُوا﴾ أي: في قولهم: آمنوا، كقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ إلي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 14، 15]، أي: هم الصادقون في قولهم: آمنا بالله، بخلاف الكاذبين الذين قال الله فيهم: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]، وقال تعالى:

﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 8: 10]. وفي ﴿يكذبون﴾ قراءتان مشهورتان، فإنهم كذبوا في قولهم: آمنا بالله واليوم الآخر، وكذبوا الرسول في الباطن وإن صدقوه في الظاهر، وقال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 1: 3]، فبين أنه لابد أن يفتن الناس أي: يمتحنهم ويبتليهم ويختبرهم.
يقال: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتميزه مما اختلط به، ومنه قول موسى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف: 155]، أي: محنتك واختبارك وابتلاؤك، كما ابتليت عبادك بالحسنات والسيئات ليتبين الصبار الشكور من غيره، وابتليتهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليتبين المؤمن من الكافر، والصادق من الكاذب، والمنافق من المخلص، فتجعل ذلك سبباً لضلالة قوم وهدي آخرين.
والقرآن فيه كثير من هذا يصف المؤمنين بالصدق، والمنافقين بالكذب؛ لأن الطائفتين قالتا بألسنتهما: آمنا، فمن حقق قوله بعمله فهو مؤمن صادق ومن قال بلسانه ما ليس في قلبه فهو كاذب منافق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: 166، 167]، فلما قال في آية البر: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177] دل على أن المراد: صدقوا في قولهم: آمنا؛ فإن هذا هو القول الذي أمروا به وكانوا يقولونه.
ولم يؤمروا أن يلفظوا بألسنتهم ويقولوا: نحن أبْرَارٌ أو بَرَرَةٌ؛ بل إذا قال الرجل: أنا بر فهذا مُزَكٍّ لنفسه؛

ولهذا كانت زينب بنت جَحْش اسمها بَرَّة فقيل: تُزَكِّى نفسها، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب، بخلاف إنشاء الإيمان بقولهم: [آمنا] فإن هذا قد فرض عليهم أن يقولوه، قال تعالى: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: 136]، وكذلك في أول آل عمران: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ﴾ [آل عمران: 84].
وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]، فقوله: ﴿لاَ نُفَرِّقُ﴾ دليل على أنهم قالوا: آمنا ولا نفرق؛ ولهذا قال: ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ فجمعوا بين قولهم: آمنا وبين قولهم: سمعنا وأطعنا، وقد قال في آية البر: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فجعل الأبرار هم المتقين عند الإطلاق والتجريد، وقد ميز بينهما عند الاقتران والتقييد في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، ودلت هذه الآية على أن مسمى الإيمان ومسمى البر ومسمى التقوى عند الإطلاق واحد، فالمؤمنون هم المتقون وهم الأبرار.
ولهذا جاء في أحاديث الشفاعة الصحيحة: " يخرج من النار من في قلبه مِثْقَال ذَرَّةٍ من إيمان "، وفي بعضها: " مثقال ذرة من خير "، وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7، 8]، وذلك الذي هو مثقال ذرة من خير هو مثقال ذرة من إيمان، وهؤلاء المؤمنون الأبرار الأتقياء هم أهل السعادة المطلقة، وهم أهل الجنة الذين وعدوا بدخولها بلا عذاب، وهؤلاء الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من غَشَّنَا فليس مِنَّا، ومن حَمَل علينا السِّلاحَ فليس منا " فإنه ليس من هؤلاء، بل من أهل الذنوب المعرضين للوعيد أسوة أمثالهم.

فصْل: وهذا النوع من نمط " أسماء الله، وأسماء كتابه، وأسماء رسوله، وأسماء دينه " قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: 110]، وقال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ [الأعراف: 18]، وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: 23، 24]، فأسماؤه كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته، ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر، فالعزيز يدل على نفسه مع عزته، والخالق يدل على نفسه مع خلقه، والرحيم يدل على نفسه مع رحمته، ونفسه تستلزم جميع صفاته، فصار كل اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به بطريق المطابقة، وعلى أحدهما بطريق التضمن، وعلى الصفة الأخرى بطريق اللزوم.
وهكذا أسماء كتابه: القرآن، والفرقان، والكتاب، والهدى، والبيان، والشفاء، والنور، ونحو ذلك هي بهذه المنزلة، وكذلك أسماء رسوله: محمد، وأحمد، والماحِي، والحاشر، والمُقَفِّي، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملْحَمَة، كل اسم يدل على صفة من صفاته الممدوحة غير الصفة الأخرى، وهكذا ما يثنى ذكره من القصص في القرآن كقصة موسى وغيرها، ليس المقصود بها أن تكون سَمَرًا، بل المقصود بها أن تكون عبراً كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111]، فالذي وقع شيء واحد وله صفات، فيعبر عنه بعبارات متنوعة، كل عبارة تدل على صفة من الصفات التي يعتبر بها المعتبرون، وليس هذا من التكرير في شيء.

وهكذا أسماء دينه، الذي أمر الله به ورسوله يسمى إيماناً، وبراً، وتقوى، وخيراً، وديناً، وعملاً صالحاً، وصراطاً مستقيماً، ونحو ذلك، وهو في نفسه واحد، لكن كل اسم يدل على صفة ليست هي الصفة التي يدل عليها الآخر، وتكون تلك الصفة هي الأصل في اللفظ، والباقي كان تابعاً لها لازماً لها، ثم صارت دالة عليه بالتضمن، فإن الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب، ولابد فيه من شيئين: تصديق بالقلب، وإقراره ومعرفته.
ويقال لهذا: قول القلب، قال الجنيد بن محمد: التوحيد: قول القلب.
والتوكل: عمل القلب، فلابد فيه من قول القلب، وعمله، ثم قول البدن وعمله، ولابد فيه من عمل القلب، مثل حب الله ورسوله، وخشية الله، وحب ما يحبه الله ورسوله، وبغض ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله وجعلها من الإيمان.
ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سَرَى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " ألا وإن في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحت صَلَح لها سائر الجسد، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ لها سائر الجسد، إلا وهي القلب " وقال أبو هريرة: القلب مَلِكٌ والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خَبُثَ الملك خبثت جنوده، وقول أبي هريرة تقريب، وقول النبي صلى الله عليه وسلم أحسن بياناً، فإن الملك وإن كان صالحاً فالجند لهم اختيار، قد يعصون به ملكهم وبالعكس، فيكون فيهم صلاح مع فساده، أو فساد مع صلاحه، بخلاف القلب؛ فإن الجسد تابع له لا يخرج عن إرادته قط، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد " فإذا كان القلب صالحاً بما فيه من الإيمان علماً وعملاً قلبياً، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث:

قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد؛ ولهذا قال: من قال من الصحابه عن المصلي العابث: لو خَشَع قَلْبُ هذا لخشعت جوارحه.
فلابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾ [البقرة: 165]، فوصف الذين آمنوا بأنهم أشد حباً لله من المشركين لأندادهم.
وفي الآية قولان: قيل: يحبونهم كحب المؤمنين الله، والذين آمنوا أشد حباً لله منهم لأوثانهم.
وقيل: يحبونهم كما يحبون اللهّّ، والذين آمنوا أشد حباً لله منهم، وهذا هو الصواب، والأول قول متناقض وهو باطل، فإن المشركين لا يحبون الأنداد مثل محبة المؤمنين لله، وتستلزم الإرادة، والإرادة التامة مع القدرة تستلزم الفعل، فيمتنع أن يكون الإنسان محباً لله ورسوله، مريداً لما يحبه الله ورسوله إرادة جازمة، مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله، فإذا لم يتكلم الإنسان بالإيمان مع قدرته، دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه الله عليه.
ومن هنا يظهر خطأ قول جَهْم بن صَفْوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمناً كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين

غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار؛ لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وبخلاف ما شهد به الشهود، فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة، قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه، فالكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل، والإيمان شيء واحد وهو العلم، أو تكذيب القلب وتصديقه، فإنهم متنازعون: هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو هو؟ وهذا القول، مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان، فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام المرجئة.
وقد كفَّر السلف كوَكِيع بن الجراح، وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وغيرهم من يقول بهذا القول.
وقالوا: إبليس كافر بنص القرآن، وإنما كفره باستكباره وامتناعه عن السجود لآدم، لا لكونه كذب خبراً.
وكذلك فرعون وقومه، قال الله تعالى فيهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]، وقال موسى عليه السلام لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ﴾ بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 101، 102]. فموسى وهو الصادق المصدوق يقول: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ﴾.
فدل على أن فرعون كان عالماً بأن الله أنزل الآيات وهو من أكبر خلق الله عناداً وبغيًا لفساد إرادته وقصده لا لعدم علمه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 4]، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، وكذلك اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ [البقرة: 146].

وكذلك كثير من المشركين الذين قال الله فيهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33].
فَهَؤلاء غلطوا في أصلين: أحدهما: ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، ليس معه عمل، وحال، وحركة، وإرادة، ومحبة، وخشية في القلب، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقًا، فإن [أعمال القلوب] التي يسميها بعض الصوفية أحوالاً ومقامات أو منازل السائرين إلى الله أو مقامات العارفين أو غير ذلك، كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله فهو من الإيمان الواجب، وفيها ما أحبه ولم يفرضه، فهو من الإيمان المستحب، فالأول لابد لكل مؤمن منه، ومن اقتصر عليه فهو من الأبرار أصحاب اليمين، ومن فعله وفعل الثاني كان من المقربين السابقين، وذلك مثل حب الله ورسوله، بل أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، بل أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من أهله وماله، ومثل خشية الله وحده دون خشية المخلوقين، ورجاء الله وحده دون رجاء المخلوقين، والتوكل علي الله وحده دون المخلوقين، والإنابة إليهمع خشيته، كما قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 32، 33]، ومثل الحب في الله والبغض في الله والموالاة لله والمعاداة لله.
والثاني: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مُخَلَّد في النار، فإنما ذاك؛ لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق.
وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السَّلِيمِي الفطرة وجماهير النظار، فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره، ومع هذا يجحد ذلك لحسده إياه، أو لطلب علوه عليه، أو لهوي النفس، يحمله ذلك الهوى على أن يعتدى عليه، ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه، وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو والرياسة، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض كأموال ورياسة وصداقة أقوام وغير ذلك، فيرون في اتباع الرسل

ترك الأهواء المحبوبة إليهم أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ويعادونهم فيكونون من أكفر الناس كإبليس وفرعون، مع علمهم بأنهم على الباطل، والرسل على الحق.
ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح في صدق الرسل، إنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم، كقولهم لنوح ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: 111]، ومعلوم أن اتباع الأرذلين له لا يقدح في صدقه، لكن كرهوا مشاركة أولئك، كما طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم إبعاد الضعفاء، كسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وخَبَّاب بن الأرَتّ، وعمار بن ياسر، وبلال ونحوهم، وكان ذلك بمكة قبل أن يكون في الصحابة أهل الصُّفَّة، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 52، 53]. ومثل قول فرعون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: 47]، وقول فرعون: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: 18، 19]، ومثل قول مشركي العرب: ﴿إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا﴾ [القصص: 57]، ومثل قول قوم شعيب له: ﴿أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء﴾ [هود: 87] ومثل قول عامة المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23].
وهذه الأمور وأمثالها ليست حججا تقدح في صدق الرسل، بل تبين أنها تخالف إرادتهم وأهواءهم وعاداتهم.
فلذلك لم يتبعوهم، وهؤلاء كلهم كفار، بل أبو طالب وغيره كانوا يحبون النبي صلىالله عليه وسلم ويحبون علو كلمته، وليس عندهم حسد له، وكانوا يعلمون صدقه، ولكن كانوا يعلمون أن في متابعته فراق دين آبائهم وذم قريش لهم، فما احتملت نفوسهم ترك تلك العادة واحتمال هذا

الذم، فلم يتركوا الإيمان لعدم العلم بصدق الإيمان به، بل لهوى النفس، فكيف يقال: إن كل كافر إنما كفر لعدم علمه بالله؟ ولم يكف الجهمية أن جعلوا كل كافر جاهلاً بالحق حتى قالوا: هو لا يعرف أن الله موجود حق، والكفر عندهم ليس هو الجهل بأي حق كان، بل الجهل بهذا الحق المعين، ونحن والناس كلهم يرون خلقاً من الكفار يعرفون في الباطن أن دين الإسلام حق، ويذكرون ما يمنعهم من الإيمان، إما معاداة أهلهم، وإما مال يحصل لهم من جهتهم يقطعونه عنهم، وإما خوفهم إذا آمنوا ألا يكون لهم حرمة عند المسلمين كحرمتهم في دينهم، وأمثال ذلك من أغراضهم التي يبينون أنها المانعة لهم من الإيمان، مع علمهم بأن دين الإسلام حق، ودينهم باطل.
وهذا موجود في جميع الأمور التي هي حق، يوجد من يعرف بقلبه أنها حق وهو في الظاهر يجحد ذلك، ويعادي أهله لظنه أن ذلك يجلب له منفعه ويدفع عنه مضرة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 51: 53]. والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفي قلبه مرض، خاف أن يغلب أهل الإسلام فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم للخوف الذي في قلوبهم، لا لاعتقادهم أن محمداً كاذب، واليهود والنصارى صادقون.
وأشهر النقول في ذلك أن عبادة بن الصامت قال: يا رسول الله، إن لي موالي من اليهود وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود، فقال عبد الله بن أبيّ: لكني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية يهود فنزلت هذه الآية.
والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان، والأعمال ليست منه، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول

جهم، فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمناً إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه.
وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم، لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا فإنها لازمة لها، ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم، فإنهم رأوا أن اللّّه قد فرق في كتابه بين الإيمان والعمل، فقال في غير موضع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف: 30] ورأوا أن الله خاطب الإنسان بالإيمان قبل وجود الأعمال فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: 9].
وقالوا: لو أن رجلاً آمن بالله ورسوله ضَحْوَةً ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال مات مؤمناً، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان.
وقالوا: نحن نسلم أن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كان كلما أنزل الله آية وجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي كان قبله، لكن بعد كمال ما أنزل الله ما بقى الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء، إيمان السابقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس كالحجاج وأبي مسلم الخراساني وغيرهما.
والمرجئة، المتكلمون منهم والفقهاء منهم، يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيماناً مجازاً؛ لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه؛ ولأنها دليل عليه، ويقولون: قوله: " الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شُعْبَة أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إمَاطَةُ الأذَى عن الطريق " مجاز.
والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقاً كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم، ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه.

والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكَرَّامية.
والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم، وهؤلاء غلطوا من وجوه: أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص، وليس الأمر كذلك فإن اتباع الأنبياء المتقدمين أوجب الله عليهم من الإيمان ما لم يوجبه على أمة محمد، وأوجب على أمة محمد من الإيمان ما لم يوجبه على غيرهم، والإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن، ليس هو مثل الإيمان الذي يجب بعد نزول القرآن، والإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به الرسول مفصلاً ليس مثل الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملاً، فإنه لابد في الإيمان من تصديق الرسول في كل ما أخبر، لكن من صدق الرسول ومات عقب ذلك لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك.
وأما من بلغه القرآن والأحاديث وما فيهما من الأخبار والأوامر المفصلة فيجب عليه من التصديق المفصل بخبر خبر، وأمر أمر ما لا يجب على من لم يجب عليه إلا الإيمان المجمل؛ لموته قبل أن يبلغه شيء آخر.
وأيضاً لو قدر أنه عاش، فلا يجب على كل واحد من العامة أن يعرف كل ما أمر به الرسول، وكل ما نهى عنه وكل ما أخبر به، بل إنما عليه أن يعرف ما يجب عليه هو وما يحرم عليه، فمن لا مال له لا يجب عليه أن يعرف أمره المفصل في الزكاة، ومن لا استطاعة له على الحج ليس عليه أن يعرف أمره المفصل بالمناسك، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما وجب للزوجة، فصار يجب من الإيمان تصديقاً وعملاً على أشخاص ما لا يجب على آخرين.
وبهذا يظهر الجواب عن قولهم: خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال.
فنقول: إن قلتم: إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها لم تكن من

الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: 97]؛ولهذا لم يجئ ذكر الحج في أكثر الأحاديث التي فيها ذكر الإسلام والإيمان، كحديث وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْس، وحديث الرجل النجدي الذي يقال له: ضِمَام بن ثَعْلَبة وغيرهما، وإنما جاء ذكر الحج في حديث ابن عمر وجبريل، وذلك لأن الحج آخر ما فرض من الخمس، فكان قبل فرضه لا يدخل في الإيمان والإسلام، فلما فرض أدخله النبي صلىالله عليه وسلم في الإيمان إذا أفرد، وأدخله في الإسلام إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد، وسنذكر إن شاء الله متى فرض الحج؟ وكذلك قولهم: من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمناً، فصحيح؛ لأنه أتى بالإيمان الواجب عليه، والعمل لم يكن وجب عليه بعد، فهذا مما يجب أن يعرف، فإنه تزول به شبهة حصلت للطائفتين.
فإذا قيل: الأعمال الواجبة من الإيمان، فالإيمان الواجب متنوع ليس شيئًا واحداً في حق جميع الناس.
وأهل السنة والحديث يقولون: جميع الأعمال الحسنة واجبها ومستحبها من الإيمان، أي: من الإيمان الكامل بالمستحبات، ليست من الإيمان الواجب.
ويفرق بين الإيمان الواجب وبين الإيمان الكامل بالمستحبات، كما يقول الفقهاء: الغُسْل ينقسم إلى مجزئ وكامل، فالمجزئ: ما أتى فيه بالواجبات فقط، والكامل: ما أتى فيه بالمستحبات.
ولفظ الكمال قد يراد به الكمال الواجب، وقد يراد به الكمال المستحب.
وأما قولهم: إن الله فرق بين الإيمان والعمل في مواضع.
فهذا صحيح.
وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها.
وقد يقرن به الأعمال.
وذكرنا نظائر لذلك كثيرة.
وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب.
والأعمال الظاهرة لازمة لذلك.
لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولاً للملزوم واللازم وإن كان أصله

ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال، فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب بل لابد معه من الأعمال الصالحة.
ثم للناس في مثل هذا قولان: منهم من يقول: المعطوف دخل في المعطوف عليه أولاً، ثم ذكر باسمه الخاص تخصيصاً له، لئلا يظن أنه لم يدخل في الأول، وقالوا: هذا في كل ما عطف فيه خاص على عام، كقوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: 7]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ [محمد: 2]، فخص الإيمان بما نزل على محمد بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه نزلت في الصحابة وغيرهم من المؤمنين، وقوله: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238]، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: 5]، والصلاة والزكاة من العبادة، فقوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ كقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: 5].
فإنه قصد أولاً: أن تكون العبادة لله وحده لا لغيره، ثم أمر بالصلاة والزكاة ليعلم أنهما عبادتان واجبتان، فلا يكتفي بمطلق العبادة الخالصة دونهما، وكذلك يذكر الإيمان أولاً؛ لأنه الأصل الذي لابد منه، ثم يذكر العمل الصالح فإنه أيضاً من تمام الدين لابد منه، فلا يظن الظان اكتفاء بمجرد إيمان ليس معه العمل الصالح، وكذلك قوله: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 1: 5]. وقد قيل: إن هؤلاء هم أهل الكتاب الذين آمنوا بما أنزل عليه وما أنزل على من قبله، كابن سلام ونحوه، وأن هؤلاء نوع غير النوع المتقدم الذين يؤمنون بالغيب، وقد قيل: هؤلاء جميع المتقدمين الذين آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله، وهؤلاء هم الذين يؤمنون بالغيب وهم صنف واحد، وإنما

عطفوا لتغاير الصفتين كقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى﴾ [الأعلى: 1: 5]، فهو سبحانه واحد وعطف بعض صفاته على بعض، وكذلك قوله: ﴿الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ﴾، وهي صلاة العصر.
والصفات إذا كانت معارف كانت للتوضيح، وتضمنت المدح أو الذم.
تقول: هذا الرجل هو الذي فعل كذا، وهو الذي فعل كذا، وهو الذي فعل كذا تعدد محاسنه؛ ولهذا مع الاتباع قد يعطفونها وينصبون، أو يرفعون، وهذا القول هو الصواب؛ فإن المؤمنين بالغيب إن لم يؤمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله لم يكونوا على هدى من ربهم ولا مفلحين ولا متقين، وكذلك الذين آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله إن لم يكونوا من الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقهم الله ينفقون، لم يكونوا على هدى من ربهم، ولم يكونوا مفلحين، ولم يكونوا متقين، فدل على أن الجميع صفة المهتدين المتقين الذين اهتدوا بالكتاب المنزل إلى محمد، فقد عطفت هذه الصفة على تلك مع أنها داخلة فيها، لكن المقصود صفة إيمانهم، وأنهم يؤمنون بجميع ما أنزل الله على أنبيائه، لا يفرقون بين أحد منهم، وإلا فإذا لم يذكر إلا الإيمان بالغيب، فقد يقول: من يؤمن ببعض ويكفر ببعض، نحن نؤمن بالغيب.
ولما كانت سورة البقرة سَنَام القرآن، ويقال: إنها أول سورة نزلت بالمدينة، افتتحها الله بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة آية في صفة المنافقين، فإنه من حين هاجر النبي صلىالله عليه وسلم صار الناس ثلاثة أصناف: إما مؤمن، وإما كافر مظهر للكفر، وإما منافق، بخلاف ما كانوا وهو بمكة، فإنه لم يكن هناك منافق؛ ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره: لم يكن من المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار؛ فإن مكة كانت للكفار مستولين عليها.
فلا يؤمن ويهاجر إلا من هو مؤمن ليس هناك داع يدعو إلى النفاق، والمدينة آمن بها أهل الشوكة، فصار للمؤمنين بها عز ومنعة بالأنصار.
فمن لم يظهر الإيمان آذوه، فاحتاج المنافقون إلى إظهار الإيمان، مع أن قلوبهم لم

تؤمن، والله تعالى افتتح البقرة ووسط البقرة وختم البقرة بالإيمان بجميع ما جاءت به الأنبياء، فقال في أولها ما تقدم، وقال في وسطها: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ الآية [البقرة: 136، 137]، وقال في آخرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ والآية الأخرى [البقرة: 285]. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الآيتان من آخر سورة البقرة: من قرأ بهما في ليلة كفتاه " والآية الوسطى قد ثبت في [الصحيح] أنه كان يقرأ بها في ركعتي الفجر: وب ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: 64]، تارة.
وب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تارة.
فيقرأ بما فيه ذكر الإيمان والإسلام، أو بما فيه ذكر التوحيد والإخلاص.
فعلى قول هؤلاء يقال: الأعمال الصالحة المعطوفة على الإيمان دخلت في الإيمان، وعطف عليه عطف الخاص على العام، إما لذكره خصوصاً بعد عموم، وإما لكونه إذا عطف كان دليلاً على أنه لم يدخل في العام.
وقيل: بل الأعمال في الأصل ليست من الإيمان، فإن أصل الإيمان هو ما في القلب،

ولكن هي لازمة له، فمن لم يفعلها كان إيمانه منتفياً؛ لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم لكن صارت بعرف الشارع داخلة في اسم الإيمان إذا أطلق، كما تقدم في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا عطفت عليه ذكرت، لئلا يظن الظان أن مجرد إيمانه بدون الأعمال الصالحة اللازمة للإيمان يوجب الوعد، فكان ذكرها تخصيصاً وتنصيصاً ليعلم أن الثواب الموعود به في الآخرة وهو الجنة بلا عذاب لا يكون إلا لمن آمن وعمل صالحاً، لا يكون لمن ادعى الإيمان ولم يعمل، وقد بين سبحانه في غير موضع أن الصادق في قوله: آمنت، لابد أن يقوم بالواجب، وحصر الإيمان في هؤلاء يدل على انتفائه عمن سواهم.
وللجهمية هنا سؤال ذكره أبو الحسن في كتاب [الموجز] وهو أن القرآن نفي الإيمان عن غير هؤلاء، كقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2]، ولم يقل: إن هذه الأعمال من الإيمان، قالوا: فنحن نقول: من لم يعمل هذه الأعمال لم يكن مؤمناً، لأن انتفاءها دليل على انتفاء العلم من قلبه.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب، فإذا انتفت لم يبق في القلب إيمان، وهذا هو المطلوب، وبعد هذا فكونها لازمة أو جزءًا، نزاع لفظي.
الثاني: أن نصوصاً صرحت بأنها جزء، كقوله: " الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة " الثالث: أنكم إن قلتم بأن من انتفى عنه هذه الأمور فهو كافر خال من كل إيمان، كان قولكم قول الخوارج، وأنتم في طرف، والخوارج في طرف؛ فكيف توافقونهم؟ ومن هذه الأمور: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، والجهاد، والإجابة إلى حكم الله ورسوله، وغير ذلك مما لا تكفرون تاركه، وإن كفرتموه كان قولكم قول الخوارج.

الرابع: أن قول القائل: إن انتفاء بعض هذه الأعمال يستلزم ألا يكون في قلب الإنسان شيء من التصديق بأن الرب حق، قول يعلم فساده بالاضطرار.
الخامس: أن هذا إذا ثبت في هذه ثبت في سائر الواجبات، فيرتفع النزاع المعنوي.
فَصْل الوجه الثاني: من غلط المرجئة: ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط، دون أعمال القلوب؛ كما تقدم عن جهمية المرجئة.
الثالث: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاماً بدون شيء من الأعمال؛ ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه، بمنزلة السبب مع المسبب ولا يجعلونها لازمة له.
والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر؛ ولهذا صاروا يقدرون مسائل يمتنع وقوعها لعدم تحقق الارتباط الذي بين البدن والقلب مثل أن يقولوا: رجل في قلبه من الإيمان مثل ما في قلب أبي بكر وعمر، وهو لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ويزني بأمه وأخته، ويشرب الخمر نهار رمضان، يقولون: هذا مؤمن تام الإيمان، فيبقى سائر المؤمنين ينكرون ذلك غاية الإنكار.
قال أحمد بن حنبل: حدثنا خَلَف بن حَيَّان، حدثنا مَعْقِل بن عبيد الله

العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء، فنفر منه أصحابنا نفوراً شديداً، منهم ميمون بن مِهْران، وعبد الكريم بن مالك، فإنه عاهد الله ألاّ يؤويه وإياه سقف بيت إلا المسجد، قال معقل: فحججت فدخلت على عطاء بن أبي رَبَاح في نفر من أصحابي وهو يقرأ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ [يوسف: 110] قلت: إن لنا حاجة فأخلنا، ففعل، فأخبرته أن قومًا قبلنا قد أحدثوا وتكلموا وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، فقال: أو ليس الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]، فالصلاة والزكاة من الدين، قال: فقلت: إنهم يقولون: ليس في الإيمان زيادة، فقال: أوليس قد قال الله فيما أنزل: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4] هذا الإيمان.
فقلت: إنهم انتحلوك، وبلغني أن ابن ذَرٍّ دخل عليك في أصحاب له، فعرضوا عليك قولهم فقبلته، فقلت هذا الأمر، فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو، مرتين أو ثلاثًا ثم قال: قدمت المدينة فجلست إلى نافع فقلت: يا أبا عبد الله، إن لي إليك حاجة، فقال: سر أم علانية؟ فقلت: لا، بل سر.
قال: رب سر لا خير فيه، فقلت: ليس من ذلك، فلما صلينا العصر قام وأخذ بثوبي، ثم خرج من الخوخة ولم ينتظر القاص، فقال: حاجتك؟ قال: فقلت: أخلني هذا.
فقال: تنح، قال: فذكرت له قولهم.
فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحَقِّها وحسابهم على اللّّه " قال: قلت: إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فرض ولا نصلي، وبأن الخمر حرام ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن ننكح.
فنثر يده من يدي وقال: من فعل هذا فهو كافر.
قال مَعْقِل: فلقيت الزهري فأخبرته بقولهم.
فقال: سبحان الله! وقد أخذ الناس في هذه الخصومات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " قال معقل: فلقيت الحكم

ابن عتبة فقلت له: إن عبد الكريم وميموناً بلغهما أنه دخل عليك ناس من المرجئة، فعرضوا بقولهم عليك فقبلت قولهم، قال: فقبل ذلك على ميمون، وعبد الكريم؟ ! لقد دخل علي اثنا عشر رجلاً وأنا مريض، فقالوا: يا أبا محمد، بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل بأمة سوداء، أو حبشية، فقال: يا رسول الله، على رقبة مؤمنة، أفترى هذه مؤمنة؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ ". فقالت: نعم.
قال: " وتشهدين أن محمداً رسول الله؟ ". قالت: نعم، قال: " وتشهدين أن الجنة حق والنار حق ". قالت: نعم، قال: " وتشهدين أن الله يبعثك من بعد الموت؟ ". قالت: نعم، قال: " فأعتقها فإنها مؤمنة "، فخرجوا وهم ينتحلون ذلك.
قال معقل: ثم جلست إلى ميمون بن مِهْران، فقلت: يا أبا أيوب، لو قرأت لنا سورة ففسرتها، قال: فقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ حتى إذا بلغ: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 1: 21] قال: ذاكم جبريل، والخيبة لمن يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل، ورواه حنبل عن أحمد، ورواه أيضاً عن ابن أبي مُلَيْكَة قال: لقد أتى علي بُرْهَة من الدهر وما أراني أدرك قومًا يقول أحدهم: إني مؤمن مستكمل الإيمان، ثم ما رضي حتى قال: إيماني على إيمان جبريل وميكائيل، وما زال بهم الشيطان حتى قال أحدهم: إني مؤمن وإن نكح أخته وأمه وبنته، والله لقد أدركت كذا وكذا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ما مات أحد منهم إلا وهو يخشى النفاق على نفسه، وقد ذكر هذا المعنى عنه البخاري في صحيحه، قال: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إيمانه كإيمان جبريل.
وروى البغوي عن عبد الله بن محمد عن ابن مجاهد قال: كنت عند عطاء بن أبي رَبَاح، فجاء ابنه يعقوب فقال: يا أبتاه، إن أصحاباً لي يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل، فقال: يا بني، ليس إيمان من أطاع الله كإيمان من عصى الله.

قلت: قوله عن المرجئة: إنهم يقولون: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، قد يكون قول بعضهم، فإنهم كلهم يقولون: ليستا من الإيمان، وأما من الدين فقد حكى عن بعضهم أنه يقول: ليستا من الدين، ولا نفرق بين الإيمان والدين، ومنهم من يقول: بل هما من الدين ويفرق بين اسم الإيمان واسم الدين، وهذا هو المعروف من أقوالهم التي يقولونها عن أنفسهم.
ولم أر أنا في كتاب أحد منهم أنه قال: الأعمال ليست من الدين، بل يقولون: ليست من الإيمان، وكذلك حكى أبو عبيد عمن ناظره منهم، فإن أبا عبيد وغيره يحتجون بأن الأعمال من الدين، فذكر قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] أنها نزلت في حجة الوداع.
قال أبو عبيد: فأخبر أنه إنما كمل الدين الآن في آخر الإسلام في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وزعم هؤلاء أنه كان كاملاً قبل ذلك بعشرين سنة من أول ما نزل عليه الوحي بمكة حين دعا الناس إلى الإقرار، حتى قال: لقد اضطر بعضهم حين أدخلت عليه هذه الحجة... إلى أن قال: إن الإيمان ليس بجميع الدين، ولكن الدين ثلاثة أجزاء: الإيمان جزء، والفرائض جزء، والنوافل جزء.
قلت: هذا الذي قاله هذا هو مذهب القوم، قال أبو عبيد: وهذا غير ما نطق به الكتاب، ألا تسمع إلى قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: 19]، وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] فأخبر أن الإسلام هو الدين برمته، وزعم هؤلاء أنه ثلث الدين.
قلت: إنما قالوا: إن الإيمان ثلث، ولم يقولوا: إن الإيمان ثلث الدين، لكنهم فرقوا بين مسمى الإيمان ومسمى الدين، وسنذكر إن شاء الله تعالى الكلام في مسمى هذا ومسمى هذا.
فقد يحكى عن بعضهم أنه يقول: ليستا من الدين ولا يفرق بين اسم الإيمان والدين، ومنهم من يقول: بل كلاهما من الدين، ويفرق بين اسم الإيمان واسم الدين، والشافعي رضي الله عنه كان معظمًا لعطاء بن أبي رباح، ويقول: ليس في التابعين أتبع للحديث منه، وكذلك أبو حنيفة قال: ما رأيت مثل عطاء، وقد

أخذ الشافعي هذه الحجة عن عطاء.
فروى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي: حدثنا أبي، حدثنا ميمون، حدثنا أبو عثمان بن الشافعي، سمعت أبي يقول ليلة للحميدي: ما يحتج عليهم يعني أهل الإرجاء بآية أَحَجُّ من قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
وقال الشافعي رضي الله عنه في كتاب [الأم] في [باب النية في الصلاة] : يحتج بألا تجزئ صلاة إلا بنية بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات " ثم قال: وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر.
وقال حنبل: حدثنا الحميدي قال: وأخبرت أن ناساً يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقراً بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصُّرَاح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله.
قلت: وأما احتجاجهم بقوله للأمة: " اعتقها فإنها مؤمنة " فهو من حججهم المشهورة، وبه احتج ابن كُلاَّب، وكان يقول: الإيمان هو التصديق والقول جميعاً، فكان قوله أقرب من قول جهم وأتباعه، وهذا لا حجة فيه؛ لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة، فإن المنافقين الذين قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8] هم في الظاهر مؤمنون يصلون مع الناس، ويصومون ويحجون ويغزون، والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم

كما كان المنافقون في عهد رسول الله صلىالله عليه وسلم، ولم يحكم النبي صلىالله عليه وسلم في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر، لا في مناكحتهم ولا موارثتهم ولا نحو ذلك، بل لما مات عبد الله بن أبيّ بن سَلُول وهو من أشهر الناس بالنفاق ورثه ابنه عبد الله وهو من خيار المؤمنين، وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لأحدهم وارث ورثوه مع المسلمين.
وقد تنازع الفقهاء في المنافق الزنديق الذي يكتم زندقته، هل يَرِث ويُورَث؟ على قولين، والصحيح: أنه يرث ويُورَث وإن علم في الباطن أنه منافق، كما كان الصحابة على عهد النبي صلىالله عليه وسلم؛ لأن الميراث مبناه على الموالاة الظاهرة، لا على المحبة التي في القلوب، فإنه لو علق بذلك لم تمكن معرفته، والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، وهو ما أظهره من موالاة المسلمين فقول النبي صلىالله عليه وسلم: " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم " لم يدخل فيه المنافقون وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، بل كانوا يُورَثون ويَرِثون، وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين، وقد أخبر الله عنهم أنهم يصلون ويزكون ومع هذا لم يقبل ذلك منهم فقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 54]، وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: 142]. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يَرْقُب الشمسَ حتى إذا كانت بين قَرْنَي شيطان قام فَنَقَرَ أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً "، وكانوا يخرجون مع النبي صلىالله عليه وسلم في المغازي، كما خرج ابن أُبَي في غزوة بني المُصْطَلقَ، وقال فيها: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8].

فصول الكتاب · 2 فصل · 379 صفحة
الإيمان لابن تيمية
تأليف ابن تيمية
الخامسة، 1416هـ/1996م
تقدّمك في الكتاب: صفحات 128-167 — 4 من 10
جارٍ التحميل