الْوَجْه الْخَامِس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- صلاح الدين العلائي
- الكتاب
- الفصول المفيدة في الواو المزيدة
- المؤلف
- صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي العلائي (المتوفى: 761هـ)
- المحقق
- حسن موسى الشاعر
- الناشر
- دار البشير - عمان
- الطبعة
- الأولى، 1410هـ 1990م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الَّذِي صَححهُ الْحَاكِم (لَا تَقولُوا مَا شَاءَ الله وَشاء فلَان قُولُوا مَا شَاءَ الله ثمَّ شَاءَ فلَان) فَهَذَا يدل على أَن الْوَاو للْجمع لَا للتَّرْتِيب
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث قتيلة بنت صَيْفِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِسَنَد صَحِيح وَفِيه قصر وَالْأول رَوَاهُ أَيْضا أَبُو دَاوُد من حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنْهُمَا والْحَدِيث مَجْمُوع الطَّرفَيْنِ يَنْتَهِي إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة القوية وَهُوَ وَإِن كَانَ خبر وَاحِد لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن فيلتقي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لِأَنَّهَا ظنية وَقد احْتج جمَاعَة من الْأَئِمَّة بأدلة أُخْرَى لَا تَخْلُو عَن اعْتِرَاض مُؤثر فنذكرها وَمَا يرد عَلَيْهَا أَحدهَا لَو كَانَت الْوَاو للتَّرْتِيب لَكَانَ قَول الْقَائِل رَأَيْت زيدا وعمرا بعده تَكْرَارا لِأَن بعدية رُؤْيَة عَمْرو علمت من الْوَاو على تَقْدِير أَنَّهَا للتَّرْتِيب وَلَا يعد
النَّاس ذَلِك تَكْرَارا فَلَا يكون الْوَاو للتَّرْتِيب وَثَانِيها أَنه يلْزم أَيْضا من جعلهَا للتَّرْتِيب أَن يكون قَول الْقَائِل رَأَيْت زيدا وعمرا قبله متناقضا لِأَن الْوَاو تَقْتَضِي نقيض مَا تَقْتَضِيه قبل وَلَا يعد هَذَا الْكَلَام تناقضا وَثَالِثهَا أَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ اشْتَرِ خبْزًا وَلَحْمًا وائت بزيد وَعَمْرو وَنَحْو ذَلِك فالاتفاق على أَنه لَا يجب عَلَيْهِ مُرَاعَاة التَّرْتِيب فِي الشِّرَاء والإتيان على حسب مَا تَقْتَضِيه الْوَاو لَو كَانَت للتَّرْتِيب وَرَابِعهَا وَقد عول عَلَيْهِ جمَاعَة من النُّحَاة أَن وَاو الْعَطف فِي الْأَسْمَاء الْمُخْتَلفَة كواو الْجمع فِي الْأَسْمَاء المتفقة فَالْأَصْل فِي الْجمع أَن يُؤْتى بالأسماء منسوقة نَحْو زيد وَزيد وَزيد لكنه قيل الزيدون تَخْفِيفًا واختصارا وواو الْجمع لَا يُفِيد ترتيبا اتِّفَاقًا فَكَذَلِك وَاو الْعَطف لَا يفِيدهُ أَيْضا وخامسها أَن الْجمع الْمُطلق معنى مَعْقُول تمس الْحَاجة إِلَى التَّعْبِير عَنهُ فَالظَّاهِر أَن الْوَاضِع وضع لَهُ لفظا وَلَيْسَ ذَلِك غير الْوَاو بِالْإِجْمَاع فَتكون هِيَ الْمَوْضُوعَة لذَلِك وسادسها أَن الْوَاو أفادت التَّرْتِيب لدخلت فِي جَوَاب الشَّرْط وَلَا يَصح دُخُولهَا فِيهِ فَلَا يُقَال إِن قَامَ زيد وأكرمه كَمَا يُقَال إِن قَامَ زيد فَأكْرمه فَلَمَّا لم يَصح ذَلِك لم تكن للتَّرْتِيب وَاعْترض على الأول أَنه إِن أَرَادَ التاكرار من غير فَائِدَة فالملازمة مَمْنُوعَة فَإِنَّهُ لم يخل عَن فَائِدَة وَهِي رفع احْتِمَال توهم الْمجَاز كَمَا فِي الْأَلْفَاظ الْمُؤَكّدَة فَإِن الْقَائِل جَاءَ الْقَوْم يُفِيد مَجِيء كلهم لما تَقْتَضِيه الْألف
وَاللَّام من الِاسْتِغْرَاق فَقَوله بعد ذَلِك كلهم وأجمعون تَأْكِيد لرفع توهم الْمجَاز وَأَنه أَرَادَ بالقوم بَعضهم فَكَذَلِك هُنَا جَاءَ بقوله بعده تَأْكِيدًا لرفع توهم أَنه أَرَادَ الْمَعِيَّة تجوزا فَلم تخل عَن فَائِدَة وَإِن أَرَادَ التّكْرَار مَعَ الْفَائِدَة فَلَا نسلم بطلَان اللَّازِم وَذَلِكَ ظَاهر وعَلى الْوَجْه الثَّانِي يمْنَع لُزُوم التَّنَاقُض وَإِنَّمَا يلْزم لَو لم تكن كلمة قبله قرينَة لارادة جِهَة التَّجَوُّز فِي تِلْكَ الصُّورَة كَمَا فِي قَول الْقَائِل رَأَيْت أسدا يَرْمِي وعَلى الثَّالِث بِأَن أَمْثَال هَذِه القضايا الْعُرْفِيَّة متعارضة وَإِنَّمَا لم يحمل مَا تقدم على التَّرْتِيب لقِيَام الْقَرِينَة الدَّالَّة على أَن مُرَاد السَّيِّد الْجمع بَين شرائهما على أَي وَجه كَانَ وَكَذَلِكَ بَين مَجِيء من طلبهما وَقد تقدم قرينَة تَقْتَضِي التَّرْتِيب كَمَا إِذا قَالَ السَّيِّد لعَبْدِهِ اسْقِنِي مَاء واشتر كَذَا أَو اسْقِنِي واطلب فلَانا فَإِن الْقَرِينَة هُنَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب بَين الشَّيْئَيْنِ وَتَقْدِيم سقيه لَا لمدلول الْوَاو وَأَنَّهَا اقْتَضَت ذَلِك بل لقَرِينَة الْعَطش المحوج إِلَى تَقْدِيم السَّقْي فَالْحق أَنه لَا يحْتَج بِشَيْء من هَذِه القضايا الْعُرْفِيَّة على أحد هذَيْن الطَّرفَيْنِ وعَلى الْوَجْه الرَّابِع بِأَن تَشْبِيه الشي بالشَّيْء لَا يَقْتَضِي اشتراكهما فِي كل الْأُمُور بل يَكْفِي اشتراكهما فِي أهمها وَكَذَلِكَ هُنَا فَإِنَّهُ لَا مَانع من كَون الْوَاو العاطفة جَارِيَة مجْرى وَاو الْجمع مَعَ كَونهَا مُخْتَصَّة بالترتيب كَمَا فِي الْفَاء وَثمّ كَيفَ وَإِن الْوَاو العاطفة تَقْتَضِي التَّشْرِيك فِي الْإِعْرَاب إِمَّا بِنَفسِهَا أَو بتسليط الْفِعْل الَّذِي قبلهَا أَو بإضمار فعل بعْدهَا على الْخلاف الْمُتَقَدّم
وواو الْجمع لَا تَقْتَضِي شَيْئا من ذَلِك فَدلَّ على أَنَّهَا لَيست بالسواء فِي جَمِيع الْأُمُور وعَلى الْخَامِس بِأَنَّهُ مُقَابل بِمثلِهِ وَهُوَ أَن التَّرْتِيب الْمُطلق أَيْضا معنى مَعْقُول تمس الْحَاجة إِلَى التَّعْبِير عَنهُ وَلَيْسَ إِلَّا بِالْوَاو فَتكون مَوْضُوعَة لَهُ وعَلى السَّادِس أَن الْفَاء الدَّاخِلَة عل جَوَاب الشَّرْط لَيست العاطفة حَتَّى يلْزم قيام الْوَاو مقَامهَا إِذا كَانَت للتَّرْتِيب بل هِيَ رابطة بَين الشَّرْط وَالْجَزَاء وَلَو سلم بطرِيق التنازل أَنَّهَا العاطفة فينتقض مَا ذَكرُوهُ بثم فَإِنَّهَا لَا تدخل على جَوَاب الشَّرْط فَلَا يدل عدم دُخُول الْوَاو فِيهِ على شَيْء
11 -