المسجد، فقال: حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق، وحدثنا الأعمش عن أبي وائل... ". قال: " فتوسط الأعمش الحلقة، ورفع يديه، وجعل ينتف شعر إبطيه! فقال له القاص: يا شيخ! ألا تستحي؟ نحن في علم وأنت تفعل هذا؟! فقال الأعمش: الذي أنا فيه خير من الذي أنت فيه.
قال: كيف ذلك؟ قال: لأني في سنة وأنت في كذب، أنا الأعمش، وما حدثتك مما تقول شيئا! ! فلما سمع الناس ذكر الأعمش؛ انفضوا عن القاص، واجتمعوا حوله، وقالوا: حدثنا يا أبا محمد! ". وقال أحمد بن حنبل: " أكذب الناس القصاص والسؤال، وما أحوج الناس إلى قاص صادق صدوق؛ لأنهم يذكرون الموت وعذاب القبر ". قيل له: أكنت تحضر مجالسهم؟ قال: " لا ". وروي أن عامر بن عبد الله بن قيس المعروف بـ (راهب هذه الأمة) انقطع عن مجلس الحسن البصري، فجاءه الحسن في منزله، فإذا عامر في بيت قد لف رأسه، وليس في البيت إلا رمل، فقال له الحسن: يا أبا عبد الله! لم نرك منذ أيام؟ فقال له: إني كنت أجلس هذه المجالس، أسمع تخليطا وتغليطا، وإني كنت أسمع مشيختنا فيما روي عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «إن أصفى»
«الناس إيمانا يوم القيامة أكثرهم فكرة في الدنيا، وأكثر الناس ضحكا في الجنة أطولهم بكاء في الدنيا، وأشد الناس فرحا في الآخرة أطولهم حزنا في الدنيا»، فوجدت البيت أخلى لقلبي، وأقدر لي من نفسي على ما أريد منها.
فقال له الحسن: أما إنه لم يعن مجالسنا هذه، إنما عنى مجالس القصاص في الطرق، والذين يخلطون ويقدمون ويؤخرون.
قال ابن القاسم: " وأول قاص كان بالمدينة إنما جعله عمر بن عبد العزيز ولم يكن بها قبل ذلك قاص ". قال مالك: " لم يكن القصاص فيما مضى حتى كان عمر بن عبد العزيز أميرا، فجعل قاصا ورزقه دينارين في الشهر ". وفي كتاب الوضوء من " المدونة ": أن عمر بن عبد العزيز كان له قاص؛ يعني: واعظا يذكره.
8 - فصل آداب المسجد قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.
دلت الآية على أن المساجد إنما رفعت لأعمال الآخرة؛ دون حرث الدنيا واكتسابها.
ولقد كره مالك التابوت الذي جعل في المسجد للصدقات، ورآه من حرث الدنيا.
وسئل مالك عن الأكل في المسجد، فقال: " أما الشيء الخفيف؛ مثل السويق ويسير الطعام؛ فأرجو أن يكون خفيفا، ولو خرج إلى باب المسجد؛ كان أعجب إلي، وأما الكثير؛ فلا يعجبني، ولا في رحابه ". قال مالك: " وأكره المراويح التي في مقدم المسجد، التي يروح بها الناس ". قال مالك: " وما كان يفعل ذلك فيما مضى، ولا أجيز للناس أن يأتوا بالمراويح يتروحون بها ". وقال في الذي يأكل اللحم في المسجد؛ قال: " أليس يخرج يغسل يده؟ ". قالوا: بلى.
قال: " فليخرج ليأكل ". قال: " وأكره أن يتكلم بألسنة العجم في المسجد ". وقال: " إنما ذلك لما قيل في ألسنة الأعاجم أنها خب ". قال: " فلا يفعل في المسجد شيء من الخب ". قال: " وهو لمن يحسن العربية أشد خبا ".
قال: " وأكره أن يبني مسجدا ويتخذ فوقه مسكنا يسكن فيه بأهله، ولا يقلم أظفاره في المسجد، ولا يقص فيه شاربه، وإن أخذه في ثوبه، وأكره أن يتسوك في المسجد من أجل ما يخرج من المسواك فيلقيه في المسجد ". قال: " ولا أحب أن يتمضمض في المسجد، وليخرج؛ ليفعل ذلك ". وأما المبيت في المسجد: فجوزه مالك للغرباء دون الرجل الحاضر.
وقال ابن القاسم في " العتبية ": " لا بأس به للحاضر الضعيف، دون من له منزل ". وروى ابن حبيب عن ابن وهب: " لا يرقد شاب في المسجد ". قال مالك: " قد كان يبيت في المسجد أهل الصفة وغيرهم؛ لعدم البيوت ". قال ابن عمر: " ما كان لي مبيت ولا مأوى على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا المساجد ". وقد كان مبيت عطاء بن أبي رباح في المسجد أربعين سنة.
وفي الحديث: «قيل: يا رسول الله! أتأذن لي في الترهب؟ قال: ترهب.»
قال ابن حبيب: " لا بأس بالاستلقاء في المسجد للراحة ". قال: " ولا بأس بالقائلة في المسجد والنوم فيه نهارا للحاضر المقيم، ولا بأس بالمبيت فيه للمسافر والمنتاب إلى أن يرتاد مسكنا، ولا ينبغي أن يتخذه مسكنا؛ إلا رجل قد تبتل للعبادة، وتجرد فيه لقيام الليل، فلا بأس أن يكون في دهره إذا كان مرافقه لوضوئه ومعاشه في غير المسجد ". وفي الحديث: " «إن الله تعالى يقول: إني أهم بعذاب عبادي، فأنظر إلى عمار المساجد، وجلساء القرآن، وولدان الإسلام، فيسكن غضبي» ". وروى عباد بن تميم عن عمه: " «أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الأخرى» ". قال ابن المسيب: " وكان عمر وعثمان يفعلان ذلك ". قال: " وسئل مالك عن الرجل يتخذ في المسجد فراشا يجلس عليه، أو وسادة يتكئ عليها؟ قال: ليس ذلك من عمل الناس، ولا أحبه ".
وكان يرخص في الخمرة والنخاع والمصليات، ويقول: " قد كان ذلك يتخذ في مسجدنا ليستوطأ أو يستدفأ به من برد الحصباء في شدة البرد ". والخمرة: حصير من جريد.
والنخاع: بسط طوال.
قال: " وكانت الأقناء تعلق في المسجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لمكان أضياف النبي صلى الله عليه وسلم المساكين؛ يأكلون منه، وأراه حسنا أن يعلق في سائر البلاد التي فيها التمر في المساجد ". وسئل مالك عن الرجل في رمضان يكون في المسجد فيأتيه الطعام؟ فقال: " أما الشيء الخفيف؛ مثل السويق والطعام اليسير؛ فأرجو أن يكون خفيفا، وأما الطعام؛ مثل اللحم والألوان؛ فلا يعجبني ". فقيل له: فرحاب المسجد؟ قال: " رحاب المسجد من المسجد ". وكره أكل الطعام في المسجد، قيل له: فإن بعض الأئمة يعشون الناس في المسجد.
قال: " ليس بإمام الذي يطعم الناس في المسجد ".
قال أشهب: " وسئل مالك عن قوم يفطرون في رمضان على الكعك والتمر المنزوع نواه والزبيب؟ قال: ما يعجبني، كيف يصنعون بأذاه وبالمضمضة؟ قيل: يؤتى به في منديل وليس به أذى، ويخرجون من المسجد فيتمضمضون.
قال: إن كان هذا؛ فأرجو أن يكون خفيفا ". وروى ابن وهب عن مالك: " ولو خرج إلى باب المسجد، فأكل وشرب هناك؛ كان أحب إلي ". وقال ابن عبد الحكم: " سمعت مالكا يسأل عن الماء الذي يسقى في المسجد، أترى أن نشرب منه؟ قال: نعم؛ وإنما جعل للعطشان، ولم يرد به أهل المسكنة، فلم يترك شربه؟ ولم يزل هذا من أمر الناس بهذا المكان وغيره ". قال ابن حبيب: " رأيت القرب بالماء العذب معلقة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم على الحصباء وتحتها أقداح نضار، فمن أحب شرب الماء في المسجد ". قال ابن القاسم: " رأيت مالكا يشرب في المسجد ". قال ابن حبيب: " وقد فعله ابن الزبير في المسجد الحرام، ورأيت ابن الماجشون وغيره من علماء المدينة يشربون الماء في المسجد ". وكره مالك قتل القمل ودفنها في المسجد، ولا يطرحها من ثوبه في المسجد، ولا يقتلها بين النعلين في المسجد.
وقال مالك في المعتكف: " لا يدخل إليه حجام؛ ليأخذ من شعره وأظفاره ".
قال ابن القاسم: " إنما كرهه لحرمة المسجد ". وروى ابن حبيب وابن القاسم عن مالك: " أنه نهى عن قتل القمل والبراغيث في المسجد، ولا يدفنها فيه ". قال ابن حبيب: " أخبرني مطرف أن البرغوث كان أخف عند مالك من القمل، وليصرها حتى يلقيها خارجا ". «ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في جدار مخاطا أو بصاقا أو نخامة في القبلة، فحكه».
وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها».
قال مالك: " لا أرى أن يبصق على حصير المسجد ويدلكه برجله، ولا بأس أن يبصق تحت الحصير، وإن كان المسجد محصبا؛ فلا بأس أن يحفر الحصباء ويبصق فيه ويدفنه ". قال ابن القاسم: " إن لم يكن المسجد محصبا، لا يقدر على دفن البصاق فيه؛ فلا يبصق فيه ". وسئل مالك عن التنخم في النعلين، فقال: " إن كان لا يصل التنخم تحت الحصير؛ فلا بأس، وإن كان يصل؛ فلا يتنخم في نعليه ". قال محمد بن مسلمة: " لم يزل الناس يتنخمون في المسجد ويبصقون فيه منذ كان، قبل أن يحصب وبعدما حصب، وأخبرني مالك أن أول من حصبه عمر بن الخطاب، وإن الناس كانوا يبصقون قبل أن يحصب عن يسارهم ".
قال: " فكان مالك يفتي به في المساجد التي ليست محصبة ". وسئل مالك عن السؤال الذين يسألون في المساجد ويلحون في المسألة؟ قال: " أرى أن ينهوا عن ذلك ". وقال غيره: يحرم الصدقة.
وروى مالك في " موطئه ": أن عطاء بن يسار كان إذا مر عليه من يبيع في المساجد؛ دعاه، فسأله: ما معك؟ وما تريد؟ فإن أخبره أنه يريد بيع ما عنده؛ قال: عليك بسوق الدنيا، فإنما هذه سوق الآخرة.
قال القاضي أبو الوليد: العمل في المسجد على ضربين: قربة وغير قربة: فالقرب: مثل الصلاة، والتلاوة، والذكر، ويدخل فيه درس العلم والمناظرة فيه.
وما ليس بقرب؛ فعلى ضربين: أفعال، وأقوال: فأما الأفعال؛ فكالبيع، والشراء، والأكل، وعمل الصنائع، ونحوه.
فأما البيع: فروى ابن القاسم عن مالك في " المجموعة ": " لا بأس أن يقضى الرجل في المسجد ذهبا، فأما ما كان بمعنى التجارة والصرف؛ فلا أحبه ". وإنما أراد بالقضاء المعتاد الذي فيه يسير العمل، وقليل العين، وأما لو كان قضاء المال جسيما، يحتاج إلى المؤنة والوزن والانتقاد، ويكثر فيه العمل؛ فإنه مكروه.
وقال مالك في " المبسوط ": " لا أحب لأحد أن يظهر سلعة في المسجد للبيع، فأما أن يساوم رجلا ثوبا عليه، أو سلعة تقدمت رؤيته لها ومعرفته بها؛ فيواجبه البيع فيها؛ فلا بأس به ". وقال محمد بن مسلمة: " لا ينبغي لأحد أن يبيع في المسجد ولا يشتري شيئا حاضرا ولا غائبا: أما الحاضر؛ فإن المسجد ليس بموضع للسلع، ولو جاز ذلك؛ صار المسجد سوقا.
وأما ما ليس بحاضر؛ كالدور والأصول وبيع الصفة وأشباه ذلك؛ فلما فيه من اللغط واللغو، وعلى هذا القول دل قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ الآية ". وقد كره غيره أن يشتري الرجل في المسجد القربة من الماء؛ ليسيلها، وقال: يخرج إلى الباب، ويشتريها هنالك، ثم يسيلها.
وفي الحديث: " «لا تقوم الساعة حتى يتبايع الناس في المساجد» ".
وروى البخاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فقال: أيها الناشد! غيرك الواجد».
وروى مسلم في " صحيحه " «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا ينشد ناقته في المسجد، فقال: لا جمعها الله عليك! إن المساجد لم تبن لهذا».
قال مالك في " المبسوط ": " ولو لم يرفع بذلك صوته؛ فلا بأس بذلك؛ لأنه من جنس المحادثة، وذلك غير ممنوع ". وأما الكتابة في المساجد: فروى ابن القاسم عن مالك في " المجموعة " في ذكر الحق يكتب في المسجد؛ قال: " أما الشيء الخفيف؛ فنعم، وأما الشيء يطول؛ فلا أحبه ". ويجري على أصل محمد بن مسلمة أن لا يكتب فيه اليسير ولا الكثير ". قال القاضي أبو الوليد: " ولم أر شيئا في كتب المصاحف في المساجد ".
قال: " فأما الرجل المتوقي الذي يصون المساجد ويكتب المصاحف؛ ظاهره الجواز ". وأما تعليم الصبيان في المساجد: فكرهه سحنون، ويتفرع في تعليله وجهان: أحدهما: قلة توقيهم للنجاسة.
والثاني: أنه صنعه وتكسب.
قال القاضي أبو الوليد: " فيلزم على هذا التعليل منع كتابة المصاحف فيه ". قال ابن حبيب: " ويكره دخول الصبيان المسجد وتعليمهم فيه؛ إلا أن يدخل الصبي للصلاة ثم يخرج ". وقال غيره: في تعليمهم فيه بالأجر تكسب، وهي إجازة من جنس التجارة، وقد نهي عنه، ويجوز أن يؤتى بالصبي إلى المسجد إذا كان قد علم الأدب، ولم يعبث لصغره، ثم يخرج.
وأما الخياطة وغيرها من الأعمال الظاهرة التي لا تتعلق بالقرب: فقد قال سحنون: " لا يجلس فيه للخياطة ". ويلزم أن تكون سائر الأعمال التي في معنى الخياطة على ذلك.
9 -