من استعطف غضب السلطان بصادق لفظ واستوقف مكروهه بموقظ بيان أو وعظ
بين المأمون وعمرو بن مسعدة
قرئ على أبي بكر محمد بن يحيى الصولي بالبصرة، وأنا حاضر أسمع، في كتابه الوزراء سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة، وقال:
حدثني علي بن محمد النوفلي: أن المأمون ذكر عمرو بن مسعدة، فاستبطأه في أشياء، وقال: أيحسب عمرو أني لا أعرف أخباره، وما يجبي إليه، وما يعامل به الناس، بلي والله، ثم يظن أنه لا يسقط علي منه شيء؟، وكان أحمد بن أبي خالد حاضرا لذلك، فمضى إلى عمرو، فأخبره بما قال المأمون.
فنهض من ساعته، ودخل إلى المأمون، فرمي بسيفه، وقال: أنا عائذ بالله من سخط أمير المؤمنين، وأنا أقل من أن يشكوني إلى أحد، أو يسر علي ضغنا
يظهر منه بكلامه ما ظهر.
فقال له المأمون: وما ذاك؟ فأخبره بما بلغه.
فقال: لم يكن الأمر كذلك، وإنما جرى معنى أوجب ذكر ما ذكرت، فقدمته قبل أن أخبرك به، وكان ذلك عزمي، وما لك عندي إلا ما تحب، فليفرخ روعك، وليحسن ظنك، وسكن منه حتى شكره، وجعل ماء الحياة يدور في وجهه.
فلما دخل أحمد بن أبي خالد إلى المأمون، قال: له: أشكو إليك من بحضرتي من خدمي وأهلي، أما لمجلسي حق ولا حرمة ليكتم ما يجري فيه، حتى يؤدى إلى عمرو بن مسعدة؟ فإنه قد أبلغ أشياء قلتها فيه واتهمت فيها بعض بني هاشم ممن كان حاضرا، وذلك أن عمرا دخل علي، وأعاد ما كان، فاعتذرت له بعذر لم يبن الحق نسجه، ولم يتسق القول مني فيه، وإن لسان الباطل، لعي الظاهر والباطن، وما نعش الباطل أحدا، قال له أحمد: لا يتهم أمير المؤمنين أحدا، أنا أخبرت عمرا.
قال: وما دعاك إلى ذلك؟ قال: الشكر لله، ولك لاصطناعك، والنصح لك والمحبة لتمام نعمتك على أوليائك وخدمك، وقد علمت أن أمير المؤمنين يحب استصلاح الأعداء والبعداء، فكيف بالأولياء والقرباء، ولاسيما مثل عمرو، في موضعه من الدولة، وموقعه من الخدمة، ومكانه من رأي أمير المؤمنين، فخبرته بما أنكره عليه، ليقوم أود نفسه، ويتلافى ما فرط منه، وإنما العيب لو أفشيت كلاما فيه لأمير المؤمنين سر، أو قدح على السلطان، أو نقض تدبير له.
فقال له: أحسنت والله يا أحمد، إذ كفيتني مخاضة الظن، وصدقتني عن نفسك، وأزلت التهمة عن غيرك.
المنصور العباسي يحشر العلويين جميعا إلى الكوفة ويتهددهم
١: ٣١٣ ٤٦ - أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: حدثني الحسن بن علي السلولي، قال: حدثني أحمد بن رشيد، قال: حدثني أبو معمر سعيد بن خثيم، قال: حدثني يونس بن أبي يعفور، قال: حدثني جعفر بن محمد، من فيه إلى أذني، قال: لما قتل إبراهيم بن عبد الله عليه السلام، بباخمرى، حشرنا من المدينة، فلم يترك منا فيها محتلم، حتى قدمنا الكوفة، فمكثنا فيها شهرا نتوقع القتل.
ثم خرج إلينا الربيع الحاجب، فقال: أين هؤلاء العلوية؟ أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم.
قال: فدخلت أنا إليه، والحسن بن زيد، فلما صرت بين يديه، قال لي: أنت الذي تعلم الغيب أنت الذي تعلم الغيب؟
قلت: لا يعلم الغيب إلا الله.
قال: أنت الذي يجبى إليك هذا الخراج؟ قلت: إليك يجبى يا أمير المؤمنين الخراج.
قال: أتدرون لم دعوتكم؟ قلت: لا.
قال: أردت أن أهدم رباعكم، وأغور قلبكم، وأعقر نخلكم، وأنزلكم بالسراة، فلا يجيئكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق، فإنهم لكم مفسدة.
فقلت: يا أمير المؤمنين، إن سليمان عليه السلام أعطي فشكر، وإن أيوب عليه السلام ابتلي فصبر، وإن يوسف عليه السلام ظلم فغفر، وأنت من ذلك السنخ.
قال: فتبسم، وقال أعد، فأعدت.
فقال: مثلك فليكن زعيم القوم، قد عفوت عنكم، ووهبت لكم جرم أهل البصرة، حدثني الحديث الذي حدثتني به عن أبيك، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت حدثني أبي، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: «صلة الرحم، تعمر الديار، وتطيل الأعمار، وتكثر العمار، وإن كانوا كفارا» قال: ليس هذا.
١: ٣١٤ ٤٧ - فقلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي، عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، أنه قال: " الأرحام معلقة بالعرش، تقول: صل من وصلني، واقطع من قطعني " قال: ليس هذا.
١: ٣١٥ ٤٨ - قلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: " إن الله تبارك وتعالى يقول: أنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته " قال: ليس هذا الحديث.
١: ٣١٥ ٤٩ - قلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: «إن ملكا من ملوك الأرض، كان بقي من عمره ثلاث سنين، فوصل رحمه، فجعلها الله عز وجل، ثلاثين سنة» قال: هذا الحديث أردت، أي البلاد أحب إليكم؟ فوالله، لأصلن رحمي اليوم.
قلنا: المدينة.
قال: فسرحنا إلى المدينة، وكفانا الله عز وجل، مئونته
بين الإمام جعفر الصادق والمنصور العباسي
ووقع إلي هذا الخبر، على خلاف هذه السياقة، وجدته في بعض الكتب بغير إسناد: إن معاذا، مولى إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس رحمهم الله، قال: كنت قائما على رأس محمد بن إسماعيل، مولاي، ورزام، مولى محمد بن خالد بن عبد الله القسري، يحدثه، وكان كاتبه إذ ذاك، قال: وجهني محمد بن خالد القسري، لآتيه بجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، من المدينة، إلى المنصور.
فلما صررنا بالنجف، نزل عن راحلته، وأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة، وصلى ركعتين، ثم رفع يديه إلى السماء، وأنا بالقرب منه، فسمعته يقول: اللهم بك أستفتح، وبك أستنجح، وبمحمد عبدك ورسولك أتوجه، اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره، اللهم سهل لي حزونته، وذلل لي صعوبته، وأعطني من الخير أكثر مما أرجو، واكفني من الشر أكثر مما أخاف، ثم جاء فركب ومضى.
فلما قيل لأبي جعفر: إنه بالباب، أمر بالستور فرفعت، وبالأبواب ففتحت، ثم خرج إليه، فلقيه في منتصف الدار فعانقه أبو جعفر، وأخذ بيده يماشيه مقبلا عليه، حتى انتهى إلى مجلسه، فأجلسه فيه، ثم أقبل عليه المنصور يسائله، وأقبل جعفر يدعو له ويفديه.
ثم إن المنصور قال له: عرفت ما كان من أمر هذين الرجلين، يعني: محمدا وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن، وما كان من بري بهما، وقد استترا، وخفت أن يشقا العصا، ويلقيا بين أهل هذا البيت شرا لا يصلح أبدا، فأخبرني بخبرهما، ودلني عليهما.
فقال له جعفر: قد والله نهيتهما فلم يقبلا، وكرهت أن أطلع على شيء من أمورهما، وما زلت مائلا إليك، وحاطبا في حبلك، ومواظبا على طاعتك.
فقال له المنصور: صدقت، ولكنك تعلم، أني أعلم، أن علم أمرهما عندك، ولن أقنع إلا أن تخبرني بخبرهما وأمرهما.
فقال: يا أمير المؤمنين، أتلو عليك آية من كتاب الله عز وجل، فيها منتهى علمي بهما.
قال: هات، على اسم الله.
فتلا عليه: ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون﴾ [الحشر: ١٢] .
فخر المنصور ساجدا، وقال: حسبك.
ولم يسأله بعد ذلك عن شيء من أمرهما.
وروي لي هذا الخبر على وجه آخر، حدثنا به علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني عيسى بن أبي حرب الصفار، والمغيرة بن محمد، قالا: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: حدثني الحسن بن الفضل بن الربيع، قال: حدثني عبد الله بن الفضل بن الربيع، عن الفضل بن الربيع، قال: حدثني أبي، قال: حج أبو جعفر المنصور سنة سبع وأربعين ومائة، فلما قدم المدينة، قال لي: ابعث إلى جعفر بن محمد من يأتيني به بغتة، قتلني الله إن لم أقتله، فأمسكت عنه، رجاء أن ينساه، فأغلظ لي في الثانية.
فقلت: جعفر بن محمد بالباب يا أمير المؤمنين، قال: ائذن له، فأذنت له.
فلما دخل، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فقال: لا سلم الله عليك، يا عدو الله، تلحد في سلطاني، وتبغيني الغوائل في ملكي، قتلني الله إن لم أقتلك.
فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، إن سليمان أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، وأنت من ذلك السنخ ففكر طويلا.
ثم رفع رأسه، فقال: أنت عندي، يا أبا عبد الله، البريء الساحة، السليم الناحية، القليل الغائلة، جزاك الله عن ذي رحمك، أفضل ما يجزي ذوي الأرحام عن أرحامهم.
ثم تناول يده، فأجلسه على مفرشه، واستدعى بالمنفحة، والمنفخة مدهن كبير فيه غالية، فغلفه بيده، حتى قطرت لحيته.
ثم قال له: في حفظ الله وفي كلاءته، يا ربيع، ألحق أبا عبد الله جائزته وكسوته.
قال: الربيع: فتبعته، فلما لحقته، قلت له: إني رأيت ما لم تر، وسمعت ما لم تسمع، ورأيت بعد ذلك ما قد رأيت، وقد رأيتك تحرك شفتيك بشيء، فما الذي قلت؟ فقال: نعم، إنك رجل منا أهل البيت، ولك محبة ومودة، اعلم أنني قلت: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، وأدركني برحمتك، واعف عني بقدرتك، لا أهلك وأنت رجائي، رب، كم من نعمة أنعمت بها علي بن الحسن، قل لك عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بلية ابتليتني بها، قل لك عندها صبري فلم تخذلني، فيا من قل عند نعمه شكري فلم يحرمني، ويا من قل عند بليته صبري فلم يخذلني، يا من
رآني على الخطايا فلم يهتكني، يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدا، ويا ذا النعماء التي لا تحصى عددا، صل على محمد وعلى آل محمد، بك أدرأ في نحره، وأعوذ بك من شره، اللهم أعني على ديني بدنياي، وعلى آخرتي بتقواي، واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، يا من لا تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينقصك، إنك أنت الوهاب، أسألك فرجا قريبا، وصبرا جميلا، ورزقا واسعا، والعافية من جميع البلايا، وشكر العافية.
بين موسى الهادي وأحد كتابه
وذكر محمد بن عبدوس الجهشياري، في كتابه «الوزراء»: أن موسى الهادي، سخط على بعض كتابه، ولم يسمه، فجعل يقرعه، ويؤنبه، ويتهدده، ويتوعده.
فقال له الكاتب: يا أمير المؤمنين، إن اعتذاري إليك فيما تقرعني به رد عليك، وإقراري بما بلغك عني، يوجب ذنبا لم أجنه، ولكني أقول كما قال الشاعر:
إذا كنت ترجو في العقاب تشفيا ... فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر
فصفح عنه، وأمر بترك التعرض له، وأحسن إليه، وصرفه مكرما.
ابن مقلة ينفذ من سجنه رقعة إلى الوزير ابن الفرات
حدثني علي بن هشام بن عبد الله الكاتب، عن أبي عبد الله زنجي الكاتب، قال: لما نكب أبو الحسن بن الفرات، أبا علي بن مقلة، في وزارته الثالثة، لم أدخل إليه في الحبس، ولا كاتبته متوجعا له، ولا راسلته بحرف، خوفا من أن يرقى ذلك إلى ابن الفرات.
وكانت بيني وبين ابن الجراح مقلة مودة، فلما طال مكثه في الحبس، كتب إلي رقعة لطيفة، أولها:
ترى حرمت كتب الأخلاء بينهم ... أبن لي، أم أصبح الود غاليا؟
فما كان لو ساءلتنا كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا
صديقك من راعاك عند شديدة ... وكل تراه في الرخاء مراعيا
فهبك عدوي، لا صديقي، فربما ... يكاد الأعادي يرحمون الأعاديا
ثم أتبع ذلك بكلام عاتبني فيه، ويذكر أنه أنفذ إلي، في طي رقعته، رقعة إلى الوزير، وسألني عرضها عليه، في وقت خلوة لا يكون فيها ابنه أبو أحمد المحسن.
فقرأت الرقعة التي للوزير، فكان فيها: أقصرت أطال الله بقاء الوزير، وفعل به وصنع، عن الاستعطاف وعن الشكوى، حتى تناهت بي المحنة والبلوى، في النفس والمال، والجسم والحال، إلى ما فيه شفاء للمنتقم، وتقويم للمجترم، حتى أفضت بي، إلى الحيرة والتبلد، وبعيالي إلى الهتكة والتلدد، وما أقول إن حالا أتاها الوزير، أيده الله، في أمري، إلا بحق واجب، وظن صادق غير كاذب، إلا أن القدرة تذهب الحفيظة، والاعتراف يزيل الاقتراف، ورب المعروف يؤثره أهل الفضل والدين، والإحسان إلى المسيء،
من أفعال المتقين، وعلى كل حال، فلي ذمام وحرمة، وتأميل وخدمة، إن كانت الإساءة تضيعها، فرعاية الوزير، أيده الله، تحفظها، فإن رأى الوزير، أطال الله بقاءه، أن يلحظ عبده بعين رأفته، وينعم بإحياء مهجته، ويتخلصها من العذاب الشديد، والجهد الجهيد، ويجعل له من معروفه نصيبا، ومن البلوى فرجا قريبا، فعل، إن شاء الله.
فأقامت الرقعة في كمي أياما، لا أتمكن من عرضها، إلى أن رسم لي الوزير ابن الفرات، كتب رقعة إلى جعفر بن القاسم، عامله على فارس، في مهم، وأن أحررها بين يديه، وأعرضها عليه، فأمرني بتحريرها وقد خلا، فاغتنمت خلوته من كل أحد، فقلت له: قد عرف الوزير، أيده الله، ما بيني وبين ابن مقلة، من العشرة والإلفة التي جمعتنا عليها خدمته، ووالله، ما كاتبته ولا راسلته، ولا قضيت له حقا بمعونة ولا غيرها، منذ سخط الوزير، أيده الله، عليه، وهذه رقعته إلي تدل على ذلك، ويسأل عرض رقعة له على الوزير، أيده الله، وهي معي، فإن أذن عرضتها عليه.
فقال: هاتها.
فناولته إياها، قال: فقرأ رقعته إلي، ثم قال: هات رقعته إلي.
فقلت: أسأل الوزير، أيده الله، أن يكتم ذلك عن سيدي أبي أحمد، يعني: المحسن ابنه، فإني أخافه.
فقال: أفعل.
فلما قرأ رقعة ابن مقلة إليه، قال: والله، يا أبا عبد الله، لقد تناهى هذا الرجل في السعاية على دمي، ومالي، وأهلي، لقد صح عندي أنه قال: لما أسلم إلي حامد: لو علمت أن ابن الفرات سيبقى بعد صرفه يوما واحدا ما سعيت عليه، والله، لقد كنت أدعو الله في حبسي، أن لا يمكنني منه، ولا من الباقطائي، أما هو فلإحساني العظيم، كان، إليه، فلم أحب أن أتمكن منه فأشفي غيظي وأفسد إحساني إليه، وأما الباقطائي، فلقبيح إساءته إلي، ولأنه شيخ من شيوخ الكتاب، وخفت العار بما لعلي كنت أعامله به لو حصل في يدي، فلم تجب دعوتي فيه، وأجيبت في الباقطائي، والآن فوحق محمد وآله عليهم السلام، لا جرى على ابن مقلة مكروه بعد هذا، وأنا أتقدم اليوم بأخذه من المحسن، وإنفاذه مع سليمان بن الحسن إلى فارس، وأجريه مجراه في الأمر بحراسة نفسه، وباقي حاله، وأزيدك، يا أبا عبد الله، ما لا أحسبك فهمته.
فقلت: وما هو؟ فإني لم أزل أستفيد الفوائد من الوزير، أيده الله،
تعلما وإنعاما.
فقال: قد بقيت له بقية وافرة من حاله، لولاها، لكان لا يقدر أن يقول قولا سديدا، ولا يتفرغ قلبه لنظم شعر، وبلاغة نثر.
قال: فلما كان من الغد، أخرجه من المحبس، وأنفذه إلى فارس، هو وسليمان بن الحسن، فسلما.
كيف تخلص طريح بن إسماعيل الثقفي من المنصور
أخبرني أبو الفرج علي بن الحسين الأموي، المعروف بالأصبهاني، قال: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن حمزة بن أبي عيينة المهلبي، عن أبيه، عن طريح بن إسماعيل الثقفي، أنه دخل على أبي جعفر، في الشعراء، فقال له: لا حياك الله، ولا بياك، أما اتقيت الله حيث تقول في الوليد:
لو قلت للسيل دع طريقك والموج ... عليه كالهضب يعتلج
لساخ وارتد أو لكان له ... إلى طريق سواه منعرج
فقال طريح: قد علم الله أنني أردت الله بهذا وعنيته، وقلت ذلك، ويدي ممدوة إليه عز وجل.
فقال أبو جعفر: يا ربيع، أما ترى هذا التخلص؟ ١١٩
المأمون يعفو عن الحسين بن الضحاك ويمتنع عن استخدامه
أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، إجازة، قال: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، ومحمد بن خلف بن المرزبان، وألفاظهم تزيد وتنقص.
وأخبرني ببعضه محمد بن خلف، وكيع، من آخره، وقصة وصوله إلى المأمون، ولم يذكر ما قبل ذلك، قالوا: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، ولم يقل وكيع عن أبيه، واللفظ في الخبر لابن أبي الأزهر، وحديثه، ثم قال: كنت بين يدي المأمون قائما، فدخل ابن البواب الحاجب، برقعة فيها أبيات، فقال له: أتأذن في إنشادها؟ قال: هات، فأنشد:
أجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد ... متى ينجز الوعد المؤكد بالعهد
أعيذك من خلف الملول وقد ترى ... تقطع أنفاسي عليك من الوجد
رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه والله أعلم بالعبد
ألا إنما المأمون للناس عصمة ... مميزة بين الضلالة والرشد
فقال له المأمون: أحسنت يا عبد الله وظنها له.
فقال: بل أحسن قائلها يا أمير المؤمنين.
قال: ومن هو قائلها؟ قال: عبدك الحسين بن الضحاك.
فقطب، وقال لا حيا الله من ذكرت، ولا بياه، ولا قربه، أليس هو القائل:
أعيني جودا وابكيا لي محمدا ... ولا تذخرا دمعا عليه وأسعدا
فلا تمت الأشياء بعد محمد ... ولا زال شمل الملك فيه مبددا
ولا فرح المأمون بالعيش بعده ... ولا زال في الدنيا طريدا مشردا
هذا بذاك، ولا شيء له عندنا.
فقال ابن البواب: فأين فضل أمير المؤمنين، وسعة حلمه، وعادته في
العفو؟ فأمر بإحضاره.
فلما حضر، سلم، فرد عليه السلام ردا خفيا، ثم قال: أخبرني عنك، هل عرفت، يوم قتل أخي - هاشمية قتلت، أو هتكت؟ قال: لا.
قال: فما معنى قولك؟:
ومما شجى قلبي وكفكف عبرتي ... محارم من آل النبي استحلت
ومهتوكة بالخلد عنها سجوفها ... كعاب كقرن الشمس حين تبدت
إذا خفرتها روعة من منازع ... لها المرط عاذت بالخضوع ورنت
وسرب ظباء من ذؤابة هاشم ... هتفن بدعوى خير حي وميت
أرد يدا مني إذا ما ذكرته ... على كبد حرى وقلب مفتت
فلا بات ليل الشامتين بغبطة ... ولا بلغت آمالها من تمنت
فقال: يا أمير المؤمنين، لوعة غلبتني، وروعة فاجأتني، ونعمة فقدتها بعد أن غمرتني، وإحسان شكرته فأنطقني.
فدمعت عينا المأمون، وقال قد عفوت عنك وأمرت لك بإدرار أرزاقك عليك، وإعطائك ما فات منها، وجعلت عقوبة ذنبك، امتناعي عن استخدمك.
بين المعتصم والحسين بن الضحاك
أخبرني محمد بن يحيى الصولي، إجازة، وقد ذكره أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الكبير، كتاب الأغاني، الذي أجازه لي في جملة ما أجاز، في أخبار الحسين بن الضحاك، قال: غضب علي المعتصم في شيء جرى على النبيذ، وقال والله لأؤدبنه، وحجبني، فكتب إليه:
غضب الإمام أشد من أدبه ... وقد استجرت وعذت من غضبه
أصبحت معتصما بمعتصم ... أثنى عليه الله في كتبه
لا والذي لم يبق لي سببا ... أرجو النجاة به سوى سببه
ما لي شفيع غير رحمته ... ولكل من أشفى على عطبه
إلا كريم طباعه وبه ... أرجو الذي أرجوه في نسبه
فلما قرئت عليه، التفت إلى الواثق، وقال: وبمثل هذا الكلام يستعطف الكرام، ما هو إلا أن سمعت أبيات حسين هذه، حتى زال ما في نفسي عليه.
فقال الواثق: هو حقيق أن يهب له أمير المؤمنين ذنبه، ويتجاوز عنه،
فرضي عني، وأمر بإحضاري.
قال: الصولي: فحدثني الحسين بن يحيى، أن هذه الأبيات إنما كتب بها إلى المعتصم لأنه بلغه عنه أنه مدح العباس بن المأمون، وتمنى له الخلافة، فطلب، فاستتر، وكتب بهذه الأبيات إلى المعتصم على يدي الواثق، فأوصلها، وشفع له، فرضي عنه، وأمنه، فظهر، ثم استدعاه، فدخل عليه، وهجا العباس بن المأمون، فقال:
خل اللعين وما اكتسب ... لا زال منقطع السبب
يا عرة الثقلين لا ... دينا رعيت ولا حسب
حسد الإمام مكانه ... جهلا هداك على العطب
وأبوك قدمه لها ... لما تخير وانتخب
ما تستطيع سوى التنفس ... والتجرع للكرب
لا زلت عند أبيك منتقص ... المروءة والأدب
الشعبي يروي قصة دخوله على الحجاج
وجدت بخط القاضي أبي جعفر أحمد بن البهلول الأنباري، قال الشعبي: كنت فيمن خرج مع ابن الأشعث، على الحجاج، فلما هزم، هربت، فأتيت يزيد بن أبي مسلم، وكان لي صديقا، وذكرت له أمري.
فقال: يا عامر، أنا أخوك الذي تعرف، ووالله، ما أستطيع نفعك عند الحجاج، وما أرى لك إلا أن تمثل بين يديه، فتقر بذنبك، فإن الحجاج ليس ممن يكذب، فاصدقه، واستشهدني على ما بدا لك.
قال الشعبي: فما شعر الحجاج، إلا وأنا قائم بين يديه، فقال: عامر؟ قلت: نعم، أصلح الله الأمير.
قال: ألم أقدم العراق، فوجدتك خاملا، فشرفتك، وأوفدتك إلى
أمير المؤمنين، وأثبتك عريف قومك، واستشرتك؟ قلت: بلي.
قال: فما الذي أخرجك علي، وأين كنت في هذه الفتنة؟ قلت: أصلح الله الأمير، أوحش الجناب، وأحزن بنا المنزل، فاستشعرنا الخوف، واكتحلنا السهر، واستحلسنا البلاء، وفقدنا صالح الإخوان، وشملتنا فتنة، لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، وما أعتذر ألا أكون سعيت، وهذا يزيد بن أبي مسلم، يشهد لي بذلك، وأني كنت أكتب إليه بعذري.
فقال ابن أبي مسلم: صدق، أعز الله الأمير.
فقال الحجاج: هذا عامر، ضرب وجوهنا بسيفه، وأتانا يعتذر بالباطل، ردوا عليه عطاءه.
وعفا عنه.
من قصص ملوك الفرس
أ - بين كسرى أبرويز ومغنيه
وجدت في بعض الكتب، عن ابن خرداذبه، قال: غضب أبرويز الملك على بعض أصحابه، من جرم عظيم، فحبسه زمانا، ثم ذكره، فقال للسجان: هل يتعاهده أحد؟ .
فقال: أيها الملك، الفلهند المغني وحده، فإنه كان يوجه إليه في كل يوم بسلة من طعام.
فقال كسرى أبرويز للفلهند: غضبت على فلان، وحبسته، فقطعه الناس غيرك، فإنك كنت تتعاهده بالبر في كل يوم.
فقال: أيها الملك، إن البقية التي بقيت له عندك، فابقت روحه في جسده، أبقت له عندي مقدار سلة من طعام.
فقال له: أحسنت، وقد وهبت لك ذنبه، وأطلقه للوقت.
ب - الفلهند يحرم الملك أبرويز من شطر لذته
حدثني الحسن بن محمد بن الحسن الجنائني، قال: قرأت في بعض كتب الفرس أن أبرويز الملك كان معجبا بغناء الفلهند مغنيه، فنشأ للفلهند غلام أحسن غناء منه - فأدخله إلى أبرويز يتحفه به، ويتقرب إليه بذلك، فاستطابه أبرويز وغلب على قلبه حتى قدمه على الفلهند، فحسده الفلهند، فقتله.
وبلغ أبرويز ذلك، فغضب عليه غضبا شديدا، واستدعى الفلهند، فقال له: يا كلب، علمت أن شطر لذتي في الغناء كان فيك، وشطرها كان في غلامك، فقتلته لتذهب شطر لذتي، والله لأقتلنك، وأمر به فجر ليقتل.
فقال: أيها الملك، اسمع مني كلمة، ثم اعمل ما شئت.
قال: قل.
قال: إذا كانت لذتك شطرين، وقد أبطلت أنا بالجهل أحدهما، وتبطل أنت على نفسك الشطر الثاني بطاعة الغضب، فإن جنايتك على نفسك، أعظم من جنايتي عليك.
فقال أبرويز: ما نطقت بهذا الكلام، في مثل هذا المقام، إلا لما في أجلك من التأخير، ولما يريد الله تعالى إسعادي به من الالتذاذ بغنائك، وقد عفوت عنك.
وأطلقه.
ج - صاحب المائدة يصب ما في الغضارة على رأس الملك
حدثني الحسن بن محمد الجنائني، قال: قرأت في بعض كتب الفرس المنقولة إلى العربية، أن ملكا من ملوكهم قدم إليه صاحب مائدته غضارة إسفيذباج فنقطت منها نقطة على ساعد الملك، فأمر بقتله.
فقال له الرجل: أعيذ الملك بالله أن يقتلني ظلما بغير ذنب قصدته.
فقال له الملك: قتلك واجب، ليتعظ بك غيرك، فلا تهمل الحرمة.
فأخذ الرجل الغضارة، فصبها بأسرها على رأس الملك، وقال: أيها الملك، كرهت أن يشيع عنك أنك قتلتني ظلما، ففعلت هذا لأستحق القتل، فيزول عنك قبح الأحدوثة بظلم الخدم، فشأنك الآن وما تريد.
فقال الملك: ما أحصن الأجل! وعفا عنه.
الغلط الذي لا يتلافى
وجدت في بعض الكتب: أن رجلين أتي بهما إلى بعض الولاة، وقد ثبت على أحدهما الزندقة، وعلى الآخر شرب الخمر، فسلم الوالي الرجلين إلى بعض أصحابه، وقال له: اضرب عنق هذا، وأومى إلى الزنديق، وحد هذا، وأومى إلى الشارب.
وقال: خذهما.
فلما ذهب بهما ليخرجا، قال شارب الخمر: أيها الأمير، سلمني إلى غير هذا ليحدني، فلست آمن أن يغلط فيضرب عنقي، ويحد صاحبي، والغلط في هذا لا يتلافى.
فضحك منه الأمير، وخلى سبيله، وضرب رقبة الزنديق.
الأمير عبد الله بن طاهر يعفو عن الحصني ويحسن إليه
وجدت في كتاب أبي الفرج المخزومي، عن أبي محمد الحسن بن طالب، كاتب عيسى بن فرخان شاه، قال: حدثني عيسى بن فرخان شاه، قال: لما وليت ديار مصر، لم يزل وجوهها يصفون لي محمد بن يزيد الأموي الحصني بالفضل، وينشدوني قصيدته التي أجاب بها عبد الله بن طاهر، لما فخر بأبيه، ويذكرون قصته معه لما دخل عبد الله الشام، وأشرف
الحصني على الهلاك خوفا منه، كيف كفي أمره بلا سبب، وكيف أحسن إليه، وأقره في حصنه، فكنت أتفقد أمره في ضيعته، وأحسن إليه في معاملته، وكانت كتبه ترد علي بالشكر بأحسن عبارة.
فلما خرجت لتصفح كور عملي، وأحوال الرعية والعمال بالنواحي، وردت الكورة التي فيها حصن محمد بن يزيد في ناحية منها، فخرج مستقبلا لي، وراغبا إلى في النزول عليه.
فلما التقينا، قال لي: لم أشك، مع فضلك، أنك لا تتجاوزني، ولم آمن أن يعارضك ظن، يصور لك أن عدولك عني، إبقاء علي، وإشفاق من نسبة السلطان إياك إلى إيثار لذتك في لقائي، فتطويني، فحملت نفسي على خلاف ما كنت أحب أن يشيع لك، من ابتدائي بالقصد قبل رغبتي إليك فيه، فالحمد لله الذي جعل لك السبق إلى المكرمة.
وسرهنا إلى حصنه، وأوقفني على المواضع المذكورة في الخبر والشعر إلى أن دخلنا حصنه، فلم أجد فيه أهبة للنزول به، ورأيت أدبا ومروءة، وسبق بما حضر من القرى، ولم ينقبض من إحضار ما أعددته في سفرتنا، ووجدت خدمته كلها تدور على جارية سوداء اللون، خفيفة الحركة، يدل نشاطها على اعتيادها الطراق، إلى أن رفع الطعام، وحضر الشراب، فحضرت السوداء في
غير الزي الأول، وجلست تغني، فأنكرتها، حتى استثبته فيها، فوصف لي قديم حرمتها، وقال: هي كانت طليعتي يوم قصدني عبد الله بن طاهر.
فاستفتحني لمسألته عن الخبر، فسألته.
فقال: لما بلغني إجماع عبد الله بن الطاهر على الخروج لطلب نصر بن شبث، الخارجي كان في ذلك الوقت، بنفسه، أيقنت بالهلاك، وخفت أن يقرب مني، فتنالني منه بادرة مكروه، ولم أشك في ذهاب النعمة، وإن سلمت النفس لما بلغه من إجابتي إياه، عن قصيدته التي فخر بها، وأنشدنيها:
مدمن الإغضاء موصول ... ومديم العتب مملول
ومدين البيض في تعب ... وغريم البيض ممطول
وأخو الوجهين حيث رمى ... بهواه فهو مدخول
وقليل من يبرزه ... في يد التهذيب تحصيل
فاتئد تلق النجاح به ... واعتساف الأمر تضليل
واغض عن عيب أخيك يدم ... لك حبل منه موصول
من يرد حوض الردى صردا ... لا يسعه الري تعليل
من بنات الروم لي سكن ... وجهها للشمس إكليل
عتبت والعتب من سكن ... فيه تكثير وتقليل
أقصري عما لهجت به ... ففراغي عنك مشغول
سائلي عما تسائلني ... قد يرد الخبر مسئول
أنا من تعرفن نسبته ... سلفي الغر البهاليل
مصعب جدي نقيب بني ... هاشم، والأمر مجهول
وحسين رأس دعوتهم ... ودعاء الحق مقبول
سل بهم تنبيك نجدتهم ... مشرفيات مصاقيل
كل غضب مشرب عللا ... وجراز الحد مفلول
وأبي من لا كفاء له ... من يسامي مجده قولوا
صاحب الرأي الذي حصلت ... رأيه القوم المحاصيل
حل منهم بالذرى شرفا ... دونه عز وتبجيل
تفصح الأنباء عنه إذا ... أسكت الأنباء مجهول
سل به والخيل ساهمة ... حوله جرد أبابيل
إذ علت من فوقه يده ... نوطها أبيض مصقول
وبربات الخدور وقد ... جعلت تبدو الخلاخيل
من ثنى عنه الخيول ... بأكنافها الخطية الشول
أبطن المخلوع كلكله ... وحواليه المغاويل
فثوى والترب مضجعه ... غال عنه ملكه غول
قاد جيشا نحو قاتله ... ضاق عنه العرض والطول
من خراسان مصممهم ... كليوث ضمها غيل
وهبوا لله أنفسهم ... لا معازيل ولا ميل
ملك تحتاج سطوته ... ونداه الدهر مبذول
قطعت عنه تمائمه ... وهو مرهوب ومأمول
وتره يسعى إليه به ... ودم يجنيه مطلول
قال: وكنت لما بلغتني القصيدة، امتعضت للعربية، وأنفت أن يفخر عليها رجل من العجم، لأنه قتل ملكا من ملوكها بسيف أخيه، لا بسيفه، فيفخر عليها هذا الفخر، ويضع منها هذا الوضع، فرددت على قصيدته
ولم أعلم أن الأيام تجمعنا، ولا أن الزمان يضطرني إلى الخوف منه، فقلت:
لا يرعك القال والقيل ... كلما بلغت تهويل
ما هوى لي حيث أعرفه ... بهوى غيرك موصول
أين لي عدل إلى بدل ... أبديل منك مقبول
إذ عدمت العدل منك وإذ ... أنا فيك الدهر معدول
حمليني كل لائمة ... كل ما حملت مقبول
واحكمي ما شئت واحتكمي ... فحرامي فيك تحليل
والذي أرجو النجاة به ... ما لقلبي عنك تحويل
ما لداري منك مقفرة ... وضميري منك مأهول
أيخون العهد ذو ثقة ... لا يخون العهد مسئول
وأخو حبيك في تعب ... مطلق مرا ومغلول
ما فراغي عنك مشتغل ... بل فراغي بك مشغول
وبدت يوم الوداع لنا ... غادة عيطاء عطبول
حاسرا أو ذات مقنعة ... ذات تاج فيه إكليل
أي عطفيها به انصرفت ... أرج بالمسك معلول
تتعاطى شد معجرها ... ونطاق الخصر محلول
بأداليل لها قتل ... حبذا تلك الأداليل
فبنفسي دمج مشطتها ... ومثانيها المراسيل
سبقت بالدمع مقلتها ... فلها بالدمع تفصيل
ورمت بالسحر من كثب ... فدفين الداء مقتول
لاحظت بالسحر عابثة ... فحسام الصبر مفلول
شملنا إذ ذاك مجتمع ... وجناح البين مشكول
ثم ولت كي تودعنا ... كحلها بالدمع مغسول
لا تخاف الدهر طائره ... فأذاه عنك معقول
أيها النازي مطيته ... لأغاليطك تحصيل
قد تأولتم على جهة ... ولنا في ذاك تأويل
إن دليلاك يوم غدا ... بك في الحين لضليل
قاتل المخلوع مقتول ... ودم القاتل مطلول
قد يخون الرمح عامله ... وسنان الرمح مصقول
وينال الوتر طالبه ... بعدها تسلو المثاكيل
سار أوحل فمتبع ... بالتي يكبو لها الفيل
لا تنجيه مذاهبه ... نهر بوشنج ولا النيل
ومدين القتل مرتهن ... بدماء القوم مقتول
بأخي المخلوع طلت يدا ... لم يكن في باعها طول
وبنعماه التي سلفت ... فعلت تلك الأفاعيل
وبراع غير ذي شفق ... جالت الخيل الأبابيل
يابن بيت النار موقدها ... ما لحاديه سراويل
أي مجد فيك نعرفه ... أي جد لك بهلول
من حسين أو أبوك ومن ... مصعب غالتهم غول
وزريق إذ تخلفه ... نسب عمرك مجهول
تلك دعوى لا نناقشها ... وأبوات مراذيل
أسرة ليست مباركة ... غيرها الشم البهاليل
ما جرى في عود أثلتكم ... ماء مجد فهو مدخول
قدحت فيه أسافله ... وأعاليه مجاهيل
إن خير القول أصدقه ... حين تصطك الأقاويل
كن على منهاج معرفة ... لا تغرنك الأباطيل
إن للإصعاد منحدرا ... فيه للهاوي أهاويل
ولريب الدهر عن عرض ... بالردي عل وتنهيل
يعسف الصعبة رائضها ... ولها بالعسف تدليل
ويخون الرمح حامله ... وسنان الرمح مصقول
وينال الثأر طالبه ... بعدما تسلو المثاكيل
مضمر حقدا ومنصله ... مغمد في الجفن مسلول
قال: فلما قرب عبد الله بن طاهر مني، استوحشت من المقام خوفا على نفسي، ورأيت بعدي وتسليمي حرمي عارا باقيا، ولم يكن لي إلى هربي بالحرم سبيل، فأقمت على أتم خوف مستسلما للاتفاق، حتى إذا كان اليوم الذي قيل إنه ينزل فيه العسكر بهذه النواحي أغلقت باب حصني، وأقمت هذه الجارية السوداء ربيئة تنظر لي على مرقب من شرف الحصن، وأمرتها أن تعرفني الموضع الذي ينزل فيه العسكر قبل أن يفجأني، ولبست ثياب الموت أكفانا، وتطيب، وتحنطت.
فلما رأت الجارية العسكر يقصد حصني، نزلت فعرفتني، فلم يرعني إلا دق باب الحصن فخرجت، فإذا عبد الله بن طاهر، واقف وحده، منفرد عن أصحابه، فسلمت عليه سلام خائف، فرد علي بن الحسن غير مستوحش، فأومات إلى تقبيل رجله في الركاب، فمنع ألطف منع وأحسنه، ونزل على دكان على باب الحصن.
ثم قال: ليسكن روعك، فقد أسأت الظن بنا، ولو علمنا أنا بزيارتنا لك نروعك ما قصدناك.
ثم أطال المسألة، حتى رأى الثقة مني قد ظهرت، فسألني عن سبب مقامي في البر، وإيثاري إياه على الحاضرة، ورفاهة عيشها، وعن حال ضيعتي ومعاملتي في ناحيتي، فأجبته بما حضر لي.
حتى إذا لم يبق من التأنيس شيء أفضى إلى مساءلتي عن حديث نصر بن شبث، وكيف الطريق إلى الظفر به، فأخبرته بما حضرني.
ثم أقبل علي وقد انبسطت في محادثته كل الانبساط، فقال: أحب أن تنشدني القصيدة التي فيها: يابن بين النار موقدها ما لحاديه سراويل فقلت: أصلح الله الأمير، قد أربت نعمتك على مقدار همتي، فلا تكدرها بما ينغصها.
فقال: إنما أريد الزيادة في تأنيسك، بأن لا تراني متحفظا مما خفت، وعزم على في إنشادها، عزم مجد، فقلت: يريد أن تطرأ على سمعه، فيثور ما في نفسه، فيوقع بي.
ولم أجد من إنشادها بدا، فأنشدته القصيدة، فلما فرغت منها، عاتبني عتابا سهلا، فكان منه أن قال: يا هذا، ما حملك على تكلف إجابتي؟ فقلت: الأمير أصلحه الله، حملني على ذلك بقوله:
وأبي من لا كفاء له ... من يسامي مجده قولوا
فقلت: كما تقول العرب، وتفتخر السوقة على الملوك، وكنت لما بلغت إلى قولي:
يا ابن بيت النار موقدها ... ما لحاديه سراويل
قال لي: يابن مسلمة، لقد أحصينا في خزائن ذي اليمينين بعد موته،
ألفين وثلاث مائة سراويل من صنوف الثياب، ما أصلح في أحدها تكة، سوى ما استعمل في اللبس، على أن الناس يقلون اتخاذ السراويلات في كساهم.
فاعتذرت إليه بما حضرني من القول في هذا، وفي جميع ما تضمنته القصيدة، فقبل القول، وبسط العذر، وأظهر الصفح.
وقال: قد دللتنا على ما احتجنا إليه، من معرفة أمر نصر بن شبث، أفتستحسن القعود عنا في حربه.
ولا يكون لك في الظفر به أثر يشاكل إرشادك لوجوه مطالبه؟ فاعتذرت إليه بلزوم ضيعتي ومنزلي، وعجزي عن السفر للقصور عن آلته.
فقال: نكفيك ذلك، وتقبله منا، ودعا بصاحب دوابه، فأمره بإحضار خمسة مراكب من الخيل الهماليج بسروجها ولجمها المحلاة، وبثلاث دواب من دواب الشاكرية، وخمسة أبغل من بغال الثقل، وأمر صاحب كسوته بإحضار خمسة تخوت من أصناف الثياب الفاخرة، وأمر خازنه بإحضار خمس بدر دراهم، فأحضر جميع ذلك، ووضع على الدكان الذي كان عليه جالسا بباب الحصن.
ثم قال لي: كم مدة تأخرك عنا إلى أن تلحق بنا؟ فقربت الموعد، فقام ليركب، فابتدرت إلى يده لأقبلها، فمنعني، وركب، وسار الجيش معه، وما ترك أحدا ينزل، وكفى الله مئونتهم، وخرجت السوداء، فنقلت الثياب والبدر، وأخذ الغلمان الكراع، وما لقيت عبد الله بعدها.
قال: عيسى بن فرخان شاه: فأقمت عند محمد بن يزيد يومي وليلتي،
فأضافني أحسن ضيافة، وكانت مذاكرته لي، وأدبه، ألذ إلي من كل شيء، فأسقطت عنه جميع خراجه في تلك السنة، وانصرفت.
ووقع إلي هذا الخبر، بخلاف هذا، فأخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: حدثني عمي الحسن بن محمد، قال: حدثني ابن الدهقانة النديم، قال: حدثني محمد بن الفضل الخراساني، وكان من وجوه قواد طاهر، وابنه عبد الله، وكان أديبا، عاقلا، فاضلا: لما قال عبد الله قصدته التي فخر فيها بمآثر أبيه وأهله، وبقتل المخلوع، عارضه محمد بن يزيد الأموي الحصني، وهو رجل من ولد مسلمة بن عبد الملك، فأفرط في السب، وتجاوز الحد في قبح الرد، فكان فيما قال:
يابن بيت النار موقدها ... ما لحاديه سراويل
من حسين وأبوك ومن ... مصعب غالتهم غول
نسب في الفخر مؤتشب ... وأبوات أراذيل
قاتل المخلوع مقتول ... ودم المقتول مطلول
وهي قصيدة طويلة.