أهل الأثرالأرشيف العلمي

تخرصات العصريين في يأجوج ومأجوج وسد ذي القرنين.

صفحات 350-389

الوجه الرابع: أن يقال: إن ابن محمود قد تصرف في سياق الحديث الذي فيه الإخبار عن قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة -رضي الله عنهم- فقدَّم جعفرًا على زيد بن حارثة وزاد في آخر الحديث وغيَّر فيه، وقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه ولفظه في "كتاب الجنائز" في "باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه" عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، وإن عيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتذرفان، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له»، ورواه في "كتاب المغازي" في "باب غزوة مؤتة من أرض الشام" ولفظه عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم»، ورواه في فضائل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في "باب مناقب خالد بن الوليد -رضي الله عنه-" بنحوه.
وأما قوله: وهذا هو مبدأ تحركهم لقتال المسلمين والخروج عليهم.
فجوابه: أن يقال: ليس الأمر كما زعمه ابن محمود، وإنما هذا مبدأ تحرك المسلمين لقتال الروم والسير إليهم في بلادهم، فأما يأجوج ومأجوج فلا يتصل بهم أحد حتى يدنو قيام الساعة فيجعل الله السد دكاء، وحينئذ يخرجون على الناس ويموج بعضهم في بعض كما قال -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾.
وأما قوله: وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا».
فجوابه: أن يقال: هذا من التقوُّل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحمل كلامه على غير المراد به، وقد جاء في حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان -رضي الله عنهما- عن زينب بنت جحش -رضي الله عنها- قالت: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا فزعًا محمرًا وجهه يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلَّق بأصبعيه الإبهام والتي تليها، وذكر تمام الحديث رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة، وفي رواية لأحمد قالت: دخل علىَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عاقد بأصبعيه السبابة بالإبهام وهو يقول: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل موضع الدرهم».

وإذا علم أن الذي قد فتح من ردم يأجوج ومأجوج في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل موضع الدرهم، فهل يقول عاقل إن معناه ما كان بين المسلمين وبين الروم من القتال في يوم مؤتة؟ وهل يقول عاقل إنه كان بين المسلمين وبين الروم سد من حديد فتح منه يوم مؤتة مثل موضع الدرهم فخرج منه يأجوج ومأجوج على المسلمين؛ أي من هذا الثقب الضيق الذي هو مثل موضع الدرهم؟ كلا، لا يقول ذلك مؤمن، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله - عز وجل- أنه سيوحي إلى عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- بعد قتل الدجال: «إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم»، فلو كان الذين قاتلهم الصحابة يوم مؤتة من يأجوج ومأجوج لما كان للصحابة -رضي الله عنهم- يدان بقتالهم، ولأهلكوا كل ما أتوا عليه.
وأيضًا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فزع واحمر وجهه لما فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل موضع الدرهم وقال: «ويل للعرب من شر قد اقترب»، وأما الروم فإنه لم يذكر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه فزع منهم ولا بالى بهم، وقد أرسل إليهم جيشًا من أصحابه يوم مؤتة فبدأوهم بالقتال، وقد فتح الله عليهم مع قلة عددهم وكثرة الروم، ثم سار - صلى الله عليه وسلم - بنفسه في غزوة تبوك يريد قتالهم ورجع من تبوك إبقاء على أصحابه لما نالهم من الجهد والمشقة، ثم جهَّز جيشًا وأمَّر عليهم أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- وأمره أن يسير إلى الروم، ومات - صلى الله عليه وسلم - وجيش أسامة مخيم حول المدينة فنفذه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- فساروا إلى الشام وقتلوا من الروم وغنموا منهم، ثم غزاهم المسلمون في زمن أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- وأجلوهم من الشام إلى القسطنطينية، وضربوا الجزية على من بقي منهم في الشام، وغزوا كثيرًا من الأمم التي زعم ابن سعدي ومن قلده أنهم من يأجوج ومأجوج، وظهروا عليهم وغنموا أموالهم وسبوا ذراريهم ونساءهم، ولم يبال المسلمون بأحد من تلك الأمم، ولو كانوا من يأجوج ومأجوج لما أطاقوا قتالهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن الله -تعالى- يوحي إلى عيسى ابن مريم بعد قتله للدجال: «إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون»، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر أنهم إذا خرجوا لا يأتون على شيء إلا.................................................

أهلكوه، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أنهم قد خرجوا وأن المسلمين قد قاتلوهم في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما قوله: ولم يزالوا في ازدياد وظهور على الناس حتى وصل الأمر إلى هذه الحال المشاهدة.
فجوابه: أن يقال: قد زاد ابن محمود في كلام ابن سعدي كلمة من عنده وهي قوله: "وظهور على الناس" ولم يبين ذلك، ويقال أيضًا لا صحة لشيء مما ذكر في هذه لجملة، وإنما هو خطأ مبني على التخرص واتباع الظن، وفيما ذكره الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عن يأجوج ومأجوج وأن خروجهم إنما يكون عند دنو الساعة أبلغ رد على ما جاء في هذه الجملة.
وأما قوله: ولا بد أن يقع كل ما أخبر الله به ورسوله.
فجوابه: أن يقال: هذا مما لا يشك فيه مسلم، ولو أن ابن سعدي تمسك في رسالته بما أخبر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عن يأجوج ومأجوج لا ستغنى عن التخرص واتباع الظن، ولظهر له أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون في آخر الزمان بعد نزول عيسى -عليه الصلاة والسلام- وقتل الدجال، ولظهر له أنهم إذا خرجوا فإنهم يطئون البلاد، ولا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولم يكن لأحد طاقة بقتالهم.
وأما قوله: ومنها أن الناس قد شاهدوا السد قد اندك ورأوا يأجوج ومأجوج قد تجاوزوه.
فجوابه: أن يقال: لا صحة لشيء من هذا، وإنما هو من التخرص واتباع الظن، وقد قال الله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين أنه لما أتم بناء السد ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، وقال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، وفي هذه الآيات دليل على أن اندكاك السد وخروج يأجوج ومأجوج إنما يكون عند دنو الساعة، وقد روي ابن جرير عن حذيفة -رضي الله عنه- أنه قال: «لو أن رجلا افتلى فلوًا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة»، وقد ذكرت هذا الأثر وما يشهد له من الحديث المرفوع قريبًا فليراجع.1

وأما قوله: فإن السد كما ذكرنا هي الموانع الجبلية والمائية ونحوها المانعة من وصولهم إلى الناس، فقد شاهدوهم من كل محل ينسلون، فالبحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه، وما اتصل بذلك من الموانع كلها قد مضى عليها أزمان متطاولة، وهي سد محكم بينهم وبين الناس لا يجاوزها منهم أحد، بل هم منحازون في أماكنهم وقد زال ذلك كله وشاهدهم الناس وقد اخترقوا هذه البحار، ثم توصلوا إلى خرق الجو بالطائرات وبما هو أعظم منها، فلا يمكن أحدًا إنكار هذا ولا المكابرة فيه.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: قد قرر ابن سعدي في هذه الجملة أن السد الذي بين الناس وبين يأجوج ومأجوج إنما هو سد طبيعي من الجبال والمياه وليس بصناعي، وهذا خلاف ما أخبر الله به في كتابه عن السد أنه مبني من زبر الحديد ومفرغ عليه القطر وهو النحاس المذاب، قال الله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، ففي هذه الآيات أبلغ رد على من زعم أن البحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه وما اتصل به من الموانع الجبلية والمائية هي السد الذي قد حال بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وهل يقول عاقل إن الموانع الجبلية والمائية والبحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه وما اتصل بذلك من الموانع الجبلية هي السد الذي بناه ذو القرنين، وأن ذلك كله قد أندك وزال وخرج يأجوج ومأجوج على الناس؟ كلا، لا يقول ذلك عاقل، وهل يقول عاقل إن الجو سد مانع من خروج يأجوج ومأجوج وقد اندك بالطائرات وخرج منه يأجوج ومأجوج على الناس؟ كلا، لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل.
الوجه الثاني: أن يقال: إن البحار والموانع الجبلية لم تكن سدًا مانعًا من اتصال الأمم بعضها ببعض لا في قديم الدهر ولا في حديثه، بل كان الناس يجتازون البحار على.......

السفن ويجتازون الموانع الجبلية على الإبل والبغال والحمير، وقد كان العرب في الجاهلية والإسلام يتصلون بمن يليهم من الأمم؛ كالروم والقبط والفرس والحبشة، ولم تكن البحار والموانع الجبلية سدًا مانعًا من اتصالهم بمن يليهم من الأمم، ولو كانت البحار والموانع الجبلية والمائية سدًا مانعًا من الاجتياز لما قدر العرب على الاتصال بالروم وغيرهم من الأمم، ولما قدر المسلمون على غزو الأمم في مشارق الأرض ومغاربها، فكلام ابن سعدي في هذه الجملة كلام غير معقول.
الوجه الثالث: أن يقال: لو فرضنا أن البحار والموانع الجبلية كانت سدًا محكمًا كما زعمه ابن سعدي، فهناك فجاج في الجبال وهناك سهول طويلة عريضة ليس فيها سد محكم يمنع أحدًا من الاجتياز من المشرق إلى المغرب وبالعكس، ومن الجنوب إلى الشمال وبالعكس، وهناك سفن في البحار يجتاز فيها المسافرون من المشرق إلى المغرب وبالعكس، ومن الجنوب إلى الشمال وبالعكس، وقد أخبر الله -تعالى- عن ذي القرنين أنه بلغ مغرب الشمس ومطلعها، ثم سار حتى بلغ الموضع الذي فيه يأجوج ومأجوج فجعل بينهم وبين الذين يلونهم سدًا من حديد يمنع يأجوج ومأجوج من الاجتياز والإفساد في الأرض، ولم تكن البحار والموانع الجبلية سدًا مانعًا لذي القرنين من السير في الأرض من المغرب إلى المشرق، ثم إلى موضع يأجوج ومأجوج، وفي هذا أبلغ رد على ما توهمه ابن سعدي -رحمه الله-.
الوجه الرابع: أن يقال: إن كلام ابن سعدي ينقض بعضه بعضًا، فقد قرر في أول كلامه الذي لم ينقله ابن محمود أن ذا القرنين بني الردم المانع ليأجوج ومأجوج من الخروج والإفساد في الأرض، قال: وكان ما وراءه وعن يمينه وشماله جبالا شاهقة وبحورًا زاخرة لا يستطيعون عبورها، وليس لهم معبر إلى الناس إلا من تلك الثنية التي سدها ذو القرنين، والمشهور أنها في شمال آسيا، بدليل ما هو معروف عند المؤرخين أن ذا القرنين ترك منهم طائفة خلف السد من جهة الناس فقيل لهم تُرك، قال: والمقصود أن يأجوج ومأجوج في ذلك الوقت لا نفوذ لهم على الناس إلا من تلك الثغرة التي بين جبال شاهقة، فسدَّها ذو القرنين وساوى بين الصدفين فلم يتمكنوا من نقب السد ولا صعوده ولا صعود الجبال التي عن يمينه وعن يساره، ثم نقض ذلك بقوله إن السد هي الموانع الجبلية والمائية ونحوها، وأن البحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه وما اتصل بذلك من الموانع إنها.........

سد محكم بينهم – أي بين يأجوج ومأجوج – وبين الناس، ثم زعم أنه لا يمكن أحدًا إنكار هذا؛ أي ما زعمه في آخر كلامه ولا المكابرة فيه.
وأقول: أيظن المتكلف أنه قد أتى بنص من كتاب الله -تعالى- أو من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن إنكاره ولا المكابرة فيه، أو أتى بإجماع لا يمكن إنكاره ولا المكابرة فيه؟! كلا، إنه لم يأت بنص ولا إجماع، وإنما أتى بتوهمات وتخرصات مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما خالف الكتاب والسنة فهو قول باطل يجب إنكاره ولا يجوز إقراره.
الوجه الخامس: أن يقال: إن المكابرة على الحقيقة هي في قول المتكلف إن السد هو الموانع الجبلية والمائية، وإن البحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه وما اتصل بذلك من الموانع سد محكم بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وإن الناس قد شاهدوا السد قد اندك ورأوا يأجوج ومأجوج قد تجاوزوه، فهذا غاية في المكابرة والمخالفة لما أخبر الله به عن السد، وأنه بين صدفين أي جبلين، وأنه من زبر الحديد والقطر أي النحاس المذاب، وأنه إنما يندك عند اقتراب الساعة، وفيه أيضًا مخالفة لما أخبر الله به عن فتح يأجوج ومأجوج، وأنه يكون إذا اقترب الوعد الحق أي إذا دنا قيام الساعة، وفيه أيضًا مخالفة لما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن خروج يأجوج ومأجوج، وأنه إنما يكون بعد نزول عيسى وقتل الدجال، وأن الساعة يومئذ كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارًا، فهذا هو الثابت في الكتاب والسنة وهو الذي لا يمكن إنكاره ولا المكابرة فيه، وما خالفه فهو باطل مردود.
وأما قوله: وهذه الأدلة التي ذكرناها من نص الكتاب والسنة الصحيحة والأدلة العقلية والواقع والمشاهدة كلها أمور يقينية لا شك فيها ولا مناقض لها.
فجوابه: أن يقال: إن نصوص الكتاب والسنة تدل على خلاف ما قرره ابن سعدي في قوله عن السد إنه هو الموانع الجبلية والمائية، وإن البحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه وما اتصل بذلك من الموانع سد محكم بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وإن الناس قد شاهدوا السد قد اندك ورأوا يأجوج ومأجوج قد تجاوزوه، وكذلك الأدلة العقلية والواقع والمشاهدة فكلها على خلاف ما قرره ابن سعدي، وقد تقدم ببيان ذلك بما فيه كفاية -إن شاء الله تعالى-.
وأما قوله: والمقصود أن ظهورهم على الوصف الذي شرحناه قد تبيَّن موافقته........

للكتاب والسنة الصحيحة، والعلم الصحيح العقلي الحسي يعتبر آية وبرهانا عظيمًا على صدق القرآن وصحة ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آيات بينات.... إلى آخر كلامه.
فجوابه: أن يقال: ما زعمه ابن سعدي من خروج يأجوج ومأجوج على الوصف الذي شرحه فالأمر فيه بخلاف ما توهمه ابن سعدي، ويدل على بطلان أوهامه وتخرصاته ومخالفتها للكتاب والسنة قول الله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين أنه لما أتم بناء السد دون يأجوج ومأجوج ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، قال الله -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، فدلت هذه الآيات على اندكاك السد وظهور يأجوج ومأجوج إنما يكون عند اقتراب الساعة، وقد جاءت السنة بإيضاح ذلك وبيانه أتم بيان مما لا يدع لمبطل شبهة، وذلك فيما رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكر حديثًا طويلا في ذكر خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- وقتل الدجال، ثم قال: «فبينما هو كذلك إذا أوحى الله إلي عيسى أني قد خرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عباد إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسي كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله»، زاد الترمذي في روايته: «ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين»، قال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح"، قلت: "وإسناده أحد أسانيد مسلم"، وقد روي ابن ماجة هذه الزيادة مفردة عن هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا ابن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير.........................................................

عن أبيه، أنه سمع النواس بن سمعان -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين» إسناده صحيح، رجاله كلهم من رجال الصحيح.
وروي الحاكم في مستدركه وابن مندة في كتاب الإيمان، عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر الدجال ونزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- وفيه: «فينما هم كذلك إذ أخرج الله يأجوج ومأجوج، فيشرب أولهم البحيرة ويجيئ آخرهم وقد أنشفوها فما يدعون فيها قطرة، فيقولون: ظهرنا على أعدائنا قد كان ههنا أثر ماء» الحديث، قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي، وقال ابن كثير في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: في إسناد ابن مندة، هذا إسناد صالح".
وروى الإمام أحمد وابن ماجة وابن جرير والحاكم، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام- فتذاكروا أمر الساعة فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بهذا، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلي ربي - عز وجل- أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافرًا فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلى ربي - عز وجل- أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارا» قال الحاكم: "صحيح"، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وزاد ابن ماجة والحاكم فيه: "قال العوام – وهو ابن حوشب أحد رواته–: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله - عز وجل- ثم قرأ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ ". وفي هذه الأحاديث النص على أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون بعد............

خروج الدجال ونزول عيسى -عليه الصلاة والسلام- وقتل الدجال، ففيها أبلغ رد على ما توهم ابن سعدي من وقوع اندكاك السد وخروج يأجوج ومأجوج منذ أزمان طويلة، وفيها أيضًا أبلغ رد على ما توهمه من موافقة أوهامه وتخرصاته للكتاب والسنة. ومما يرد به عليه أيضًا حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- في ذكر فتح يأجوج ومأجوج وخروجهم على الناس، وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في حفر يأجوج ومأجوج للسد كل يوم، وحديث حذيفة بن أسيد -رضي الله عنه- أن خروج يأجوج ومأجوج من الآيات العشر التي تكون بين يدي الساعة، وحديث واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- بمثل حديث حذيفة بن أسيد -رضي الله عنه-، وهذه الأحاديث كلها صحيحة، وقد تقدم إيرادها قريبًا فلتراجع، ففيها أبلغ رد على توهمات ابن سعدي وتخرصاته.1
وأما قوله: وأما من اعتمد في قصة يأجوج ومأجوج على قصص إسرائيلية وآثار موضوعة وقصص خرافية وعوائد جرت مخالفة للعلم، فقد حرم الوصول إلى الهداية والاستنارة بنور العقل المؤيد بالشرع.
فجوابه: أن يقال: وكذلك من اعتمد على الأوهام والتخرصات في موضع السد واندكاكه، وخروج يأجوج ومأجوج قبل خروج الدجال ونزول عيسى وقتل الدجال، فهو محروم من الوصول إلى الهداية والاستنارة بنور الكتاب والسنة في هذا السبيل.
" تنبيه " ليعلم المطَّلع على كتابي هذا أن إنكاري لما توهمه ابن سعدي في أمر السد ويأجوج ومأجوج وما كتبته في التنبيه على أخطائه لا يمنعني من الثناء عليه والدعاء له بالمغفرة والرحمة، فقد خلَّف -رحمه الله تعالى- علمًا كثيرًا في مؤلفاته وعند تلاميذه، فأما ما كتبه في رسالته في السد ويأجوج ومأجوج فهو من الزلات المغمورة في جنب فضائله ومحاسنه، وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها... كفى المرء نبلا أن تعد معائبه وقد ذكرت قريبًا أن طبع ابن سعدي لتفسيره بعد إخراجه للرسالة بنحو من سبع.....

عشرة سنة يدل دلالة ظاهرة على رجوعه عما كان قرره في رسالته فليراجع ذلك1، والله المسئول أن يتغمدني وإياه وجميع المسلمين برحمته وفضله، وأن يغفر زلاتنا وخطايانا جميعًا، إنه سميع الدعاء قريب مجيب.
والمقصود من التنبيه على كلام ابن سعدي إنما هو في الحقيقة الرد على ابن محمود الذي تعلق بالكلام الباطل من كلام ابن سعدي، ونشره بعد اختفائه أكثر من أربعين سنة، وزاد فيه وغير في بعض أسلوبه، ولم يعبأ بما يناقضه من كلام ابن سعدي الذي قرره في تفسيره سورة الكهف وسورة الأنبياء من تفسيره المطبوع بعد إخراج رسالته في يأجوج ومأجوج بسبع عشرة سنة، ولو كان ابن محمود يتحرى الصواب لما عدل عن القول الموافق للكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وهو ما قرره ابن سعدي في تفسيره واعتاض عن ذلك بالباطل المخالف للكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، وهو ما قرره ابن سعدي في رسالته التي تعلق بها ابن محمود، والله المسئول أن يرد ابن محمود إلى الحق والصواب، وأن يسامحنا وإياه ويغفر زلاتنا وخطايانا جميعًا، إنه هو الغفور الرحيم.
وقال ابن محمود في صفحة (80، 81، 82) سد يأجوج ومأجوج.
"قال الشيخ محمد رشيد رضا في فتاواه: سألنا عن سد يأجوج ومأجوج غير واحد من مصر وروسيا وغيرهما من الأقطار، ونقول قبل كل شيء: إن دعوى معرفة جميع بقاع الأرض باطلة، فإن بقعة كل من القطبين لا سيما القطب الجنوبي لا تزال مجهولة، وقد استدل بعض العلماء على أن "السد" بني في جهة أحد القطبين بذكر بلوغ ذي القرنين إلى موضعه بعد بلوغ مغرب الشمس ومطلعها، وليس ذاك "إلا" جهة الشمال أو جهة الجنوب، ولا يعترض على هذا القول بصعوبة الوسائل الموصلة إلى أحد القطبين، فإن حالة مدنية ذلك العصر وحالة الأرض فيها غير معروفة لنا الآن فنبني عليها اعتراضًا كهذا، فما "يدرينا" أن الاستطراق إلى أحد القطبين أو كليهما كان في زمن ذي القرنين سهلا، فكم من أرض يابسة فاضت عليها البحار فغمرتها بطول الزمان، وكم من أرض انحسر عنها الماء فصارت أرضًا عامرة متصلة بغيرها أو منفردة (جزيرة)، وكم من مدينة طمست حتى لا يعلم عنها شيء، ومن المعلوم الآن من شئون المدنيات القديمة بالمشاهدة..........................

أو الاستدلال ما يجهل بعض أسبابه، كالأنوار والنقوش "والألوان" وجر الأثقال عند المصريين القدماء، فالقرآن يقول في ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ﴾ كذا من مطلع الشمس ومغربها وبين السدين، فما هي تلك الأسباب؟ هل هي هوائية، أو كهربائية؟ الله أعلم بذلك.
هذا ما يقال بالإيجاز في رد دعوى معرفة جميع أجزاء الأرض التي بني عليها الاعتراض، ثم إن ما بني على هذه الدعوى باطل وإن فرضنا إنها هي مسلمة، وذلك أنه يوجد في الأرض موضعان معروفان يحتمل أن السد كان فيهما حدهما الموضوع الذي يسمى الآن (دربند) بروسيا ومعناه السد، وفيه موضع يسمى (دمرقبو) أي باب الحديد، وهو أثر سد قديم بين جبلين يقال أنه من صنع بعض ملوك الفرس، ويحتمل أن يكون موضع السد وقد ذكره ملطبرون في جغرافيته بما يدل على ذلك، وأخبرني مختار باشا الغازي أنه رأى خريطة جغرافية قديمة لتلك الجهات وفيها رسم ذلك المكان وبيان أن وراءه قبلتين اسم إحداهما (آقوق) واسم الثانية (ماقوق) وتعريب هذين اللفظين بيأجوج ومأجوج ظاهر جلي، وأما الموضع الثاني فإننا نترجم ما جاء فيه عن بعض التواريخ الفارسية على غرابته وهو في الشمال الشرقي من مدينة صنعاء التي هي عاصمة اليمن بعشرين مرحلة (مائة وبضعة فراسخ)، مدينة قديمة تسمى الطويلة، وفي شرقي هذه المدينة واد عميق جدًا يحيط به ثلاث جهات جبال شامخة منصبة ليس فيها مسالك معبدة، "فالمتوقل"1فيها على خطر السقوط والهوي، وفي الجهة الرابعة منه سهوب فيحاء يستطرق منها إلى الوادي ومنه إليها، وفجوة الوادي من هذه الجهة تبلغ خمسة آلاف ذراع فارسي (الذارع الفارسي متر وأربع سنتمات) وفي الفجوة سد صناعي يمتد من أحد طرفي الجبلين إلى الآخر وهو من زبر الحديد المتساوية المقدار، فطول هذا السد خمسة آلاف ذراع، فأما سمكه فخمسة عشر شبرًا، وأما ارتفاعه فيختلف باختلاف انخفاض أساسه وارتفاعه، لأن أرضه غير مستوية، وفي القرن العاشر للهجرة لما فتح سنان باشا القائد العثماني اليمن وصل إلى قلعة تسمى "تسام" واقعة بجوار هذا السد، فأمر بعدِّ زبر الحديد المبني بها السد فقصارى ما تيسر لهم عده منها تسعة آلاف، وفي طرفي هذا السد قلعتان عظيمتان محكمتا البناء قديمتان تسمى إحداهما قلعة العرصة والثانية قلعة الباحثة، فهذا الوصف...........................................

ينطبق على ما جاء في القرآن من وصف السد وبلاد اليمن هي فيما يظهر بلاد ذي القرنين؛ لأن هذا اللقب من ألقاب ملوك العرب الحميريين في حضرموت واليمن المعروفين بالأدواء (كذي يزن وذي الكلاع وذي نواس)، ولكن إن صح وجود السد فأين يأجوج ومأجوج منه، وهم التتر كما في تاريخ السوريين قبل الإسلام أو السكيثيين الذين وصفهم النبي حزقيال بما ينطبق على وصفهم في تاريخ اليونان ويعدهم النصارى رمزًا "لأعداء" الكنيسة، ثم إن لم يكن السد المذكور في القرآن هذا ولا ذاك ولم يكن فيما بقي مجهولا من الأرض فلم لا يجوز أن يكون قد اندك وذهب أثره من الوجود.
إن قيل يمنع من ذلك أن اندكاكه وخروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة، أجبنا بجوابين؛ أحدهما: أن قرب الساعة يمتد ألوفًا من السنين بدليل أن نبينا نبي الساعة وقرب الساعة "نسبي" أي هو قرب بالنسبة إلى ما مضى من عمر الأرض، وما يدرينا أنه ملايين السنين, وثانيهما: أن هناك ساعة عامة وساعة خاصة، أي ساعة هلاك أمة معينة كما ورد في شرح بعض الأحاديث الواردة في الساعة".
انتهى.
والجواب: أن أقول: قد وقع في نقل ابن محمود تحريف في ست كلمات وهو تحريف يحيل المعنى، وقد أصلحته على الأصل المنقول منه في فتاوى رشيد رضا، وجعلت كل كلمة بين قوسين صغيرين مزدوجين.
وأما قول رشيد رضا: إن دعوى معرفة جميع بقاع الأرض باطلة فهو حق؛ لأنه لا يحيط علمًا بجميع ما على وجه الأرض من البقاع والمخلوقات إلا الله -تعالى-.
وأما قوله: إنه يوجد في الأرض موضعان معروفان يحتمل أن السد كان فيهما... إلى آخر كلامه على الموضعين.
فجوابه: أن يقال: هذا الاحتمال بعيد من الصواب؛ أما الموضع الذي يسمى (دربند) فقد ذكر أن فيه أثر سد قديم بين جبلين، وأنه يحتمل أن يكون موضع السد، وهذا الاحتمال مردود بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة؛ فأما الدليل من الكتاب فهو قول الله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين أنه لما بني السد ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في الكلام على هذه الآية: " ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي الوقت الذي قدر خروجهم على الناس في آخر الزمان، ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي مساويًا للأرض ولا بد من......................................................

كون هذا، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، كما قال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ ولهذا قال ههنا: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال ذاك حين يخرجون على الناس، قال ابن كثير: وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال".
انتهى.
وأما الدليل من السنة ففي سبعة أحاديث عن النواس بن سمعان، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وحذيفة بن أسيد الغفاري، وواثلة بن الأسقع -رضي الله عنهم-، وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث قريبًا فلتراجع1، ففيها أبلغ رد على من ظن أن السد قد زال، ولو كان السد قد زال لكان يأجوج ومأجوج قد خرجوا على الناس منذ زواله وأهلكوا كل شيء أتوا عليه، وفي الأحاديث التي تقدم ذكرها عن النواس بن سمعان وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان النص على أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون بعد نزول عيسى وقتل الدجال، وفي هذا أوضح دليل على أن السد إنما يندك في ذلك الزمان، فإذا اندك خرجوا على الناس، ويدل على أنهم يخرجون من حين يندك السد ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس» كما قال الله - عز وجل-: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، فيبعثون في الأرض وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ» الحديث، وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم» الحديث، ولو كان السد قد زال وبقي أثره لما كان للحفر الذي يستمر إلى وقت خروجهم معنى، وفي حديث حذيفة بن أسيد الغفاري وحديث واثلة بن الأسقع -رضي الله عنهما- النص على أن خروج يأجوج ومأجوج من الآيات العشر الدالة على اقتراب الساعة، وقد جاء في عدة أحاديث تقدم ذكرها2أن الآيات إذا خرج أولها تتابعت كالنظام إذا قطع سلكه فتتابع، وقد تقدم ما رواه ابن أبي شيبة عن حذيفة -رضي الله عنه- أنه قال: «لو أن رجلا ارتبط فرسًا في سبيل الله فأنتجت مهرًا عند أول الآيات، ما ركب المهر حتى يرى آخرها»، وتقدم أيضا ما رواه ابن جرير عن حذيفة -رضي الله عنه- أنه قال: «لو أن رجلا افتلى فلوًا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة»، وتقدم أيضًا ما رواه ابن أبي شيبة عن حذيفة...........................................

-رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، فما بعد الدجال؟ قال: «عيسى ابن مريم»، قلت: فما بعد عيسى ابن مريم؟ قال: «لو أن رجلا أنتج فرسًا لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة»، ففي هذا الحديث والأثرين قبله مع ما تقدم من الأحاديث المرفوعة أوضح دليل على أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون عند دنو الساعة، وهذا يدل على أن السد لا يزال باقيًا مانعًا لهم من الخروج، وأنه إنما يندك عند اقتراب الساعة.
وأما القبيلتان اللتان اسم إحداهما: (آفوق) واسم الثانية: (ماقوق) فإن كان بينهما وبين الناس سد من حديد فهما يأجوج ومأجوج، وإن لم يكن بينهما وبين الناس سد من حديد فليسا يأجوج ومأجوج.
وأما الموضع الثاني: الذي ذكر رشيد رضا أنه في الشمال الشرقي من مدينة صنعاء وفيه سد من حديد فليس هو السد الذي بناه ذو القرنين دون يأجوج ومأجوج قطعًا؛ لأن هذا السد على تقدير وجوده يكون في الجزيرة العربية، ويأجوج ومأجوج ليسوا في البلاد العربية ولا فيما يقرب منها من الأرض، وإنما هم في أقصى بلاد المشرق من ناحية الشمال، كما ذكر ذلك غير واحد من المؤرخين والمتكلمين على الأقاليم ومواقع البلدان فيها، وقد روي ابن جرير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- والضحاك أن الصدفين اللذين بني ذو القرنين السد بينهما هما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان، وقاله القرطبي في تفسيره، وأرمينية وأذربيجان في أقصى المشرق من ناحية الشمال.
وأما قوله: فهذا الوصف ينطبق على ما جاء في القرآن من وصف السد.
فجوابه: أن يقال: هذا السد إن صح ما قيل عنه وأنه من زبر الحديد فليس هو السد المذكور في القرآن قطعًا، وإنما هو من بناية بعض التبابعة أو غيرهم من ملوك اليمن المتقدمين.
وأما قوله: وبلاد اليمن هي فيما يظهر بلاد ذي القرنين؛ لأن هذا اللقب من ألقاب ملوك العرب الحميريين المعروفين بالأذواء.
فجوابه: أن يقال: على تقدير أن يكون ذو القرنين من أذواء اليمن فلا يلزم من ذلك أن يكون هو الذي بني السد الذي ذكره رشيد رضا إذ لا دليل يدل على ذلك، وعلى تقدير أن يكون هو الذي بناه فليس هو السد المذكور في القرآن؛ لأن..........................

يأجوج ومأجوج ليسوا في بلاد اليمن، وإنما هم في أقصى بلاد المشرق من ناحية الشمال، وقد أخبر الله -تعالى- أنه مكَّن لذي القرنين وآتاه من كل شيء سببًا، وأخبر أنه بلغ مغرب الشمس ومطلعها ثم أتبع سببًا حتى بلغ بين السدين وهما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان وهناك جعل الردم دون يأجوج ومأجوج، ففي هذا إيماء إلى أن موضع السد في أقصى المعمورة من ناحية المشرق، وهذه الناحية بعيدة غاية البعد عن بلاد اليمن.
وأما قوله: إن يأجوج ومأجوج هم التتر.
فجوابه: أن يقال: إن يأجوج ومأجوج غير التتر؛ لأن التتر ليس بينهم وبين غيرهم من الناس سد من حديد يمنعهم من الخروج والإفساد في الأرض، وقد خرج التتر على بلاد المسلمين في أثناء القرن السابع من الهجرة وما بعده فجاسوا خلال الديار وتبَّروا ما علوا تتبيرًا، ولو كان التتر هم يأجوج ومأجوج لكانوا قد شربوا المياه حين خرجوا على المسلمين وشرب أوائلهم بحيرة طبرية، ولكان الدجال قد خرج قبل خروجهم، ونزل عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- فقتل الدجال، ولكانت القيامة قد قامت منذ سبعة قرون أو أكثر؛ لما في حديث حذيفة -رضي الله عنه- أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماذا يكون بعد خروج الدجال؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو أنتجت فرسًا لم تركب فلوها حتى تقوم الساعة» وهو حديث صحيح، وقد تقدم إيراده وإيراد ما في معناه من الأحاديث قريبًا1، ولا شك في بطلان القول بأن التتر هم يأجوج ومأجوج، ومن قال بهذا القول الباطل فإنما يعتمد على التخرص واتباع الظن، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» متفق عليه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وأما قوله: ثم إن لم يكن السد المذكور في القرآن هذا ولا ذاك ولم يكن فيما بقي مجهولا من الأرض فلم لا يجوز أن يكون قد اندك وذهب أثره من الوجود.
فجوابه: أن يقال: إن السد لا يندك إلا إذا دنا قيام الساعة؛ لقول الله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾؛ أي دنا قيام الساعة كما قال -تعالى- إخبارًا عن ذي القرنين، إنه لما أتم بناء السد..............

﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾، وقد أخبر الله عنهم إنهم إذا خرجوا يموج بعضهم في بعض ثم ينفخ في الصور، قال السدي في قوله -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: "ذاك حين يخرجون على الناس"، وقد تقدم إيراد الأحاديث الدالة على أن خروج يأجوج ومأجوج من أمارات الساعة، وأنه يكون بعد نزول عيسى وقتل الدجال، فلتراجع في موضعها.1
وأما قوله: إن قيل: يمنع من ذلك أن اندكاكه وخروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة.
فجوابه: أن يقال: هذا هو الصحيح، والأدلة من القرآن والسنة تدل عليه، وقد تقدم إيرادها في عدة مواضع.
وأما قوله: أجبنا بجوابين؛ أحدهما: أن قرب الساعة يمتد ألوفًا من السنين بدليل أن نبينا نبي الساعة وقرب الساعة نسبي أي هو قرب بالنسبة إلى ما مضى من عمر الأرض، وما يدرينا أنه ملايين من السنين.
فجوابه: أن يقال: هذا الجواب باطل مردود لمخالفته للأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تقريب خروج يأجوج ومأجوج من قيام الساعة تقريبًا مطلقًا وليس تقريبًا نسبيًا، فمن الأحاديث الدالة على ذلك حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام- فتذاكروا أمر الساعة» الحديث، وفيه ذكر خروج الدجال وأن الله يهلكه إذا رأي عيسى، ثم ذكر خروج يأجوج ومأجوج وأن عيسى - عليه السلام- يدعو عليهم فيهلكهم الله، ثم قال: «ففيما عهد إلى ربي - عز وجل- إن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارًا».
رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، وابن جرير، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وزاد ابن ماجة والحاكم فيه: "قال العوام- وهو ابن حوشب أحد رواته-: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله - عز وجل- ثم قرأ ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ "، وقد تقدم إيراد هذا الحديث بطولة قريبًا فليراجع2، ففيه أبلغ رد على قول رشيد رضا أن قرب الساعة يمتد ألوفًا....................................................

من السنين، وعلى قوله أيضًا إن قرب اندكاك السد وخروج يأجوج ومأجوج من قيام الساعة قرب نسبي، فهذا الحديث الصحيح يدل على أنه قرب مطلق لا قرب نسبي، والله أعلم.
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، فما بعد الدجال؟ «قال عيسى ابن مريم»، قلت: فما بعد عيسى ابن مريم؟ قال: «لو أن رجلا أنتج فرسًا لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة».
وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن خروج يأجوج ومأجوج يكون بعد نزول عيسى وقتل الدجال، وجاء مثل ذلك في حديثي ابن مسعود وحذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما-، وفي هذا أبلغ رد على قول رشيد رضا أن قرب الساعة يمتد ألوفا من السنين وعلى قوله أيضًا أن قرب اندكاك السد وخروج يأجوج ومأجوج من قيام الساعة قرب نسبي، والحديث يدل دلالة واضحة على أنه قرب مطلق وليس قربًا نسبيًا، ومنها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري وحديث واثلة بن الأسقع -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر الآيات التي تكون بين يدي الساعة ومنها خروج يأجوج ومأجوج، وهما حديثان صحيحان، وقرب هذه الآيات العشر من الساعة قرب مطلق وليس قربًا نسبيًا؛ لأن منها طلوع الشمس من مغربها وبطلوعها من مغربها يغلق باب التوبة، وغلق باب التوبة قريب جدًا من قيام الساعة، والله أعلم، وقد روي ابن جرير عن حذيفة -رضي الله عنه- أنه قال: «لو أن رجلا افتلى فلوًا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة»، وهذا الأثر له حكم الرفع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف.
وأما قوله: وثانيهما: أن هناك ساعة عامة وساعة خاصة أي هلاك أمة معينة.
فجوابه: أن يقال: ما جاء في الأحاديث التي تقدم ذكرها قريبًا1عن عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وحذيفة بن أسيد الغفاري وواثلة بن الأسقع -رضي الله عنهم- فالمراد به الساعة العامة وهو قيام الساعة العظيمة، ومن حمل ذلك على الساعة الخاصة التي هي هلاك أمة معينة فقد أبعد النجعة وحمل الأحاديث على غير المراد بها، والله أعلم.

" خاتمة ": تحتوي على نماذج من أخطاء ابن محمود ومجازفاته وشطحاته وتهافته في رسالته في إنكار المهدي، وما قاله أيضًا في اندكاك السد وخروج يأجوج ومأجوج، وقد ذكرت ذلك مفرقًا في هذا الكتاب مع التنبيه على كل جملة منه، وإنما ذكره مجموعًا في الخاتمة تسهيلاً على من أحب الاطلاع على أقواله الباطلة والاعتبار بحال قائلها. والله المستعان. فمن ذلك قوله في عنوان رسالته في إنكار المهدي ما نصه: "لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر" وقد ذكرت في أول الكتاب أن هذا العنوان مخالف للكتاب والسنة والإجماع، وذكرت الأدلة على ذلك فليراجع ما تقدم.1
ومن ذلك زعمه في صفحة (3) أن رسالته في إنكار المهدي عقيدة حسنة وحقيقة مسلمة، وهذا قول باطل مردود؛ لأن رسالته مخالفة للكتاب والسنة والإجماع، وما كان كذلك فلا يكون عقيدة حسنة ولا حقيقة مسلمة، وإنما هو عقيدة سيئة وبدعة مردودة.
ومن ذلك أنه في صفحة (3) دعي العلماء والطلاب إلى الاتحاد معه على إنكار المهدي، ولا شك أن هذا من الدعاء إلى الضلالة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وقد زعم ابن محمود أن الاتحاد على إنكار المهدي من حسن الاعتقاد، وهذا من انقلاب الحقيقة عنده ومن رؤية الباطل في صورة الحق، وهل يقول عاقل أن إنكار الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي من حسن الاعتقاد؟ كلا، لا يقول ذلك عاقل.
ومن ذلك قوله في صفحة (3) إنه قد رأى في نفسه أنه قد أصاب في رسالته في إنكار المهدي مفاصل الإنصاف والعدل، ولم ينزع فيها إلى ما ينفاه الشرع أو يأباه العقل، وهذا من انقلاب الحقيقة عند ابن محمود ومن رؤية الباطل في صورة الحق، وكيف يصيب مفاصل الإنصاف والعدل من قد جد واجتهد في معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي ولم يبال بردها وإطراحها، ثم يزعم أنه لم ينزع إلى ما ينفاه الشرع أو يأباه العقل، وهل يقول عاقل إن الشرع يُقِرُّ..........................................................

معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي وقلة المبالاة بها، أو أن العقل السليم يقر ذلك ولا يأباه؟ كلا، لا يقول ذلك عاقل.
ومن ذلك زعمه في صفحة (3) أنه قد قدَّم في رسالته عقيدة المسلم مع المهدي، وهذا قول باطل مردود؛ لأن الذي قدمه ابن محمود في رسالته ليس من عقائد المسلمين، وإنما هو بدعة وضلالة قد بنيت على المخالفة للأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي ونبذها وإطراحها.
ومن ذلك زعمه في صفحة (3) أن جميع الناس من العلماء والعوام في كل زمان ومكان يقاتلون كل من يدعي أنه المهدي، ولن يزالوا يقاتلون كل من يدعي ذلك حتى تقوم الساعة، وقال نحو ذلك في صفحة (32) وصفحة (33). وأقول: إن هذه المجازفة لا أساس لها من الصحة، والجملة الأخيرة من كلامه مبنية على الرجم بالغيب، وهل يعلم ابن محمود ماذا يكون في المستقبل حتى يخبر عن جميع الناس من العلماء والعوام في كل زمان ومكان أنهم لن يزالوا يقاتلون كل من يدعي أنه المهدي حتى تقوم الساعة ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾، ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
ومن ذلك زعمه في صفحة (3) تقليدًا لأحمد أمين أن القول بخروج المهدي مجرد فكرة ليست من عقائد أهل السنة القدماء، وهذا الزعم مردود بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خروج المهدي.
ومن ذلك زعمه في صفحة (3) تقليدًا لرشيد رضا وأحمد أمين وسعد محمد حسن أن أصل من تبني الفكرة والعقيدة في المهدي هم الشيعة، وقال نحو ذلك في صفحة (24) وصفحة (27)، وهذا الزعم لا أساس له من الصحة، وهو مردود بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي.
ومن ذلك زعمه في صفحة (4) أن عبد الله بن سبأ وشيعته أخذوا في صياغة الأحاديث ووضعها ونشرها في مجتمع الناس، وقال نحو ذلك في صفحة (16)، وهذا الزعم لا أساس له من الصحة.
ومن ذلك زعمه في صفحة (4) أن أحاديث المهدي غير صحيحة ولا متواترة، وقال مثل ذلك في صفحة (8) وصفحة (12) وصفحة (16) وصفحة (27)..................

وصفحة (39) وصفحة (51) وصفحة (52) وصفحة (70)، وهذه المجازفة مردودة بما ذكرته في أول الكتاب من الأحاديث الثابتة في المهدي، ومردودة أيضًا بما قاله غير واحد من أكابر العلماء في أحاديث المهدي إن بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، وكذلك ما صرح به عدد من أكابر العلماء أن أحاديث المهدي متواترة، وقد ذكرت تصحيحهم لبعض أحاديث المهدي وتحسينهم لبعضها وقولهم إنها متواترة في أول الكتاب، فليراجع ذلك في موضعه.1
ومن ذلك زعمه في صفحة (4) أن أحاديث المهدي مسلسلة، وهذا الزعم خطأ ظاهر؛ لأنه ليس في أحاديث المهدي شيء مسلسل على ما هو معروف عند المحدثين من صفات الأحاديث المسلسلة.
ومن ذلك زعمه في صفحة (4) أن أحاديث المهدي مختلقة، وهذا الزعم لا أساس له من الصحة.
ومن ذلك زعمه في صفحة (5) أن المحققين من العلماء المتقدمين والمتأخرين أدركوا في أحاديث المهدي من الملاحظات ما يوجب عليهم ردها وعدم قبولها، وهذا الزعم مردود بتصحيح المحققين من المتقدمين والمتأخرين لبعض أحاديث المهدي وتحسين بعضها، ولا عبرة بمن تكلم فيها من العصريين الذين زعم ابن محمود أنهم أهل تحقيق، وهم بعيدون كل البعد عن التحقيق، وغاية ما عندهم المجازفة في رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقلة المبالاة بها.
ومن ذلك زعمه في صفحة (5) أن القول بصحة خروج المهدي يترتب عليه مضار ومفاسد كبار وفتن، وهذا لا أساس له من الصحة، وقد ذكرت في الجواب عنه أن المضار والمفاسد إنما تترتب على إنكار خروج المهدي في آخر الزمان وتكذيب الأحاديث الثابتة فيه.
ومن ذلك زعمه في صفحة (6) أنه من الأمر المحال أن يوجب النبي على أمته التصديق برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، وهو ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به والعمل بموجبه، ثم يترك أمته يتقاتلون على حساب تصديقه والتكذيب به، فإن هذا من الأمر المنافي لسنته وحكمة رسالته، وقال في صفحة (12): "وحاشا أن يفرض رسول الله على أمته........................................

الإيمان برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، لا يعلم زمانه ولا مكانه، وهو ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، ولن يأتي بدين جديد من ربه مما يوجب الإيمان به، ثم يترك أمه يتقاتلون على حساب تحقيقه والتصديق به"، وقال نحو ذلك في صفحة (58)، وقال في آخر كلامه: "ثم يترك أمته يتقاتلون على التصديق والتكذيب به إلى يوم القيامة"، وقال في صفحة (36): "إن الله -سبحانه- في كتابه وعلى لسان نبيه لا يوجب الإيمان برجل مجهول في عالم الغيب"، ثم ساق بقية الكلام الذي ذكره في صفحة (6)، وقال في صفحة (14) وصفحة (15): "وإننا بكتاب ربنا وسنة نبينا لفي غنى واسع عن دين يأتينا به المهدي المنتظر، إذ المهدي ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، وليس ديننا الذي جاء به كتاب ربنا وسنة نبينا بناقص حتى يكمله المهدي"، وذكر في صفحة (43) حديث أبي سعيد الذي فيه: «المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف»، ثم قال: "ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُنزَّه عن أن يحيل أمته على هذه الأوصاف الموجودة في أكثر بني آدم، ولا يأتي من اتصف بها بكتاب من ربه يصدق قوله، ولا بدين جديد يكمل به دين محمد رسول الله، وليس بملك مقرب ولا نبي مرسل"، وقال في صفحة (25): "وما هذا التهالك في محبته- أي محبة المهدي- والدعوة إلا الإيمان به وهو رجل من بني آدم، ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يوجب الإيمان به".
هكذا جازف ابن محمود في إطلاق هذه الكلمات النابية، وكرر ذلك في سبعة مواضع من رسالته، وزادت به المجازفة في بعض هذه المواضع، فتحكم على الله -تعالى- ذلك، وتجرأ على الرجم بالغيب حيث زعم في صفحة (58) أن الرسول لا يترك أمته يتقاتلون على التصديق والتكذيب بالمهدي إلى يوم القيامة، وما يدريه عما يكون في المستقبل، وقد تقدم الجواب عما ذكرته ههنا من مجازفات ابن محمود وتخليطه مفرقًا في هذا الكتاب.
ومن ذلك أنه في صفحة (6) نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أنه قال في المنهاج: "إن الأحاديث في المهدي قد غلط فيها طوائف من العلماء فطائفة أنكروها"، وقد اعتمد ابن محمود على قول الطائفة التي أنكرت أحاديث المهدي مع علمه بتغليط شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- لمن قال بهذا القول، وهذا................................

من أقبح التقليد، وقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في الجملة التي نقل منها ابن محمود ما تقدم ذكره: "إن الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة"، وإنما أعرض ابن محمود عن نقل هذه الجملة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنها تهدم أقواله الباطلة في إنكار أحاديث المهدي وقوله إنها موضوعة. ومن ذلك زعمه في صفحة (6) أن مما يقلل الاحتفال بأحاديث المهدي أنه لم يذكر في القرآن ولم يدخل البخاري ومسلم أحاديثه في كتبهما، وهذا زعم باطل مردود، وهو مما قلد فيه رشيد رضا وأحمد أمين والمستشرق دونلدسن، وقد ذكرت كلامهم في ذلك والجواب عنه في أول الكتاب فليراجع.1
ومن ذلك زعمه في صفحة (6) أن أحاديث المهدي متناقضة ومتعارضة في موضوعها وهذا زعم باطل، وقد ذكرت في الجواب عنه أنه ليس بين الأحاديث الثابتة في المهدي تناقض ولا تعارض البتة.
ومن ذلك زعمه في صفحة (7) أن المحققين من العلماء قد أيقنوا بأن أحاديث المهدي موضوعة على لسان رسول الله، وأنها لم تخرج من مشكاة نبوته، وليست من كلامه، فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها، وهذا من التقوُّل على المحققين من المتقدمين والمتأخرين، وهلا ذكر كلامهم في ذلك إن كان صادقًا فيما يقول، وقد ذكرت تصحيحهم لبعض أحاديث المهدي وتحسينهم لبعضها، وما صرح به بعضهم من كونها متواترة في أول الكتاب فليراجع2، ففيه أبلغ رد على زعم ابن محمود وتقوله على المحققين من العلماء، فأما رشيد رضا ومحمد فريد وجدي وأحمد أمين وأمثالهم من العصريين فليسوا أهل تحقيق في الحديث، وإنما هم أهل جراءة على الكلام في الأحاديث الثابتة إذا كانت مخالفة لأفكارهم أو أفكار من يعظمونه، فلا يلتفت إلى طعنهم في أحاديث المهدي ولا في غير ذلك من الأحاديث الثابتة. ومن ذلك زعمه في صفحة (7) أن كل حديث يذكر فيه المهدي فهو ضعيف، وهذه مجازفة مردودة بالأحاديث الثابتة في المهدي، وقد ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع.3
ومن ذلك زعمه في صفحة (8) أن من عادة العلماء المحدثين والفقهاء................

المتقدمين أن بعضهم ينقل عن بعض الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه، وهذه مجازفة سيئة جدًا أرسلها قائلها من غير تثبت ولا تعقل.
ومن ذلك زعمه في صفحة (8) أن الإمام أحمد كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه، وأن الشافعي كان يقول للإمام أحمد: "إذا ثبت عندك الحديث فارفعه إليَّ حتى أثبته في كتابي"، وهذه مجازفة لا يقولها عاقل ولا يغتر بها إلا جاهل بالشافعي وأحمد -رحمة الله عليهما-.
ومن ذلك قوله في صفحة (8) إن الناس مقلدة وقليل منهم المحققون المجتهدون، والمقلد لا يعد من أهل العلم.
وأقول: قد ذكرت في الجواب عن هذه الجملة أن ابن محمود قد وقع في العيب الذي عاب به المحدثين والفقهاء، وذلك أنه كان ينقل من كلام رشيد رضا ومحمد فريد وجدي وأحمد أمين وغيرهم من العصريين، ويقلدهم فيما قالوه في رد الأحاديث الثابتة في المهدي والقدح فيها بغير مستند صحيح يسوغ به القدح، وقد ذكرت أنه بهذا الفعل قد حكم على نفسه بأنه لا يعد من أهل العلم.
وأقول أيضًا أن الذين خرجوا الأحاديث الثابتة في المهدي كلهم محققون مجتهدون ومنهم؛ الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والحارث بن أبي أسامة، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم من المحدثين، وكذلك الذين حكموا للصحاح من أحاديث المهدي بالصحة وللحسان منها بالحسن كلهم محققون مجتهدون ومنهم؛ الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والعقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وزين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، ونور الدين الهيثمي، وغيرهم من أكابر العلماء، وكذلك الذين قالوا بتواتر أحاديث المهدي كلهم محققون مجتهدون ومنهم؛ أبو الحسين الآبري والذين نقلوا كلامه وأقروه، ومنهم أبو عبد الله القرطبي، وأبو الحجاج المزي، وابن القيم، وابن حجر العسقلاني، والسخاوي، والسيوطي، وغيرهم من المتأخرين، فهل يقول ابن محمود إن هؤلاء الذين ذكرنا أسماءهم كلهم مقلدون، وأن رشيد رضا ومحمد فريد وجدي وأحمد أمين وأمثالهم من العصريين الذي أنكروا أحاديث المهدي وحكموا بأنها موضوعة هم المحققون المجتهدون؟ لا يستبعد منه أن يقول بهذا القول الباطل، بل هذا هو الظاهر من كلامه، ويدل على ذلك أربعة أمور؛ أحدها: أنه قد عاب على الشافعي وأحمد وقال فيهما ما قال مما تقدم ذكره،........

ومن تهجم على الشافعي وأحمد وعابهما فغير مستبعد منه أن يعيب غيرهما من المحققين المجتهدين ويصفهم بالتقليد، الثاني: أنه زعم في صفحة (23) أن العلماء المتقدمين يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم، وأن من عادة علماء السنة المتقدمين عمل التساهل فيما يرد من أحاديث أشراط الساعة؛ كأحاديث المهدي والدجال ويأجوج ومأجوج، الثالث: أنه في صفحة (24) وصف العلماء المتقدمين والموجودين على قيد الحياة بصفة العجز حيث لم ينكروا أحاديث المهدي، الرابع: أنه أثنى على علماء الأمصار في صفحة (26)، ويريد بهم العصريين الذين كان ينقل عنهم ويعتمد على أقوالهم الباطلة في رد الأحاديث الثابتة في المهدي.
وقد زعم أنهم يشبعون البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصًا وتصحيحًا، فهذا واضح جلي أنه قد عناهم بوصف التحقيق والاجتهاد، ومن كان اعتماده على آراء العصريين وتخرصاتهم وزبالة أذهانهم وتفكيراتهم الخاطئة فلا شك أنه مزجى البضاعة.
ومن ذلك إعجابه بما ظن أنه تحقيق معتبر عن أحاديث المهدي، وهذا التحقيق المزعوم مذكور في صفحة (8)، وهو بأضغاث الأحلام أشبه منه بكلام اليقظان، وحاصله رد الأحاديث الثابتة في المهدي والقول بأنها ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة بالمعنى.
ومن ذلك أنه في صفحة (8) وصفحة (9) نقل كلامًا لابن القيم من كتابه "المنار المنيف" واختصره اختصارًا يخل به وحذف منه ما فيه حجة عليه، وهذا خلاف الأمانة في النقل.
ومن ذلك زعمه في صفحة (9) أن المهدي مجهول في عالم الغيب وأنه لا حقيقة لخروجه، وهذا من مجازفاته ومكابراته في رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خروج المهدي في آخر الزمان.
ومن ذلك زعمه في صفحة (9) أن الإيمان بخروج المهدي من التعصب، وهذا أيضًا من مجازفاته ومكابراته.
ومن ذلك أنه في صفحة (9) تقوَّل على الذهبي وعليٍّ القاري، وزعم أنهما قالا في حديث صلاة عيسى خلف المهدي إنه موضوع، وقد ذكرت الجواب عن هذا.........

التقول في أول الكتاب فليراجع1، وأقول: أين الورع والتقوى؟! وأين الأمانة في النقل؟! أما عند هذا الرجل دين يحجزه عن التقول على علماء المسلمين؟! ومن ذلك زعمه في صفحة (9) أن أعدل من أصاب الهدف في قضية المهدي هو أبو الأعلى المودودي، ثم ذكر كلامه الذي هو بعيد كل البعد عن إصابة الهدف في قضية المهدي.
ومن ذلك ما ذكره في صفحة (10) عن اعتقاده الذي يدين الله به، وهو إنكار خروج المهدي والإنكار على من يقول بصحة خروجه، ولا شك أن هذا من الاستهانة بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، ومن اتِّباع غير سبيل المؤمنين الذين يقابلون الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرضى والقبول والتسليم.
ومن ذلك زعمه في صفحة (11) وصفحة (12) أنه يدعو العلماء والعقلاء إلى الاتحاد على حسن الاعتقاد في أحاديث المهدي، وإنما هو في الحقيقة يدعوهم إلى الاتحاد على سوء الاعتقاد الذي يتضمن تكذيب الأحاديث الثابتة في المهدي، ويدعو إلى نبذها وإطراحها.
ومن ذلك زعمه في صفحة (12) أن العلماء المحققين من المتأخرين وبعض المتقدمين قد حكموا على أحاديث المهدي بأنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وأنهم ينزهون ساحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته عن الإتيان بمثلها، وهذا من التقوُّل على المحققين من المتقدمين والمتأخرين، وإنما يذكر بعض ذلك عن بعض العصريين الذين ليسوا من أهل التحقيق في الحديث، وإنما هم من أهل المجازفة والقول بغير علم، ومنهم رشيد رضا ومحمد فريد وجدي وأحمد أمين، وهؤلاء وأمثالهم من العصريين هم أئمة ابن محمود الذين ينقل عنهم ويقلدهم ويعتمد على أقوالهم الباطلة في تكذيب أحاديث المهدي، بل إنه قد زاد عليهم في إطلاق الصفات الذميمة على الأحاديث الثابتة في المهدي؛ كقوله: إنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وإنها نظرية خرافية، وإنها أحاديث خرافة، وإنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة.
هكذا كانت مقابلته للأحاديث الثابتة في المهدي.
ومن ذلك زعمه في صفحة (12) أن الشبهة في أحاديث المهدي يقينية..........

والكذب فيها ظاهر جلي، وهذا من مجازفاته ومكابراته. ومن ذلك قوله في صفحة (12): "وحاشا أن يفرض رسول الله على أمته الإيمان برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، لا يعلم زمانه ولا مكانه، وهو ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، ولن يأتي بدين جديد من ربه مما يوجب الإيمان به، ثم يترك أمته يتقاتلون على حساب تحقيقه والتصديق به"، وقد ذكرت هذه الكلمات النابية قريبًا وتقدم الجواب عنها في أول الكتاب فليراجع.1
ومن ذلك زعمه في صفحة (12) أن كل الأحاديث الدالة على خروج المهدي متناقضة متعارضة ومختلفة غير مؤتلفة، وأنها كلها ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة، وهذا من مجازفاته ومكابراته.
ومن ذلك قوله في صفحة (12) إنه رأى لشيخ الإسلام ابن تيمية قولا يثبت فيه بأنه ورد في المهدي سبعة أحاديث رواها أبو داود، وهذا غير صحيح؛ لأن شيخ الإسلام لم يذكر سوى أربعة أحاديث ذكرها في صفحة (211) من الجزاء الرابع من كتاب "منهاج السنة النبوية"، فإن كان ابن محمود قد وجد لشيخ الإسلام كلامًا غير الذي أشرنا إليه فليذكر الكتاب الذي وجد فيه ذلك وليذكر موضعه من الكتاب، ولا أظنه يجد شيئًا.
ومن ذلك زعمه في صفحة (12) وصفحة (13) أنه قد توسع في العلوم والفنون ومعرفة أحاديث المهدي وعللها وتعارضها واختلافها، وإن ذلك مما فات على العالم النحرير- يعني شيخ الإسلام ابن تيمية-، وهذه دعوى لا حاصل تحتها وأمنية يتعلل بها قائلها ولا حقيقة لها، والواقع في الحقيقة أنه قد توسع في المجازفة والمكابرة في رد الأحاديث الثابتة في المهدي وإطراحها ووصفها بالصفات الذميمة.
ومن ذلك زعمه في صفحة (12) وصفحة (13) أن القول بخروج المهدي وما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية من ورود الأحاديث فيه أن ذلك من الاعتقاد السيئ ومن زلات العلماء، وأن من قال ذلك نسب إلى الخطأ والتقصير، ولا يخفى ما في هذا الكلام السيئ من قلب الحقائق وإظهار الحق في صورة الباطل.
ومن ذلك قوله في صفحة (12): "وعرفت تمام المعرفة بأنه لا مهدي بعد رسول الله وبعد كتاب الله"، وهذا قول باطل مردود بالنص على أن الخلفاء الأربعة مهديون،........

وبالنص على أن عيسى ابن مريم يكون في آخر هذه الأمة إمامًا مهديًا، وبالأحاديث الثابتة في خروج المهدي في آخر الزمان، وفي بعضها النص على تسميته بالمهدي، ويرد هذا القول الباطل أيضًا بالإجماع على أن عمر بن عبد العزيز أحد الأئمة المهديين، وإذا كانت معرفة ابن محمود التي وصفها بالتمام قد بلغت إلى هذا الحد من مخالفة النص والإجماع، فأحسن الله عزاءه في معرفته.
ومن ذلك زعمه في صفحة (13) أن كلمة شيخ الإسلام ابن تيمية قد غرق فيها كثير من العلماء والعوام حين اعتقدوا صحة خروج المهدي، ولا يخفى على من له علم ومعرفة ما في كلام ابن محمود من قلب الحقيقة؛ لأن الغارق في الحقيقة من جد واجتهد في معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي ووصفها بالصفات الذميمة، وذلك هو ابن محمود ومن كان على شاكلته.
ومن ذلك قوله في صفحة (13): "وفي البخاري أن موسى لما لقي ذا القرنين بمجمع البحرين" وكرر اسم ذي القرنين ثلاث مرات في هذه الصفحة وفي صفحة (14)، وهذا من الأغلاط الفاحشة.
ومن ذلك قوله في صفحة (14): "يا معشر العلماء والمتعلمين والناس أجمعين؛ إنه يجب علينا بأن يكون تعليمنا واعتقادنا قائمًا على أنه لا مهدي بعد رسول الله كما لا نبي بعده"، ولا يخفى ما في هذا القول من الدعاء إلى الضلالة ومعارضة النصوص على أن الخلفاء الأربعة مهديون، وأن عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- يكون في آخر هذه الأمة إمامًا مهديًا، وأنها لا تنقضي الدنيا حتى يخرج رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يعمل بالسنة ويكون مهديًا، وفيه أيضًا معارضة للإجماع على أن عمر بن عبد العزيز أحد الأئمة المهديين، وهذا القول الباطل من ابن محمود مبني على قياس فاسد كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة.
ومن ذلك قوله في صفحة (14) وصفحة (15): "وإننا بكتاب ربنا وسنة نبينا لفي غني واسع عن دين يأتينا به المهدي المنتظر، إذ المهدي ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل" ولا يخفى ما في هذا الكلام من التخليط والتلبيس الذي ينكره كل عاقل، وهل يقول عاقل إن المهدي يأتي بدين جديد، أو يقول عاقل إن المهدي ملك مقرب أو نبي مرسل؟ كلا، لا يقول ذلك عاقل أبدًا ولو على سبيل الفرض والتقدير، وإنما يقول ذلك من في عقله خلل.

ومن ذلك قوله في صفحة (15): "وليس ديننا الذي جاء به كتاب ربنا وسنة نبينا بناقص حتى يكمله المهدي". وهذا القول من نمط ما قبله، وهل يقول عاقل إن دين الإسلام ناقص وإن إكماله يكون على يد المهدي أو غيره من هذه الأمة؟ كلا، لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل. ومن ذلك قوله في صفحة (15): "إن رسول الله قال في موقف عرفة، قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده كتاب الله، وفي رواية أخرى وسنتي ولم يقل وتركت من بعدي المهدي". وأقول: لا يخفى ما في هذا الكلام من التلبيس الذي قد يغتر به بعض الناس، وهل وجد ابن محمود لأحد من الناس أنه قال إن المهدي يعتصم به كما يعتصم بالكتاب والسنة حتى يقول ما قال؟! ولو أن ابن محمود تأمل الأحاديث الثابتة في المهدي ونبذ تقليده لرشيد رضا ومحمد فريد وجدي وأحمد أمين وأمثالهم من العصريين وراء ظهره لعلم يقينًا أن المهدي إمام من أئمة العدل الذين يعتصمون بالكتاب والسنة، ويحيون ما أماته الناس من السنن، ويزيلون الجور والظلم، ويبسطون القسط والعدل. ومن ذلك زعمه في صفحة (15) أنه لم يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث صحيح صريح أنه ذكر المهدي باسمه، وأقول لو أن ابن محمود اعتني بالبحث عن الأحاديث الثابتة في المهدي كما اعتنى بتقليد رشيد رضا وأحمد أمين وغيرهما من المنكرين لخروج المهدي لما خفي عليه ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من التصريح باسم المهدي، فقد جاء ذلك في أربع روايات عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- وفي ثلاثة أحاديث عن علي وأبي هريرة وجابر -رضي الله عنهم- وفي حديث موقوف على عليٍّ، وهذه الأحاديث بعضها صحيح وبعضها حسن، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع.1
ومن ذلك أنه في صفحة (15) أورد حديثًا عن معاذ -رضي الله عنه- ولفَّقه من حديثين عن أبي ذر وأبي الدرداء -رضي الله عنهما- ومن حديث عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه-.
ومن ذلك زعمه في صفحة (15) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر حذيفة بأسماء ثلاثين.............

من المنافقين، وهذا لا أصل له، وإنما الثابت أنهم كانوا اثني عشر رجلا. ومن ذلك زعمه في صفحة (15) أن الصحابة كانوا لا يُصلون إلا على من صلَّى عليه حذيفة، وهذا إنما ذكر عن عمر -رضي الله عنه- ولم يذكر عن غيره. ومن ذلك قوله في صفحة (15) أن الصحابة كانوا يسمون حذيفة صاحب السر المكتوم، وهذه التسمية لم أر أحدًا ذكرها سوى ابن محمود، وقد جاء في صحيح البخاري وغيره أن بعض الصحابة كان يسمى حذيفة صاحب السر الذي لا يعلمه غيره. ومن ذلك زعمه في صفحة (16) أن تذكير الناس بأن المهدي حق وأنه سيخرج على الناس لا محالة وأنه يملأ الأرض عدلا، أن هذا لا يزيد في الإيمان ولا في صالح الأعمال ويوقع في الناس الافتتان بين مصدق ومكذب. وأقول: بل الأمر في الحقيقة بخلاف ما زعمه ابن محمود، وقد تقدم بيان ذلك فليراجع في موضعه.1
ومن ذلك زعمه في صفحة (16) أن أحاديث المهدي ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة بل كلها مجروحة وضعيفة، وهذا من مجازفاته ومكابراته. ومن ذلك زعمه في صفحة (16) أن أكثر العلماء المتأخرين من خاصة أهل الأمصار رجَّحوا أن أحاديث المهدي مكذوبة على رسول الله. وأقول: إن هذا الزعم غير صحيح؛ لأن الذين طعنوا في أحاديث المهدي وزعموا أنها غير صحيحة أفراد قليلون من العصريين، وقد ذكرت أناسًا من رؤوسهم في عدة مواضع من هذا الكتاب.2
ومن ذلك زعمه في صفحة (16) أن أحاديث المهدي خرافة سياسية إرهابية، صيغت وصنعت على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، صنعها غلاة الزنادقة لما زال الملك عن أهل البيت، وزعم في صفحة (24) أن المهدي وما يقال فيه وعنه ما هو إلا حديث خرافة يتلقفها واحد عن آخر ويزيد كلٌ فيها ما يريد، وذكر أن هذا هو اعتقاده، وزعم في صفحة (27) أن فكرة المهدي ما هي إلا أحاديث خرافة تلعب بالعقول وتوقع في الفضول، وزعم في صفحة (38) أن نظرية المهدي نظرية..............................................................

خرافية، وزعم في صفحة (58) أن دعوى المهدي هي في الأصل حديث خرافة يتلقفها واحد عن آخر، وزعم في صفحة (62) أن المهدي خرافة، هكذا زعم ابن محمود في هذه المواضع كلها أن المهدي والأحاديث الواردة فيه خرافة، وهكذا جازف وكابر في رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي ووصفها بالصفات الذميمة، أما يخاف الله ويتقيه؟! أما يكون عنده شيء من الورع يحجزه عن الاستخفاف بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟! ومن ذلك زعمه في صفحة (16) أن عبد الله بن سبأ كانت له اليد العاملة في صياغة الحديث والتلاعب بعقول الناس، وكان يقول إن المهدي محمد بن الحنفية، وإنه بعث بعد موته وسكن بجبل رضوى، قال: وسموا بالسبئية، وقال إن كثير عزة سبئي.
وأقول: هذا الزعم لا أساس له من الصحة، والذين كانوا يقولون بإمامة محمد بن الحنفية هم الكيسانية أصحاب المختار بن أبي عبيد الكذاب، وكان كثير عزة كيسانيًا ولم يكن سبئيا كما قد توهم ذلك ابن محمود.
ومن ذلك زعمه في صفحة (18) أن عقيدة المهدي وما يكون من أمره ونشره للعدل في خلال سبع سنين من العقائد الخيالية الدخيلة وليست من عقائد الإسلام والمسلمين.
وأقول: لا يخفى ما في هذا الزعم من المكابرة والاستهانة بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، ومن استهان بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد استهان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - شاء أم أبى.
ومن ذلك زعمه في صفحة (19) أن العلماء من المتقدمين والمتأخرين تنبهوا لرد الأحاديث التي يتلونها ويموهون بها على الناس، فأخضعوها للتصحيح والتمحيص، وبيَّنوا ما فيها من الجرح والتضعيف، وكونها مزورة على الرسول من قبل الزنادقة الكذابين.
وأقول: هذا الزعم غاية في التمويه والتلبيس، ولا أعلم عن أحد من العلماء المتقدمين أنه رد الأحاديث الثابتة في المهدي ولا أخضعها للرد والإطراح الذي يسميه ابن محمود تصحيحًا وتمحيصًا، وإنما فعل ذلك أفراد من العصريين الذين هم سلف ابن محمود وأئمته في معارضة الأحاديث الثابتة في المهدي وإخضاعها..............................................

للرد والإطراح، ومن أكبر الخطأ وأقبح المجازفة زعم ابن محمود أن الأحاديث الثابتة في المهدي مزورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبل الزنادقة الكذابين، وقد ذكرت نموذجًا من الأحاديث الثابتة في المهدي في الرد على هذه الفِرية، فليراجع ذلك في موضعه.1
ومن ذلك إيهامه في صفحة (19) أن ابن القيم قد انتقد أحاديث المهدي كلها وبين معائبها في كتابه "المنار المنيف"، وهذا الإيهام يرده كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف"، وقد ذكرت بعضه في أثناء الكتاب فلتراجع.2
ومن ذلك زعمه في صفحة (19) أن الشاطبي ألحق المهدية بأهل البدع، قال: "ويعني بالمهدية الذين يعتقدون صحة خروج المهدي"، وهذا من التقول على الشاطبي. ومن ذلك زعمه في صفحة (19) وصفحة (20) أن ابن خلدون في مقدمته فحص أحاديث المهدي، وبين بطلان ما يزعمونه صحيحًا منها، فسامها كلها بالضعف وعدم الصحة، وهذا الزعم يرده كلام ابن خلدون في مقدمته، وقد ذكرته في أثناء الكتاب فليراجع.3
ومن ذلك ما نقله في صفحة (20) عن محمد فريد وجدي من الطعن في أحاديث المهدي، وقد زعم محمد فريد أن كثيرًا من أئمة المسلمين قد ضعَّفوا أحاديث المهدي واعتبروها مما لا يجوز النظر فيه "منهم الدارقطني والذهبي"، ولم يبين ذلك بل أوهم أن ذلك من كلام محمد فريد، وهذا ينافي الأمانة في النقل مع ما فيه من التقوُّل على الدارقطني والذهبي.
ومن ذلك قوله في صفحة (21) فقد مضى للملحدين المهديين أمثالها، فأطلق اسم المهديين على الملحدين المدعين للمهدية كذبًا وزورًا، وهذا الإطلاق لا يجوز لأن اسم المهديين إنما يطلق على الخلفاء الراشدين ولا يطلق على غيرهم.

ومن ذلك زعمه في صفحة (21) أن القرمطي وأصحابه دخلوا مكة في سابع ذي الحجة، والصواب أنهم دخلوها في اليوم الثامن. ومن ذلك زعمه في صفحة (21) أن أهل مكة والحجاج قاموا بمخادنة أبي طاهر في بادئ الأمر، ولكن القرامطة كانوا يبيِّتون أمرًا آخر وهو مهادنة الأمراء والرؤساء والاحتكاك بهم حتى يتم لهم مقصودهم من المكر والكفر، فاحتكوا برجال الأمن وقتلوا واحدًا منهم فبدأت الاشتباكات. وأقول: لا أصل لشيء مما ذكره في هذه الجملة، ولم يذكره أحد من المؤرخين الموثوق بهم في النقل. ومن ذلك أنه في صفحة (23) وصف العلماء المتقدمين بالتغفيل، حيث زعم أنهم يغلب عليهم حسن الظن بمن يحدثهم، وزعم أيضًا أن من عادة علماء السنة المتقدمين عمل التساهل فيما يرد من أحاديث أشراط الساعة؛ كأحاديث المهدي، والدجال، ويأجوج ومأجوج، وزعم أنهم لا يتكلفون في نقدها، وهذه المزاعم مردودة على قائلها وعلماء السنة منزهون عنها. ومن ذلك زعمه في صفحة (23) أن أحاديث المهدي متضاربة ومختلفة، وهذا من مجازفاته وأوهامه. ومن ذلك زعمه في صفحة (24) أن المهدي وما يقال فيه وعنه ما هو إلا حديث خرافة يتلقفها واحد عن آخر ويزيد كل واحد فيها ما يريد، وهذا من مجازفاته ومكابراته. ومن ذلك أنه في صفحة (24) وصف العلماء المتقدمين والعلماء الموجودين بالعجز؛ حيث لم يُحذِّروا من القول بخروج المهدي، وزعم أن القول بخروجه من الاعتقاد السيئ، وهذا من مكابراته وتهجمه على علماء أهل السنة. ومن ذلك زعمه في صفحة (24) أن فكرة المهدي والفتنة به لها أسباب سياسية واجتماعية، وغالبها مقتبس من عقائد الشيعة وأحاديثهم، فسرى اعتقادها إلى أهل السنة بطريق العدوى والتقليد الأعمى، وهذا الزعم الباطل مردود، وهو مما أخذه من كلام أحمد أمين وقد تقدم بيان ذلك في موضعه.1
ومن ذلك زعمه في صفحة (25) أن فكرة المهدي وسيرته وصفته لا تتفق مع........

سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته بحال، وهذا الزعم باطل مردود بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في سيرة المهدي وصفته، وقد ذكرت الأحاديث في ذلك في أول الكتاب، فلتراجع.1
ومن ذلك قوله في صفحة (25): "فكيف يسوغ لمسلم أن يصدق به – أي بالمهدي– والقرائن والشواهد تكذب به".
وأقول: لا يخفى ما في هذه الجملة من معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي والاستخفاف بها، وكيف يسوغ لمسلم يؤمن بالله ورسوله أن يعارض الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وينبذها وراء ظهره؟ أما يخشى من فعل هذا أن يصاب بالفتنة أو بالعذاب الأليم؟! ومن ذلك قوله في صفحة (25): "وما هذا التهالك في محبته- أي محبة المهدي- والدعوة إلى الإيمان به؟! وهو رجل من بني آدم ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يوجب الإيمان به"، وهذا كلام باطل مستهجن وقد تقدم الرد عليه في مواضع من هذا الكتاب.
ومن ذلك قوله في صفحة (26): "محاربة علماء الأمصار لاعتقاد ظهور المهدي".
وأقول: لا يخفى ما في هذه الجملة من الإيهام والمجازفة؛ لأن علماء الأمصار قديمًا وحديثًا كانوا يؤمنون بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المهدي ويقابلون أقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقبول والتسليم، وإنما شذ عنهم أفراد قليلون من العصريين المتكلفين الذين هم سلف ابن محمود وقدوته في رد الأحاديث الثابتة في المهدي وقلة المبالاة بها، ولا عبرة بهؤلاء لشذوذهم ومخالفتهم لما عليه أهل السنة والجماعة.
ومن ذلك زعمه في صفحة (26) أن علماء الأمصار- يعني العصريين- متى طرقوا بحثًا من البحوث العلمية التي يقع فيها الجدال فإنهم يشبعون البحث تحقيقًا وتدقيقًا وتمحيصا وتصحيحًا حتى يجعلوه جليًا للعيان وصحيحًا بالدلائل والبرهان.
وأقول: لا يخفى ما في هذه الجملة من المبالغة في مدح العصريين ووصفهم بما لا ينطبق عليهم.

ومن ذلك ما ذكره في صفحة (26) عن العصريين، أنهم قرروا قائلين إن أساس دعوى المهدي مبني على أحاديث محقق ضعفها وكونها لا صحة لها، ولم يأت حديث منها في البخاري ومسلم مع رواج فكرتها في زمنهما، وما ذاك إلا لعدم صحة أحاديثه عندهما. وأقول: هذا هو الذي زعم ابن محمود أنه تحقيق وتدقيق وتمحيص وتصحيح، وهو مأخوذ من كلام رشيد رضا وأحمد أمين، وقد تقدم الجواب عنه في موضعه.1
ومن ذلك زعمه في صفحة (26) أن أحاديث المهدي على فرض صحتها لا تعلق لها بعقيدة الدين، وهذا خطأ مردود؛ لأن كل ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب فالإيمان به واجب، وهو مما يتعلق بعقيدة الدين.
ومن ذلك زعمه في صفحة (26) أن أحاديث المهدي ما هي إلا حكايات عن أحداث تكون في آخر الزمان أو في أوله يقوم بها فلان أو فلان بدون ذكر المهدي، فليست من العقائد الدينية كما زعم دعاتها والمتعصبون لصحتها.
وأقول: هذا زعم باطل مردود بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، وأخبر أنه من أهل بيته، وأنه يعمل بسنته، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا.
ومن ذلك زعمه في صفحة (26) أنه يجب طرح فكرة المهدي وعدم اعتقاد صحته.
وأقول: لا يخفى ما في هذا الكلام الباطل من معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، وأنه سيخرج في آخر الزمان، وما عارض الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه قول سوء، يجب طرحه ورده على قائله.
ومن ذلك قوله في صفحة (26): "وعندنا كتاب الله نستغني به عنه- أي عن المهدي- كما لدينا سنة رسول الله الصحيحة الصريحة".
وأقول: إن فساد هذا القول لا يخفى على الصبيان الأذكياء فضلا عن الرجال العقلاء، وهل يقول عاقل أنه يستغنى بكتاب الله -تعالى- وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن أئمة العدل، الذين يعملون بالكتاب والسنة ويحملون الناس على العمل بهما؟! كلا، لا يقول ذلك عاقل.
ومن ذلك قوله في صفحة (27): "ولعل العلماء الكرام والأكابر من الطلاب........

يقومون بجد ونشاط إلى أبطال فكرة المهدي وفساد اعتقاده وسوء عاقبته عليهم وعلى أولادهم من بعدهم وعلى أئمة المسلمين وعامتهم.
وأقول: لا يخفى ما في هذا الكلام من الحث على معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي ونبذها وإطراحها، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، والله المسئول أن يعيذ المسلمين عامة والعلماء والطلاب خاصة مما دعاهم إليه ابن محمود من معارضة الأحاديث في المهدي.
ومن ذلك زعمه في صفحة (27) أن أحاديث المهدي ما هي إلا أحاديث خرافة، تلعب بالعقول وتوقع في الفضول، وهي لا تتفق مع سنة الله في خلقه ولا مع سنة رسول الله في رسالته، ولا يقبلها العقل السليم، وهذا من مجازفاته ومكابراته في رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي ووصفها بالصفات الذميمة، أما عند الرجل دين يحجزه عن المجازفات والمكابرات والتهجم على أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقلة المبالاة بها؟! ومن ذلك زعمه في صفحة (27) أن الجهل بأحكام الدين وحقائقه وعقائده الصحيحة هو الذي أدى بأهله إلى وضع خمسين حديثًا في المهدي عند أهل السنة.
وأقول: إن الجهل كل الجهل في رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي بدون مستند صحيح، بل مجرد الرأي والتقليد لبعض العصريين الذين يعتمدون على تفكيراتهم الخاطئة في معارضة الأحاديث الثابتة وردّها.
ومن ذلك زعمه في صفحة (27) أن الأحاديث الواردة في المهدي هي التي أفسدت العقول، وهذا من مكابراته، ومن زعم أن شيئًا من الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يفسد العقول فلا شك في فساد تصوره ووقوع الخلل في عقيدته.
ومن ذلك زعمه في صفحة (27) أن علماء الأمصار قاموا بجد ونشاط إلى تحذير قومهم من اعتقاد المهدي وصحة خروجه، وهذا الزعم مبني على التوهم والتمويه؛ لأن أكثر علماء الأمصار كانوا على خلاف ما نسبه إليهم، ولا يعرف إنكار المهدي إلا عن أفراد قليلين من العصريين، وقد ذكرت أسماءهم عند الجواب على هذه الجملة من كلام ابن محمود، فليراجع ذلك في موضعه.1

وفي صفحة (27) أنكر ابن محمود على العلماء الذين يصدعون على رؤوس الناس بصحة خروج المهدي، وزعم أنهم يسيرون في طريق مخالف، وأنهم يحجرون رأي الجمهور على اعتقاد ما تربوا عليه في صغرهم، وما تلقوه عن آبائهم ومشايخهم.
وأقول: إن المُنكَر في الحقيقة هو إنكار ابن محمود على العلماء الذين قابلوا الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرضي والتسليم، وصدعوا على رؤوس الناس بصحة ما جاء فيها من خروج المهدي في آخر الزمان، فهؤلاء هم المصيبون بخلاف الذين عارضوا الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ووصفوها بالصفات الذميمة تقليدًا لبعض العصريين، فهؤلاء هم الذين يسيرون في طريق مخالف لطريق أهل الحق، وهم الذين يحجرون رأي الجمهور على الأقوال الباطلة، ومن المنكر أيضًا رميه العلماء المتمسكين بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي بأنهم يعتقدون ما تربوا عليه في صغرهم، وأنهم يقلدون الآباء والمشايخ، وهذه الصفات لا تنطبق عليهم، وإنما تنطبق على من رماهم بما هم بريئون منه.
ومن ذلك قوله في صفحة (27): "إنهم لو رجعوا إلى التحقيق المعتبر لأحاديث المهدي المنتظر من كتابنا هذا، وفكروا في الأحاديث التي يزعمونها صحيحة ومتواترة وقابلوا بعضها ببعض، لظهر لهم بطريق اليقين أنها ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة، لا باللفظ ولا بالمعنى".
وأقول: أما التحقيق الذي أحال عليه وزعم أنه تحقيق معتبر فليس فيه تحقيق البتة، وإنما هو تخليط وتمويه وتلبيس ومجازفة في معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، ولا تروج أوهامه إلا على ضعفاء البصيرة.
ومن ذلك ما ذكره في صفحة (28) عن بعض العلماء أنهم يشمأزون وتشتد كراهيتهم لرسائل العصريين وبحوثهم التي يعالجون فيها إنكار خروج المهدي في آخر الزمان، ثم زعم أن من واجبهم تلقِّي هذه العلوم والبحوث بالرحب وسعة الصدر، والتدبر والتفكر في مدلولها، والتزود مما طاب منها، ليزدادوا علمًا إلى علمهم.
وأقول: لا يخفى ما في هذا الكلام الباطل من الحث على معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكذيب أخباره الصادقة عن المهدي، وما كان معارضًا للأحاديث الثابتة أو داعيًا إلى معارضتها فهو جهل صرف، وليس فيه علم نافع..............................

يتزود منه، والعلماء الذين يشمأزون وينفرون وتشتد كراهيتهم للرسائل والبحوث التي يعالج أصحابها إنكار خروج المهدي في آخر الزمان هم المصيبون، ومن أنكر ذلك عليهم فقوله هو المنكر في الحقيقة. ومن ذلك أنه في صفحة (29) وضع عنوانًا سماه "عقيدة المسلم مع المهدي" قرر فيه إنكار خروج المهدي، وزعم أن ذلك هو الحق الذي يعتقده ويدعو الناس إلى العلم به والعمل بموجبه، وهذا التقرير لا يطابق العنوان، وإنما المطابق له أن يقول: "عقيدة المنكرين للمهدي". ومن ذلك قوله في صفحة (29): "لقد علق بعقائد العامة وبعض العلماء وجود مهدي في عالم الغيب، لا يعلمون مكانه ولا زمانه، فمنهم من يؤمن به ويصدق بظهوره وينكر على من أنكره، ومنهم من ينكر وجود المهدي بتاتًا، ويطعن في صحة الأحاديث الواردة فيه، ويزعم بأنها مصنوعة ومكذوبة على رسول الله". وأقول: إن علماء أهل السنة وعوامهم قديمًا وحديثًا يؤمنون بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خروج المهدي في آخر الزمان، وفي علوق وجود المهدي بعقائدهم دليل على تحقيقهم للشهادة بالرسالة، وأما كون المهدي في عالم الغيب الآن فذلك لا ينفي خروجه إلى عالم الحس والمشاهدة في آخر الزمان، وليس العلم بمكان المهدي وزمانه شرطًا من شروط الإيمان بخروجه كما قد توهم ذلك ابن محمود، ومن أنكر وجود المهدي بتاتًا، وطعن في صحة الأحاديث الثابتة فيه، وزعم أنها مصنوعة ومكذوبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا شك أنه مكابر ومعرِّض نفسه للفتنة أو العذاب الأليم، لقول الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ومن ذلك قوله في صفحة (29): "إن الحق الذي يعتقده ويدعو الناس إلى العلم به والعمل بموجبه هو أنه لا مهدي بعد رسول الله كما أنه لا نبي بعده". وأقول: لا شك أنه قد اعتقد الباطل المخالف للكتاب والسنة والإجماع، ودعا الناس إلى اعتقاده، وقد تقدم بيان ذلك في أول الكتاب فليراجع.1
ومن ذلك قوله في صفحة (29): "إن المهدي ليس بملك معصوم ولا نبي مرسل".

وأقول: قد كرر ابن محمود قوله إن المهدي ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل.
وهذا التكرار مستهجن ولا حاصل تحته، وقال في هذا الموضع: إنه ليس بملك معصوم، ولم أر أحدًا سبقه إلى وصف الملائكة بهذه الصفة وإن كانوا معصومين عن الكبائر والصغائر.
ومن ذلك زعمه في صفحة (29) أن كل الأحاديث الواردة فيه – أي في المهدي– ضعيفة ويترجح بأنها موضوعة على لسان رسول الله ولم يُحدِّث بها، وهذا من مجازفاته وأخطائه.
ومن ذلك أنه في صفحة (29) وضع عنوانًا سماه "مقام المسلم من المهدي" قرر فيه أنه لا يجب الإيمان الجازم بخروجه، وأنه لا ينكر على من أنكره، وإنما يتوجه الإنكار على من قال بصحة خروجه، وهذا التقرير لا يطابق العنوان؛ لأن مقام المسلم من المهدي لا بد أن يكون بالإيمان بخروجه في آخر الزمان، لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في عدة أحاديث من الصحاح والحسان تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع1، وبالجملة فمقام المسلم من المهدي على خلاف ما زعمه ابن محمود.
ومن ذلك زعمه في صفحة (30) أنه ليس من عقيدة الإسلام والمسلمين الإيمان به – أي بالمهدي–، وهذا قول باطل مردود؛ لأن خروج المهدي ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكل ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بوقوعه فالإيمان به من عقائد المسلمين.
ومن ذلك تغليطه للسفاريني في صفحة (30) حيث أدخل الإيمان بالمهدي في عقيدته، وابن محمود هو الغالط في الحقيقة، حيث أنكر ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الإخبار بخروج المهدي في آخر الزمان.
ومن ذلك زعمه في صفحة (30) أن دعوى المهدي في مبدئها للشيعة، وأن بعض أهل السنة اقتبسوا هذا الاعتقاد من الشيعة، وهذا خطأ ظاهر.
ومن ذلك زعمه في صفحة (30) أن دعوى المهدي ليست من عقيدة أهل السنة، وهذا خطأ؛ لأنه قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروج للمهدي في آخر الزمان، وما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو حق يجب الإيمان به، وهو داخل في عقائد أهل السنة، سواء ذكره العلماء في كتب العقائد أو لم يذكروه.

وفي صفحة (31) استدل على إنكار خروج المهدي بأنه لم يذكر في القرآن ولا في صحيح البخاري ومسلم، وهذا الاستدلال باطل، وهو مما قلد فيه رشيد رضا وأحمد أمين والمستشرق دونلدسن، وقد تقدم الجواب عنه في أثناء الكتاب فليراجع.1
ومن ذلك زعمه في صفحة (31) أن أحاديث المهدي بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وكلها متخالفة ومضطربة ينقض بعضها بعضًا، وهذا من أقبح المجازفات والمكابرات، وكيف يستجيز المسلم أن يجعل الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، التي هي أو غالبها قصص خيالية مكذوبة؟! أما يخشى ابن محمود أن يصاب بالفتنة أو بالعذاب الأليم على استخفافه بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخباره الصادقة؟! ومن ذلك زعمه في صفحة (31) أنه لم يكن من هدي رسول الله ولا من شرعه أن يحيل أمته على التصديق برجل في عالم الغيب، وهو من أهل الدنيا ومن بني آدم، وهذا خطأ مردود بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر عن رجال كثيرون ممن مضى من الأنبياء وغيرهم، وأخبر عن رجال كثيرين يكونون في آخر الزمان؛ ومنهم نبي الله عيسى -عليه الصلاة والسلام- ومنهم المهدي، والقحطاني، والجهجاه، والخليفة الذي يحثو المال حثوًا، والدجال، ويأجوج ومأجوج، والمؤمن الذي يقتله الدجال ثم يحييه، فمن لم يصدق بخروج هؤلاء في آخر الزمان فلا شك أنه فاسد العقيدة.
ومن ذلك استهزاؤه وسخريته بالمهدي، حيث قال في صفحة (32): "وهل هو يؤيد بالخوارق والمعجزات، أو بالأحلام والمنامات؟ وهل تنزل معه الملائكة تحارب معه، أو الجن تسخر له كما سخرت لداود؟ " وأقول: إنه لمن المستغرب جدًا مقابلته للأحاديث الواردة في المهدي بالسخرية والاستهزاء، أما فيه دين يحجزه عن الاستخفاف بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟! وأقول أيضًا: إن الجن لم تسخر لداود، وإنما سخرت لسليمان، وإذا كان هذا قد خفي على ابن محمود مع أنه مذكور في القرآن، فمن باب أولى أن تخفى عليه الأحاديث الثابتة في المهدي، وأن يتهجم عليها ويقابلها بالسخرية والاستهزاء.
ومن ذلك زعمه في صفحة (32) أنهم يوم أحد دلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في حفرة ظنوه ميتًا، وهذا غير صحيح.

ومن ذلك زعمه في صفحة (32) وصفحة (33) أن جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، علماؤهم وعامتهم، متفقون على قتال من يدعي أنه المهدي؛ لاعتقادهم أنها دعوى باطلة لا صحة لها، ولا يزالون يقاتلون من يدعي أنه المهدي حتى تقوم الساعة. وأقول: هذه مجازفة مردودة، وقد تقدم التنبيه على بطلانها في أول الخاتمة فليراجع.1
ومن ذلك قوله في صفحة (33) وصفحة (34): "إن الدين كامل بوجود رسول الله ونزول كتاب الله، ولم يخلف رسول الله شيئًا منه لا في السماء ولا في الأرض، لهذا صرنا في غنى وسعة عن دين يأتي به المهدي، فلا مهدي بعد رسول الله كما لا نبي بعده". وأقول: قد كرر ابن محمود هذا الكلام المستهجن في عدة مواضع، وزاد في هذا الموضع قوله: ولم يخلف رسول الله شيئًا منه – أي من الدين– لا في السماء ولا في الأرض، وقد تقدم الجواب عن هذا في أثناء الكتاب فليراجع.2
ومن ذلك زعمه في صفحة (34) أن أحاديث المهدي، مع أحاديث الدجال، والدابة، ويأجوج ومأجوج، وأحاديث الفتن، كل هذه لا يتعرض لها نقاد الحديث بتصحيح ولا تمحيص، وأنها أحاديث مبنية على التساهل، ويدخل فيها الكذب والزيادات والمدرجات والتحريفات.
وأقول: هذه مجازفة لا أساس لها من الصحة.
ومن ذلك زعمه في صفحة (34) أن ابن خلدون حكم على أحاديث المهدي بالضعف، وهذا مما قلد فيه رشيد رضا، وليس الأمر على ما زعمه رشيد رضا وابن محمود؛ لأن ابن خلدون لما نقد أحاديث المهدي استثنى منها القليل أو الأقل منه فليراجع ذلك في آخر كلامه على أحاديث المهدي في مقدمته.
ومن ذلك زعمه في صفحة (35) أن ابن القيم ذكر في كتابه "المنار المنيف"...........

فصول الكتاب · 4 فصل · 411 صفحة
جارٍ التحميل