الفرج بعد الشدةصفحات 396-404
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الذي بين الله والناس لا يغلق

صفحات 396-404

بين زياد وأحد قعدة الخوارج

وذكر المدائني في كتابه، قال: أرسل زياد إلى رجل من قعدة الخوارج، من بني تميم، فاستدعاه، فأتاه خائفا.

فقال له زياد: ما منعك من إتياني؟ فقال له: قدمت علينا، فقلت لا أعدكم خيرا ولا شرا إلا وفيت به وأنجزته، وقلت: من كف يده ولسانه لم أعرض له، فكففت يدي ولساني، وجلست في بيتي، فأمر له بصلة، فخرج والناس لا يشكون في أنه يقتله.

فقالوا له: ما قال لك الأمير؟ فقال: ما كلكم أستطيع أن أخبره بما كان بيننا، ولكني وصلت إلى رجل لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فرزق الله منه خيرا.

الحجاج يحبس رجلا لأنه شكا إليه أخاه محمدا عامل اليمن

وذكر المدائني في كتابه، قال: قدم رجل من أهل اليمن، على الحجاج، يشكو أخاه، محمد بن يوسف، فصادف الحجاج على المنبر، فقام إليه، فشكا أخاه محمدا، فأمر به الحجاج، فحبس.

فلما نزل عن المنبر، استدعاه وهو متغيظ عليه، فقال له: ما جرأك على أن ترفع على أخي؟ فقال له: أنا بالله، أعز من أخيك بك.

فقال الحجاج: خلوا سبيله.

الحجاج يأمر بتعذيب آزاد مرد

وذكر المدائني في كتابه، عن أبي المضرحي، وقد وجدته أنا، في غير موضع، عن المدائني، بما يقرب من هذه العبارة: أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرني الحرمي، عن الزبير، قال: أمر الحجاج محمد بن المنتشر بن الأجدع الهمداني، ابن أخي مسروق، أن يعذب آزاد مرد بن الفرند، فأخذه محمد.

فقال له آزاد مرد: أرى لك يا محمد، شرفا، ودينا، وإنا من أهل بيت لا نعطي على الذل شيئا، فارفق بي، واستأذن في.

فقال: أفعل.

فرفهه محمد، وأكرمه، فكان يؤدي إليه، في كل جمعة، ثلاث مائة ألف درهم.

فغضب الحجاج، وأمر معد، صاحب العذاب، أن يأخذه من محمد، فأخذه معد من محمد، فعذبه، ودق يديه ورجليه، فلم يعطه شيئا.

فقال محمد: فإني لأسير، بعد ثلاثة أيام، إذا به معترضا على بغل، مدقوق اليد والرجل.

فصاح بي: يا محمد.

فكرهت أن آتيه، فيبلغ الحجاج، فأقع معه في مكروه، ثم تذممت أن لا أدنو منه، فدنوت.

فقلت: حاجتك؟ فقال: إنك وليت مني مثل هذا، فأحسنت، ولي عند فلان مائة ألف درهم، فخذها منه برسالتي إليه.

فقلت: والله، لا أخذت منك شيئا، وأنت على هذه الحال.

فقال: أما إذ أبيت، فاستمع مني، أحدثك حديثا سمعته من أهل دينك، عن نبيك، سمعتهم يقولون، إنه قال: إذا أراد الله تعالى بالعباد خيرا، أمطرهم المطر في أوانه، واستعمل عليهم خيارهم، وجعل المال في سمحائهم، وإذا أراد بهم شرا، أمطرهم المطر في غير أوانه واستعمل عليهم شرارهم، ومول بخلاءهم، ثم مضى.

وأتيت منزلي، فما وضعت ثيابي حتى أتاني رسول الحجاج، وقد بلغه ما جرى.

فخفته خوفا شديدا، ووقعت في أمر عظيم، فأتيته وقد اخترط سيفه، وهو في حجره منتضى.

فقال لي: ادن.

فقلت: ما بي دنو، وفي حجر الأمير السيف.

فضحك، وقال: ما قال لك الخبيث؟ فقلت له: والله ما غششتك منذ استنصحتني، ولا خنتك منذ ائتمنتني، ولا كذبتك مذ صدقتني، وأخبرته بما قال.

فلما أردت ذكر الرجل الذي عنده المال، صرف وجهه عني، وقال: لا تسمه، لقد سمع عدو الله الأحاديث، انصرف راشدا.

فانصرفت آمنا، وقد زال خوفي.

المأمون يرضى عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي

حدثني أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، والحسين بن يحيى، عن حماد بن إسحاق الموصلي، عن أبيه، قال: أبو الفرج، وأخبرني يحيى بن علي بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن إسحاق، قال: أقام المأمون بعد دخوله بغداد عشرين شهرا، ولم يسمع حرفا من الأغاني، ثم كان أول من تغنى بحضرته أبو عيسى بن الرشيد أول مرة، ثم واظب على السماع متسترا، متشبها بالرشيد في أول أمره، فأقام المأمون كذلك أربع سنين، ثم ظهر للندماء والمغنين.

قال: إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وكان حين أحب السماع، سأل عني، فجرحت بحضرته، وقال الطاعن علي: ما يقول أمير المؤمنين في رجل يتيه على الخلفاء، ما بقي هذا من التيه شيئا إلا استعمله.

فأمسك عن ذكري، وجفاني من كان يصلني لسوء رأيه في، فأضر ذلك بي، حتى جاءني علويه يوما، فقال لي: أتأذن لي في ذكرك

بحضرة المأمون، فإنا قد دعينا اليوم.

فقلت: لا، ولكن غنه بهذا الشعر، فإنه يبعثه على أن يسألك لمن هو؟ فإذا سألك انفتح لك ما تريده، وكان الجواب أسهل عليك من الابتداء.

قال: هات، فألقيت عليه لحني في شعري:

يا سرحة الماء قد سدت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود

لحائم حام حتى لا حيام به ... مشرد عن طريق الماء مطرود

قال أبو الفرج الأصبهاني: والغناء فيه لإسحاق الموصلي، رمل بالوسطى، عنه، وعن عمرو بن بانة.

رجع الحديث، قال: فمضى علويه، فلما استقر به المجلس، غناه بالشعر، الذي أمره به إسحاق.

فقال المأمون: ويلك يا علويه، لمن هذا الشعر؟ .

فقال: يا سيدي لعبد من عبيدك، جفوته، واطرحته، من غير ذنب.

فقال: إسحاق تعني؟ قال: نعم.

فقال: يحضر الساعة.

قال إسحاق: فجاءني رسول المأمون، فصرت إليه، فلما دخلت إليه استدناني، فدنوت منه، فرفع يديه إلي مادهما، فانكببت عليه، فاحتضنني بيديه، وأظهر من بري وإكرامي، ما لو أظهره صديق مؤانس لصديق، لسر به.

وقد ذكر القاضي أبو الحسين هذا الخبر، في كتابه بغير إسناد، وبأقل من هذا الشرح، والمعني متقارب.

فصول الكتاب · 6 فصل · 404 صفحة
جارٍ التحميل