من بشر بفرج من نطق فال ونجا من محنة بقول أو دعاء أو ابتهال
أعرابية ذهب البرد بزرعها فعوضت خيرا
أخبرني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي بالبصرة سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة، قراءة عليه وأنا أسمع عن البرقي، قال: رأيت امرأة بالبادية، وقد جاء البرد فذهب بزرع كان لها، فجاء الناس يعزونها، فرفعت طرفها إلى السماء، وقالت: اللهم أنت المأمول لأحسن الخلف، وبيدك التعويض عما تلف، فافعل بنا ما أنت أهله، فإن أرزاقنا عليك، وآمالنا مصروفة إليك.
قال: فلم أبرح، حتى جاء رجل من الأجلاء، فحدث بما كان، فوهب لها خمس مائة دينار.
المعتضد يتخلص من سجنه ويبطش بالوزير إسماعيل بن بلبل
وحدثني أبي في المذاكرة، من لفظه وحفظه، ولم أكتبه عنه في الحال، وعلق بحفظي، والمعنى واحد، ولعل اللفظ يزيد أو ينقص، عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن حمدون، لا أظن إلا أنه هو سمعه منه أو حدثه من سمعه من عبد الله بن أحمد بن حمدون، نديم المعتضد بالله، عن المعتضد، أنه قال:
لما ضرب إسماعيل بن بلبل بيني وبين أبي الموفق، فأوحشه مني، حتى حبسني الحبسة المشهورة، وكنت أتخوف القتل صباحا ومساء، ولا آمن أن يرفع إسماعيل عني، ما يزيد في غيظ الموفق علي، فيأمر بقتلي.
فكنت كذلك، حتى خرج الموفق إلى الجبل، فازداد خوفي.
وأشفقت أن يحدثه عني إسماعيل بكذب، فيجعل غيبته طريقا إليه، فلا يكشفه، ويأمر بقتلي، فأقبلت على الدعاء، والتضرع إلى الله، والابتهال في تخليصي.
وكان إسماعيل يجيئني في كل يوم، مراعيا خبري، يريني أن ذلك خدمة لي.
فدخل إلى يوما: وبيدي المصحف، وأنا أقرأ، فتركته، وأخذت أحادثه.
فقال: أيها الأمير، أعطني المصحف لأتفاءل لك به، فلم أجبه بشيء.
فأخذ المصحف، ففتحه، فكان في أول سطر منه: ﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون﴾ [الأعراف: ١٢٩]، فاسود وجهه، واربد، وخلط الورق.
وفتحه الثانية، فخرج ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين﴾ [القصص: ٥] إلى قوله: ﴿يحذرون﴾ [القصص: ٦]، فازداد قلقا واضطرابا.
وفتحه الثالث: فخرج ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾ [النور: ٥٥] .
فوضع المصحف من يده، وقال: أيها الأمير، أنت والله الخليفة، بغير شك، فما حق بشارتي؟ فقلت: الله، الله، في أمري، احقن دمي، أسأل الله أن يبقي أمير المؤمنين، والأمير الناصر، وما أنا وهذا؟ ومثلك في عقلك، لا يطلق مثل هذا القول بمثل هذا الاتفاق، فأمسك عني.
وما زال يحدثني، ويخرجني من حديث، ويدخلني في غيره، إلى أن جرى حديث ما بيني وبين أبي، فأقبل يحلف لي بأيمان غليظة، أنه لم يكن له في أمري صنع، ولا سعاية بمكروه، فصدقته، ولم أزل أخاطبه بما تطيب به نفسه، خوفا من أن تزيد وحشته، فيسرع في التدبير لتلفي، إلى أن انصرف.
ثم صار إلي بعد ذلك، وأخذ في التنصل والاعتذار، وأنا أظهر له التصديق والقبول، حتى سكن، ولم يشك أني معترف ببراءة ساحته.
فما كان بأسرع من أن جاء الموفق من الجبل، وقد اشتدت عليه، ومات، فأخرجني الغلمان من الحبس، فصيروني مكانه، وفرج الله عني، وقاد الخلافة إلي، ومكنني من عدوي إسماعيل بن بلبل، فأنفذت حكم الله فيه
قال الواثق: لا أترك من يرجو الفرج يموت في حبسي
وحدثني علي بن هشام الكاتب، قال: سمعت أبا عبد الله الباقطائي، يقول: سمعت عبيد الله بن سليمان، يقول في وزارته: قال: لي أبي: كنت يوما في حبس محمد بن عبد الملك الزيات،
في خلافة الواثق، آيس ما كنت من الفرج، وأشد محنة وغما، حتى وردت علي رقعة أخي الحسن بن وهب، وفيها شعر له:
محن أبا أيوب أنت محلها ... فإذا جزعت من الخطوب فمن لها
إن الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره فيك يحسن حلها
فاصبر فإن الله يعقب فرجة ... ولعلها أن تنجلي ولعلها
وعسى تكون قريبة من حيث لا ... ترجو وتمحو عن جديدك ذلها
قال: فتفاءلت بذلك، وقويت نفسي، فكتبت إليه:
صبرتني ووعظتني وأنالها ... وستنجلي بل لا أقول لعلها
ويحلها من كان صاحب عقدها ... ثقة به إذ كان يملك حلها
قال: فلم أصل العتمة ذلك اليوم، حتى أطلقت، فصليتها في داري، ولم يمض يومي ذاك، حتى فرج الله عني، وأطلقت من حبسي.
وروي أن هاتين الرقعتين وقعتا بيد الواثق، الرسالة والجواب، فأمر بإطلاق
سليمان، وقال والله، لا تركت في حبسي من يرجو الفرج، ولا سيما من خدمني، فأطلقه على كره من ابن الجراح الزيات لذلك
بين الحسن البصري والحجاج بن يوسف الثقفي
وحدثني بعض شيوخنا، بإسناد ذهب عني حفظه، وبلغني عن صالح بن مسمار، فجمعت بين الخبرين: أن الحسن البصري دخل على الحجاج بواسط، فلما رأي بناءه، قال: الحمد لله، أن هؤلاء الملوك ليرون في أنفسهم عبرا، وأنا لنرى فيهم عبرا، يعمد أحدهم إلى قصر فيشيده، وإلى فرش فيتخذه، وقد حف به ذباب طمع، وفراش نار، ثم يقول: ألا فانظروا ما صنعت، فقد رأينا، يا عدو الله، ما صنعت، فماذا يا أفسق الفسقة، ويا أفجر الفجرة، أما أهل السماء فلعنوك، وأما أهل الأرض فمقتوك.
ثم خرج وهو يقول: إنما أخذ الله الميثاق على العلماء، ليبيننه للناس، ولا يكتمونه.
فاغتاظ الحجاج غيظا شديدا، ثم قال: يا أهل الشام، هذا عبيد أهل البصرة يشتمني في وجهي فلا ينكر عليه أحد، على به، والله لأقتلنه.
فمضى أهل الشام، فأحضروه، وقد أعلم بما قال:، فكان في طريقه يحرك شفتيه بما لا يسمع.
فلما دخل على الحجاج، رأى السيف والنطع بين يديه وهو متغيظ، فلما وقعت عليه عين الحجاج، كلمه بكلام غليظ، ورفق به الحسن، ووعظه.
فأمر الحجاج بالسيف والنطع فرفعا، ثم لم يزل الحسن يمر في كلامه إلى أن دعا الحجاج بالطعام، فأكلا، وبالوضوء فتوضأ، وبالغالية فغلفه بيده، ثم صرفه مكرما.
وقال صالح بن مسمار: قيل للحسن بن أبي الحسن: بم كنت تحرك شفتيك؟ قال: قلت: يا غياثي عند دعوتي، ويا عدتي في ملمتي، ويا ربي عند كربتي، ويا صاحبي في شدتي، ويا وليي في نعمتي، ويا إلهي، وإله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وموسى، وعيسى، ويا رب النبيين كلهم أجمعين، ويا رب كهيعص، وطه، وطس، ويس، ورب القرآن الحكيم يا كافي موسى فرعون، ويا كافي محمد الأحزاب، صل على محمد وآله الطيبين الطاهرين الأخبار، وارزقني مودة عبدك الحجاج، وخيره، ومعروفه، واصرف عني أذاه، وشره، ومكروهه، ومعرته.
فكفاه الله تعالى شره بمنه وكرمه.
قال: صالح: فما دعونا بها في شدة إلا فرج عنا.
دعاء دعا به الحسن بن الحسن ففرج الله عنه
وجدت في بعض الكتب، بغير إسناد: كتب الوليد بن عبد الملك بن مروان إلى صالح بن عبد الله المزني، عامله على المدينة، أن أنزل الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فاضربه في مسجد رسول صلى الله عليه وآله وسلم، خمس مائة سوط.
قال: فأخرجه صالح إلى المسجد، ليقرأ عليهم كتاب الوليد بن عبد الملك، ثم ينزل فيضرب الحسن، فبينما هو يقرأ الكتاب، إذ جاء علي بن الحسين عليهما السلام، مبادرا يريد الحسن، فدخل والناس معه إلى المسجد، واجتمع الناس، حتى انتهى إلى الحسن، فقال له: يابن عم، ادع بدعاء الكرب.
فقال: وما هو يابن عم؟ قال: قل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله الله العلي العظيم، سبحان الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.
قال: وانصرف علي، وأقبل الحسن يكررها دفعات كثيرة.
فلما فرغ صالح من قراءة الكتاب ونزل عن المنبر، قال للناس: أرى سحنة رجل مظلوم، أخروا أمره حتى أراجع أمير المؤمنين، وأكتب في أمره.
ففعل ذلك، ولم يزل يكاتب، حتى أطلق.
قال: وكان الناس يدعون، ويكررون هذا الدعاء، وحفظوه.
قال: فما دعونا بهذا الدعاء في شدة إلا فرجها الله عنا بمنه.
حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني محمد بن سعيد، قال: حدثنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان المري: خذ الحسن بن الحسن، فاجلده مائة جلدة، وقفه للناس يوما، ولا أراني إلا قاتله.
قال: فبعث إليه فجيء به وبالخصوم بين يديه.
فقام إليه علي بن الحسين عليه السلام، فقال: يا أخي تكلم بكلمات الفرج يفرج الله عنك.
قال: ما هن؟ قال: قل: لا إله إلا الله الحكيم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم،
سبحان الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.
قال: فقالها، فأنفذ، فرده، وقال: أنا أكاتب أمير المؤمنين بعذره، فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
ووجدت هذا الخبر، بأعلى وأثبت من هذين الطريقين، حدثنا أبو العباس
محمد بن أحمد الأثرم المقرئ، قال: حدثنا أحمد بن الربيع اللجمي الجرار الكوفي، قال: حدثنا الحسين بن علي، يعني الجعفي، عن والده، عن قدامة، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني أبو مصعب، قال: كتب عبد الملك إلى عامله بالمدينة هشام بن إسماعيل: أن حسن بن حسن، كاتب أهل العراق، فإذا جاءك كتابي هذا، فابعث إليه الشرط، فليأتوا به.
قال: فأتي به، فسأله عن شيء.
فقام إليه علي بن الحسين عليهما السلام، فقال: يابن عم، قل كلمات الفرج، لا إله إلا الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين، قال: فقالها.
ثم إن الأمير نظر إلى وجهه، فقال: أرى وجها قد قرف بكذبة، خلوا سبيله فلأراجعن أمير المؤمنين فيه ٦٩
دعاء ينجي من المحنة
حدثني علي بن أبي الطيب، قال: حدثني ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، عن الفضل بن يعقوب، قال: حدثنا الفريابي، قال: لما أخذ أبو جعفر إسماعيل بن أمية، أمر به إلى الحبس، فرأى في طريقه على حائط مكتوبا: يا وليي في نعمتي، ويا صاحبي في وحدتي، ويا عدتي في كربتي، قال: فلم يزل يكررها حتى خلى سبيله، فاجتاز بذلك الحائط فإذا ليس عليه شيء مكتوب ٧٠
أجار حية فأرادت قتله فخلصه جميل صنعه
ويروى: أن حية استجارت برجل من العباد، من رجل يريد قتلها، قال: فرفع ذيله، وقال: ادخلي، فتطوقت على بطنه.
وجاء رجل بسيف، وقال له: يا رجل، حية هربت مني الساعة، أردت قتلها، فهل رأيتها؟ قال: ما أرى شيئا.
فلما أجارها، وانصرف من يريد قتلها، قالت له الحية: لا بد من قتلك.
فقال لها الرجل: ليس غنى عن هذا؟ قالت: لا.
قال: فأمهليني، حتى آتي سفح جبل، فأصلي ركعتين، وأدعو الله تعالى، وأحفر لنفسي قبرا، فإذا نزلته، فافعلي ما بدا لك.
قالت: افعل.
فلما صلى، ودعا، أوحى الله إليه: إني قد رحمتك، فاقبض على الحية، فإنها تموت في يدك، ولا تضرك.
ففعل ذلك، وعاد إلى موضعه، وتشاغل بعبادة ربه.
وروى هذا الخبر، جعفر العابد، برامهرمز، على غير هذه السياقة، إلا أن المعنى متقارب، فاوردت ما بلغني من ذلك، فقال:
قرأت في كتب الأوائل، أن حية أفلتت من يد طالب لها ليقتلها، وأنها سألت الرجل أن يخبأها، فخبأها في فمه، وأنكرها للطالب لها.
وحدثني عبد الله بن الحارث بن السراج الواسطي، قال: حدثني بعض أصحاب أبي محمد سهل بن عبد الله التستري، عنه، قال: كان في بني إسرائيل، رجل في صحراء قريبة من جبل، يعبد الله تعالى، إذ مثلت له حية، فقالت له: قد أرهقني من يريد قتلي، فأجرني، أجارك الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله.
قال لها: وممن أجيرك؟ قالت: من عدو يريد قتلي.
قال: وممن أنت؟ قالت: من أهل لا إله إلا الله.
قال: فأين أخبيك؟ قالت: في جوفك، إن كنت تريد المعروف.
ففتح فاه، وقال: ادخلي، ففعلت.
فلما جاء الطالب، قال له: رأيت حية تسعى؟ فقال العابد: ما أرى شيئا، وصدق في ذلك.
فقال له الطالب: الله.
فقال: الله.
فتركه، ومضى، ثم قال لها: اخرجي الآن.
فقالت: إني من قوم لا يكافئون على الجميل إلا بقبيح.
ثم ساق الحديث على قريب مما تقدم.
ووقع إلي الخبر بقريب من هذا المعنى، على خلاف هذه السياقة:
قرئ على أبي العباس الأثرم، المقرئ البغدادي، وهو محمد بن أحمد بن حماد بن إبراهيم بن ثعلب، في منزله بالبصرة، في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة، وأنا حاضر أسمع، حدثكم علي بن حرب الطائي الموصلي، قال: حدثنا جعفر بن المنذر الطائي العابد بمهروبان، قال: كنت عند سفيان بن عيينة، فالتفت إلى شيخ حاضر، فقال له: حدث القوم بحديث الحية.
فقال الرجل: حدثني عبد الجبار، أن حميد بن عبد الله خرج إلى متعبده، فمثلت بين يديه حية، وقالت له: أجرني أجارك الله في ظله.
قال: وممن أجيرك؟ قالت: من عدو يريد قتلي.
قال: فأين أخبئك؟ قالت: في جوفك.
ففتح فاه، فما استقرت، حتى وافاه رجل بسيف مجرد، فقال له: يا حميد أين الحية؟ قال: ما أرى شيئا.
فذهب الرجل، فأطلعت الحية رأسها، وقالت: يا حميد أتحس الرجل؟
فقال: لا، قد ذهب، فاخرجي.
قالت: اختر مني إحدى خصلتين، إما أن أنكتك فأقتلك، أو أفرث كبدك، فترميه من دبرك قطعا.
فقال: والله، ما كافيتني.
فقالت: قد عرفت العدواة التي بيني وبين أبيك آدم قديما، وليس معي مال فأعطيك ولا دابة فأحملك عليها.
فقال: أمهليني، حتى آتي سفح الجبل، وأحفر لنفسي قبرا.
قالت له: افعل.
فبينا هو يسير إذ لقيه فتى حسن الوجه، طيب الريح، حسن الثياب، فقال له: يا شيخ، ما لي أراك مستسلما للموت، آيسا من الحياة؟ قال: من عدو في جوفي يريد هلاكي.
فاستخرج من كمه شيئا فدفعه إليه وقال: كله.
قال: ففعلت ذلك، فوجدت مغصا شديدا، ثم ناولني شيئا آخر، فإذا بالحية سقطت من جوفي قطعا.
فقلت له: من أنت يرحمك الله؟ فما أحد أعظم علي منة منك، فقال: أنا المعروف، إن أهل السماء رأوا غدر هذه الحية بك، فسألوا الله عز وجل، أن يعيذك، فقال لي الله تعالى: يا معروف، أدرك عبدي، فإياي أراد بما صنع ٧١
أهدر عبد الملك دمه فدعا فأمنه وأحسن إليه
بلغني أنه جنى رجل جناية على عهد عبد الملك بن مروان، فأهدر دمه ودم من يؤويه، وأمر بطلبه، فتحاماه الناس كلهم.
فكان يسيح في الجبال والبراري، ولا يذكر اسمه، فيضاف اليوم واليومين، فإذا عرف طرد ولم يدع أن يستقر.
قال الرجل: فكنت أسيح يوما في بطن واد، فإذا بشيخ أبيض الرأس واللحية، عليه ثياب بياض، وهو قائم يصلي، فقنت إلى جنبه.
فلما سلم انفتل إلي، وقال لي: من أنت؟ قلت: رجل أخافني السلطان، وقد تحاماني الناس، فلم يجرني أحد من خلق الله تعالى، فأنا أسيح في هذه البراري، خائفا على نفسي.
قال: فأين أنت عن السبع؟ قلت: وأي سبع؟ قال: تقول: سبحان الله الإله الواحد، الذي ليس غيره أحد، سبحان الدائم الذي ليس يعادله شيء، سبحان الدائم القديم، الذي لا ند له ولا عديل، سبحان الذي يحيي ويميت، سبحان الذي هو كل يوم شأن، سبحان الذي خلق ما يرى، وما لا يرى، سبحان الذي علم كل شيء بغير تعليم، اللهم
إني أسألك بحق هذه الكلمات وحرمتهن، أن تفعل بي كذا وكذا، وأعادهن علي، فحفظتهن.
قال الرجل: وفقدت صاحبي، فألقى الله تعالى الأمن في قلبي، وخرجت من وقتي متوجها إلى عبد الملك، فوقفت ببابه، واستأذنت عليه، فلما دخلت عليه، قال: أتعلمت السحر؟ قلت: لا، يا أمير المؤمنين، ولكن كان من شأني كذا وكذا، وقصصت عليه القصة.
فأمنني، وأحسن إلي.
يا كاشف الضر بك استغاث من اضطر
وأخبرني صديق لي: أن بعض أصحابنا من الكتاب، دفع إلى محنة صعبة، فكان من دعائه: يا كاشف الضر، بك استغاث من اضطر.
قال: وقد رأيته نقش ذلك على خاتمه، وكان يردد الدعاء به، فكشف الله محنته عن قريب.
سليمان بن وهب يتخلص من حبسه بدعاء صادف استجابة
حدثني علي بن هشام، قال: سمعت أبا عبد الله حمد بن محمد القنائي، ابن أخت الحسن بن مخلد.
قال مؤلف هذا الكتاب: قال لي أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى، في كلام جرى بيننا، غير هذا، طويل: كان حمد بن محمد هذا، ابن الجراح عمة الحسن بن مخلد، وكان أبي عرفني أنه أشار على المقتدر بالله، وقد استشاره
فيمن يقلده الوزارة، قال: فأسميت له حمد بن محمد هذا، وأبا عيسى أخا أبي صخرة، وأبا زنبور، ومحمد بن علي بن الحسن المادرائيين.
قال: سمعت عبيد الله بن سليمان بن وهب، يقول: كان المتوكل، أغيظ الناس على إيتاخ، وذكر حديثا طويلا، وصف فيه كيف قبض المتوكل على إيتاخ وابنيه ببغداد، لما رجع من الحج، بيد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، قال فيه قال: سليمان بن وهب: ساعة قبض على إيتاخ ببغداد،
قبض علي بسر من رأى، وسلمت إلى عبيد الله بن يحيى.
وكتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم، بدخول سر من رأى، ليتقوى به على الأتراك، لأنه كان معه بضعة عشر ألفا، ولكثرة الطاهرية، بخراسان، وشدة شوكتهم.
فلما دخل إسحاق سامراء، أمر المتوكل بتسليمي إليه، وقال: هذا عدوي، ففصل لحمه عن عظمه، هذا كان يلقاني في أيام المعتصم، فلا يبدأني بالسلام، فأبدأه به لحاجتي إليه، فيرد علي كما يرد المولى على عبده، كل ما دبره إيتاخ، فعن رأيه.
فأخذني إسحاق، وقيدني بقيد ثقيل، وألبسني جبة صوف، وحبسني في
كنيف، وأغلق علي خمسة أبواب، فكنت لا أعرف الليل من النهار.
فأقمت على ذلك عشرين يوما، لا يفتح علي الباب إلا دفعة واحدة في كل يوم وليلة، يدفع إلى فيها خبز وملح جريش، وماء حار، فكنت آنس بالخنافس، وبنات وردان، وأتمنى الموت من شدة ما أنا فيه.
فعرض لي ليلة من الليالي، أن أطلت الصلاة، وسجدت، فتضرعت إلى الله تعالى، ودعوته بالفرج، وقلت في دعائي: اللهم، إن كنت تعلم أنه كان لي في دم نجاح بن سلمة صنع، فلا تخلصني مما أنا فيه، وإن كنت تعلم أنه لا صنع لي فيه، ولا في الدماء التي سفكت، ففرج عني.
فما استتممت الدعاء، حتى سمعت صوت الأقفال تفتح، فلم أشك أنه القتل، ففتحت الأبواب، وجيء بالشمع، وحملني الفراشون، لثقل حديدي.
فقلت لحاجبه: سألتك بالله، اصدقني عن أمري.
فقال: ما أكل الأمير اليوم شيئا، لأنه أغلظ عليه في أمرك، وذلك أن
أمير المؤمنين وبخه بسببك، وقال: سلمت إليك سليمان بن وهب تسمنه أو تستخرج ماله؟ فقال الأمير: أنا صاحب سيف، ولا أعرف المناظرة على الأموال ووجوهها، ولو قرر أمره على شيء لطالبته به.
فأمر أمير المؤمنين الكتاب بالاجتماع عند الأمير لمناظرتك، وإلزامك مالا يؤخذ به خطك، وتطالب به، وقد اجتمعوا، واستدعيت لهذا.
قال: فحملت إلى المجلس، فإذا فيه موسى بن عبد الملك، صاحب ديوان الخراج، والحسن بن مخلد، صاحب ديوان الضياع، وأحمد بن إسرائيل الكاتب، وأبو نوح عيسى بن إبراهيم، كاتب الفتح بن خاقان،
وداود بن الجراح، صاحب الزمام، فطرحت في آخر المجلس.
فشتمني إسحاق أقبح شتم، وقال: يا فاعل، يا صانع، تعرضني لاستبطاء أمير المؤمنين، والله، لأفرقن بين لحمك وعظمك، ولأجعلن بطن الأرض أحب إليك من ظهرها، أين الأموال؟ .
فاحتججت بنكبة ابن الزيات لي.
فبدرني الحسن بن مخلد، فقال: أخذت من الناس أضعاف ما أديت، وعادت يدك إلى كتبة إيتاخ، فأخذت ضياع السلطان، واقتطعها لنفسك، وحزتها سرقة إليك، وأنت تغلها ألفي ألف درهم، وتتزيا بزي الوزراء، وقد بقيت عليك من تلك المصادرة جملة لام تؤدها، وأخذت الجماعة تواجهني بكل قبيح، إلا موسى بن عبد الملك، فإنه كان ساكتا لصداقة كانت بيني وبينه.
فأقبل من بينهم على إسحاق، وقال: يا سيدي، أتأذن لي في الخلوة به لأفصل أمره؟ قال: افعل.
فاستدناني، فحملت إليه، فسارني، وقال: عزيز علي يا أخي حالك، وبالله لو كان خلاصك بنصف ما أملكه لفديتك به، ولكن صورتك قبيحة، وما أملك إلا الرأي، فإن قبلت مني، رجوت خلاصك، وإن
خالفتني، فأنت، والله، هالك.
قال: فقلت: لا أخالفك.
قال: الرأي أن تكتب خطك بعشرة آلاف ألف درهم، تؤديها في عشرة أشهر، عند انقضاء كل شهر ألف ألف درهم، وتترفه عاجلا مما أنت فيه.
فسكت سكوت مبهوت، فقال لي: ما لك؟ .
فقلت له: والله، ما أرجع إلى ربعها، إلا بعد بيع عقاري، ومن يشتري مني وأنا منكوب، وكيف يتوفر لي الثمن وأنا على هذه الحالة؟ .
فقال: أنا أعلم أنك صادق، ولكن احرس نفسك عاجلا بعظم ما تبذله، ويطمع فيه من جهتك، وأنا من وراء الحيلة لك في شيء أميل به رأي الخليفة من جهتك، يعود إلى صلاحك، والله المعين، ومن ساعة إلى ساعة فرج، ولا تتعجل الموت، ولو لم تستفد إلا الراحة مما أنت فيه يوما واحدا، لكفى.
قال: فقلت: لست أتهم ودك ولا رأيك، وأنا أفعل ما تقول.
فأقبل على الجماعة، وقال: يا سادتي، إني قد أشرت عليه أن يكتب خطه بشيء لا يطيقه، فضلا عما هو أكثر منه، ورجوت أن نعاونه بأموالنا وجاهنا، ليمشي أمره، وقد واقفته ليكتب بكذا وكذا.
فقالوا: الصواب له أن يفعل هذا.
فدعا لي بدواة وقرطاس، وأخذ خطي بالمال على نجومه، فلما أخذه، قام قائما، وقال لإسحاق: يا سيدي، هذا رجل قد صار عليه للسلطان، أعزه الله، مال، وسبيله أن يرفه، وتحرس نفسه، وينقل من هذه الحال
ويغير زيه، يرد جاهه، بإنزاله دارا كبيرة، وإخدامه بفرش وآلة حسنة، وإخدامه خداما بين يديه، ويمكن من لقاء من يؤثر لقاءه من معامليه، ومن يحب لقاءه من أهله وولده وحاشيته، ليجد في حمل المال الحال عليه، قبل محله، ونعينه نحن، ويبيع أملاكه، ويرتجع ودائعه ممن هي عنده.
فقال إسحاق: الساعة أفعل ذلك، وأبلغه جميع ما ذكرت، وأمكنه منه، ونهضت الجماعة.
فأمر إسحاق بفك حديدي، وإدخالي الحمام، وجاءني بخلعة حسنة، وطيب، وبخور، فاستعملته، واستدعاني، فلما دخلت عليه، نهض إلي، ولم يكن في مجلسه أحد، واعتذر إلى مما خاطبني به، وقال: أنا صاحب سيف، ومأمور، وقد لحقني اليوم من أجلك سماع كل مكروه، حتى امتنعت عن الطعام غما بأن أبتلى بقتلك، أو يعتب الخليفة علي من أجلك، وإنما خاطبتك بذلك، لإقامة عذر عند هؤلاء الأشرار، ليبلغوا الخليفة ذلك، وجعلته وقاية لك من الضرب والعذاب، فشكرته، وقلت ما حضرني من الكلام.
فلما كان من الغد، حولني إلى دار كبيرة، واسعة، حسنة، مفروشة، ووكل بي فيها، على إحسان عشرة وإجلال، فاستدعت كل من أريده، وتسامع بي أصحابي، فجاءوني وفرج الله عني.
ومضت سبعة وعشرون يوما، وقد أعددت ألف ألف درهم، مال النجم
الأول، وأنا أتوقع أن يحل، فأطالب، فأؤديه، فإذا بموسى بن عبد الملك قد دخل إلي، فقمت إليه، فقال: أبشر.
فقلت: ما الخبر يا سيدي؟ .
فقال: ورد كتاب عامل مصر، بمبلغ مال مصر لهذه السنة مجملا في مبلغ الحمل والنفقات، إلى أن ينفذ حسابه مفصلا، فقرأ عبيد الله ذلك على المتوكل، فوقع إلى ديواني بإخراج العبرة لمصر، ليعرف أثر العامل، فأخرجت ذلك من ديوان الخراج والضياع، لأن مصر تجري في ديوان الخراج والضياع وينفذ حسابها إلى الديوانين، كما قد علمت، وجعلت سنتك التي توليت فيها عمالة مصر، مصدرة، وأوردت بعدها السنين الناقصة عن سنتك، تلطفا في خلاصك، وجعلت أقول: النقصان في سنة كذا عن سنة كذا وكذا التي صدرناها، كذا وكذا ألفا.
فلما قرأ عبيد الله العمل على المتوكل، قال: فهذه السنة الوافرة، من كان يتولى عمالتها؟ .
فقلت أنا: سليمان بن وهب يا أمير المؤمنين.
فقال المتوكل: فلم لا يرد إليها؟
فقلت: وأين سليمان بن وهب؟ ذاك مقتول بالمطالبة، قد استصفي وافتقر.
فقال: تزال عنه المطالبة، ويعان بمائة ألف درهم، ويعجل إخراجه.
فقلت: وترد ضياعه يا أمير المؤمنين، ليرجع جاهه.
قال: ويفعل ذلك، وقد تقدم إلى عبيد الله بهذا، واستأذنته في إخراجك، فأذن لي، فقم بنا إلى الوزير، وقد كان دخل إلى إسحاق برسالة الخليفة بإطلاقي.
فخرجت من وقتي، ولم أؤد من مال النجم الأول حبة واحدة، ورددته إلى موضعه.
وجئت إلى عبيد الله، فوقع لي بمائة ألف درهم معونة على سفري، ودفع إلي عهدي على مصر، فخرجت إليها.
دعوة مستجابة
حدثني أبو بكر محمد بن إسحاق الأهوازي أحد شهود أبي بها.
عن مسرور بن عبد الله الأستادي، قال: حزبني أمر ضقت به ذرعا، فأتيت يحيى بن خالد الأزرق، وكان مستجاب الدعوة، فرآني مكروبا قلقا، فقال لي: ما شأنك؟ فقلت: دفعت إلى كيت وكيت.
فقال لي: استعن بالصبر، فإن الله وعد الصابرين خيرا.
فقلت له: ادع لي، فحرك شفتيه بشيء لا أعلم ما هو، فانصرفت على جملتي من القلق، فلما أصبحت أتاني الفرج بإذن الله تعالى.
قال مؤلف هذا الكتاب: ويحيى بن خالد هذا، هو جد عبد الله بن محمد بن يحيى الأهوازي الكاتب، وعبد الله هذا جدي لأمي.
دعاء لشفاء العلل
حدثني عبد الله بن أحمد بن داسة البصري، قال: اعتللت علة شديدة، أيست فيها من نفسي، على شدة كنت فيها، فعادني بعض أصحاب أبي محمد سهل بن عبد الله التستري، فقال: كان أبو محمد سهل، يدعو الله في علله، بدعاء ما دعا به أحد إلا عوفي.
فقلت: وما هو؟ فقال: قل: اللهم اشفني بشفائك، وداوني بدوائك، وعافني من بلائك.
قال: فواصلت الدعاء بذلك، فعوفيت.
غلام نازوك وكتاب العطف
حدثني أبو الحسن احمد بن يوسف الأزرق، بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول التنوخي، عن أبي الحسين بن البواب المقرئ، قال: كان يصحبنا على القرآن، رجل مستور صالح، يكنى أبا أحمد، وكان يكتب كتب العطف للناس، فحدثني يوما، قال: بقيت يوما بلا شيء، وأنا جالس في دكاني، وقد دعوت الله أن يسهل قوتي، فما استتممت الدعاء، حتى فتح باب دكاني غلام أمرد، حسن الوجه جدا، فسلم علي وجلس.
فقلت له: ما حاجتك؟ فقال: أنا عبد مملوك، وقد طردني مولاي، وغضب علي، وقال: انصرف عني إلى حيث شئت، وما أعددت لنفسي من أطرحها عليه في مثل هذا الوقت، ولا أعرف من أقصده، وقد بقيت متحيرا في أمري، وقيل لي إنك تكتب كتب العطف، فاكتب لي كتابا.
فكتب له الكتاب الذي كنت أكتبه، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم،
الحمد لله رب العالمين إلى آخر ال ﴿[، والمعوذتين، وسورة الإخلاص، و: الكرسي، و] لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون﴾ [الحشر: ٢١] . . . إلى آخر ال ﴿[، وكتبت آيات العطف، وهي:] لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم﴾ [سورة الأنفال: ٦٣] . . . الآية، ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم: ٢١] إلى آخر الآية، ﴿واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾ [آل عمران: ١٠٣] إلى آخر الآية.
وقلت له: خذ هذه الرقعة، فشدها على عضدك الأيمن، ولا تعلقها عليك إلا وأنت طاهر.
فأخذها وقام وهو يبكي، وطرح بين يدي دينارا عينا، فداخلتني له رحمة، فصليت ركعتين، ودعوت له أن ينفعه الله بكتاب، ويرد عليه قلب
مولاه، وجلست.
فما مضت إلا ساعتان، وإذا بأبي الجود، خليفة عجيب، غلام نازوك، وكان خليفته على الشرطة، قد جاءني، فقال لي: أجب الأمير نازوك، فارتعت.
فقال: لا بأس عليك، وأركبني بغلا، وجاء بي إلى دار نازوك، فتركني في الدهليز ودخل.
فلما كان بعد ساعة، أدخلت، فإذا نازوك جالس في دست عظيم، وبين يديه الغلمان قياما سماطين، نحو ثلاث مائة غلام وأكثر، وكاتبه الحسين جالس بين يديه، ورجل آخر لا أعرفه.
فارتعت، وأهويت لأقبل الأرض، فقال: مه، عافاك الله، لا تفعل، هذا من سنن الجبارين، وما نريد نحن هذا، اجلس يا شيخ، ولا تخف، فجلست.
فقال لي: جاءك اليوم غلام أمرد، فكتبت له كتابا للعطف؟ قلت: نعم.
قال: اصدقني عما جرى بينكما، حرفا، حرفا.
فأعدته عليه، حتى لم أدع كلمة، وتلوت عليه الآيات التي كتبتها.
فلما بلغت إلي قول الغلام: أنا عبد مملوك، وما أعددت لنفسي من أقصده في هذه الحال، ولا أعرف أحدا ألجأ إليه، وقد طردني مولاي، بكيت لما تداخلني من رحمة له، وأريته الدينار الذي أعطانيه، فدمعت عينا نازوك وتجلد، واستوفى الحديث.
وقال: قم يا شيخ، بارك الله عليك، ومهما عرضت لك من حاجة، أو لجار لك، أو صديق فسلنا إياها، فإنا نقضيها، وأكثر عندنا وانبسط في هذه الدار، فإنك غير محجوب عنها، فدعوت له وخرجت.
فلما صرت خارج باب المجلس، إذا بغلام قد أعطاني قرطاسا فيه ثلاث مائة درهم، فأخذته وخرجت.
فلما صرت في الدهليز، إذا بالفتي، فعدل بي إلى موضع وأجلسني.
فقلت: ما خبرك؟ فقال: أنا غلام الأمير، وكان قد طردني، وغضب علي، فلما أن جئتك، واحتبست عندك، طلبني، فرجعت مع رسله.
فقال لي: أين كنت؟ فصدقته الحديث، فلم يصدقني، وأمر بإحضارك، فلما اتفقنا في الحديث، وخرجت الساعة، أحضرني، وقال: يا بني، أنت الساعة من أجل غلماني عندي، وأمكنهم من قلبي، وأخصهم بي، إذ كنت لما غضبت عليك ما غيرك ذلك عن محبتي، والرغبة في خدمتي، وطلب الحيل في الرجوع إلي، وانكشف لي أنك ما أعددت لنفسك، بعد الله، سواي، ولا عرفت وجها تلجأ إليه في الدنيا غيري، فما ترى بعد هذا إلا كل ما تحب، وسأعلي منزلتك، وأبلغ بك أعلى مراتب نظرائك، ولعل الله سبحانه استجاب فيك دعاء هذا الرجل الصالح، ونفعك بالآيات، فبأي شيء كافأت الرجل؟ .
فقلت: ما أعطيته غير ذلك الدينار.
فقال: سبحان الله، قم إلى الخزانة، فخذ منها ما تريد، وأعطه.
فأخذت منها هذا القرطاس، وجئتك به، فخذه، وأعطاني أيضا خمس مائة درهم، وقال لي: الزمني، فإني أحسن إليك.
فجئته بعد مديدة، فإذا هو قائد جليل، وقد بلغ به نازوك تلك المنزلة، فوصلني بصلة جليلة، وصار لي عدة على الدهر وذخيرة.
جور أبي عبد الله الكوفي
حدثني محمد بن محمد المهندس، قال: حدثني أبو مروان الجامدي، قال: ظلمني أحمد بن علي بن سعيد الكوفي، وهو يتقلد واسط لناصر الدولة، وقد تقلد إمرة الأمراء ببغداد، وكنت أحد من ظلم، فظلمني، وأخذ من ضيعتي بالجامدة نيفا وأربعين كرا أرزا، بالنصف من حق الرقبة، بغير