أهل الأثرالأرشيف العلمي

ذكره في مواضع كثيرة من كتابه - فهو محال؛ لأن الله -تعالى- قد ختم الأنبياء بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأكمل الدين له ولأمته، وأما تجديد الدين بعد اندراسه وبسط العدل وإزالة الجور والظلم فهذا لا غنى للمسلمين عنه، ومن زعم أنه في غنى وسعة عن ذلك فلا شك أنه لا يعقل ما يقول.
وقال ابن محمود في صفحة (34): "حادي عشر: إن العلماء؛ كأبي داود في سننه، وابن كثير في نهايته، والسفاريني في لوامع أنواره، وغيرهم قد أدخلوا أحاديث المهدي في جملة أشراط الساعة، مع أحاديث الدجال، والدابة، ويأجوج ومأجوج، وأحاديث الفتن، فكل هذه لا يتعرض لها نقاد الحديث بتصحيح ولا تمحيص؛ لعلمهم أنها أحاديث مبنية على التساهل، ويدخل فيها الكذب والزيادات والمدرجات والتحريفات، وليست بالشيء الواقع في زمانهم، ولا من أحاديث أحكامهم وأمور حلالهم وحرامهم".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: من مجازفات ابن محمود زعمه أن أحاديث الفتن وأشراط الساعة مبنية على التساهل، وهذا مردود بأن في الصحيحين أحاديث كثيرة جدًا من أحاديث الفتن وأشراط الساعة، ومن المعلوم أن البخاري ومسلمًا لم يكونا متساهلين في التصحيح والتمحيص وإدخال الزيادات والمدرجات والتحريفات في كتابيهما، فضلا عن الأحاديث التي يشوبها الكذب.
قال النووي في شرح مسلم: "اتفق العلماء -رحمهم الله- على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان؛ البخاري، ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول"، ونقل النووي عن أبي عمرو بن الصلاح أنه قال: "جميع ما حكم مسلم بصحته فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر.
وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه؛ وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول، سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع"، ونقل النووي أيضًا عن إمام الحرمين أنه قال: "لو حلف إنسان بطلاق امرأته، أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته، من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، لما ألزمته الطلاق ولا حنثته؛ لإجماع علماء المسلمين على صحتهما".
انتهى.
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" في ترجمة البخاري: "كتابه الصحيح يستسقى بقراءته الغمام، وأجمع العلماء على قبوله وصحة ما فيه، وكذلك سائر أهل الإسلام".
انتهى.

وقد صحَّح الترمذي وابن حبان كثيرًا من أحاديث الفتن وأشراط الساعة، وتصحيحهما مقبول عند أهل العلم، وكذلك ما صححه الحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه وهو كثير جدًا، وكذلك نور الدين الهيثمي في كتابه "مجمع الزوائد"؛ فإنه قد صحح الصحيح مما ذكره في كتابه من أحاديث الفتن وأشراط الساعة، وبيَّن أحوال الأسانيد الضعيفة لئلا يُغتر بها، وكلامه في ذلك مقبول عند أهل العلم، وقد حرره معه الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، وهما من أكبر نقاد الحديث.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الأئمة المحققين الذين يعتد بأقوالهم في التصحيح والتضعيف قد تكلموا في أحاديث الفتن وأشراط الساعة كما قد تكلموا في أحاديث الأحكام، وميزوا الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة من الأحاديث الضعيفة والأحاديث المنكرة والموضوعة، وأفردوا الأحاديث الموضوعة بالمصنفات الكثيرة، فمن زعم أن نقاد الحديث لم يتعرضوا لأحاديث الفتن وأشراط الساعة بالتصحيح والتمحيص فقد قال خلاف الواقع.
الوجه الثالث: أن أقول: قد ذكرت في أول الكتاب ما صححه نقاد الحديث من الأحاديث الواردة في المهدي فليراجع، ففيه أبلغ رد على قول ابن محمود إنهم لم يتعرضوا لها بتصحيح ولا تمحيص، وعلى قوله إنها مبنية على التساهل.
وأما قوله: وليست بالشيء الواقع في زمانهم.
فجوابه: أن يقال: إن الإيمان بأنباء الغيب ليس مقصورًا على الأشياء التي تقع في زمان الإنسان، بل يجب الإيمان بكل ما جاء في الكتاب والسنة من أنباء الغيب، ما كان من ذلك فيما مضى من الزمان وما سيكون من ذلك في المستقبل، ومنه أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة، وما يكون بعد قيام الساعة من الأمور العظام، وما يكون بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ومن آمن بما يقع في زمانه ولم يؤمن بما وقع في الماضي أو بما سيقع في المستقبل فلا شك أنه داخل في عموم قول الله -تعالى-: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآية.

وأما قوله: ولا من أحاديث أحكامهم وأمور حلالهم وحرامهم.
فجوابه: أن يقال: إن الإيمان بأنباء الغيب من عقائد المسلمين، والأحاديث التي تتعلق بالعقائد ويعتمد عليها أهل العلم، ليست مبنية على التساهل وإدخال الزيادات والمدرجات والتحريفات وما يدخله الكذب كما قد توهم ذلك ابن محمود، وإنما هي من جنس أحاديث الأحكام وأمور الحلال والحرام، يتثبت فيها أهل العلم وينقدونها ويعتمدونها على ما كان صحيحًا منها أو حسنًا، ويتركون ما سوى ذلك.
وقال ابن محمود في صفحة (34): "وفي القرن التاسع لما كثر المُدَّعون للمهدي، وثارت الفتن بسببه كما ذكرها المسعودي في تاريخه، فعند ذلك اضطر بعض المحققين من العلماء أن ينقدوا أحاديث المهدي؛ ليعرفوا قويها من ضعيفها وصحيحها من سقيمها، فتصدى ابن خلدون في مقدمته لتدقيق التحقيق فيها، فنخلها ثم نثرها حديثًا حديثًا وبين عللها كلها، وأن من رواتها الكذوب ومنهم المتهم بالتشيع والغلو، ومنهم من يرفع الحديث إلى الرسول بدون أن يتكلم به الرسول، ومنهم من لا يحتج به، وخلاصته أنه حكم على أحاديث المهدي بالضعف".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن المسعودي المؤرخ كان في آخر القرن الثالث من الهجرة وأول القرن الرابع، وكانت وفاته في سنة ست وأربعين وثلاث مائة، وعلى هذا فهل يقول عاقل: إن المسعودي قد ذكر في تاريخه ما جرى في القرن التاسع من كثرة المدعين للمهدية، وما ثار بسببهم من الفتن؟ كلا، لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل.
وليس المسعودي يعلم الغيب حتى يخبر عما يكون بعده بخمسة قرون، وهذا الوهم من أغرب الأوهام، وهو مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون.
الوجه الثاني: أن يقال: إن منخل ابن خلدون الذين نخل به أحاديث المهدي كان واسع الخروق جدًا، ولم يكن مضبوطًا ومحكمًا، فلهذا نخل به كثيرًا من الصحاح والحسان الواردة في المهدي، ولم يستثن منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه، وقد خالف بهذا العمل ما قاله كثير من أكابر أئمة الحديث ونقاده، وقد ذكرت تصحيحهم لبعض أحاديث المهدي وتحسينهم...........................

لبعضها في أول الكتاب فليراجع1، وقد ردَّ غير واحد من المتأخرين على ابن خلدون، وخطؤوه فيما ذهب إليه من تضعيف بعض الأحاديث الثابتة في المهدي، وقد ذكرت ردودهم عليه في أثناء الكتاب، فلتراجع في موضعها.2
الوجه الثالث: أن يقال: إن ابن خلدون لم يحكم على أحاديث المهدي كلها بالضعف كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما حكم على أكثرها كما صرح بذلك في مقدمته حيث قال بعد سياقه لأحاديث المهدي ما نصه: "فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه".
انتهى.
الوجه الرابع: أن يقال: ظاهر كلام ابن محمود بل صريحه أن ابن خلدون هو أول من تكلم في نقد أحاديث المهدي، وأن العلماء الذين كانوا قبل زمان ابن خلدون لم يتعرضوا لأحاديث المهدي بالنقد وبيان الصحيح منها من الضعيف، وهذا خلاف الواقع، وقد ذكرت كلام المحققين في تصحيح بعض أحاديث المهدي وتضعيف بعضها في أول الكتاب فليراجع3، ففيه أبلغ رد على ابن محمود حيث أوهم بكلامه أن ابن خلدون هو أول من توسع في تضعيف أحاديث المهدي، ولم يقتصر على تضعيف الأحاديث الضعيفة، بل تجاوز ذلك إلى تضعيف بعض الصحاح والحسان، ولم يستثن منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه، وبهذا فتح الباب لرشيد رضا ومحمد فريد وجدي وأحمد أمين وغيرهم من العصريين الذين تهجموا على أحاديث المهدي وقابلوها كلها بالرد والإطراح، ولم يفرقوا بين الثابت منها وغير الثابت، وقد قلدهم ابن محمود في هذا العمل السيئ، وزاد عليهم حتى خرج عن حد المعقول إلى غير المعقول، فزعم أن أحاديث المهدي كلها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وأن انتظار خروج المهدي من الركون إلى الخيال والمحالات، والاستسلام للأوهام والخرافات، هكذا زعم وجازف واستهان بأقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخباره الصادقة عن...........................................................

المهدي، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.
وقال ابن محمود في صفحة (34) وصفحة (35): "لكن رأينا بعض العلماء في هذا الزمان يعترض على تصحيحات ابن خلدون، قائلا إنه مؤرخ وليس بصاحب حديث، وهذا الاعتراض لا موقع له من الصحة، فإن ابن خلدون عالم جليل، ولا يقول أحد فيه إلا الخير، وكونه مؤرخًا لا يمنع من كونه محققًا لعشرة أحاديث أو أكثر، لكون التحقيق سهل على مثله عند توافر الآلات والكتب المؤلفة عن صفات الرواة، ودراسة الأشخاص وعدالتهم والقدح فيهم من شئون التاريخ، كما أنه من شئون علم الحديث".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: يفهم من ظاهر كلام ابن محمود أن ابن خلدون له تصحيحات لبعض أحاديث المهدي، وهذا مخالف للواقع، فإن ابن خلدون لم يصحح شيئًا من أحاديث المهدي، وإنما نقدها إلا القليل أو الأقل منه كما صرح بذلك في مقدمته، وقد ذكر كلامه في ذلك قريبًا فليراجع1، وكان ينبغي لابن محمود أن يقول: إن بعض العلماء قد اعترضوا على تضعيف ابن خلدون لأحاديث المهدي، فإن هذا هو المطابق للواقع، فأما قوله: إنهم اعترضوا على تصحيحات ابن خلدون، فهو مما انقلب عليه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن العلماء الذين اعترضوا على ابن خلدون لم يعترضوا عليه في شيء من التصحيح كما قد توهم ذلك ابن محمود، وإنما اعترضوا عليه في نقده لبعض الأحاديث الثابتة، ولا ينكر موقع ذلك من الصحة إلا جاهل أو مكابر.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الذين اعترضوا على ابن خلدون في نقده لأحاديث المهدي وحكمه بضعفها سوى القليل أو الأقل منه هم المصيبون؛ لأن ابن خلدون قد ضعف أحاديث صحيحة لا مطعن فيها، وقد صححها كثير من أكابر العلماء ممن لا يدانيهم ابن خلدون في نقد الأحاديث ومعرفة صحيحها من ضعيفها فضلا عن أن يساويهم، وقد ذكرت تصحيحهم لبعض أحاديث المهدي في أول الكتاب، وذكرت أيضًا قول من قال من أكابر....

العلماء إن أحاديث المهدي متواترة، فليرجع إلى ما ذكرته1ففيه أبلغ رد على ابن خلدون ومن نحا نحوه واغتر بقوله.
وأما قوله: إن ابن خلدون عالم جليل ولا يقول أحد فيه إلا الخير.
فجوابه: أن يقال: أما كونه عالمًا جليلا فذلك لا يمنع من الاعتراض عليه فيما أخطأ فيه وبيان أخطائه لئلا يغتر بها الناس، والذين اعترضوا على ابن خلدون لم يتكلموا في شخصه بما يجرحه ويقدح في عدالته، وإنما اعترضوا على قوله الباطل في رده لبعض الأحاديث الثابتة في المهدي والحكم بضعفها، وذلك لا ينافي قول الخير فيه.
وأما قوله: وكونه مؤرخًا لا يمنع من كونه محققًا لعشرة أحاديث أو أكثر؛ لكون التحقيق سهل على مثله عند توفر الآلات والكتب المؤلفة عن صفات الرواة.
فجوابه: أن يقال: قد لحن ابن محمود في قوله "سهل"، وصوابه سهلا بالنصب على أنه خبر كون.
ويقال أيضًا: إن تحقيق ابن خلدون لبعض أحاديث المهدي من جنس تحقيقات ابن محمود، فقد حقق ابن محمود في عنوان كتابه وفي عدة مواضع منه أنه لا مهدي بعد رسول الله، وحقق في صفحة (12) أنه لا مهدي بعد رسول الله وبعد كتاب الله، فوصف كلام الله بصفة المخلوقين من الخلفاء الراشدين المهديين والأئمة الصالحين، وحقق في صفحة (13) وصفحة (14) أن صاحب موسى الذي سأل السبيل إليه هو ذو القرنين، وحقق في صفحة (14) أن موسى لما أراد أن يفارق ذا القرنين قال له ذو القرنين: يا موسى أنت على علم من الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم من الله لا تعلمه أنت، وحقق في صفحة (14) أنه لا مهدي بعد رسول الله كما لا نبي بعده، فقاس وجود المهديين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجود الأنبياء بعده، ونفى كلا منهما، وهذا من أفسد القياس؛ لأن الأنبياء قد ختموا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فلا نبي بعده، بخلاف المهديين فقد جاء النص على أنه يكون في هذه الأمة خلفاء مهديون، وقد ذكر الحديث الوارد في ذلك في أول الكتاب............................................

فليراجع1، وحقق في صفحة (32) أن الجن سخروا لداود، إلى غير ذلك من تحقيقات ابن محمود التي حصلت له بعد توسعه في العلوم والفنون، وهي تحقيقات تضحك منها الثكلى، ويستحي العاقل من ذكرها لولا أن الضرورة ألجأت إلى ذكرها للتنبيه عليها.
وإذا كان ابن محمود قد تخبط في تحقيقه لما هو مذكور في القرآن وفي الأحاديث الصحيحة، مع توافر المصاحف وكتب الحديث في هذا الزمان، ولم يكن التحقيق مع ذلك سهلا عليه، فلا شك أن كلامه في أحاديث المهدي أبعد عن التحقيق وأقرب إلى التخليط، وسيأتي بيان ذلك مع الكلام على ما زعم أنه تحقيق معتبر لأحاديث المهدي -إن شاء الله تعالى-.
وأما ابن خلدون فتحقيقه لأكثر الأحاديث الثابتة في المهدي حاصله الرد والإطراح لها، وهذا ليس بتحقيق، وإنما هو معارضة لأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - واستهانة بها.
وقال ابن محمود في صفحة (35) وصفحة (36): "وقد رأينا من يؤيد قول ابن خلدون من العلماء المتقدمين، والراقين في العلم والمعرفة والاعتصام بالكتاب والسنة؛ ومنهم العلامة ابن القيم؛ فقد ذكر في كتابه "المنار المنيف" عن أحاديث المهدي وضعفها، ومنهم الإمام الشاطبي في كتابه "الاعتصام"؛ فقد جعل المهديين والإمامية من أهل البدع، ويعني بالمهديين الذين يصدقون بخروج المهدي، ودونك كلامه بلفظه إثباتًا للحجة والعذر، وإزالة للشبهة والعذل، قال بعد كلام له سبق في المتبعين لأهل الأهواء والبدع: "وكذلك من اتبع المهدي المغربي المنسوب إليه كثير من بدع المغرب، فهو في الإثم والتسمية مع من اتبع، إذا انتصب ناصرًا لها ومحتجًا عليها"، وقال: "ولقد زل بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال أقوام، خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم، فضلوا عن سواء السبيل"، وقال: "مذهب الفرقة المهدوية التي جعلت أفعال مهديهم حجة وافقت حكم الشريعة أو خالفت، بل جعلوا أكثر ذلك أنفحة في عقد إيمانهم، من خالفها كفَّروه وجعلوا حكمه حكم الكافر الأصلي".
وبذلك تنقطع حجة من ادعى أنه لم يسبق الإمام ابن خلدون أحد من العلماء في تضعيف أحاديث المهدي".

والجواب: أن يقال: ليس الأمر على ما توهمه ابن محمود على ابن القيم والشاطبي من أنهما قد أيَّدا قول ابن خلدون، بل الأمر في الحقيقة على خلاف ذلك، فأما ابن القيم -رحمه الله تعالى- فقد نقل في كتابه "المنار المنيف" عن أبي الحسين محمد بن الحسين الآبري أنه قال في كتابه "مناقب الشافعي": "قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه".
انتهى، وقد أقره ابن القيم -رحمه الله تعالى- على هذا القول ولم يتعقبه بشيء.
ولو كان الأمر على ما توهمه ابن محمود لكان ابن القيم ينكر هذا الكلام ولا يقره، ونقل ابن القيم أيضًا عن البيهقي كلامًا له في تضعيف حديث أنس -رضي الله عنه- الذي فيه «ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم» ثم قال: "والأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادًا".
انتهى.
وقد أقره ابن القيم على هذا القول، وذكر ابن القيم أيضًا حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المهدي مِنِّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين».
ثم قال: "رواه أبو داود بإسناد جيد، من حديث عمران بن داور العمي القطان، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وروى الترمذي نحوه من وجه آخر، عن أبي الصديق الناجي عنه"، وذكر ابن القيم أيضا حديث أم سلمة -رضي الله عنها- الذي أوله: «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام» الحديث، قال ابن القيم: "والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح"، وذكر أيضًا ما رواه أبو نعيم في كتاب المهدي من حديث حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله فيه رجلا اسمه اسمي وخلقه خلقي يكنى أبا عبد الله».
ثم قال: "ولكن في إسناده العباس بن بكار، لا يحتج بحديثه، وقد تقدم هذا المتن من حديث ابن مسعود وأبي هريرة، وهما صحيحان".
انتهى، وذكر أيضًا ما رواه أبو نعيم: حدثنا أبو الفرج الأصبهاني، حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا أبو جعفر بن طارق، عن الجيد بن نظيف، عن.......................

أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مِنَّا الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه».
قال: "وهذا إسناد لا تقوم به حجة، لكن في صحيح ابن حبان من حديث عطية بن عامر نحوه"، وذكر أيضًا ما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا إبراهيم بن عقيل، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن جابر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة».
قال وهذا إسناد جيد.
وجملة الأحاديث التي أوردها ابن القيم في ذكر المهدي تسعة عشر حديثًا، ذكر منها أربعة عشر حديثًا متوالية، صحح منها ثلاثة، وقال في اثنين إسنادهما جيد، وسكت عن حديثين، وضعَّف سبعة، وقال بعد إيراده لحديثي ابن مسعود وأبي هريرة -رضي الله عنهما-: "اللذين قال الترمذي في كل منهما أنه حسن صحيح" ووافقه ابن القيم على تصحيحهما، وفي الباب عن حذيفة بن اليمان، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثوبان، وأنس بن مالك، وجابر، وابن عباس وغيرهم.
ثم قال بعد إيراده للأحاديث الأربعة عشر ما نصه: "وهذه الأحاديث أربعة أقسام؛ صحاح وحسان وغرائب وموضوعة، وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال؛ أحدها: أنه المسيح ابن مريم وهو المهدي على الحقيقة، واحتج أصحاب هذا القول بحديث محمد بن خالد الجندي، وقد بيَّنا حاله، وأنه لا يصح، ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن عيسى أعظم مهدي بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الساعة، وقد دلت السنة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على نزوله على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وحكمه بكتاب الله، وقتله اليهود والنصارى، ووضعه الجزية، وإهلاك أهل الملل في زمانه، فيصح أن يقال: لا مهدي في الحقيقة سواه وإن كان غيره مهديًا، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا ما وقى وجه صاحبه، وكما يصح أن يقال: إنما المهدي عيسى ابن مريم؛ يعني المهدي الكامل المعصوم.
القول الثاني: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس، وقد انتهى زمانه، ثم ذكر حديثين احتج بهما أصحاب هذا القول، وهما عن ثوبان وابن مسعود -رضي الله عنهما-، ثم قال بعد إيراده لحديث ابن مسعود -رضي الله عنه-: وهذا والذي قبله لو صح لم يكن فيه دليل على أن المهدي الذي تولى من بني.................................................

العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل هو مهدي من جملة المهديين، وعمر بن عبد العزيز كان مهديًا، بل هو أولى باسم المهدي منه، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي».
وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وغيره إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم، ولا ريب أنه كان راشدًا مهديًا، ولكن ليس بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال، وكما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون.
القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملؤها قسطًا وعدلا، وأكثر الأحاديث على هذا تدل، وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف؛ وهو أن الحسن -رضي الله عنه- ترك الخلافة لله فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنة الله في عباده؛ أن من ترك لأجله شيئا أعطاه الله أو أعطى ذريته أفضل منه، وهذا بخلاف الحسين -رضي الله عنه- فإنه حرص عليها وقاتل عليها فلم يظفر بها.
وقد روى أبو نعيم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج رجل من أهل بيتي، يعمل بسنتي، وينزل الله له البركة من السماء، وتخرج له الأرض بركتها، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلمًا، ويعمل على هذه الأمة سبع سنين، وينزل بيت المقدس».
وروى أيضًا من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر الدجال وقال: «فتنفي المدينة الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعي ذلك اليوم يوم الخلاص»، فقالت أم شريك: فأين العرب يا رسول الله يومئذ؟ فقال: «هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي رجل صالح».
وروى أيضًا من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى ابن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها».

وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها بعض الضعف والغرابة فهي مما يقوي بعضها بعضًا ويشد بعضها ببعض، فهذه أقوال أهل السنة". انتهى المقصود من كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى-، وفيه أبلغ رد على ابن محمود حيث تقوَّل على ابن القيم وزعم أنه قد أيد قول ابن خلدون في تضعيف أحاديث المهدي، وقد قرر ابن القيم -رحمه الله تعالى- خروج المهدي في عدة مواضع من كلامه، وأيد ذلك بالأدلة، وذكر أنه أحد أقوال أهل السنة، وأن أكثر الأحاديث تدل عليه، وذكر أيضًا أن أحاديث المهدي أربعة أقسام؛ صحاح وحسان وغرائب وموضوعة، ومع هذا يزعم ابن محمود أن ابن القيم قد أيَّد قول ابن خلدون في تضعيف أحاديث المهدي. أما يستحي ابن محمود من التقول على العلماء؟! أما يخاف من سوء عاقبة ذلك؟! أيظن أن الناس كلهم أغبياء يروح عليهم التوهيم والتلبيس بالأقوال الباطلة، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول: إذا شئت أن تحيا عزيزًا مسلمًا... فدبر وميز ما تقول وتفعل وأما الشاطبي فإنه لم يذكر في كتابه "الاعتصام" شيئًا من الأحاديث الواردة في المهدي فضلا عن أن يكون مؤيدًا لابن خلدون على تضعيفها، وقد ذكرت في أثناء الكتاب أن الشاطبي أشار إلى أحاديث المهدي في قوله عن المتسمي بالمهدي إنه زعم أنه المبشر به في الأحاديث، وذكرت هناك أن قول الشاطبي صريح في أنه يرى أن المهدي المبشر به في الأحاديث حق، وأنه غير المغربي الذي زعم أنه المهدي المبشر به، فليراجع ما تقدم.1
وأما قول ابن محمود: إن الشاطبي جعل المهديين من أهل البدع.
فهذا من التقول على الشاطبي، فإنه إنما أراد بكلامه شخصًا واحدًا، وهو محمد بن تومرت المغربي الذي ادعى أنه المهدي المبشر به، ولم يُرِد به عموم المهديين، قال في صفحة (216) من الجزء الأول المطبوع في مطبعة المنار بمصر سنة 1331 هـ من الهجرة ما نصه: "وكذلك من اتبع المهدي المغربي المنسوب إليه كثير من بدع المغرب، فهو في الإثم والتسمية مع من اتبع، إذا انتصب ناصرًا لها ومحتجًا عليها"، وقال أيضًا في صفحة (343) من الجزء الأول، بعد ما ذكر أشياء من أقوال الباطنية ما نصه: "وتصور المذهب كافٍ في ظهور بطلانه إلا.........................

أنه مع ظهور فساده وبعده عن الشرع قد اعتمده طوائف، وبنوا عليه بدعا فاحشة منها مذهب المهدي المغربي، فإنه عدَّ نفسه الإمام المنتظر، وأنه معصوم حتى أن من شك في عصمته أو في أنه المهدي المنتظر فهو كافر"، وذكر نحو ذلك في صفحة (345) عن المهدي المغربي وأصحابه، وقال أيضًا في صفحة (253) من الجزء الثاني ما نصه: "وقد وضع القتل شرعًا معمولا به على غير سنة الله وسنة رسوله المتسمي بالمهدي المغربي، الذي زعم أنه المبشر به في الأحاديث" إلى أن قال في صفحة (254): "وكل من شك في عصمته قتل، أو شك في أنه المهدي المبشر به"، وقال أيضًا في صفحة (262) وصفحة (263) ما نصه: "ومن يدعي لنفسه العصمة فهو شبه من يدعي النبوة، ومن يزعم أنه به قامت السموات والأرض فقد جاوز دعوى النبوة، وهو المغربي المتسمي بالمهدي "، وقال في صفحة (258) من الجزء الثالث ما نصه: "ولقد زلَّ بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال أقوام، خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم، فضلوا عن سواء السبيل، ولنذكر لذلك عشرة أمثلة"، ثم ذكر المثال الأول وهم الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾.
قال: "والثاني: رأي الإمامية في اتباع الإمام المعصوم في زعمهم، وإن خالف ما جاء به النبي المعصوم حقًا، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -، فحكَّموا الرجال على الشريعة، ولم يحكموا الشريعة على الرجال، وإنما أنزل الكتاب ليكون حكمًا على الخلق على الإطلاق والعموم.
والثالث لا حق بالثاني؛ وهو مذهب الفرقة المهدوية، التي جعلت أفعال مهديهم حجة وافقت الشريعة أو خالفت، بل جعلوا أكثر ذلك أنفحة في عقد إيمانهم، من خالفها كفَّروه وجعلوا حكمه حكم الكافر الأصلي، وقد تقدم من ذلك أمثلة".
انتهى ما ذكره الشاطبي مما يتعلق بالمهدي المغربي الغشوم الظلوم، وهو محمد بن تومرت وأصحابه، الذين سماهم الشاطبي الفرقة المهدية، وذكر أنهم جعلوا أفعال مهديهم ابن تومرت حجة، سواء وافقت حكم الشريعة أو خالفت، فأما جعل المهديين كلهم من أهل البدع كما زعمه ابن محمود فهذا من أكبر الخطأ، لأنه يشمل الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين، ويشمل عمر بن عبد العزيز، ويشمل غيرهم من الأئمة المتمسكين بالكتاب والسنة القائمين بالقسط والعدل، وهذا لا يقوله مسلم يعقل ما يقول.

وأما قول ابن محمود: ويعني بالمهديين الذين يصدقون بخروج المهدي.
فجوابه: أن يقال: هذا من التقوُّل على الشاطبي، وقد ذكرت كلامه بالنص وأنه إنما أراد به محمد بن تومرت المغربي الذي ادعى أنه المهدي المبشر به، ولم يرد غيره.
ويقال أيضًا: لا يخفى ما يلزم على هذا القول الباطل من الحكم على كل من صدق بخروج المهدي في آخر الزمان بأنهم من أهل البدع، وهذا يشمل كثيرًا من الصحابة، وهم الذين رووا أحاديث المهدي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والذين بلغتهم الأحاديث في ذلك وآمنوا بها، ويشمل كل من روى أحاديث المهدي من التابعين ومن بعدهم، ومن خرجها من الأئمة الحفاظ، كما أنه يشمل جمهور أهل السنة قديمًا وحديثًا؛ لأنهم يؤمنون بخروج المهدي في آخر الزمان تصديقًا للأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فإن كان ابن محمود يرى أن هؤلاء كلهم من أهل البدع من أجل تصديقهم بخروج المهدي في آخر الزمان فأحسن الله عزاءه في علمه وعقله، وإن نفى البدعة عنهم انتقض قوله في المهديين إنهم الذين يصدقون بخروج المهدي، فليختر ابن محمود ما يناسبه من الأمرين؛ إما نقض قوله الباطل، وإما الحكم بالبدعة على كل من روى أحاديث المهدي، ومن صدق بخروجه من المتقدمين والمتأخرين.
وأما قوله: ودونك كلامه إثباتًا للحجة والعذر وإزالة للشبهة والعذل.
فجوابه: أن يقال: ليس في كلام الشاطبي ما يتعلق به ابن محمود فضلا عن أن يكون فيه ما ثبت له الحجة والعذر ويزيل عنه الشبهة والعذل، وإنما الأمر في الحقيقة بالعكس، فكلام الشاطبي حجة على ابن محمود كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة، وقد لحقت الشبهة والعذل بابن محمود، وزال العذر عنه من أجل تقوُّله على الشاطبي، وحمله لكلامه على غير المراد به.
وأما قوله: وبذلك تنقطع حجة من ادعى أنه لم يسبق الإمام ابن خلدون أحد من العلماء في تضعيف أحاديث المهدي.
فجوابه: أن يقال: إن الحجة المنقطعة في الحقيقة حجة الذي تقوَّل على العلماء، وأعرض عن الأدلة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروج المهدي في............................

آخر الزمان، وزعم أنها كلها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، ولم يبال بمعارضة أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والاستخفاف بها، ولا بالتقول على العلماء، وأعني بذلك ابن محمود، هدانا الله وإياه، وأعاذنا جميعًا من نزغات الشيطان.
وأقول أيضًا: إني لا أعلم عن أحد من العلماء أنه سبق ابن خلدون إلى التوسع في تضعيف أحاديث المهدي بحيث لم يستثن منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه، وكذلك العلماء الذين كانوا بعد ابن خلدون لا أعلم عن أحد منهم أنه توسع في تضعيف أحاديث المهدي كما فعل ذلك ابن خلدون، حتى جاء تلاميذ جمال الدين الأفغاني وبعض تلاميذهم، فتهجموا على بعض الأحاديث الثابتة ولا سيما أحاديث أشراط الساعة، ومنها الأحاديث الدالة على خروج المهدي في آخر الزمان، فإنهم قد قابلوها بالتضعيف والرد والإطراح، وقد سار ابن محمود على طريقتهم السيئة، وبالغ في رد أحاديث المهدي، وجازف في ذمها غاية المجازفة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.
وقال ابن محمود في صفحة (36): "وقد كاد أن ينعقد الإجماع من العلماء المتأخرين من أهل الأمصار في تضعيف أحاديث المهدي، وكونها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بدليل التعارض والتناقض والمخالفات والإشكالات، مما يجعل الأمر جليًا للعيان ولا يخفى إلا على ضَعَفَة الأفهام".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الله تعالى قد عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث مرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن الضلالة إنكار خروج المهدي في آخر الزمان، ومعارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، والمجازفة في وصفها بالصفات القبيحة، كقول ابن محمود إنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست من كلامه، وإنها أحاديث خرافة، وإنها نظرية خرافية، وإنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة.

الوجه الثاني: أن يقال: ما ادعاه ابن محمود من أنه قد كاد أن ينعقد الإجماع من المتأخرين من أهل الأمصار على تضعيف أحاديث المهدي، فهو مجرد دعوى لا صحة لها؛ لأن القائلين بتضعيف أحاديث المهدي أفراد قليلون من العصريين، وجمهور العلماء على خلافهم، ولو قُدِّر صحة ما ادعاه لكان ذلك مدفوعًا بإجماع العلماء المتقدمين من أهل السنة والجماعة على خروج المهدي في آخر الزمان، سوى من لا يُعتد بهم ممن زعم أن المهدي عيسى ابن مريم، ومن قال إنه المهدي العباسي. الوجه الثالث: أن يقال: ليس بين الأحاديث الثابتة في المهدي تعارض ولا تناقض ولا مخالفة ولا إشكال البتة، وقد تقدم الجواب عن هذا في أول الكتاب مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (6): ومنها تناقض هذه الأحاديث وتعارضها، فليراجع هناك.1
الوجه الرابع: أن يقال: إن الذي يجعل الأمر جليا في أمر المهدي ويزيل اللبس والشكوك عنه هو اتباع الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه، فأما كلام بعض العصريين في تضعيف أحاديث المهدي ومجازفتهم في ردها وإطراحها فهو الذي يضر ضَعَفَة الأفهام، ويوقعهم في الحيرة والشك، وربما أوقع بعضهم في المكابرة في رد الحق ومعارضته بالشبه والشكوك، كما قد وقع ذلك للمردود عليه، ولغيره من المفتونين بآراء العصريين وتخرصاتهم.
وقال ابن محمود في صفحة (36) وصفحة (37): "الحادي عشر: هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء بجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد والمضار وتقليلها، وإن التصديق بالمهدي والدعوة إلى الإيمان به يترتب عليها فنون من المضار والمفاسد الكبار والفتن المتواصلة، مما ينزه الرسول عن الإتيان بمثلها... إلى أن قال: فإن الله -سبحانه- في كتابه وعلى لسان نبيه لا يوجب الإيمان برجل مجهول في عالم الغيب، وهو من بني آدم، ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به، ثم يترك الناس يتقاتلون على التصديق والتكذيب به، فإن هذا مما ينافي شريعته التي جعلها الله رحمة لعباده، فوجود هذا أضر على الناس من عدمه، مع أنه من المحال بأن يكون على صفة ما ذكروا، أما اعتقاد بطلانه وعدم التصديق به فإنه يعطي القلوب.....................................................................

الراحة والفرح والأمان والاطمئنان والسلامة من الزعازع والافتتان.
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن التصديق بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان كالتصديق بخروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وكالتصديق بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام-، وخروج يأجوج ومأجوج، وغير ذلك من أشراط الساعة التي جاء ذكرها في الأحاديث الصحيحة، فكما أن التصديق بهذه الأمور لا يترتب عليه شيء من المضار والمفاسد والفتن، فكذلك التصديق بخروج المهدي الذي بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروجه وأخبر أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وكما أن الإيمان بهذه الأشياء واجب، فكذلك الإيمان بخروج المهدي لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكل ما ثبتت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب فالإيمان به واجب؛ لأن ذلك من تحقيق الشهادة بأن محمدًا رسول الله.
الوجه الثاني: إن ابن محمود زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ينزه عن الإتيان بمثل أحاديث المهدي، وهذا من أغرب الأقوال وأشدها نكارة، وكيف ينزه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإخبار ببعض المغيبات التي ستكون في آخر الزمان؟ وكيف ينزه عن الأخبار برجل من أهل بيته يملك في آخر الزمان، ويعمل بالسنة ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا؟ فهذا القول الباطل من ابن محمود ينبغي لكل عاقل أن يتنزه عن الإصغاء إليه.
وأما قوله: فإن الله في كتابه وعلى لسان نبيه لا يوجب الإيمان برجل مجهول في عالم الغيب، وهو من بني آدم، ليس بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به.
فجوابه: أن يقال: هذا من القول على الله وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بغير علم، وما أعظم ذلك وأعظم خطره.
ويقال أيضًا: قد أخبر الله -تعالى- في كتابه عن عدة رجال من الأمم الماضية، ممن لا يعرفهم الناس بأسمائهم ولا بأعيانهم، وهم من بني آدم، وفي عالم الغيب منذ فارقوا الدنيا إلى يوم البعث والنشور، فقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾،............................................

وقال -تعالى-: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ الآية، وقال -تعالى-: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ﴾، وقال -تعالى-: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يذكر الله فيها رجالا من بني آدم، لا يعرفهم الناس بأسمائهم ولا بأعيانهم، وهم في عالم الغيب منذ فارقوا الدنيا، وليسوا ملائكة ولا رسلا، ومع هذا فالإيمان بما أخبر الله به عنهم واجب على كل مسلم، ومن لم يؤمن بذلك فليس بمسلم.
وكذلك قد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رجال من الماضين بقصص كثيرة؛ مثل حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فتوسلوا إلى الله -تعالى- بصالح أعمالهم ففرج عنهم.
وهو في الصحيحين، وحديث الأبرص والأقرع والأعمى.
وهو في الصحيحين، وحديث الرجل الذي استسلف من رجل ألف دينار.
وهو في صحيح البخاري ومسند أحمد، وحديث الرجل الذي اشترى من رجل عقارًا فوجد في العقار جرة فيها ذهب.
وهو في الصحيحين، وحديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم سأل هل له من توبة.
وهو في الصحيحين، وحديث الرجل الذي ركب البقرة فكلمته البقرة، وفيه خبر الرجل الذي كلمه الذئب.
وهو في الصحيحين.
إلى غير ذلك مما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بعض الماضين، ممن لا يعرفهم الناس بأسمائهم ولا بأعيانهم، وليسوا ملائكة ولا أنبياء، وكذلك قد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروج القحطاني والجهجاه في آخر الزمان، وأخبر أيضًا عن الخليفة الذي يكون في آخر الزمان يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وأخبر أيضًا بخروج الدجال، وأخبر أيضًا عن المؤمن الذي يقتله الدجال ثم يحييه، وهؤلاء كلهم من بني آدم، وهم الآن مجهولون وفي عالم الغيب، وسيخرجون إلى الوجود في آخر الزمان، وليسوا ملائكة مقربين ولا أنبياء مرسلين، ولا يأتون بدين جديد، ومع هذا فالإيمان بخروجهم في آخر الزمان واجب على كل مسلم، ومن لم يؤمن بخروجهم فهو فاسد العقيدة وإسلامه مشكوك فيه؛ لأنه لم يحقق الشهادة بالرسالة، وقد تقدم الجواب عن هذه الجملة من كلام ابن محمود مبسوطًا مع الكلام على قوله في...................

صفحة (6): إنه من المحال أن يوجب النبي على أمته التصديق برجل من بني آدم مجهول... إلى آخره، فليراجع في أول الكتاب.1
وأما قوله: إن هذا مما ينافي شريعته.
فجوابه: أن يقال: أما الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا؛ مثل محمد بن التومرت، والمهدي العبيدي، وأمثالهما من الكذابين فلا شك أن دعواهم وأعمالهم تنافي الشريعة، ومن هذا الباب دعوى الكيسانية أن محمد بن الحنفية هو المهدي، ودعوى الرافضة أن محمد بن الحسن العسكري هو المهدي، ودعوى الذين ألحدوا في الحرم في أول سنة 1400هـ أن أحدهم هو المهدي، فكل ذلك كذب وزور ينافي الشريعة، وأما المهدي الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخروجه في آخر الزمان، وأخبر أنه يعمل بالسنة، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، فالتصديق به موافق للشريعة غاية الموافقة؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
وأما قوله: فوجود هذا أضر على الناس من عدمه.
فجوابه: أن يقال: بل وجود المهدي المبشر بخروجه في آخر الزمان أنفع للناس من عدمه؛ لأنه يعمل بالسنة، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا، ومن أنكر عموم النفع بمن يكون بهذه الصفة ففي عقله خلل.
وأما قوله: مع أنه من المحال بأن يكون على صفة ما ذكروا.
فجوابه: أن يقال: في هذا الكلام من الرجم بالغيب، والتألي على الله -تعالى-، والإنكار لعظيم قدرته وعموم مشيئته، والتكذيب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة.
وأما قوله: أما اعتقاد بطلانه وعدم التصديق به فإنه يعطي القلوب الراحة والفرح والأمان والاطمئنان، والسلامة من الزعازع والافتتان.
فجوابه: أن يقال: بل الأمر بالعكس، فإن الذي يعطي القلوب الراحة والفرح والأمان والاطمئنان، والسلامة من الزعازع والافتتان، هو الإيمان بكل...........................

ما جاء عن الله -تعالى-، وبكل ما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والبعد عن الشكوك والأوهام فيما أخبر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الغيب، مما كان وما سيكون.
فأما الراحة والفرح والاطمئنان برد الأحاديث الثابتة فهو من جنس فرح أهل البدع ببدعهم واطمئنانهم إليها ووجودهم الراحة في التمسك بها، وهذا من تلاعب الشيطان بهم وتزيينه لهم أعمالهم السيئة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
وقال ابن محمود في صفحة (37) وصفحة (38): "إن فكرة المهدي هذه لها أسباب سياسية واجتماعية ودينية، وكلها نبعت من عقائد الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها، وذلك بعد خروج الخلافة من آل البيت، واستغلت الشيعة أفكار الجمهور الساذجة وتحمسهم للدين والدعوة الإسلامية فأتوهم من هذه الناحية الطيبة الطاهرة، ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وأحكموا أسانيدها وأذاعوها من طرق مختلفة، فصدقها الجمهور الطيب لبساطته، وسكت رجال الشيعة لأنها في مصلحتهم، وكانت بذلك مؤامرة شنيعة أفسدت بها عقول الناس، وامتلأت بأحاديث تروى، وقصص تقص، نسبوا بعضها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعضها إلى أئمة أهل البيت، وبعضها إلى كعب الأحبار، وكان لكل ذلك أثر سيئ في تضليل عقول الناس وخضوعهم للأوهام، كما كان من أثر ذلك الثورات والحركات المتتالية في تاريخ المسلمين، ففي كل عصر يخرج داع أو دعاة يزعم أنه المهدي المنتظر، ويلتف حوله طائفة من الناس ويتسببون في إثارة الكثير من الفتن، وهذا كله من جراء نظرية خرافية هي نظرية المهدي، وهي نظرية لا تتفق مع سنة الله في خلقه، ولا تتفق مع العقل الصحيح السليم".
والجواب: أن يقال: هذا الكلام ملخص من كلام أحمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام" ج3 صفحة (241 - 244) ولو أن ابن محمود نسب الكلام إلى قائله لكان أولى له من التدليس وأوفق للأمانة العلمية، وقد ذكرت...........................................

بعض هذا الكلام في أول الكتاب1، وذكرت قبل ذلك أن خروج المهدي في آخر الزمان من أمور الغيب التي أخبر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس هو مجرد فكرة كما زعم ذلك ابن محمود تقليدًا لأحمد أمين، فليراجع ذلك.2
وأما قوله: إنها نبعت من عقائد الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها.
فجوابه: أن يقال: هذا خلاف الواقع؛ لأن الإخبار بخروج المهدي ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية عدد كثير من الصحابة -رضي الله عنهم-، وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في أول الكتاب فلتراجع3، ففيها أبلغ رد على من زعم أن القول بخروج المهدي كان فكرة، وأنها نبعت من عقائد الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها.
وأما قوله: واستغلت الشيعة أفكار الجمهور الساذجة وتحمسهم للدين والدعوة الإسلامية، فأتوهم من هذه الناحية الطيبة الطاهرة، ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وأحكموا أسانيدها، وأذاعوها من طرق مختلفة، فصدَّقها الجمهور الطيب لبساطته.
فجوابه: أن يقال: لا يخفى ما في هذا القول السيئ من الطعن فيمن روى أحاديث المهدي ومن صحح بعضها وحسن بعضها، ورميهم بالسذاجة التي معناها الغباوة والتغفيل، وكذلك رميهم بالبساطة ومعناها أيضًا الغباوة والتغفيل، بحيث تروج عليهم أكاذيب الشيعة وما يلفقونه من الأحاديث الموضوعة، وهذا الطعن يتناول من روي أحاديث المهدي من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأئمة العلم والهدى من بعدهم.
وإذا علم هذا، فهل يقول عاقل إن عليًا، وابن مسعود، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وجابرًا، وأم سلمة -رضي الله عنهم- كانوا أغبياء مغفلين، من أجل روايتهم لأحاديث المهدي؟ أم يقول ذلك فيمن روى ذلك من التابعين وأتباعهم، ومن كان بعدهم من الأئمة الحفاظ؟ أم يقول ذلك في الإمام أحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجة، والحارث بن أبي أسامة، وأبي يعلى الموصلي، والطبراني، وابن حبان، والحاكم من أجل أنهم خرَّجوا أحاديث المهدي في كتبهم؟ أم يقول ذلك في العقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وزين الدين العراقي،......................................................................

وابن حجر العسقلاني، ونور الدين الهيثمي، وغيرهم من العلماء الذين صححوا بعضًا من أحاديث المهدي وحسنوا بعضا؟ فهل يقول ابن محمود إن هؤلاء كلهم من البسطاء السذج؛ لأنهم قبلوا الصحاح والحسان من أحاديث المهدي، وصدقوا بما جاء فيها من خبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟ أم ماذا يجيب به عن كلامه السيئ الذي أخذه من كتاب أحمد أمين، ولم يتثبت فيه، ولم يتأمل فيما يترتب عليه من اللوازم السيئة، بل جعله قضية مُسلَّمة كأنما ظفر بنص من كتاب الله -تعالى- أو من سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -؟ وقد تقدم عن ابن محمود1أنه قال: أكثر الناس مقلدة يقلد بعضهم بعضًا، وقليل منهم المحققون، وقد وقع فيما ذمه من التقليد، بل في أسوأ التقليد؛ لكونه قلَّد أحمد أمين فيما يعود بالطعن في بعض الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الحفاظ والأئمة الذين خرجوا أحاديث المهدي، وفيمن صحح بعضها وحسن بعضها من أكابر الأئمة الذين تقدم ذكرهم، وهذه سوأة لا يسترها ويزيل أثرها إلا التوبة الصادقة، ونشر ما يضادها ويبين فسادها.
وأما قوله: وكانت بذلك مؤامرة شنيعة، أفسدت بها عقول الناس، وامتلأت بأحاديث تروي، وقصص تقص، نسبوا بعضها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعضها إلى أهل البيت، وبعضها إلى كعب الأحبار.... إلى آخر كلامه.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: أما الأحاديث الثابتة في المهدي فلم يرو منها عن أهل البيت سوى ثلاثة أحاديث عن علي -رضي الله عنه؛ اثنان مرفوعان، أحدهما صحيح، والآخر حسن، والثالث موقوف صحيح.
وقد ذكرتُ هذه الأحاديث الثلاثة في أول الكتاب2، وأما كعب الأحبار فليس له رواية في الأحاديث الثابتة في المهدي.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الأحاديث الثابتة في المهدي ليست هي التي أفسدت عقول الناس، وإنما أفسدهم الطمع في الملك وحب الرياسة والجاه، كما فعل الذين ادعوا النبوة؛ مثل الأسود العنسي، ومسيلمة الكذاب، وسجاح، وطليحة الأسدي، والمختار بن أبي عبيد، وغيرهم من الدجالين الذين ادعوا................................................

النبوة لتحصيل الأغراض الدنيوية، فكما لا يقول عاقل إن دعوى الدجالين للنبوة تقدح في نبوة الأنبياء وتؤثر فيها، فكذلك لا يقول عاقل إن دعوى المُدَّعين للمهدية كذبًا وزورًا تقدح في الأحاديث الثابتة في المهدي، وتجعلها من قبيل الموضوعات. ومما أوقع البلبلة في عقول بعض العوام تأليف ابن محمود في إنكار المهدي ومجازفته في رد الأحاديث الثابتة فيه، وقد قال الله -تعالى-: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. وأما قوله: وهذا كله من جرَّاء نظرية خرافية، هي نظرية المهدي، وهي نظرية لا تتفق مع سنة الله في خلقه، ولا تتفق مع العقل الصحيح السليم. فجوابه: أن يقال: إن خروج المهدي في آخر الزمان ثابت بخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وليس ذلك من قبيل النظريات والأفكار كما زعم ذلك ابن محمود تقليدًا لأحمد أمين، ولا من قبيل الخرافات كما زعم ذلك ابن محمود أيضًا، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وإذا كان هذا الوعيد الشديد لمن خالف أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكيف بمن جعل الأحاديث الثابتة عنه من قبيل النظريات والخرافات؟ وقد ذكرت أقوال بعض العلماء في التشديد على الذين يردون الأحاديث الثابتة، وأن من فعل ذلك فهو متهم على الإسلام، وقد صرح بعضهم بتكفير من فعل ذلك، فليراجع ذلك في أول الكتاب.1
وأما قوله: وهي نظرية لا تتفق مع سنة الله في خلقه ولا تتفق مع العقل الصحيح السليم.
فجوابه: أن يقال: قد جاء في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- الذي تقدم ذكره في أول الكتاب2أن المهدي يقسم بين الناس فيئهم، ويعمل فيهم بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وأن الإسلام يلقي بجرانه إلى الأرض.
وجاء فيما رواه علي، وابن مسعود، وأبو سعيد -رضي الله عنهم- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المهدي يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا3، وهذا وما جاء في حديث أم سلمة..............................................................

-رضي الله عنها- يتفق مع سنة الله في خلقه ومع العقل الصحيح السليم غاية الاتفاق، ومن زعم خلاف هذا فلا شك في فساد تصوره.
فصل وقال ابن محمود في صفحة (29): "التحقيق المعتبر عن أحاديث المهدي المنتظر": "أعلم أن أحاديث المهدي تدور بين ما يزعمونه صحيحًا وليس بصريح وبين ما يزعمونه صريحًا وليس بصحيح، وأننا بمقتضى الاستقراء والتتبع لم نجد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا صحيحًا صريحًا يعتمد عليه في تسمية المهدي، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تكلم فيه باسمه، وقد نزَّه البخاري ومسلم كتابيهما عن الخوض في أحاديث المهدي، كما أنه ليس له ذكر في القرآن، لهذا لا ننكر على من أنكره، وإنما الإنكار يتوجه على من اعتقد صحة خروجه، وسنتكلم على الأحاديث التي يزعمونها صحيحة والتي رواها أبو داود، والإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وكلها متعارضة ومختلفة، ليست بصحيحة ولا متواترة، لا بمقتضى اللفظ ولا المعنى".
والجواب: أن يقال: إن ابن محمود قد أشار إلى تحقيقه هذا في صفحة (8) من رسالته، وزعم أنه قد شرح فيه سائر الأحاديث التي رواها أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والإمام أحمد، والحاكم، بما لا مزيد عليه، ولا يخفى ما في كلامه هذا من الإعجاب بتحقيقه وشرحه الذي هو خال من التحقيق، وحاصله معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي بآرائه ومجازفاته لا غير، وسيأتي بيان ذلك -إن شاء الله تعالى- مع الكلام على كل حديث من الأحاديث التي زعم أنه حققها.
وأما قوله: اعلم أن أحاديث المهدي تدور بين ما يزعمونه صحيحًا وليس بصريح وبين ما يزعمونه صريحًا وليس بصحيح، وأننا بمقتضى الاستقراء والتتبع لم نجد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا صحيحًا صريحًا يعتمد عليه في تسمية المهدي، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تكلم فيه باسمه.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن أحاديث المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، وقد صرح بالتصحيح لبعضها والتحسين لبعض آخر كثير من الأئمة الحفاظ النقاد، وتقدم بيان ذلك في أول الكتاب.

وتقدم أيضًا ما نقله غير واحد من أكابر العلماء عن الآبري، أنه قال في أحاديث المهدي إنها متواترة، وقد أقروه على هذا القول، ولم يعارضه أحد منهم ولا من غيرهم من العلماء، فليراجع ما تقدم1، ففيه أبلغ رد على من نفى الصحة عن جميع أحاديث المهدي، ومن نفى التواتر عنها.
الوجه الثاني: أن يقال: قد جاء في المهدي تسعة أحاديث من الصحاح والحسان ذكرتها في أول الكتاب2، وقد صرح في خمسة منها باسم المهدي، أولها: حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- المرفوع، فقد صرح فيه باسم المهدي في رواية لأحمد والترمذي، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن، قال: وقد روي من غير وجه عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "، ورواه الإمام أحمد أيضًا من طرق، وفيها التصريح باسم المهدي، قال الهيثمي: "رواه أحمد، وأبو يعلي، ورجالهما ثقات"، وقد أقره الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني على هذا القول؛ لأنهما قد حررا مجمع الزوائد معه، ورواه الحاكم من طريق أخرى، وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه، ورواه أبو داود ولفظه: «المهدي مِنِّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين» قال ابن القيم في"المنار المنيف": "إسناده جيد".
ثانيها: حديث علي -رضي الله عنه- المرفوع، وفيه: «المهدي مِنَّا أهل البيت» رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، وإسناد كل منهما حسن.
ثالثها: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يكون في أمتي المهدي» الحديث رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: "ورجاله ثقات"، وقد أقره الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني على هذا القول.
رابعها: حديث أبي الطفيل، عن محمد بن الحنفية قال: كنا عند علي -رضي الله عنه- فسأله رجل عن المهدي، فذكر الحديث، وهو موقوف وله حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف، وقد رواه الحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي على ذلك.
خامسها: حديث جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بِنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير.................

بعض، تكرمة الله لهذه الأمة» رواه الحارث بن أبي أسامة، قال ابن القيم في "المنار المنيف": "إسناده جيد".
وفي هذه الأحاديث الخمسة أبلغ رد على قول ابن محمود إنه ليس في المهدي حديث صحيح صريح في تسمية المهدي، وقد جاء في ذلك أيضًا حديث سادس حسن، وهو ما رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم، عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»، وقد سكت أبو داود على هذا الحديث، وقال في رسالته إلى أهل مكة: "وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض"، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" ورمز له بالصحة، وقال العزيزي في "السراج المنير، شرح الجامع الصغير": "إسناده حسن".
وإذا علم هذا، فلا ينبغي لمن له عقل وعلم أن يلتفت إلى تخرصات ابن محمود وتوهماته وجراءته على رد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المهدي، ومخالفته لأقوال الأئمة الحفاظ النقاد الذين صححوا جملة منها وحسنوا جملة أخرى، فقد قال الله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
الوجه الثالث: أن يقال: إذا كان ابن محمود لم يجد حديثًا صحيحًا صريحًا يعتمد عليه في تسمية المهدي بعد استقرائه وتتبعه، فينبغي له أن لا يسارع إلى إنكار ما خفي عليه من الأحاديث الثابتة عند الأئمة الحفاظ النقاد، فقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾، وقال -تعالى-: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.
فليحذر ابن محمود أن يكون من أهل هاتين الآيتين وهو لا يشعر.
وأما قوله: وقد نزَّه البخاري ومسلم كتابيهما عن الخوض في أحاديث المهدي، كما أنه ليس له ذكر في القرآن.
فجوابه: أن يقال: هذا الكلام مأخوذ من كلام رشيد رضا وأحمد أمين والمستشرق دونلدسن، وقد تقدم إيراده والرد عليه في أول الكتاب، مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (6): ومنها أن هذه الأحاديث لم يأخذها البخاري ومسلم كما أنه ليس له ذكر في القرآن، وقد أورده ابن محمود أيضًا في................................................

صفحة (31)، وأحلت بالرد عليه على ما تقدم في أول الكتاب، فليراجع.1
وأما قوله: لهذا لا ننكر على من أنكره، وإنما الإنكار يتوجه على من اعتقد صحة خروجه.
فجوابه: أن يقال: هذا من مصداق ما يروى عن علي -رضي الله عنه- مرفوعًا: «كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا»، قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟ قال: «نعم» رواه رُزَين، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- مثله مرفوعًا رواه أبو يعلي والطبراني في الأوسط، وإسناد كل منهما ضعيف، وروى ابن وضَّاح عن ضمام بن إسماعيل المعافري عن غير واحد من أهل العلم نحو ذلك مرفوعًا.
وأما قوله: وسنتكلم على الأحاديث التي يزعمونها صحيحة.
فجوابه: أن يقال: قد أورد ابن محمود في تحقيقه المزعوم خمسة أحاديث من الأحاديث الضعيفة، وهي الحديث السادس الذي أوله: «يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث حراث»، والحديث الثامن الذي في أوله: أن عليًا -رضي الله عنه- نظر إلى ابنه الحسن فقال: «إن ابني هذا سيد»، والحديث العاشر الذي أوله: «يخرج أناس من المشرق فيواطئون للمهدي يعني سلطانه»، والحديث الذي رواه ابن ماجة عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبل فتية من بني هاشم.. الحديث، والحديث الحادي عشر الذي فيه: «ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم».
فهذه الأحاديث الخمسة لم يصححها أحد من أهل العلم، ومع هذا يقول ابن محمود عن الذين يعتقدون صحة خروج المهدي إنهم يزعمون أن هذه الأحاديث صحيحة، وهذا من التقول عليهم، وقد تناقض قوله في الحديث الذي فيه «ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم» فجعله في صفحة (39) وصفحة (52) من الأحاديث التي صححها القائلون بصحة خروج المهدي، وقال في أول صفحة (51): إنه ضعيف عندهم لمخالفته لسائر الأحاديث، وفي هذا التناقض دليل على أن ابن محمود كان يكتب ما سنح له كيفما اتفق، من غير تثبت ولا تحرير لما يكتبه.

وأما قوله في أحاديث المهدي التي رواها أبو داود، والإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة: إنها كلها متعارضة ومختلفة، ليست بصحيحة ولا متواترة، لا بمقتضى اللفظ ولا المعنى.
فجوابه: أن يقال: قد تقدم الجواب عما زعمه من وقوع التعارض والاختلاف بين أحاديث المهدي، مع الكلام على قوله في صفحة (6): ومنها تناقض هذه الأحاديث وتعارضها.
فليراجع1، وتقدم الجواب عن قوله: إنها ليست بصحيحة ولا متواترة، مع الكلام على قوله في صفحة (4): وفي الحقيقة إنها كلها غير صحيحة ولا متواترة، فليراجع أيضًا.2
وقال ابن محمود في صفحة (39) إلى صفحة (42): "الحديث الأول: روى أبو داود في سننه، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة، ثم قال كلمة، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش» ثم أجاب ابن محمود بقوله: إن هذا الحديث يجعلونه رأسًا وأصلا في أحاديث المهدي، بحيث يستقي منه أهل السنة الذين يصدقون بصحة خروج المهدي، كما يستقي منه الشيعة حيث يرون أن إمامهم محمد بن الحسن العسكري هو الثاني عشر، وبمقتضى التأمل لم نجد للمهدي ذكر في هذا الحديث، لا بمقتضى التصريح ولا التلميح، فالاستدلال به على فرض صحته غير موافق ولا مطابق، فإنه لا ذكر للمهدي فيه، ولم يقل في الحديث إن أحدهم المهدي حتى يكون حجة، وقد صار أمر المهدي وخروجه مشترك بين السنة والشيعة وكل منهم يستدل بهذا الحديث، وقد سماه العلامة ابن كثير في نهايته بالخليفة، وجعله بصف الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة»، وقد انتهت بوفاة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، ولا أدري من أين وجدوا بأن رسول الله قال في هؤلاء الأئمة أن أحدهم المهدي، أو أنه الإمام أو الخليفة، وما هو إلا محض المبالغة في الغلو في القول بخروجه، حتى أعلقوا هذا الاعتقاد في قلوب بعض العلماء وأكثر العامة، وحتى أدرجوه في عقيدة أهل السنة والجماعة، والحق أن حديث جابر بن سمرة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا................

يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة» ينبغي أن يحمل على الواقع الملموس والمشاهد بالأسماع والأبصار، وذلك في حملة على حكام المسلمين الذين كانوا في القرون الثلاثة المفضلة، والذين قام بهم أمر الدنيا والدين وجماعة المسلمين؛ وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية بن أبي سفيان، ثم عبد الملك بن مروان، ثم ابنه الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم يزيد بن الوليد، ومن بعده إلى مروان بن محمد.
ثم انتقلت الإمامة إلى بني العباس؛ ومنهم المنصور، ثم ابنه المهدي، ثم هارون الرشيد، إلى من بعدهم ممن استقام بهم أمر الدنيا والدين وجماعة المسلمين.
ومن بعد هؤلاء عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود الشهيد، وصلاح الدين الأيوبي.
فلا ينبغي أن نبخس هؤلاء حقهم، أو ننسى محاسنهم، أو نجحد عموم عدلهم، الذي طبق مشارق الأرض ومغاربها، ثم نحمله على المهدي الذي لا يخرج بزعمهم إلا زمن عيسى ابن مريم، وهو مجهول في عالم الغيب... إلى أن قال: فمتى قلنا إن الاثني عشر خليفة الذين استقام بهم الدين لن يخرجوا عن هؤلاء الأئمة الذين أعز الله بهم الدين، وجمع بهم شمل المسلمين، لم نكن آثمين، بدلا من أن نحيل إلى تسميته بالمهدي ثم نجعله خيالا غيبيًا يوجد في الأذهان دون الأعيان، إذ هذا من التخرص والظنون والقول على الله وعلى رسوله بغير حق".
والجواب: أن يقال: قد ذكر العلماء وجوهًا كثيرة في معنى حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- ومن أحسنها كلام الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية"، وقد ذكر فيه عن بعض الناس أنهم قالوا في حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- إن فيه بشارة بوجود اثني عشر خليفة عادلا من قريش، وإن لم يوجدوا على الولاء، وإن المهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم، وقد ذكرت كلام ابن كثير مع الجواب عن اعتراض ابن محمود على السفاريني لمِا قال في عقيدته: منها الإمام الخاتم الفصيح... محمد المهدي والمسيح فليراجع1، ولعل أبا داود كان يقول بهذا القول الذي ذكره ابن كثير، ولأجل.......

ذلك أورد حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- مع أحاديث المهدي، والله أعلم. وأما قوله: إن هذا الحديث يجعلونه رأسًا وأصلا في أحاديث المهدي، بحيث يستقي منه أهل السنة الذين يصدقون بصحة خروج المهدي، كما يستقي منه الشيعة حيث يرون أن إمامهم محمد بن الحسن العسكري هو الثاني عشر. فجوابه: أن يقال: ليس الأمر على ما زعمه ابن محمود، فإن أهل السنة لم يجعلوا حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- رأسًا وأصلا في أحاديث المهدي، ولم أر أحدًا من أهل الكتب الستة ذكره في أحاديث المهدي سوى أبي داود، وأما غيره فذكروه في أبواب الخلافة والإمارة، وذكره فيها أليق به، وإنما يعتمد أهل السنة في المهدي على ما رواه علي، وابن مسعود، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأم سلمة، وجابر -رضي الله عنهم- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكرت أحاديثهم في أول الكتاب فلتراجع.1
وأما الرافضة فليس لهم ما يتعلقون به في حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: «لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش» وفي بعض الروايات «اثنا عشر أميرًا»، والذين يزعم الرافضة إمامتهم من أهل البيت لم يتول الخلافة منهم سوى علي بن أبي طالب وابنه الحسن -رضي الله عنهما- فأي رأس وأي أصل تستقي منه الرافضة من حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما-.
ومن له أدنى علم وفهم لا يخفى عليه أن حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- بعيد كل البعد عن مطابقة ما تزعمه الرافضة في مهديهم المزعوم المعدوم محمد بن الحسن العسكري.
وأما قوله: وبمقتضى التأمل لم نجد للمهدي ذكر في هذا الحديث، لا بمقتضى التصريح ولا التلميح، فالاستدلال به على فرض صحته غير موافق ولا مطابق، فإنه لا ذكر للمهدي فيه، ولم يقل في الحديث إن أحدهم المهدي حتى يكون حجة.
فجوابه: أن يقال: قد لحن ابن محمود في قوله لم نجد للمهدي ذكر، وصوابه ذكرًا.

ويقال أيضًا: قد تقدم1ما ذكره ابن كثير عن بعض الناس أنهم قالوا في حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- إن فيه بشارة بوجود اثني عشر خليفة عادلا كلهم من قريش، وإن لم يوجدوا على الولاء، وإن المهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم، وقد جزم بهذا القول في تفسيره لسورة المائدة لما تكلم على هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ الآية، وذكر ما رواه الإمام أحمد عن مسروق قال: "كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل» ". في إسناده مجالد بن سعيد، وثقة النسائي في رواية، وضعفه الجمهور، وحسن بعضهم حديثه، وقال ابن كثير بعد إيراده: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، قال: وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة، وذكر الحديث ثم قال: ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحًا، يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وجد منهم أربعة على نسق، وهم الخلفاء الأربعة؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي -رضي الله عنهم-، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة، وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولا يتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره، فذكر أنه يواطئ اسمه اسم النبي - صلى الله عليه وسلم -، واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض عدلا وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا، وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده، ثم ظهوره من سرداب سامراء، فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الاثني عشر، الأئمة الاثني عشر الذين تعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم، وفي التوراة البشارة بإسماعيل -عليه السلام- وأن الله يقيم من صلبه اثني عشر عظيمًا، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة".
انتهى كلام ابن كثير -رحمه الله تعالى-.

وأما قوله: على فرض صحته. فجوابه: أن يقال: حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- في ذكر الخلفاء الاثني عشر قد رواه البخاري في "باب الاستخلاف" من كتاب الأحكام من صحيحه، ورواه مسلم في "كتاب الإمارة" من عدة طرق، ورواه الترمذي في "باب ما جاء في الخلفاء" من طريقين؛ قال في الأول منهم: "حسن صحيح"، وقال في الآخر: "حسن صحيح غريب" قال: "وفي الباب عن ابن مسعود وعبد الله بن عمرو"، ورواه الإمام أحمد في مسنده من عدة طرق صحيحة. فإذا كان ابن محمود قد شك في صحة حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- مع اتفاق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحيهما، وزعم أن ذلك من التحقيق المعتبر عن أحاديث المهدي، فأحسن الله عزاءه في علمه وتحقيقه، وهذا التحقيق المتوهم مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون وتطاوله على شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ذكرت كلامه في ذلك والجواب عنه في أثناء الكتاب فليراجع.1
وأما قوله: وقد صار أمر المهدي وخروجه مشترك بين السنة والشيعة، وكل منهم يستدل بهذا الحديث.
فجوابه: أن يقال: قد لحن ابن محمود في قوله مشترك، وصوابه مشتركًا بالنصب؛ لأنه خبر صار.
ويقال أيضًا: إن منتظر الرافضة الذي يتوهمون وجوده في سرداب سامراء ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، ودعوى الرافضة فيه أنه المهدي من جنس دعوى غيرهم من الدجالين الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا، وعلى هذا فلا متعلق للروافض في حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- ولا في غيره من الأحاديث الواردة في المهدي.
وأما قوله: وقد سماه العلامة ابن كثير في نهايته بالخليفة، وجعله بصف الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة» وقد انتهت بوفاة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
فجوابه: أن يقال: قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في المهدي إنه يعمل..........

بالسنة، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، ومن كان بهذه الصفة فلا شك أنه من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين.
وأما قوله: وجعله بصف الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
فجوابه: أن يقال: إن ابن كثير -رحمه الله تعالى- لم يقل في المهدي إنه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يتجه الاعتراض عليه بأنه قد جعل المهدي في صف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، وإنما قال فيه إنه أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وهذا الاعتراض عليه فيه؛ لأن هذه الصفة يجوز إطلاقها على كل إمام عمل بالكتاب والسنة، وبسط القسط والعدل، وأزال الجور والظلم، فكما يقال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- إنهم خلفاء راشدون وأئمة مهديون، فكذلك يقال فيمن سار على منهاجهم من أئمة العدل ولو كان في آخر الزمان، وقد أجمع العلماء على أن عمر بن عبد العزيز من أئمة العدل، وأنه أحد الخلفاء الراشدين المهديين، ولم يعترض أحد من العلماء على هذا الإجماع، ولا قال أحد منهم إن هذا الإجماع يجعل عمر بن عبد العزيز في صف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-؛ وذلك لأن هؤلاء الأربعة قد امتازوا بخصائص لم تكن لمن بعدهم من الخلفاء؛ منها صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والجهاد معه، وشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بالجنة، وكونهم من السابقين الأولين من المهاجرين، وكون خلافتهم خلافة نبوة، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأخذ بسنته وسنتهم والتمسك بها والعض عليها بالنواجذ، وهذه الخصائص هي التي تميزهم عن غيرهم من الخلفاء، وتمنع أن يكون أحد في صفهم، ولهم من الخصائص والفضائل الكثيرة غير ما ذكرنا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدًا أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، وروى مسلم أيضًا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه.
وفي هذين الحديثين دليل على علو منزلة الصحابة -رضي الله عنهم- على من بعدهم، فلا يكون أحد من التابعين ولا من بعدهم في صفهم، ولو كان خليفة راشدًا، فضلا عن أن يكون في صف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-.

وأما قوله: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة» وقد انتهت بوفاة عي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
فجوابه: أن يقال: مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» خلافة النبوة؛ لقوله في حديث سفينة -رضي الله عنه-: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وقال الترمذي: "حديث حسن"، وقد انتهت خلافة النبوة بنزول الحسن بن علي -رضي الله عنهما- عن الخلافة لمعاوية -رضي الله عنه- وذلك بعد قتل -علي رضي الله عنه- بستة أشهر.
وقد روى عبد الله بن الإمام أحمد عن أبي ريحانة- واسمه عبد الله بن مطر البصري- عن سفينة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» فقال رجل كان حاضرًا في المجلس: قد دخلت من هذه الثلاثين سنة ستة شهور في خلافة معاوية، فقال: من ههنا أُتيتَ تلك الشهور، كانت البيعة للحسن بن علي بايعه أربعون ألفًا، أو اثنان وأربعون ألفًا.
وإذا علم هذا فلا تعارض بين قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» وبين ما جاء في حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- في ذكر الخلفاء الاثني عشر، ومثله ما تقدم في الأحاديث الثلاثة عن جابر وأبي سعيد -رضي الله عنهما- في ذكر الخليفة الذي يكون في آخر الزمان يحثو المال حثوًا، فإن الخلافة المقدرة بثلاثين سنة هي خلافة النبوة، وهذه الخلافة قد اختص بها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- وأُكمِلت بخلافة الحسن بن علي -رضي الله عنهما- وأما من كان بعد الثلاثين سنة فخلافتهم خلافة ملك.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "تهذيب السنن": "والدليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أوقع عليهم اسم الخلافة بمعنى الملك في غير خلافة النبوة، قوله في الحديث الصحيح من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «سيكون من بعدي خلفاء يعملون بما يعلمون، ويفعلون ما يؤمرون، وسيكون من بعدهم خلفاء يعملون بما لا يعلمون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن أنكر بَرِئ، ومن أمسك سلم، ولكن من رضي وتابع» ". قلت: هذا الحديث رواه ابن حبان في صحيحه، من حديث أبي هريرة..........

-رضي الله عنه-.
وفي الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وسنن ابن ماجة عن أبي هريرة أيضًا -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وإنه سيكون خلفاء فيكثرون» قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم» ففي هذا الحديث والحديث قبله إطلاق اسم الخلفاء على الملوك.
وقد جاء ما يدل على أنه سيكون بعد الصحابة رضي الله عنهم خلفاء راشدون؛ فروي الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والبزار، عن حبيب بن سالم قال: "سمعت النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- يقول: كنا قعودًا في المسجد، وكان بشير رجلا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- فقال: يا بشير بن سعد، أتحفظ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأمراء؟ وكان حذيفة -رضي الله عنه- قاعدًا مع بشير، فقال حذيفة -رضي الله عنه-: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة -رضي الله عنه- قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت» قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز، وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه، فقلت: إني لأرجو أن يكون أمير المؤمنين - يعني عمر- بعد الملك العاض والجبرية، فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه"، وقد رواه الطبراني في الأوسط مختصرًا، قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وأما قوله: ولا أدري من أين وجدوا بأن رسول الله قال في هؤلاء الأئمة إن أحدهم المهدي أو أنه الإمام أو الخليفة؟ وما هو إلا محض البالغة في الغلو في القول بخروجه، حتى أعلقوا هذا الاعتقاد في قلوب بعض العلماء وأكثر العام، ة وحتى أدرجوه في عقيدة أهل السنة والجماعة.
فجوابه: أن أقول: قد ذكرت قريبًا أن أهل السنة إنما يعتمدون في إثبات خروج المهدي على ما رواه علي، وابن مسعود، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأم سلمة، وجابر -رضي الله عنهم- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- فقد ذكروه في أبواب

الخلافة والإمارة وذكرت أيضًا ما ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" وفي التفسير أيضًا أن حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- فيه بشارة بوجود اثني عشرة خليفة صالحًا يقيم الحق، قال: "والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره"، فليراجع كلام ابن كثير ففيه كفاية في الرد على ابن محمود.1
وأما قوله: والحق أن حديث جابر بن سمرة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة» ينبغي أن يحمل على الواقع الملموس والمشاهد بالأسماع والأبصار، وذلك في حمله على حكام المسلمين.... إلى قوله: وهو مجهول في عالم الغيب.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ما عبَّر به ابن محمود عن الواقع فيما مضى بأنه ملموس ومشاهد بالأسماع والأبصار فهو كلام غير معقول؛ لأن الواقع في الماضي إنما يعبر عنه بالعلم، ولا يعبر عنه باللمس ولا بالمشاهدة؛ لأن اللمس والمسَّ إنما يكون بمباشرة اليد أو غيرها من الأعضاء لجسم آخر من غير حائل، قال الله -تعالى-: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾، وقال -تعالى-: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، وقال -تعالى-: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لماعز: «لعلك قبَّلت أو لمست»، وقال في حديث آخر: «ومن مس الحصا فقد لغا»، وقال الشاعر: لَمست بكفي كفه أطلب الغنى ولم أدر أن الجود من كفه يعدي وأما المشاهدة بالأبصار فإنما تكون للشيء الحاضر الذي تمكن مشاهدته.
وأما المشاهدة بالأسماع فغير معقول ولا يقول ذلك عاقل؛ لأن الآذان إنما جعلت للسمع لا للمشاهدة، قال الله -تعالى-: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾، وقال -تعالى-: ِ ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾.

فأخبر -تبارك وتعالى- عن كل جارحة من الجوارح الأربع بما هي مخصوصة به عن غيرها من المنافع، وجعل السمع من خصائص الآذان، والبصر من خصائص الأعين، فإن كان ابن محمود يشاهد بأذنيه فذلك من خوارق العادات ومما حصل له بعد توسعه في العلوم والفنون.
الوجه الثاني: أن يقال: إن حكام المسلمين في القرون الثلاثة المفضلة كان عددهم خمسة وثلاثين، وكثير منهم لا ينطبق عليهم ما جاء في حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنهما- فقد جاء في بعض الروايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كلهم تجتمع عليه الأمة»، وبهذا يخرج خلفاء بني العباس كلهم؛ لأن الأمة لم تجتمع على أحد منهم، ويكون هشام بن عبد الملك هو آخر الذين اجتمعت عليهم الأمة، وأما عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود الشهيد، وصلاح الدين الأيوبي، فقد كانوا في القرن السادس، وليسوا من قريش، ولم تجتمع الأمة عليهم، بل كان أكثر بلاد المسلمين تحت ولاية غيرهم، فذِكرهم مع الخلفاء لا وجه له.
الوجه الثالث: أن يقال: إنما كان يعرف عموم العدل في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، وكذلك في خلافة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى-، فأما غيرهم فقد كانوا يستأثرون بالأموال ويضعونها في غير مواضعها، ومنهم من يصادر أموال الناس ويأخذها لنفسه أو يعطيها لغيره، ولا يعرف عن أحد بعد الخلفاء الأربعة الراشدين أن عدله طبق مشارق الأرض ومغاربها سوى عمر بن عبد العزيز، وأما المهدي الذي يخرج في آخر الزمان فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في عدة أحاديث صحيحة أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأخبر في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- أنه يعمل بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن الإسلام يلقي بجرانه إلى الأرض، فهذا هو العدل الذي يطبق مشارق الأرض ومغاربها، لا ما زعمه ابن محمود فيمن سماهم من الملوك الماضين.
وأما قوله: هو مجهول في عالم الغيب.
فجوابه: أن يقال: قد كرر ابن محمود هذه الكلمة في عدة مواضع من رسالته، وقد تقدم الجواب عنها في أول الكتاب وفي أثنائه فليراجع.1

وأما قوله: فمتى قلنا إن الاثني عشر خليفة الذين استقام بهم الدين لن يخرجوا عن هؤلاء الأئمة الذين أعز الله بهم الدين وجمع بهم شمل المسلمين لم نكن آثمين، بدلا من أن نحيل إلى تسميته بالمهدي ثم نجعله خيالا غيبيًا يوجد في الأذهان دون الأعيان، إذ هذا من التخرص والقول على الله وعلى رسوله بغير حق. فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن ابن محمود قد تهجم على الأحاديث الثابتة في المهدي، وقابلها بالرد والإنكار، وزعم أنها خرافة، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وهذا من أقبح التخرص والقول على الله وعلى رسوله بغير حق، ومن كان هذا فعله فلا شك أنه قد أتى إثمًا عظيمًا، وأنه قد عرَّض نفسه للعقوبة الشديدة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ "، وقال الإمام أحمد أيضًا: "من رد أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو على شفا هلكة"، وقد ذكرت ما قاله بعض العلماء من التشديد في رد الأحاديث الثابتة، حتى أن بعضهم أطلق الكفر على من فعل ذلك، فليراجع ذلك في أول الكتاب.1
الوجه الثاني: أن يقال: قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بخروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وأخبر أيضًا بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم -عليه السلام-، وأنه يكون حكمًا عدلا وإمامًا مقسطًا، وأخبر أن يأجوج ومأجوج يخرجون على الناس في زمان عيسى ابن مريم، وأنهم يحصرون نبي الله عيسى ومن معه فيدعو عليهم فيهلكهم الله، فهل يصدق ابن محمود بخروج هؤلاء في آخر الزمان، أم يقول إن ذلك كله من الخيال الغيبي الذي يوجد في الأذهان دون الأعيان، وأن القول بخروجهم من التخرص والقول على الله وعلى رسوله بغير حق؟ فإن صدق بخروجهم انتقض قوله في المهدي؛ لأنه لا فرق بين خروجهم في آخر الزمان وبين خروج المهدي فيه، ولأن الأحاديث الدالة على خروج المهدي ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أنها ثابتة في خروج القحطاني ومن ذكر معه، وإن رد الأحاديث الثابتة في خروج القحطاني ومن ذكر معه كما قد رد الأحاديث في خروج المهدي فتلك بلية من شر البلايا ومصيبة عظيمة في دين الرجل.

وقال ابن محمود في صفحة (42) وصفحة (43): "الحديث الثاني: روى أبو داود في سننه عن طريق أبي نعيم، عن علي -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله رجلا مِنَّا يملؤها عدلا كما ملئت جورًا»، ورواه الإمام أحمد عن طريق أبي نعيم، ورواه الترمذي، ثم أجاب ابن محمود بقوله إن هذا الحديث هو من جملة الأحاديث التي يزعمونها صحيحة، وهي ليست بصريحة في الدلالة على المعنى الذي ذكروه، إذ ليس فيها ذكر للمهدي، وعلى فرض صحته فإنه لا مانع من جعل الرجل الذي يملأ الأرض عدلا من جملة المسلمين، الذين مضوا وانقضوا واستقام عليها أمر الدنيا والدين وجماعة المسلمين، فقوله مِنَّا يحتمل أن يكون من أهل ديننا وملتنا، على أن وجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا يحتمل أن يكون من المحال، فقد خلق الله الدنيا وخلق فيها المسلم والكافر والبر والفاجر، كما قال -سبحانه-: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لكون الدنيا دار ابتلاء وامتحان، والمصارعة لا تزال قائمة بين الحق والباطل وبين المسلمين والكفار، وفي صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أنتم في الأمم المكذبة للرسل إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود»، وعلى كل حال فإنه ليس في الحديث التصريح باسم المهدي ولا زمانه ولا مكانه ولا الإيمان به، ولا يمتنع كونه من جملة الخلفاء السابقين الذين استقام بهم الدين وبسطوا العدل في مشارق الأرض ومغاربها بين المسلمين وبين من يعيش معهم من المخالفين لهم في الدين، وهذا الحديث هو من جملة الأحاديث التي يزعمونها صحيحة وليست بصريحة".
والجواب: أن يقال: إن ابن محمود قد ذكر متن حديث علي -رضي الله عنه- وزعم أن ذلك رواية أبي داود، وكان غاية تحقيقه له أن أبدل رواية أبي داود برواية الإمام أحمد ونسبها لأبي داود وزاد فيها حرفًا من عنده وهو قوله "واحد"، وزعم أن الترمذي رواه وهو لم يروه، وإنما أشار إليه بعد روايته لحديث ابن....................................

مسعود -رضي الله عنه- حيث قال: "وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، وأم سلمة، وأبي هريرة".
ثم إن ابن محمود قدح في صحة حديث علي -رضي الله عنه- بدون ذكر علة في إسناده يسوغ بها القدح فيه، وزعم أنه لا مانع من جعل الرجل الذي يملأ الأرض عدلا من جملة المسلمين الذين مضوا وانقضوا، ثم أبدى احتمالا أن قوله "مِنَّا" من أهل ديننا وملتنا، وأبدى احتمالاً آخر أنه من المحال وجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا.
هذا هو التحقيق المعتبر عند ابن محمود لحديث علي -رضي الله عنه- وهو بأضغاث الأحلام أشبه منه بكلام اليقظان، فضلا عن أن يكون من التحقيق المعتبر.
والكلام في الرد عليه أن يقال: أما حديث علي -رضي الله عنه- فقد رواه الإمام أحمد عن حجاج وأبي نعيم، قالا: "حدثنا فطر عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، قال حجاج: سمعت عليًا -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله -عز وجل- رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورًا»، قال أبو نعيم: «رجلا مِنَّا».
قال: وسمعته مرة يذكره عن حبيب، عن أبي الطفيل، عن علي -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ". إسناداه صحيحان، وقد رواه أبو داود في سننه، عن عثمان بن أبي شيبة، عن الفضل بن دكين، ولفظه: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا».
إسناده صحيح، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه، عن الفضل بن دكين، فذكره بمثله وإسناده صحيح، وقد ذكرت توثيق الأئمة لفطر بن خليفة والرد على من قال بتضعيفه، فليراجع ذلك في أول الكتاب1، وفي هذه الأسانيد الصحيحة أبلغ رد على ابن محمود؛ حيث توقف في صحة حديث علي -رضي الله عنه- وعلَّق القول به على فرض صحته، وفي المتن الذي رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأبو داود، وما فيه من النص على أن الرجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أبلغ رد على الاحتمال الذي أبداه ابن محمود بأن قوله "مِنَّا" أي من أهل ديننا وملتنا.
وقد جاء النص على أن المهدي من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في عدة أحاديث عن علي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد -رضي الله عنهم-، وجاء في.....................

روايتين عن أبي سعيد -رضي الله عنه- النص على أن المهدي من عترة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الأحاديث مذكورة في أول الكتاب1، وكلها ثابتة، وبعضها يفسر بعضا، ففيها أبلغ رد على احتمال ابن محمود. وأما قوله: إن هذا الحديث من الأحاديث التي ليس فيها ذكر للمهدي. فجوابه: أن يقال: قد جاء التصريح بذكر المهدي في عدة روايات عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- وفي أربعة أحاديث عن علي، وأبي هريرة، وجابر -رضي الله عنهم-، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع.2
وأما قوله: إنه لا مانع من جعل الرجل الذي يملأ الأرض عدلا من جملة المسلمين الذين مضوا وانقضوا. فجوابه: أن يقال: هذا مردود بالنص على أن الرجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبالنص على أن المهدي يخرج في آخر هذه الأمة، وكل من هذين النصين مانع قوي من القول بما توهمه ابن محمود؛ فأما النص على أنه من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد جاء في عدة أحاديث عن علي، وابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة -رضي الله عنهم-، وفي بعض الروايات عن أبي سعيد -رضي الله عنه- النص على أنه من عترة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع.3
قال ابن الأثير: "عترة الرجل، أخص أقاربه"، وقال ابن الأعرابي: "العترة، ولد الرجل وذريته، وعقبه من صلبه"، قال فعترة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولد فاطمة -رضي الله عنها-.
وقد مضى ألف وأربعمائة سنة من الهجرة ولم يملك أحد من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ويكون بالصفة التي جاء ذكرها في الأحاديث الثابتة؛ وهو أنه يعمل بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويملأ الأرض عدلا وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأنه يعطي المال حثوًا ولا يعده عدًا، وأنه يقسم المال بالسوية بين الناس، وأن عيسى ابن مريم يصلي خلفه حين ينزل، ولا بد أن يملك هذا الرجل، ولا يعلم بزمان خروجه وملكه إلا الله -تعالى-.
وأما النص على أن المهدي يخرج في آخر هذه الأمة فقد رواه الحاكم عن.............

فصول الكتاب · 4 فصل · 411 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر
تأليف حمود بن عبد الله التويجري
الأولى، 1403 هـ - 1983 م
تقدّمك في الكتاب: صفحات 200-239 — 7 من 12
جارٍ التحميل