في الكلام على فريق من العامة وأهل التقليد قالوا: إن هذا الأمر شائع ذائع في أقاليم أهل الإسلام وأقطار أهل الأرض، حتى قال بعض الأغبياء: إن القيروان كانت دار العلم بالمغرب، ولم يزل هذا الأمر بها فاشيا، لا منكر له! ! فالجواب أن نقول: شيعوعة الفعل وانتشاره لا يدل على جوازه؛ كما أن كتمه لا يدل على منعه.
ألا ترى أن بيع الباقلاء في قشرته شائع في أقطار أهل الإسلام وعند الشافعي لا يجوز؟ والاستئجار على الحج شائع في بلاد أهل الإسلام وعند أبي حنيفة لا يجوز؟
واقتعاط العمائم شائع في أهل الإسلام، وهو بدعة منكرة.
والاقتعاط: هو التعميم دون الحنك: نظر مجاهد رجلا قد اعتم ولم يتحنك، فقال: " اقتعاط كاقتعاط الشيطان؟ ! ". فهي عمامة الشيطان، وهذه كانت عمائم قوم لوط أصحاب المؤتفكات.
وروى أبو بكر محمد بن يحيى الصولي في " غريب الحديث ": " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط ". يقال للعمامة إذا لاثها على رأسه ولم يجعلها تحت حنكه: اقتعطها،
وهو المنهي عنه، وإذا أدارها تحت حنكه؛ يقال: تلحاها، وهو المأمور.
وإسبال الثوب تحت الكعبين شائع في بلاد أهل الإسلام، وهو حرام لا يجوز؟ والتقنع بالثوب على الرأس شائع في بلاد المغرب، وهم أتباع مالك بن أنس، وقد سئل مالك عن التقنع؟ فقال: " أما لحر، أو لبرد أو لغيره من العذر؛ فلا بأس به، وأما لغير ذلك؛ فلا ". قال: " وكان أبو النضر يلزمه لحر يجده ". قال: " ورأت سكينة - أو فاطمة - بنت الحسين بعض ولدها مقنعا رأسه، فقالت: اكشف القناع عن رأسك؛ فإن التقنع ريبة بالليل، ومذلة بالنهار ". قال مالك: " وأنا أكرهه لغير عذر، وما علمته حراما، ولكنه ليس من لباس خيار الناس ". فهذه بدعة منكرة كما ترى، قد صارت سنة في خيار الناس اليوم، وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: " ما دخلت الخلاء مذ أسلمت إلا مقنعا رأسي حياء من ربي ". وأكثر أفعال أهل زمانك على غير السنة، وكيف لا وقد روينا قول أبي الدرداء إذ دخل على أم الدرداء مغضبا، فقالت له: مالك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم؛ إلا أنهم يصلون جميعا، وما روينا هنالك من الآثار!
فإنه لم يبق فيهم من السنة إلا الصلاة في جماعة، كيف لا تكون معظم أمورهم محدثات؟ ! وأما من تعلق بفعل أهل القيروان؛ فهذا غبي يستدعي الأدب دون المراجعة! فنقول لهؤلاء الأغبياء: إن مالك بن أنس رأى إجماع أهل المدينة حجة، فرده عليه سائر فقهاء الأمصار، هذا وهو بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرصة الوحي، ودار النبوة، ومعدن العلم، فكيف بالقيروان؟ ! وأيضا؛ فإنما كان يكون فيه متعلق لو نقلتم عن علماء القيروان أنهم أفتوا بهذا؛ لأن الاقتداء إنما يكون بالعلماء لا بالعوام، وهذا ما لا ينقلونه أبدا، وإنما كان يفعله العوام والغوغاء، فإنكارنا عليهم كإنكارنا عليكم.
والدليل على هذا أن الفتيا بالقيروان إنما كانت على مذهب أهل المدينة، وقد كان القوم من أشد الناس تمسكا بمذهب مالك، فكان علماؤنا إنما يقومون في رمضان في بيوتهم؛ لقول مالك: " قيام الرجل في بيته لمن قوي عليه أحب إلي "، وكان الغالب عليهم الورع والاتباع، وقد قال لهم في " المدونة ": " ليس الشأن في رمضان القصص بالدعاء "، فيبعد من حالهم أن يحدثوا هذه البدعة، وينصبوا المنابر، ويخطبوا عند الختم! ولو كان هذا؛ لشاع وانتشر، وكان يضبطه طلبة العلم، والخلف عن السلف، فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا أحد ممن يعتقد علمه، ولا
ممن هو في عداد العلماء؛ علم أن هذه حكاية العوام والغوغاء.
ثم يقال لهم: بم تنفصلون ممن يعارضكم بشكل آخر من جنسه، فيقول لكم: إن قرطبة أعظم من القيروان، وهي دار العلم والخلافة - فقد فضلت القيروان بالخلافة -، ثم لم يعهد فيها قط خطبة ولا منبر ولا دعاء ولا اجتماع عند ختم القرآن في رمضان؟ فإن قيل: فهل يأثم فاعل ذلك؟ فالجواب أن يقال: أما إن كان ذلك على وجه السلامة من اللغط، ولم يكن إلا الرجال، أو الرجال والنساء منفردين بعضهم عن بعض، يستمعون الذكر، ولم تنتهك فيه شعائر الرحمن؛ فهذه البدعة التي كرهها مالك.
وأما إن كان على الوجه الذي يجري في هذا الزمان؛ من اختلاط الرجال والنساء، ومضامة أجسامهم، ومزاحمة من في قلبه مرض من أهل الريبة، ومعانقة بعضهم لبعض - كما حكي لنا أن رجلا وجد يطأ امرأة وهم وقوف في زحام الناس! وحكت لنا امرأة أن رجلا واقعها فما حال بينهما إلا الثياب! وأمثال ذلك من الفسق واللغط -؛ فهذا فسوق، فيفسق الذي يكون سببا لاجتماعهم.
فإن قيل: أليس روى عبد الرزاق في " التفسير ": " أن أنس بن مالك كان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله "؟
قلنا: فهذا هو الحجة عليكم؛ فإنه كان يصلي في بيته، ويجمع أهله عند الختم، فأين هذا من نصبكم المنابر، وتلفيق الخطب على رؤوس الأشهاد، فيختلط الرجال والنساء والصبيان والغوغاء، وتكثر الزعقات والصياح، ويختلط الأمر، ويذهب بهاء الإسلام ووقار الإيمان؟ ! وأيضا؛ فإنه ما روي أنه دعا، وإنما جمع أهله فحسب.
وأيضا؛ فإن عمر سمع رجلا يقول: واحبذا صفرة ماء ذراعيها! لماء كانت قد توضأت به امرأة فبقي من أثر الزعفران، فعلاه بالدرة.
وروي أنه نهى أن يجلس الرجل في مجلس المرأة عقيب قيامها منه.
فكل من قال بأصل الذرائع؛ يلزمه القول بهذا الفرع، ومن أبى أصل الذرائع من العلماء؛ يلزمه إنكاره؛ لما يجري فيه من اختلاط الرجال والنساء.
11 - فصل في بيان الوجه الذي يدخل منه الفساد على عامة المسلمين روى مسلم في " الصحيح " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم؛ اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا».
فتدبر هذا الحديث؛ فإنه يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم؛ أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قبله.
وقد صرف عمر هذا المعنى تصريفا، فقال: " ما خان أمين قط، ولكنه اؤتمن غير أمين فخان ". ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استفتي من ليس بعالم؛ فضل وأضل.
وكذلك فعل ربيعة؛ قال مالك: " بكى ربيعة يوما بكاء شديدا، فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ فقال: لا، ولكنه استفتي من لا علم عنده ". وروى البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «قبل الساعة سنون خداعات، يصدق فيهن الكاذب، ويكذب فيهن الصادق، ويخون فيهن الأمين، ويؤتمن الخائن، وينطق فيهن الرويبضه».
قال أبو عبيد: " هو الرجل التافه الخسيس ينطق في الأمور العامة ". وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: " قدعلمت متى يهلك الناس: إذا جاء الفقه من قبل الصغير؛ استعص عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير؛ تابعه الصغير، فاهتديا ". وقال عبد الله بن مسعود: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم؛ هلكوا.
وتناقش العلماء فيما أراد عمر بالصغار:
فأما عبد الله بن المبارك؛ فقال: " الأصاغر: هم أهل البدع ". قال أبو بكر بن ثابت الخطيب الحافظ: " إنما أراد به صغير السن، وفي هذا ندب إلى التعليم في الصغر؛ مثل قول عمر أيضا: تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا؛ أي: إن لم تتعلموا تسودوا؛ استحييتم من التعليم، فأخذتم العلم عن صغاركم ". وأما أستاذنا القاضي أبو الوليد؛ فقال: " يحتمل أن يكون معنى الأصاغر: من لا علم عنده، وقد كان عمر بن الخطاب يستشير الصغار، وقد كان القراء أصحاب مشورته؛ كهولا كانوا أو شبابا، ويحتمل أن يريد بالأصاغر من لا قدر له ولا حال، ولا يكون ذلك إلا بنبذ الدين والمروءة، فأما من التزمهما؛ فلا بد أن يسمو أمره ويعظم قدره ". وقد روي عن مكحول أن قال: " تفقه الرعاع فساد الدنيا، وتفقه السِّفْلَةِ فساد الدين ". وقال الفريابي: " كان سفيان الثوري إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون العلم؛
تغير وجهه! فقلت له: يا أبا عبد الله! أراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك؟ ! فقال: كان العلم في العرب وفي سادة الناس، فإذا خرج عنهم وصار إلى هؤلاء - يعني: النبط والسفلة -؛ غير الدين ". وقال سفيان: " كانوا يتعوذون بالله من شر فتنة العالم، ومن شر فتنة العابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ". وقال وهب بن منبه: " جمع المال وغشيان السلطان لا يبقيان من حسنات المرء إلا كما يبقي ذئبان جائعان سقطا في حظار فيه غنم، فباتا يجوسان حتى أصبحا ". وقال سفيان الثوري: " كان خيار الناس وأشرافهم الذين يقومون إلى هؤلاء الأمراء فيأمرونهم وينهونهم، وكان آخرون يلزمون بيوتهم، فكان لا ينتفع بهم ولا يذكرون، ثم بقينا حتى صار الذين يأتونهم فيأمرونهم شرار الناس، والذين لزموا بيوتهم خيار الناس ". وقال محمد بن سحنون: " كان لبعض أهل العلم أخ يأتي القاضي والوالي بالليل، ويسلم عليهما، فبلغه ذلك، فكتب إليه: أما بعد؛ فإن الذي
يراك بالنهار يراك بالليل، وهذا آخر كتاب أكتبه إليك ". قال محمد: " فعرضته على سحنون، فأعجبه، وقال: ما أسمجه بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه، فلا يوجد فيه، فيقال: إنه عند الأمير ". وقال سحنون: " إذا أتى الرجل مجلس القاضي ثلاثة أيام متواليات من غير حاجة؛ فينبغي ألا تقبل شهادته ".
الباب الرابع في نقل غرائب البدع وإنكار العلماء لها 1 -[فصل: القراءة بالألحان] فمن ذلك البدع المحدثة في الكتاب العزيز من الألحان والتطريب: قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾؛ يعني: فصله تفصيلا، وبينه تبيينا، وترسل فيه ترسيلا، ولا تعجل في قراءته، وهو من قول العرب: ثغر رتل ورتل؛ إذا كان مفلجا ذا فرج.
قال مالك: " ولا تعجبني القراءة بالألحان، ولا أحبها في رمضان ولا في غيره؛ لأنه يشبه الغناء، ويضحك بالقرآن، فيقال: فلان أقرأ من فلان ". وبلغني أن الجواري يعلمن ذلك كما يعلمن الغناء! أترى هذا من القراءة
التي كان يقرأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ! وكذلك سعيد بن المسيب نهى عمر بن عبد العزيز وقد سمعه يطرب، فأرسل إليه سعيد، فنهاه عن التطريب، فانتهى.
وقال إبراهيم النخعي: " كانوا يكرهون القراءة بتطريب، وكانوا إذا قرؤوا القرآن؛ قرؤوا حدرا مرسلا بحزن ". وقال عبد الله بن عمرو: يقال للقارئ يوم القيامة: اقرأ، واقرأ، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا.
وقال حذيفة: " إذا قرأتم القرآن؛ فاقرؤوه بحزن، ولا تجفوا عنه، وتعاهدوه، ورتلوه ترتيلا ". وقال محمد ابن سيرين: " أصوات القرآن محدثة ". وقال كعب: " ليقرأن القرآن أقوام هم أحسن أصواتا من العازفات بعزفهن، ومن حداة الإبل لإبلهم؛ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ". وقال أبو ذر: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يتخوف على أمته قوما يتخذون القرآن مزامير؛ يقدمون الرجل يؤمهم، ليس بأفقههم؛ إلا ليغنيهم».
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: " سمعت أبي وقد سئل عن القراءة بالألحان؟ فقال: محدث ". وقال سلمان: " خطبنا علي يوما... "، فذكر خطبة له طويلة، وذكر فيها فتنة قربها، وقال فيها: "... تضيع حقوق الرحمن، ويتغنى بالقرآن ذو الطرب والألحان ". فأما أصحاب الألحان؛ فإنما حدثوا في القرن الرابع؛ منهم: محمد بن سعيد صاحب الألحان، والكرماني، والهيثم، وأبان... فكانوا مهجورين عند العلماء، فنقلوا القراءة إلى أوضاع لحون الأغاني، فمدوا المقصور، وقصروا الممدود، وحركوا الساكن، وسكنوا المتحرك، وزادوا في الحرف، ونقصوا منه، وجزموا المتحرك، وحركوا المجزوم؛ لاستيفاء نغمات الأغاني المطربة.
ثم اشتقوا لها أسماء، فقالوا: شذر، ونبر، وتفريق، وتعليق، وهز، وخز، وزمر، وزجر، وحذف، وتشريق، وإسجاح، وصياح! ثم يقولون: مخرج هذا الحرف من الأنف، وهذا من الرأس، وهذا من الصدر، وهذا من الشدق! فما خرج من القحف؛ فهو صياح، وما خرج من
الجبهة؛ فهو زجر، وما خرج من اللهوات؛ فهو نبر، وما خرج من الأنف؛ فهو زمر، وما خرج من الحلق؛ فهو خرير وشذر، وما خرج من الصدر؛ فهو هرير! وسموها لحونا، ثم جعلوا لكل لحن منها اسما مخترعا، فقالوا: اللحن الصقلبي، فإذا قرؤوا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يرقصون في هذه الآية كرقص الصقالبة بأرجلها وفيها الخلاخيل، ويصفقون بأيديهم على إيقاع الأرجل، ويرجعون الأصوات بما يشبه تصفيق الأيدي ورقص الأرجل، كل ذلك على نغمات متوازنة! ! ومن ذلك الرهب: أن نظروا إلى كل موضع في القرآن فيه ذكر المسيح؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، فمثلوا أصواتهم فيه بأصوات النصارى والرهبان والأساقفة في الكنائس! ومن ألحانهم في القرآن: النبطي، والرومي، والحساني، والمكي، والإسكندراني، والمصري، والكاروندي، والراعي، والديباجي، والياقوتي، والعروسي، والزرجون، والمرجي، والمجوسي، والزنجي، والمنمنم، والسندي، وغيرها؛ كرهنا ذكر التطويل بها.
فهذه أسماء ابتدعوها في كتاب الله تعالى ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾.
فالتالي منهم والسامع لا يقصدون فهم معانيه؛ من أمر، أو نهي، أو وعد، أو وعيد، أو وعظ، أو تخويف، أو ضرب مثل، أو اقتضاء حكم، أو غير ذلك مما أنزل به القرآن، وإنما للذة، والطرب، والنغمات، والألحان؛ كنقر الأوتار، وأصوات المزامير؛ كما قال الله عز وجل يذم قريشا: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾.
وإنما أنزل القرآن لتتدبر آياته وتفهم معانيه: قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾.
وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾.
وهذا يمنع أن يقرأ بالألحان المطربة والمشبهة للأغاني؛ لأن ذلك يثمر ضد الخشوع، ونقيض الخوف والوجل.
وقوله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾.
وهذا يفيد الأمر بتلاوته على هذا الوجه، وأن بكاءهم إنما كان مما فهموا من معانيه، لا من نغمات القارئ.
فأين هذا من دق الرجل، وثني العطف، وتحريك الرأس، والصياح، والزعق، والمكاء، والتصدية؟ ! قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
فليت شعري! ما الذي يورث خشية الله تعالى؟ ! أألحان الكرماني ونغمات الترمذي، أو فهم معانيه، وتدبر آياته، واستخلاص حكمه وعجائب مضمونه؟ ! قال بهز بن حكيم: " صليت خلف زرارة بن أوفى، فقرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾، فخر ميتا، فكنت ممن حمله ". وقال أبو الربيع إدريس الخولاني: " كان أبو بكر البصري قد أوتي الحزن وحسن الصوت، وقراءته تقع على القلب من فضله، وكان يأتي إلى الليث بن سعد فيقرأ عنده، ويبكي الليث وأصحابه، ويقول الليث: لقد جعل الله لقراءته سلطانا على الأعين ". وقرأ رجل عند عمر بن الخطاب: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، حتى إذا بلغ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾؛ قال عمر: " بهذا جرى الحديث ".
وإنما كان همه في معنى الآية، لا في ترجيع ونغمة.
قال ابن أبي عبلة: " كانت أم الدرداء تأتينا من دمشق إلى بيت المقدس على بغلة لها، فإذا مرت بالجبال؛ تقول لقائدها: أسمع الجبال ما وعدها ربها، فيرفع صوته بهذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ ". وروى مالك قال: " قيل لزيد بن ثابت: كيف ترى في قراءة القرآن في سبع؟ فقال: حسن، ولأن أقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إلي، وسلني: لم ذلك؟ قال: فإني أسألك؟ قال: كي أتدبره وأقف عليه ". 2 - فصل في معنى الألحان قد ذكرنا أن مالكا كره القراءة بالألحان:
قال مالك: " ولا يعجبني النبر والهمز في القراءة ". وقال نافع بن أبي نعيم: " سمعت عبد الله بن هرمز يسأل عن النبر في القراءة؟ فقال: إن كانت العرب تنبر؛ فإن القرآن أحق أن ينبر ". وقال محمد بن جعفر: " نهيت عن نبر القرآن في النوم ". ومعنى هذا أن يمطط الحروف، ويفرط في المد، ويشبع الحركات حتى تصير حروفا؛ فإنه متى أشبع حركة الفتح؛ صارت ألفا، وإن أشبع حركة الضم صارت واوا، وإن أشبع حركة الكسر؛ صارت ياء! وأعظم من هذا أن الحرف الذي فيه واو واحدة تصير واوات كثيرة، ويكون في الحرف ألف واحد فيجعلونه ألفات كثيرة، وكذلك كل حرف من الآية يزيد فيه من الحروف بحسب ما تحتاج إليه نغمته ولحنه، فيزيل الحرف عن معناه، فتلحق الزيادة والنقصان على حسب النغمات والألحان، فلا تخلو من زيادة أو نقصان، وهذا أمر ليس في كلام العرب، ولا تعرفه الفصحاء والشعراء إذا ثبت هذا.
واختلف قول الشافعي في هذا الأصل: فروى عنه المزني: " ولا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصوت ". وروى عنه الربيع بن سليمان الجيزي أنه كره القراءة بالألحان.
واحتجوا لهذه المقالة - أعني: قول المزني - بضروب من الحجج: منها قوله عليه السلام: «حسنوا أصواتكم بالقرآن» !
قلنا: لا حجة فيه؛ فإن التحسين أن يقرأه ترتيلا وحدرا وتحزينا، وقد بينا معنى الترتيل، فتكون آية الترتيل مفسرة.
واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن» ! هذا لفظ " الصحيح ". وقد روي: «... لنبي حسن الترنم بالقرآن».
والجواب: " ما أذن ": معناه: استمع، قال الله عز وجل: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾؛ أي: استمعت.
وقال الناظم:
أيها القلب تعلل بددن... إن قلبي في سماع وأذن وروى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن».
قلنا: لفظ التغني يحتمل ثلاثة معان: أحدها: الاستغناء.
وهكذا رواه البخاري عن سفيان مفسرا، فقال: " قال سفيان: يستغني به ". وهكذا فسره أبو عبيد، فقال: " هو من الاستغناء ". وقد جاء في اللغة: يتغنى؛ بمعنى: يستغني؛ قال الناظم: وكنت امرءا زمنا بالعراق... عفيف المناخ طويل التغني وروى الكسائي عن امرأة من العرب وقد سئلت عن أعنز عجاف في بيتها، فقالت: " نتغنى بها ". وروى ابن وهب في " موطئه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس! تعلَّموا!»
«إن الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي الوسطي، ويد المعطى السفلى، فتغنوا ولو بجرم الحشف.
اللهم هل بلغت؟»؛ ثلاثا.
وهذا واضح في صحة قول سفيان.
والقول الثاني: أن المراد به الجهر، حكى أبو سليمان الخطابي: يتغنى؛ إذا أعلى صوته، وزعم أن رجلا منهم قال لآخر: غن يا ابن أخي! يقول: سل حاجتك، وارفع صوتك.
والثالث: تحسين الصوت.
فعلى هذا نقول بموجبه: فإنا نستحب تحسين الصوت، وهو الترتيل والحدر والتحزن.
واستدلوا بما رواه البخاري؛ قال: «سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان يمد مدا.
ثم قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم)؛ يمد (بسم الله)، ويمد (الرحمن)، ويمد (الرحيم) ». وقال عبد الله بن مُغَفَّلٍ: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على ناقته وهي تسير وهو يقرأ»
«من سورة الفتح قراءة لينة، يقرأ وهو يرجع».
وروى مسلم في " صحيحيه " عن معاوية بن قرة: «سمعت عبد الله بن مغفل يقول: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له سورة الفتح على راحلته، فرجع في قراءته».
قال معاوية: " لولا أني أخاف أن يجتمع علي الناس؛ لحكيت لكم قراءته "، وروى أنه كان يقرأ: " آآ آ ". فالجواب نقول: كل هذا حجة عليكم، إذ ليس فيه للألحان ذكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت قراءته ترتيلا.
قالت عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بالسورة، فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها».
وهذا هو المروي عن أكثر الصحابة، وهو نص القرآن.
وقد سئل مالك عن الهذ في القراءة؟ فقال: " من الناس من إذا هذ؛ كان أخف عليه، وإذا رتل؛ أخطأ، ومن الناس من لا يحسن يهذ، والناس في ذلك على ما يخف عليهم، وذلك واسع ".
قال القاضي أبو الوليد: " ومعنى هذا أنه يستحب لكل إنسان ملازمة ما يوافق طبعه ويخف عليه، فربما تكلف ما يخالف طبعه ويشق عليه، فيقطعه ذلك عن القراءة والإكثار منها، فأما من تساوى في حقه الأمران؛ فالترتيل أولى ". ورأيت أصحاب الشافعي يرفعون الخلاف ويجمعون بين قوليه، فقالوا: الموضع الذي قال: " لا بأس به ": إذا لم يمطط ويفرط في المد، والذي كرهه: إذا أفرط فيه على الوجه الذي بيناه.
وأما الترجيع؛ فإن أراد به ترديد الكلمة؛ مثل أن يتلو آية تخويف أو تحزين فيرددها خوفا أو تخشعا؛ فلا بأس به.
3 -[فصل ما لا ينبغي في قراءة القرآن] وسئل مالك عن قراء مصر الذين يجتمع الناس إليهم، وكل رجل منهم يقرئ العُصبَة يفتح عليهم؟ قال: " إنه حسن لا بأس به ". وقد قال مرة: إنه كرهه وعابه، وقال: " يقرأ ذا ويقرأ ذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ". وأما أن يجتمع القوم، فيقرؤون في السورة مثل ما يعمل أهل الإسكندرية، وهو الذي يسمى القراءة بالإدارة؛ فكرهه مالك وقال: " هذا لم يكن من عمل الناس ".
قال القاضي أبو الوليد: " إنما كرهه للمجاراة في حفظه، والمباهاة بالتقدم فيه ". وأما القوم يجتمعون في المسجد أو غيره، فيقرأ لهم الرجل الحسن الصوت؛ فإنه ممنوع؛ قاله مالك؛ لأن القراءة مشروعة على وجه العبادة، والانفراد بذلك أولى، وإنما يقصد بهذا صرف وجوه الناس، والأكل به خاصة، ونوع من السؤال به، وهذا مما يجب تنزيه القرآن عنه.
وأما قراءة القرآن في الطرق؛ فقد قال مالك في " العتبية ": " أما الشيء اليسير؛ فلا بأس به، وأما الذي يديم ذلك؛ فلا ". قال سحنون: " ولا بأس أن يقرأ الراكب والمضطجع ". قيل: فالرجل يخرج من قريته؛ أيقرأ ماشيا؟ قال: " نعم ". قيل فيخرج إلى السوق، فيقرأ في نفسه ماشيا؟ قال: " أكره أن يقرأ في السوق ". وسئل عن القراءة في الحمام؟ فقال: " ليس الحمام موضع قراءة، وإن قرأ الإنسان الآيات؛ فلا بأس بذلك ". 4 - فصل [التفقه في القرآن] ومما ابتدعه الناس في القرآن الاقتصار على حفظ حروفه؛ دون التفقه فيه:
روى مالك في " موطئه ": " أن عبد الله بن عمر مكث في سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها ". قال علماؤنا: معنى ذلك: أنه كان يتعلم فرائضها، وأحكامها، وحلالها، وحرامها، ووعدها، ووعيدها، وغير ذلك من أحكامها.
وروي عن مالك في " العتبية " قال: " كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق يخبرونه أن رجالا قد جمعوا كتاب الله تعالى، فكتب عمر: أن افرض لهم في الديوان.
قال: فكثر من يطلب القرآن، فكتب إليه من قابل أنه قد جمع القرآن سبع مائة رجل.
فقال عمر: إني لأخشى أن يسرعوا في القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين.
فكتب ألا يعطيهم شيئا ". قال مالك: " معناه: مخافة أن يتأولوه غير تأويله ". وهذا هو حال المقرئين في هذه الأعصر؛ فإنك تجد أحدهم يروي القرآن بمائة رواية، ويثقف حروفه تثقيف القدح، وهو أجهل الجاهلين بأحكامه، فلو سألته عن حقيقة النية في الوضوء، ومحلها، وعزوبها، ورفضها، وتفريقها على أعضاء الوضوء؛ لم يخرج جوابا، وهو يتلو عمره:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.
بل لو سألته عن أول درجة، فقلت له: أمر الله تعالى على الوجوب هو؟ أم على الندب والاستحباب؟ أم على الوقف؟ أم على الإباحة؟ فطلبته بفهم هذه الدقائق ووجوهها وترتيبها؛ لم يجد جوابا! وسئل مالك عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن، فقال: " ما أرى هذا ينبغي ". وإنما وجه إنكاره ما تقرر في الصحابة من كراهة التسرع في حفظ القرآن دون التفقه فيه.
ومن ذلك حديث مالك عن عبد الله بن مسعود: إنكم في زمان كثير فقاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يبدؤون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي زمان قليل فقاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يبدؤون أهوائهم قبل أعمالهم.
وقال الحسن: " إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يأتوا الأمر من قبل أوله؛ قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وما تدبر آياته إلا اتباعه بعلمه، أما والله ما هو
بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفا، وقد والله أسقطه كله، ما رئي القرآن له في خلق ولا عمل، وإن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة في نفس [واحد]، ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء الورعة، متى كان القراء يقولون مثل هذا؟ ! لا كثر الله في الناس مثل هذا ". قال الحسن: " ولقد قرأ القرآن ثلاثة نفر: فرجل قرأ القرآن، فأعده بضاعة؛ يطلب به ما عند الناس، من مصر إلى مصر.
وقوم قرؤوا القرآن فثقفوه تثقيف القدح، فأقاموا حروفه، وضيعوا حدوده، واستدروا به ما عند الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم، وما أكثر هذا الصنف من حملة القرآن! لا كثر الله صنفهم تعالى ". قال: " ورجل قرأ القرآن، فبدأ بدواء ما يعلم من القرآن، فجعله على داء قلبه، فهملت عيناه، وسهر نومه، وتسربل الحزن، وارتدى الخشوع، فبهم يسقي الله الغيث، وينفي العدو، ويدفع البلاء، فوالله لهذا الضرب من حملة القرآن أقل في الناس من الكبريت الأحمر ". وقد قال الله تعالى فيمن يحفظ الكتب المنزلة من السماء ولا يعلم أحكامها وحلالها وحرامها: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾
كانوا يحفظون التوراة ولا يعلمون ما استودع الله تعالى فيها من الحكم والعبر، فوصفهم الله تعالى بأنه ليس عندهم من ذلك إلا أماني، والأماني: التلاوة، واحدها: أمنية؛ قال الناظم: تمنى كتاب الله آخر ليلة... تمني داود الزبور المنزلا وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، فشبه تالي القرآن من غير أن يفهمه كمثل الحمار يحمل أسفارا، وفيه وجهان: 1 - قال ابن عباس: " كلفوا العمل بها، فأقروا بها، ثم لم يعملوا بما فيها ". 2 - والثاني: أن هذا من الحمالة والضمان، لا من الحمل على الظهر؛ يقول: حملوا ما في التوراة، ثم لم يرضوا بها.
﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾؛ قال الفراء: " الأسفار: الكتب العظام، واحدها سفر، وهو مأخوذ من الإسفار، قال الله العظيم: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾؛ لأن الكتاب يسفر عما استودعته فيه؛ فكما أن الحمار يحملها ولا
يدري ما فيها، كذلك التوراة والإنجيل إذا دلتهم على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم لم يقروا به، ولم يعملوا بما فيها من الدلالة على نبوته؛ لم ينفعهم حفظها.
فدخل في عموم هذا من يحفظ القرآن من أهل ملتنا، ثم لا يفهمه، ولا يعمل بما فيه، وفيه قال الناظم: زوامل للأسفار لا علم عندهم... بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك لا يدري البعير إذا غدا... بأوساقه أو راح ما في الغرائر فبئس مثل القوم.
وأيضا؛ فقد قال الله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قال سفيان: " ليس في كتاب الله تعالى آية أشد علي من قوله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وإقامتها: فهمها والعمل بها ".
5 -[فصل كتابة القرآن] ومن ذلك ما روي في " المستخرجة "؛ قال: " كره مالك أن يكتب القرآن أسداسا وأسباعا في المصاحف، وشدد فيه الكراهية، وعابه ". قال: " قد جمعه الله تعالى، وهؤلاء يفرقونه ". قيل لمالك: هل يكتب في السورة عدة آيِهَا؟ فكره ذلك في أمهات المصاحف، وكره أن يشكل أو ينقط.
فأما ما يتعلم فيه الصبيان وألواحهم؛ فلا بأس به.
قيل لمالك: فما كتب اليوم من المصاحف؛ يكتب على ما أحكم الناس من الهجاء اليوم؟ قال: " لا، ولكن يكتب على الكتابة الأولى ". قال: " وبيان ذلك أن براءة لم يوجد في أولها: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فتركت؛ لئلا يوضع شيء في غير موضعه، ويكتب في الألواح في أولها: (بسم الله الرحمن الرحيم)، سواء بدأ بأول [الـ] سورة أو غيره؛ لأنه لا يجعل إماما ". قيل لمالك: كيف قدمت السور الكبار في التأليف وقد نزل بعضه قبل بعض؟ قال: " أجل! ولكن أراهم إنما ألفوه على ما كانوا يسمعون من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ".
قال: " وكره مالك علم الأعشار في المصاحف بالحمرة ونحوه، وقال: يعشر بالحبر ". وقال غيره: أول من أحدث الأعشار والأخماس وكتب أوائل السور بالحمرة الحجاج بن يوسف.
6 - فصل فيما أحدث من الحوادث والبدع في المساجد فمن ذلك المحاريب: روى عبد الرزاق في: " مصنفه "؛ قال: " جاء الحسن إلى ثابت البناني يزوره، فحانت الصلاة، فقال: تقدم يا أبا سعيد.
فقال الحسن: بل أنت تقدم.
قال ثابت: والله لا أتقدمك أبدا.
فتقدم الحسن واعتزل الطاق أن يصلي فيه ". قال: " وكره الصلاة في طاق الإمام: النخعي، وسفيان الثوري، وإبراهيم التيمي ". قال الضحاك بن مزاحم: " أول شرك كان في أهل الصلاة هذه
المحاريب ". وصلى في طاق الإمام: سعيد بن جبير، ومعمر.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أمرت بتشييد المساجد».
قال ابن عباس: أما والله لتزخرفنها.
وروي «أن أبي بن كعب وأبا الدرداء ذرعا المسجد، ثم أتيا النبي صلى الله عليه وسلم بالذراع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل عريش كعريش موسى: ثمام وخشب، فالأمر أعجل من ذلك».
وروى البخاري في " صحيحه " أن عمر أمر ببنيان مسجد، وقال: أكن الناس من المطر، إياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس!.
وقال أيضا: أليس يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا.
وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى.
وقال أبو الدرداء: " إذا حليتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم؛ فالدبار عليكم ". وقال حوشب الطائي: " ما أساءت أمة أعمالها؛ إلا زخرفت مساجدها، ولا هلكت أمة قط؛ إلا من قبل علمائها ". وقال علي: " إن القوم إذا زينوا مساجدهم؛ فسدت أعمالهم ". وأصل الزخرف الذهب، وإنما يعني به تمويه المساجد بالذهب ونحوه، ومنه قولهم: زخرف الرجل كلامه؛ إذا موهه وزينه بالباطل.
والمعنى في ذلك: أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في كتبهم، فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا بالدين، وتركتم الإخلاص بالعمل، فصار أمركم إلى المراءاة في
المساجد، والمباهاة بتشييدها وتزيينها.
ومر ابن مسعود على مساجد منقشة بالكوفة، فقال: " من بنى هذا أنفق مال الله في معصيته ". وكان يقول: " سيأتي بعدكم قوم يرفعون الطين ويضعون الدين، ويسمنون البراذين، ويصلون في قبلتكم ". وروى ابن وهب عن مالك، قال: لقد كره الناس يوم بني المسجد حين عمل بالذهب والفسيفساء - يعني: الفصوص - ورأوا أن ذلك مما يشغل الإنسان في صلاته بالنظر إليه ". قال مالك: " وكان الوليد بن عبد الملك بنى المسجد بناء عجيبا ". قال ابن القاسم: " وسمعت مالكا يذكر مسجد المدينة وما عمل فيه من التزويق في قبلته، فقال: كره الناس ذلك حين فعله؛ لأنه يشغلهم بالنظر إليه.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز؛ أراد نزعه، فقيل له: إنه لا يخرج منه كبير شيء من الذهب، فتركه ". وروى سعيد بن عفير في " تاريخه ": " أن عمر بن عبد العزيز أمر بمسجد دمشق أن ينزع ما فيه من الفسيفساء ومذهبة، وبيعه، وإدخال ثمنه في بيت المال، فكلمه كبراء أهل دمشق، وأخبروه بما لقي المسلمون في بنائه مع الوليد السنين الطويلة، وحمل فسيفسائه من أرض الروم، فأمر أن تستر عجائبه
بالكرابيس - يعني: ثياب القطن الغلاظ -؛ لئلا يلهي المصلي ". وإنما فعل ذلك حين حاجه الدمشقيون، فقال: " حمل الوليد من ذلك ما تحمل "! ثم بلغ عمر بن عبد العزيز أن بطريقا عظيما وفد من أرض رومية - دمرها الله - فلما نظر إلى مسجد دمشق - وكان قبل ذلك كنيسة -؛ هاله ذلك، وقال: ما كنا نتحدث بتعجيل دولتنا، والله ما رفع هذا البيت لنا ولا لغيرنا من ملوك الأرض وأهل القوة في إقبال الدنيا وعمارتها، ورفع لهم ذلك عند انقطاع من الدنيا وإذن في خرابها، وإن لهم لدولة مدة طويلة.
فبلغ مقالته عمر بن عبد العزيز، فقال: " لا أرى مسجد دمشق إلا غيظا للكفار ". فأمر كاتبه بتخريق رقعة الستور.
وسئل مالك عن المساجد: هل يكره أن يكتب في قبلتها بالصبغ نحو آية الكرسي، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، ونحوها؟ فقال: " أكره أن يكتب في قبلة المسجد بشيء من القرآن والتزويق ". ويقول: " إن ذلك يشغل المصلي ". ولقد كره مالك أن يكتب القرآن في القراطيس، فكيف بالجدران؟ ! وقال أصبغ: " كان في جوار ابن القاسم مسجد بني من الأموال الحرام،
فكان لا يصلي فيه، ويذهب إلى أبعد منه، ولا يراه واسعا لمن صلى فيه، والصلاة عظم الدين، وهي أحق ما احتيط فيه ". قال محمد بن مسلمة: " ولا يؤتى شيء من المساجد يعتقد فيه الفضل بعد الثلاثة مساجد؛ إلا مسجد قباء ". قال: " ويكره أن يعمد له يوما بعينه يؤتى فيه؛ خوفا من البدعة، وأن يطول الناس الزمان، فيجعل ذلك عيدا يعتمد، أو فريضة تؤخذ، ولا بأس أن يؤتى في كل حين؛ ما لم تجئ فيه بدعة ". قال: " فأما سواه من المساجد؛ فلم أسمع عن أحد أنه أتاها راكبا ولا ماشيا كما أتى قباء، وقد قال عمر: لو كان بأفق من الآفاق؛ لضربنا إليه أكباد الإبل ". قال ابن وهب: " سمعت مالكا يسأل عن مسجد بمصر يقال له: مسجد الخلوق، ويقولون فيه كذا وكذا، حتى ذكر أنه رئي فيه الخضر، أفترى أن يذهب الناس إليه متعمدين إلى الصلاة فيه؟ فقال: لا والله ". قال وهب بن منبه: " وفيما أوحى الله تعالى إلى أشعياء عليه السلام: قل لبني إسرائيل يتقربون إلي بذبح الغنم، وليس ينالني اللحم ولا آكله، ويدعون أن يتقربوا إلي بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها عليهم، ويشيدون البيوت، ويزرقون المساجد، وأي حاجة إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وإلى
تزويق المساجد ولست آتيها! إنما أمرت برفعها؛ لأذكر فيها وأسبح ". 7 - فصل [القصص في المساجد] قال مالك: " وإني لأكره القصص في المساجد ". قال: " وقد قال تميم الداري لعمر بن الخطاب: دعني أدع الله وأقص وأذكر الناس.
فقال عمر: لا.
فأعاد عليه.
فقال: أنت تريد أن تقول: أنا تميم الداري؛ فاعرفوني! ". قال مالك: " ولا أرى أن يجلس إليهم، وإن القصص لبدعة ". قال: " وليس على الناس أن يستقبلوهم كالخطيب ". قال: " وكان ابن المسيب وغيره يتخلفون والقاص يقص ". قال مالك: " ونهيت أبا قدامة أن يقوم بعد الصلاة فيقول: افعلوا كذا وكذا ". قال سالم: " وكان ابن عمر يلفى خارجا من المسجد، فيقول: ما أخرجني إلا صوت قاصكم هذا ". وقال أبو إدريس الخولاني: " لأن أرى في ناحية المسجد نارا تأجج أحب
من أن أرى قاصا يقص ". قال علماؤنا رحمهم الله: لم يقص في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولا في زمان أبي بكر وعمر، حتى ظهرت الفتنة، فظهرت القصص.
فلما دخل علي المسجد؛ أخرج القصاص من المسجد، وقال: " لا يقص في مسجدنا ". حتى انتهى إلى الحسن، في علوم الأعمال والأحوال، فاستمع إليه، ثم انصرف ولم يخرجه.
وجاء ابن عمر إلى مجلسه من المسجد، فوجد قاصا يقص، فوجه إلى صاحب الشرطة أن أخرجه من المسجد، فأخرجه.
قال مالك بن أنس: «كان رجل من المنافقين يقوم كل جمعة في المسجد، فيحض على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان يوم خيبر؛ انصرف بالناس من قتال العدو، ثم قام بعد ذلك في المسجد، فحض على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فأخرج من المسجد، فقال: لا أبالي ألا أصلي في حش بني فلان».
قال أبو التياح: " قلت للحسن: إمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء، فيرفعون أصواتهم بالدعاء، ويمدون أيديهم! فقال الحسن: رفع الصوت بالدعاء
بدعة، ومد الأيدي بالدعاء بدعة، والقصص بدعة ". وقيل لابن سيرين: " لو قصصت على إخوانك؟ فقال: قد قيل: لا يتكلم على الناس إلا أمير أو مأمور أو أحمق، ولست بأمير، ولا مأمور، وأكره أن أكون الثالث ". قال معاوية بن قرة: " قلت للحسن البصري: أعود مريضا أحب إليك أو أجلس إلى قاص؟ قال: عد مريضك.
قلت: أشيع جنازة أحب إليك أو أجلس إلى قاص؟ فقال: شيع جنازتك.
قلت استعان بي رجل في حاجة؛ أعينه أو أجلس إلى قاص؟ قال: اذهب في حاجتك... حتى جعله خيرا من مجالس الفراغ ". وقال ضمرة: " قلت للثوري: نستقبل القاص بوجوهنا؟ قال: ولوا البدع ظهوركم ". وقال أبو معمر: " رأيت سيارا أبا الحكم يستاك على باب المسجد، وقاص يقص في المسجد، فقيل له: يا أبا الحكم! إن الناس ينظرون إليك.
فقال: إني في خير مما هم فيه، أنا في سنة وهم في بدعة ". " ولما دخل سليمان بن مهران الأعمش البصرة؛ نظر إلى قاص يقص في