بَابٌ فِي قَوْلِهِ ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾
[الواقعة: 89]
1130 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْآدَمَيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَاتِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: " حَيَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَرْدِ بِكِلْتَا يَدَيْهِ، فَلَمَّا أَدْنَيْتُهُ مِنْ أَنْفِي قَالَ: أَمَا إِنَّهُ سَيِّدُ رَيْحَانِ الْجَنَّةِ بَعْدَ الْآسِ "
1131 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْفَامِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَقِيقٍ، ثنا أَبُو مُعَاذٍ،: حَدَّثَنَا عُبَيْدٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: 89] أَمَّا الرَّوْحُ: فَالْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ، وَالرَّيْحَانُ: الِاسْتِرَاحَةُ
1132 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، ثنا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ اللَّهَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثًا، قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ "
1133 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثنا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» قَالَ: أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا»
1134 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ تَمِيمٍ الْبَصْرِيُّ، ثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ الْخَوْلَانِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
حَدِيثُ الْمَائِدَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ
1135 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، ثنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا عَافِيَةُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: " لَمَّا سَأَلَ الْحَوَارِيُّونَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمُ الْمَائِدَةَ.
قَالَ: قَامَ عِيسَى، فَأَلْقَى الصُّوفَ عَنْهُ، وَلَبِسَ الشَّعْرَ وَالتُّحْفَةَ، وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَوَضَعَهَا عَلَى صَدْرِهِ، وَصَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، وَأَلْزَقَ الْكَعْبَ بِالْكَعْبِ، وَالْإِبْهَامَ بِالْإِبْهَامِ، وَخَفَضَ بِرَأْسِهِ خَاشِعًا، ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ، حَتَّى سَالَتِ الدُّمُوعُ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَجَعَلَتْ تَقْطُرُ عَلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا، تَكُونُ عَطِيَّةً مِنْكَ لَنَا، عَلَامَةً مِنْكَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، وَارْزُقْنَا عَلَيْهَا طَعَامًا نَأْكُلُهُ، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ: فَنَزَلَتْ سُفْرَةٌ حَمْرَاءُ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ: غَمَامَةٌ فَوْقَهَا، وَغَمَامَةٌ
تَحْتَهَا، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا تَهْوِي مُنْقَضَّةً فِي الْهَوَاءِ، وَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَبْكِي، وَيَقُولُ: إِلَهِي إِلَهِي، اجْعَلْنَا لَكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، إِلَهِي اجْعَلْهَا رَحْمَةً، وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، إِلَهِي كَمْ أَسْأَلُكَ مِنَ الْعَجَائِبِ، فَتُعْطِينِي، إِلَهِي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَكُونَ أَنْزَلْتَهَا غَضَبًا وَزَجْرًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَافِيَةً وَسَلَامَةً، وَلَا تَجْعَلْهَا مُثْلَةً، وَلَا فِتْنَةً.
حَتَّى اسْتَقَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ يَجِدُونَ رِيحًا طَيِّبَةً لَمْ يَجِدُوا مِثْلَهَا، وَخَرَّ عِيسَى سَاجِدًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَخَرَّ الْحَوَارِيُّونَ مَعَهُ، فَبَلَغَ الْيَهُودَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلُوا عُتًى وَكُفْرًا يَنْظُرُونَ، فَرَأَوْا أَمْرًا عَجَبًا: وَإِذَا مِنْدِيلٌ مُغَطًّى عَلَى السُّفْرَةِ، وَجَاءَ عِيسَى، فَجَلَسَ يَقُولُ: مَنْ أَجْرَؤُنَا، وَأَوْثَقُنَا بِنَفْسِهِ، وَأَحْسَنُنَا بَلَاءً عِنْدَ رَبِّهِ، فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى نَنْظُرَ، وَنَأْكُلَ، وَنُسَمِّيَ بِاسْمِ رَبِّنَا، وَنَحْمَدَ إِلَهَنَا.
قَالَ الْحَوَارِيُّونَ: أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ.
قَالَ: فَتَوَضَّأَ عِيسَى وُضُوءًا حَدِيثًا، وَصَلَّى صَلَاةً جَدِيدَةً، وَدَعَا رَبَّهُ دُعَاءً كَثِيرًا، وَبَكَى بُكَاءً طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ حَتَّى جَلَسَ عِنْدَ السُّفْرَةِ إِذَا سَمَكَةٌ مَشْوِيَّةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا فُلُوسٌ، وَلَيْسَ لَهَا شَوْكٌ تَسِيلُ سَيْلًا، وَقَدْ نُصِبَ حَوْلَهَا مِنَ الْبُقُولِ، وَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهَا خَلٌّ، وَعِنْدَ ذَنَبِهَا مِلْحٌ،
وَخَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا زَيْتُونٌ وَخَمْسُ رُمَّانَاتٍ، وَخَمْسُ تَمَرَاتٍ، قَالَ شَمْعُونُ، رَأْسُ الْحَوَارِيِّينَ،: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، أَمِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا، أَمْ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَوَمَا اسْتَيْقَنْتُمْ؟ مَا أَخْوَفَنِي أَنْ تَعَاقَبُوا.
قَالَ: لَا وَإِلَهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا أَرَدْتُ بِمَا سَأَلْتُكَ سُوءًا يَا ابْنَ الصِّدِّيقَةِ قَالَ: نَزَلَتْ وَمَا عَلَيْهَا مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا تَرَوْنَ عَلَيْهَا مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا وَلَا مِنْ طَعَامِ الْآخِرَةِ، وَهِيَ وَمَا عَلَيْهَا شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ الْغَالِبَةِ، إِنَّمَا قَالَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُنْ فَكَانَ، فَكُلُوا مِمَّا سَأَلْتُمْ، وَاحْمَدُوا عَلَيْهِ رَبَّكُمْ يُمِدَّكُمْ وَيَزِدْكُمْ، فَإِنَّهُ الْقَادِرُ الْبَدِيعُ لِمَا يَشَاءُ، إِذَا شَاءَ يَقُولُ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ، قَالُوا: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ إِنْ أَرَيْتَنَا الْيَوْمَ آيَةً مِنْ هَذِهِ السَّمَكَةِ، فَقَالَ عِيسَى: يَا سَمَكَةُ، أُحْيِي بِاللَّهِ، فَاضْطَرَبَتِ السَّمَكَةُ طَرِيَّةً تَدُورُ عَيْنَاهَا، لَهَا بَصِيصٌ تَلَمَّظُ بِفِيهَا كَمَا يَتَلَمَّظُ السَّبُعُ، وَعَادَ عَلَيْهَا فُلُوسُهَا، فَفَزِعَ الْقَوْمُ، فَقَالَ عِيسَى: مَا لَكُمْ تُسْأَلُونَ الشَّيْءَ، فَإِذَا أُعْطِيتُمُوهُ كَرِهْتُمُوهُ مَا أَخْوَفَنِي أَنْ تَعْبُدُوا هَذِهِ السَّمَكَةَ قَالَ: عُودِي كَمَا كُنْتِ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: فَعَادَتْ مَشْوِيَّةً فِي حَالِهَا، قَالُوا: كُنْ أَنْتَ يَا رُوحَ اللَّهِ أَوَّلَ مَنْ يَأْكُلُ، ثُمَّ نَأْكُلُ بَعْدُ.
قَالَ عِيسَى: مُعَاذَ اللَّهِ، بَلْ يَأْكُلُ مِنْهَا مَنْ طَلَبَهَا وَسَأَلَهَا، فَفَرَّقَ الْحَوَارِيُّونَ أَنْ تَكُونَ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ سَخْطَةً فِيهَا مُثْلَةً فَلَمْ يَأْكُلُوا، وَدَعَا لَهَا عِيسَى أَهْلَ الْفَاقَةِ وَالزَّمَانَةِ مِنَ الْعُمْيَانِ وَالْمَجْذُومِينَ وَالْبَرَصِ
وَالْمُقْعَدِينَ، وَأَصْحَابِ الْمَاءِ الْأَصْفَرِ وَالْمَجَانِينَ وَالْمَخْبُلِينَ قَالَ: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ رِزْقُ رَبِّكُمْ تَكُونُ الْمَهَابَةُ لَكُمْ، وَالْبَلَاءُ لَغَيْرِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا، فَفَعَلُوا، فَصَدَرَ عَنْ تِلْكَ السَّمَكَةِ وَالْأَرْغِفَةِ وَالرُّمَّانَاتِ وَالتَّمَرَاتِ وَالْبُقُولِ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ بَيْنَ فَقِيرٍ جَائِعٍ، وَزَمِنٍ نَاقِهٍ رَغِيبٍ، كُلُّهُمْ شَبْعَانُ يَتَجَشَّأُ، وَنَظَرَ عِيسَى، فَإِذَا مَا عَلَيْهَا كَهَيْئَةِ حِينَ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ، وَرُفِعَتِ السُّفْرَةُ إِلَى السَّمَاءِ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، وَاسْتَغْنَى كُلُّ فَقِيرٍ أَكَلَ مِنْهَا يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ يَزَلْ غَنِيًّا حَتَّى مَاتَ، وَبَرِئَ كُلُّ زَمِنٍ مِنْ زَمَانَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى مَاتَ، وَنَدِمَ الْحَوَارِيُّونَ وَسَائِرُ النَّاسِ مِمَّنْ أَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا حَسْرَةً، فَشَابَتْ مِنْهَا أَشْعَارُهُمْ قَالَ: فَكَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْبَلُوا إِلَيْهَا صُوَرًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يَسْعَوْنَ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَالضُّعَفَاءُ وَالْأَشِدَّاءُ، وَالصِّغَارُ وَالْكِبَارُ، وَالْأَصْحَابُ وَالْمَرْضَى يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ جَعَلَهَا نَوْبًا بَيْنَهُمْ قَالَ: وَكَانَتْ تَنْزِلُ غِبًّا يَوْمًا وَلَا تَنْزِلُ يَوْمًا، كَنَاقَةِ ثَمُودَ، تَرْعَى يَوْمًا وَتُرَدُّ يَوْمًا.
فَلَبِثَتْ بِذَلِكَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، تَغِبُّ يَوْمًا وَتَنْزِلُ يَوْمًا يُؤْكَلُ مِنْهَا، حَتَّى إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ طَارَتْ صُعُدًا إِلَى ظِلِّهَا فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَوَارَى عَنْهُمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى: أَنِ اجْعَلْ
مَائِدَتِي رِزْقًا لِلْيَتَامَى وَالْزَمْنَى دُونَ الْأَغْنِيَاءِ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَأَذَاعُوا الْقَبِيحَ حَتَّى شَكُّوا وَشَكَّكُوا فِيهِ النَّاسَ، فَوَقَعَتْ فِيهِ الْفِتْنَةُ فِي قُلُوبُ الْمُرْتَدِّينَ، قَالَ قَائِلُهُمْ: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، إِنَّ الْمَائِدَةَ لَحَقٌ، إِنَّهَا لَتَنْزِلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ عِيسَى: وَيْحَكُمْ هَلَكْتُمْ تَيَسَّرُوا لِلْعَذَابِ إِنَّ لَمْ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى: إِنِّي آخُذُ بِشَرْطِي مِنَ الْمُكَذِّبِينَ قَدِ اشْتَرَطْتُ عَلَيْهِمْ إِنِّي مُعَذِّبٌ مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ بَعْدَ نُزُولِهَا.
قَالَ عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَالَ: فَمَسَخَ اللَّهُ مِنْهُمْ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ خَنَازِيرَ مِنْ لَيْلَتِهِمْ، فَأَصْبَحُوا يَأْكُلُونَ مَا فِي الْحُشُوشِ، وَيَتَّبِعُونَ مَا فِي الْكُنَاسَةِ وَالطُّرُقِ، وَنَامُوا أَوَّلَ اللَّيْلِ عَلَى فُرُشِهِمْ، وَنِسَاؤُهُمْ فِي دِيَارِهِمْ بِأَحْسَنِ صُورَةٍ وَأَوْسَعِ رِزْقٍ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَفِرُّونَ إِلَى عِيسَى فَزَعًا وَفَرَقًا مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعِيسَى يَبْكِي عَلَيْهِمْ، وَيَبْكُونَ مَعَهُ عَلَيْهِمْ، وَجَاءَتِ الْخَنَازِيرُ تَسْعَى حِينَ أَبْصَرَتْهُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَيَمْشُونَ إِلَيْهِ، وَيَشُمُّونَ رِيحَهُ، وَيَسْجُدُونَ لَهُ، وَأَعْيُنُهُمْ تَسِيلُ دُمُوعًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْكَلَامَ.
ثُمَّ قَامَ عِيسَى يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ: يَا فُلَانُ.
فَيَقُولُ بِرَأْسِهِ: نَعَمْ.
يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ، قَدْ كُنْتُ أُخَوِّفُكُمْ عَذَابَ اللَّهِ وَعُقُوبَتَهُ، وَكَأَنِّي قَدْ كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ مُمَثَّلًا بِكُمْ فِي غَيْرِ صُورَتِكُمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ [الرعد: 6]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
قَالَ: فَسَأَلَ عِيسَى رَبَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُمِيتَهُمْ.
فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَمَا رَأَى أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مِنْهُمْ جِيفَةً فِي الْأَرْضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ"
1136 - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُضَرَ الثَّقَفِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ الضُّبَعِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]، وَلَمَوْضِعُ
سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185] وَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، فَمَا يَنْقَطِعُ، اقْرَءُوا إِنَّ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30]
1137 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثنا أَبُو رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] قَالَ: «أَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ بِالْخُفْيَةِ خُفْيَةً، وَبِالْعَلَانِيَةِ عَلَانِيَةً»
حَدِيثُ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةُ، وَصِفَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1138 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ،: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى، مَوْلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْطٍ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سُلَيْطٍ وَكَانَ بَدْرِيًّا قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْهِجْرَةِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ أُرَيْقِطٍ يَدُلُّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ مَرُّوا بِأُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ، وَهِيَ لَا تَعْرِفُهُ، فَقَالَ لَهَا: " يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، هَلْ عِنْدَكِ مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، وَإِنَّ الْغَنَمَ لَعَازِبَةٌ قَالَ: «فَمَا هَذِهِ الشَّاةُ الَّتِي أَرَى؟» لِشَاةٍ رَآهَا فِي كِفَاءِ الْبَيْتِ، قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الْغَنَمِ قَالَ: «أَتَأْذَنِينَ فِي حِلَابِهَا؟» قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ مَا ضَرَبَهَا مِنْ فَحْلٍ قَطُّ فَشَأْنُكَ بِهَا.
فَدَعَا بِهَا، فَمَسَحَ ظَهْرَهَا وَضَرْعَهَا، ثُمَّ دَعَاهَا بِإِنَاءٍ يَرْبِضُ الرَّهْطَ: فَحَلَبَ فِيهِ، فَمَلَأَهُ، فَسَقَى أَصْحَابَهُ عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ، ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ آخَرَ، فَغَادَرَهُ عِنْدَهَا، وَارْتَحَلَ فَلَمَّا جَاءَهَا زَوْجُهَا عِنْدَ الْمَسَاءِ قَالَ: يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، مَا هَذَا اللَّبَنُ، وَلَا حَلُوبَةَ فِي الْبَيْتِ، وَالْغَنَمُ عَازِبَةٌ؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، إِلَّا أَنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ، مُتَبَلِّجُ الْوَجْهَ، فِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ، وَفِي عَيْنَيْهِ
دَعَجٌ، وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، لَا تَشْنَؤُهُ مِنْ طُولٍ، وَلَا تَقْتَحِمُهُ مِنْ قِصَرٍ، لم تَعْلُهُ ثُجْلَةٌ وَلَمْ تَزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ، كَأَنَّ عُنُقَهُ أَبْرِيقُ فِضَّةٍ، إِذَا صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْبَهَاءُ، وَإِذَا نَطَقَ فَعَلَيْهِ وَقَارٌ، لَهُ كَلَامٌ كَخَرَزَاتِ النَّظْمِ، أَزْيَنُ أَصْحَابِهِ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُهُمْ وَجْهًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَصْحَابُهُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِذَا أَمَرَ ابْتَدَرُوا أَمَرَهُ، وَإِذَا نَهَى ايتَّقَفُوا عِنْدَ نِهَايَتِهِ قَالَ: هَذِهِ وَاللَّهِ صِفَةُ صَاحِبِ قُرَيْشٍ، وَلَوْ رَأَيْتُهُ لَاتَّبَعْتُهُ، وَلَأَجْهَدَنَّ أَنْ أَفْعَلَ.
قَالَ: فَلَمْ يَعْلَمُوا بِمَكَّةَ أَيْنَ تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى سَمِعُوا هَاتِفًا عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ:
[البحر الطويل] جَزَى اللَّهُ خَيْرًا وَالْجَزَاءُ بِكَفِّهِ ... رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا رَحَلَا بِالْحَقِّ وَانْتَزَلَا بِهِ ... فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ فَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا ... أَبَرَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً مِنْ مُحَمَّدِ وَأَكْسَى لِبَرْدِ الْخَالِ قَبْلَ ابْتِذَالِهِ ... وَأَعْطَى بِرَأْسِ السَّابِحِ الْمُتَجَرِّدِ لِيَهْنَ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ"
1139 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ أَسْمَاءَ
بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكِ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللَّهِ أَيْنَ أَبِي، قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً خَرَّ مِنْهَا قُرْطِي، قَالَتْ: ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَمَضَى ثَلَاثُ لَيَالٍ مَا نَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، يُغَنِّي بِأَبْيَاتِ شِعْرٍ غَنَّى بِهَا الْعَرَبُ، وَإِنَّ النَّاسَ لَيَتْبَعُونَهُ، يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَمَا يَرَوْنَهُ، حَتَّى خَرَجَ بِأَعْلَى مَكَّةَ: [البحر الطويل] جَزَى اللَّهُ رَبَّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا نَزَلَا بِالْهُدَى وَاغْتَدَوْا بِهِ ... فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ لِيَهْنَ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ قَالَتْ: فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ عَرَفْنَا حَيْثُ وَجْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ وَجْهَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَانُوا أَرْبَعَةً: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ دَلِيلُهُمَا"
1140 - حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ أَنَسٍ أَبُو الْخَيْرِ، ثنا أَبُو هِشَامٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ يَسَارٍ الْكَعْبِيُّ الرَّبَعِيُّ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، أَيُّوبُ بْنُ الْحَكَمِ،
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ تَمِيمٍ الْبَصْرِيُّ، ثنا أَبُو هِشَامٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بِقُدَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، أَيُّوبُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ حِزَامِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، هِشَامٍ، عَنْ جَدِّهِ، حُبَيْشُ بْنُ خَالِدٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ خَرَجَ مِنْهَا مُهَاجِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَمَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ، وَدَلِيلُهُمَا اللَّيْثِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأُرَيْقِطِ، مَرُّوا عَلَى خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ، وَكَانَتْ بَرْزَةً جَلِدَةً تَحْتَبِي بِفِنَاءِ الْقُبَّةِ، ثُمَّ تَسْقِي وَتُطْعِمُ، فَسَأَلُوهَا تَمْرًا وَلَحْمًا يَشْتَرُونَهُ مِنْهَا، فَلَمْ يُصِيبُوا عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَكَانَ الْقَوْمُ مُرْمِلِينَ مُسْنِتِينَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَاةٍ فِي كَسْرِ الْخَيْمَةِ فَقَالَ: «مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟» قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الْغَنَمِ، قَالَ: «هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟» قَالَتْ: هِيَ أَجَهْدُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «أَتَأْذَنِينَ أَنْ أَحْلُبَهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْبًا فَاحْلُبْهَا.
فَدَعَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَسَحَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا، وَسَمَّى اللَّهَ، وَدَعَا لَهَا فِي شَاتِهَا، فَتَفَاجَّتْ عَلَيْهِ وَدَرَّتْ وَاجْتَرَّتْ، وَدَعَا بِإِنَاءٍ يَرْبِضُ الرَّهْطَ، فَحَلَبَ شَجًّا حَتَّى عَلَاهُ الْبَهَاءُ، ثُمَّ سَقَاهَا حَتَّى رُوِيَتْ، ثُمَّ سَقَى
أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوَوْا، ثُمَّ شَرِبَ آخِرَهُمْ، ثُمَّ حَلَبَ ثَانِيًا بَعْدَ بَدْءٍ حَتَّى مَلَأَ الْإِنَاءَ، ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا وَبَايَعَهَا وَارْتَحَلُوا عَنْهَا.
فَقَلَّمَا لَبِثَتْ حَتَّى جَاءَ زَوْجُهَا أَبُو مَعْبَدٍ يَسُوقُ أَعْنُزًا عِجَافًا تَسَاوَكْنَ هَزَلًا، مُخُّهُنَّ قَلِيلٌ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو مَعْبَدٍ اللَّبَنَ عَجِبَ وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، وَالشَّاءُ عَازِبٌ حِيَالٌ، وَلَا حَلُوبَ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، إِلَّا أَنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: صِفِيهِ لِي يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، قَالَتْ: رَجُلٌ ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ، أَبْلَجُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الْخُلُقِ، لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ، وَلَمْ تَزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ، وَسِيمٌ قَسِيمٌ، فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ، وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ، وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ، وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ، أَزَجُّ أَقْرَنُ، إِنْ صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلَاهُ الْبَهَاءُ، أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْسَنُهُ وَأَحْلَاهُ مِنْ قَرِيبٍ، حُلْوُ الْمَنْطِقِ، فَصْلٌ لَا نَزِرٌ وَلَا هَذِرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ،
لَا يَأْسَ مِنْ طُولٍ، وَلَا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَةِ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِنْ قَالَ أَنْصَتُوا لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمْرِهِ، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ، لَا عَابِسٌ، وَلَا مُفَنَّدٌ.
قَالَ أَبُو مَعْبَدٍ: فَهَذَا وَاللَّهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي ذُكِرَ لَنَا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذُكِرَ بِمَكَّةَ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ إِنْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.
وَأَصْبَحَ صَوْتٌ بِمَكَّةَ عَالٍ يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ، وَلَا يَدْرُونَ مَنْ صَاحِبُهُ، وَهُوَ يَقُولُ:
[البحر الطويل]
جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا نَزَلَا بِالْهُدَى وَاهْتَدَيَا بِهِ ... فَقَدْ فَازَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ فَيَا لَقُصَيٍّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمْ ... بِهِ مِنْ فِعَالٍ لَا يُجَازَى وَسُؤْدُدِ لِيَهْنَ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا ... فَإِنَّكُمْ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ دَعَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ ... عَلَيْهِ صَرِيحًا ضُرَّةُ الشَّاةِ مُزْبِدِ فَغَادَرَهَا رَهْنًا لَدَيْهَا بِحَالِبٍ ... يُرَدِّدُهَا فِي مَصْدَرٍ ثُمَّ مَوْرِدِ فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ حَسَّانُ الْأَنْصَارِيُّ شَبَّبَ يُجَاوِبُ الْهَاتِفَ فَقَالَ: [البحر الطويل]
لَقَدْ خَابَ قَوْمٌ زَالَ عَنْهُمْ نَبِيُّهُمْ ... وَقَدَّسَ مَنْ يَسْرِي إِلَيْهِ وَيَغْتَدِي تَرَحَّلَ عَنْ قَوْمٍ فَضَلَّتْ عُقُولُهُمْ ... وَحَلَّ عَلَى قَوْمٍ بِنُورٍ مُجَدَّدِ هَدَاهُمْ بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ رَبُّهُمْ ... وَأَرْشَدَهُمْ مَنْ يَتْبَعِ الْحَقَّ يَرْشُدِ وَهَلْ يَسْتَوِي ضُلَّالُ قَوْمٍ تَسَفَّهُوا ... عَمَايَتَهُمْ هَادٍ بِهِ كُلَّ مُهْتَدِي وَقَدْ نَزَلَتْ مِنْهُ عَلَى أَهْلِ يَثْرِبَ ... رِكَابُ هُدًى حَلَّتْ عَلَيْهِمْ بِأَسْعَدِ نَبِيٌّ يَرَى مَا لَا يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ ... وَيَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَسْجِدِ وَإِنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مَقَالَةَ غَائِبٍ ... فَتَصْدِيقُهَا فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ لِيَهْنَ أَبَا بَكْرِ سَعَادَةُ جَدِّهِ ... بِصُحْبَتِهِ مَنْ يُسْعِدِ اللَّهُ يَسْعَدِ
1141 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ، ثنا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، ثنا نَضْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الْجَنُوبِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْرَجَ أَبَا بَكْرٍ مَعَهُ، لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ غَيْرَهُ حَتَّى دَخَلَا الْغَارَ»
1142 - حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا يَحْيَى، عَنْ عَوْفٍ، ثنا زُرَارَةُ، قَالَ: قَالَ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، قِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْجَفَلَ النَّاسُ، فَكُنْتُ فِيمَنِ انْجَفَلَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَأَوَّلُ مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلِوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ»