أهل الأثرالأرشيف العلمي

تخرصات العصريين في يأجوج ومأجوج وسد ذي القرنين.

صفحات 310-349

فمنهم من ينكر وجود السد، ومستندهم في ذلك ما يزعمه بعض الناس أن السائحين من دول الكفر قد اكتشفوا الأرض كلها فلم يروا سد ذي القرنين، وهذا في الحقيقة تكذيب بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن السد، والتكذيب بما أخبر الله به في كتابه كفر وظلم، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾، والتكذيب بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفر أيضًا؛ لأن تكذيبه ينافي الشهادة بالرسالة، ويلزم عليه تكذيب قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» وفي هذا الحديث دليل على وجوب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب، ما مضى منها وما سيكون قبل قيام الساعة وبعد قيامها، ومن ذلك اندكاك السد في آخر الزمان، وخروج يأجوج ومأجوج على الناس، ومن لم يؤمن بهذا فهو داخل في حكم هذا الحديث الصحيح، والله أعلم.
قال القاضي عياض في كتابه "الشفاء": " اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه، أو سبهما، أو جحده، أو حرفًا منه، أو آية، أو كذب به، أو بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه أو نفي ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك، فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ " انتهى.

وقال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" ما نصه: "السد حق ثابت، ولا ينفتح ليأجوج ومأجوج إلا قرب الساعة، فمن قال بعدم وجود سد على وجه الأرض، ومستنده في ذلك قول الكشافين من النصارى، وأنهم لم يعثروا عليه يكفر، وقد وقع للشيخ عبد الرحمن قاضي المرج مع متصرف بني غازي، فإنه قال في جمع عظيم إنه لا سد في الأرض موجود، لأخبار السائحين في الأرض من النصارى، فقام الشيخ عبد الرحمن إليه أمام الحاضرين وقال: كفرت، تصدق الكشافين وتكذيب رب العالمين، ثم تدارك المتصرف نفسه وقال: إنما قلت ذلك على طريق الحكاية عنهم، ولست معتقدًا لذلك، قال الكافي: ولا يكون قول الكشافين شبهة تنفي عنه الكفر؛ لأنه لو كان إيمانه ثابتًا لما ترك قول الله -تعالى- وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - المستحيل عليهما الكذب وتبع قول من لا دين له".
انتهى.
ومن العصريين من يزعم أن يأجوج ومأجوج هم جميع دول الكفر، وقد صرح الشيخ محمد بن يوسف الكافي بتكفير من قال ذلك كما سيأتي في كلامه قريبًا -إن شاء الله تعالى-، ووجه القول بتكفير من قال به أنه يلزم عليه تكذيب ما أخبر الله به في كتابه عن السد، وأنه قد حال بين يأجوج ومأجوج وبين الخروج على الناس، وأن يأجوج ومأجوج ما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، وأنه إذا جاء وعد الرب -تبارك وتعالى- أي في آخر الزمان إذا دنا قيام الساعة - جعله دكاء فخرجوا على الناس، وذلك بعد ما ينزل عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- إلى الأرض ويقتل الدجال، وقد جاء ذلك صريحًا في عدة أحاديث صحيحة؛ منها حديث النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- وقتله الدجال، قال: «فبينما هو كذلك إذ أوحي الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة» الحديث رواه الإمام أحمد.....

ومسلم والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح".
ومنها حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر الدجال ونزول عيسى -عليه الصلاة والسلام- وفيه: «فبينما هم كذلك إذا أخرج الله يأجوج ومأجوج» الحديث رواه الحاكم وابن مندة في كتاب الإيمان، قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي، وقال ابن كثير في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: في إسناد ابن مندة، هذا إسناد صالح".
ومنها حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى -عليهم السلام- فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إليَّ ربي - عز وجل- أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافر فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم، حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلي ربي - عز وجل- أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المُتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادها ليلا أو نهارًا» رواه الإمام أحمد وابن ماجة وابن جرير والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وزاد ابن ماجة والحاكم فيه قال العوام - وهو ابن حوشب أحد رواته -: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله - عز وجل- ثم قرأ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾.
وفي هذه الأحاديث دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون بعد نزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام-، وذلك عند اقتراب الساعة كما هو منصوص عليه في قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ أي دنا قيام الساعة، وفي هاتين الآيتين مع الأحاديث التي تقدم ذكرها أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج هم دول................................................

الكفر في آسيا وأوربا وأمريكا وغيرها من بلاد المشركين؛ لأن هؤلاء الكفرة لم يزالوا مختلطين بالناس ولم يكن بينهم وبين الناس سد من حديد يحول بينهم وبين الخروج على الناس.
ومما يُرد به أيضًا على المتخرصين الزاعمين أن يأجوج ومأجوج هم دول الكفر، ما جاء في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري -رضي الله عنه- قال: اطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - علينا ونحن نتذاكر فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر الساعة، قال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات؛ فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم -صلى الله عليه وسلم-، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخِر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم واللفظ له، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وعن واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه، رواه الطبراني والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وفي هذين الحديثين دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون قبيل قيام الساعة، وأن خروجهم من جملة الآيات الكبار المؤذنة باقترابها.
وقد قال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" ما نصه "المسألة الثانية والثلاثون": "يأجوج ومأجوج هم أناس بالغون في الكثرة عددًا لا يعلمه إلا الله -تعالى-، ولا يستطيع أحد مقاومتهم عند خروجهم من السد لكثرتهم، وهم مفسدون في الأرض كما أخبر الله -تعالى- عنهم، وهم الآن محازون عن غيرهم بالسد الذي بناه ذو القرنين، وخروجهم علامة على قيام الساعة، فمن قال واعتقد أن يأجوج ومأجوج هم أوربا يكفر لتكذيبه الله -تعالى- في خبره: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، قال حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾: "فحينئذ يخرجون (وهم) يعني يأجوج ومأجوج، (من كل حدب) من كل أكمة ومكان مرتفع، (ينسلون) يخرجون، (واقترب الوعد الحق) دنا قيام الساعة عند خروجهم من..................

السد"، وأخرج ابن جرير عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: "لو أن رجلا اقتنى فلوًا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة" انتهى.
ومن أغرب أقوال العصريين ما زعمه طنطاوي جوهري في تفسيره أن يأجوج ومأجوج هم التتار، الذين خرجوا على المسلمين في أثناء القرن السابع من الهجرة وما بعده، ولو كان الأمر على ما زعمه هذا المتخرص المتأول لكتاب الله -تعالى- على غير تأويله، لكان الدجال قد خرج في أول القرن السابع من الهجرة قبل خروج التتار على المسلمين، ولكان عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- قد نزل من السماء وقتل الدجال قبل خروج التتار، ولكان سد ذي القرنين قد دك في ذلك الزمان، ولكان أوائل التتار قد شربوا بحيرة طبرية وآخرهم لم يجدوا فيها ماء، ولكانوا قد حصروا نبي الله عيسى وأصحابه حتى دعا عليهم فأرسل الله عليهم النغف في رقابهم فأصبحوا فرسى كموت نفس واحدة، ولكانت الساعة قد قامت منذ سبعة قرون؛ لما جاء في حديث الحسن عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثم يجيء عيسى فيقتل الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة» رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين والطبراني، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح"، وفي حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- الذي تقدم ذكره قريبًا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا أمر الساعة» فذكر الحديث في خروج الدجال وقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، ودعاء عيسى عليهم فيهلكهم الله، ثم ذكر عن عيسى أنه قال: ففيما عهِد إلي رب - عز وجل- أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتم التي لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارًا.
وعن سبيع - وهو ابن خالد - عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: " كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير وأسأله عن الشر... فذكر الحديث وفيه: قال «ثم يخرج الدجال» قال: قلت: فبِم يجيء به معه؟ قال: «بنهر، أو قال ماء ونار، فمن دخل نهره حط أجره ووجب وزره، ومن دخل ناره وجب أجره وحط وزره»، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: «لو أنتجت فرسًا لم تركب فلوها حتى تقوم الساعة» " رواه الإمام أحمد بإسناد جيد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.

وإذا لم يقع شيء من الأمور العظام التي ذكرنا، فمن أبطل الباطل وأقبح الجهل والتخرص واتباع الظن ما جزم به طنطاوي جوهري في قوله إن يأجوج ومأجوج هم التتار الذين خرجوا على المسلمين في أثناء القرن السابع من الهجرة وما بعده، وقد تبعه على باطله وجهله صاحب "دليل المستفيد، على كل مستحدث جديد" فزعم أن التتار هم أوائل يأجوج ومأجوج، وزعم في موضع آخر من كتابه أن يأجوج ومأجوج قد تفرقوا في الأرض وصاروا دولا في آسيا وأوربا وأمريكا، وقد تقدم عن الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي أنه صرَّح بتكفير من قال بهذا القول، ومن المعلوم عند كل عاقل أن دول آسيا وأوربا وأمريكا لم تزل في أماكنها منذ زمان طويل، وأنه ليس بينهم وبين غيرهم سد من حديد يمنعهم من الخروج والاختلاط بغيرهم من الناس.
فصفة يأجوج ومأجوج لا تنطبق على الدول المعروفة الآن، وقد تقدم في عدة أحاديث صحيحة أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون بعد نزول عيسى -عليه الصلاة والسلام- وقتل الدجال، وأنهم لا يمكثون بعد خروجهم على الناس إلا مدة يسيرة، ثم يدعو عليهم نبي الله عيسى فيهلكهم الله جميعًا كموت نفس واحدة، فهم بلا شك أمة عظيمة، قد حيل بينهم وبين الخروج على الناس بالسد الذي بناه ذو القرنين، وهذا السد لا يندك إلا إذا دنا قيام الساعة، كما أخبر الله بذلك في كتابه العزيز.
وأما كون السائحين في الأرض لم يروا يأجوج ومأجوج ولا سد ذي القرنين، فلا يلزم منه عدم السد ويأجوج ومأجوج، فقد يصرف الله السائحين عن رؤيتهم ورؤية السد، وقد يجعل الله فوق السد ثلوجًا متراكمة بحيث لا تمكن رؤية السد معها، أو يجعل الله غير ذلك من الموانع التي تمنع من رؤية يأجوج ومأجوج ورؤية السد.
والواجب على المسلم الإيمان بما أخبر الله به في كتابه عن السد ويأجوج ومأجوج، وما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، ولا يجوز للمسلم أن يتكلف ما لا علم له به، ولا يقول بشيء من أقوال المتكلفين المتخرصين، بل ينبذها وراء ظهره ولا يعبأ بشيء منها.
والمقصود ههنا بيان أن إنكار السد ويأجوج ومأجوج بالكلية كفر بلا شك، لما في ذلك من تكذيب ما أخبر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عن السد ويأجوج ومأجوج، وأما الاعتراف بوجود السد في قديم الزمان، والقول بزواله بعد زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -،.........................

وخروج يأجوج ومأجوج واختلاطهم بالناس، فهذا أخف من القول الأول لما فيه من التأويل، ولا ينبغي أن يطلق الكفر على قائله، ولكن لا يجوز اعتقاده؛ لأنه قول باطل مخالف لما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن السد، أنه لا يندك إلا إذا دنا قيام الساعة، وأن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون بعد نزول عيسى وقتل الدجال.
فصل قال ابن محمود في صفحة (74، 75، 76) الحديث عن يأجوج ومأجوج، "لقد أكثر السفاريني في كتابه "لوائح الأنوار" من أحاديث يأجوج ومأجوج على صفة ما عمله في أحاديث المهدي؛ لأنه حاطب ليل يجمع الغث والسمين والصحيح والسقيم، ونحن نسوق لك قليلا من كثير من أحاديثه التي ذكرها منها حديث: «إن منهم من طوله مائة وعشرون ذراعًا، ومنهم من طوله قدر شبر، ومنهم من يفترش شحمة أذنه ويلتحف بالأخرى»، وحديث: «إنه لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من أولاده»، وأحاديث تصفهم بصفة الإرهاب، وأن لهم أنيابًا كالسباع وقرون، ونقل عن كعب الأحبار في صفة بدء خلقهم: وذلك أن آدم احتلم فاختلط ماؤه بالتراب، فخلق منه يأجوج ومأجوج، قال: فهم إخوتنا لأبينا.
كل هذه وما هو أكثر منها ذكرها السفاريني، ويأجوج ومأجوج قد أخبر الله عنهم في كتابه مما لا شك فيهم، فقال -سبحانه-: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ﴾، فالمسلمون يصدقون في وجودهم بلا شك، ولكنهم يخوضون في أمرهم، وفي مكان وجودهم، وفي صفة خلقهم، مع علمهم أنهم من نسل آدم بل ومن ذرية نوح، وأوصافهم لا تنطبق على أوصاف الملائكة، ولا على أوصاف بني آدم، ولا يدرون كيف يخرجون على الناس، أينزلون عليهم من السماء أم ينبعون من الأرض؟! لعلمهم أن الناس قد اكتشفوا سطح الأرض كلها فلم يروهم ولم يروا سدًا، وتسلط بعض الملاحدة على التكذيب بالقرآن من أجلهم، وقالوا: إن القرآن يذكر أشياء لا وجود لها، فبينما هم كذلك في غمرة من الجهل ساهون إذ طلع عليهم نور هداية ودلالة، يحمله علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي -رحمه الله- ويخبرهم عن حقيقة فتح يأجوج ومأجوج قائلا: لا تبعدوا النظرة...................................................

ولا تسرحوا في الفكرة، فإن يأجوج ومأجوج عن أيمانكم وعن شمائلكم ومن خلفكم، فما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، والتي تداعي عليكم كتداعي الأكلة على قصعتها، وقد أقبلوا عليكم من كل حدب ينسلون، حين استدعاهم استنشاق رائحة البترول في بلدان العرب المسلمين، وهذا هو حقيقة الفتح لهم، والذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري ومسلم، عن زينب بنت جحش قالت: خرج علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فزعًا قد احمرَّ وجهه، وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا» وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، فقلنا: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: «نعم، إذا كثر الخبث».
وكان ابتداء حركتهم في ظهورهم على المسلمين، من غزوة مؤتة حين غزاهم المسلمون لدعوتهم إلى الإسلام، ثم صار ظهورهم يزداد عامًا بعد عام.
وقد روي الإمام أحمد وأبو داود، عن ثوبان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تداعت الأكلة على قصعتها»، قالوا: يا رسول الله، أمِن قلة نحن يومئذ؟! قال: «لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ينزع الله مهابة عدوكم منكم، ويسكنكم مهابتهم، ويلقي في قلوبكم الوهن»، قالوا: وما الوهن، يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا، وكراهة الموت».
ولما أخرج الشيخ عبد الرحمن بن سعيد -رحمه الله- رسالته في تحقيق أمر يأجوج ومأجوج على صفة ما ذكره في تفسيره واستنباطه، أنكر عليه بعض العلماء ذلك واتهموه بأنه يُكذِّب بالقرآن، واستدعي للمحاكمة زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن -رحمه الله- فبرهن عن حقيقة رسالته، وأنها تصدق القرآن وتزيل اللبس والشك عنه، وترد على الملحدين قولهم وسوء اعتقادهم، لهذا تبين للعلماء حسن قصده، وزال عن الناس ظلام الأوهام وضلال أهل الزيغ والبهتان، وصار لهذه الرسالة الأثر الكبير في إخماد نار الفتنة بيأجوج ومأجوج، حتى استقر في أذهان العلماء والعوام صحة ما قاله بمقتضى الدليل والبرهان، ونحن نسوق فقرات من رسالته للاتعاظ بها والانتفاع بعلمها".
والجواب: أن يقال: أما قول ابن محمود في السفاريني: إنه حاطب ليل يجمع الغث والسمين والصحيح والسقيم، فهو مما ينطبق عليه المثل المشهور وهو قولهم: "يرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع في عينه"، فابن محمود أولى أن يوصف بأنه حاطب ليل ولا سيما في رسالته في المهدي ويأجوج ومأجوج، فقد جمع فيها................................

من الغث والسقيم ما يتنزه عنه كل من له عقل ودين، وهي مع هذا خالية من السمين والصحيح لأنها كلها أخطاء من أولها إلى آخرها وقد تقدم إيضاح ذلك عند كل فقرة من كلامه.
وأما الأحاديث التي ساقها ابن محمود من كتاب السفاريني وأنكر عليه ذكرها في كتابه وقال أنه حاطب ليل.
فالجواب: أن يقال: أما الأحاديث المنكرة في صفات يأجوج ومأجوج فقد ذكرها ابن جرير والبغوي والقرطبي في تفاسيرهم، وذكرها القرطبي أيضًا في التذكرة، وذكرها غيرهم من أكابر العلماء، فمن أنكر على السفاريني وزعم أنه حاطب ليل من أجل أنه ذكرها، فلينكر على من ذكرها قبله من أكابر العلماء، وليصفهم بما وصف به السفاريني، ولا يجعل التحامل خاصًا بالسفاريني.
وأما الحديث الذي فيه: «إنه لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من أولاده» فقد رواه الطبراني في الأوسط من حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- مرفوعًا، وفيه بعض الصفات المنكرة مما قيل في يأجوج ومأجوج، قال الهيثمي: "فيه يحيى بن سعيد العطار وهو ضعيف"، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "أخرجه ابن عدي وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، وهو من رواية يحيى بن سعيد العطار عن محمد بن إسحاق عن الأعمش، والعطار ضعيف جدًا، ومحمد بن إسحاق، قال ابن عدي: ليس هو صاحب المغازي، بل هو العكاشي، قال: والحديث موضوع، وقال ابن أبي حاتم: منكر".
قال الحافظ ابن حجر: "لكن لبعضه شاهد صحيح أخرجه ابن حبان من حديث ابن مسعود رفعه: «إن يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم لصلبه ألفًا من الذرية»، وللنسائي من رواية عمرو بن أوس عن أبيه رفعه: «إن يأجوج ومأجوج يجامعون ما شاءوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا»، وأخرج الحاكم وابن مردويه من طريق عبد الله بن عمرو: «إن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم، ووراءهم ثلاث أمم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا»، وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عبد الله بن سلام مثله".
انتهى المقصود مما ذكره الحافظ ابن حجر، وحديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- الذي ذكره الحافظ ابن حجر قد رواه عبد الرازق في مصنفه، والحاكم في المستدرك من طريقين، قال في كل منهما: "صحيح..........................

على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وروى أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنهم لو أرسلوا على الناس لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحد إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا»، ورواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق أبي داود الطيالسي، قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وأما الحديث الذي فيه أن منهم من طوله مائة وعشرون ذراعًا، ومنهم من طوله قدر شبر، ومنهم من يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، أو أن لهم قرونًا وأنيابًا مثل السباع، فكل هذه من الأحاديث الموضوعة، فلا يعول على شيء منها.
والصحيح ما قاله ابن كثير -رحمه الله تعالى- إنهم من بني آدم، وإنهم على أشكالهم وصفاتهم، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد والطبراني عن ابن حرملة، عن خالته -رضي الله عنها- قالت خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب، فقال: «إنكم تقولون لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى يخرج يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه صغار العيون صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة»، قال الهيثمي: "رجالهما رجال الصحيح".
الشعاف: الشعور.
وأما ما نقل عن كعب الأحبار في صفة بدء خلقهم، وأن أدم احتلم فاختلط ماؤه بالتراب فخلق منه يأجوج ومأجوج، فهو قول باطل مردود؛ لأن الله -تعالى- قال مخبرًا عن نوح -عليه الصلاة والسلام-: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، فدلت هذه الآية الكريمة على أن يأجوج ومأجوج من ذرية نوح -عليه الصلاة والسلام-، وقد روى الحاكم في مستدركه، عن سعيد بن المسيب أنه قال: "ولد نوح -عليه الصلاة والسلام- ثلاثة؛ سام، وحام، ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم وفي كل هؤلاء خير، وولد حام السودان والبربر والقبط، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج"، ورواه البزار في مسنده من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة -رضي الله عنه مرفوعًا: «وُلِدَ لنوح سام وحام ويافث، فوُلِدَ لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم، وولد لحام القبط والبربر والسودان»، في إسناده محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي عن أبيه، وكلاهما ضعيف، قال ابن كثير: "والمحفوظ عن سعيد من قوله، وهكذا روي عن وهب بن منبه مثله".
انتهى.

وقال ابن كثير أيضًا: "من زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم فاختلطت بالتراب فخلقوا من ذلك، وأنهم ليسوا من حواء، فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النواوي في شرح مسلم وغيره وضعفوه، وهو جدير بذلك إذ لا دليل عليه، بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن، وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدًا، فمنهم من هو كالنخلة السحوق، ومنهم من هو في غاية الصغر، ومنهم من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالأخرى، فكل هذه أقوال بلا دليل ورجم بالغيب بغير برهان، والصحيح أنهم من بني آدم وعلى أشكالهم وصفاتهم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن»، وهذا فيصل في هذا الباب وغيره".
انتهى.
وأما قوله: فالمسلمون يصدقون في وجودهم بلا شك، ولكنهم يخوضون في أمرهم، وفي مكان وجودهم، وفي صفة خلقهم، مع علمهم أنهم من نسل آدم، بل ومن ذرية نوح.
فجوابه: أن يقال: من آمن بما أخبر الله به في كتابه عن يأجوج ومأجوج لم يشك أنهم من وراء السد الذي بناه ذو القرنين، وقد أخبر الله عنهم أنهم ما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، وأنه إذا جاء وعد الرب -تبارك وتعالى- جعله دكاء فخرجوا على الناس، وذلك في آخر الزمان بعد نزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- وقتله الدجال، كما جاء في حديث النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله -تعالى- يوحي إلى عيسى بإخراج يأجوج ومأجوج، وقد تقدم هذا الحديث قريبًا، وحديث حذيفة وابن مسعود -رضي الله عنهما- بمعناه.
وأما قوله: وفي صفة خلقهم.
فجوابه: أن يقال: إنما يخوض في صفة خلق يأجوج ومأجوج من لا يعلم أنهم من بني آدم، فأما من علم أنهم من بني آدم فإنه لا يبقى عند شك أنهم على أشكال بني آدم وصفاتهم.
وأما قوله: وأوصافهم لا تنطبق على أوصاف الملائكة ولا على أوصاف بني آدم، ولا يدرون كيف يخرجون على الناس، أينزلون عليهم من السماء أم ينبعون من الأرض؟!

فجوابه: أن يقال: لا يخفى ما في هذا الكلام من التخليط الذي يتنزه عنه كل عاقل، فأما أوصاف الملائكة فمن أين لابن محمود العلم بها حتى يقول إن أوصاف يأجوج ومأجوج لا تنطبق عليها، وأما أوصاف بني آدم فقد قال ابن محمود إن يأجوج ومأجوج من نسل آدم ومن ذرية نوح، ولا يخفى على عاقل أن أوصاف بني آدم وأشكالهم متقاربة، وإنما يختلفون في الألسنة والألوان، وحسن الوجوه أو قبحها.
وأما قوله: ولا يدرون كيف يخرجون على الناس.
فجوابه: أن يقال: إن خروجهم على الناس في آخر الزمان لا يختلف عن خروج غيرهم من بني آدم، وإنما يكون ذلك إذا جعل الله السد دكاء كما قال الله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين أنه قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾، وقد أخبر الله عنهم أنهم من كل حدب ينسلون؛ أي يسرعون.
وأما قوله: أينزلون من السماء أم ينبعون من الأرض؟! فجوابه: أن يقال: لا يظن بأحد من المسلمين أنه يقول بهذا القول المستهجن؛ لأن يأجوج ومأجوج ليسوا ملائكة ينزلون من السماء، وليسوا ماء ولا غيره من المعادن السائلة التي تنبع من الأرض.
وأما قوله: لعلمهم أن الناس قد اكتشفوا سطح الأرض كلها، فلم يروهم ولم يروا سدًا.
فجوابه: أن يقال: الصواب أن يقال: سطح الأرض كله، ويقال أيضًا: إن قدرة بني آدم تعجز عن اكتشاف سطح الأرض كله، ولو قدر أنهم اكتشفوه فقد يصرف الله السائحين عن رؤية يأجوج ومأجوج ورؤية السد، لما له في ذلك من الحكمة.
والمقصود هنا بيان أنه يجب الإيمان بما أخبر الله به في كتابه عن السد ويأجوج ومأجوج، وأن يأجوج ومأجوج ما اسطاعوا أن يظهروا السد وما استطاعوا له نقبًا، وأنه إذا جاء وعد الرب -تبارك وتعالى- جعله دكاء، قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في الكلام على قول الله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين أنه قال: " ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾؛ أي الوقت الذي قدر خروجهم على الناس في آخر الزمان، ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾؛ أي مساويًا......................

للأرض، ولا بد من كون هذا، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، كما قال -تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الآية، ولهذا قال ههنا: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾؛ يعني يوم فتح السد على الصحيح". انتهى. ويجب أيضًا الإيمان بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث الصحيحة، عن النواس بن سمعان وابن مسعود وحذيفة -رضي الله عنهم- أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون على الناس بعد نزول عيسى ابن مريم وقتل الدجال، وقد قال الله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، فدلت الآيتان على أن فتح يأجوج ومأجوج إنما يكون عند اقتراب الساعة، وقد جاء في حديث حذيفة بن أسيد، وحديث واثلة بن الأسقع، أن خروج يأجوج ومأجوج من الآيات العشر الدالة على اقتراب الساعة، وقد تقدم إيراد الحديثين قريبًا فليرجع إليهما.1
وأما قوله: وتسلط بعض الملاحدة على التكذيب بالقرآن من أجلهم، وقالوا إن القرآن يذكر أشياء لا وجود لها.
فجوابه: أن يقال: إن الملاحدة قد تسلطوا على تكذيب القرآن في أشياء كثيرة غير السد ويأجوج ومأجوج، ولا سيما معجزات الأنبياء وما أيدهم الله به من خوارق العادات؛ مثل انشقاق القمر، وفلق البحر لموسى حتى صار كل فرق كالطود العظيم، وجعل العصا حية تسعى، وتفجير العيون من الحجر الصغير الذي يحمل على الدابة، وإهلاك الأحباش بالأحجار التي تحملها الطير في مناقيرها وأرجلها، إلى غير ذلك من المعجزات والخوارق التي لا تحتملها عقول الملاحدة، فلا يستكثر منهم التكذيب بوجود السد ويأجوج ومأجوج.
وأما قوله: فبينما هم في غمرة من الجهل ساهون إذ طلع عليهم نور هداية ودلالة، يحمله علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي -رحمه الله- ويخبرهم عن حقيقة فتح يأجوج ومأجوج، قائلا: لا تبعدوا النظرة ولا تسرحوا في الفكرة، فإن يأجوج ومأجوج عن أيمانكم وعن شمائلكم ومن خلفكم، فما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم.

فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: هذا الكلام بهذا السياق غير موجود في رسالَتَي ابن سعدي اللتين كتبهما في خروج يأجوج ومأجوج، والظاهر أن ابن محمود أخذه من مضمون كلام ابن سعدي ثم نسبه له، ولو أن ابن محمود نسبه إلى نفسه وذكر أنه أخذه من مضمون كلام ابن سعدي لكان أولى وأوفق للأمانة في النقل. الوجه الثاني: أن يقال: ما ذكره ابن محمود في يأجوج ومأجوج أنهم أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، فهو قول مخالف لما أخبر الله به عن ذي القرنين أنه جعل بين الناس وبين يأجوج ومأجوج سدًا من حديد، وأن يأجوج ومأجوج ما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، وأنه إذا جاء وعد الرب -تبارك وتعالى- جعله دكاء، وحينئذ يخرجون على الناس، وذلك في آخر الزمان عند اقتراب الساعة، كما قال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، وإذا في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾، وفي قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ لما يستقبل من الزمان، وهذا يدل على أن يأجوج ومأجوج لم يزالوا وراء السد حتى يأتي وقت خروجهم في آخر الزمان، وفي قوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ دليل على أنهم إنما يخرجون إذا دنا قيام الساعة. وقد أوضح ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عنه النواس بن سمعان -رضي الله عنه- حيث قال بعد ذكر خروج الدجال ونزول عيسى وقتل الدجال: «فبينما هم كذلك إذ أوحي الله إلى عيسى؛ إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج» الحديث، وفي حديث حذيفة وحديث ابن مسعود -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه، وقد تقدم إيراد هذه الأحاديث قريبًا فلتراجع.1
ولا يخفى ما في الكلام الذي نسبه ابن محمود لابن سعدي من المخالفة لما أخبر الله به في كتابه، وما كان كذلك فهو باطل وضلال، ومن زعم أنه نور هداية ودلالة فلا شك أنه لا يعرف الفرق بين نور الهداية والدلالة وبين ظلام الضلال والإضلال.
الوجه الثالث: أن يقال: إن أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم قد......

كانوا موجودين في جميع الجهات شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالا، وعن أيمان المسلمين وعن شمائلهم ومن خلفهم من قبل أن يوجد السد وبعد أن وجد، ولم يزالوا كذلك على ممر الأزمان، ومع هذا فلم يؤثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال إنهم هم يأجوج ومأجوج، ولم يؤثر ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم ولا من بعدهم من العلماء، حتى جاء المتكلفون في آخر القرن الرابع عشر من الهجرة فزعموا أن يأجوج ومأجوج ما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، فهل يقول مسلم عاقل إن المتكلفين أعلم من النبي - صلى الله عليه وسلم - بيأجوج ومأجوج، أو يقول من له أدنى عقل ودين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ومن بعدهم إلى آخر القرن الرابع عشر من الهجرة كانوا في غمرة من الجهل ساهون، حتى طلع عليهم نور الهداية والدلالة من أحد المتكلفين القائلين في حقيقة يأجوج ومأجوج بغير علم؟ كلا، لا يقول هذا مسلم عاقل.
الوجه الرابع: أن يقال: إن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون بعد نزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- وقتله الدجال، كما جاء ذلك صريحًا في الأحاديث التي تقدم ذكرها قريبًا عن النواس بن سمعان، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهم- فلتراجع1، ففيها أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج ما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم.
الوجه الخامس: أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر في حديث النواس بن سمعان الذي تقدم ذكره قريبًا أن يأجوج ومأجوج إذا بعثوا يمر أولهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، وجاء في حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- نحو ذلك، وجاء في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن يأجوج ومأجوج إذا خرجوا يطئون البلاد فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمروه على ماء إلا شربوه، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج ما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم؛ لأن الذين قد ملئوا الأرض شرقًا وغربًا من أمم الكفار لم يقع منهم شيء مما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن يأجوج ومأجوج، فلم يهلكوا ما أتوا عليه، ولم ينقصوا ما عندهم من المياه، فضلا عن أن يشربوا بحيرة طبرية وينشفوها، مع أن بعضهم كانوا مجاورين لها أزمانًا طويلة.

الوجه السادس: أن يقال: قد أخبر الله -تعالى- أن فتح يأجوج ومأجوج إنما يكون عند اقتراب الساعة، فقال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، وفي قوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ أوضح دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون عند اقتراب الساعة، ويدل على ذلك ما أخبر الله به عن ذي القرنين أنه لما أتم بناء السد ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، قال الله -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾، قال السدي في قول الله -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: "ذاك حين يخرجون على الناس"، قال ابن كثير: "وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال".
انتهى.
الوجه السابع: أن يقال: قد جاء في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن الله -تعالى- عهد إلى عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- أنه بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم فإن الساعة كالحامل المُتم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارًا، وهذا يدل على أن خروجهم إنما يكون إذا دنا قيام الساعة، وقد روى ابن جرير عن حذيفة -رضي الله عنه- أنه قال: «لو أن رجلا افتلى فلوًا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة»، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، فما بعد الدجال؟ قال: «عيسى ابن مريم»، قلت: فما بعد عيسى ابن مريم؟ قال: «لو أن رجلا أنتج فرسًا لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة»، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج قد خرجوا، وأنهم أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، وأن أول ظهورهم على المسلمين كان في غزوة مؤتة، فكل هذا من التوهمات والتخرصات، وقد ذكرت من الآيات والأحاديث ما فيه كفاية لرد هذا القول الباطل وبيان بطلانه.
الوجه الثامن: أن يقال: قد جاء في حديث ابن حرملة عن خالته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن المسلمين لا يزالون يقاتلون عدوًا حتى يخرج يأجوج ومأجوج، وقد تقدم هذا الحديث قريبًا1، وروى الإمام أحمد وابن سعد، والبخاري في تاريخه، والنسائي والطبراني، عن سلمة بن نفيل الكندي -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج»، وفي هذا الحديث وما قبله أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج ما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم.................................

وأوطانهم؛ لأن القتال بين المسلمين وبين أمم الكفار لم يزل منذ زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يزال كذلك إلى أن ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ويقاتل الناس على الإسلام، ولو كان الأمر على ما توهمه المتكلفون لكانت الحرب قد وضعت أوزارها منذ وجدت أمم الكفار في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا ظاهر البطلان.
الوجه التاسع: أن يقال: ما قرره الشيخ ابن سعدي في رسالته من أن يأجوج ومأجوج ما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم فهو مخالف لما قرره في تفسيره لسورة الأنبياء، فقد قرر فيها أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون في آخر الزمان، قال في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الآية، ما نصه: "هذا تحذير من الله للناس أن يقيموا على الكفر والمعاصي، وأنه قد قرب انفتاح يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان عظيمتان من بني آدم، وقد سد عليهم ذو القرنين لما شكي إليه إفسادهم في الأرض، وفي آخر الزمان ينفتح السد عليهم فيخرجون إلى الناس، وفي هذه الحالة والوصف الذي ذكره الله، من كل مكان مرتفع وهو الحدب ينسلون أي يسرعون، في هذا دلالة على كثرتهم الباهرة وإسراعهم في الأرض، إما بذواتهم وإما بما خلق الله لهم من الأسباب التي تقرب لهم البعيد وتسهل عليهم الصعب، وأنهم يقهرون الناس ويعلون عليهم في الدنيا، وأنه لا يد لأحد بقتالهم".
انتهى، وهذا صريح في رجوعه عما كان يقوله في يأجوج ومأجوج إنهم أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، وقال في تفسير سورة الكهف في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾: "قال المفسرون ذهب متوجهًا من المشرق قاصدًا للشمال، فوصل إلى ما بين السدين؛ وهما سدان كانا معروفين في ذلك الزمان، سدان من سلاسل الجبال المتصلة يمنة ويسرة حتى تتصل بالبحار، بين يأجوج ومأجوج وبين الناس وجد من دون السدين قومًا لا يكادون يفقهون قولا؛ لعجمة ألسنتهم واستعجام أذهانهم وقلوبهم، وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم، وراجعهم وراجعوه، فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج وهما أمتان عظيمتان من بني آدم، فقالوا: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك، ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ أي جعلا، ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾، ودل ذلك على عدم اقتدارهم.............

بأنفسهم على بنيان السد... إلى أن قال على قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: أي الجبلين الذين بني بينهما السد، ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ النار أي أوقدوها إيقادًا عظيمًا، واستعملوا لها المنافيخ لتشتد فتذيب النحاس، فلما ذاب النحاس الذي يريد أن يلصقه بين زبر الحديد ﴿قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أي نحاسًا مذابًا، فأفرغ عليه القطر فاستحكم السد استحكامًا هائلا، وامتنع به من وراءه من الناس من ضرر يأجوج ومأجوج، ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أي فمالهم استطاعة ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه ولا على نقبه لإحكامه وقوته، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي لخروج يأجوج ومأجوج، ﴿جَعَلَهُ﴾ أي ذلك السد المحكم المتقن، ﴿دَكَّاءَ﴾ أي دكه فانهدم واستوى هو والأرض، ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يحتمل أن الضمير يعود إلى يأجوج ومأجوج، وأنهم إذا خرجوا على الناس من كثرتهم واستيعابهم للأرض كلها يموج بعضهم ببعض، كما قال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، ويحتمل أن الضمير يعود إلى الخلائق يوم القيامة، وأنهم يجتمعون فيه فيكثرون، ويموج بعضهم ببعض من الأهوال والزلازل العظام، بدليل قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا * وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ ". قلت والاحتمال الأول أقرب؛ لأن الله -تعالى- عقَّب قوله ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ بقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾، فدل هذا على أن موج بعضهم في بعض يكون قبل النفخ في الصور، وهذا هو الذي قرره ابن كثير في تفسيره، وذكره عن السدي، والله أعلم.
وفيما نقلته من كلام ابن سعدي في تفسيره أبلغ رد على ابن محمود، حيث تعلق بالرسالة التي قد قرر ابن سعدي في الجزء الخامس من تفسيره خلاف ما قرره فيها، وهذا الجزء مطبوع في سنة 1375 من الهجرة في المطبعة السلفية بمصر، وقد أرسل لي المؤلف نسخة منه من حين طبعه وكتب الإهداء إليَّ بخطه، وكان هذا بعد إخراجه للرسالة التي غلط فيها في أمر يأجوج ومأجوج بنحو من سبع عشرة سنة، وقد أنكر كبار العلماء في البلاد النجدية ما قرره في رسالته في أمر يأجوج ومأجوج غاية الإنكار، واستدعاه الملك عبد العزيز إلى الرياض بسببها وتهدده وتوعده، وبعد ذلك لم نسمع عنه أنه تكلم في يأجوج....

ومأجوج بشيء حتى طبع تفسيره، فإذا كلامه فيه على خلاف ما قرره في رسالته التي أنكرها كبار العلماء، ولم يخرج في تفسير الآيات من سورة الكهف ومن سورة الأنبياء عما ذكره المفسرون في أمر يأجوج ومأجوج، فيحتمل أنه قد رجع عما قرره في رسالته، وإن لم يكن رجع عن ذلك فكلامه في يأجوج ومأجوج متناقض، فيؤخذ بما كان منه موافقًا لأقوال المفسرين من الصحابة والتابعين ويرد ما خالفهم فيه. وأما قوله: والتي تداعى عليكم كتداعي الأكلة على قصعتها. فجوابه: أن يقال: هذه الجملة ليست من كلام ابن سعدي، وإنما هي من كلام ابن محمود. ويقال أيضًا: أما الأمم التي تداعت على المسلمين فهم من أصناف الكفار من غير يأجوج ومأجوج، وقد وقع بعض ذلك حين خرج التتار على المسلمين من المشرق، وتداعت عليهم الأمم الصليبية من المغرب، وأما يأجوج ومأجوج فإنما يخرجون على الناس بعد نزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- وبعد قتل الدجال، كما جاء ذلك صريحًا في حديث النواس بن سمعان الذي رواه مسلم وغيره، وجاء في حديث حذيفة بن اليمان وابن مسعود -رضي الله عنهم- نحو ذلك، وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث قريبًا.1
وأما قوله: وقد أقبلوا عليكم من كل حدب ينسلون حين استدعاهم استنشاق رائحة البترول في بلدان العرب المسلمين، وهذا حقيقة الفتح لهم، والذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري ومسلم، عن زينب بنت جحش قالت: خرج علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فزعًا قد احمرَّ وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا» وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، فقلنا: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث».
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ليس هذا من كلام ابن سعدي، وإنما هو من كلام ابن محمود، ولو أنه بيَّن ذلك لكان خيرًا له، وأوفق للأمانة العلمية.
الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن محمود قد غيَّر في لفظ الحديث، حيث قال: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى»،.............

وصوابه: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها».
والوجه الثالث: أن يقال: إنه من الصعب أن يعقد الشخص بين السبابة والوسطى، ولعل ابن محمود ذهب وهمه إلى ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما، رواه البخاري وأبو داود والترمذي، من حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه-، وروي مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه، ورواه البزار وقال فيه: "وضم أصبعيه".
والفرق بين التحليق بالابهام والتي تليها وبين القران بين السبابة والوسطى لا يخفى على صغار العامة فضلا عن صغار طلبة العلم، ومع هذا فقد خفي ذلك على رئيس المحاكم والدوائر الشرعية بدولة قطر.
الوجه الرابع: أن يقال: لو كان الذين استدعاهم استنشاق رائحة البترول هم يأجوج ومأجوج لكانوا قد أهلكوا كل ما أتوا عليه، وشربوا كل ماء مروا عليه، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- في عدة أحاديث تقدم ذكر بعضها1، ولكان عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- قد نزل قبل إقبالهم إلى بلاد المسلمين، ولكانوا قد حصروا نبي الله عيسى ومن معه من المؤمنين حتى دعا عليهم فأهلكهم الله كموت نفس واحدة، وحيث أنه لم يقع شيء من هذا فلا شك إنما قاله ابن محمود في إقبال يأجوج ومأجوج على المسلمين وفي حقيقة الفتح لهم، إنما هو محض التخرص والقول بغير علم.
الوجه الخامس: أن يقال: إن يأجوج ومأجوج قد حيل بينهم وبين الخروج على الناس بالسد الذي بناه ذو القرنين، ولا ينفتح هذا السد إلا في آخر الزمان بعد نزول عيسى وقتل الدجال، كما جاء ذلك في عدة أحاديث تقدم ذكرها1، ويدل على ذلك ما أخبر الله به عن ذي القرنين أنه لما أتم بناء السد ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، قال الله -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "يعني يوم فتح السد على الصحيح"، وذكر في تفسيره عن السدي أنه قال: "ذاك حين يخرجون على الناس"، قال ابن كثير: "وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال".
انتهى، ويدل عليه أيضًا قوله...........................................

-تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، ففي هاتين الآيتين دليل على أن فتح يأجوج ومأجوج إنما يكون عند اقتراب الساعة، وفيهما مع الآيتين من سورة الكهف أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج قد خرجوا، وأقبلوا على المسلمين من كل حدب ينسلون، حين استدعاهم استنشاق رائحة البترول في بلدان العرب المسلمين.
الوجه السادس: أن يقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في الساعة: «إنها لن تقوم حتى ترو قبلها عشر آيات؛ فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام-، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف؛ خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم» رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم واللفظ له، وأهل السنن من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري -رضي الله عنه-، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وروي الطبراني وابن مردويه والحاكم من حديث واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه، وصححه الحاكم والذهبي.
وإنما كان خروج يأجوج ومأجوج آية من الآيات العشر الدالة على دنو الساعة واقترابها؛ لأن الناس لم يروهم قبل خروجهم، ولما فيهم من الكثرة الهائلة، ولأنهم يطئون البلاد فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، حتى إن أوائلهم يشربون بحيرة طبرية، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، وشربهم لبحيرة طبرية ولغيرها من المياه الغزيرة غير معتاد ولا مألوف عند الناس، فلهذا كان خروجهم من الآيات الدالة على دنو الساعة، ولو كانوا قد خرجوا منذ أزمان طويلة لما كان خروجهم من قبيل الآيات العظام، والله أعلم.
وقد جاء أن الآيات العشر إذا ظهر أولها تتابعت في زمن يسير، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث، بعضها مرفوع وبعضها موقوف، منها ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خروج الآيات بعضها على اثر بعض، يتتابعن كما يتتابع الخرز في النظام» وقد رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن أحمد بن حنبل وداود الزهراني، وكلاهما ثقة".
ومنها ما رواه الحاكم في مستدركه عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.....

قال: «الأمارات خرزات منظومات بسلك، فإذا انقطع السلك تبع بعضها بعضًا» قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الآيات خرزات منظومات في سلك، فإن يقطع السلك يتبع بعضه بعضًا» قال الهيثمي: "فيه علي بن زيد، وهو حسن الحديث"، وقد رواه الحاكم في مستدركه ولم يتكلم عليه، وكذلك الذهبي.
ومنها ما رواه ابن عساكر عن حذيفة بن أسيد -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بين يدي الساعة عشر آيات كالنظم في الخيط، إذا سقط منها واحدة توالت؛ خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وفتح يأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها».
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة عن حذيفة -رضي الله عنه- أنه قال: «إذا رأيتم أول الآيات تتابعت».
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة أيضًا عن حذيفة -رضي الله عنه- أنه قال: «لو أن رجلا ارتبط فرسًا في سبيل الله فأنتجت مهرًا عند أول الآيات، ما ركب المهر حتى يرى آخرها».
وهذا الأثر والذي قبله لهما حكم الرفع؛ لأنه لا دخل للرأي في مثل هذا، وإنما يقال عن توقيف.
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج قد خرجوا على المسلمين حين استدعاهم استنشاق رائحة البترول في بلدان العرب المسلمين.
الوجه السابع: أن يقال: ما زعمه ابن محمود من وقوع الفتح ليأجوج ومأجوج، وأن حقيقته هو تداعي أمم الكفار على المسلمين، وإقبالهم عليهم من حدب ينسلون، حين استدعاهم استنشاق رائحة البترول في بلدان العرب المسلمين، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عناه بما روته عنه زينب بنت جحش -رضي الله عنها-، والاستدلال على ذلك بحديث ثوبان -رضي الله عنه-، فهو بلا شك من تأويل كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على غير المراد به، وفي الآيات التي ذكرنا من سورة الكهف وسورة الأنبياء مع ما في الأحاديث الصحيحة عن النواس بن سمعان، وحذيفة بن اليمان، وابن مسعود -رضي الله عنهم- أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون بعد نزول عيسى ابن مريم وقتل...........................................................

الدجال أبلغ رد على الحقيقة التي زعمها ابن محمود وليست بحقيقة، وإنما هي تخرص واتِّباع للظن، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾.
الوجه الثامن: أن يقال: ما زعمه ابن محمود من تداعي أمم الكفار على المسلمين وإقبالهم عليهم من كل حدب ينسلون حين استدعاهم استنشاق رائحة البترول في بلدان العرب المسلمين، فهو خلاف الحقيقة؛ لأن الكفار وإن كانوا قد حسدوا المسلمين على البترول لما ظهر عندهم وودوا لو انتزعوه منهم، فهم مع ذلك لم يتداعوا على المسلمين ولم يقبلوا عليهم من كل حدب ينسلون، ولم يكونوا يأخذون من بترول المسلمين شيئًا إلا بالثمن أو في مقابلة أعمالهم في استخراجه من أعماق الأرض وتصفيته، وكثير من أمم الكفار يتظاهرون بالصداقة للمسلمين ليبذلوا لهم شيئًا من البترول بالثمن، أفلا يستحي ابن محمود من نشر مزاعمه التي يشهد الواقع بخلافها؟! وأما قوله: وكان ابتداء حركتهم في ظهورهم على المسلمين من غزوة مؤتة حين غزاهم المسلمون لدعوتهم إلى الإسلام، ثم صار ظهورهم يزداد عامًا بعد عام.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: لا يخفى على من له أدنى علم بالتواريخ والسير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما بعث الجيش يوم مؤتة لقتال الروم، وهم الذين كانوا في الشام في زمن الجاهلية وفي زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزمن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ثم ظهر عليهم المسلمون في زمان عمر بن لخطاب -رضي الله عنه- وانتزعوا الشام منهم، فأما يأجوج ومأجوج فبلادهم في أقصى المشرق من ناحية الشمال، ذكر ذلك غير واحد من المتكلمين على الأقاليم ومواقع البلدان فيها، وقد روي ابن جرير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قال: "الجبلين الردم الذي بين يأجوج ومأجوج، أمتين من وراء ردم ذي القرنين، قال: الجبلان أرمينية وأذربيجان".
وروي أيضًا عن الضحاك في قوله: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ يعني الجبلين، وهما من قبل أرمينية وأذربيجان، وقال القرطبي في تفسير قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾: "وهما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان".
انتهى.
وهؤلاء لم يبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم جيشًا ولا دعاة يدعونهم إلى الإسلام، ولا يمكن الاتصال بهم، حتى يأتي الوقت الذي قدر الله خروجهم فيه، وهو بعد نزول عيسى وقتل الدجال، فحينئذ يخرجون ويطئون البلاد، ويهلكون كل شيء أتوا عليه، حتى يدعو عليهم نبي الله...

عيسى فيهلكهم الله جميعًا، هذا هو الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
الوجه الثاني: أن يقال: إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فزع واحمر وجهه حين فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل موضع الدرهم، فكيف يظن به أنه بعث جيشًا من أصحابه يوم مؤتة لغزو يأجوج ومأجوج ودعائهم إلى الإسلام، هذا كلام باطل مردود.
الوجه الثالث: أن يقال: إنه لم يؤثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الروم الذين قاتلهم المسلمون يوم مؤتة أنهم من يأجوج ومأجوج ولا أشار إلى ذلك البتة، وكذلك لم يؤثر عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم من العلماء أنهم قالوا ذلك، ولو كان الروم من يأجوج ومأجوج لبين ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكان ذلك مشتهرًا عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين، وحيث أنه لم يؤثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الروم إنهم من يأجوج ومأجوج، ولم يؤثر ذلك عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم من العلماء، فإنه يلزم على قول ابن محمود أحد أمرين؛ إما أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد خفي عليه أن الروم من يأجوج ومأجوج، وخفي ذلك على الصحابة ومن بعدهم من العلماء، أو أنهم قد علموا ذلك وكتموه، وما لزم عليه أحد هذين الأمرين فهو قول سوء، لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الروم لم يبتدءوا المسلمين بالخروج إليهم، ولم يظهروا على المسلمين لا في غزوة مؤتة ولا فيما بعدها من الغزوات، وإنما كان الابتداء من المسلمين، وكان لهم الظهور على الروم حتى أجلوهم من الشام إلى القسطنطينية، ثم غزوهم بعد ذلك في القسطنطينية عدة مرات؛ أولها في زمان معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- إلى أن أخذوها منهم في زمان محمد الفاتح وأجلوهم إلى أوروبا، ولو كان الأمر على ما توهمه ابن محمود، حيث زعم أن الروم من يأجوج ومأجوج، لكانوا قد أهلكوا المسلمين وغير المسلمين من حين خروجهم، كما هو مقتضى النصوص الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. الوجه الخامس: أن يقال: إن يأجوج ومأجوج قد حيل بينهم وببين الناس بسد من حديد يمنعهم من الظهور والاختلاط بالناس، ولا يندك هذا السد إلا عند اقتراب الساعة، كما هو منصوص عليه في القرآن، وقد جاء في حديث النواس بن سمعان وغيره من الأحاديث التي تقدم ذكرها أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون بعد نزول عيسى ابن مريم وقتل الدجال، فمن قال بخلاف هذا فقوله باطل مردود.

الوجه السادس: أن يقال: إن الروم ليس بينهم وبين المسلمين شيء من السدود البتة، وقد كان العرب يختلطون بهم في الجاهلية والإسلام، ولو كانوا من يأجوج ومأجوج لما قدر أحد على الاختلاط بهم، ولكانوا قد أهلكوا العرب وغير العرب من كل ما أتوا عليه، كما هو منصوص عليه في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- الذي تقدم ذكره.
الوجه السابع: أن يقال: من المستحيل أن يغزو المسلمين يأجوج ومأجوج وأن يدعوهم إلى الإسلام؛ لأن الاتصال بهم غير ممكن من أجل السد الحائل بينهم وبين الناس، ومن زعم أن المسلمين قد غزوهم ودعوهم إلى الإسلام فلا شك أنه لا يدري ما يقول.
وأما قوله: ولما أخرج الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- رسالته في تحقيق أمر يأجوج ومأجوج على صفة ما ذكره في تفسيره واستنباطه، أنكر عليه بعض العلماء ذلك واتهموه بأنه يكذب القرآن، واستدعي للمحاكمة زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن -رحمه الله- فبرهن عن حقيقة رسالته، وأنها تصدق القرآن، وتزيل اللبس والشك عنه، وترد على الملحدين قولهم وسوء اعتقادهم، لهذا تبين للعلماء حسن قصده، وزال عن الناس ظلام الأوهام وضلال أهل الزيغ والبهتان، وصار لهذه الرسالة الأثر الكبير في إخماد نار الفتنة بيأجوج ومأجوج، حتى استقر في أذهان العلماء والعوام صحة ما قاله بمقتضى الدليل والبرهان.
فجوابه: أن أقول: قد ذكرت قريبًا أن الشيخ ابن سعدي قد قرر في تفسيره في أمر يأجوج ومأجوج خلاف ما قرره في رسالته، وقد كان طبعه للتفسير بعد إخراجه للرسالة بنحو من سبع عشرة سنة، وفي طبعه لتفسيره مع ما فيه من المخالفة لما قرره في رسالته دليل ظاهر على رجوعه عما كان قرره في الرسالة، وفي تمسك ابن محمود بما قرره ابن سعدي في رسالته وإعراضه عما قرره في تفسيره أوضح دليل على سوء اختيار ابن محمود، وميله إلى الأقوال الشاذة والآراء المنحرفة.
وأقول أيضًا: إن رسالة ابن سعدي في أمر يأجوج ومأجوج خالية من...........

التحقيق، وقد رأيت النسخة التي بعث بها أحد المشايخ إلى الملك عبد العزيز، وهي بخط المؤلف، وقرأتها كلها فلم أر فيها شيئًا من التحقيق عن يأجوج ومأجوج، ورأيت أيضًا رسالته المختصرة، وهي التي اعتمد عليها ابن محمود ونقل منها، وحاصل التحقيق الذي زعم ابن محمود أنه فيها هو المخالفة لما أخبر الله به في كتابه عن فتح يأجوج ومأجوج، وأنه يكون عند اقتراب الساعة، والمخالفة أيضًا لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون في آخر الزمان بعد نزول عيسى ابن مريم وقتل الدجال، وإذا كانت رسالة ابن سعدي مخالفة للقرآن والأحاديث الصحيحة، فأي تحقيق يكون فيها وأي فائدة ترجى من ورائها.
وأما قوله: على صفة ما ذكره في تفسيره.
فجوابه: أن يقال: لا يخفى ما في كلام ابن محمود من التمويه الذي يشهد الواقع بخلافه، وذلك لأن ابن سعدي قد قرر في تفسيره في أمر يأجوج ومأجوج خلاف ما قرره في رسالته التي تعلق بها ابن محمود، وقد ذكرت قريبًا ما ذكره ابن سعدي في تفسيره فليراجع1، ففيه أبلغ رد على ابن محمود.
وأما إنكار العلماء لرسالة ابن سعدي فهو صحيح، ولا أعلم عن أحد من العلماء النجديين أنه وافق ابن سعدي على رسالته في أمر يأجوج ومأجوج.
وأما قول ابن محمود: إن ابن سعدي استدعي للمحاكمة زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن.
فجوابه: أن يقال: أما الاستدعاء فهو واقع، وأما المحاكمة فلم تقع، وخلاصة القصة أن الشيخ ابن سعدي لما كتب رسالته في يأجوج ومأجوج أرسلها أحد المشايخ إلى الملك عبد العزيز -رحمه الله-، فعرضها الملك على بعض أكابر العلماء فأنكروها غاية الإنكار، فاستدعاه الملك إلى الرياض، فلما حضر إلى مجلس الملك حضر معه أكابر العلماء بأمر من الملك؛ ليناظروا ابن سعدي إن دعت الحاجة إلى المناظرة، فأخبرني من كان حاضرًا معهم، أنه لما دخل عليهم الملك وهم في مجلسه قاموا جميعًا للسلام عليه ومعهم الشيخ ابن سعدي، وبعد السلام على الملك جلس كل رجل منهم في مجلسه، فأخذ الملك يتهدد ويتوعد كل من خالف الكتاب والسنة بأنه سيفعل به ويفعل، وكلهم يعلمون أنه يريد بالتهديد والوعيد الشيخ ابن سعدي،.........................

ولما انتهى الملك من كلامه وسكت، سكت الحاضرون كلهم، فلم ينطق أحد منهم بكلمة، ثم بعد ذلك قاموا جميعًا وتفرقوا، وبعد ذلك لم نسمع عن الشيخ ابن سعدي أنه تكلم في أمر يأجوج ومأجوج بشيء حتى طبع تفسيره بعد سبع عشرة سنة من حين إخراجه للرسالة، فإذا كلامه في التفسير يوافق ما ذكره المفسرون في أمر يأجوج ومأجوج، ويخالف ما جاء في رسالته التي أنكرها العلماء وتهدده الملك وتوعده بسببها.
وأما قوله: فبرهن عن حقيقة رسالته، وأنها تصدق القرآن وتزيل اللبس والشك عنه، وترد على الملحدين قولهم وسوء اعتقادهم.
فجوابه: أن يقال: لا صحة لما ذكره ابن محمود ههنا فإنه غير واقع، وإنما أتى به ابن محمود من كيسه، والواقع في الحقيقة أن الشيخ ابن سعدي لما تهدده الملك وتوعده سكت، فلم ينطق بكلمة لا مع الملك ولا مع العلماء، إلا أنه دعا للملك بالحفظ وطول العمر، هذا ما ذكره لي بعض المشايخ الحاضرين مع ابن سعدي في مجلس الملك، فأما البرهنة عن الرسالة فهي من تلفيق ابن محمود.
وأما قول ابن محمود: إن رسالة ابن سعدي تصدق القرآن وتزيل اللبس والشك عنه، وترد على الملحدين قولهم وسوء اعتقادهم.
فجوابه: أن يقال: إن الأمر في الحقيقة على خلاف ما زعمه ابن محمود، فكل ما وصف به رسالة ابن سعدي في يأجوج ومأجوج فهي بضده؛ لأنها تخالف ما جاء في القرآن والسنة عن يأجوج ومأجوج، وتوقع الجهال في الحيرة والشك فيما أخبر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عنهم، وتفتح للملحدين باب القول في تأويل القرآن بالرأي والتخرص وتحريف الكلم عن مواضعه.
ويقال أيضًا: ما ذكره الله -تعالى- في كتابه عن دك السد وفتح يأجوج ومأجوج أنه يكون في آخر الزمان إذا اقترب الوعد الحق، أي إذا دنا قيام الساعة، فهو في غاية الوضوح والبيان، ومن زعم أن ذلك غير واضح وأنه يتطرق إليه اللبس والشك فلا شك أنه جاهل بالقرآن.
وأما قوله: لهذا تبين للعلماء حسن قصده.
فجوابه: أن يقال: هذا من التقول على العلماء، فإنه لم يبلغني عن أحد منهم أنه وافق ابن سعدي على رسالته، بل كلهم مجمعون على إنكارها والتحذير من الاغترار بها.

وأما قوله: وزال عن الناس ظلام الأوهام وضلال أهل الزيغ والبهتان. فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: قد جاء في إثبات وجود السد ويأجوج ومأجوج آيات من القرآن وأحاديث صحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي القرآن النص على أن السد من حديد وقِطر- وهو النحاس- وفيه أيضًا النص على أن يأجوج ومأجوج ما استطاعوا أن يظهروا السد وما استطاعوا له نقبًا، وفيه أيضًا النص على أن اندكاك السد إنما يكون إذا جاء وعد الله -تعالى- أي إذا دنا قيام الساعة، وفي الأحاديث النص على أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون على الناس بعد نزول عيسى ابن مريم وقتله الدجال، وأنه لا يدان لأحد بقتالهم، وأنهم إذا خرجوا لا يأتون على شيءٍ إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، وأن أوائلهم يشربون بحيرة طبرية، وأن آخرهم إذا مروا بها يقولون لقد كان بهذا مرة ماء، وأنهم يحصرون نبي الله عيسى وأصحابه فيدعو عليهم فيهلكهم الله ويميتهم، فهل يقول ابن محمود إن هذا كله من ظلام الأوهام وضلال أهل الزيغ والبهتان، أم ماذا يجيب به عن قوله الذي لم يتثبت فيه، ولم ينظر إلى ما يترتب عليه من تكذيب ما جاء عن الله -تعالى- وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم -؟ الوجه الثاني: أن يقال: إنما زال عن الناس ظلام الأوهام والضلال بإنكار رسالة ابن سعدي والتحذير منها، وبيان أنها تخالف ما جاء في القرآن والسنة عن يأجوج ومأجوج، وحتى مؤلفها -رحمه الله- يظهر أنه قد زال عنه ظلام الأوهام والضلال بما قرره في تفسيره الذي كان طبعه له بعد إخراجه للرسالة بنحو من سبع عشرة سنة، وقد ذكرت كلامه في تفسيره قريبًا فليراجع.1
وأما قوله: وصار لهذه الرسالة الأثر الكبير في إخماد نار الفتنة بيأجوج ومأجوج.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إنه لم يكن لرسالة ابن سعدي أثر كبير إلا عند ابن محمود، وقد يكون لها أثر كبير عند أمثال ابن محمود من المتكلفين الخائضين فيما لا يعنيهم، فأما أهل العلم فقد أنكروها غاية الإنكار، وقد سمعت ذلك من كثير منهم، وبلغني ذلك عن كثير منهم ممن لم أجتمع بهم.
الوجه الثاني: أن يقال: إنها لم تقع بين الناس فتنة بيأجوج ومأجوج، إلا أن تكون من أفراد قليلين من العصريين المتكلفين الخائضين فيما لا يعنيهم من أمر......................

يأجوج ومأجوج، القائلين فيهم بغير علم، فهؤلاء هم الذين افتتنوا بالكلام في يأجوج ومأجوج، ما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، ومنهم من زعم أنهم التتار الذين خرجوا على المسلمين في آخر زمان بني العباس، وهؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم في يأجوج ومأجوج ينطبق عليهم قول الله -تعالى-: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، فأما المتمسكون بالكتاب والسنة فإنهم قد سلموا من الفتنة بيأجوج ومأجوج؛ لأنهم يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه عنهم وعن سدِّ ذي القرنين، ويؤمنون بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم وفي خروجهم على الناس، ولا يتكلفون ما ليس لهم به علم.
وأما قوله: حتى استقر في أذهان العلماء والعوام صحة ما قاله بمقتضى الدليل والبرهان.
فجوابه: أن يقال: هذا من تخرصات ابن محمود وتوهماته التي لا صحة لشيء منها، ولم تقع إلا في ذهن ابن محمود ومن كان على شاكلته.
وأما قوله: ونحن نسوق فقرات من رسالته للاتعاظ بها والانتفاع بعلمها.
فجوابه: أن يقال: ليس في رسالة ابن سعدي ما يتعظ به، ولا ما ينتفع بعلمه، ولكن الأمر في ابن محمود كما قيل: يقضي على المرء في أيام محنته... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن وقال ابن محمود في صفحة (77، 78، 79)، فقرات من كلام الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي -رحمه الله-.
" اعلم أن من تأمل ما ذكره الله في كتابه عن يأجوج ومأجوج، وما ثبتت به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم، وما في ذلك من صفاتهم، وعلم ما ذكره المفسرون والمؤرخون في قصة ذي القرنين، وعرف الواقع والمحسوس وما على وجه الأرض من أصناف بني آدم، فمن عرف ذلك كله تيقن يقينًا لا شك فيه أنهم هم الأمم الموجودون الآن، الذين ظهروا على الناس كالترك، والروس، ودول البلقان، والألمان، وإيطاليا، والفرنسيين، والإنجليز، واليابان، والأمريكان، ومن تبعهم من الأمم، فإنه دل الكتاب والسنة دلالة بينة صريحة أن يأجوج ومأجوج من أولاد آدم، وأنهم ليسوا بعالم آخر غيبي، كالجن ونحوهم ممن حجب الآدميون عن رؤيتهم والاحساس في الدنيا بهم، بيان ذلك في القرآن من قصة ذي القرنين في قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ

دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ إلى آخر الآيات، فمن فهم معنى هذه الآيات وما ذكره أصناف المفسرين فيها، علم قطعا أنهم كما ذكر الله في شكاية هؤلاء القوم الذين كثر إفسادهم لذي القرنين، بالقتل والنهب والتخريب وأنواع الفساد، فطلبوا منه أن يجعل بينهم وبينهم سدًا يمنعهم من الإفساد والنفوذ إليهم، فأجاب ذو القرنين طلبتهم طاعة لله وإحسانًا على هؤلاء المظلومين، فجعل بينهم وبينهم ردمًا، ومعلوم أنهم آدميون محسوسون، قد تناولوهم بأنواع الأذى، فلو كانوا جنسًا آخر كالجن ونحوهم ممن حجبوا عن الأبصار لم يمكنوا من الأذية لبني آدم إلى هذا الحد، ولم يطلب هؤلاء القوم من ذي القرنين ما لا قدرة له عليه، ولم يمنعهم من الأذية سد ولا ردم، وذلك أن هناك جبلان متقابلان متصلان بمشارق الأرض ومغاربها، وليس للناس في تلك الأزمان طريق إلا من تلك الفجوة التي بين السدين، حيث كان مسير الناس في ذلك الوقت على الإبل والبغال والحمير، فبني ذو القرنين سدًا محكمًا بين الجبلين فتم بنيانه للردم بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، وبقي ما شاء الله أن يبقى، ثم بعد ذلك ظهروا على الناس من جميع النواحي والجبال والبحار، فتحركوا في وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول قتال وقع من المسلمين في وقعة مؤتة، وكان المسلمون أربعة آلاف وجيش النصارى مائة وعشرون ألفًا، فكشف للنبي - صلى الله عليه وسلم - عنهم يوم قتالهم، فقال وهو يخطب الناس: «أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذها زيد بن حارثة فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله، وهو خالد بن الوليد، ففتح الله عليه» يخبرهم بذلك وهو يبكي، وهذا هو مبدأ تحركهم لقتال المسلمين والخروج عليهم، وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ويل للعرب من شر قد اقترب، قد فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا»، قال ولم يزالوا في ازدياد وظهور على الناس حتى وصل الأمر إلى هذه الحالة المشاهدة، ولا بد أن يقع كل ما أخبر الله به ورسوله، ومنها أن الناس قد شاهدوا السد قد اندك، ورأوا يأجوج ومأجوج قد تجاوزوه، فإن السد كما ذكرنا هي الموانع الجبلية والمائية ونحوها، المانعة من وصولهم إلى الناس، فقد شاهدوهم من كل محل ينسلون، فالبحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه، وما اتصل بذلك.....................

من الموانع كلها قد مضى عليها أزمان متطاولة، وهي سد محكم بينهم وبين الناس لا يجاوزها منهم أحد، بل هم منحازون في أماكنهم، وقد زال ذلك كله وشاهدهم الناس، وقد اختلقوا هذه البحار، ثم توصلوا إلى خرق الجو بالطائرات وبما هو أعظم منها، فلا يمكن لأحد إنكار هذا ولا المكابرة فيه، وهذه الأدلة التي ذكرناها من نص الكتاب والسنة والأدلة العقلية والواقع والمشاهدة كلها أمور يقينية لا شك فيها ولا مناقض لها، والمقصود أن ظهورهم على الوصف الذي شرحناه قد تبين موافقته للكتاب والسنة الصحيحة، والعلم الصحيح العقلي الحسي يعتبر آية وبرهانًا عظيمًا على صدق القرآن وصحة ما جاء سول الله - صلى الله عليه وسلم - من آيات بينات لا تزال تشاهد وتظهر كل وقت، وحين يعتبر بها المعتبرون وينتفع بها المؤمنون ويسترشد بها الغافلون المعرضون وتقوم بها الحجة على المعارضين المعاندين، وأما من اعتمد في قصة يأجوج ومأجوج على قصص إسرائيلية وآثار موضوعة وقصص خرافية وعوائد جرت مخالفة للعلم، فقد حرم الوصول إلى الهداية والاستنارة بنور العقل المؤيد بالشرع".
انتهى.
والجواب: أن يقال: إن ابن محمود قد غيَّر في بعض كلام ابن سعدي وزاد فيه بعض الشيء من عنده ولم يبين ذلك، وهذا عمل غير مرضي لأنه ينافي الأمانة في النقل، وسأنبه على ذلك -إن شاء الله تعالى-.
ويقال أيضًا كل ما نقله ابن محمود ههنا من رسالة ابن سعدي في يأجوج ومأجوج فهو باطل، سوى ما ذكره من الآيات من سورة الكهف، والحديث الذي أوله: «ويل للعرب من شر قد اقترب»، فالآيات والحديث حق، ولكن لا متعلق لابن سعدي في شيء منها، وما سوى الآيات والحديث فكله توهمات وتخرصات لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عقل صحيح ولا واقع ولا مشاهدة، وفي تفسير ابن سعدي لسورة الكهف وسورة الأنبياء كفاية في الرد على ما جاء في رسالته فيما يتعلق بيأجوج ومأجوج، وقد ذكرت قريبًا أنه قد طبع تفسيره بعد إخراجه للرسالة بنحو من سبع عشرة سنة.
فأما قوله: اعلم أن من تأمل ما ذكره الله في كتابه عن يأجوج ومأجوج، وما ثبتت به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما في ذلك من صفاتهم، وعلم ما ذكره المفسرون والمؤرخون في قصة ذي القرنين، وعرف الواقع والمحسوس وما على وجه الأرض من..................

أصناف بني آدم، فمن عرف ذلك كله تيقن يقينًا لا شك فيه أنهم هم الأمم لموجودون الآن، الذين ظهروا على الناس كالترك، والروس، ودول البلقان، والألمان، وإيطاليا، والفرنسيين، والإنجليز، واليابان، والأمريكان، ومن تبعهم من الأمم.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن القرآن والسنة حجة على ابن سعدي فيما ذهب إليه في شأن يأجوج ومأجوج، وليس فيهما حجة له ولا ما يتعلق به بوجه من الوجوه، ومن تأمل ما ذكره الله في كتابه عن يأجوج ومأجوج، وما ثبتت به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم، عرف يقينًا لا شك فيه أنه يخالف ما ذهب إليه ابن سعدي في رسالته، وذلك أن الله -تعالى- أخبر عن ذي القرنين أنه جعل بين يأجوج ومأجوج وبين غيرهم من الناس ردمًا، وأخبر -تبارك وتعالى- أن يأجوج ومأجوج ما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، وأخبر عن ذي القرنين أنه لما أتمَّ بناء السد ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾؛ أي إذا دنا قيام الساعة، جعل الله السد دكاء فخرج يأجوج ومأجوج على الناس، قال الله -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "يعني يوم فتح السد على الصحيح"، وذكر في تفسيره عن السدي أنه قال: "ذاك حين يخرجون على الناس"، قال ابن كثير: "وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال".
انتهى.
وقال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، أوضح دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون عند اقتراب الساعة، وقد بين ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في عدة أحاديث صحيحة، منها حديث النواس بن سمعان -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر خروج الدجال ونزول عيسى وقتل الدجال، ثم قال: «فبينما هم كذلك إذ أوحي الله إلى عيسى إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتلاهم فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة» الحديث رواه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: "حديث غريب حسن صحيح".

ومنها حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لقيت ليلة أُسري بي إبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام- فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إليَّ ربي - عز وجل- أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافر فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم، حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلى ربي - عز وجل- أن ذلك إذا كان كذلك، فإن الساعة كالحامل المُتم التي لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها، ليلا أو نهارًا» رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، وابن جرير، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وزاد ابن ماجة والحاكم فيه قال العوام- وهو ابن حوشب أحد رواته-: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله - عز وجل- ثم قرأ ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾.
ومنها حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر الدجال ونزول عيسى -عليه الصلاة والسلام- وفيه: «فبينما هم كذلك إذا أخرج الله يأجوج ومأجوج، فيشرب أولهم البحيرة ويجيء آخرهم وقد انشفوه، فما يدعون فيه قطرة، فيقولون ظهرنا على أعدائنا قد كان ههنا أثر ماء» الحديث، وفيه: «فيدعو الله نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فيبعث الله عليهم قرحة في حلوقهم، فلا يبقى منهم بشر» وذكر بقية الحديث.
رواه الحاكم وابن مندة في كتاب الإيمان، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي، وقال ابن كثير في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: في إسناد ابن مندة، هذا إسناد صالح".
ومنها حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس، كما قال الله - عز وجل-: ﴿وَهُمْ مِنْ

كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، فيعيثون في الأرض، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسًا، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: لقد كان ههنا ماء مرة» الحديث، رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرنه غدا، فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله - عز وجل- أن يبعثهم إلى الناس، حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا -إن شاء الله- ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه، ويحصن الناس منهم في حصونهم» الحديث، رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري -رضي الله عنه- قال: اطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - علينا ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر الساعة، قال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات؛ فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم - صلى الله عليه وسلم -، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخِر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم» رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم واللفظ له، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ومنها حديث واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو حديث حذيفة بن أسيد -رضي الله عنه- رواه الطبراني، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وفي هذه الأحاديث مع ما تقدم من الآيات أبلغ رد على قول ابن سعدي إن يأجوج ومأجوج هم الأمم الموجود الآن؛ كالترك، والروس، وغيرهم من الأمم الذين ذكرهم ابن سعدي في كلامه الذي تقدم ذكره.

الوجه الثاني: أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن بعض صفات يأجوج ومأجوج بما يخالف أكثر الأمم الذين ذكرهم ابن سعدي، وذلك فيما رواه الإمام أحمد، والطبراني عن ابن حرملة، عن خالته -رضي الله عنها- قالت: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب، فقال: «إنكم تقولون لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى يخرج يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة» رواه الإمام أحمد، والطبراني، قال الهيثمي: "ورجالهما رجال الصحيح".
الشعاف: الشعور.
ولا يخفى أن الألمان والإيطاليين والفرنسيين والإنجليز والأمريكان ليسوا عراض الوجوه صغار العيون، وكذلك أكثر الأمم من غيرهم، فصفات يأجوج ومأجوج لا تنطبق على أكثر الأمم التي ذكرها ابن سعدي.
الوجه الثالث: أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر في حديث ابن حرملة عن خالته أن المسلمين لا يزالون يقاتلون عدوًا حتى يخرج يأجوج ومأجوج، وجاء نحو ذلك فيما رواه الإمام أحمد، وابن سعد، والبخاري في تاريخه، والنسائي والطبراني، وابن مردويه، عن سلمة بن نفيل الكندي -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج»، ومن المعلوم أن المسلمين قد قاتلوا كثيرًا من أمم الكفار في أول الإسلام وفيما بعد ذلك، واستولوا على كثير من الممالك شرقًا وغربًا وجنوبا وشمالا، ولم يزل القتال بين المسلمين وبين أعدائهم من الكفرة، ولا يزال الجهاد ماضيًا حتى ينزل عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- فيقتل الدجال وجنوده، ويقاتل الناس على الإسلام، فإذا خرج يأجوج ومأجوج وضعت الحرب أوزارها، ولو كان الأمر على ما ذهب إليه ابن سعدي لكانت الحرب قد وضعت أوزارها في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكان الدجال قد خرج قبل ذلك، ونزل نبي الله عيسى -عليه الصلاة والسلام- فقتل الدجال وقاتل الناس على الإسلام قبل غزوة مؤتة، وهذا لا يتصوره عاقل فضلا عن أن يتفوه بذلك.
الوجه الرابع: أن يقال: ما زعمه ابن سعدي من ظهور الترك والروس ودول البلقان والألمان وإيطاليا والفرنسيين والإنجليز واليابان والأمريكان ومن تبعهم من الأمم، يقتضي أن تكون هذه الدول محازة بسد من حديد قبل ظهورهم على الناس، فلا................

يتصل بهم الناس ولا يخالطونهم ولا يعرفون عنهم شيئًا، وهذا معلوم البطلان بالضرورة عند كل عاقل.
يوضح ذلك الوجه الخامس: وهو أن الأمم الذين ذكرهم ابن سعدي وزعم أنهم هم يأجوج ومأجوج قد كانوا موجودين في جميع الجهات شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالاً منذ أزمان طويلة لا يعلم ابتداءها إلا الله -تعالى-، ولم يحصرهم سد من حديد يمنعهم من الخروج والاختلاط بغيرهم من الأمم، بل كان الناس يذهبون إلى أوطانهم ويخالطونهم في قديم الدهر وحديثه، ولو كان الأمر على ما زعمه ابن سعدي من أنهم هم يأجوج ومأجوج لَما قدر الناس على الذهاب إليهم والاختلاط بهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن يأجوج ومأجوج إذا خرجوا على الناس يطئون البلاد، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، وأخبر أيضًا أن أوائلهم يمرون على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، وأخبر أيضًا أنه لا يدان لأحد بقتالهم، وأخبر أيضًا أنهم يحصرون نبي الله عيسى وأصحابه فيدعو عليهم عيسى وأصحابه فيهلكهم الله، وأخبر أيضا أنه بعد عيسى ابن مريم لو أن رجلا أنتج فرسًا لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة، وأخبر أيضًا أن الله -تعالى- عهد إلى عيسى أنه بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم فإن الساعة كالحامل المُتم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارًا، وأخبر أيضًا أن خروجهم من الآيات العشر التي تكون بين يدي الساعة، وأخبر أيضًا أن خروج هذه الآيات يتتابع كما يتتابع الخرز في النظام، وكل ما ذكر في هذه الأحاديث وفي غيرها من الأحاديث الواردة في يأجوج ومأجوج لا ينطبق على أمم الكفار الموجودين الآن، والذين قد خالطهم الناس وعرفوهم حق المعرفة، وجرت بينهم وبينهم المعاهدات والمعاملات التجارية وعقود الشركات وغيرها من الأعمال الدنيوية، ومن تأمل الأحاديث الواردة في يأجوج ومأجوج رأى فيها أبلغ رد على ابن سعدي، وعلى من قلده وأخذ بقوله.
وأما قوله: فإنه دل الكتاب والسنة دلالة بينة صريحة أن يأجوج ومأجوج من أولاد آدم، وأنهم ليسوا بعالم آخر غيبي، كالجن ونحوهم ممن حجب الآدميون عن رؤيتهم والاحساس في الدنيا بهم.
فجوابه: أن يقال: لا شك أن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم، وقد ذكرت قريبًا1

ما رواه الحاكم عن سعيد بن المسيب أنه قال: "إن يأجوج ومأجوج من ولد يافث بن نوح"، وروي البزار بإسناد ضعيف عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا مثله، ولا يلزم من كونهم من بني آدم أن يكونوا هم الأمم الذين يعرفهم الناس ويخالطونهم، كما قد توهم ذلك ابن سعدي ومن قلده، وإنما هم أناس غيرهم قد حيل بينهم وبين الناس بالسد الذي بناه ذو القرنين، فلا يعرفهم الناس ولا يخالطونهم، ولا يخرجون على الناس إلا في آخر الزمان بعد نزول عيسى ابن مريم وقتل الدجال، كما ثبتت بذلك الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكما يدل عليه قوله -تعالى- إخبارًا عن ذي القرنين أنه لما أتم بناء السد ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، قال الله -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾، ويدل عليه أيضًا قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾.
وأما قوله: وذلك أن هناك جبلان متقابلان متصلان بمشارق الأرض ومغاربها، وليس للناس في تلك الأزمان طريق إلا من تلك الفجوة التي بين السدين، حيث كان مسير الناس في ذلك الوقت على الإبل والبغال والحمير، فبني ذو القرنين سدًا محكمًا بين الجبلين، فتم بنيانه للردم بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، وبقي ما شاء الله أن يبقى، ثم بعد ذلك ظهروا على الناس من جميع النواحي والجبال والبحار.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: هذه الجملة قد غيرها ابن محمود عما هي عليه في رسالة ابن سعدي وزاد فيها ونقص ثم لم يبين ذلك، وهذا ينافي الأمانة في النقل، وهذا نص كلام ابن سعدي قال: "ومنها أن الحاجز الذي بناه ذو القرنين بينهم وبين الطائفة المجاورة لهم، الذين شكوا إفسادهم جزء يسير جدًا من السد الطبيعي، الذي جعله الله بينهم وبين الناس، فإن نص القرآن صريح على أن ذا القرنين وصل إلى ما بين السدين، وأن السدين موجودان قبل ذي القرنين، وهما الجبال والبحار التي عن يمين تلك الفجوة التي بناها والبحار والجبال التي عن يسارها، فتلك الجبال والبحار الواصلة لمشارق الأرض ومغاربها سدان محكمان بينهم وبين الناس في تلك الأزمان وما بعدها، وليس لهم طريق في ذلك الوقت إلا من تلك الفجوة التي بين السدين، فبناها ذو القرنين، فتم بنيانه الردم بينهم وبين الناس، وبقي ما شاء الله أن يبقى، ثم بعد ذلك ظهروا على الناس من جميع النواحي والجبال والبحار".
انتهى.

الوجه الثاني: أن يقال: في أول كلام ابن محمود لحن في قوله: إن هناك جبلان متقابلان متصلان بمشارق الأرض ومغاربها، وصوابه: جبلين متقابلين متصلين.
الوجه الثالث: أن يقال: إن في هذا الكلام من التخرص واتباع الظن ما لا يخفى على عاقل، وهل يقول عاقل إن في الأرض جبلين متقابلين متصلين بمشارق الأرض ومغاربها؟ وهل يقول عاقل إن أوربا وأمريكا وآسيا سوى جزيرة العرب قد أحيطت بجبلين متقابلين متصلين بمشارق الأرض ومغاربها؟ كلا، لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل، وأين يكون موضع الفجوة التي جعل ذو القرنين فيها السد المانع للأمريكيين والأوربيين ودول آسيا من الخروج والاتصال بالعرب، وإن تعجب فهذا التوهم والتخرص من أعجب العجب، ومع هذا يزعم ابن محمود أنه نور هداية ودلالة، وهو في الحقيقة ظلمة حالكة وضلال عن الحق، ولو كان يأجوج ومأجوج قد خرجوا على الناس من جميع النواحي والجبال والبحار لكانوا قد وطئوا بلاد العرب وغيرها من البلاد، وأهلكوا كل شيء أتوا عليه، وشربوا كل ماء مروا عليه، ولكان الدجال قد خرج قبل ذلك، ونزل عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- فقتل الدجال ودعا على يأجوج ومأجوج فهلكوا جميعًا، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- في عدة أحاديث تقدم ذكرها قريبًا، وحيث أنه لم يقع شيء من هذه الأمور العظام فلا شك أن السد لا يزال باقيًا على حاله، وأن يأجوج ومأجوج لم يزالوا من وراء السد ولم يخرجوا على الناس، ولا يخرجون حتى ينزل عيسى ابن مريم ويقتل الدجال.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الجبلين اللذين بنى ذو القرنين الردم بينهما هما في بلاد يأجوج ومأجوج الواقعة في أقصى المشرق من ناحية الشمال، وليسا متصلين بمشارق الأرض ومغاربها كما قد توهم ذلك ابن سعدي وابن محمود، وقد تقدم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "الجبلان؛ أرمينية، وأذربيجان"، وكذا قال القرطبي في تفسيره إن السدين جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان، وقال الضحاك في قوله -تعالى-: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: "يعني الجبلين، وهما من قبل أرمينية وأذربيجان"، هذا ما قاله هؤلاء الأئمة في السدين؛ أي الجبلين اللذين بنى ذو القرنين الردم بينهما، ولا أعلم عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم من أهل العلم أنهم قالوا في الجبلين الذين بنى ذو القرنين الردم بينهما أنهما واصلان لمشارق الأرض ومغاربها،...............................................

بل هذا مما يعلم بطلانه بالضرورة عند كل عاقل، إذ ليس في الأرض جبال متصلة من المشرق إلى المغرب، وكذلك لم أر لأحد من أهل العلم أنهم قالوا إن البحار الواصلة لمشارق الأرض ومغاربها إنها سد محكم بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وإنما هذا من التوهمات والتخرصات التي يعلم بطلانها بالضرورة. يوضح ذلك الوجه الخامس: وهو أن يقال: إن البحار لم تكن حاجزًا بين الدول التي ذكرها ابن سعدي وبين غيرهم من الناس لا في قديم الدهر ولا في حديثه، وكذلك الجبال التي في مشارق الأرض ومغاربها لم تكن مانعة من اتصال العرب ولا غيرهم من الناس بتلك الدول لا في قديم الدهر ولا في حديثه، بل كان العرب وغيرهم من الأمم يذهبون إلى أي البلاد شاءوا من بلاد تلك الدول وغيرها من البلاد، وليس هناك حواجز تمنعهم من الذهاب في أنحاء الأرض وأقطارها إلا ما كان من بلاد يأجوج ومأجوج التي لا سبيل إليها إلا من الطريق الذي بناه ذو القرنين، وقد تقدم قول ابن عباس -رضي الله عنهما- والضحاك والقرطبي؛ إنها من قبل أرمينية وأذربيجان. فهذه البلاد لا سبيل إلى دخولها والاتصال بأهلها، ولا سبيل لأهلها إلى الخروج منها إلا في آخر الزمان، عند اقتراب الساعة وبعد نزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- وقتله الدجال، فحينئذ يندك السد ويخرج يأجوج ومأجوج من بلادهم، فيطئون البلاد فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، ثم يدعو عليهم نبي الله عيسى -عليه الصلاة والسلام- فيهلكهم الله -تعالى-، وقد تقدم ذلك قريبًا في عدة أحاديث صحيحة فلتراجع.1
وأما قوله: حيث كان مسير الناس في ذلك الوقت على الإبل والبغال والحمير.
فجوابه: أن يقال: هذه زيادة من ابن محمود وليست في رسالة ابن سعدي، وكان ينبغي لابن محمود أن يبين ذلك.
وأما قوله: فتحركوا في وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول قتال وقع من المسلمين مع النصارى في وقعة مؤتة، وكان المسلمون أربعة آلاف وجيش النصارى مائة وعشرون ألفًا، فكشف للنبي - صلى الله عليه وسلم - عنهم يوم قتالهم، فقال وهو يخطب الناس: «أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذها زيد بن حارثة فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله، وهو خالد بن الوليد، ففتح الله عليه» يخبرهم بذلك...................................

وهو يبكي، وهذا هو مبدأ تحركهم لقتال المسلمين والخروج عليهم، وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا».
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: هذا الكلام لابن محمود سوى قوله في أوله: فتحركوا في وقت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذه الجملة هي التي من كلام ابن سعدي فقط، وقد مزج ابن محمود كلامه مع كلام ابن سعدي ولم يبين ذلك، بل أوهم أن الكل من كلام ابن سعدي، وهذا ينافي الأمانة في العلم.
الوجه الثاني: أن يقال: إن المسلمين في يوم مؤتة إنما قاتلوا الروم ومن انضم إليهم من نصارى العرب، فأما يأجوج ومأجوج فإنهم لم يروهم فضلا عن أن يقاتلوهم، وقد قال الله -تعالى-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، فسماهم في الآية الروم، وسماهم في الآية من سورة براءة أهل الكتاب، لو كانوا من يأجوج ومأجوج لسماهم بذلك كما سماهم به في سورة الكهف وسورة الأنبياء، وفي هذا أبلغ رد على من جعل الروم من يأجوج ومأجوج.
الوجه الثالث: أن يقال: إن المسلمين هم الذين تحركوا إلى قتال الروم وساروا إليهم في أوطانهم وبدأوهم بالقتال، فأما يأجوج ومأجوج فلا يقدر أحد على قتالهم كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مخبرًا به عن الله - عز وجل-، وذلك فيما رواه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة، عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- وقتله الدجال، ثم قال: «فينما هو كذلك إذ أوحي الله إلى عيسى؛ إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج» الحديث، وفي حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر عن عيسى -عليه الصلاة والسلام- أن الله - عز وجل- عهد إليه، أن يأجوج ومأجوج إذا خرجوا يطئون البلاد فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، وقد تقدم إيراد هذا الحديث وحديث النواس بن سمعان قريبًا.1

فصول الكتاب · 4 فصل · 411 صفحة
جارٍ التحميل