الباب الثالثمنهاج الصحابة في إنكار البدعوترك ما يؤدي إليها
فمن ذلك ما روى البخاري في كتاب الصلاة عن أم الدرداء؛ قالت: دخل علي أبو الدرداء مغضبا، فقلت له: ما لك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا.
وروى مالك في " الموطإ " عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: " ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة ". يعني: الصحابة.
وذلك أنه أنكر أكثر أفعال أهل عصره، ورآها مخالفة لما أدرك من أفعال الصحابة.
وكذلك أبو الدرداء أنكر ما أدرك بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعرفه من أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الزهري: " دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد
ضيعت ". وفي لفظ آخر أنه قال: " ما كنت أعرف شيئا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قد أنكرته اليوم ". وقال الحسن: " سأل أبا الدرداء رجلٌ، فقال: رحمك الله! لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا؛ هل كان ينكر شيئا مما نحن عليه؟ فغضب واشتد غضبه، ثم قال: وهل كان يعرف شيئا مما أنتم عليه؟ ! ". وقال المبارك بن فَضَالَةَ: " صلى الحسن الجمعة، ثم جلس فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ ! فقال: تلومونني على البكاء ولو أن رجلا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم؛ ما عرف شيئا مما كانوا عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أنتم اليوم عليه؛ إلا قِبْلَتَكُمْ هذه؟ ! ". وروى البخاري عن أنس قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات.
فانظروا - رحمكم الله - إذا كان في ذلك الزمان طمس الحق وظهر الباطل حتى لا يعرف من الأمر القديم إلا القبلة؛ فما ظنك بزمانك هذا؟ ! والله المستعان.
ومن ذلك قصة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذلك أنه كان لا يقصر في السفر، فيقال له: أليس قصرت مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: " بلى! ولكني إمام الناس، فينظر إليَّ الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولون: هكذا فرضت "!
تأملوا - رحمكم الله -؛ فإن في القصر قولين لأهل الإسلام: منهم من يقول: فريضة، ومن أتم؛ فإنه يأثم ويعيد أبدا.
ومنهم من يقول: سنة، يعيد من أتم في الوقت.
ثم اقتحم عثمان ترك الفرض أو السنة لما خاف من سوء العاقبة، وأن يعتقد الناس أن الفرض ركعتان.
ومنه قصة الأضحية: قال حذيفة بن أسيد: " شهدت أبا بكر وعمر، وكانا لا يضحيان؛ مخافة أن يرى أنها واجبة ". وقال بلال: " لا أبالي أن أضحي بكبش أو بديك ". وعن ابن عباس: أنه كان يشتري لحما بدرهمين يوم الأضحى، ويقول لعكرمة: " من سألك؛ فقل له: هذه أضحية ابن عباس ". قال أبو مسعود البدري: " إني لأترك أضحيتي وإني لمن أيسركم؛ مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة ". وقال طاوس: " ما رأيت بيتا أكثر لحما وخبزا من بيت ابن عباس؛ يذبح وينحر كل يوم، ثم لا يذبح يوم العيد، وإنما كان يفعل ذلك؛ لئلا يظن الناس أنها واجبة، وكان إماما يُقتَدى به ". وقال أبو أيوب الأنصاري: " كنا نضحي عن النساء وأهلينا، فلما تباهى الناس بذلك؛ تركناها ". انظروا - رحمكم الله -؛ فإن القول في هذا الأثر كالقول فيما قبله؛ فإن
لأهل الإسلام قولين في الأضحية: أحدهما: سنة.
والثاني: واجبة.
ثم اقتحم الصحابة ترك السنة؛ حذرا أن يضع الناس الأمر على غير وجهه، فيعتقدونها فريضة.
وقال ابن عباس: " ما من عام إلا تظهر فيه بدعة وتموت فيه سنة، حتى تظهر البدع وتموت السنن ". ومن " صحيح مسلم ": قال مجاهد: " دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر مستند إلى حجرة عائشة رضي الله عنها، وإذا الناس في المسجد يصلون الضحى، فقلنا: ما هذه الصلاة؟ فقال: بدعة ". ومحمله عندي على أحد وجهين: إما أنهم كانوا يصلون جماعة.
وإما أنهم كانوا يصلونها معا أفذاذا على هيئة النوافل في أعقاب الفرائض.
وروى مالك في " موطئه " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «لو»
«رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده؛ لمنعهن المساجد كما مُنِعَهُ نِسَاءُ بني إسرائيل».
قالت عائشة رضي الله عنها - في " مصنف عبد الرزاق " -: «وكان نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلا من خشب؛ ليشرفن بها على الرجال في المساجد، فحرم الله عليهن المساجد، وسلط عليهن الحيض».
وقال ابن مسعود: " كان رجال بني إسرائيل ونساؤهم يصلون جميعا، فإذا كان للمرأة خليل؛ لبست القالبين من خشب تطول بهما لخليلها، فألقي عليهن الحيض ". وكان ابن مسعود يقول: " أخروهن من حيث أخرهن الله ". وكان لإبراهيم ثلاث نسوة، ما صلت واحدة منهن في مسجد الحي.
وقال الليث: " إنما منع نساء بني إسرائيل المساجد؛ لأنهن أكثرن التطيب، حتى إن إحداهن كانت تملأ يديها مسكا، فإذا مرت بمسجد فيه رجال؛ مالت بيدها كأنها تسوي ثيابها، فرمت به على الرجال ". هذا قول عائشة، وهي تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، فرأت ترك السنة؛ حذرا من التذرع إلى الباطل.
قال علماؤنا: والذي أنكرت عائشة على نساء المسلمين: التطيب،
والتجمل، وقلة الستر والملابس، وإنما كن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسن المروط فيخرجن بها متلفعات، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا شهدت إحداكن صلاة العشاء؛ فلا تمسن طيبا».
وأعظم من ذلك ما يوجد اليوم في هذا الختم من اختلاط الرجال والنساء وازدحامهم وتلاصق أجساد بعضهم ببعض، حتى بلغني أن رجلا ضم امرأة من خلفها فعبث بها في مزدحم الناس! وجاءت إلينا امرأة تشكو، فقالت: حضرت عند الواعظ في المسجد الجامع، فاحتضنني رجل من خلفي والتذ مني في مزدحم الناس، فما حال بينه وبين ذلك مني إلا الثياب! ! فأقسمتْ ألا تحضره أبدا.
وروى مالك في " موطئه " عن ابن عمر: " أنه رأى رجلا يدعو ويشير بأصبعين، أصبع من كل يد، فنهاه ".
باب في صلاة التراويح وأحكامها وكيف كان بدؤها ومستقرها أعلم أن الأصل في صلاة التراويح ما رواه مالك في " موطئه " والبخاري ومسلم وأبو داود في " سننه " عن أبي هريرة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان؛ من غير أن يأمر بعزيمة، ثم يقول: من صام رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه».
وروي: «من قام رمضان».
قال ابن شهاب: " فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر ". وروت عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح؛ قال: قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم».
وذلك في رمضان.
رواه مالك وأبو داود.
وروته عائشة رضي الله عنها أيضا؛ قالت: «كان الناس يصلون في المسجد في رمضان أوزاعا، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربت له حصيرا، فصلى عليه... ». وساقت القصة إلى أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس! أما والله ما بت ليلتي هذه بحمد الله غافلا، ولا خفي علي مكانكم... ». وروى أبو ذر؛ قال: «صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله! لو نفلتنا قيام هذه الليلة.
فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف؛ حسب له قيام الليلة، فلما كانت الرابعة لم يقم بنا، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح - قلت: وما الفلاح؟ قال: السَّحُورُ -، ثم لم يقم بنا بقية الشهر».
وروت عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر؛ أحيى الليل، وشد المئزر، وأيقظ أهله».
وروى أبو هريرة؛ قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟.
فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي [بهم]، وهم يصلون بصلاته.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أصابوا، ونعم ما صنعوا».
قال أبو داود: " هذا الحديث ليس بالقوي، يرويه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف ". وروى مالك في " موطئه " عن أبي سلمة أنه سأل عائشة رضي الله عنها: «كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا.
فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟ فقال: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي».
وروى مالك في " موطئه " عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: «خرجنا مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون؛ يصلي الرجل لنفسه، ويصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد؛ لكان أمثل.
فجمعهم على أبي بن كعب.
قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون».
يعني: آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.
وقال أبو أمامة الباهلي: " ابتدعتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، فدوموا عليه إذا فعلتموه؛ فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا، ولم يراعوها، فعابهم الله تعالى بتركها "، ثم قرأ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ إلى آخر الآية.
1 - شرح هذه المتون، ووجه الجمع بينها اعلم أن أصل قيام رمضان ثبت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله: أما قوله عليه السلام؛ فترغيبه في قيامه على ما بيناه أولا.
وأما فعله؛ فجمعه بالناس ليلتين.
فإن قال قائل: فالنبي صلى الله عليه وسلم قد ترك بقية الشهر ولم يصل معهم!؟ فالجواب: أن هذا لا يدل على نسخ الجمع فيها؛ لأنه - عليه السلام - علل الامتناع بأنه خشي أن يفرض عليهم؛ إما لما جرت به عادته من أن ما داوم عليه على وجه الاجتماع من القرب؛ يفرض على أمته.
قالت عائشة رضي الله عنها: «إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يجب أن يعمل به؛ خيفة أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم».
قالت: «وما سبح النبي صلى الله عليه وسلم سُبْحَةَ الضحى قط، وإني لأسبحها».
قال القاضي أبو بكر: " ويحتمل أن الله تعالى أوحى إليه إن واصل هذه الصلاة معهم؛ فَرَضَهَا عليهم؛ إما لإرادته فرضها فقط على ما نذهب إليه من أن أفعال القديم تعالى غير معللة، أو لأنه يحدث فيهم من الأحوال والاعتقاد ما يكون الأصلح لهم فرض هذه الصلاة عليهم، ويحتمل أن يريد بذلك أنه خاف أن يظن أحد من أمته بعده - إذا داوم عليها - وجوبها على الناس ". وهذه المعاني كلها مأمونة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان كذلك؛ فقد زالت العلة المانعة من الاجتماع بانقطاع الفروض بعده، فثبت جواز الاجتماع لقيام رمضان.
فهذا الحديث أصل في جواز الاجتماع للنافلة في رمضان.
فإن قيل: فأبو بكر رضي الله عنه لم يصلها معهم، وكذلك عمر؛ لأنه قال: "... ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر "، وكذلك علي لم يصلها! قلنا: أما أبو بكر؛ فشغله أهل الردة وتدبير أمور الإسلام مع قصر مدته عن النظر في جمع المسلمين عليها.
ويحتمل أن يكون رأى من قيام الناس في آخر الليل وقوتهم عليه ما كان أفضل عنده من جمعهم على إمام في أول الليل.
وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فروى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي: " أنه صلى بهم في شهر رمضان، فكان يسلم بهم في كل ركعتين، ويقرأ في كل ركعة بخمس آيات ". وإنما نسب إلى عمر؛ لأنه جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي بهم عشرين ليلة، فإذا كان العشر الأواخر تخلف في بيته، فيقال: أبِقَ أُبَيٌّ.
فأما الجماعة في سائر النوافل؛ فروى ابن حبيب عن مالك؛ قال: " ليس من الأمر الذي يواظب عليه العامة أن يصلي الرجل بالنفر سبحة الضحى وغيرها من النافلة بالليل والنهار غير نافلة رمضان؛ إلا أن يكون نفرا قليلا، الرجلين والثلاثة ونحوه، من غير أن يكون أمرا كثيرا مشهورا ". كأنه خاف أن يظنها كثير من الناس من جملة الفرائض لو ظهر الاجتماع لها، وأمن ذلك في رمضان؛ لما اشتهر من أنه نافلة، وقد قيل غير ذلك.
2 - فرع وهل الأفضل أن تصلى في البيوت أو في المساجد والجماعات؟ قال مالك في " المدونة ": " قيام الرجل في بيته أحب إلي لمن قوي عليه ". قال: " وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس، وبه قال ابن عمر ". وقال عبيد الله: " رأيت مشيختنا: القاسم وسالما ونافعا ينصرفون من العشاء في رمضان ولا يقومون مع الناس ". وقال أبو يوسف: " من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان؛ فأحب إلي أن يصلي في بيته ".
واختلف أصحاب الشافعي عليه، وذلك أنه قال: " فأما قيام رمضان؛ فصلاة المنفرد أحب إلي منه ". فمن أصحابه من حمل كلامه على ظاهره، والمراد به: إذا كانت صلاته لا تخل بصلاة أهل المسجد؛ فإنه يصلي في بيته؛ لتكون صلاته أخلص وأطول.
وقال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي من أصحابه: " صلاة التراويح جماعة أفضل من الانفراد؛ لإجماع الصحابة على ذلك؛ لأن عمر جمع الناس على أبي، فكان يصلي عشرين ليلة، وإجماع الأعصار عليه ". وتأولوا قول الشافعي أن صلاة المنفرد أفضل منه؛ يعني: الوتر وركعتي الفجر.
واحتج من اختارها في البيوت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة».
قال ابن حبيب: «رغب النبي صلى الله عليه وسلم في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فقام الناس وحدانا؛ منهم في بيته، ومنهم في المسجد.
فمات النبي صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، وكان الناس كذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر، ثم رأى عمر أن يجمعهم، فأمر أبيا وتميما أن يصليا بهم إحدى عشرة ركعة بالوتر».
فرع
3 - فرع [صلاتها في البيت] فإذا صلاها في بيته؛ فهل الأفضل له أن يصليها منفردا أو يصليها بأهل بيته وإخوانه إن حضروا؟ قلنا: إن عبد الله بن هرمز كان يقوم في منزله بأهله.
وأما قولها: «ما كان يزيد النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة..»؛ يدل على أن الأفضل قيام العام كله، ولهذا قالت: «وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيعه؟ ! كان عمله ديمة».
فلما علم أن أمته لا تطيق من ذلك ما يطيقه؛ حضهم على أفضل الأوقات بالعمل، وهو رمضان.
4 - فرع [عدد القيام] وأما الكلام في عدد القيام؛ فلم يثبت فيه عدد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إنما صلى بهم ليلتين، ثم تخلف في بيته، ولم ينقل أحدٌ كم صلى فيها من ركعة.
وأثبت حديث فيه حديث عائشة: «ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا»
«في غيره على إحدى عشرة ركعة».
وهو الذي أمرهم به عمر في أول الأمر، ثم ضعفوا عن طول القيام، فجعلها عشرين على ما سنبينه.
واختلفت الرواية فيما كان يصلي به في زمن عمر: فروى مالك عن السائب بن يزيد: أن عمر بن الخطاب أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة.
وقال: " وكان القارئ يقوم بالمائتين حتى كنا نعتمد على العِصِيِّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فُروعِ الفجر ". وهذه الرواية موافقة لقول عائشة رضي الله عنها.
وقال مالك - في " مختصر ما ليس في المختصر " -: " والذي آخذ به في نفسي في قيام شهر رمضان الذي جمع عمر عليه الناس: إحدى عشرة ركعة بالوتر، وهي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وإحدى عشرة من ثلاث عشرة قريب ". وروى يزيد بن رومان: " أن عمر لما جمع الناس على أبي صلى بهم عشرين ركعة ". وروى مالك عن نافع قال: " أدركت الناس يقومون بتسع وثلاثين
ركعة، يوترون منها بثلاث ". قال مالك: " وهو الذي لم يزل عليه الناس، وهو الذي كان في زمن عثمان ". وروي أن أول من أمرهم به معاوية بن أبي سفيان.
وروي أن عمر بن عبد العزيز أمر القراء يقومون بذلك.
قال عبد الله بن أبي بكر: " وكنا ننصرف فنتعجل السحور خيفة الفجر ". قال مالك - في كتاب ابن شعبان -: " ويكره تأخير الختم إلى آخر رمضان ". وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل: " التراويح خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين ". ووجه حديث يزيد بن رومان، ووجه ما اختاره مالك: اتفاق أهل المدينة عليه.
وقد قال لنا بعض العلماء: إنما اختص أهل المدينة بهذا العدد؛ لأنهم أحبوا أن يساووا أهل مكة؛ لأن أهل مكة يطوفون سبعا بين كل ترويحتين، فجعل
أهل المدينة مكان كل طواف أربع ركعات، فزادوا ست عشرة ركعة، وأوتروا بثلاث، فصار ذلك تسعا وثلاثين ركعة! ! قال: وليس لغير أهل المدينة أن يفعلوا ذلك؛ لأن أهل المدينة شرفوا بمهاجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره، فلهذا أرادوا مساواة أهل مكة؛ بخلاف غيرهم! وأجاب أصحابنا بجواب سديد تتفق عليه الأخبار، فقالوا: يحتمل أن يكون عمر أمرهم بإحدى عشرة ركعة، وأمرهم مع ذلك بطول القراءة؛ يقرأ القارئ بالمائتين في الركعة؛ لأن التطويل في القراءة أفضل الصلاة، فلما ضعف الناس عن ذلك؛ أمرهم بثلاث وعشرين ركعة تخفيفا من طول القيام، فاستدرك نقص الفضيلة بزيادة الركعات، فكان يقرأ بسورة البقرة في ثماني ركعات أو اثنتي عشرة ركعة - على حديث الأعرج -. ورواه مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج قال: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.
قال: " وكان القارئ يقرأ بسورة البقرة في ثماني ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة؛ رأى الناس أنه قد خفف ". هذه الآثار الثلاثة رواها مالك في " موطئه ".
وقد قيل: إنه كان يقرأ من ثلاثين آية إلى عشرين، وكان الأمر على ذلك إلى يوم الحرة، فثقل عليهم القيام، فنقصوا من القراءة وزادوا في عدد الركعات، فجعلت ستا وثلاثين ركعة، والوتر بثلاث، فمضى الأمر على ذلك! وأمر عمر بن عبد العزيز في أيامه أن يقرأ في كل ركعة بعشر آيات.
وكره مالك أن ينقص من ذلك أو تمد القراءة.
وهذا الذي مضى عليه الأمر، واتفق عليه رأي الجماعة، فكان هو الأفضل لمعنى التخفيف.
قال الشيخ أبو القاسم: " وهذا في الآيات الطوال، ويزيد على ذلك في الآيات الخفاف، وإنما هذا في الجماعات وفي المساجد، فأما المنفرد في خاصة نفسه؛ فإن استطاع أن يصلي بإحدى عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بالمائتين؛ كان أفضل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة طول القنوت» ". 5 - فرع الفصل بين الترويحتين وجرت عادة الأئمة أن يفصلوا بين كل ترويحتين بركعتين خفيفتين
يصلونهما أفذاذا، إما لأنه أقرب إلى تصحيح عدد الركعات وأبعد من الغلط فيها، وإما أن يتمكن من فاتته ركعة مع الإمام من قضائها في تلك المدة.
ويجوز لمن أراد أن يتنفل بين الترويحتين إذا أتم ركعتين وسلم، فإما أن يقف ويقرأ ينتظر الناس، فإذا قاموا؛ دخل معهم بإحرامه الأول، وأما بإحداث إحرام؛ فلا.
6 - فرع وهل يؤمهم في المصحف؟ كانت عائشة يؤمها غلام لها في المصحف.
قال الزهري: " كان خيارنا يقرؤون في المصحف، ولم يزل الناس يفعلون ذلك منذ كان الإسلام ". وبه قال ابن سيرين، ويحيى بن سعيد، والليث.
وأباه ابن المسيب، وقال: " يصلي بما كان معه، ويعيد، ولا يقرأ في المصحف ". وبه قال الحسن؛ قال: " لا يقرأ في المصحف؛ كما يفعل اليهود والنصارى ". وفي كتاب ابن شعبان؛ قال: " لا يصلي الحافظ خلف القارئ في المصحف في شهر رمضان ". قال: " ويؤم الذي يحفظ شيئا من السور الطوال، أو يحفظ المفصل؛ يردد ذلك في شهر رمضان: أحب إلي من أن يؤمهم الذي لا يحفظ ويقرأ في
المصحف، فإن كان إنما يحفظ السورة الواحدة؛ فالذي يقرأ في المصحف أحب إلينا ". قال: " وقد قيل: يؤمهم في شهر رمضان في المصحف ". ومن تعايا عن القراءة في تنفله؛ تفكر قليلا، فإن تذكر، وإلا خطرف ذلك، وابتدأ سورة أخرى، ولا يسلم.
7 - فصل [القنوت] وأما القنوت - وهو لعن الكفرة في رمضان -؛ فعن مالك فيه روايتان: قال في " المدونة ": " وليس العمل على القنوت في رمضان؛ لا في أوله، ولا في آخره، ولا في نافلة، ولا في الوتر أصلا ". هذه رواية ابن القاسم وعلي بن زياد.
وروى ابن وهب وابن حبيب عن مالك: " أن ذلك مستحب في النصف الآخر من رمضان، فيقنت الإمام؛ يلعن الكفرة، ويؤمن من خلفه ". وبه قال ابن عمر، ومعاذ، وجماعة من التابعين.
وروى محمد بن يحيى عن مالك في " المدونة " أنه قال: " يلعن الكفرة في رمضان إذا أوتر الناس، فصلى الركعتين، ثم قام في الثالثة، فركع، فإذا رفع
رأسه من الركوع؛ وقف يدعو على الكفرة ويلعنهم ويستنصر للمسلمين، ويدعو مع ذلك بشيء خفيف غير كثير، وكان للإمام دعاء معروف يجهر به كما يجهر بالقراءة، وإنه لحسن، وهو أمر محدث لم يكن في زمان أبي بكر وعمر وعثمان ". قال ابن القاسم: " كان مالك ينكره إنكارا شديدا ". قال: " ولا أرى أن يعمل به ". قال محمد بن يحيى عن مالك: " كان الناس يدعون به ليلة خمس عشرة من الشهر ". وقال أبو حنيفة وأحمد: " يستحب القنوت في الوتر في جميع السنة ". وقال الشافعي: " يستحب في النصف الآخر من شهر رمضان ". واحتج أبو حنيفة بما روى أبي بن كعب قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويقنت في الثالثة قبل الركوع».
ووجه من اختاره في النصف الآخر ما روي: " أن أبيا صلى بالناس في النصف الأول فلم يقنت، ثم مرض، فصلى مكانه معاذ، فقنت ". وروي " أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يقوم بهم عشرين
ليلة، ولا يقنت إلا في النصف الثاني ". فحصل الاتفاق منهما، ومن سائر الصحابة الذين لم ينكروا على واحد منهما، على أن القنوت مشروع في النصف الآخر كما اختص بالركعة الأخيرة من صلاة الصبح.
ووجه الرواية الثانية ما قاله مالك؛ أن هذا الأمر لم يدرك العمل عليه
بالمدينة، ولأنها صلاة وتر، فلم يكن القنوت مشروعا فيها كالمغرب.
فأما ما احتج به أبو حنيفة، فقال أبو داود: " خبر القنوت في هذا الحديث ليس بصحيح "، وعلى أنا نخصه بما ذكرنا.
فهذه جمل من أحكام قيام رمضان، ومنشئها، ومستقرها، وما روي فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وسائر الأئمة الراشدين على ما رواه مالك والبخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وسائر مصنفات المسلمين ودواوينهم الفقهية، لم يرووا في شيء من ذلك ما أحدثه الناس من هذه البدع؛ من نصب المنابر عند ختم القرآن، والقصص، والدعاء، بل قد حفظ عنهم النهي عن ذلك على ما رويناه.
8 - فصل [ختم القرآن] فأما ما أحدثه الناس من الخطب في أعقاب الختم؛ فقال مالك: " ليس ختم القرآن بسنة لقيام رمضان ". وأنكر مالك والأئمة أن يقرأ أحدهم في غير الموضع الذي انتهى إليه الآخر.
وقال مالك في " المدونة ": " الأمر في رمضان الصلاة، وليس بالقصص بالدعاء ". فتأملوا - رحمكم الله -، فقد نهى مالك أن يقص أحد في رمضان بالدعاء، وحَكَى أن الأمر المعمول به في المدينة إنما هو الصلاة من غير قصص ولا دعاء.
وروى محمد بن أحمد في " المستخرجة " عن ابن القاسم؛ قال: " سئل مالك عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو؟ فقال: ما سمعت أنه يدعى عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس ". وهذه المسألة ذكرها ابن شعبان عن مالك أيضا في " مختصر ما ليس في المختصر "، وذكرها الشيخ أبو الحسن القابسي بالقيروان في " الكتاب الممهد "، وقد كانت القيروان دار العلم بالمغرب، ولم يكن في عصره من فقهاء المغرب أعلم منه.
وأعظم من هذا مسألة قالها مالك في " مختصر ما ليس في المختصر "؛ قال مالك: " لا بأس أن يجتمع القوم في القراءة عند من يقرئهم أو يفتح على كل واحد منهم فيما يقرأ ". قال: " ويكره الدعاء بعد فراغهم ". وهذا غاية ما يكون في إنكار الأمور المحدثة.
قال: وروى ابن القاسم أيضا عن مالك: " أن أبا سلمة بن عبد الرحمن رأى رجلا قائما عند المنبر يدعو ويرفع يديه، فأنكر، وقال: لا تقلص تقليص اليهود " قال مالك: " التقليص: رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين ". وروى ابن القاسم أيضا؛ قال: " سئل مالك عما يعمل الناس من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون ووقوفهم عند ذلك؟ فقال: هذا من البدع، وأنكر ذلك إنكارا شديدا ". قال بعض أصحابنا: إنما عنى بهذا: الوقوف للدعاء، فأما عند دخوله وخروجه ماشيا؛ فحسن جائز، وقد وردت فيه آثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: " وسئل عن التكبير خلف الصلوات بأرض العدو؟ فقال: ما سمعته، إنما هو شيء أحدثه المسودة.
قيل له: إن بعض البلدان يكبرون دبر المغرب والصبح؟ فقال: هذا مما أحدثوه ". وسئل مالك عن الرجل يدعو خلف الصلاة قائما؟ فقال: " ليس بصواب، ولا أحب لأحد أن يفعله ". 9 - فصل في توجيه هذا الأصل اعلم أن الحرف الذي يدور عليه هذا المذهب إنما هو حماية الذرائع، وألا يزاد في الفروض ولا في السنن المسننة، وألا يعتقد أيضا في النوافل المبتدأة أنها سنن مؤقتة.
وهذا الأصل؛ كل من أباه في الجملة قد قال به في التفصيل فنذكر أولا موافقة أبي حنيفة والشافعي لمالك في هذا الأصل: فمن ذلك أن مالكا كره صيام ست من شوال، ووافقه أبو حنيفة، فقال: " لا أستحب صيامها "، وخالفهما الشافعي، فقال: " يستحب صيامها "! والحديث منصوص فيه، رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال؛ فكأنه صام الدهر».
ولا حجة لمالك وأبي حنيفة إلا أنهما قالا: " التزام هذا يؤدي إلى الزيادة في الفروض، فيجيء الأعراب، وينشأ الأطفال، فإن رأوا الأسلاف والعموم يداومون على صومه؛ اعتقدوه فرضا "! وعلى هذا المنهاج تدرج صوم النصارى حتى صار خمسين يوما، وذلك أن الله تعالى فرض عليهم صوم شهر رمضان، وذلك بين في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فأقاموا عليه برهة من دهرهم، فاشتد عليهم؛ لأنه ربما أتاهم في الحر الشديد، أو في البرد الشديد، فيضرهم في أسفارهم ومعايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف! فجعلوه في الربيع، وزادوا فيه عشرة أيام؛ كفارة لما صنعوا، فصار أربعين يوما! ! ثم اشتكى ملك
لهم، فجعل لله عليه إن برئ من مرضه في صومه أسبوعا، فبرئ، فزادوه، ثم مات، فوليهم آخر، فقال: لو أكملتموه خمسين يوما! قال الحسن والشعبي وجماعة من العلماء: " وعلى هذا دل حديث عثمان في الإتمام في السفر ". وقد بيناه.
وأما الشافعي؛ فقد وافق مالكا في أن الأضحية سنة، وخالفهما أبو حنيفة، وقال: " واجبة ". واحتج أصحاب مالك والشافعي جميعا بالأسلوب الذي ذكرناه في الباب الثالث؛ من ترك أبي بكر وعمر وجابر وابن عباس الأضحية؛ مخافة أن يرى الناس أنها واجبة! وهؤلاء الأئمة الثلاثة - وهم أثافي الإسلام - تركوا سنة ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم لا يجوز أن نترك الخطب ونصب المنابر عند الختم في رمضان؛ خوفا من أن يظن الناس أن الخطبة عقيب الختم في رمضان سنة ثابتة عند هذين الشيئين - أعني: الختم والصوم -، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما سن قيامه وتلاوة القرآن فيه على هذا الوجه؟
وهكذا ذكر ابن شعبان في كتابه عند ذكره جملا من هذه الأمور المحدثة؛ قال: "... إنما كرهه مالك؛ خيفة أن يلحق بما يجب فعله حتى يتخذ أمرا ماضيا ". وما لنا نقدر ذلك؟ ! بل قد وجدنا ما كنا نحذر! فأكثر المسلمين اليوم يعتقدون أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما شرع قيام رمضان على هذا الوجه، وأن ترك ذلك بدعة، مع القطع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجمع في رمضان إلا ليلتين، ولم ينقل أحد من المسلمين عدد الركوع، ولا دعاء، ولا خطبة.
وقد بيناه.
وهذا المذهب أيسر؛ لأنه ليس فيه ترك سنة، وفي ترك صيام ست من شوال وترك الأضحية ترك السنن، فهو بالإنكار أحق.
فإن خالفنا أحد من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، ممن لا يطلع على أسرار المذهب وأغوار الأصول ولم يتحقق بالكليات، وإنما نظر في الأطراف والجزئيات، فقال: إن هذا ذكر لله تعالى، وتحميد، وثناء، ودعاء، واجتماع من المسلمين على طاعة الله، وفيه إظهار شعائر الإسلام؛ فينبغي أن يكون مشروعا مستحبا كنفس القيام! فالجواب أن نقول: هذا منقوص بما لا قبل لكم به: منها صيام ست من شوال على أصل أبي حنيفة، وترك الأضحية على أصل الشافعي؛ فإن هذه قرب وطاعات، ومناسك وعبادات، ثم كان تركها - عند خوف البدعة - خيرا من فعلها.
ثم نقول: الذكر والثناء قد يكون استحبابه مشروطا بشروط؛ كما في
الصيام والأضحية، وكما أن قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد بدعة، وإن كان على غير هذا الوجه قربة.
وينتقض بالخطبة والدعاء صبيحة الختم بالنهار، فلو أنه ختم بالليل ثم نصب كرسيه واختطب ودعا بالنهار؛ لكان مبتدعا! وإن كان ذكرا لله تعالى ودعاء! وينتقض بالخطبة والدعاء في آخر الشهر؛ فإن الناس لو نصبوا الكراسي واختطبوا ودعوا في أول ليلة من رمضان، وحضوا المسلمين على صيامه وقيامه والتشمير للعبادة في ليله ونهاره؛ لكان مبتدعا منهيا عنه! وهذا أشبه مما صرتم إليه؛ فإن الناس في أول الشهر أحوج إلى الخطبة والدعاء والتنبيه على خدمة مولاهم في هذا الشهر منهم إلى ذلك في آخره.
ويشهد لذلك أيضا أصول الشرع: ألا ترى أن يوم الفطر والأضحى إنما شرعت الخطبة فيهما في أول النهار، فيختطب في صبيحة الأضحى، فيعلم الناس أمر مناسكهم وضحاياهم وقربانهم، ثم لو فعل ذلك في أول الشهر لم يجز، كذلك في آخره؟
10 -