الفرج بعد الشدةصفحات 355-395
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الذي بين الله والناس لا يغلق

صفحات 355-395

وحدثني عبد الله بن أحمد بن داسة، المقرئ البصري، قال: سمعت أن بعض الجند، اغتصب امرأة نفسها من الطريق، فعرض له الجيران يمنعونه منها، فقاتلهم هو وغلمانه حتى تفرقوا، وأدخل المرأة إلى داره، وغلق الأبواب، ثم راودها عن نفسها، فامتنعت، فأكرهها، ولحقها منه شدة، حتى جلس منها مجلس الرجل من المرآة.

فقالت له: يا هذا، اصبر حتى تغلق الباب الذي بقي عليك أن تغلقه.

قال: أي باب هو؟ قالت: الباب الذي بينك وبين الله.

فقام عنها، وقال اخرجي، قد فرج الله عنك.

فخرجت، ولم يتعرض لها.

بين الوليد بن يزيد وطريح بن إسماعيل الثقفي

أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، عن المدائني، قال: كان الوليد بن يزيد، وهو ولي العهد، يكرم طريح بن إسماعيل الثقفي،

ويدني مجلسه، وجعله أول داخل وآخر خارج من عنده، فاستفرغ مديحه كله فيه، فحسده الناس من أهل بيت الوليد، وقدم حماد الرواية، في تلك الأيام إلى الشام.

فقالوا له: قد ذهب طريح بالأمير كل مذهب، فما لنا معه ليل ولا نهار.

فقال حماد: اطلبوا لي من ينشده بيتين من الشعر في خلوة لأسقط منزلته عنده.

فطلبوا إلى الخصي الذي كان يقوم على رأس الوليد، وجعلوا له عشرة آلاف درهم، على أن ينشد بيتين من الشعر، على خلوة، فإذا سأله عنهما وعن قائلهما، قال له: طريح، فأجابهم الخصي إلى ذلك، وتعلم البيتين.

فلما كان ذات يوم دخل طريح على الوليد، ودخل الناس، وجلسوا طويلا، ثم نهضوا، وبقي طريح مع الوليد بغدائه فتغديا، ثم إن طريحا خرج، فركب إلى منزله، وبقي الوليد وحده في مجلسه ليس معه أحد، فاستقلي على فراشه، فاغتنم الخصي خلوته، فأنشده البيتين، وهما:

سيري ركابي إلى من تسعدين به ... فقد أقمت بدار الهون ما صلحا

سيري إلى سيد سمح خلائقه ... ضخم الدسيعة قرم يحمل المدحا

فأصغى الوليد إليه، ثم قال: من يقول هذا يا غلام؟

قال: يقوله طريح.

فامتلا غيظا وغضبا، ثم قال: والهف أم لم تلدني، قد جعلته أول داخل علي، وآخر خارج عني، ويزعم أن هشاما يحمل المدح، وأني لا أحملها.

ثم قال: علي بالحاجب.

فجاء، فقال له: لا أعلم أنك أذنت لطريح، ولا أراه في بسيط الأرض، فإذا جادلك في ذلك، فاخبطه بالسيف.

فلما صليت العصر، جاء طريح في الساعة التي كان يؤذن له فيها، فدنا من الباب ليدخل، فقال له الحاجب: وراءك.

فقال: ما لك، هل دخل على ولي العهد أحد بعدي؟ قال: لا، ولكن ساعة وليت من عنده، دعاني، فأمرني أن لا آذن لك، وإن جادلتني في الإذن خبطتك بالسيف.

فقال له: لك عشرة آلاف درهم، وأدخلني.

فقال له الحاجب: والله، لو أعطيني خراج العراق ما أذنت لك، وما لك خير في الدخول، فارجع.

فقال: ويحك، هل تعلم من دهاني عنده؟ قال: لا والله، لقد دخلت عليه، وما عنده أحد، ولكن الله تعالى يحدث ما يشاء، في الليل والنهار.

فرجع طريح، وأقام بباب الوليد سنة، لا يخلص إليه، ولا يقدر على الدخول عليه، وأراد الرجوع إلى وطنه وقومه.

ثم قال: والله، إن هذا مني لعجز، أرجع من غير أن ألقي ولي العهد، فأعلم من دهاني عنده؟ ورأى أناسا كانوا أعداء له، قد فرحوا بما كان من أمره، ولم يزل يلطف بالحاجب، حتى قال له: أما إذ أطلت المقام، فأنا أكره أن تنصرف على حالك هذه، ولكن الأمير، إذا كان يوم كذا وكذا، ودخل الحمام، ثم أمر بسريره فأبرز، وليس عليه يؤمئذ حجاب، فإذا كان ذلك اليوم حضرت، فدخلت عليه، وظفرت بحاجتك، ويكون لي أنا عذر.

فلما كان ذلك اليوم دخل الحمام، وأبرز سريره، وجلس عليه، وأذن للناس فدخلوا، وبعث الحاجب إلى طريح، فأقبل.

فلما رآه الوليد من بعيد، صرف وجهه عنه، وكره أن يرده من بين الناس، فسلم، فلم يرد عليه، فأنشأ طريح يقول:

نام الخلي من الهموم وبت في ... ليل أكابده وهم مضبع

وسهرت لا أسري ولا في لذة ... أرقي وأعقد ما لقيت المضجع

أبغي وجوه مخارجي من تهمة ... أزمت علي وسد منها المطلع

جزعا لمغضبة الوليد ولم أكن ... من قبل ذاك من الحوادث أجزع

يابن الخلائف إن سخطك لامرئ ... أمسيت عصمته بلاء مفظع

فلأنزعن عن الذي لم تهوه ... إن كان لي ورأيت ذلك منزع

فاعطف فداك أبي علي تعطفا ... وفضيلة فعسى الفضيلة تنفع

فلقد كفاك وزاد ما قد نالني ... إن كنت لي ببلاء ضر تقنع

سمة لذاك علي جسم شاحب ... باد تحسره ولون أسفع

إن كنت في ذنب عتبت فإنني ... عما كرهت لنازع متضرع

ويئست منك فكل عسر باسط ... يده إلي وكل يسر أقطع

من بعد أخذي من حبالك بالذي ... قد كنت أحسب أنه لا يقطع

أرمضتني حتى انقطعت وسددت ... عني الوجوه ولم يكن لي مدفع

ودخلت في حرم الذمام وحاطني ... خفر أخذت به وعهد مولع

أفهادم ما قد بنيت وخافض ... شرفي وأنت بغير ذلك أوسع

أفلا خشيت شمات قوم فيهم ... شنف وأنفسهم علي تقطع

وفضلت في الحسب الأشم عليهم ... وصنعت في الأقوام ما لم يصنع

فكأن أنفهم بكل صنعية ... أسديتها وجميل فعل يجدع

ودوا لو أنهم ينال أكفهم ... شلل وأنك عن صنيعك تنزع

أو تستليم فيجعلونك أسوة ... وأبي الملام لك الندى والمصنع

فقال له: زعمت أن هشاما يحمل المدح، وأنا لا أحملها؟ فأنكر.

فدعا الخصي، وكشف عن الصورة، فاعترف الخصي، بما كان قد رشي، حتى أنشد البيتين بحضرة الوليد، فرضي عنه، وأجزل عطاءه، وعوضه ما فاته، ورده إلى ما كان عليه.

بين الجاحظ وأحمد بن أبي دؤاد

وجدت في بعض الكتب: أتي بالجاحظ، إلى أحمد بن أبي دؤاد، بعد نكبة محمد بن عبد الملك الزيات مقيدا في جبة صوف.

فقال له ابن أبي دؤاد: والله يا عمرو ما علمتك إلا متناسيا للنعمة، جاحدا للصنيعة، معددا للمثالب، مخفيا للمناقب، وإن الأيام لا تصلح مثلك، لفساد طويتك، وسوء اختبارك.

فقال له الجاحظ: خفض عليك، فوالله، لأن تكون المنة لك علي، خير من أن تكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن، أحسن في الأحدوثة من أن أسيء وتسيء، ولأن تعفو في حال قدرتك، أجمل بك من أن تنتقم.

فقال له ابن أبي دؤاد: ما علمتك إلا كثير تزويق اللسان، قد جعلت لسانك أمام قلبك، ثم اضطغنت فيه النفاق، اغرب قبحك الله.

فأنهض في قيوده، ثم قال: يا غلام، الحقه، فخذ قيوده، وصر به إلى الحمام، واحمل إليه خلعة يلبسها، واحمله إلى منزل فيه فرش وآلة وقماش تزاح فيه علله، وادفع إليه عشرة آلاف درهم لنفقته، إلى أن أصلح من خلته، ففعل ذلك كله.

فلما كان من الغد، رؤي الجاحظ متصدرا في مجلس ابن أبي دؤاد، وعليه خلعة من ثيابه، وطويلة من قلانسه، وهو مقبل عليه بوجهه، يقول: هات يا أبا عثمان.

الرشيد يمضي ما تعهد به وزيره جعفر البرمكي في مجلس أنس

أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: حدثني يحيى بن علي المنجم، قال: حدثني أبي، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: لم أر قط مثل جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، كانت له فتوة، وظرف، وأدب، وحسن غناء، وضرب بالطبل، وكان يأخذ بأجزل حظ، من كل فن.

فحضرت باب الرشيد يوما، وكان الرشيد نائما، فوافي جعفر، فقلت له إنه نائم، فرجع، وقال سر بنا إلى المنزل، حتى نخلو جميعا بقية يومنا، فأغنيك، وتغنيني، ونأخذ في شأننا، من وقتنا.

فقلت: نعم.

فسرنا إلى مجلسه، فطرحنا ثيابنا، ودعا بالطعام، فأكلنا، وأمر بإخراج الجواري، وقال: ليبرزن، فليس عندنا من نحتشمه.

فلما رفع الطعام، وجيء بالشراب، دعا بقميص حرير فلبسه، ودعا لي بمثله، ودعا بخلوق، فتخلق، وخلقني، وجعل يغنيني، وأغنيه.

وكان قد دعا بالحاجب، فتقدم إليه أن لا يأذن لأحد من الناس كلهم، وإن جاء رسول أمير المؤمنين، فأعلمه أني مشغول، واحتاط في ذلك، وتقدم

فيه إلى جميع الحجاب والخدم.

ثم قال: إن جاء عبد الملك، فأذنوا له، يعني رجلا كان يأنس به، ويمازحه، ويحضره خلواته، ثم أخذنا في شأننا.

فبينما نحن على سارة، إذ رفع الستر، فإذا عبد الملك بن طالح الهاشمي قد أقبل، وغلط الحاجب، فلم يفرق بينه وبين عبد الملك الذي يأنس به جعفر.

وكان عبد الملك هذا من جلالة القدر والتقشف، على حالة معروفة، حتى إنه كان يمتنع من منادمة الخليفة، على اجتهاد من الخليفة أنت يشرب معه قدحا واحد، فلم يفعل، ترفعا.

فلما رأيناه مقبلا، أقبل كل واحد منا ينظر إلى صاحبه، وكاد جعفر أن تنشق مرارته غيظا.

وفهم الرجل حالنا، فأقبل نحونا، حتى صار إلى الرواق الذي نحن فيه، فنزع قلنسوته، فرمى بها مع طيلسانه جانبا، ثم قال: أطمعونا شيئا.

فدعا له جعفر بطعام، وهو منتفخ غيظا وغضبا، فأكل، ثم دعا برطل، فشربه.

ثم أقبل إلى المجلس الذي كنا فيه، فأخذ بعضادتي الباب، ثم قال: أشركونا فيما أنتم فيه.

فقال له جعفر: ادخل، فدخل فدعا له بقميص حرير وخلوق، فلبس، وتخلق، ثم دعا برطل، ورطل حتى شرب ثلاثة أرطال، ثم اندفع يغنينا، فكان، والله، أحسننا غناء.

فلما طابت نفس جعفر، وسري عنه ما كان به، التفت إليه، وقال: ارفع حوائجك.

فقال: ليس هذا موضع حوائج.

فقال: أقسم عليك، لتفعلن.

ولم يزل يلح عليه حتى قال: له: أمير المؤمنين واجد علي كما قد علمت، فأحب أن تترضاه.

قال: فإن أمير المؤمنين قد رضي عنك، فهات حوائجك، كما أقول لك.

قال: علي دين فادح.

قال: كم مبلغه؟ قال: أربعة آلاف ألف درهم.

قال: هذه أربعة آلاف ألف درهم، فإن أحببت قبضها، قبضتها الساعة، فإنه لا يمنعني من إعطائك إياها، إلا أن قدرك يجل عندي أن يصلك مثلي، ولكني ضامن لها، حتى تحمل لك في غد، من مال أمير المؤمنين، فسل أيضا.

قال: تكلم أمير المؤمنين حتى ينوه باسم ابني.

قال: ولاه أمير المؤمنين مصر، وزوجه ابنته الغالية، ومهرها عنه ألفي

ألف درهم.

قال: إسحاق: فقلت في نفسي، قد سكر الرجل، يعني جعفر.

فلما أصبحنا، حضرت دار الرشيد، فإذا بجعفر بين يديه، ووجدت في الدار جلبة، فإذا بأبي يوسف القاضي ونظرائه، وقد دعي بهم، ثم دعي بعبد الملك وابنه، فدخلا على الرشيد.

فقال الرشيد لعبد الملك: إن أمير المؤمنين كان واجدا عليك، وقد رضي عنك، وأمر لك بأربعة آلاف ألف درهم، فخذها من جعفر الساعة.

ثم دعا بابنه، وقال: اشهدوا علي أنني قد زوجته ابنتي الغالية، ومهرتها عنه ألفي ألف درهم، ووليته مصر.

فلما خرج جعفر سألته عن الخبر، فقال: بكرت إلى دار الرشيد، فحكيت له جميع ما جرى حرفا حرفا، ووصفت له دخول عبد الملك وما صنع، فعجب منه، وسر به.

فقلت له: وقد ضمنت له عن أمير المؤمنين ضمانا.

فقال: ما هو؟ فأعلمته.

فقال: نفي له بضمانك، وأمر بإحضاره، فكان ما رأيت.

الرشيد يرضى عن فرج الرخجي ويعيده إلى عمالة الأهواز

ذكر ابن عبدوس في كتابه (الوزراء)، قال: كان الرشيد قد قلد فرجا الرخجي الأهواز، فاتصلت السعايات به عنده، وكثرت الشكايات منه، وتظلم الرعية، وادعي عليه أنه اقتطع مالا عظيما، فصرفه بمحمد بن أبان الأنباري وقبض عليه.

وحدث للرشيد سفر، فأشخصه معه، فلما كان في بعض الطريق دعا به، فقال مطر بن سعيد، كاتب فرج: فلما أمر بإحضاره، حضر وأنا معه، ولست أشك في الإيقاع به، وإزالة نعمته، فوقفت بباب مضرب الرشيد، ودخل فرج، ونحن نتوقعه أن يخرج منكوبا، إذ خرج وعليه الخلع، فتضاعفت النعمة عندي، وسرت معه إلى منزله.

فلما خلا سألته عن خبره، فقال: دخلت عليه ووجهه إلى الحائط، وظهره إلي، فلما أحس بي، شتمني أقبح شتم، وتوعدني أشد توعد.

ثم قال: يابن الفاعلة، رفعتك فوق قدرك، وائتمنتك، فخنتني، وسرقت مالي، وفعلت، وصنعت، والله، لأفعلن بك، ولأصنعن.

فلما سكت، قلت: القول ما قاله أمير المؤمنين في إنعامه، وأكثر منه، وحلفت له بأيمان البيعة وغيرها، أني ناصحت وما سرقت، ووفرت وما خنت، واستقصيت حقوقه من غير ظلم، ولكني كنت إذا حضر وقت الغلات، جمعت التجار وناديت عليها، فإذا تقررت العطايا أنفذت البيع، وجعلت لي مع التجار حصة، فربما ربحت، وربما وضعت، إلى أن اجتمع لي من ذلك وغيره، في عدة سنين، عشرون ألف ألف درهم، فاتخذت أزجا كبيرا، وأودعته المال، وسددته عليه فخذها، وحول وجهك إلى عبدك، وكررت عليه الأيمان، بأيمان البيعة على صدقي.

فقال لي: بارك الله لك في مالك، ارجع إلى عملك.

بين ثمامة بن أشرس والفضل بن سهل وزير المأمون

وذكر ابن عبدوس أيضا في كتاب (الوزراء)، عن ثمامة بن أشرس، أنه قال: اجتمع الناس، وجلس لهم الفضل بن سهل، على فرش مرتفعة، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي فصلى عليه، ثم ابتدأ بالوقيعة في عبد الله بن مالك الخزاعي، وذكر أنه كان يدعي على الرشيد، في حكاية حكاها، دخول بيت القيان، وهو كاذب في ذلك، وهو الذي كان يفعل هذا الفعل، ويدخل المواخير والدساكر، ولا يرفع نفسه عن ذلك، ولا يصون عرضه.

قال ثمامة: ثم أقبل علي، فقال: وإن أبا معن، ليعلم ذلك، ويعرف صحة ما أقول، فتركت تشييع كلامه بالتصديق، وأطرقت إلى الأرض، ودخلتني عصبية العربية لابن مالك.

ثم عاد إلى تهجين عبد الله، والتوسع في الدعاوى عليه، ثم أقبل علي ثانية، وقال: إن ثمامة ليعرف ذلك، فسكت، وأطرقت، وإنما كان يريد مني تشييع كلامه بالتصديق.

فلما رأى إعراضي عن مساعدته ترك الإقبال علي، وأخذ في خطبته، حتى فرغ من أربه في أمر عبد الله بن مالك.

فلما تفرق الناس عنه، وانصرفت، علمت أني قد تعرضت لموجدة الفضل، وهو الوزير، وحالي عنده حالي.

فلما حصلت في منزلي، جاءني بعض إخواني ممن كان في ناحية الفضل، فأخبرني أن يحيى بن عبد الله، وغيره، قالوا: ماذا صنع أبو معن، يخاطبه الوزير، فيعرض عنه مرة بعد أخرى.

فقلت: أنا والله، بالموجدة عليه، أعزه الله، أحق، لأنه قام في ذلك الجمع، وقد حضر كل شريف ومشروف، فلم يستشهد بي في خطبته، وما أجراه في كلامه، إلا في موضع ريبة، أو ذكر نبوة، ودار مقين ومغنية، وما أقدر أن أشهد إلا أن أكون مع القوم ثالثا.

فقالوا: صدقت، والله، يا أبا معن، بئس الموضع وضعك.

فرجع كلامي إليه، فقال: صدق والله ثمامة، وهو بالمعتبة أحق.

واندفعت عني موجدته، وما كان بي إلا ما داخلني من الحمية لعبد الله بن مالك.

بين الأمين وإبراهيم بن المهدي

أخبرني أبو الفرج الأموي الأصبهاني، قال: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، ووجدت في بعض الكتب بإسناد غير هذا، ليس لي بسماع، فجمعت بين الخبرين، على أتم اللفظ، قال: جرى بين الأمين، وبين عمه إبراهيم بن المهدي، كلام، وهما على النبيذ، فوجد الأمين على إبراهيم، وبانت لإبراهيم الوحشة منه، فانصرف إبراهيم إلى منزله قلقا، وحجبه الأمين عنه.

وبلغ إبراهيم ذلك، فبعث إلى الأمين بألطاف، ورقعة يعتذر فيها، فرد الأمين الهدية، ولم يجب إبراهيم عن الرقعة.

فوجه إبراهيم إليه وصيفة مليحة مغنية، كان رباها، وعلمها الغناء، وبعث معها عودا معمولا من العود الهندي، مكللا بالجوهر، وألبسها حلة منسوجة بالذهب، وقال أبياتا، وغنى فيها، وألقى عليها الأبيات حتى حفظتها، وأخذت الصوت، وأحكمت الصنعة فيه.

فوقفت الجارية بين يدي الأمين، وقالت: عمك وعبدك، يقول.
. . . واندفعت تغني:

هتكت الضمير برد اللطف ... وكشفت هجرك لي فانكشف

فإن كنت تنكر شيئا جرى ... فهب للعمومة ما قد سلف

وجد لي بالصفح عن زلتي ... فبالفضل يأخذ أهل الشرف

فقال لها الأمين: أحسنت يا صبية، ما أسمك؟ قالت: هدية.

قال: أفأنت كاسمك، أم عارية؟ قالت: أنا كاسمي، وبه سماني آنفا، لما أهداني إلى أمير المؤمنين.

فسر بها الأمين، وبعث إلى إبراهيم، فأحضره، ورضي عنه، وأمر له بخمسين ألف دينار.

وال مستعطف خير من وال مستأنف

ووقف أحمد بن عروة بين يدي المأمون، لما عزله عن الأهواز، فقال له: أخربت البلاد، وقتلت العباد، لأفعلن بك وأصنعن.

فقال: يا أمير المؤمنين، ما تحب أن يفعله الله بك إذا وقفت بين يديه، وقد قرعك بذنوبك؟ قال: العفو، والصفح.

قال: فافعل بعبدك، ما تحب أن يفعله الله بك.

قال: قد فعلت، ارجع إلى عملك، فوال مستعطف، خير من وال مستأنف.

والله يحب المحسنين

روي أن غلاما للحسن بن علي عليهما السلام، جني جناية توجب العقاب، فقال: اضربوه.

فقال: يا مولاي، والكاظمين الغيظ، قال: خلوا عنه.

قال: يا مولاي، والعافين عن الناس.

قال: قد عفوت عنك.

قال: والله يحب المحسنين.

قال: أنت حر لوجه الله تعالى، ولك ضعف ما كنت أعطيك.

عبد الملك بن مروان يسقط حدا من حدود الله تعالى

حكى الأصمعي، قال: أتي عبد الملك بن مروان، برجل قد قامت عليه البينة بسرقة يقطع في مثلها، فأمر بقطع يده.

فأنشأ الرجل يقول:

يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك من عار عليها يشينها

فلا خير في الدنيا ولا في نعيمها ... إذا ما شمال فارقتها يمينها

فقال: هذا حدثنا من حدود الله تعالى، ولا بد من إقامته عليك.

فقالت أم له كبيرة السن: يا أمير المؤمنين، كادي، وكاسبي، وابني، وواحدي، فهبه لي.

فقال لها: بئس الكاد كادك، وبئس الكاسب كاسبك، لابد من إقامة حدود الله عز وجل.

فقالت: يا أمير المؤمنين، اجعله من ذنوبك التي تستغفر الله منها.

فقال: خلوه، فأطلق.

ومن العناء رياضة الهرم

وذكر ابن الجراح عبدوس في كتاب الوزراء: أن عاملا للمنصور على فلسطين كتب إليه: أن بعض أهلها وثب عليه، واستغوى جماعة منهم، وعاث في العمل.

فكتب إليه المنصور: أن قيده، وأنفذه إلي، فأنفذه.

فلما مثل بين يديه، قال: المنصور: أنت المتوثب على عامل أمير المؤمنين، لأبرين لحمك من عظمك، وكان شيخا كبيرا، ضئيل الصوت، فقال:

أتروض عرسك بعدما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم

فلم يفهم المنصور ما قال، فقال: ما يقول يا ربيع؟ قال: إنه يقول:

العبد عبد كم والمال مالكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف

قال: يا ربيع قد عفوت عنه، خلوا سبيله، وأحسن إليه.

أول مائة ألف أعطيها شاعر في أيام بني العباس

أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن موسى، قال: رأيت مروان بن أبي حفصة، وقد دخل علي المهدي، بعد وفاة معن بن زائدة، في جماعة من الشعراء منهم سلم الخاسر، وغيره، فأنشده مديحا فيه.

فقال له: من أنت؟

قال: شاعرك يا أمير المؤمنين، وعبدك، مروان بن أبي حفصة.

فقال له المهدي: ألست القائل في معن بن زائدة:

أقمنا باليمامة بعد معن ... مقاما لا نريد به زوالا

وقلنا أين نذهب بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا

فقد ذهب النوال كما زعمت، فلم جئت تطلب نوالنا؟ لا شيء لك عندنا، جروا برجله، فجروا برجله حتى أخرج.

فلما كان في العام المقبل، تلطف حتى دخل مع الشعراء، وإنما كانت الشعراء، تدخل على الخلفاء في كل عام مرة، فمثل بين يديه، فأنشد، رابع أو خامس شاعر، قصيدته التي أولها:

طرقتك زائرة فحي خيالها ... بيضاء تخلط بالجمال دلالها

قادت فؤادك فاستقاد ومثلها ... قاد القلوب إلى الصبا فأمالها

قال: فأنصت المهدي يستمع منه، إلى أن بلغ منها إلى قوله:

هل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفكم أو تسترون هلالها

أو تجحدون مقالة عن ربه ... جبريل بلغها النبي فقالها

شهدت من الأنفال آخر آية ... بتراثهم فأردتم إبطالها

قال: فرأيت المهدي، وقد زحف من صدر مصلاه، حتى صار على البساط، إعجابا منه بما سمع.

ثم قال: كم بيت هم؟ قال: مائة بيت.

فأمر له بمائة ألف درهم، فكانت أول مائة ألف أعطيها شاعر في أيام بني العباس.

ومضت الأيام، وولي هارون الخلافة، فرأيت مروان وقد دخل في جملة الشعراء، فأنشده قصيدة امتدحه بها.

فقال له: من أنت؟ قال: عبدك، وشاعرك، مروان بن أبي حفصة.

فقال: ألست القائل في معن؟ وأنشده البيتين اللذين أنشدهما المهدي.

ثم قال: خذوا بيده فأخرجوه، فلا شيء له عندنا، فأخرج أقبح إخراج.

فلما كان بعد أيام، تلطف حتى دخل، فأنشده:

لعمرك ما أنسى غداة المحصب ... إشارة سلمى بالبنان المخضب

وقد صدر الحجاج إلا أقلهم ... مصادر شتى موكبا بعد موكب

قال: فأعجبته القصيدة، فقال: كم هي؟ قال: سبعون بيتا، فأمر له بعدد أبياتها ألوفا.

فصار ذلك رسما له عندهم إلى أن مات.

الرشيد يرضى عن العتابي الشاعر

أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: غضب الرشيد على العتابي، وحجبه، فدخل سرا مع المتظلمين، بغير إذن، فمثل بين الرشيد، فقال بين الرشيد، فقال له: يا أمير المؤمنين، قد أدبني الناس لك، ولنفسي فيك، وردني ابتلاؤهم إلى شكرك، وما مع ذكرك قناعة بأحد غيرك، ولعمري لنعم الصائن كنت لنفسي، لو أعانني الصبر عليك، ولذلك أقول:

أخضني المقام الغمر إن كان غرني ... سنا خلب أو زلت القدمان

أتتركني جدب المعيشة مقترا ... وكفاك من ماء الندى يكفان

وتجعلني سهم المطامع بعدما ... بللت يميني بالندي ولساني

قال: فرضي عنه، وخلع عليه، وأمر له بجائزة سنية، فما رأيت العتابي أنشط منه في ذلك اليوم، ولا أفرح، ولا أبسط لسانا منه يومئذ.

قال: أبو الفرج الأصبهاني: في البيتين الأولين غناء لمخارق، ثاني ثقيل بالوسطى، وقيل إن فيه للواثق ثاني ثقيل آخر.

المأمون يصفح عن دعبل الخزاعي الشاعر ويصله

قرئ على أبي بكر الصولي، سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة، بالبصرة، وأنا أسمع: حدثكم هرون بن عبد الله المهلبي، سنة ثمانين ومائتين، قال: لما هجا دعبل المأمون، قال لهم: أسمعوني ما قال: فأنشدوه هذين البيتين من أبيات، وهما:

إني من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفتك بمقعد

شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهدفقال المأمون: قبحه الله، ما أبهته، متى كنت خامل الذكر، وفي حجر الخلافة ربيت، وبدرها غذيت، خليفة، وأخو خليفة، وابن خليفة.

ثم وجد في طلب دعبل، حتى ظفر به، فلم يشك أحد في أنه قاتله.

فلما دخل عليه، قال له: يا دعبل، واستنقذوك من الحضيض الأوهد.

فقال: يا أمير المؤمنين، قد عفوت عمن هو أعظم منى جرما.

فقال: صدقت، لا بأس عليك، أنشدني «مدارس آيات» .

فقال: أنشدها وأنا آمن؟ قال: نعم.

فأنشده إياها، فجعل المأمون يبكي، لما بلغ قوله:

بنات زياد في القصور مصونة ... وبنت رسول الله في الفلوات

ثم وصله وأمنه.

المأمون يهب عمرو بن مسعدة ستة آلاف ألف درهم فيهبها عمرو لأحد أتباعه

قرئ على أبي بكر الصولي، وأنا أسمع، في كتابه (كتاب الوزراء)، حدثكم أحمد بن إسماعيل، قال: حدثني سعد بن يعقوب النصراني، قال: أمر المأمون محمد بن يزداد، وأحمد بن أبي خالد، أن يناظرا عمرو بن مسعدة، في مال الأهواز، فناظراه، فتحصل عليه ستة عشر ألف ألف درهم، فأعلما المأمون بذلك.

فقال: اقبلا منه كل حجة، وكل تعلق، وكل ادعاء.

فقالا: قد فعلنا.

فقال: عودا.

فعادا، فتعلق عمرو بن مسعدة بأشياء لا أصل لها، فسقط من المال عشرة آلاف ألف درهم، وبقي ستة آلاف ألف درهم واجبة عليه، لا حجة له فيها، وأخذ خطه بذلك.

فأحضر المأمون عمرا، بعد خروجهما، فقال له: هذه رقعتك؟ قال: نعم.

قال: وهذا المال واجب عليك؟ قال: نعم.

قال: خذ رقعتك، فقد وهبته لك.

فقال: أما إذ تفضل أمير المؤمنين علي به، فإنه واجب على أحمد بن عروة، وأشهدك أني قد وهبته له.

فاغتاظ المأمون، وخرج عمرو وقد عرف غيظ المأمون، وعلم خطأه في عمله، فلجأ إلى أحمد بن أبي خالد، فأعلمه بذلك، وكان يختصه.

فقال: لا عليك، ودخل إلى المأمون.

فلما رآه المأمون، قال: ألا تعجب يا أحمد من عمرو، وهبنا له ستة آلاف ألف درهم، بعد أن تجاوزنا له عن أضعافها، فوهبها بين يدي لأحمد بن عروة، كأنه أراد أن يباريني، ويصغر معروفي؟ فقال له أحمد: أو قد فعل ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: نعم.

قال: لو لم يفعل هذا، لوجب أن يسقط حاله.

قال: وكيف؟ قال: لأنه لو استأثر به على أحمد بن عروة، وأخذ أحمد بأداء هذا المال، لكان قد أخرجه من معروفك صفرا، ولما كانت نعمتك على عمرو، نعمة على أحمد، وهما خادماك، فكان الأجمل أن يتضاعف معروفك عندهما، فقصد عمرو ذلك، فصار المال تفضلا منك على عمرو، وعلى أحمد بن عروة، ومع ذلك، فأنت سيد عمرو لا يعرف سيدا غيرك، وعمرو سيد أحمد، فاقتدى في أمر أحمد بما فعلت في أمره، وأراد أيضا أن ينتشر

في ملوك الأمم، أن خادما من خدمك اتسع قلبه لهبة هذا المال، من فضل إحسانك إليه، فيزيد في جلالة الدولة، وجلالة قيمتها، فيكسر ذلك الأعداء الذين يكاثرونك.

فسري عن المأمون، وزال ما بقلبه على عمرو.
. ١٤٠

المأمون يصفح عن الفضل بن الربيع

وقرئ على أبي بكر الصولي، بالبصرة، وأنا أسمع، في كتاب (الوزراء)، خبر فيه ذكر الفضل بن الربيع، وظفر المأمون به، وعفوه عنه، وقرئ بعقبه: حدثكم عون بن محمد، قال: حدثنا سعيد بن هريم، قال: لما ظفر المأمون بالفضل بن الربيع، ومثل بين يديه، قال له: يا فضل، أكان من حقي عليك، وحق آبائي، ونعمتهم عندك، وعند أبيك، أن تثلبني، وتشتمني، وتحرض على دمي؟ أتحب أن أفعل بك مع القدرة، ما أردته بي؟

فقال له الفضل: يا أمير المؤمنين، إن عذري يحقدك إذا كان واضحا جميلا، فكيف إذا عفته العيوب، وقبحته الذنوب، فلا يضيق عني من عفوك ما وسع غيري منه، فأنت، والله، يا أمير المؤمنين، كما قال الشاعر:

صفوح عن الإجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما

وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذي لم يغش بالكره مسلما

قال: الصولي: والشعر للحسن بن رجاء.

جعفر بن محمد بن الأشعث يهدئ من غضب الرشيد

غضب الرشيد على جعفر بن محمد بن الأشعث، غضبا شديدا، من كلام جرى بينهما، فخاف جعفر أن يستفزه الغضب، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما تغضب لله عز وجل، فلا تغضب له بما لا يغضب به لنفسه، فانعطف له الرشيد.

بين هشام بن عبد الملك وإبراهيم بن أبي عبلة

أحضر هشام بن عبد الملك، إبراهيم بن أبي عبلة، الذي تقلد ديوان الخاتم لمروان بن محمد، فقال له: إنا قد عرفناك صغيرا، وخبرناك كبيرا، وأريد أن أخلطك بحاشيتي، وقد وليتك خراج مصر، فاخرج إليها.

فأبي إبراهيم عليه، وقال له: ليس الخراج من عملي، ولا لي به معرفة.

فغضب هشام عليه غضبا شديدا، حتى خاف إبراهيم باردته، فقال له: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في الكلام.

فقال: قل.

قال: إن الله تعالى، قال: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، فوالله ما أكرهها، ولا غضب عليها في إبائها، ولقد ذم الإنسان لما قبلها.

فقال له هشام: أبيت إلا رفقا، أعفاه، ورضي عنه.

صاحب ديوان الخراج يسرق توقيع الخليفة من يد الرسول

استسلف موسى بن عبد الملك من بيت مال الخاصة، مالا، إلى أجل قريب، وضمن للمتوكل أن يرده في الأجل.

فجاء الأجل ولم يحمل المال، فغضب المتوكل من مدافعته، وقال لعبيد الله بن يحيى بن خاقان، وقع إليه عني برد المال اليوم، وضيق عليه في المطالبة، وأنفذ التوقيع مع عتاب بن عتاب، ومره أن يطالبه، فإن أخر أداء المال، طالبه، وضربه بالمقارع في ديوان الخراج بحضرة الناس، وأن لا يرفع عنه المقارع، حتى يصحح المال.

فبادر بعض الخدم إلى موسى، فأخبره بذلك، فجلس ينظر في وجوه يرد منها المال.

وصار إليه عتاب بالتوقيع مختوما، وكان يوما شديد الحر، وقد انتصف النهار، وموسى في خيش، في حجرة من ديوانه، وفيه مروحة، يتناوبها فراشان يروحانه، فدخل عتاب، وفي يد موسى كتاب طويل يقرأه،

فجلس، وأكب موسى على الكتاب يتشاغل به عن خطاب عتاب، وأصاب عتاب برد المروحة والخيش، فنام واستثقل.

وكان عتاب قد أخرج التوقيع حين جلس، فوضعه على دواة موسى، فغمز موسى بعض غلمانه فأخذ الكتاب فغيبه.

وما زال عتاب ينام مرة وينتبه أخرى، وموسى يعمل، إلى أن اتقضت الهاجرة، وقد توجه لموسى بعض المال، وأنفذ أصحابه لقبضه.

فقال له عتاب: انظر فيما جئنا له.

قال: قل أصلحك الله فيم جئت؟ قال: فيما تضمن التوقيع.

قال: وأي توقيع؟ قال: الذي أوصلته إليك من أمير المؤمنين.

قال: متى؟ قال: الساعة وضعته على الدواة.

فقال له: قد نمت نومان، وأظن أنك رأيت في نومك شيئا.

فطلب عتاب التوقيع، فلم يجده، فقال: سرق والله التوقيع، يا أصحاب الأخبار، اكتبوا.

فقال موسى: يا أصحاب الأخبار، اكتبوا، كذب فيما ادعاه، ما أوصل إلي توقيعا، وأنتم حاضرون، فهل رأيتموه أوصل إلى توقيعا؟ قم فانظر لعلك يا أبا محمد ضيعت التوقيع في طريقك.

فانصرف عتاب إلى عبيد الله فأخبره بذلك.

فدخل عبيد الله إلى المتوكل، فحدثه، فضحك، وقال: أحضروا موسى الساعة، فحضر.

فقال له المتوكل: يا موسى، سرقت التوقيع من عتاب؟ قال: إي والله يا سيدي خمنت أن فيه مكروها، ونام عتاب من قبل أن يوصله إلي، فأمرت من سرقه، وقد أعددت نصف المال، والساعة أحمله إلى صاحب بيت مال الخاصة، وأحمل الباقي بعد خمسة أيام، وأتبع ذلك بتضرع.

فأنفذ المتوكل معه من قبض منه ذلك، وانصرف وقد رضي عنه.

صاحب الشرطة لا يصلح أن يكون نديما للخليفة

دعا الواثق إسحاق بن إبراهيم المصعبي إلى منادمته، فامتنع، فتلاحيا في ذلك، إلى أن تغير الواثق على إسحاق بن إبراهيم، فأمر بحجبه عنه.

فكتب إليه إسحاق: يا أمير المؤمنين، لو أطلقتني الحشمة التي عقد بها لساني عن الانبساط لتغيره علي، لقلت: ما لي فيما عقده علي قلب أمير المؤمنين ذنب، إذ كان يوقيني من امتهان العامة إياي.

فرمى الواثق كتابه إلى ابن أبي دؤاد.

فقال له ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، ما على من كانت هذه همته فيما يرد على أمير المؤمنين عيب، وهو يجد من إسحاق عوضا في المنادمة، ولا يجد منه عوضا في شرطته.

فرضي عنه الواثق، وأعفاه من المنادمة، ومنع من حجبه، وأجراه على رسمه، وعاد إلى ما كان عليه.

الرشيد يرضى عن نصر بن مالك

لما عزل الرشيد نصر بن مالك، بسعي البرامكة، أمره أن يلزم بيته، ولا يخرج منه، فكتب إلى الرشيد: قد قبضني سوء رأي أمير المؤمنين في، عن الاعتذار بحجة، أو نشر دلالة تنبئ بخلاف ما قرفت به عنده، فما أهتدي إلى وجه طلب الاعتذار، وما يجرأني على الإبانة عما لا أعلمه إلا حسن رأيه أعزه الله، واطلاعه على قلقي بضميره، فإني عبد نعمته، وغذي إحسانه، إن أسبغا علي، وفي شكري لهما، وإن أزيلا عني، اعتصمت منهما الرجوع إلى الحرمة، ولزوم فائدة يتطول بها علي، من تطول على أمير المؤمنين برد ميراثه من الخلافة عليه.

فوقع الرشيد على ظهر رقعته: نصر بن مالك، أولى من ردت عليه النعمة، إذا كان معترفا بسمتها، وبالغا بالشكر حق قيمتها، فما شكرني أحد من أوليائي كشكره، فليهنه ما أوليناه من رأينا، ومنحناه من برنا.

وأظهر الرضا عنه، وولاه ولاية أخرجه إليها.

بين الحجاج ويوسف بن عبد الله بن عثمان

ذكر أبو الحسن المدائني في كتابه، عن ابن أبي عقبة، عن أبيه، قال: لما أمن الحجاج الناس، أتاه يوسف بن عبد الله بن عثمان، وكان عبد الملك بن مروان قد كتب له أمانا.

فقال له الحجاج: ثكلتك أمك.

قال: وأبي مع أمي.

قال: أين ألقتك الأرض بعدي؟ قال: ما قمت مقاما، منذ لم ترني، أوسع من مقام قمته الساعة، إن الله استعملك علينا، فأبينا، فأبي علينا، فعفا عنه.

فقال الفرزدق ذلك:

ولو لم ينل حبل الخليفة يوسفا ... لمج نجيعا من دم الجوف أحمرا

فصول الكتاب · 6 فصل · 404 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الفرج بعد الشدة · 404 صفحة
المقدمة
الباب الأول
الباب الثاني
الباب الثالث
الباب الرابع
الباب الذي بين الله والناس لا يغلق
جارٍ التحميل