له بين الركن والمقام، ورجل يخرج من وراء النهر فيبايع له، ورجل يخرج بعد موت خليفة، ورجل يخرج اسمه الحارث، ورجل يصلحه الله في ليلة.
فجوابه: أن يقال: إن الذي ذكره ابن محمود ههنا وزعم أنه مع أشخاص متعددين يدور على رجلين؛ أحدهما المهدي، الذي جاء في الحديث أن الله يصلحه في ليلة، وهو الذي يخرج من المدينة هاربًا إلى مكة فيبايع له بين الركن والمقام، ويكون ذلك بعد موت خليفة، وبعد اختلاف يكون بعد موت ذلك الخليفة.
وأما الرجل الذي يخرج من وراء النهر فهو الذي اسمه الحارث، وهو من أعوان المهدي وأنصاره، وليس هو الذي يبايع له كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما يبايع للمهدي.
والحديث الوارد في الحارث ضعيف، وقد تقدم التنبيه على ذلك قريبًا، ولا يخفى ما في كلام ابن محمود من المغالطة والتلبيس.
وقد لحن ابن محمود في قوله: كما زعم دعاة المهدي والمتعصبين لصحة خروجه، وصوابه: والمتعصبون بالرفع؛ لأنه معطوف على فاعل زعم.
وأما قوله: لهذا يجب طرح فكرة المهدي جانبًا، فعندنا كتاب الله نستغني به عن كل دعي مفتون، كما أن لدينا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فجوابه: أن يقال: إن خروج المهدي في آخر الزمان ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة، وليس ذلك من قبيل الأفكار كما زعم ذلك ابن محمود تقليدًا لأحمد أمين، وقد ذكرت الأحاديث الثابتة في المهدي في أول الكتاب فلتراجع1، وما كان ثابتًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فطرحه حرام، ومن طرحه متعمدًا فإنه يخشى عليه من الفتنة والعذاب الأليم، قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وأما قوله: فعندنا كتاب الله نستغني به عن كل دعي مفتون، كما أن لدينا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن المهدي الذي جاءت بذكره الأحاديث.....
الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس من الأدعياء المفتونين، حاشا وكلا، وإنما هو من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، الذين يعملون بالسنة ويملئون الأرض قسطًا وعدلا، ولا يضره إنكاره من أنكره من العصريين، ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من ذوي الجراءة على رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. الوجه الثاني: أن يقال: إن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يستغنى بهما عن أئمة العدل الذين يعملون بهما، ويحملون الناس على العمل بهما، وينصفون المظلوم من الظالم، وقد تقدم الجواب عن هذا الزعم الباطل في أثناء الكتاب بأبسط من هذا فليراجع.1
وأما قوله: وأرجو بهذا البيان أن تستريح نفوس الحائرين، ويعرفوا رأي أهل العلم والدين في هذه المشكلة التي تثار من آن لآخر.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ليس في كلام ابن محمود شيء من البيان البتة، وإنما هو تمويه وتلبيس ومغالطة ومجازفة، من أول الرسالة إلى آخر كلامه في يأجوج ومأجوج، وكلامه مما يزيد الحائرين حيرة وضلالا عن الحق الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. الوجه الثاني: أن يقال: إنما تستريح نفوس الحائرين إلى خبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- لا إلى زبالة أذهان العصريين وآرائهم الفاسدة المعاكسة لأخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمن أراد لنفسه الراحة في شأن المهدي وغيره فليتمسك بما جاء عن الله -تعالى-، وما رواه الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يلتفت إلى ما خالف ذلك من أقوال الناس وتفكيراتهم وآرائهم.
الوجه الثالث: أن يقال: من أطرح الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي أو في غيره متعمدا فليس بأهل أن يُعد من أهل العلم والدين، وإنما يوصف بضد ذلك، وليس لهؤلاء حرمة ولا كرامة، قال الله -تعالى-: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾.
الوجه الرابع: أن يقال: لا يخفى على من له أدنى علم وفهم ما في كلام ابن محمود من الإعجاب برأيه المخالف للأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي،..................
وكل رأي خالف الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو فاسد ومردود على صاحبه، وكذلك لا يخفى ما في كلامه من دعوى العلم والدين وتزكية النفس بذلك، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾.
وقال ابن محمود في صفحة (58): "ودعوى المهدي في مبدئها ومنتهاها مبنية على الكذب الصريح والاعتقاد السيئ القبيح، وهي في الأصل حديث خرافة يتلقفها واحد عن آخر، وقد صيغت لها الأحاديث المكذوبة سياسة للإرهاب والتخويف، حيث غزا بها قوم على آخرين، وإلا فمن المعلوم قطعًا أن الرسول الكريم لن يفرض على أمته التصديق برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به، ثم يترك أمته يتقاتلون على التصديق والتكذيب به إلى يوم القيامة.
إن هذا من المحال أن تأتي الشريعة به؛ إذ هو جرثومة فتنة دائمة ومشكلة لم تحل، والرسول جاء بمحاربة الفتن وقال: «أعوذ بالله من مضلات الفتن»، وقال: «لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»، وقال: «لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله»، وقال: «إياكم ومحدثات الأمور».
والمهدي واعتقاده هو من محدثات الأمور".
والجواب: أن يقال: أما قوله: إن دعوى المهدي في مبدئها ومنتهاها مبنية على الكذب الصريح والاعتقاد السيئ القبيح.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: هذه مجازفة قبيحة جدًا وليس الأمر على ما زعمه ابن محمود، بل إن القول بظهور المهدي في آخر الزمان ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - برواية الثقات عن الثقات، ولا يرد الأحاديث الثابتة فيه إلا من هو مكابر لا يبالي بمعارضة النبي - صلى الله عليه وسلم - ورد الأحاديث الثابتة عنه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الكذب الصريح والاعتقاد السيئ القبيح في الحقيقة هو قول المكابر: إن دعوى المهدي مبنية على الكذب والاعتقاد السيئ، وإنها في الأصل حديث خرافة، وإنها قد صيغت لها الأحاديث المكذوبة.
الوجه الثالث: أن يقال: كيف يستجيز المسلم أن يصف الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنها كذب صريح، وأن اعتقاد ما جاء فيها اعتقاد سيئ قبيح، إن هذا القول الباطل المستهجن لإحدى الكبر من مجازفات ابن محمود التي قالها من غير...................
تثبت ولا تعقل، وقد قال الله -تعالى-: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ومن تعزيز النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره احترام الأحاديث الثابتة عنه والتسليم والانقياد والإذعان لها على أكمل الوجوه وأحسنها، وأن لا يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة، فضلا عن مقابلتها بالتكذيب ووصفها بأنها كذب صريح، وأن اعتقاد ما جاء فيها اعتقاد سيئ قبيح، فهذا مما لا يتوقع صدوره من رجل مسلم.
الوجه الرابع: أن يقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» رواه مسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، ومن قال في الأحاديث الثابتة في المهدي إنها كذب صريح، وإن اعتقاد ما جاء فيها اعتقاد سيئ قبيح، فهو خليق بأن تطبق عليه أحكام هذا الحديث الصحيح.
وأما قوله: إنها في الأصل حديث خرافة يتلقفها واحد عن آخر.
فجوابه: أن يقال: بل الخرافة كل الخرافة ما جازف به ابن محمود في رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، وما تلقاه عن بعض العصريين من الشبه والشكوك والآراء الفاسدة في معارضتها وإطراحها.
وأما قوله: وقد صيغت لها الأحاديث المكذوبة سياسة للإرهاب والتخويف.
فجوابه: أن يقال: إن الأحاديث الثابتة في المهدي رواتها كلهم ثقات من لدن الصحابة الذين رووها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الأئمة الذين خرجوها في كتبهم المشهورة، وليس في رواتها أحد من المتروكين ولا من الكذابين والوضاعين ولا من المغفلين الذين يقبلون التلقين، وإذا فما زعمه ابن محمود من أن دعوى المهدي قد صيغت لها الأحاديث المكذوبة فهو قول لا أساس له من الصحة، وإنما هو مجازفة وتمويه وتلبيس على ضعفاء العقول والأفهام، وهلا أورد ابن محمود الأحاديث في المهدي بأسانيدها، وذكر أسماء الكذابين من رواتها الذين صاغوها للإرهاب والتخويف على حد زعمه؟ ولن يجد إلى الطعن المؤثر في أسانيد الأحاديث الثابتة في المهدي سبيلا البتة.
وقد زعم في صفحة (4) أن عبد الله بن سبأ وشيعته أخذوا يعملون عملهم..........
في صياغة الأحاديث ووضعها على لسان رسول الله بأسانيد منظمة عن أهل القبور، وأخذوا في نشرها في مجتمع الناس، وهذا الزعم لا أساس له من الصحة، إذ لا علاقة لابن سبأ وشيعته بشيء من الأحاديث الثابتة في المهدي، وليس في رواتها أحد منهم، وقد ذكرت الجواب عما ألصقه ابن محمود بابن سبأ وشيعته في أول الكتاب، فليراجع.1
وأما قوله: وإلا فمن المعلوم قطعًا أن الرسول الكريم لن يفرض على أمته التصديق برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به، ثم يترك أمته يتقاتلون على التصديق والتكذيب به إلى يوم القيامة. فجوابه: أن يقال: قد كرر ابن محمود هذا القول المستهجن في ستة مواضع سوى هذا الموضع، وقد تقدم الجواب عنه في أول الكتاب، وفي موضعين في أثنائه فليراجع.2
وأما قوله: إن هذا من المحال أن تأتي الشريعة به، إذ هو جرثومة فتنة دائمة ومشكلة لم تحل.
فجوابه: أن يقال: إن الله -تعالى- قد فرض الإيمان به وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال -تعالى-: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله».
ومن الإيمان بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - الإيمان بكل ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأوامر والنواهي والأخبار، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروج رجل من أهل بيته في آخر الزمان، يعمل بسنته..........................
ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وسماه في بعض الأحاديث بالمهدي، فوجب الإيمان بخبره الصادق، ومن لم يؤمن به فلا شك أنه لم يحقق الشهادة بالرسالة.
ومن زعم أنه ليس في الشريعة الإيمان بخروج المهدي، وأنه من المحال أن تأتي الشريعة به، فذلك دليل على بعده عن معرفة ما جاءت به الشريعة.
وأما قوله: إذ هو جرثومة فتنة دائمة ومشكلة لم تحل.
فجوابه: أن يقال: أما المهدي الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروجه في آخر الزمان فليس خروجه فتنة ولا مشكلة، وإنما هو نعمة عظيمة على المؤمنين؛ لأن الله -تعالى- يزيل الفتن والمشاكل والجور والظلم على يديه، ويبدل ذلك بالقسط والعدل والأمن والطمأنينة والرخاء والنعم الكثيرة، كما قد جاء ذلك في بعض الأحاديث التي تقدم ذكرها في أول الكتاب1، وأما الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا وحصل بسببهم فتن ومشاكل فهؤلاء إنما كانوا يسعون لتحصيل الملك والأغراض الدنيوية، وبين صفاتهم وصفات المهدي الذي يخرج في آخر الزمان بَون عظيم وفرق شاسع، ودعاواهم الكاذبة لا تؤثر في الأحاديث الواردة في المهدي، كما أن دعاوى الدجالين المدعين للنبوة لا تؤثر في نبوة الأنبياء، وقد وجد من هؤلاء وهؤلاء عدد كثر، وحصل بسببهم فتن ومشاكل كثيرة، ومن لم يفرق بين المهدي الذي بشر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا وجعل الجميع من باب واحد، فحري به أن لا يعرف الفرق بين الأنبياء وبين المتنبئين.
وأما قوله: والرسول جاء بمحاربة الفتن وقال: «أعوذ بالله من مضلات الفتن».
فجوابه: أن يقال: قد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المهدي أنه يعمل بسنته، وأن خُلُقه يواطئ خُلُقه، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وفي هذا أوضح دليل على أن المهدي يحارب الفتن وأهل الفتن كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحارب الفتن وأهل الفتن، وفيه أيضًا أبلغ رد على من زعم أن المهدي جرثومة فتنة دائمة ومشكلة لم تحل.
وأما قوله: وقال: «لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك».
فجوابه: أن يقال: إن المحجة البيضاء هي التمسك بالكتاب والسنة، لما رواه مالك في الموطأ بلاغًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله وسنة رسوله» وقد رواه الحاكم في مستدركه موصولا من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، وصححه وأقرَّه الذهبي.
وإذا علم هذا فمن المحجة البيضاء ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من عدة أوجه، أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، فمن لم يؤمن بخروجه ففيه من الزيغ عن المحجة البيضاء بقدر ما أعرض عنه من السنة.
وأما قوله: وقال: «لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله».
فجوابه: أن يقال: إن الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان من الاعتصام بكتاب الله -تعالى- لأن الله -تعالى- يقول: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقد أمر الله -تعالى- بالإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في آيات كثيرة، ومن الإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - الإيمان بما أخبر به من الغيوب الماضية والآتية، ومن الغيوب الآتية خروج المهدي في آخر الزمان، فمن لم يؤمن بخروجه فلا شك أنه لم يحقق الاعتصام بكتاب الله ولا الإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم -. وأما قوله: وقال: «إياكم ومحدثات الأمور» والمهدي واعتقاده هو من محدثات الأمور.
فجوابه: أن يقال: بل الذي هو من محدثات الأمور على الحقيقة إنكار خروج المهدي في آخر الزمان ومعارضة الأحاديث الثابتة فيه وردها وإطراحها، فأما إثبات خروجه فهو من لزوم السنة، ومن التسليم لما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن محمود في صفحة (62): "وإني أرجو بعد دراستهم لهذه الرسالة بأن ينتبهوا ويتناصحوا، فيغسلوا قلوبهم عن اعتقاد هذه الخرافة التي ستضرهم وتضر أبناءهم ومجتمعهم من بعدهم".
والجواب: أن يقال: إنه ينبغي لأهل العلم أن يحذروا الناس من دراسة رسالة ابن محمود، لما فيها من التهجم على الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، ومعارضتها بالشبه والشكوك والآراء الفاسدة، ووصفها بالصفات الذميمة؛ كقوله إنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وإنها أحاديث خرافة، وإنها نظرية خرافية، وإنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة،..............................
وما فيها أيضًا من السخرية والاستهزاء بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المهدي، أنه يملك سبع سنين فيملأ الأرض قسطًا وعدلا، وما فيها أيضًا من التهجم على العلماء عامة، وعلى الشافعي وأحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية خاصة، وزعمه أن الناس مقلدة، وأن المحدثين والفقهاء ينقل بعضهم عن بعض الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه، وما فيها أيضًا من التقوُّل على ابن ماجة، والدارقطني، والعقيلي، والمنذري، وابن القيم، والذهبي، والشاطبي، وابن خلدون، وعلى القاري، والسيوطي، وقد تقدم ذكر ذلك والتعقب عليه، إلى غير ذلك مما في رسالته من الفضول والكلام المستهجن، الذي هو مضرة عليه في دينه ومضرة على كل من اغتر برسالته.
ونقل ابن محمود في صفحة (62) وصفحة (63) عن رشيد رضا أنه قال في تفسيره "المنار" عند تفسير سورة الأعراف: "أما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان- البخاري ومسلم- بشيء من روايتها... إلى أن قال: وقد جاءهم النذير، وهو ابن خلدون الشهير، وصاح فيهم قائلا: إن لله سننا في الأمم والدول، والعمران مطرد في كل زمان ومكان، كما ثبت في مصحف القرآن وصحف الأكوان، ومن المعلوم وقوع الاختلاف والاضطراب في أحاديث المهدي"، ونقل ابن محمود أيضًا في صفحة (64) وصفحة (65) من جواب لرشيد رضا أنه قال: "وردت أحاديث في المهدي، منها ما حكموا بقوه إسناده، ولكن ابن خلدون عني بإعلالها وتضعيفها كلها، ومن استقصى ما ورد في المهدي المنتظر من الأخبار والآثار وعرف مواردها ومصادرها يرى أنها كلها منقولة عن الشيعة... إلى أن قال: أما سائر المسلمين فالأمر عندهم أهون، فإن منكر المهدي عندهم لا يعد منكرًا لأصل من الدين... إلى أن قال: وجملة القول أننا لا نعتقد بهذا المنتظر، ونقول بضرر الاعتقاد به".
هذا حاصل كلام رشيد رضا الذي اعتمد عليه ابن محمود في رسالته، وخالف لأجله الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إنه لا يستكثر من رشيد رضا أن يشن الحملة على أحاديث المهدي، فقد شن الحملة على ما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما من أحاديث الفتن وأشراط الساعة وخوارق الأنبياء......................................
ومعجزاتهم، وقد رد عليه تلميذه محمد عبد الرازق حمزة في ضمن رده على أضاليل أبي رية، فقال في صفحة (236) وصفحة (237) من كتابه المسمى "ظلمات أبي رية" ما نصه: "ونقل أبو رية (ص215) تحت عنوان (كلمة جامعة في أحاديث أشراط الساعة وأمثالها) كلمة في نحو صفحتين عن السيد رشيد رضا من تفسير (504 - 507) ج9، فيما جاء من الأحاديث في أشراط الساعة، وخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم وغيرها، شكك فيها بأن الرواة رووها بالمعنى - يعني ويجوز الخطأ عليهم فيما فهموه من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن الصحابة كان فيهم منافقون، وفي الرواة وضاعون تظاهروا بالصلاح، فلم يعرف ما وضعوه إلا بعد توبة بعضهم وإقراره بما وضع - إلى آخر ما هو دفع في صدر الأحاديث الصحيحة وعجزها، وإضعاف الثقة بها والاحتجاج بما جاءت به".
ونقول كلمة موجزة في سبب هذا التشكيك من السيد رشيد، تخرج على أستاذه الإمام الشيخ محمد عبده، الذي تمهر في فلسفة القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ورضعا جميعًا لبان فلسفة جوستاف لوبون، وكانت، ونتشه، وسبنسر، وغيرهم من أساطين الفلسفة المادية، التي تقول بجبرية الأسباب والمسببات، وإن العالم يسير بنواميس لا يمكن أن تتخلف أو أن ينفك مسبب عن سببه عقلا، فلم تتسع الفلسفة المادية في تفكيرهما للإيمان بالمعجزات والخوارق؛ من انفلاق البحر لموسى والعصا له، وآيات عيسى ابن مريم، ورفعه للسماء، ونزوله، وخروج الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وانشقاق القمر، وغيرها من الآيات، ولما لم تتسع فلسفتهما- فلسفة القرن الثامن عشر والتاسع عشر- لهذه الخوارق والآيات والمعجزات، أخذا في تأويلها في القرآن والشك في أحاديثها، ولو عاش الإمامان الشيخ محمد عبده، والسيد رشيد رضا إلى منتصف القرن العشرين، وعلما فلسفته التي نفت الجبرية، وأنها ذهبت إلى غير رجعة، وأن العالم مسير بحكمة فاعل مختار، لا بجبرية حتمية، كما أعلن ذلك مشرفة باشا في مقال له "تطور العلم"، والعالم الطبيعي الفلكي الإنكليزي جنز في كتاب "الكون الخفي" أو المستور، ورئيس الأكاديمية الأمريكية في نيويورك صاحب كتاب "الإنسان لا يقوم وحده" الذي يرد على هكسلي خليفة دارون في كتابه "الإنسان يقوم وحده"، وقد عرب كتاب "الإنسان لا يقوم وحده" باسم "العلم يدعو إلى الإيمان".
أقول لو عاش الإمامان إلى هذا التجديد في الفلسفة الغربية لكان لهما رأي آخر في آيات الأنبياء وخوارقهم ومعجزاتهم، ولكان لهما إيمان وفرح بأحاديث أشراط الساعة والخوارق، ولاستفادا منها علومًا نفيسة من الوحي الإلهي.
ثم قال محمد عبد الرازق حمزة: "أنا تلميذ السيد رشيد رضا، واستفدت منه ما أشكر الله عليه وأشكر أستاذي على ذلك وأترحم عليه لأجله، ولكن ذلك لا يمنعني أن أخالفه إلى ما يظهر لي من الحق، كما قال أحد الحكماء عن شيخه إنه يحبه والحق أحب إليه من شيخه".
وقال محمد عبد الرازق حمزة في صفحة (271): "ولقد ذكرنا فيما مضى أن الأستاذ الإمام قد رضع فلسفة القرن التاسع عشر والثامن عشر التي كانت شائعة في أوربا في عصره، وكان أساطينها أمثال كانت، وجوستاف لوبون، وسبنسر، وجوته وغيرهم، فتعارضت عنده مع ما جاء على ألسنة الرسل من ذكر السحر والجن والشياطين وخوارق المعجزات، فأراد أن يجمع بين تلك الفلسفة المادية التي تجعل الكون آلة تسيرها سنن لا تنخرم ولا تتخلف، وبين ما أثبتته الأديان من معجزات الأنبياء والرسل، فذهب يؤولها حتى تنسجم مع ما رضع من فلسفة الماديين".
وذكر الشيخ محمد عبد الرازق حمزة أيضًا في صفحة (274): "أن السيد رشيد حاول تأويل بعض الأحاديث، وهي ما كانت تشكل عليه في الجمع بينها وبين تفكيره العصري، الذي أخذه عن شيخه الأستاذ الإمام، عن فلسفة القرن التاسع عشر وما قبله من الفلسفة المادية، التي لا تجتمع مع ما جاءت به الديانات".
انتهى.
وللشيخ أحمد محمد شاكر في صفحة (124) إلى أثناء صفحة (129) من تعليقه على الجزء الثاني عشر من مسند الإمام أحمد كلام جيد جدًا في الرد على بعض العصريين، الذين لعبوا بحديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه» الحديث، قال في أثنائه: "لم نر فيمن تَقدَّمَنا من أهل العلم من اجترأ على ادعاء أن في الصحيحين أحاديث موضوعة، غاية ما تكلم فيه العلماء نقد أحاديث فيهما بأعيانها، لا بادِّعاء وضعها والعياذ بالله، ولا بإدعاء ضعفها، إنما نقدوا عليهما أحاديث ظنوا أنها لا تبلغ في الصحة الذروة العليا التي التزمها كل منهما، وهذا مما أخطأ فيه كثير من الناس، ومنهم أستاذنا السيد رشيد رضا -رحمه الله- على علمه بالسنة وفقهه، ولم يستطع قط أن يقيم حجته على ما يرى........
وأفلتت منه كلمات يسمو على علمه أن يقع فيها، ولكنه كان متأثرًا أشد الأثر بجمال الدين ومحمد عبده، وهما لا يعرفان في الحديث شيئًا، بل كان هو بعد ذلك أعلم منهما وأعلى قدمًا وأثبت رأيًا لولا الأثر الباقي في دخيلة نفسه، والله يغفر لنا وله".
انتهى المقصود من كلامه.
وقال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" "المسألة التاسعة والثمانون": "تقدم لنا أن الذين تخرجوا على الشيخ جمال الدين الأفغاني والذين تخرجوا عمن تخرج عنه يفسرون القرآن برأيهم، وينكرون بعض ما ثبت في الشرع، ويعتمدون على أقوال الكفار، ويهجرون قول الله وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقول الراسخين في العلم من المسلمين، وعندهم كلام الله -تعالى- ككلام البشر يتصرفون فيه بغير علم، فيحق عليهم الوعيد".
انتهى المقصود من كلامه.
ومما ذكرته عن هؤلاء العارفين حق المعرفة برشيد رضا يتبين لكل عاقل أنه لا ينبغي الاعتماد على كلامه، ولا الالتفات إلى رأيه وتفكيره إذا كان مخالفًا للأحاديث الثابتة.
الوجه الثاني: أن يقال: إن أقوال رشيد رضا ليست ميزانًا توزن به الأحاديث النبوية فيقبل منها ما وافق أقواله ويرد ما خالفها، وإنما الميزان الأسانيد، فما صح منها فهو مقبول، وما لم يصح منها فهو مردود، وقد ذكرت كلام الشافعي وأحمد وغيرهما من أكابر العلماء في ذلك في أول الكتاب فليراجع1، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة في المهدي، وما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فالإيمان به واجب، ولا يجوز الالتفات إلى مكابرة بعض العصريين في رد الأحاديث الثابتة التي تخالف تفكيراتهم الخاطئة وثقافتهم الغربية. الوجه الثالث: أن يقال: ما زعمه رشيد رضا من التعارض في أحاديث المهدي، وأن البخاري ومسلمًا لم يعتدا بشيء من رواياتها فقد تقدم الجواب عنه في أول الكتاب فليراجع.2
وأما قوله: إن الجمع بين الروايات أعسر.
فجوابه: أن يقال: ليس بين الروايات الثابتة في المهدي تعارض البتة، وإنما التعارض في أفهام المنكرين لها وفي توهماتهم الخاطئة، وإذ لم يكن بين الروايات الثابتة في المهدي تعارض فأي حاجة تدعو إلى الجمع. وأما قوله: والمنكرون لها أكثر. فجوابه: أن يقال: هذا غير صحيح، والواقع يشهد بخلافه، فإن المعروف عن أهل السنة والجماعة منذ زمن الصحابة -رضي الله عنهم- إلى زماننا أنهم يصدقون بالأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، وإن وجد منهم فرد أو أفراد قليلون يتوقفون في خروج المهدي اعتمادًا على الحديث الضعيف الذي جاء فيه «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» فذلك نادر والنادر لا حكم له، وأول من توسع في تضعيف أحاديث المهدي هو ابن خلدون، فقد نقدها إلا القليل أو الأقل منه، ثم جاء رشيد رضا وأحمد أمين وغيرهما من العصريين، الذين لا يبالون برد الأحاديث الثابتة إذا كانت مخالفة لآرائهم وتوهماتهم أو آراء من يعظمونهم من المسلمين وغير المسلمين، فردوا أحاديث المهدي كلها، وزعموا أنها موضوعة. وأما قوله: والشبهة فيها أظهر. فجوابه: أن يقال: ليس في الأحاديث الثابتة في المهدي شبهة البتة، وإنما الشبه والشكوك في أقوال المعارضين للأحاديث الثابتة بمجرد الآراء والتوهمات والتخرصات. وأما قوله: وقد جاءهم النذير وهو ابن خلدون. فجوابه: أن يقال: إن ابن خلدون لم يضعف أحاديث المهدي كلها، كما قد توهم ذلك رشيد رضا ومن قلده واغتر بقوله، وإنما ضعف أكثرها واستثنى من النقد القليل منها أو الأقل منه، وقد صرح بذلك في مقدمته بعد سياقه للأحاديث الواردة في المهدي، فليراجع كلامه، ففيه كفاية في الرد على رشيد رضا وعلي ابن محمود، وقد رد غير واحد من العلماء على ابن خلدون، وخطؤوه في تضعيفه لبعض الأحاديث الثابتة في المهدي، وقد ذكرت ردودهم عليه في أثناء الكتاب فلتراجع.1
وأما قوله: ومن المعلوم وقوع الاختلاف والاضطراب في أحاديث المهدي.
فجوابه: أن يقال: ليس بين الأحاديث الثابتة في المهدي شيء من الاختلاف..........
والاضطراب البتة، وما زعمه رشيد رضا فهو في الحقيقة مجازفة وليس بمعلوم. وأما قوله: وردت أحاديث في المهدي منها ما حكموا بقوة إسناده ولكن ابن خلدون عني بإعلالها وتضعيفها كلها. فجوابه: أن يقال: إن ابن خلدون لم يضعف أحاديث المهدي كلها كما قد زعم ذلك رشيد رضا، وإنما ضعف غالبها كما قد تقدم التنبيه على ذلك، وعلى تقدير أنه عني بإعلالها وتضعيفها كلها، فهل يظن رشيد رضا ومن قلده واعتمد على قوله الباطل، أن ابن خلدون أعلم برجال الحديث من الأئمة الحفاظ الذين قبلوا الأحاديث الثابتة في المهدي، وحكموا بقوة أسانيدها؟ وهل يظنون أن ابن خلدون أعلم بصحيح الحديث وسقيمه من الترمذي، وابن حبان، والعقيلي، والحاكم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وزين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، والهيثمي وغيرهم من الحفاظ النقاد؟ كلا، بل الذي لا يُشك فيه أن ابن خلدون لا يداني واحدًا ممن ذكرنا، فضلا عن المساواة، فاعتناؤه بإعلال أحاديث المهدي وتضعيفها مردود بتصحيح هؤلاء لجملة منها، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب فليراجع.1
وأما قوله: ومن استقصى ما ورد في المهدي المنتظر من الأخبار والآثار، وعرف مواردها ومصادرها، يرى أنها كلها منقولة عن الشيعة.
فجوابه: أن يقال: أما الأحاديث والآثار الثابتة في المهدي فليس للشيعة علاقة بها، وليس في رواتها أحد منهم، وكذلك الأحاديث الضعيفة التي تشهد لها الأحاديث الصحيحة وتؤيدها، فهذه أيضًا ليس في رواتها أحد من الشيعة، وأما الأحاديث المنكرة والأحاديث الموضوعة فوجودها كعدمها، سواء كانت منقولة عن أهل السنة أو عن الشيعة.
وأما قوله: أما سائر المسلمين فالأمر عندهم أهون، فإن منكر المهدي عندهم لا يعد منكرًا لأصل من الدين.
فجوابه: أن يقال: هذا من التقول على المسلمين، وبيان ذلك من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن المنكر للمهدي إنما هو منكر لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث علي، وابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأم سلمة، وجابر -رضي الله عنهم- أنه أخبر بخروج...........
رجل من أهل بيته في آخر الزمان يعمل بسنته، ويطابق خُلقه خُلقه، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وتنعم الأمة في زمانه نعمة لم ينعموا مثلها، وفي بعض الروايات الصحيحة أنه يسمى بالمهدي، فمن رد الأحاديث الثابتة فيه فإنما يرد على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن أنكرها فإنما ينكر على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن استهان بها فإنما هو مستهين بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. الوجه الثاني: أن يقال: إن الإيمان بالغيب من أعظم أصول الدين، قال الله -تعالى-: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ومن الإيمان بالغيب الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - مما كان فيما مضى وما سيكون في المستقبل، وقد ذكرت قريبًا قول شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتِّباع آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باطنًا وظاهرًا، وذكرت أيضًا قول شارح العقيدة الطحاوية: "لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملا"، وذكرت له وللطحاوي كلامًا أكثر من هذا، فليراجع ما تقدم.1
وإذا علم هذا فمن الإيمان بالغيب الإيمان بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وفي الآية الكريمة وهذا الحديث الصحيح أبلغ رد على من استهان بالأحاديث الثابتة في المهدي، وزعم أن الأمر فيه عند سائر المسلمين أهون، وأن منكره لا يعد منكرًا لأصل من الدين.
وأما قوله: وجملة القول إننا لا نعتقد بهذا المنتظر، ونقول بضرر الاعتقاد به.
فجوابه: أن يقال: إذا لم يؤمن رشيد رضا وابن محمود بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي المنتظر، فإنما يعود وبال ذلك عليهما، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ......
تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
ويقال أيضًا: إن الضرر في الحقيقة في رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقلة المبالاة بها، فمن رد الأحاديث الثابتة في المهدي واستهان بها فإنما هو في الحقيقة مستهين بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وراد لقوله، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ". فالواجب على المسلم أن يعظم أخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويقابلها بالقبول والتسليم، وأن لا يجد في نفسه حرجًا منها، وأن لا يعارضها بالشبه والشكوك والآراء والتخيلات، ومن عارضها بشيء من ذلك أو زعم أن اعتقادها ضرر فعقيدته لا تخلو من الخلل.
وقال ابن محمود في صفحة (69) وصفحة (70): "إنه من المعلوم أن الوضاعين الكذابين قد أدخلوا كثيرًا من الأحاديث المكذوبة في عقائد المسلمين وأحكامهم، حتى صار لها الأثر السيئ في العقائد والأعمال، لكن المحققين من علماء المسلمين قد قاموا بتحقيقها، وبينوا بطلانها وأسقطوها عن درجة الاعتبار، وحذروا الأمة منها، من ذلك أحاديث المهدي المنتظر، وأنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا، ونحو ذلك مما يقولون، وصار في كل زمان وفي كل مكان يظهر مخرف ويقول أنا المهدي المنتظر، حتى كأن المهدي جرثومة البدع ومثار الفتن.
ولا يزال علماء السنة في كل مكان يحاربون هذه الدعوى، ويحاربون من تسمى بها لاعتباره من الكذابين الدجالين، والحق أن المهدي المنتظر لا صحة له ولا وجود له قطعًا، وفي سنن ابن ماجة: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم»، وأنه بمقتضى التأمل للأحاديث الواردة في المهدي نجدها من الضعاف التي لا يعتمد عليها، وأكثرها من رواية أبي نعيم في "حلية الأولياء"، وكلها متعارضة ومتخالفة، ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة لا باللفظ ولا بالمعنى".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن أقول: إني لم أر لأحد من العلماء المحققين، لا من المتقدمين منهم ولا من المتأخرين أنه طعن في الصحاح والحسان من الأحاديث الواردة في المهدي، فضلا عن القول ببطلانها وإسقاطها عن درجة الاعتبار وتحذير الأمة منها، وإنما المعروف عنهم القول بتصحيح الصحيح منها وتحسين الحسن وتضعيف الضعيف ورد الواهي والمنكر والموضوع، وقد ذكرت في أول الكتاب تسعة أحاديث من الصحاح والحسان، وذكرت لبعضها عدة طرق مما رواه الثقات وصححه بعض الحفاظ فلتراجع1، ففيها أبلغ رد على ما موَّه به ابن محمود في زعمه أن المحققين من علماء المسلمين قد بينوا بطلانها وأسقطوها عن درجة الاعتبار وحذروا الأمة منها.
الوجه الثاني: أن أقول: قد ذكرت في أول الكتاب ما صححه الحفاظ النقاد من الأحاديث الواردة في المهدي، وما صرح به بعضهم من القول بأن أحاديث المهدي متواترة، فليراجع ما تقدم2، ففيه أبلغ رد على ما نسبه ابن محمود للمحققين من علماء المسلمين.
الوجه الثالث: أن يقال: قد يظن بعض الناس أن ابن محمود أراد بالمحققين أئمة الجرح والتعديل الذين يعتمد الناس على أقوالهم في صحة الأسانيد أو ضعفها؛ مثل شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبي زرعة، وأبي حاتم الرازي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، وأمثالهم من الجهابذة النقاد، وكذلك من كان بعدهم من الأئمة الذين صنفوا في الجرح والتعديل، وبينوا أحوال الرواة، وميزوا الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة من الأحاديث الضعيفة والأحاديث المنكرة والواهية والموضوعة، وما يدرون أن ابن محمود أراد بالمحققين أفرادًا من العصريين؛ مثل رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وأمثالهم من العصريين الذين يخبطون خبط عشواء في الحكم على الأحاديث، فما وافق أفكارهم قبلوه ولو كان ضعيفًا أو موضوعًا، وما خالف أفكارهم لم يبالوا برده وإطراحه ولو كان صحيحًا أو حسنًا، وكل حديث لا يتفق مع ثقافتهم الغربية وتفكيراتهم الخاطئة.........................
يجعلونه من وضع الزنادقة، وإن لم يكن للزنادقة به علاقة، وهؤلاء ليسوا أهل تحقيق في الحديث، وإنما هم أهل مجازفة وجراءة على الكلام في الأحاديث والقدح فيها بغير حجة، وقد قلدهم ابن محمود في رد الأحاديث الواردة في المهدي كلها، ولم يفرق بين الثابت منها وغير الثابت، مع أنه كان يذم التقليد، ويقول إن المقلد لا يعد من أهل العلم، فقد حكم على نفسه أنه لا يعد من أهل العلم. وأما قوله: وصار في كل زمان وفي كل مكان يظهر مخرف ويقول أنا المهدي المنتظر. فجوابه: أن يقال: إن ظهور المدعين للمهدية كذبًا وزورًا مثل ظهور الدجالين المدعين للنبوة، فكل هؤلاء أهل كذب وزور ولا يصدقهم إلا الجهلة الأغبياء، وأما المهدي الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه من أهل بيته، وأنه يلي في آخر الزمان، فحاله مخالفة لأحوال أهل الكذب والزور، فإنه لا يطلب الأمر لنفسه ابتداء مدعيًا أنه المهدي، وإنما يأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه، ثم يسميه الناس بعد ذلك بالمهدي لما يرونه من أعماله الصالحة، فقد ثبت أنه يعمل بالسنة، وأن خُلُقه يطابق خُلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأن الأمة تنعم في زمانه نعمة لم ينعموا مثلها. وأما قوله: ولا يزال علماء السنة في كل مكان يحاربون هذه الدعوى، ويحاربون من تسمى بها؛ لاعتباره من الكذابين الدجالين. فجوابه: أن يقال: إن علماء السنة وإن كانوا يحاربون كل من ادعى المهدية كذبًا وزورًا فهم مع ذلك يقولون بخروج المهدي في آخر الزمان؛ لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طرق متعددة، تقدم ذكرها في أول الكتاب.1
وأما قوله: والحق أن المهدي المنتظر لا صحة له ولا وجود له قطعًا.
فجوابه: أن يقال: ما زعم ابن محمود أنه الحق فهو في الحقيقة خلاف الحق الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، وقال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾، وقد ذكرت الأحاديث الدالة على نقيض قول ابن محمود في أول الكتاب، فلتراجع.2
وأما قوله: وفي سنن ابن ماجة: «لا مهدي إلا عيسى بن مريم».
فجوابه: أن يقال: هذا الحديث ضعيف جدًا، قال البيهقي: "تفرد به محمد بن خالد - يعني الجندي-، وقد قال الحاكم أبو عبد الله: هو مجهول، وقد اختلف عليه في إسناده، فروي عنه عن إبان بن أبي عياش عن الحسن مرسلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد وهو مجهول، عن أبان بن أبي عياش وهو متروك، عن الحسن، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو منقطع، والأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادًا".
انتهى، وقد نقله عنه ابن القيم في كتابه "المنار المنيف" وأقره، وقال الذهبي في الميزان: "محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، روى عنه الشافعي"، قال الأزدي: "منكر الحديث"، وقال أبو عبد الله الحاكم: "مجهول"، قال الذهبي: "حديثه «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» هو خبر منكر أخرجه ابن ماجة".
وأما قوله: وإنه بمقتضى التأمل للأحاديث الواردة في المهدي نجدها من الضعاف التي لا يعتمد عليها.
فجوابه: أن يقال: هذا قول باطل مردود، وقد تقدم التنبيه على ذلك في عدة مواضع من هذا الكتاب.
وأما قوله: وأكثرها من رواية أبي نعيم في "حلية الأولياء".
فجوابه: أن يقال: أما الأحاديث الثابتة فليست من رواية أبي نعيم في الحلية، وإنما هي من رواية أحمد، وابن أبي شيبة، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجة، وأبي يعلى، والحارث بن أبي أسامة، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، فكل واحد من هؤلاء قد روي بعضًا منها وروي غيره البعض الآخر، وأما أبو نعيم فروى في الحلية ثلاثة أحاديث من أحاديث المهدي؛ أحدها حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».
الثاني حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لتملأن الأرض ظلمًا وعدوانً، ثم ليخرجن من أهل بيتي أو قال من عترتي من يملؤها قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وعدوانًا».
الثالث حديث علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة».
وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب من رواية الإمام أحمد وغيره فلتراجع1، وروي أبو نعيم......................................................................
أيضًا في الحلية حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- في ذكر الخلفاء الاثني عشر، وهو حديث متفق على صحته، وقد تقدم ذكره في أول الأحاديث التي زعم ابن محمود أنه قد حققها، وكان نصيب هذا الحديث الصحيح من تحقيق ابن محمود هو القدح في صحته، فليراجع ذلك في الكلام على تحقيق ابن محمود لأحاديث المهدي1، ولأبي نعيم كتاب في المهدي، جمع فيه أربعين حديثًا، وقد لخصها السيوطي في رسالته التي سماها "العرف الوردي، في أخبار المهدي"، وغالبها من الأحاديث الضعيفة، وليس في "حلية الأولياء" منها سوى الأحاديث الثلاثة التي تقدم ذكرها، وقد نقل ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف" ثلاثة أحاديث من كتاب أبي نعيم في المهدي، وقال في حديث منها: "ذكرناه للشواهد"، ونقل أيضًا ثلاثة أحاديث عن أبي سعيد الخدري، وأبي أمامة، وابن عباس -رضي الله عنهم- ثم قال: "وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها بعض الضعف والغرابة، فهي مما يقوي بعضها بعضًا، ويشد بعضها ببعض" انتهى. وأما قوله: وكلها متعارضة ومتخالفة، ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة، لا باللفظ ولا بالمعنى. فجوابه: أن يقال: قد كرر ابن محمود هذه الجملة في تسعة مواضع من رسالته، وقد تقدم الجواب عنها في أول الكتاب، فليراجع.2
وقال ابن محمود في صفحة (70) وصفحة (71): "ولست أنا أول من قال ببطلان دعوى المهدي وكونه لا حقيقة لها، فقد سبقني من قال بذلك من العلماء المحققين، فقد رأيت لأستاذنا الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع رسالة حقق فيها بطلان دعوى المهدي، وأنه لا حقيقة لوجوده، وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة جدًا، ولا ينكر على من أنكره، كما رأيت أيضًا لمنشئ المنار محمد رشيد رضا رسالة ممتعة يحقق فيها بطلان دعوى المهدي، وإن كل الأحاديث الواردة فيه لا صحة لها قطعًا، وأشار إلى بطلان دعواه في تفسير المنار، لكنه يوجد في مقابلة هؤلاء من يقول بخروج المهدي ويقوي الأحاديث الواردة فيه، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فقد رأيت له قولا يقول فيه بصحة خروجه وأن فيه سبعة أحاديث، فقول شيخ الإسلام هذا خرج منه بمقتضى اجتهاد منه ويأجره الله عليه، وقد أخذ
بقوله بعض العلماء المتأخرين وصاروا يكتبون في مؤلفاتهم بصحة وجوده، مما تأثرت به عقائد العامة وبعض العلماء، والصحيح بمقتضى الدلائل والبراهين هو ما ذكره بعض العلماء من أنه لا حقيقة لصحة أحاديث المهدي، لهذا رأينا كل من انتحل خطة باطلة من الدجالين المنحرفين فإنه يسمي نفسه بالمهدي ويتبعه على دعوته الهمج السذج، والغوغاء الذين هم عون الظالم، ويد الغاشم في كل زمان ومكان".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: في بيان خطأ ابن محمود في التعبير، حيث قال: ولست أنا أول من قال ببطلان دعوى المهدي وكونه لا حقيقة لها، والصواب أن يقال "وكونها" لأن الضمير يعود إلى الدعوى.
الوجه الثاني: أن يقال: قد تقدم1عن ابن محمود أنه ذم التقليد، وقال إن المقلد لا يعد من أهل العلم، ومع هذا فقد وقع فيما ذمه؛ حيث قلد رشيد رضا، وغيره من العصريين الذين عارضوا الأحاديث الثابتة في المهدي وأنكروا خروجه. الوجه الثالث: أن يقال: إذا كان السابق لابن محمود قد قال قولاً باطلا وخالف الحق الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فماذا ينفع ابن محمود سبق من سبقه إلى القول الباطل ومخالفة الحق؟ فهل يرضى لنفسه أن يكون مشابُها للذين قال الله -تعالى- فيهم: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾؟ الوجه الرابع: أن يقال: قد تقدم الرد على أباطيل رشيد رضا التي قالها في إنكار خروج المهدي، والطعن في الأحاديث الواردة فيه من غير استثناء شيء منها، فليراجع.2
وأما الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع فقد رجع إلى الحق والصواب في رسالة له سمَّاها "تحديق النظر، بأخبار الإمام المنتظر"، قال فيها بعد أن ذكر كلام ابن خلدون في تضعيف الأحاديث الواردة في المهدي، وما قاله صاحب "عون المعبود" في الرد عليه: "وأقول: قول العلامة الهندي في هذه الأحاديث أقرب إلى الصواب من قول من جزم بضعفها كلها، فمن صح عنده حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منها أو من غيرها وجب عليه قبوله والاعتقاد بمدلوله، ومن علم بضعف الحديث وتيقنه لم يجب عليه شيء من ذلك، وإذا اعتبرنا هذه الأحاديث الواردة في المهدي........
بخصوصها وجدنا التي لم يصرح فيها باسمه أقوى، ورأينا الضعف غالبًا على ما ذكر فيها اسمه، ولهذا قلت في الكواكب لما قال السفاريني: "فكلها صحَّت به الأحبار": أي بأكثرها، فإن الأحاديث التي فيها ذكر المهدي لم تصح عند علماء الحديث، ولم أقل الواردة في شأن المهدي ليشمل التعميم ما لم يذكر فيها، فإن التي لم يذكر فيها اسمه بل ذكر نعته فيها القوي والضعيف، ولهذا نعتقد ونجزم بخروج رجل من أهل البيت آخر الزمان اسمه محمد بن عبد الله، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وجورًا، وكذلك قولنا: فلا نعتقد بمجيء المهدي، مرادنا أن هذا اللفظ غير ثابت، فلا يجب أن يسمى محمد بن عبد الله الذي يخرج في آخر الزمان بالمهدي، بل تسميته بذلك جائزة لا واجبة، إذ هذا اللفظ غير ثابت عند علماء الحديث، ولعل أحدًا أن يظن أن المقصود من عبارة الكواكب هو القول بعدم مجيء المهدي مطلقًا كما هو قول بعض الأئمة، وليس كذلك بل المراد ما قدمناه من أن هذا اللفظ غير ثابت، وإنما الثابت أن اسمه مواطئ لاسم النبي واسم أبيه مواطئ لاسم أبيه، فالإيمان بذلك واجب على الإجمال والإطلاق... إلى أن قال: وقد خرج جماعة من العلماء عن الاعتدال في هذه المسألة، فبالغ طائفة في الإنكار حتى ردوا جملة من الأحاديث الصحيحة، وقابلهم آخرون فبالغوا في الإثبات حتى قبلوا الموضوعات والحكايات المكذوبة".
انتهى المقصود من كلامه.
ومما ذكرنا يعلم أن ابن محمود قد تعلق بالقول الباطل الذي رجع عنه شيخه ابن مانع، ونرجو أن يفعل ابن محمود كما فعل شيخه، فإن الرجوع إلى الحق نُبل وفضيلة، كما أن التمادي على الباطل نقص ورذيلة.
وفي كلام ابن مانع كلمة ينبغي التنبيه عليها، وهي قوله: فإن الأحاديث التي فيها ذكر المهدي لم تصح عند علماء الحديث، وكذلك قوله: إن هذا اللفظ- أي اسم المهدي - غير ثابت عند علماء الحديث.
والجواب: أن يقال: بل اسم المهدي ثابت من عدة طرق عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- وقد رواه الترمذي وحسنه، قال: "وقد روي من غير وجه عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ". انتهى، وقد رواه الإمام أحمد بأسانيد، وأبو يعلي، قال الهيثمي في "مجمع الوائد": "ورجالهما ثقات"، ورواه الحاكم في مستدركه وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه، ورواه أبو داود، قال ابن القيم في كتابه "المنار المنيف": "إسناده.........................
جيد"، وقد ثبت أيضًا من حديث علي -رضي الله عنه- رواه الإمام أحمد وابن ماجة وإسناد كل منهما حسن، وثبت أيضًا من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: "ورجاله ثقات"، وثبت أيضًا من حديث جابر -رضي الله عنه- رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، قال ابن القيم في كتابه "المنار المنيف": "إسناده جيد"، وثبت أيضًا عن علي -رضي الله عنه- موقوفًا عليه رواه الحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد ذكرت هذه الأحاديث التي فيها ذكر المهدي لم تصح عند علماء الحديث، وعلى قوله أيضًا أن اسم المهدي غير ثابت عند علماء الحديث. ومما يرد به أيضًا على ابن مانع قول أبي الحسين الآبري: "إنها قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذكر المهدي وإنه من أهل بيته"، وقد نقل كلامه جماعة من علماء الحديث وأقروه، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب فليراجع.1
وأما قول ابن محمود: لكنه يوجد في مقابلة هؤلاء من يقول بخروج المهدي، ويقوي الأحاديث الواردة فيه؛ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، فقد رأيت له قولا يقول فيه بصحة خروجه وأن فيه سبعة أحاديث.
فجوابه: أن يقال: إن شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- لم يذكر سوى أربعة أحاديث عن ابن مسعود، وأم سلمة، وأبي سعيد، وعلي -رضي الله عنهم- وذلك في صفحة (211) من الجزء الرابع من كتابه "منهاج السنة النبوية"، وذكر ذلك أيضًا الذهبي في كتابه "المنتقى من منهاج الاعتدال".
وأما قوله: فقول شيخ الإسلام هذا خرج بمقتضى اجتهاد منه ويأجره الله عليه.
فجوابه: أن يقال: إن الأمور الغيبية لا تعلم بالاجتهاد ولا يسوغ الاجتهاد فيها، وإنما تعلم بخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، ومن هذا الباب خروج المهدي في آخر الزمان، وما سيقع فيه أيضًا من الفتن والملاحم وأشراط الساعة، فكل هذا لا مجال للاجتهاد فيه، وإنما يعتمد فيه على الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكل من قال من العلماء بخروج المهدي في آخر الزمان فإنما يعتمدون.......................................
على الأحاديث الثابتة فيه لا على الاجتهاد، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وغيره من أكابر العلماء قديمًا وحديثًا.
وأما قوله: وقد أخذ بقوله بعض العلماء المتأخرين، وصاروا يكتبون في مؤلفاتهم بصحة وجوده، مما تأثرت به عقائد العامة وبعض العلماء.
فجوابه: أن يقال: إن القول بخروج المهدي في آخر الزمان ليس هو قولا لشيخ الإسلام ابن تيمية وحده، وإنما هو أحد أقوال أهل السنة، ذكر ذلك ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف"، قال: "وأكثر الأحاديث على هذا تدل".
انتهى، وكل من قال بخروج المهدي في آخر الزمان من العلماء المتقدمين والعلماء المتأخرين، فإنما يعتمدون على الأحاديث الواردة فيه، لا على قول شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا على قول غيره من العلماء.
وأما قوله: والصحيح بمقتضى الدلائل والبراهين هو ما ذكره بعض العلماء من أنه لا حقيقة لصحة أحاديث المهدي.
فجوابه: أن يقال: بل الصحيح ثبوت بعض الأحاديث الواردة في المهدي، وقد ذكرت في أول الكتاب ما صححه العلماء منها وما حسنوه، فليراجع1، ففيه أبلغ رد على ما موَّه به ابن محمود وزعم أنه الصحيح وهو خلاف الصحيح.
وأما قوله: لهذا رأينا كل من انتحل خطة باطلة من الدجالين المنحرفين فإنه يمسي نفسه بالمهدي، ويتبعه على دعوته الهمج السذج، والغوغاء الذين هم عون الظالم، ويد الغاشم في كل زمان ومكان.
فجوابه: أن أقول: قد ذكرت مرارًا أن دعوى المدعين للمهدية كذبًا وزورًا لا تقدح في الأحاديث الثابتة في المهدي ولا تؤثر فيها، كما أن دعوى المدعين للنبوة كذبًا وزورًا لا تقدح في دلائل نبوة الأنبياء ولا تؤثر فيها، وذكرت أيضًا في عدة مواضع أن المهدي لا يطلب الأمر لنفسه ابتداء مدعيًا أنه المهدي كما يفعل ذلك المدعون للمهدية كذبًا وزورًا، وإنما يأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه، ثم يسميه الناس بعد ذلك بالمهدي لما يرون من صلاحه وعدله وإزالته للجور والظلم، وقد التبس الأمر في المهدي على ابن محمود، فخلط بين المهدي الذي بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروجه في آخر الزمان وبين الكذابين الذين ادعوا المهدية..................................................................
كذبًا وزورًا، وجعل الجميع من باب واحد، وهذا خطأ كبير؛ لما يلزم عليه من تكذيب خبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، ومن له أدنى علم ومعرفة لا يخفى عليه الفرق بين المهدي الموصوف بالصلاح والعدل والعمل بالسنة ومطابقة خُلقه لخلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبين المدعين للمهدية وزورًا لتحصيل الرياسة والأغراض الدنيوية؛ مثل ابن تومرت، والمهدي العبيدي، وأضرابهما من ذوي الجور والظلم والفساد.
ومن أعرض عن الأحاديث الثابتة في المهدي ونبذها وراء ظهره فلا بد أن يقع في اللبس والتخليط، وقد قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "الكافية الشافية": فعليك بالتفصيل والتمييز، فالـ إطلاق والإجمال دون بيان قد أفسدا هذا الوجود وخبَّطا الـ أذهان والآراء كل زمان وقال ابن محمود في صفحة (85): "فلا حاجة للمسلمين في أن يهربوا عن واقعهم، ويتركوا واجبهم، لانتظار مهدي يجدد لهم دينهم ويبسط العدل بينهم، فيركنوا إلى الخيال والمحالات، ويستسلموا للأوهام والخرافات، ثم يفرض عليهم علماؤهم التحجر الفكري والجمود الاجتماعي، على اعتقاد ما تربوا عليه في صغرهم وما تلقوه عن آبائهم ومشايخهم، أو على رأي عالم أو فقيه يوجب الوقوف على رأي مذهبه وعدم الخروج عنه، وعلى أثره يوجب عليهم الإيمان بشخص غائب هو من سائر البشر، يأتي في آخر الزمان فينقذ الناس من الظلم والطغيان".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث صحيحة ذكرتها في أول الكتاب1، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن المهدي من أهل بيته، وأنه يعمل بالسنة، وأن خُلقه يطابق خلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن اسمه يطابق اسم النبي - صلى الله عليه وسلم -، واسم أبيه يطابق اسم أبي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، فلتراجع الأحاديث المذكورة في أول الكتاب2، ففيها أبلغ رد على مجازفة ابن محمود في زعمه أن انتظار المهدي الذي بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروجه في آخر الزمان ركون إلى الخيال والمحالات، واستسلام للأوهام والخرافات، وأن ذلك من التحجر الفكري والجمود الاجتماعي،.........................................................................
كذا قال وكذا جازف في إطلاق هذه الكلمات النابية في معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أما يخشى من الفتنة أو العذاب الأليم على مخالفته لأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - واستخفافه بها، وعدم مبالاته بردها وإطراحها، وزعمه أن ما جاء فيها عن المهدي المنتظر فهو من الخيال والمحالات والأوهام والخرافات؟ أما يخشى ابن محمود أن يسلب الإيمان؟ فقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أما يخشى أن يعاقب بتقليب القلب وزيغه؟ فقد قال الله -تعالى-: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، أما يخشى أن يكون ممن قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؟ وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال: يقضي على المرء في أيام محنته... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن الوجه الثاني: أن يقال: إذا ترك الناس العمل بالسنة وملئت الأرض ظلمًا وعدوانًا، فإن الحاجة ماسة إلى إماما عادل يعمل بالسنة، ويبسط القسط والعدل، ويزيل الجور والظلم، وهكذا تكون الحاجة إلى خروج المهدي في آخر الزمان، ومن زعم أنه لا حاجة للمسلمين بالإمام العادل الذي يعمل بالسنة، ويبسط القسط والعدل، ويزيل الجور والظلم، فلا شك أنه لا يدري ما يقول.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان لا يستلزم الهروب عن الواقع وترك الواجب كما قد توهم ذلك ابن محمود، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المهدي، وهم مع ذلك لم يهربوا عن واقعهم ولم يتركوا واجبهم، ويؤمنون بجميع أشراط الساعة، وبكل ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب، مما مضى وما سيأتي قبل قيام الساعة وبعد قيامها، وهم مع ذلك لم يهربوا عن الواقع ولم يتركوا الواجب، وإنما الذي يهرب عن الواقع ويترك الواجب على الحقيقة هو الذي يرد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويصفها بالصفات الذميمة، فيزعم أنها خيال ومحالات وأوهام وخرافات، وأن الإيمان بها من التحجر الفكري والجمود الاجتماعي.
الوجه الرابع: أن يقال: إن علماء المسلمين منزهون عما رماهم به ابن محمود؛ من فرض التحجر الفكري والجمود الاجتماعي على غيرهم من المسلمين، وإلزامهم باعتقاد ما ليس بحق مما تربوا عليه في صغرهم، وما تلقوه عن آبائهم ومشايخهم، أو على رأي بعض العلماء أو بعض الفقهاء، فكل هذا مما ينزه عنه علماء أهل السنة، وأما حث الناس على الإيمان بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب، ومنها خروج المهدي في آخر الزمان، فليس ذلك من فرض التحجر الفكري والجمود الاجتماعي كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما هو من النصيحة الواجبة على المسلمين بعضهم لبعض، ومن الدعاء إلى الخير والتعاون على البر والتقوى. الوجه الخامس: أن يقال: إذا كان الإيمان بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المهدي من التحجر الفكري والجمود الاجتماعي عند ابن محمود، ومن الركون إلى الخيال والمحالات، والاستسلام للأوهام والخرافات على حد زعمه، فنِعم التحجر ونِعم الجمود ونِعم الركون ونِعم الاستسلام، الذي يدعو صاحبه إلى الإيمان بأخبار الصادق المصدوق -صلوات وسلامه عليه-. الوجه السادس: أن يقال: إن التحجر الفكري والجمود الذي هو ضرر محض، هو الركون والاستسلام لأوهام أحمد أمين وتخرصاته، وما وقع في نظره من إنكار خروج المهدي، وإنكار ما جاء فيه من الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك الركون والاستسلام لأوهام غيره من العصريين، الذين لا يبالون برد الأحاديث الثابتة إذا كانت مخالفة لأفكارهم الفاسدة، وقد قلدهم ابن محمود وركن إلى آرائهم وأفكارهم الفاسدة، واستسلم لأوهامهم وتخرصاتهم في إنكار خروج المهدي ومعارضة الأحاديث الثابتة فيه، وقد تقدم بيان ذلك في أول الكتاب وفي أثنائه فليراجع.1
الوجه السابع: أن يقال: ما هو المانع من الإيمان بوجود شخص غائب أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروجه في آخر الزمان، وأخبر أنه يعمل بسنته، وأن خلقه يطابق خلقه، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، ليس هناك مانع من الإيمان بوجود هذا الشخص الفاضل الذي يعز الله به الإسلام والمسلمين، ويجدد به ما اندرس من الدين، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- في آخر الزمان، وأخبر بخروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي.............................................
يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وكل هؤلاء أشخاص غائبون وسيخرجون في آخر الزمان كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، فهل يؤمن ابن محمود بخروج هؤلاء الأشخاص في آخر الزمان، أم يقول فيهم مثل قوله في المهدي؟ فإن آمن بخروجهم في آخر الزمان انتقض قوله في المهدي، وإن لم يؤمن بخروجهم فتلك بلية من أعظم البلايا عليه.
وإذا كان موقف ابن محمود من خروج المهدي ما تقدم عنه من المبالغة في إنكاره، والمكابرة في رد الأحاديث الثابتة فيه، ووصفها بالصفات الذميمة، وزعمه أن التصديق بخروج المهدي من الركون إلى الخيال والمحالات، والاستسلام للأوهام والخرافات، فماذا يكون موقفه مما هو أعظم من ذلك من خوارق العادات، التي ستكون في آخر الزمان؟ مثل تكليم الأحجار والأشجار والحوائط والدواب للمسلمين الذين يقاتلون اليهود في آخر الزمان، فقد جاء ذلك في عدة أحاديث بعضها في الصحيحين وبعضها في غيرهما.
منها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله»، وفي رواية لمسلم: «لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهودي فتعال فاقتله».
ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر، فيقول الحجر: يا مسلم، هذا يهودي يختبئ ورائي تعال فاقتله»، هذا لفظ أحمد ولفظ البخاري نحوه، ولفظ مسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنها من شجر اليهود» ورواه الإمام أحمد أيضًا بهذا اللفظ.
ومنها ما رواه ابن ماجة عن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- في حديثه الطويل في ذكر خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- وقتله الدجال، وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة، إلا..................
الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق، إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي فتعال اقتله» وهذا حديث صحيح رواه ابن خزيمة في صحيحه، والحافظ الضياء المقدسي في المختارة، ذكر ذلك صاحب كنز العمال، وروى الحاكم طرفًا منه، وقال: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه الإمام أحمد وأبو يعلي، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والطبراني والحاكم، عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- في حديثه الطويل الذي ذكر فيه خروج الدجال، وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في الدجال: «ثم يهلكه الله وجنوده، حتى إن جذم الحائط وأصل الشجرة لينادي: يا مؤمن، أو قال يا مسلم، هذا يهودي، أو قال هذا كافر تعال فاقتله» قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وهذه نصوص لا تحتمل التأويل.
ومن خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان أيضًا فتح القسطنطينية بالتهليل والتكبير، وقد رواه مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ومن ذلك أيضًا ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الدجال، أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وأنه يمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وأنه يدعو رجلا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل، رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة، من حديث النواس بن سمعان -رضي الله عنه-، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح".
ومن ذلك أيضًا ما رواه عبد الرازق في مصنفه، والإمام أحمد والبخاري ومسلم، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا حديثًا طويلا عن الدجال، فكان فيما حدثنا قال: «يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس، فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر، فيقولون: لا، قال: فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله، فلا يسلط عليه» وفي رواية لمسلم: «قال فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس، فلا يستطيع إليه سبيلا».
ومن خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان أيضًا تكليم السباع والجمادات للإنس، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده»، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب" قال: "وفي الباب عن أبي هريرة -رضي الله عنه-"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وفي رواية لأحمد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «آيات تكون قبل الساعة، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله، فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده».
وروي الإمام أحمد أيضًا، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قصة تكليم الذئب لراعي الغنم، وأن الراعي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فصدقه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: «إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث أهله بعده»، قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
ومن خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان أيضًا، أن يأجوج ومأجوج إذا خرجوا على الناس يشرب أوائلهم بحيرة طبرية، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة، من حديث النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح"، وروي الحاكم وابن مندة في كتاب الإيمان، عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه، وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وقال الذهبي في إسناد ابن مندة: "إنه إسناد صالح" نقله عنه ابن كثير في "النهاية"، وروي الإمام أحمد وابن ماجة وابن جرير والحاكم، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى -عليهم السلام- فتذاكروا أمر الساعة» الحديث، وفيه أن عيسى -عليه الصلاة والسلام- قال: «وفيما عهد إلي ربي -عز وجل- أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافرًا فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه» الحديث، قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه......................................
الذهبي على تصحيحه، وروي الإمام أحمد وابن ماجة وابن حبان والحاكم، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس» فذكر الحديث وفيه: «ويشربون مياه الأرض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسًا، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: لقد كان ههنا ماء مرة» قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وروي الإمام أحمد أيضًا والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم» فذكر الحديث في خروجهم على الناس، وفيه: «فينشفون المياه» قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومن خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان أيضًا خروج الدابة من الأرض، تخرج فتكلم الناس كما قال الله -تعالى-: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ الآية، وخروجها مذكور في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وروى الطبراني والحاكم، عن واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه، وصححه الحاكم والذهبي.
ومن أعظم خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان أيضًا طلوع الشمس من مغربها، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، وليس هذا موضع ذكرها، وقد ذكرت جملة منها في الجزء الثاني من "إتحاف الجماعة"، فلتراجع هناك.
ومن خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان أيضًا اجتزاء المؤمنين بالتسبيح والتكبير والتحميد والتهليل عن الطعام إذا عدم الطعام، وذلك في السنوات الشداد التي تكون بين يدي الدجال وفي أيام الدجال أيضًا، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث ذكرتها في الجزء الثاني من "إتحاف الجماعة" في "باب ما جاء في حبس المطر والنبات عند خروج الدجال"، وفي الباب الذي بعده فلتراجع هناك.
وإذا كان ابن محمود قد ضاق ذرعًا بالأحاديث الثابتة في المهدي، وزعم أن التصديق بخروجه من الركون إلى الخيال والمحالات، والاستسلام للأوهام والخرافات، فماذا يكون موقفه من خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان، والتي هي.......................
أعظم من خروج المهدي، فهل يصدق بوقوعها أم يسلك فيها مسلكه في أحاديث المهدي؟ إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فمن شاء أقامه ومن شاء أزاغه، والله المسئول أن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.
وهذا آخر ما تيسر إيراده فيما يتعلق بالمهدي، وبقي الكلام في يأجوج ومأجوج وسد ذي القرنين، وقبل إيراد كلام ابن محمود في ذلك والرد عليه، أذكر ما وقفت عليه من