الفرج بعد الشدةصفحات 99-108
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الأول

صفحات 99-108

من يتوكل على الله فهو حسبه

ووجدت في كتاب أبي الفرج المخزومي عبد الواحد بن نصر، عن أبي القاسم عبد الرحمن بن العباس، قال: حدثني أبو ساعدة بن أبي الوليد بن أحمد بن أبي دؤاد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا إبراهيم بن رباح، قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد، قال: حدثنا الواثق، قال: حدثنا المعتصم:

أن قوما ركبوا البحر، فسمعوا هاتفا يهتف بهم، من يعطيني عشرة آلاف دينار حتى أعلمه كلمة، إذا أصابه غم، أو أشرف على هلاك، فقالها، انكشف ذلك عنه.

فقام رجل من أهل المركب، معه عشرة آلاف دينار، فصاح: أيها الهاتف أنا أعطيك عشرة آلاف ينار، وعلمني.

فقال: ارم بالمال في البحر، فرمى به، وهو بدرتان فيهما عشرة آلاف دينار.

فسمع الهاتف يقول: إذا أصابك غم، أو أشرفت على هلكة، فاقرأ:] ومن يتق الله يجعل له مخرجا ﴿٢﴾ ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ﴿٣﴾[سورة الطلاق: ٢-٣] .

فقال جميع من في المركب للرجل: لقد ضيعت مالك.

فقال: كلا، إن هذه لعظة ما أشك في نفعها.

قال: فلما كان بعد أيام، كسر بهم المركب، فلم ينج منهم أحد غير ذلك الرجل، فإنه وقع على لوح.

فحدث بعد ذلك، قال: طرحني البحر على جزيرة، فصعدت أمشي فيها، فإذا بقصر منيف، فدخلته، فإذا فيه كل ما يكون في البحر من الجواهر وغيرها، وإذا بامرأة لم أر قط أحسن منها.

فقلت لها: من أنت وأي شيء تعملين هاهنا؟ قالت: أنا بنت فلان بن فلان التاجر بالبصرة، وكان أبي عظيم التجارة، وكان لا يصبر عني، فسافر بي معه في البحر، فانكسر مركبنا، فاختطفت، حتى حصلت في هذه الجزيرة، فخرج إلى شيطان من البحر، يتلاعب بي سبعة أيام، من غير أن يطأني، إلا أنه يلامسني، ويؤذيني، ويتلاعب بي

ثم ينظر إلي، ثم ينزل إلي البحر سبعة أيام، وهذا يوم موافاته، فاتق الله في نفسك واخرج قبل موافاته، وإلا أتى عليك.

فما انقضى كلامها حتى رأيت ظلمة هائلة، فقالت: قد والله جاء، وسيهلكك.

فلما قرب مني، وكاد يغشاني، قرأت الآية، فإذا هو قد خر كقطعة جبل، إلا أنه رماد محترق.

فقالت المرأة: هلك والله، وكفيت أمره، من أنت يا هذا الذي من الله علي بك؟ فمت أنا وهي، فانتخبنا ذلك الجوهر، حتى حملنا كل ما فيه من نفيس وفاخر، ولزمنا الساحل نهارنا أجمع، فإذا كان الليل، رجعنا إلى القصر.

قال: وكان فيه ما يؤكل، فقلت لها: من أين لك هذا؟ فقالت: وجدته ها هنا.

فلما كان بعد أيام رأينا مركبا بعيد، فلوحنا إليه، فدخل، فحملنا، فسلمنا الله تعالى إلى البصرة، فوصفت لي منزل أهلها، فأتيتهم.

فقالوا: من هذا؟ فقلت: رسول فلانة بنت فلان.

فارتفعت الواعية، وقالوا: يا هذا لقد جددت علينا مصابنا.

فقلت: اخرجوا، فخرجوا.

فأخذتهم حتى جئت بهم إلى ابنتهم، فكادوا يموتون فرحا، وسألوها عن خبرها، فقصته عليهم.

وسألتهم أن يزوجوني بها، ففعلوا، وحصلنا ذلك الجوهر رأس مال بيني وبينها.

وأنا اليوم أيسر أهل البصرة، وهؤلاء أولادي منها.

المعلي بن أيوب الكاتب يتخلص من الفضل ابن مروان بدعاء دعا به

وذكر أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري، في كتابه، كتاب الوزراء، أن المعلي بن عبد الله بن المعلى بن أيوب، حدثه عن أبيه، قال: قال لي المعلي بن أيوب: أعنتني الفضل بن مروان، ونحن في بعض الأسفار وطالبني بعمل طويل

يعمل في مدة بعيدة، واقتضانيه في كل يوم مرارا، إلى أن أمرني عن المعتصم بالله أن لا أبرح إلا بعد الفراغ منه.

فقعدت في ثيابي، وجاء الليل، فجعلت بين يدي نفاطة، وطرح غلماني

أنفسهم حولي، وورد علي هم عظيم، لأنني قلت: ما تجاسر على أن يوكل بي إلا وقد وقف على سوء رأي في من المعتصم.

فإني لجالس، وذقني علي يدي، وقد مضى الليل، وأنا متفكر، فحملتني عيناي، فرأيت كأن شخصا قد مثل بين يدي، وهو يقول: ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين ﴿٦٣﴾ قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب﴾ [الأنعام: ٦٣-٦٤] .

ثم انتبهت، فإذا أنا بمشعل قد أقبل من بعيد، فلما قرب مني كان وراءه محمد بن حماد دنقش صاحب الحرس، وقد أنكر نفاطتي، فجاء يعرف

سببها، فأخبرته خبري.

فمضى إلى المعتصم، فأخبره، فإذا الرسل يطلبوني، فدخلت إليه، وهو قاعد، ولم يبق بين يديه من الشع إلا أسفله.

فقال لي: ما خبرك؟ فشرحته له.

فقال: ويلي على النبطي، يمتهنك، وأي يد له عليك، أنت كاتبي، كما هو كاتبي، انصرف.

فلما وليت، ردني، واستدناني، ثم قال لي: تمضي مديدة، ثم ترى فيه ما تحب.

قال: فانصرفت، وبكرت إلى الفضل على عادتي، لم أنكر شيئا.

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل

وحدثني أبو الفضل محمد عبد الله بن المرزبان الشيرازي الكاتب، في المذاكرة، في خبر طويل، لست أقوم على حفظه: أن رجلا كانت بينه وبين رجل متمكن من أذاه عداوة، فخافه خوفا شديدا، وأهمه أمره، ولم يدر ما يصنع.

فرأى في منامه، كان قائلا يقول له: اقرأ في كل يوم، في إحدى ركعتي صلاة الفجر، ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل إلى آخر السورة.

قال: فقرأتها، فما مضت إلا شهور، حتى كفيت أمر ذلك العدو، وأهلكه الله تعالى، فأنا أقرؤها إلى الآن.

قال مؤلف هذا الكتاب: دفعت أنا إلى شدة لحقتني شديدة، من عدو، فاستترت منه، فجعلت دأبي قراءة هذه السورة في الركعة الثانية من صلاة الفجر، في كل يوم، وأنا أقرأ في الأولة منها: ألم نشرح لك صدرك إلى آخر السورة، لخبر كان بلغني أيضا فيها، فلما كان بعد شهور، كفاني الله أمر ذلك العدو، وأهلكه الله من غير سعي لي في ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأنا أقرؤها في ركعتي الفجر إلى الآن.

إذا ضاق بك الصدر ففكر في ألم نشرح

وأما الخبر في: ألم نشرح لك صدرك، فإن أبا بكر بن شجاع، المقرئ البغدادي، الذي كان يخلفني على العيار في دار الضرب بسوق الأهواز، في سنة ست وأربعين وثلاث مائة، وكان خازن المسجد الجامع بها، وكان شيخا محدثا ثقة نبيلا، من أمناء القاضي الأحنف، وهو محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن أبي الشوارب، حدثنا بإسناد له ذكره، لم أحفظه، ولا المتن بلفظه، وبعد عن يدي إخراجه من الأصل، وقد تحريت مقاربة اللفظ بجهدي، ولعله يزيد أو ينقص: أن بعض الصالحين، ألح عليه الغم، وضيق الصدر، وتعذر الأمور، حتى كاد يقنط، فكان يوما يمشي، وهو يقول:

أرى الموت لمن أمسى ... على الذل له أصلح

فهتف به هاتف، يسمع صوته، ولا يرى شخصه، أو أري في النوم، أنا الشاك، كأن قائلا يقول:

ألا يأيها المرء ... الذي الهم به برح

إذا ضاق بك الأمر ... ففكر في ألم نشرح

قال: فواصلت قراءتها في صلاتي، فشرح الله صدري، وأزال همي وكربي، وسهل أمري، أو كما قال: وحدثني غيره بهذه الخبر، على قريب من هذا، وزادني في الشعر:

فإن العسر مقرون ... بيسرين فلا تبرح

وقد ذكر القاضي أبو الحسين، في كتابه: (كتاب الفرج بعد الشدة) البيتين المتصلين فقط، وقال في الآخر منهما: إذا أعضلك الأمر، ولم يذكر لهما خبرا، ويروى أيضا: إذا لج بك الأمر.

وروى غيره البيتين الأولين لأبي العتاهية، في غير حديث له.

فصول الكتاب · 6 فصل · 404 صفحة
جارٍ التحميل