الفرج بعد الشدةصفحات 351-354
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الرابع

صفحات 351-354

فلما ولي عبد الله مصر، ورد إليه تدبير الشام، علم الحصني أنه لا يفلت منه إن هرب، ولا ينجو من يده حيث حل، فثبت مكانه، وأحرز حرمه، وترك أمواله وكل ما يملكه في موضعه، وفتح باب حصنه، وهو يتوقع من عبد الله أن يوقع به.

قال: فلما شارفنا بلده، وكنا على أن نصبحه دعاني عبد الله في الليل، فقال: بت عندي، وليكن فرسك معدا، ففعلت، فلما كان في السحر، أمر غلمانه وأصحابه أن لا يرحلوا حتى تطلع الشمس، وركب هو أنا وخمسة من خواص غلمانه، وسار حتى صبح الحصني، فرأى بابه مفتوحا، ورآه جالسا مسترسلا، فقصده وسلم عليه، ونزل عنده.

وقال: ما أجلسك هاهنا، وحملك على أن تفتح بابك، ولم تتحصن من هذا الجيش المقبل، ولم تتنح عن عبد الله بن طاهر، مع علمك بما في نفسه منك، وما بلغه عنك؟ فقال: إن الذي قلت لم يذهب عني، ولكني تأملت أمري، وعلمت أني قد أخطأت عليه خطيئة حملني عليها نزق الشباب، وغرة الحداثة، وأني إن هربت منه لم أفته، فباعدت الحرم، واستسلمت بنفسي وبكل ما أملك، فإنا أهل بيت قد أسرع فينا القتل، ولي بمن مضى من أهلي أسوة، وأنا واثق بأن الرجل إذا قتلني، وأخذ مالي، شفى غيظه، فلم يتجاوز ذلك إلى الحرم، ولا له فيهن أرب، ولا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته.

فوالله، ما أجابه عبد الله إلا بدموعه تجري على لحيته، ثم قال له: أتعرفني؟ قال: لا والله.

قال: أنا عبد الله بن طاهر، وقد أمن الله روعك، وحقن دمك، وصان حرمك، وحرس نعمتك، وعفا عن ذنبك، وما تعجلت إليك وحدي، إلا

لتأمن، قبل هجوم الجيش، ولئلا يخالط عفوي عنك، روعة تلحقك.

فبكي الحصني، وقام فقبل يده، فضمه عبد الله إليه، وأدناه، ثم قال له: أما إنه لا بد من العتاب، يا أخي، جعلني الله فداك، قلت شعرا في قومي أفخر بهم، ولم أطعن فيه على نسبك، ولا ادعيت فضلا عليك، وفخرت بقتل رجل هو وإن كان من قومك، فهو من الذين ثأرك عندهم، وقد كان يسعك السكوت، وإن لم يسعك، أن لا تغرق ولا تسرف.

فقال: أيها الأمير، قد عفوت فاجعله عفوا لا يخالطه تثريب، ولا يكدر صفوه تأنيب.

قال: قد فعلت، فقم بنا ندخل إلى منزلك، حتى توجب علينا حقا وذماما بالضيافة.

فقام مسرورا فأدخلنا منزله، وأتانا بالطعام فأكلنا، وجلسنا نشرب في مستشرف له، وأقبل الجيش، فأمرني أن أتلقاهم فأرحلهم، ولا يتنزل أحد منهم إلا في المنزل، وكان على ثلاثة فراسخ من الحصن، فنزلت، فرحلتهم، وأقام عنده إلى العصر، ثم دعا بدواة، فكتب له بتسويغه خراجه ثلاث سنين.

ثم قال له: إن نشطت، فالحق بنا إلى مصر، وإلا فأقم بمكانك.

فقال: أتجهز، وألحق بالأمير.

ففعل، ولحق بنا، فلم يزل مع عبد الله، لا يفارقه، حتى رحل إلى العراق، فودعه، وأقام ببلده.

وحدثني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، بهذا الخبر، من لفظه وحفظه، وبخلاف هذا، قال: أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي، قال: حدثني أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: لما قال أبي قصيدته التي يقول فيها:

وأبي من لا نظير له ... من يسامي مجده قولوا

وذكر أبياتا من القصيدة، قال: الحصني الأموي قصيدة أولها:

لا يرعك القال والقيل ... كلما بلغت تمحيل

وذكر أبياتا من القصيدة يشتمه فيها، فلما ولي تلك النواحي، علم المسلمي أنه لا يفوته، فأقام ببلده، فلما قرب أبي من حصن مسلمة، أمر الجيش فنزلوا على فرسخ منه، ونزع من موضعه، مع عدة من غلمانه، فجاء إلى الحصن، فابتدأه وهو على باب داره، فسلم، ونزل.

فقال له: من أنت؟ قال: أنا محمد بن مسلمة القرشي الحصني.

قال: الذي هجوت آل طاهر.

قال: نعم أعزك الله.

قال: فلم فعلت ذلك، فوالله ما فخر القوم إلا بقتلهم رجلا من قبيل قتلكم وأفناكم، فما دخولك في هذا؟ قال: أطت الرحم وإن كانت مقطوعة، ولحقتني الرحمة والحمية،

وهو أمرني أن أقول، إذ قال: من يسامي مجده قولوا قال: فذكرنا ما عندنا.

قال: فلم لم تستتر من عبد الله بن طاهر وقد أظلك؟ قال: علمت أني لا أفوته، فجدت بنفسي، وصنت حرمي.

قال: أتعرفني؟ قال: أما في الحقيقة، فلا، ولكني أظنك من قواده.

قال: لا، بل أنا هو، وإنما سبقت إليك لئلا تراع، وقد أمنك الله، وأمن حرمك، فسلني حاجاتك.

قال: أما أنا أيها الأمير، فقد أجبتني عن قولي بفعلك، وأكذبت شعري بفضلك، وما لي بعدها حاجة، فإني في كفاف من معيشتي.

فاحتمل له خراجه، وقال له: إن شئت فأقم ببلدك، وإن شئت فكن معي.

قال: بل أقيم ببلدي، وأزور الأمير إذا نشط لي.

فأجابه إلى ذلك.

فصول الكتاب · 6 فصل · 404 صفحة
جارٍ التحميل